Полный текст (9 685 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
وهذا القول نصَّ عليه في "المختصر" وعامة كتبه كما قال القاضي أبو الطيب، وهو مصرح بأن رمضان لو كان ناقصاً لم يلزمه سوى تسع وعشرين يوماً كما هو مصرح به في "التهذيب" وغيره.
قال: ولا يلزمه ذلك في الآخر؛ لأنه أفطر لأجل نفسه بعذر فوجب ألا تلزمه الفدية، كالمسافر والمريض إذا ماتا قبل انقضاء السفر والمرض، وهذا ما حكاه في "الشامل" و"التَّتمة عن نصه في "شرح" حرملة و"مختصر" البويطي والفوراني والبغوي [عن القديم]، وقال الإمام: إنه منقاس، ومع ذلك فلا تعويل عليه في المذهب.
واعلم أن ظاهر كلام الشيخ يقتضي أمرين:
أحدهما: أن الصوم لا يجب على من لا يقدر عليه؛ لما ذكرناه، وإنما الواجب عليه على القول الصحيح: الفدية لا غير، وهو ما اقتضاه كلام القاضي الحسين والبغوي والذي سنذكره من بعد، وقول البندنيجي: أما الشيخ الهمُّ ففرضه الإطعام، فقد حكاه المتولي وهاً في المذهب، وقال تفريعاً عليه: إنه لو نذر الصوم لم يلزمه، وهو الذي صححه في "الروضة"؛ لأنه [غير] قادر عليه، ولا الفدية؛ لأنه لم يلزم إلا الصوم، بخلاف ما إذا قلنا بمقابله كما سنذكره؛ فإنه تلزمه الفدية.
وقال القاضي الحسين في "التعليق" وآخرون – كما قال الرافعي:- يحتمل أن تبنى صحة نذره على أن النذر يسلك به مسلك إيجاب الله تعالى أو إيجاب الآدمي؟
стр. 2837
وفيه قولان، والصحيح: أن الصوم واجب على الشيخ الهمِّ ومن في معناه، وهو مخير بين أن يأتي به وبين أن يطعم على القول بوجوب الفدية؛ للآية، ووجه الدلالة منها من وجهين.
أحدهما: أن ابن عباس وعائشة كانا يقرآن – كما حكاه المتولي عن رواية البخاري في "صحيحه" عنهما: "وعلى الذين يُطَوَّقونه فدية ... " ومعناه: وعلى الذين يكلفون بالصوم ولا يطيقونه، قال الماوردي وأبو الطيب وغيرهما: لأن قراءة الصحابي تجري مجرى خبر الواحد في وجوب العمل به، لأنه لا يقول ذلك إلا سماعاً وتوقيفاً.
ونسب القاضي الحسين هذه القراءة إلى غير ابن عباس، وأنه كان يقول: إن الصوم لما فرض انحتم فعله على القادر عليه ولم يخير فيه، وإن الآية محكمة لم تنسخ.
والثاني: على القراءة المشهورة [أن] المخاطب برمضان كان مخيراً فيه بين فعله وبين الفدية، للآية، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن سلمة بن الأكوع. قال القاضي أبو الطيب: فمقتضى ذلك إيجابه في حق كل أحد، إلا أنَّا أجمعنا على أنه لم ينحتم في حق الشيخ الهم ومن في معناه؛ فكأن حكمه باق على الأصل، واختصاص الشيخ بالقادر على الصوم، وقد روى أبو داود عن ابن عباس أنه قال: كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة [الكبيرة] وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم
стр. 2838
مسكيناً، والحبلى والمرضع إذا خافتا. قال أبو داود: [يعني]: على أولادهما.
قلت: ولمن أجرى كلام الشيخ على ظاهره أن يقول: قراءة ابن عباس مردودة بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ فإن العاجز عن الصوم مأمور بتركه لا بفعله، ولا نسلم أن العاجز عن الصوم دخل فيما اقتضته الآية على القراءة المشهورة، بل إنما تناولت فقط لقوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]، والفطر في حق الشيخ [الهمّ] ومن في معناه خير من الصوم، وهذا اعتراض المزني، وجوابه: أنه لا يمتنع أن يعود قوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا﴾ لبعض ما دخل في اللفظ الأول، وسنذكر لذلك نظائر في كتاب الله تعالى. [وعلى هذا] لمن تصدى لتصحيح كلام الشيخ أن يقول: مراده: أنه لا يجب عليه الصوم حتماً كما يجب على غيره مقيماً كان أو مسافراً، طاهراً أو حائضاً، إلا أنه تلزمه الفدية إن لم يطعم عن كل يوم مدًّا من طعام في أصح القولين، ويؤيد ذلك أن البندنيجي قال: فرض الشيخ الهِمِّ: الإطعام، فلو حمل على نفسه وصام فلا إطعام، والله أعلم.
الأمر الثاني: أن المد يجب سواء كان قاراً عليه أو عاجزاً عنه، وقد قيد الماوردي وجوبه بما إذا كان قادراً عليه، ولفظ القاضي الحسين أصرح منه؛ فإنه قال: لو كان الهمُّ فقيراً لا مال له فلا فدية عليه في الحال ولا إذا أيسر، ويحتمل أن يقال: يجب؛ بناء على أن الاعتبار في الكفارات بحال الوجوب أم بحال الأداء؟ وفيه خلاف.
وقد [حكى في "التهذيب"] في وجوب الإخراج عليه عند القدرة قولين
стр. 2839
كالقولين في الكفارة فيما إذا كان معسراً حالة إفطاره بالجماع، وقال: إن الشيخ الهمَّ لو كان عبداً واتصل رقه بالموت لا شيء عليه، [و] إن عتق قبل الموت وأيسر، فإن قلنا في الحرّ إذا أيسر: لا يلزمه، فالعبد أولى، وألا فوجهان، والفرق: أن العبد لم يكن وقت الفطر من أهل الفدية بخلاف الحر.
وما ذكره البغوي إذا تأملته كان أجود مما ذكره القاضي، وقد اقتضى كلام الماوردي في موضع آخر مخالفته لما قيد به الوجوب؛ فإنه قال: لو مات قبل الإمكان سقط المُدُّ. وهذا يدل على وجوبه حالة العجز عنه، وعبارة البندنيجي: أنه إذا مات قبل الصيام والإطعام نظرت: فإن مات وهو قادر على الإطعام أطعم عنه، ون مات وهو لا يقدر على الإطعام فلا شيء عليه.
فروع:
أحدها: لو أراد الهرم ومن في معناه تقديم المد على شهر رمضان – كما قال الرافعي في كتاب الزكاة – فهل يجوز تقديمه على أيام الشهر؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ كزكاة الفطر، والثاني: لا ككفارة الجماع. قال القاضي الحسين: والأول أصح؛ لأنه معذور فيه، وقد قيل بطرده في كفارة الجماع، حكاه الرافعي في كتاب الزكاة عن الحناطي.
والذي أورده في "الروضة" [في مسألتنا]: الثاني، وفرع عليه أنه لو أخرجه بعد طلوع الفجر عن يوم من رمضان أجزأه عن ذلك اليوم، وإن أداه قبل الفجر ففيه احتمالان حكاهما في "البحر" عن والده، وقطع الدارمي بالجواز، وهو الصواب.
الفرع الثاني: إذا لم يَفْدِ حتى صار قادراً على الصوم، قال القاضي الحسين – وتبعه البغوي -: لا يلزمه الصوم، بخلاف المعضوب الموسر، فإنه إذا لزمه الحج،
стр. 2840
وحج الغير عنه بإذنه، ثم قدر على مباشرته بنفسه – يلزمه الحج، والفرق: أن المعضوب كان مخاطباً بالحج ما بنفسه أو بأمر الغير، فلهذا قلنا: يلزمه، بخلاف الشيخ الهِّم؛ فنه من كان مخاطباً [بأصلٍ]، وإنما هو مخاطب ببدله فقط. انتهى. وهذا ما أشرت إليه من قبلن وهذا الفرق فيه نظر تنبه له صاحب "التهذيب": وهو أن الشيخ الهمَّ ومن في معناه إنما يكون فرضه الفدية لا الصوم، لاقتضاء حاله الإياس من فعله بنفسه قضاء [أو أداءً] يدل عليه أن من به مرض غير ميئوس [منه] ليس واجبه الفدية، بل الصوم، لاحتمال قدرته عليه قضاء؛ ولذلك لو مات قبل التمكن منه لا تجب الفدية باتفاق الأصحاب. وقال الإمام: إنه لا يعرف فيه خلافاً. وقاسه في "التهذيب" وغيره على ما [إذا أتلف ماله بعد الحول وقبل التمكن، وألحقوا به المسافر إذا] دام سفره إلى الموت.
وإذا كان كذلك فقد انكشف الحال على أن الشيخ الهمِّ ومن في معناه واجبه الصوم، فهو كالحج سواء، فيجب عليه أن يصوم بلا خلاف كما لو برأ المعضوب قبل أن يحخج عنه، وإن قدر على الصوم بعد إخراج المد فكذلك على الصحيح.
الثالث –وهو في الحقيقة ارجع إلى تحقيق صورة المسألة. قال القاضي أبو الطيب عند الكلام في الحامل والمرضع: لو كان الشيخ الهم يعجز عن الصوم للكبر في زمان دون زمان فإنه يجب عليه الصوم، ولا يجوز له الفطر ويفتدي.
تنبيه: "برء" فيه ثلاث لغات: إحداها: برئ من المرض يَبْرَأ بُرْءاً، بضم الباء، والثانية: بَرَأَ يَبْرَأ بَرْءًا، بفتحها. والثالثة. بَرُؤَ بُرْءًا.
قال: ومن ترك الصوم جاحداً لوجوبه – أي وهو قديم عهد بالإسلام – كفر؛ لأنه كذَّب الله تعالى ورسوله في خبره.
стр. 2841
قال: وقتل بكفره، لقوله – ﵇: "لا يحلُّ دم امرئٍ مسلمٍ إلاَّ بإحدى ثلاثٍ: كفرٍ بعد إيمانٍ ... "، وهذا الحكم ثابت بترك صوم أول يوم. نعم، الحكم في استدامته مذكور في باب الردة، وأما حديث العهد بالإسلام فيعرَّف أنه واجب عليه، فإن رجع عنه، وألا كان حكمه ما تقدم.
قال: ومن تركه غير جاحد حبس ومنع الطعام والشراب، أي: في النهار، لتحصيل صورة الصوم بذلك، ولأنه إذا فهم أنه يعامل بذلك ينوي من الليل.
قال: ولا يجب صوم رمضان إلا برؤية الهلال، فإن غم عليهم وجب [عليهم] استكمال شعبان [ثلاثين يوماً]، ثم يصومون؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، والمراد بالشهادة هاهنا: العلم، [والعلم] [به] تارة يكون بالرؤية وتارة باستكمال العدد؛ لأن الله تعالى لم يجر العادة بأن الشهر يكون أكثر من ثلاثين يوماً، قال ﷺ : "إنَّا أمة أميَّةٌ لا تكتب ولا تحسب، الشَّهر هكذا وهكذا. وعقد الإبهام في الثَّالثة، والشَّهر هكذا وهكذا وهكذا. يعني تمام الثلاثين" كذا رواه البخاري ومسلم عن رواية ابن عمر. ولما روى مسلم عن أبي هريرة قال: ذكر رسول الله ﷺ الهلال، فقال: "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن أغمي عليكم فعدُّوا ثلاثين"، ورواية أبي داود عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الشَّهر تسعٌ وعشرون؛ فلا تصوموا حتَّى تروه، ولا تفطروا حتَّى تروه، فإن غمَّ عليكم فاقدروا له"، وروى البخاري في "صحيحه" عنه عن النبي ﷺ قال:
стр. 2842
"صوموا لرؤتيه، وأفطروا لرؤيته، فإن غمَّ عليكم فأكملوا عدَّة شعبان ثلاثين"، وروى أبو داود عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤيته رمضان، فإن غمَّ عليه عد ثلاثين يوماً ثم صام". قال الدارقطني: وهذا إسناد صحيح. وقال غيره: إن رجال إسناده كلهم محتج [بهم] في "الصحيحين" على الاتفاق والانفراد.
وقد اقتضى كلام الشيخ أمرين:
أحدهما – بمنطوقه -: أنه [إذا] اقتضى حساب المنجمين دخول رمضان قبل استكمال العدة، وقد غم الهلال: أنه لا يجب الصوم على من عرف ذلك ولا على غيره من طريق الأولى، بل لا يجوز لهم الإقدام عليه؛ أخذاً من قوله: "فإن غم عليهم وجب [عليهم] استكمال شعبان ثلاثين يوماً، ثم يصومون"، والطرق مختلفة في ذلك، والمشهور منها: أنه لا يجب على من لا يعرف الحساب العمل بقول من عرفه وإن وثق بقوله، بل لا يجوز له، وهل يجب على من عرفه؟ فيه وجهان، وعلى ذلك
стр. 2843
جرى في "الوسيط" وغيره، وأصح الوجهين عند القاضي الروياني: عدم الوجوب، [والثاني- قاله] ابن الصبَّاغ -: أنه لا يجب على من عرفه وعلى من لم يعرفه، ولا يجوز لمن يعرف ذلك الصيام اعتماداً على قوله. وله يجوز لمن عرفه؟ فيه وجهان، وقد حكاهما القاضي الحسين والبغوي:
ووجه الجواز – وهو اختيار ابن سريج والقفال -: قوله تعالى: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]، وقوله ﵇: "فاقدروا له" أي: اسحبوا منازل سيره.
ووجه المنع – وبه قطع الطبري -:ما ذكرناه، ولأنه لو جاز فعله لوجب لأن الوقت متعين والفعل واجب على الفور، ولا مانع منه، والمراد بالآية: الاهتداء بالنجم في دلائل القبلة ومسالك السابلة في البحر والبر؛ بدليل قوله: [﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ﴾ [المرسلات:٢٣] قال الفرَّاء وغيره من أهل العلم: معناه: فقدَّرنا. على أنه قد روي: "فاقدروا له ثلاثين"، وإن لم يثبت ذلك فقد بينه قوله – ﵇ – في رواية مسلم: "فعدوا ثلاثين"، و [في] رواية البخاري: "فأكملوا عدة شعبان ثلاثين".
قال الرافعي: ورأيت في بعض المسوَّدات تعدية الخلاف في جواز العمل به إلى غير المنجَّم، وفائدة الجواز: أنه لو ثبت أن ذلك اليوم من رمضان بشهادة عدلين، وقد صامه من عرف أنه من رمضان بالحساب، أو من وثق بقول – فمن لم يعرف ذلك بنية من الليل أنه عن رمضان [أنه] يجزئه عن رمضان، ولا قضاء عليه، صرَّح به الماوردي والقاضي أبو الطيب غيرهما.
وعن الشيخ أبي حامد أنه ذكر في "التعليق" وجهاً: أن ذلك بمنزلة الشهادة على
стр. 2844
الرؤية؛ فيتعدى الوجوب ممن عرفه بالحساب إلى من لم يعرفه، ويوافقه قوله في "البيان" في مواقيت الصلاة: إن صاحب "الفروع" قال في وقت الصلاة: إذا كان يعلم دخول الوقت بالحساب فهل يقبل قوله فيه وفي شهر رمضان؟ وجهان. والمذهب: أنه يعمل عليه بنفسه، فأما غيره فلا يعمل عليه.
وحكى الماوردي وجهاً ثالثاً في الإجزاء إذا نوى معتمداً على ذلك، فارقاً بين أن يكون قد علم ذلك من منازل القمر وتقدير سيره فيجزئه، وبين أن يكون قد علمه بالنجوم فلا يجزئه.
الأمر الثاني: أنه إذا رُئي في بلد عم حكمه سائر البلاد، وهو المعزيُّ إلى اختيار القاضي أبي الطيب، وقد حكى الماوردي فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: هذا؛ إذ ليس رؤية جميع من في البلد الواحد شرطاً في وجوب الصيام عليهم، بدليل إجماعهم على وجوب الصيام على الأعمى والمحبوس وإن لم يره، وإذا كان كذلك في البلد الواحد فكذلك في كل البلاد؛ لأن فرض الله على جميعهم واحد.
والثاني: لا يلزمهم صيامه حتى يروه، لأن الطوالع والغوارب قد تختلف باختلاف البلدان، وكل قوم إنما خوطبوا بمطلعهم ومغربهم، دليله مواقيت الصلاة.
والثالث: أنه يلزم أهل البلدان من ذلك الإقليم، دون أهل البلدان في إقليم آخر لما روي أن ثوبان قدم المدينة من الشام، فأخبر برؤية الهلال قبل المدينة بليلة، فقال ابن عباس: لا يلزمنا، لهم شامهم ولنا حجازنا. فأجرى على الحجاز حكماً وإن اختلفت بلاده، وفرَّق بينه وبين الشام، وهذا ما نسب إلى الشيخ أبي حامد، وهو الذي أورده البندنيجي، حيث قال: إن لم يكن بين البلدين – التي رئي فيها، والتي لم ير فيها- مسافة تختلف المطالع لأجلها: كالموصل وبغداد والبصرة، كان حكم الجميع واحداً، ويجب على أهل البلدة التي لم ير فيها [قضاء يوم، وإن كان بينهما] مسافة تختلف المطالع فيها: كبغداد وخراسان والحجاز وبغداد والشام، كان لكل بلد رؤية
стр. 2845
نفسه؛ فلا يلزم أهل البلد التي لم ير فيها قضاء يوم، وقد حكى القاضي أبو الطيب في "تعليقه" هذا الوجه الأول، ولم يرجح واحداً منهما، وجزم القاضي الحسين في "تعليقه" والبغوي والمتولي بأن ما تقارب من البلاد حكمهم واحد، وفي المتباعد وجهان: أصحهما عند القاضي: التعميم. وإن اقتضى نظم كلامه ترجيح مقابله، وهو الذي صححه في "التهذيب" و"الروضة"؛ لأن كريباً أخبر عن ابن عباس وهو بالمدينة، أنه رأى الهلال بالشام ليلة الجمعة، فقال ابن عباس: لكنَّا رأيناه ليلة السبت؛ فلا نزال تصوم حتى نرى الهلال أو نكمل العدد ثلاثين، فقال له كريب: أما يكفيك رؤية معاوية والناس؟ فقال: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ، أخرجه مسلم بمعناه.
قال القاضي الحسين: واختلف في قوله: "هكذا أمرنا": فمنهم من قال: أراد به قوله: " [صوموا] لرؤيته ... " الخبر، ومنهم من قال: هو كان يحفظ حديثاً أخص منه في هذه الحادثة.
وعلى هذا لو شك في التقارب، قال في "الروضة": لم يجب الصوم على الذين لم يروا؛ لأن الأصل عدم الوجوب. وعلى خلافه، وهو إذا جعلنا للبعد أثراً فما ضابطه؟ فيه وجهان في "التتمة":
أحدهما – وهو ما أورده الغزالي والبغوي تبعاً للفوراني والأصحاب، كما قال الإمام-: مسافة القصر.
والثاني: اختلاف المطالع، وقد أبداه الإمام احتمالاً لنفسه، ثم قال: ولكن لا قائل به؛ فإن درك هذا يتعلق بالأرصاد والتموردات الخفية، وقد تختلف المناظر في
стр. 2846
المسافة القاصرة عن مسافة القصر للارتفاع والانخفاض، والشرع لم يبن على إلزام مثل هذا، وإلى هذا أشار الغزالي في تعليل قوله: "إنه لا ضابط إلا مسافة القصر" أن تحكم المنجم قبيح شرعاً، وحكى القاضي الحسين مع هذا الوجه وجهاً آخر: أنه انقطاع القوافل، فإن لم تكن منقطعة بينهما فهما متقاربان.
فرع: حيث قلنا: لكل بلد حكم نفسها، لو سافر شخص من بلدة رئي فيه الهلال إلى بلدة لم ير فيها، وتم له ثلاثون يوماً، ولم ير الهلال في البلدة التي سافر إليها – فهل يفطر أم لا؟ فيه وجهان، قال في "التتمة": يقربان من الوجهين فيما إذا صاموا بشهادة واحدٍ ثلاثين يوماً ولم يروا الهلال. والذي أورده القاضي الحسين: وجوب الإفطار، والمنسوب إلى القفَّال مقابله، [وهو] الذي أورده في "الإبانة" والغزالي، وحكى الإمام عن الأصحاب القطع به؛ لأنه روى عن ابن عباس أم كريب بالصوم معهم بعد إكماله ثلاثين يوماً بحكم رؤيته. نعم، حكى عن شيخه فيما إذا أصبح معتداً مفطراً لرؤية هلال شوال، فجرت به السفينة إلى قطر لم ير الهلال فيه – أنه يلزمه الإمساك تشبهاً. قال: وعندي فيه نظر؛ فإنه ليس فيه أثر، واليوم الواحد يبعد أن يتبعض حكمه وقد عاين الهلال في ليلته في البقعة الأولى.
وعكس هذا الفرع: لو سافر شخص من البلد الذي لم ير فيها الهلال إلى بلدة رئي فيها، وأقام فيها إلى أن أفطر أهلها- فهل يفطر معهم؟ نظر: إن أفطروا بالرؤية وافقهم، وإن أفطروا بإكمال العدد فهل يفطر معهم؟ فيه وجهان في "التتمة".
قال الإمام: ولا فرق في ذلك بين أن يكون من ذكرناه قد نوى الإقامة أو لا.
تنبيه: الهلال إنما يكون هلالاً الليلة الأولى والثانية والثالثة، ثم هو قمر، قاله الجوهري وغيره.
وحكى في "المهذب" خلافاً فيما يخرج به عن هذه التسمية وتسميته قمراً، فقيل: إذا استدار، وقيل: إذا بهر ضوءه.
стр. 2847
وقوله: "غم عليكم"، قال العلماء: هو من قولهم: غممت الشيء، إذا غطيته، وغمَّ علينا الهلال غمًّا، وغمِّي، وأغمي، فهو مغمى.
قال: وإن رأوا الهلال بالنهار، أي قبل الزوال أو بعده، فهو لليلة المستقبلة؛ لقوله – ﵇: "صوموا لرؤيته" أي: بعد رؤيته، كقوله: ﴿أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] يعني: بعد طلوع الشمس، ولأن الخصم – وهو أبو يوسف وأبو ثور وغيرهما – قد وافقنا على أنه لو رئي بعد الزوال لكان لليلة المستقبلة؛ لأنه أقرب إليها، بخلاف ما قبل الزوال؛ فنه أقرب إلى الماضية، فنقول له: الاعتبار بالقرب والبعد إلى وقت ظهوره وهو أول الليل، وإذا رئي قبل الزوال فهو أقرب إلى الليلة المستقبلة من الماضية؛ فكان كما لو رئي بعد الزوال، وقد روي عن عمر وعلي وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود وأنس ابن مالك أنهم قالوا: إذا رئي الهلال يوم الشك فهو لليلة المستقبلة. ولا مخالف لهم.
وقد أفهم كلام الشيخ أن ما ذكره مقصور على هلال رمضان، ولا فرق [فيه] بينه وبين هلال شوال وغيرهما عندنا، لما روت عائشة: "أن رسول الله ﷺ أصبح يوم الثلاثين صائماً، فرأى هلال شوال بالنهار، فلم يفطر حتى أمسى"، وروى عن أب وائل أنه قال: أتانا كتاب عمر ونحن بخافقين: "إن الأهلة بعضها أعظم من بعض، فإذا رأيتم الهلال بالنهار فلا تفطروا حتى يشهد شاهدان أنهما رأياه بالأمس"، كذا ذكر في "التتمة" الحديث والأثر، وغيره يروي: بخانقين.
стр. 2848
قال: ويقبل هلال رمضان [من] عدل واحد في أصح القولين؛ لما روى أبو داود عن عكرمة عن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال – قال الحسن، وهو الحلواني، في حديثه: يعني رمضان – فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله؟ " قال: نعم، قال: "أتشهد أنَّ محمَّداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: "يا بلال، أذِّن في النَّاس أن يصوموا غداً"، وعن عكرمة أنهم شكُّوا في هلال رمضان مرة، فأرادوا ألا يقوموا ولا يصوموا، فجاء أعرابي من الحيرة، فشهد أنه رأى الهلال، فأتى به النبي ﷺ فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله؟ قال: نعم، وشهد أنه رأى الهلال، فأمر بلالاً، فنادى في الناس أن يقوموا وأن يصوموا". وأخرجه الترمذي النسائي وابن ماجه مسنداً ومرسلاً. وعن ابن عمر قال: تراءى الناس
стр. 2849
الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته. فصام، وأمر الناس بصيامه. قال الدارقطني: وهذا تفرد به مروان بن محمد عن ابن وهب وهو ثقة.
وفي "الحاوي": أن ابن عمر قال: رأيته وحدي. وروى أن مر خرج يتراءى الهلال، فاستقبلته راكباً، فقال عمر: من أين أقبلت؟ فقال: من الشام، فقال: أهللت؟ قال: نعم، فقال: يكفي المؤمنين أحدهم. وأمر الناس بالصوم، وهذا ما أشار إليه الشافعي بقوله: ولو شهد على رؤيته عدلٌ واحد رأيت أن أقبله؛ للأثر فيه وللاحتياط ولأن الصوم عبادة بدنية، فإذا أخبر الواحد بدخول وقتها وجب أن يقبل قوله كالصلاة. وهذا ما نص عليه في عامة كتبه كما قال أبو الطيب، وقال الماوردي والقاضي الحسني: إنه نص عليه في القديم و"الإملاء".
قال: ولا يقبل في الآخر إلا عدلان؛ لما روى عبد الرحمن بن زيد قال: أدركنا جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ [فكلهم قال: سمعت رسول الله ﷺ ] يقول: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمَّ عليكم فأكملوا، وإن شهد ذوا عدلٍ فصوموا وأفطروا وانسكوا". ولأنها شهادة على معين فاعتبر فيها العدد كسائر الشهادات،
стр. 2850
وبالقياس على هلال شوال. وأما حديث الأعرابي [وابن عمر] فيحتمل أن يكون [شهد] عند رسول الله ﷺ [قبلهما] غيرهما، فأمر الناس بالصوم لذلك، وهذا قاله في القديم كما قال أبو الطيب ونقله البويطي، وقال الفوراني: إنه أقيس.
والجمهور على تصحيح الأول، ومنه من قطع به، وتعزى هذه الطريقة إلى أبي إسحاق، والقائل بها قال: حديث عبد الرحمن نحن قائلون به؛ فإنه إذا شهد ذوا عدل وجب الصوم، وأيضاً فالنبي ﷺ جمع بين الصوم والفطر والنسك؛ فلذلك ذكر ذوي عدل، لأن الفطر والنسك لا يقبل فيهما أقل من شاهدين، والقياس على سائر الشهادات غير منتظم، لأن حكم الشهادات مختلف: فالزنى لا يقبل فيه إلا أربعة، والحدود والقصاص تثبت برجلين، والأموال تثبت بشاهد وامرأتين وشاهد ويمين، وإذا حلف لم يجز اعتبار بعضها ببعض كما في أعداد ركعات الصلاة، والفرق بين هلال رمضان وشوال: أنه لا تهمة تلحق الشاهد في رمضان، لأن ما يدعيه من لزوم الصوم يلزمه كغيره، والعدد في الشهادة لإزالة التهمة، ولا كذلك في شوال؛ فإن التهمة لاتلحقه، ولأن في ذلك احتياطاً للعبادة كما أشار إليه الشافعي ويوافقه قول علي - كرم الله وجهه - وقد شهد عنده واحد برؤية هلال رمضان: "لأن أصوم يومً من شعبان أحبُّ إليَّ من [أن أفطر] يوماً من رمضان"، وصام وأمر الناس بالصيام، مع أنه كنا يحتاط في الشهادة ويبالغ فيها حتى نقل عنه تحليف الشهود، وربما قيل: إن هذا هو الأثر الذي راعاه [الشافعي].
стр. 2851
وأما قولهم: إنه يحتمل أن يكون قد شهد عند النبي ﷺ قبل الأعرابي وابن عمر غيرهما – فالجواب: أنه لو كان لنقل، ولأن الحكم إذا نقل معه السبب كان بمنزلة العلة للحكم ثم ثبت أن العلة لا يجوز الزيادة فيها، فكذلك السبب، ويدل عليه: ما روى طاوس عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: (كان رسول الله ﷺ يقبل شهادة الواحد في هلال رمضان، ولا يقبل الواحد في هلال شوال).
التفريع: إن قلنا بالصحيح فهل يسلك بقول الواحد مسلك الشهادة أو مسلك الرواية؟ فيه وجهان حكاهما القاضي أبو الطيب في شهادة النساء قولين وأصحهما في (الرافعي) الأول، [ويدل عليه قصة الأعرابي، واختار أبو إسحاق المروزي الثاني]، يدل عليه قول ابن عمر.
فإن قلنا بالأول، اشترطنا مع العدالة الحرية والذكورة ولفظ الشهادة، وهو ما ادعى القاضي الحسين –على هذا- أنه ظاهر المذهب.
ويشترط الإقامة في مجلس الحكم كما قال الإمام، وهل يجوز فيه الشهادة على الشهادة؟ فيه وجهان حكاهما المراوزة كالوجهين في جوازها في حدود الله تعالى، والأصح –كما قاله الشيخ أبو علي-: [القطع] بالجواز؛ فإن سبب الاختلاف [في الحدود] شبهة وكون المشهود به عقوبة متعرضة للسقوط بالشبهات، والأمر هنا على نقيض ذلك، وعلى هذا: هل يشترط العدد في شاهد الفرع؟ فيه وجهان، المذكور منهما في (التهذيب): اشتراط العدد، وإن قلنا بمقابله قبلناه من الأمة
стр. 2852
[مع] ظهور الثقة، وهو المحكي في "الحاوي" عن أبي إسحاق، حيث قال: أقبل فيه قول من أقبل روايته. قال الإمام: ولم نشترط لفظ الشهادة، وقلنا: إذا أخبر واحد الناس بالرؤية لزم اتباع قوله وإن لم يذكر ذلك بين يدي القاضي. ووافقه في الأخيرة ابن الصباغ.
والمحكي عن ابن عبدان والغزالي في "الإحياء"، والمذكور في "تعليق"البندنيجي و"التهذيب": أنهم قالوا بذلك، ولم يفرعوا على شيء. قال الإمام: وفي قبول [قول] الصبي المميز الموثوق به فيه، وجهان مبنيان على قبول رواية الصبيان، المنسوب منهما للشيخ أبي حامد في "تعليق" البندنيجي: القبول، وظاهر المذهب في "تعليق" القاضي الحسين: المنع، وفي "الإبانة" و"التهذيب": [أنه] لا يقبل فيه قول الصبي قولاً واحداً، وإن كانت تقبل روايته على وجه صححه الفوراني.
وفي اشتراط العدد في الخبر عن المخبر بالرواية – إذا جوزناه على الوجه الذي عليه نفرع – الخلاف، والمذهب: أنه لا يشترط؛ حرصاً على حكم الرواية، ومن اشترطه – وهو الأصح في "التهذيب" –زعم أن قول الفرع شهادة، وإن لم يجعل قول الأصل شهادة. واستدل له بأنه لابد من لفظ الشهادة من الفرع، [وأنه] لا قائل بأنه يكفي أن يقول الواحد: حدثني فلان عن فلان قال: رأيت الهلال، بل هو مردود إجماعاً، كما قال أبو علي والماوردي. وقال الإمام: إن هذا بعيد لا اتجاه له، ودعوى الإجماع لا تسلم عن النزاع.
[ولا خلاف في أنه لا يقع الطلاق والعتق المعلق بدخول رمضان، ولا يحل الدين المؤجل به، قاله القاضي الحسين والبغوي.
قال الرافعي: ولو قال قائل: هلاَّ يثبت ذلك ضمناً كما سبق نظيره لأحوج إلى
стр. 2853
الفرق – قلت: إن ما سبق لازم للمشهود به، والطلاق والعتاق والدين ليس يلزم استهلال الشهر، وقد أشار إلى مثله ابن الصباغ في كتاب الطلاق.
نعمن لو قضى القاضي بشهادة الواحد في هلال رمضان ثم قال لامرأته: إن كان هذا من رمضان فأنت طالق – قال القاضي الحسين: قال ابن سريج: يقع الطلاق. وغيره من أصحابنا. قال: لا فرق بين أن يكون قبل القضاء أو بعده؛ فإنه لا يقع الطلاق،] وإن قلنا بالقول المعزيِّ إلى القديم سلكنا به مسلك الشهادات المختصة بحقوق الله تعالى حتى تسمع فيه شهادة الحسبة.
قال الرافعي أيضاً: ويشترط فيهما العدالة الباطنة. وهو ما أبداه الإمام تفقهاً، وإلا فقد قال في "الإبانة": إنا لا نشترط العدالة الباطنة في الشهادة على رؤية الهلال، ونشترط الظاهرة بأن يكون مستور الحال.
وأبلغ منه قول القاضي الحسين: إنا على القولين نكتفي بظاهر العدالة. [وعلى ذلك جرى البغوي والمتولي. وقال الإمام: إن ما قاله الفوراني بعيد لا اتجاه [له]؛ بل الوجه اشتراط العدالة الباطنة]، والمعنى بها: البحث الذي يعتاده القضاة بالمباحثة والرجوع إلى المزكين. نعم، قد نقول: للقاضي أن يأمر الناس بالصيام بظاهر العدالة؛ فإن الأمر يفوت، ثم يبحث بعد ذلك، ويتعين البحث إذا استكملنا العدد ولم ير هلال شوال.
قلت: وإذا عرفت أنه لا يشترط العدالة الباطنة في الشاهدين عند من ذكرنا، مع أنه يسلك بقولهما مسلك الشهادة – فعدم اشتراطها في الشاهد الواحد من طريق الأولى، وقد حكى الإمام فيها وجهين مبنيين على اختلاف في قبول رواية المستور، والأصح – كما قال في "الحاوي" عند الكلام في أصحاب المسائل-: عدم قبولها [كالشهادة]. قال: والفرق على مقابلة بينهما من وجهين:
[أحدهما:] أن أخبار الديانات يستوي فيها المخبر وغير المخبر، وكانت التهمة [منتفية والاعتبار أخف، والشهادة تختلف فيها الشهادة والمشهود عليه، وكانت
стр. 2854
التهمة] متوجهة والاعتبار أغلظ.
قلت: وهذا الفرق منتفٍ في الشهادة بالهلال؛ فلا جرم قال من قال [بعدم] اشتراط العدالة الباطنة فيها.
والثاني: أن الرواية تقبل من النساء والعبيد دون الشهادة؛ فكانت أغلظ؛ فاحتيط فيها.
وقد فرع المتولي على القولين: ما إذا شهد واحد بإسلام ذمِّي: هل يصلَّى عليه أم لا؟ قال: فيه وجهان، كما في إيجاب الصوم. وفرع عليهما في "البحر" ما لو نذر صوم شعبان فشهد واحد برؤيته – فهل يجب عليه الصوم إذا قلنا: يجب به صوم رمضان؟ قال: فيه وجهان.
قال: ولا يقبل في سائر الشهور إلا عدلان؛ لما ذكرناه من خبر طاوس. وعن أبي ثور: أنه يقبل في هلال شوال عدل واحد، وأن صاحب "التقريب" قال: لو قلت به لم يكن بعيداً. قال الإمام: وهو متجه في القياس، لما ذكرناه من أن الإخبار عن الهلال يعرض لوقت العبادة؛ فهلال رمضان به يستبان دخول وقت العبادة، وهلال شوال به يستبان خروج وقت العبادة.
قلت: ويعضد هذا الاحتمال قول القاضي الحسين في "تعليقه" في ضمن فرع من هذا الباب: إن الأحكام المتعلقة برؤية الهلال غير الصوم ضربان: أحدهما: يتضمن عبادة لا حق فيها للآدمي: كالوقوف بعرفة، والطواف ونحو؛ فهذا هل يقبل فيه شاهد واحد عدل أم لا؟ فيه وجهان، وعلى المشهور فالفرق بين رمضان وغيره ما ذكرناه من أنه لا تهمة في رمضان، بخلاف شوال، والفرق بين رمضان وذي الحجة – ما قاله المتولي -: أن الهلال في ذي الحجة ليس له تأثير في إيجاب العبادة، ولكن تأثيره في تقديم وقتها وتأخيره، وهنا وجوب الصوم بالنهار؛ لأجل رؤية الهلال، ولولاه لما وجب؛ [فهو كالزوال] ونحوه.
قال: فإن قامت البينة بالرؤية في يوم الشك، وجب عليهم قضاؤه؛ لأنه بان أنه من
стр. 2855
رمضان، وهل يجب على الفور بعد انقضاء رمضان ويوم العيد؟ قال في "التتمة": ذلك مبني على أنه هل يجب عليه إمساك بقية النهار أم لا؟ فإن قلنا: لا يجب، فقد ألحقناه بالمعذورين؛ فلا يلزمه القضاء على الفور، وألا وجب. وهذا البناء فيه نظر. قال: وفي إمساك بقية النهار، أي: إذا كان قد أكل – كما صوره الإمام والقاضي أبو الطيب – قولان:
وجه المنع – وهو الذي حكاه القاضي أبو الطيب والغزالي عن نصه في "البويطي"-: أنهم أبيح لهم الفطر في أوله؛ فكذا في آخره؛ كما لو طهرت الحائض أو قدم المسافر مفطراً في أثناء يوم من رمضان.
ولأن الإمساك عقوبة؛ فليختص بالإثم، وألا فلا إثم عليهم، وعلى هذا يستحب لهم الإمساك.
ووجه الوجوب – وهو الذي نقله عامة أصحابنا وصححوه، وإن كان الإمساك في حكم العقوبة-: أنه [إنما] أبيح لهم الفطر بشرط: وهو كونه ليس من رمضان، وقد بان خلافه؛ فظهر أنه غير مباح، ولا كذلك الحائض والمسافر؛ فإنه أبيح لهما الفطر مع العلم بكونه من رمضان، والإباحة باطنة كما هي في الظاهر، ولا نظر إلى عدم الإثم؛ لأن الكفارة تجب على المخطئ في القتل وهي عقوبة مع أنه [لا إثم.
أما] إذا لم يكن قد طعم ولا نوى، قال القاضي أبو الطيب: فإنه يجب عليه أن يصوم؛ لكونه من رمضان، ويقضيه؛ لأنه لم ينو من الليل، وهذه الحالة هي التي نص عليها في "المختصر" فإنه قال: "وإن أصبح لا يرى أن يومه من رمضان، ولم يطعم، ثم استبان ذلك – فعليه صيامه وإعادته"، وقد جزم [بذلك] الماوردي والفوراني، وكذا القاضي الحسين، وإن أكل، لكن قال القاضي: إذا لم يكن قد أكل فينوي الصوم؛ خروجاً عن الخلاف، ويقضي يوماً مكانه، وإن أكل يمسك بقية نهاره. وتبعه البغوي في الجزم بوجوب الإمساك في الحال، وقاسه على ما لو نوى الصوم، ثم أفسده، وقال: إن الحكم كذلك فيما لو نسي النية من الليل، وقد ذكره
стр. 2856
البندنيجي أيضاً فيها.
وحكى المتولي القولين فيما إذا قامت البينة قبل الأكل، وحكى وجهين فيما إذا كان قد أكل مرتين على القولين.
فإن قلنا فيما إذا كان [لم] يأكل: إنه لا يحرم الأكل، فهنا أولى، وألا فوجهان، والصحيح أنه لا يباح له الأكل في بقية النهار؛ لما ذكرناه، وقد قال الإمام في كتاب الظهار عند الكلام فيما يقطع التتابع: إن الخلاف في مسألة الكتاب يجري فيما لو نسي النية من الليل، وإن الرأي الأصح [أنه] يلزمه، وإن كان الإمساك في حكم التغليظ، وحكاهما في "الإبانة" فيما إذا أصبح غير صائم، وهذا يحتمل أن يكون أراد به ما إذا لم ينو عمداً أو سهواً.
فرع: ما وجب من الإمساك هل هو صوم شرعي أم لا؟!
حكى الماوردي فيه وجهين، ولو كان قد أكل:
أحدهما –وهو قول أبي إسحاق-: أنه يسمى: صوماً شرعياً؛ لوجوب الإمساك فيه.
والثاني- وهو قول أكثر الأصحاب-: أنه إمساك واجب، فأما أن يكون صوماً شرعياً فلا؛ لأنه لا يقع الاعتداد به عن رمضان ولا عن غيره.
والإمام حكى الوجهين عن العراقيين فيما إذا أفسد الصوم، والبندنيجي حكاهما فيما إذا طلع عليه الفجر وهو غير ناوٍ، وأفهم كلامه تقييدهما بما إذا لم يأكل، وهي الصورة التي حكى ابن الصباغ فيها عن أبي إسحاق أنه يكون صوماً شرعياً.
قال الإمام: ولست أرى في هذا الاختلاف فائدة؛ لأنه لو جامع فيه لم يلزمه بسببه شيء غير المأثم. نعم لو أصبح غير ناوٍ، ونوى التطوع بالصوم قبل الزوال، فالذي ذهب إليه الجماهير: أن الصوم لا يصح، وذهب أبو إسحاق إلى صحة الصوم. ووجه الرد عليه: أن الإمساك واجب، ولو صح تطوعه بالصوم، والصوم إمساك منوى، لوقع الإمساك عن جهة الوجوب متطوعاً به عن جهة التطوع، وهذا متناقض وأيضاً: فإن المسافر عندنا يتطوع بالصوم في سفره، وإن كان يسوغ له الإفطار، وسببه: أن
стр. 2857
الذي حط عنه وجوب الصوم الترخص بالفطر، فإن لم يفطر فقد ترك الترخص، وليس بين إقامة الصوم وبين الترخص بالفطر مرتبة، والشرع [لم] يجعل شهر رمضان في حق المسافر كسائر الشهور حتى يصح فيه أي صوم شاء.
قال: وأبو إسحاق لما جوز للمقيم الذي أصبح غير ناوٍ أن يتطوع بالصوم؛ فإنه على قياسه يجوز للمسافر أن يتطوع، وهذا حيد عن مذهب الشافعي وقياسه.
قلت: ولأجل ما ذكره الإمام من إلزام أبي إسحاق من صحة تطوع المسافر بالصوم، جعل الغزالي فيما إذا نوى المسافر التطوع به أو أصبح المقيم ليلة الشك غير ناوٍ، ونوى التطوع – أنه يصح على وجه، لكن ما ذكره الإمام في الرد على أبي إسحاق بأن المسافر عندنا لا يتطوع بالصوم في سفره ... إلى آخره، إنما يلزم أبا إسحاق أن لو كان قياس مذهبه يقتضي أنه إذا نوى التطوع من الليل وهو مسافر أنه يصح تطوعه، وليس قياس مذهبه يقتضي ذلك، بل الذي يقتضيه قياسه: أنه لو لم ينو الصوم من الليل، ونوى التطوع قبل الفطر نهاراً قبل الزوال أنه يصح، بل أولى؛ لأن المسافر لا يجب عليه الإمساك، بخلاف من أصبح يوم الشك غير ناوٍ، ولا يرد عليه ما قاله الإمام؛ لأنه قد ترخص عنده بأمرين:
أحدهما: أنه ترك نية الفرض من الليل التي لولا السفر، لوجبت.
والثاني: أنه إنما يكون في صوم التطوع صائماً من قوت نيته كما سنذكره عنه.
وله أن يقول فيما إذا نوى التطوع من الليل: إنه لا يصح؛ لما ذكره الإمام، ويجوز أن يقول بالصحة، ويمنع كون الشيء إذا وقع واجباً يمتنع أن يقع تطوعاً، ويستشهد بمن دخل المسجد، ونوى بفرضه الفرض وتحية المسجد فإنهما يحصلان له، وإن كانت أفعاله الواقعة عن الفرض لا يجوز إبطالها بالخروج قبل استكمالها [وأفعاله الواقعة عن تحية المسجد يجوز إبطالها بالخروج قبل استكمالها]، ولا نظر إلى تقدم الوجوب في مسألة الصوم واقترانه بالتطوع في مسألة الصلاة، والله أعلم.
وقد عدل المتولي عن كون الإمساك صوماً شرعياً أو غير شرعي، إلى أن من
стр. 2858
أمرناهم بالإمساك هل يثابون عليه أم لا؟! وحكى فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا؛ لأن الفعل غير معتد به.
والثاني: إن لم يكن متعدياً بالفطر فيثاب، وألا فلا؛ عقوبة له على تعديه.
والثالث - وهو الذي صححه -: أنه يثاب عليه أبداً؛ لأنه لو تركه استحق العقاب فإذا لم يتركه، وجب أن يستحق الثواب. وهذا ما أبداه ابن الصباغ احتمالاً لنفسه بعد حكاية الوجهين السابقين وتصحيح الثاني منهما، وقال: ينبغي أن يحمل قول أبي إسحاق: إن من وجب عليه الإمساك وليس متعدياً بالإفطار، فأمسك، يكون صوماً شرعيًّا - على أنه إمساك شرعي يثاب عليه خاصة.
قال: فإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوماً، ولم يروا الهلال، أفطروا؛ لأنهم قد استكملوا العدة؛ فأشبه ما لو صاموا بشهادة اثنين.
وقيل: لا يفطرون، لأنه يؤدي إلى الفطر بقول واحد؛ وهولا يجوز أن يفطر بقوله لو ابتدأ الشهادة، فكذلك إذا اقتضته الشهادة السابقة، وهذا ما اقتضى إيراد الغزالي ترجيحه، وقد حكى عن ابن الحداد أنه قال بمثله فيما إذا صاموا بشهادة اثنين وثلاثين يوماً ولم يروا الهلال مع الصحو؛ لأن العيان يقين وشهادة شاهدين مستترة، واليقين لا يزال بالمستتر، وقد نسب هذا إلى ابن سريج أيضاً.
والأصح في مسألة الكتاب عند الأكثرين - كما قال الرافعي -: الأول، وحكوه عن نصه في الأم.
والفرق بينه وبين ما إذا ابتدأ الشهادة برؤية هلال شوال: أن الشيء قد يثبت ضمناً، ولا يثبت صريحاً؛ كشهادة النساء، لا تقبل في المواريث والأنساب، والولايات ابتداءً، وتثبت بشهادتين ضمناً إذا شهدن بالولادة.
وقال الإمام: إن في هذا نظر؛ فإن الولادة إذا ثبتت يلحق النسب الفراش، وهو قائم لا نزاع فيه، ولم يتحقق مثل ذلك فيما نحن فيه.
قال الرافعي: وللمحتج أن يقول: لا معنى للثبوت الضمني إلا هذا، وأما ما ذكره
стр. 2859
ابن الحداد، فقد قال القفال وغيره: إنه غلط فيه، وإنما أجاب على أصل أبي حنيفة؛ فإنه التقط هذه المسألة من كتبه، ووجه غلطه: أن الشافعي نص في "الأم"، و"أمالي" حرملة على الفطر؛ لأن الشاهدين لو شهدا على رؤية هلال شوال والسماء مصحية، يجب على الحاكم أن يقبل شهادتهما ويحكم بها، وإذا جاز قبول شهادتهما ابتداءً؛ فتبعا من طريق الأولى؛ ولأجل ذلك قال الإمام: إنه غير معدود من المذهب.
ثم ما محل الوجهين في مسألة الكتاب؟ فيه طريقان في "التهذيب" و"التتمة":
أحداهما: إذا كانت [السماء] مصحية، أما إذا كانت مغيمة، فيفطرون قولاً واحداً، وهي التي أوردها في "العدة".
وفي مثل هذه الحالة وافق ابن الحداد على الفطر في مسألة الشاهدين.
والثانية- وهي الموافقة لإيراد الغزالي والأكثرين؛ كما قال الرافعي -: أنهما يجريان في الحالين.
ورأيت في "شرح الفروع" للقاضي أبي الطيب حكاية الخلاف في حالة الغيم خاصة، والسكوت عن حالة الصحو، وهذا يجوز أن يكون طريقة ثالثة، وفي هذه الحالة حكى في "التتمة" نص الشافعي في "الأم" على الفطر.
قال: وإن اشتبهت الشهور على أسير، تحرى وصام، أي: ما غلب على ظنه أنه رمضان؛ كما يتحرى في القبلة عند الاشتباه، ويصلي إلى الجهة التي يغلب على ظنه أنها القبلة، والتحري في حقه يكون بالنظر في التواريخ المتقدمة، والحر، والبرد والخريف والربيع.
قال: فإن وافق الشهر، أو ما بعده – أي: إذا فك أسره، وظهر له أنه وافق الشهر أو ما بعده- أجزأه.
ووجهه إذا وافقه: أنه أدى العبادة بالاجتهاد عن أمارة، وقد صادفت الوقت فأجزأته، كالصلاة إذا خفي عليه وقتها فأداها بالاجتهاد، ثم ظهر أنه أوقعها في وقتها.
وأما إذا وافق ما بعده، فالقياس على ما لو أخطأ الناس في العدد، فوقفوا في العاشر؛ فإنه يجزئهم.
стр. 2860
قال في "التتمة": ولأن غاية الأمر أنه وقع القضاء بنية الأداء، والإجماع على أنه لو شرع في الصلاة في آخر الوقت، ثم خرج الوقت: أنه تصح صلاته، وإن كان ما يقع من صلاته خارج الوقت ليس بأداء، وقد أوقع الفعل بنية الأداء، وهذا ما نص عليه الشافعي، وهو موافق لنصه فيمن خفي عليه وقت الصلاة، فتحرى وصلى معتقداً أنه أداء، ثم بان أنه صلى بعد خروج الوقت- أن صلاته صحيحة.
قال القاضي أبو الطيب: وهذا دلالة على أن تعيين الأداء والقضاء غير واجب في [الصوم والصلاة]، خلافاً لقول الشيخ أبي حامد: إن التعيين واجب، وهذا منه دليل على أن صومه [وقع قضاء.
وقد اختلف المراوزة في أن صومه إذا وافق ما بعده وقع أداء أو قضاء على طريقين] حكاهما المتولي وغيره وأثبتهما القفال قولين، وتبعه الفوراني، والبغوي رواهما وجهين، وأظهر القاضي الحسين أثرهما فيما لو اجتهد المسافر في وقت الصلاة، وصلى بنية القصر ثم بان أنه صلى بعد الوقت: إن قلنا: يكون صومه أداء صحت صلاته. وإن قلنا يكون صومه قضاء، يلزمه قضاء الصلاة.
وقد اقتضى ظاهر كلام الشيخ: أنه لا فرق في الإجزاء بين أن يوافق ذلك شوال، وذا الحجة، أو غيرهما، سواء كان ما وافقه تاماً أو ناقصاً، ورمضان تام أو ناقص، وقد اتفق الأصحاب على أنه إذا وافق شوال لا يصح منه صوم يوم العيد، ويصح ما عداه،
стр. 2861
والواجب عليه عدد أيام رمضان، فإن كان ما صح له من شوال قدر ما عليه من رمضان، بأن كان شوال تاماً، ورمضان ناقصاً – فقد خرج عما عليه.
وفي "تعليق" القاضي الحسين و"التتمة" وجه آخر: أنه يجب عليه قضاء يوم آخر، والخلاف مبني على أن [من] صامه يكون قضاء – وهو الذي أورده القاضي أبو الطيب والماوردي – أو أداء فإن قلنا: قضاء، كفاه، وإن قلنا: أداء، قضى يوماً؛ كما لو أفطر يوماً من رمضان.
ولقائل أن يقول: أيام رمضان كلها قابلة للصوم، فقد خوطب بجميعها، ولا كذلك شوال، ولو كان شوال ناقصاً، ورمضان كاملاً، أو كانا كاملين – وجب عليه الإتيان بيومين، ولو كانا ناقصين قضى يوماً، صرح به ابن الصباغ والقاضي أبو الطيب.
وحكينا عن الشيخ أبي حامد: أنه يلزمه قضاء يومين، وأنه بنى ذلك على أنه يلزمه أن يقضي [شهراً بالهلال] أو ثلاثين يوماً، ولا يعتبر عدد أيام رمضان وهو ما حكاه البندنيجي.
قال القاضي: وهو غلط، وليس بمذهب للشافعي وإنه نص على أنه يجب عليه أني قضي مثل عدد رمضان سواء قضى ما بين الهلالين أو عدداً، لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].
ونسب القاضي الحسين هذا إلى الخضري.
ولو وافق صومه ذا الحجة، بطل منه أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة [أيام] بعده، ولزمه صيام عدد أيام رمضان؛ كذا قاله البندنيجي وأبو الطيب وغيرهما.
ويجيء على قول من جوز صوم أيام التشريق للمتمتع ومن في معناه: ألا يبطل سوى يوم واحد، وحينئذ يجيء ما تقدم في شوال، وقد حكى الرافعي أن ابن عبدان
стр. 2862
ذكره استدراكاً على الأصحاب.
وأما إذا وافق سوى الشهرين، صح له جميعه، ثم إن كانت أيامه وأيام رمضان سواء فلا كلام، وإن كانت أيامه تسعاً وعشرين، فعن الشيخ أبي حامد: أنه يجزئه، ولا يلزمه سواه إذا [كان] وقع صومه ما بين الهلالين، وادعى البندنيجي أنه ظاهر المذهب، وقد صرح بمثله القاضي الحسين والبغوي والمتولي؛ تفريعاً على أن ما يأتي به يكون أداء، وقال القاضي أبو الطيب: إنه غلط؛ لما ذكرناه.
قال: وإن وافق ما قبله – أي: ولم يظهر ذلك إلا بعد فوات رمضان بجملته – لم يجزئه في أصح القولين.
قال أبو الطيب: لأنه عبادة يزيل عقدها الجماع؛ فإذا فعلها قبل وقتها بالاجتهاد، وجب ألا تجزئ؛ كالصلاة.
قلت: ولك أن تقول: الصلاة أزال عقدها الملامسة قبل الجماع؛ فلا جامع.
نعم لو قال: لأنه عبادة تفتقر إلى النية قصداً، ولا يجب المضي في فاسدها، فإذا فعلت قبل وقتها بالاجتهاد لم تجزئه، كالصلاة – لانتظم القياس.
وقولنا: "تفتقر إلى النية [قصداً] ... " إلى آخره – احتراز عن الوقوف في الحج إذا وقع في الثامن.
لكن هذا القياس يفهم أن الأسير لو اجتهد في أوقات الصلاة، وصلى قبل الوقت: أنه يعيد قولاً واحداً، وليس كذلك، بل الأمر فيه كما في الصوم وفاقاً وخلافاً؛ صرح [به] الإمام [حكاية] عن شيخه هنا، وفي كتاب الصلاة، [قال: إن في صورة القولين نقول: الصلاة] أولى بذلك من الصوم؛ فإن الأمر فيها أخف، ولذلك سقط قضاؤها عن الحّيَّض وإن لم يسقط عنهن قضاء الصوم. قال: وجماهير الأصحاب على تجويز الاجتهاد في أوقات الصلاة مع إمكان درك اليقين بالصبر، والمتفق على قضاء الصلاة فيه – كما قال الإمام – إذا اجتهد القادر في الوقت مع
стр. 2863
قدرته على الصبر حتى يتحقق دخول الوقت، أو اعتمد على قول المؤذن في دخول الوقت، فصلى، ثم ظهر أنه صلى قبل الوقت؛ كما قال ابن الصباغ، وقاس عليه مسألة الكتاب.
ومقابله: أنه يجزئه؛ لأنها عبادة يتعلق جبرانها بالمال، فإذا فعلها بالاجتهاد قبل وقتها، وجب أن تجزئه؛ كالحج إذا وقف [فيه] في الثامن.
وقاسه الفوراني والبغوي والمتولي على ما إذا وقفوا في العاشر، أنه فعل العبادة في وقت لا يصح فعلها فيه مع العلم بالحال.
وهذان القولان حكاهما القاضي أبو الطيب عن نصه في "الأم" والقديم، وقال الماوردي: إن الذي صرح به في كتبه الأول والثاني أخذ من قوله في موضع من الأم: "ولو قال قائل: إذا تأخر؛ فبان له صيام ما قبله يجزئه، كان مذهباً".
وقال القاضي الحسين: إن الثاني قول الشافعي في القديم
قال في التتمة: ويمكن بناؤهما على أنه إذا وافق ما بعده يكون أداء أو قضاء؟ فإن قلنا: أداء صح، وألا فلا؛ لأن القضاء لا يسبق الأداء، وما أبداه [الإمام] احتمالاً قد صرح به القاضي الحسين عن القفال، وتبعه الفوراني والبغوي.
وعن بعضه القطع بالمنع، وينسب إلى أبي إسحاق، وأنه قال: ما قاله في "الأم" حكاية عن مذهب الغير، لا أن ذلك مذهب له.
قال القاضي الحسين: وهو الأصح، والفرق بينه وبين الحج: أن الحج لا يزيل عقدة الجماع، والصوم يزيل عقدة الجماع؛ فهو كالصلاة.
ولأن الحج يشق قضاؤه، ولا يؤمن مثل ما وقع في القضاء، والصوم بخلافه.
والذي عليه شيوخ أصحابنا-: كالربيع، والمزني، وابن سريج، وغيرهم؛ كما قال البندنيجي – الطريق الأولى، ولم يحك الإمام غيرها، ثم قال: فإن قيل: هل يناظر ما ذكرتموه من صور الخلاف والوفاق القول في خطأ الحجيج؛ فإنهم لو أخطئوا، فوقفوا يوم العاشر، أجزأهم الوقوف ولو وقفوا في الثامن؛ ففي إجزائه وجهان، وهذا
стр. 2864
يناظر تقديم [صوم]؛ الأسير على [شهر] رمضان – قلنا: [هذا] تشبيه من جهة الصورة؛ فإن الذي أوجب الفرق بين الثامن والعاشر عموماً تصور الغلط في العاشر، وندور ذلك في الثامن، وأما غلط الأسير؛ فإنه على وتيرة واحدة في التقدم والتأخر؛ فلا ينبغي أن يعتقد اتحاد مأخذ المسألتين. نعم، حكى الإمام الطريقتين فيما لو انجلى الإشكال وقد بقي بعض رمضان؛ فنه يجب صوم البقية، كما يجب صوم الجملة لو انجلى الحال قبل مضيه، وفي إجزاء ما مضى طريقان؛ فإن منهم من خرجه على القولين، ومنهم من قطع بأنه يجب استدراك البقية.
فرع: إذا وافق صومه [ما] بعد رمضان أو قبله، وقلنا: يجزئه، فلو كان قد أفسد يوماً منه بجماع، فلا كفارة؛ لأنها تجب لحرمة رمضان، هي غير موجودة. نعم لو وافق رمضان، وجبت كما لو صام بشهادة واحد، وجامع.
وقد بقي من تقاسيم المسألة ثلاث صور:
إحداها: أن يزول الأسر، ولا يظهر له أي شهر صامه؟ وقد قال في "الحاوي": أنه لا يلزمه شيء؛ لأن الظاهر من الاجتهاد صحته.
الثانية: أن يزول الأسر، ويظهر أن كان يصوم الليل، ويفطر النهار.
وقال البندنيجي: قال أصحابنا: عليه القضاء. وظاهره: أنه بلا خلاف على المذهب؛ لأنه زمان لا ينعقد صيامه؛ فهو كزمان الحيض والنفاس والعيدين.
الثالثة: إذا اجتهد، فغلب على ظنه أن رمضان قد فات، فصامه قضاء، ثم زال الأسر، وظهر له أن ما صامه رمضان –فهذا يظهر أن يكون كما لو صام على ظن أنه رمضان، فوافق ما بعده؛ لأنه ثم نوى الأداء وكان قضاء، وهنا عكسه، ولم أعثر في هذا على نقل.
стр. 2865
نعم، إن أُجري كلام الشيخ على ظاهره، أمكن أخذ هذا الحكم منه.
ثم ما ذكرناه مصور بما إذا اجتهد، فغلب على ظنه شيء بأمارة، وعمل عليه كما تقدم، أما إذا اجتهد ولم يترجح عنده شيء بأمارة دلت عليه، فقد قال الشيخ أبو حامد: يصوم شهراً بالتخمين، ويعيد كمن اشتبه عليه القبلة، ولم يعرف الدلائل، أو كان أعمى، ولم يجد من يقلده، فيصلي على حسب حاله ويعيد.
ولا يقال: إنا إذا أجرينا قول المصنف: "تحرَّى وصام" على ظاهره أمكن أخذ هذا الحكم منه لأن قول الشيخ: "فإن وافق الشهر أو ما بعده أجزأه" يناقضه.
والصحيح: أنه لا يؤمر بالصوم والحالة هذه، والفرق بينه وبين من اشتبهت عليه القبلة: أنه ثمَّ تحقق وجوب الصلاة في وقتها؛ فلذلك [أمر بها]؛ حتى لا يخلو الوقت عنها، وهنا لم يتحقق وجوب الصوم، ولا غلب على ظنه؛ فلم يجب، كما لو شك في دخول وقت الصلاة.
وما ذكره الشيخ أبو حامد هو الذي أورده البندنيجي، لكنه صور المسألة بما إذا لم يكن معه دليل يستدل به، ووقع في قلبه: أن هذا الشهر رمضان.
واعلم أن ما ذكره الشيخ في فرض المسألة في الأسير تبعاً للشافعي – لا يختص به، بل هو جارٍ فيه ومن [هو] في معناه: كمن حبس في مطمورة، أو كان في طرف بلاد الإسلام، أو في موضع لا يعدون الشهور، وإنما ذكره الشافعي ومن تبعه في الأسير؛ لأن أكثر ما يقع ذلك للأسارى.
قال: وإن رأى هلال شوال، أي ليلة الثلاثين من رمضان وحده أفطر؛ لعلمه بسبب تحريم صومه.
قال: سرًّا حتى لا يعرض نفسه للعقوبة؛ فإنه إذا شوهد مفطراً؛ ولم تثبت رؤيةالهلال، عزر، فلو أفطر جهراً، ثم شهد مع عدل آخر عند الحاكم، قال في "التتمة": لم
стр. 2866
تقبل شهادته؛ لأنه يدفع التعزير عن نفسه بالشهادة. نعم، لو شهد قبل الأكل مع غيره، فردت شهادتهما، ثم أكلا لم يعزرا، بخلاف ما لو أكلا قبل الشهادة.
قال: القاضي الحسين: ولو قبلت شهادتهما، عمل بها بلا خلاف؛ لورود الخبر بذلك ولا يعارضه ما ثبت في البخاري ومسلم وغيرهما عن النبي ﷺ أنه قال: "شهرا عيد لا ينقصان: رمضان، وذو الحجة"؛ لأنه ليس المراد أنه لا يتصور نقصهما؛ لوجود نقصهما مشاهدة، وقد قال ابن مسعود: "صمنا مع النبي ﷺ تسعاً وعشرين أكثر مما صمنا معه ثلاثين" كذا أخرجه أبو داود والترمذي، وإذا كان كذلك، فقد اختلف في المراد بعدم النقص.
فقيل: لا ينقصان في سنة واحدة، بل إن نقص أحدهما تم الآخر وهو قول أحمد ابن حنبل.
وقيل: نه أخرجه مخرج الغالب؛ فإنهما لا يجتمعان في النقص.
وقيل: إن الإشارة بذلك كانت إلى سنة معلومة؛ ذكره أبو بكر بن فورك.
وقيل: نه إنما أراد بذلك تفضيل العمل في عشر ذي الحجة، وأنه لا ينقص في الأجر والثواب عن شهر رمضان.
وقيل: إن الناس كانوا يكثرون الاختلاف في هذين الشهرين؛ لأجل عيدهم
стр. 2867
وحجهم، فأعلمهم أن الشهرين وإن نقصت أعدادهما، فحكمهما على التمام والكمال في حكم العبادة؛ كي لا يقع في القلوب شك إذا صاموا تسعة وعشرين، أو وقع في وقوفهم غلط في الحجيج؛ فبين أن الثواب تام وإن نقص العدد، وهذا معنى ما حكاه البندنيجي عن أبي إسحاق.
فإن قيل: قد أخرج أبو القاسم الطبري من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر قال: قال رسول الله ﷺ : "كل [شهر] حرام لا ينقص ثلاثين يوماً وثلاثين ليلة" [و] رجال إسناده ثقات.
قيل: لا يمكن حمل هذا إلا على الثواب، أي يثاب العامل فيها ثواب ثلاثين يوماً وثلاثين ليلة في الصلاة والصيام ونحوها.
قال: ولا يصح صوم رمضان ولا غيره من الصيام الواجب – أي: كالصوم في الكفارات، وعن قضاء رمضان والنذر – إلا بنية؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل]، فأخبر أن المجازاة لا تقع بمجرد الفعل حتى يبغي به الفاعل وجه الله تعالى بإخلاص النية.
وللخبر المشهور.
ولأن الإمساك يقع تارة عبادة، وتارة عادة؛ فلابد من النية ليميز بينهما.
قال: من الليل، لما روى أبو داود عن حفصة زوج النبي ﷺ : [أن رسول الله] قال: "من لم يجمع الصيام قبل الفجر، فلا صيام له" وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه.
стр. 2868
قال في "الحاوي": وقد روى ذلك – أيضاً – عائشة وأم سلمة وابن عمر، وفي رواية بعضهم: "لمن لم يُبَيِّت الصيام ["من الليل"، وفي رواية لبعضهم: "لمن لم ينو الصيام] قبل الفجر".
ولا يقال: إنه محمول على نفي الكمال؛ لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة، وقد ادعى الماوردي الإجماع على ذلك في صيام النذر المطلق والكفارة وقضاء رمضان، وإذا كان ذلك مجمعاً عليه، قسنا صيام رمضان عليه، بجامع الاشتراك في الوجوب.
قال كل يوم؛ للخبر، فن قيل: إذا نوى في أول الشهر من الليل، فقد أجمع الصيام قبل الفجر، ونوى الصيام من الليل؛ فوجب أن يجزئه؛ كما قال مالك.
стр. 2869
قلنا: إنما أراد النبي ﷺ تبييت الصيام في كل ليلة، ولو كان قصده ما قالوه، لم يجز لأحد أن يفرد لكل يوم نية من الليل، وللزمه أن ينوي في أول ليلة صوم جميع الشهر، ولما أجمعنا على أن إفراد كل يوم بنيته جائز؛ دل على أن ما ذكرناه هوا لمقصود بالخبر، وحينئذ فمقتضاه: أنه لو نوى صوم أيام الشهر في أول ليلة منه، لا يصح له [إلا صومي اليوم الأول، وقد حكى الإمام عن شيخه تردداً فيه، وقال: إنه فيه إشكال واحتمال.
قال الرافعي: وقد رأيت ابن عبدان أجاب بصحته، وهو الأظهر.
ولأن صوم كل يوم عبادة منفردة؛ لأنه [لا] يفسد بفساد ما قبله، ولا بفساد ما بعده؛ فأشبه صلوات اليوم؛ وبهذا يظهر الفرق [بين] صوم أيام رمضان وركعات الصلاة وأركان الحج، على أن في اشتراط النية في كل ركن من أركان الحج عند الإتيان به خلافاً ستعرفه في موضعه.
وقيل: تصح نيته مع الفجر؛ لأن النية اقترنت بأول العبادة؛ فوجب أن تصح كسائر العبادات، والحديث فقد قال أبو داود: إنه وقفه على حفصة معمر والزبيدي وابن عيينة وغيرهم، وقال الترمذي: [لا نعرفه] مرفوعاً إلاَّ من هذا الوجه. وإن كان كذلك؛ فلا حجة فيه حتى يقال: إن هذا قياس في مقابلة النص؛ وهذا وجه حكاه القاضيان: أبو الطيب، والحسين، وبه أجاب ابن عبدان.
وقيل في النذر المطلق: إنه يجوز نيته من النهار؛ بناء على أن النذر يسلك به مسلك جائز الشرع؛ حكاه القاضي الحسين والمتولي وغيرهما.
والمنصوص عليه – وهو الصحيح باتفاق الأصحاب – الأول، ولم يذكر
стр. 2870
الماوردي والبندنيجي غيره؛ فإن الحديث قد رواه الليث وإسحاق بن حازم أيضاً عن عبد الله بن أبي بكر مثله، يعني: مرفوعاً، وقال الدارقطني: رفعه عبد الله بن أبي بكر عن الزهوي، وهو من الثقات.
وقال الخطابي: عبد الله بن أبي بكر بن عمرو قد أسنده، وزيادات [الثقات] مقبولة.
والفرق بينه وبين سائر العبادات: أن إقران النية بأولها لا يخلي جزءاً منها عن النية، بخلاف الصوم لو جوز إقران النية [به] لخلا أول العبادة عنها، وعلى هذا هل يتعين لها النصف الأخير من الليل أم لا؟ فيه وجهان:
الصحيح: لا، بل أي وقت نوى فيه أجزأه؛ للخبر.
قال الإمام: ومقابله لا أعده من المذهب. وقال الترمذي: إنه غلط؛ لما في مراعاة ذلك من المشقة التي لأجلها جوزت من الليل.
وعلى كل حال، فهل من شرطها ألا يطرأ بعدها في الليل مناف للصوم: كالأكل، والشرب، والجماع، أو لا يشترط؟ المنقول عن أبي إسحاق: الاشتراط؛ حتى لو فعل شيئاً من ذلك بعدها، لزمه تجديدها، وزاد فقال: لو نام، ثم استيقظ قبل الفجر، لزمه تجديدها.
قال الماوردي وأبو الطيب: وهو غلط: مذهباً وحجاجاً:
أما المذهب؛ فلأن الشافعي قال: "لو طلع الفجر عليه، وهو مجامع أخرج مكانه، وصح صومه"، فلو لزمه تجديد النية، لبطل صومه؛ لأن نيته بعد الإخراج تصادف أول [النهار].
وأما الحجاج؛ فلقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإن قال أبو إسحاق:
стр. 2871
لا يجوز له الأكل والشرب إلى طلوع الفجر، خالف نص القرآن، وإن قال: يجوز له ذلك، فإنه يوجب عليه النية بعد طلوع الفجر؛ وهذا باطل على المذهب.
ولأنه مفطر في الليل وإن لم يأكل؛ فتركه الأكل والجماع مع كونه مفطراً غير مفيد.
وقد حكى أبو الطيب وغيره عن أبي سعيد الإصطخري أنه قال: يستتاب أبو إسحاق؛ فإن تاب وإلا قتل.
وحكى أن أبا إسحاق رجع عن قوله في هذه المسألة، أي: عام حجه؛ كما قاله [الفوراني والإمام] وأنه أشهد على نفسه.
وقال البندنيجي وابن الصباغ: إن هذا القول يحكي عن أبي إسحاق حكاية، وليس بموجود في كتبه.
واعلم أن ظاهر كلام الشيخ يقتضي أن الصبي لو نوى صوم رمضان بالنهار لا يصح وإن كان نفلاً في حقه، وكلام الشافعي في "المختصر" يخرّجه؛ فإنه قال: "ولا يجزئ أحداً [صيام] فرض شهر رمضان ولانذر ولا كفارة إلا من ينوي من الليل قبل الفجر".
قال: ويصح النفل بنية قبل الزوال، أي: إذا لم يكن قد فعل ما ينافيه، [ولا يصح بنية بعده].
стр. 2872
ووجه صحته بنية قبل الزوال: ما روى مسلم عن عائشة قالت: دخل عليَّ النبي ﷺ ذات يوم، فقال: "هل عندكم شيء؟ " فقلنا: لا، قال: "فإني إذاً صائم". ثم أتانا يوماً آخر، فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حيس، فقال: "أرينيه؛ فلقد أصبحت صائماً"، ثم أكل.
وروى – أيضاً – عن الربيع بنت معوذ أن عفراء قالت: أرسل رسول الله ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: "من كان أصبح صائماًن فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطراً، فليتم بقية يومه".
ومعلوم أن يوم عاشوراء كان نافلة؛ فإنه لم يأمر من أفطر بالقضاء مع شدة حاجتهم إلى بيان الحكم فيه أن لو كان واجباً، وقد أمرهم بصومه نهاراً.
وقد [جاء في] حديث عائشة أنه قال: "هل عندكم من غداءٍ؟ "؛ والغداء – كما قال أبو الطيب -: اسم لما يؤكل قبل الزوال، والمأكول بعد الزوال يسمى: عشاء.
ووجه عدم صحته بنية بعد الزوال: التمسك بحديث حفصة، وما قبل الزوال خرج بما ذكرناه.
ولأنه لو جاز بنية بعد الزوال لخلا معظم العبادة عن النية، بخلاف ما قبله.
وقد حكى الإمام عن شيخه تردداً مع التفريع على هذا القول فيما إذا وقعت نيته.
стр. 2873
بعد منتصف الزمان من طلوع الفجر إلى الغروب، وهو يقع ضحوة، والمنع موافق لمن اعتبر أكثر العبادة.
قال الإمام: ولعل من اعتبر الزوال على هذا اعتبره؛ لأنه بني، وضبط وسط الوقت مع الاحتساب من طلوع الفجر عسير، ولا خلاف أن [النهي عن] السواك منوط بما بعد الزوال؛ فإن المرعي فيه ظهور الخلوف، وهو في الغالب مختص بما بعد الزوال.
وعن المزني: أنه لا يصح النفل إلا بنية من الليل؛ لخبر حفصة، وبه قال بعض الأصحاب، وهو البلخي.
قال الإمام: وهو القياس، وفعله – ﵇ – وأمره يرد عليهما.
وقيل: يصح بنية بعد الزوال أيضاً؛ [أي]: إذا لم يتصل آخر نيته بغروب الشمس؛ لأنه لما كان الليل محلاً للنية في صوم الفرض [واستوى حكم جميعه فيها، وكان النهار محلاً للنية في صوم التطوع] – وجب أن يستوي حكم جميعه فيها، وقول الربيع لا حجة فيه؛ لجواز أن الأمر لم يبلغهم إلا بعد الزوال؛ وهذا ما نقله حرملة؛ كما قال القاضيان أبو الطيب والحسين، وحكاه البندنيجي عن نصه في "اختلاف على وعبد الله"، وقال: "إنه إذا اتصلت نيته بغروب الشمس، لم يصح قولاً واحداً"، والأول هو ظاهر ما نقله المزني والربيع، وقال القاضيان أبو الطيب، والحسين: إنه الذي نص عليه في القديم والجديد.
والفرق بين جميع الليل وجميع النهار: أن اعتبار النية في الليل إنما كان للمشقة، فلو اختصت بوقت منه، تحصلت، وليس كذلك النية قبل الزوال؛ فإنه لا مشقة فيها.
وحكى القاضي الحسين عن القفال: أنه كان يبني هذا الخلاف على أصل [آخر] مقصود في نفسه، وهو أنه إذا نوى قبل الزوال من أي وقت يصير صائماً؟ وفيه وجهان:
أحدهما – وهو قول أبي إسحاق-: أنه يكون صائماً من وقته، وقبل ذلك يكون
стр. 2874
ممسكاً إمساك عادة، لا يثاب عليه، وهو الأصح في "الإبانة"،وقال الإمام: إنه الذي ذهب إليه القائسون.
قال الرافعي: ويقال: إنه اختيار القفال؛ لأن النية في العبادات شرط، والعبادة لا تسبق الشرط.
والمذهب أنه يكون صائماً من أول النهار، وبه قال أكثر الأصحاب؛ كما قال الماوردي وأبو الطيب.
فإن قلنا: يصير صائماً من أول النهار، لم تجزئه النية بعد الزوال؛ لأنه لم يبق معظم النهار.
وإن قلنا: يصير صائماً من قوت النية، صحت نيته بعد الزوال. وهذا فيه نظر من وجهين:
[أحدهما]: أن الخلاف المذكور في وقت النية- كما ذكرنا – قولان، فكيف يمكن بناؤهما على وجهين أو على قول ووجه؟!
والثاني: أن الرافعي وغيره حكوا الخلاف في انه هل يكون صائماً من وقت نيته أو من أول النهار فيما إذا كان نوى قبل الزوال أو بعده وصححناه، ولو كان
стр. 2875
مبنياً على ما ذكره، لم يكن يما إذا نوى بعد الزوال خلاف في أنه يكون صائماً من وقته.
وقد غلط الماوردي أبا إسحاق فيما قاله، وصحح خلافه؛ موجهاً له بأنه: لو أكل في أول النهار، ثم نوى أن يصوم بقية نهاره، لم يصح؛ لامتناع تبعيض الصوم، وتفريق حكم اليوم؛ فإذا كان ذلك ممتنعاً، وقد حكم له بصوم بعض اليوم، وجب أن يحكم له بجميعه، ولا بعد في ذلك؛ فإن المصلي إذا أدرك الإمام في الركوع، حسب له جميع الركعة وثواب جميعها وإن كان مدركاً لبعضها.
وقد حكى القاضي الحسين عن الشيخ أبي زيد من أصحابنا والفوراني عن ابن سريج والرافعي عن ابن جرير الطبري: أنهم قالوا: لو أكل، ثم نوى صوم التطوع، صح صومه.
قال القاضي: وهو خلاف النص الذي لم يورد البغوي غيره.
وقال الفوراني في توجيه ما صححه: لا يمتنع أن تكون عبادة في وقت، ويشترط تقديم شرط على ذلك الوقت؛ كما أن من أدرك الجمعة، فجمعته من وقت ما يشرعه في الصلاة، ويشترط تقديم الخطبة.
وقد قال بعضهم: إن ما حكى عن أبي زيد لا يحل نقله، أي: للعمل به.
ثم الخلاف المشهور فيما إذا طهرت الحائض أو أسلم الكافر في أثناء يوم، ثم نوى التطوع، فإن قلنا: إنه يكون صائماً من أول النهار، لم يصح، وألا فوجهان، حكاهما المتولي، وكذا الإمام عن شيخه مع قطعه بأنه إذا كان قد أكل لا يصح صومه، وقال: [إنه لعمري] يقرب بعض القرب، فأما تصوير الصوم بعد الأكل في النهار فهو في حكم الهزو عندنا.
قال: ولا يصح صوم رمضان ولا غيره من [الصيام] الواجب - أي: وإن تعين وقته: كقضاء ما عليه من رمضان إذا لم يبق من شعبان إلا قدره، ونذر صوم يوم
следующие страницы →