Полный текст (9 685 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.
стр. 3151
وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب ما يقتضي الأول حيث قال: إنه لا يرد الأجرة.
وقال في "التتمة" إن محل الخلاف في الاستحقاق إذا جهل الأجير عدم الصحة, فلو علمها, لم يستحق شيئًا وجهًا واحدًا.
ثم الأجير في حج التطوع يجوز أن يكون عبدًا أو صيًا؛ لأنه من أهله, بخلاف حج الفرض كما تقدم.
وفي جواز ذلك في الحجة المنذورة وجهان يبنيان على أنه يسلك بها مسلك جائز الشرع أو واجبه.
قال: ويجوز الإحرام بالعمرة وفعلها في جميع السنة, أي: يجوز الإحرام بالعمرة, والأصل في ذلك ما رواه مسلم عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال لامرأة من الأنصار -يقال لها: أم سنان-: "ما منعك أن تكوني حججت معنا؟ قالت: ناضحان كانا لأبي فلان- تعني: زوجها -حج هو وابنه على أحدهما, وكان الآخر يسقي عليه غلامنا نخلًا لنا, قال: "فعمرة في رمضان تقضي حجة" [أو حجة] معي".
وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما".
وروى مسلم [أيضًا] أنه ﵇ أمر عبد الرحمن أن يعتمر بعائشة من التنعيم في ليلة الحصبة, وهي ليلة الرابع عشر من ذي الحجة التي يرجعون فيها من
стр. 3152
منى إلى مكة, [وتسمى: ليلة الصدر, و: ليلة البطحاء].
وقد روى أنه ﵇: اعتمر عمرة القضية في شوال, اعتمر عام الفتح في ذي القعدة.
وفي مسلم عن أنس "أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة, إلا التي مع حجته: عمرة من الحديبية [أو زمن الحديبية] في ذي القعدة [وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة] , وعمرة من جعرانة, [حيث] قسم غنائم حنين في ذي القعدة, وعمرة مع حجته".
وقد كانت العرب ترى أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض, ويجعلون المحرم صفر, وقولون: "إذا برأ الدبر وعفا الأثر, وانسلخ صفر, حلت العمرة لمن اعتمر", فقدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابع ذي الحجة مهلين بالحج, فأمرهم أن يجعلوها عمرة؛ فتعاظم ذلك عندهم, فقالوا: يا رسول الله, أي الحل؟ قال: "الحل كله" كذا أورد مسلم بعضه, وغيره أورد الباقي؛ فدل ما ذكرناه على فتح الباب وعدم التأقيت.
ولأنها إنما سميت عمرة؛ [لجواز فعلها] في العمر كله.
ثم مع جواز الفعل في جميع السنة لا يكره في وقت منها, سواء فيه يوم عرفة,
стр. 3153
ويوم النحر, وأيام التشريق, وغيرها.
نعم, فعلها في الأيام الخمسة ليس بفاضل كفعلها في غيرها؛ لأن الأفضل فعل الحج فيها, وعليه يحمل قول عائشة ﵂, إن [صح-]: "العمرة في السنة كلها إلا يوم عرفة, ويوم النحر, وأيام التشريق".
والعاكف بمنى للرمي والمبيت, لا تنعقد عمرته لاشتغاله بذلك؛ نص عليه. ومن تعجل الرمي في اليوم الثاني, يجوز له الاعتمار في الثالث, صرح به المارودي والإمام.
ويجوز أن تفعل في السنة الواحدة مرتين وأكثر, خلافًا للمزني فإنه قال: لا تجوز إلا مرة؛ قياسًا على الحج. وهو فاسد؛ لما سنذكر أن عائشة ﵂ اعتمرت في سنة مرتين بأمره, ﵇.
وعن علي -كرم الله وجهه- أنه اعتمر في شهر أربع مرات, وكذا روي عن ابن عمر وأنس, ولم ينكر ذلك أحد.
ولأنها عبادة غير مؤقتة؛ فجاز تكرارها في السنة, كالصلاة, وخالفت الحج؛ لأن له وقتًا يفوت بفواته وهو عرفة.
قال البندنيجي: ويجوز أن يقيم على إحرامه بالعمرة أبدًا, ويكملها متى شاء.
قال في "التهذيب": والمستحب أن يعتمر في أشهر الحج, اقتداء به ﵇.
قال: ولا يجوز الإحرام بالحج إلا في أشهر الحج, لقوله تعالى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] والحج: هو الفعل؛ فلا يصح وصفه بأنه أشهر؛ [فثبت أنه
стр. 3154
لا] بد من إضمار ولا يجوز إضمار فعل الحج؛ لأن فعله ليش بأشهر, وإنما يكون في أيام معدودة, ولا يجوز أن يكون التقدير: أشهر الحج أشهر معلومات -كما قال الزجاج- لخلوه عن الفائدة؛ فتعين أن يكون: وقت الإحرام بالحج أشهر معلومات؛ لظهور الفائدة, قال الماوردي: ولأنه لما جعل الحج أشهرًا, والحج: الإحرام, والوقوف, والطواف, [والسعي, والطواف] والسعي لا يختص بها, بل يصح فيها وفي غيرها, وإن لم يكن الوقوف في جميعها -حصل الاختصاص بالإحرام؛ فكأنه قال: اللإحرام بالحج في أشهر معلومات.
قال القاضي الحسين وغيره: ويدل على ذلك من الآية قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧] والفرض: هو العقد والإيجاب, والهاء والنون إنما تستعمل فيما دون العشرة, فأما فيما وراء العشرة فيقال فيها بالهاء والألف, كما قال تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ , ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]؛ فدل على اختصاص الإيجاب بأشهر الحج.
قال: وهي شوال, وذو القعدة, وعشر ليال من ذي الحجة؛ كذا ذكره ابن عباس, وجابر, وابن مسعود, وابن الزبير.
وقد خالفنا أبو حنيفة, فعد يوم العيد منها؛ لأنه يفعل فيه معظم النسك؛ فكان كيوم عرفة وما قبله.
ومالك يعد جميع ذي الحجة منها, وقد نص الشافعي على مثل مذهبه في "الإملاء"؛ كما قاله القاضي أبو الطيب والعمراني وغيرهما؛ لقوله تعالى: ﴿أَشْهُرٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] , وهي جمع, وأقل الجمع ثلاثة, وأثر هذا الخلاف يظهر من بعد.
والمذهب: [الأول]؛ لأن الله -تعالى- حد شهور الحج, وأخبر أنها معلومات, والتحديد لا بد له من فائدة وتلك الفائدة عندنا: أن الإحرام بالحج لا ينعقد في غيرها, والفائدة عند مخالفنا: أنه يكره الإحرام بالحج في غيرها, وهذا المعني موجود في يوم النحر وما بعده؛ لأن الإحرام فيه لا ينعقد عندنا بالحج
стр. 3155
ويكره عند مخالفنا؛ [فثبت أنه ليس من أشهر الحج.
ولأن الله تعالى قال: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧] فنهى عن الرفث -وهو الجماع- في وقت الحج, وقد يحل الجماع في يوم النحر, وهو إذا طاف بعد نصف الليل, ورمى بعد طلوع الفجر, وكذا عنده إذا طاف بعد طلوع الفجر, ورمى بعد طلوع الشمس يستبيح الوطء في بقية يومه] فثبت أن ذلك ليس من جملة أشهر الحج.
والجواب عن حجة أبي حنيفة: أن معظم الحج يفعل في أيام التشريق, وهو الطواف, والرمي, والنحر, والمبيت بمنى, وليست من أشهر الحج.
وعن حجة مالك: أن العرب قد تذكر الشيئين وبعض الثالث باسم الجمع, قال الله تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٧] ولو طلقها وكانت طاهرًا, ثم مضى جزء يسير, وحاضت, لكان ذلك الجزء مضافًا إلى قرأين كافيًا.
على أنا [قد] نقول: إن أقل الجمع اثنان, كما قاله [بعض] أصحابنا, فلا نحتاج معه إلى جواب.
وقد حكى الإمام ومن تبعه وجهًا: أنه لا يصح الإحرام به في الليلة العاشرة وهي ليلة العيد, كما حكاه القاضي الحسين عن ابن سيرين.
قال الرافعي: ويجوز أن يكون قائله هو القائل بأنها ليست وقتًا للوقوف, كما سيأتي, ويجوز أن يكون مستنده قول الشافعي ﵁: "أشهر الحج: شوال, وذو القعدة, وتسع من ذي الحجة, وهو يو معرفة, فمن لم يدركه إلى الفجر من يوم النحر, فقد فأنه الحج"؛ فإن الليلة العاشرة لو كانت منها لقال: وعشر من ذي الحجة. واعتقاده أن قول الشافعي: "وهو يوم عرفة" أي: اليوم التاسع يوم عرفة, وقوله: "فمن لم يدركه", أي: لم يدرك الوقوف في يوم عرفة الذي هو معظم الحج "إلى الفجر من يوم النحر, فقد فاته الحج", كما قدره المسعودي.
لكن الجمهور قالوا: المراد: من لم يدرك الإحرام إلى الفجر من يوم النحر, فقد فأنه الحج وأفرد الليلة العاشرة؛ لأن فوات الحج يتعلق بفواتها, ولأن المحرم بالحج فيها لا يحصل له فضيلة الإحرام؛ لأنه لم يجمع فيه بين الليل والنهار.
стр. 3156
ولأن ليلة النحر لا يتعقبها شيء من أشهر الحج, بخلاف سائر ليالي الحج.
ولأن الليالي تستتبع الأيام, وليلة النحر لا تستتبع يومها؛ فلذلك أفردت بالذكر؛ لما امتازت على غيرها, وهذا أحد الجوابين اللذين أجاب بهما الأصحاب ابن داود حين قال: الشافعي إن كان أراد بقوله: "وتسع من ذي الحجة" الأيام, فقد خالف اللغة؛ لأنه لا يقال: "تسع أيام", وإن كان أراد: الليالي, فقد خالف الشريعة؛ لأن الليالي من ذي الحجة عشرة.
والجواب الثاني: أن الشافعي أراد الأيام, وليس في ذلك مخالفة للغة؛ لأن من شأن العرب إذا جمعت الأيام والليالي تجعل الحكم لليالي؛ قال الله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] والعشر تكون ليالي وأيامًا؛ فغلب حكم التأنيث لما اجتمعا, وقال –﵇: "يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثًا".
وقال لحبان بن منقذ: "إذا اشتريت فقل: لا خلابة, واشترط الخيار ثلاثًا" وأراد: ثلاثة أيام.
قال: فإن أحرم بالحج في غير أشهره, انعقد إحرامه بالعمرة؛ لأنه –﵇ سئل عمن يحرم بالحج قبل أشهره, فقال: "يهل بالعمرة", وروي أنه قال: "مهل بالحج قبل أشهر الحج مهل بالعمرة".
ولأن الإحرام شديد التشبت واللزوم؛ ولهذا ينعقد مع السبب المفسد؛ بأن يحرم مجامعًا, فإذا لم يقبل الوقت ما احرم به, انصرف إلى ما يقبله.
وأيضًا: فإنه [إذا] بطل قصد الحج, بقي مطلق الإحرام, [والعمرة تنعقد بمجرد الإحرام] فانصرف إليها, وهذا ما نص عليه في "المختصر", ولم يورد العراقيون سواه, وقالوا: لو كان عليه عمرة الإسلام, أجزأته, وهو مراد الشيخ بقوله: "بالعمرة"؛
стр. 3157
إذ لو لم يكن هذا مراده, لحذف الألف واللام, ولقال: انعقد بعمرة.
وقد حكى القاضي الحسين والفوراني عن الشافعي –﵁ أنه قال في موضع آخر من القديم: "إنه يتحلل بعمل عمرة", فأقامه بعض الأصحاب قولاً ثانيًا في المسألة, ومنهم من قطع به, وقاسه على ما لو فات حجه؛ [لأن كل] واحد من الزمانين ليس وقتًا للحج, وعلى هذا لا تجزئه عن عمرة الإسلام.
وحكى الإمام أن بعض المصنفين –وهو في "الإبانة"-[قال]: إن إحرامه ينعقد فيهما, إن صرفه إلى العمرة كان عمرة صحيحة, وإلا تحلل بعمل عمرة. ونزَّل [النصين] على هذين الحالين.
وفي "تعليق" القاضي: أن من أصحابنا من قال بنفي الخلاف في المسألة, وينزل الأول على ما إذا أحرم مطلقًا, والثاني على ما إذا قيد الإحرام بالحج.
والأشهر –كما قال الرافعي- طريق القولين, وهما مشبهان- عند من أثبتهما كالقولين- في التحرم بالصلاة قبل وقتها, هل تنعقد نافلة؟ لكن الأظهر هناك: أنه إن كان عالمًا بالحال لم تنعقد نافلة, وهنا: الأظهر انعقاد العمرة بكل حال؛ لقوة الإحرام.
وغيره صحح طريقة القطع بأنه بأفعال عمرة, وفرق بين ما نحن فيه, التحرم بالصلاة قبل وقتها-: بأن الفرض في الصلاة صفة لها؛ فإذا سقطت الصفة, بقيت نفس الصلاة صحيحة, والحج ليس هو عمرة موصوفة.
قال: ويجوز إفراد الحج عن العمرة, ويجوز القران بينهما, ويجوز التمتع بالعمرة إلى الحج؛ لما روى أبو داود عن عائشة قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع, فمنا من أهل بعمرة, [ومنا من أهل بحج] , ومنا من أهل لالحج والعمرة, وأهل رسول الله ﷺ [بالحج] ", وأخرجه البخاري ومسلم
стр. 3158
وغيرهما مختصرًا ومطولًا.
وقد أجمع المسلمون على ذلك.
[قال العلماء: وسميت: حجة الوداع؛ لأنه –﵇ ودع فيها الناس.
وتسمى: حجة البلاغ؛ لأنه بلغ أمته فيها ما تضمنته خطبته.
وتسمى: حجة التمام؛ لأنه بين تمامها وأراهم مناسكها.
وتسمى: حجة الإسلام؛ لأن رسول الله ﷺ لم يحج بعد فرض الحج غيرها وقيل: لم يحج بعد النبوة غيرها.
قال الماوردي في السير: وقد حكى مجاهد أنه حج قبل الهجرة حجتين, ورواه جابر بن عبد الله].
قال: وأفضلها: الإفراد؛ لما روى مسلم عن عائشة أن رسول الله ﷺ أفرد الحج.
وروى مسلم –أيضًا- عن ابن عباس قال: "فركب –يعني: رسول الله ﷺ راحلته, فلما استوت على البيداء أهل بالحج".
وروى مسلم عن ابن عمر قال: "أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج مفردًا", وفي رواية: "أن رسول الله ﷺ أهل بالحج مفردًا".
وروى البخاري ومسلم عن جابر قال: "أهللنا مع رسول الله ﷺ [بالحج] خالصًا وحده, ليس معه عمرة".
стр. 3159
وروى عن ابن عمر أنه قال: حج رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعبد الرحمن ابن عوف, فأفردوا, لوم يقرنوا, ولم يتمتعوا.
وإذا كان هذا فعله ﵇ وصحابته, كان هو الأفضل.
ولأن الإفراد أكثر عملًا؛ فإنه يأتي بالنسكين كاملين, [لا تداخل فيهما] , ولا يتعلق به [وجوب دم] جبران, بخلاف التمتع والقران؛ فإنهما يجبران بالدم, والجبران دليل نقصان.
قال: ثم التمتع, ثم القران, لأن المتمتع يأتي بعملين بتمامهما, بخلاف القارن, وموجبات الدم في التمتع [أقل] منها في القران, وما قل نقصه كمل حاله.
وما ذكره الشيخ من تفضيل الإفراد على التمتع, وتفضيل التمتع على القران -هو الذي نص عليه في "المختصر" وعامة كتبه, وهو الجديد, والمختار في "التهذيب" و"المرشد" وما بعدهما.
ونقل العراقيون قولاً ثانيًا في المسألة يعزى إلى نصه في "اختلاف الحديث": أن التمتع أفضل من الإفراد والقران, وهو اختيار المزني -كما قال الفوارني- لما روى مسلم عن عمران بن حصين قال: "تمتع نبي الله ﷺ وتمتعنا معه", ولأجل هذه الرواية قال ابن سريج: إنه ﵇ كان متمتعًا في حجة الوداع.
وقد جاء في "البخاري" و"مسلم" أنه ﵇ قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت, لم أسق الهدي, وجعلتها عمرة", فتمنى تقديم العمرة, ولولا أنه أفضل لم يتمنه.
قال القاضي الحسين: وهذا [الحديث] ليس على ظاهره؛ لأنه يوجب أن سوق
стр. 3160
الهدى يمنع العمرة, وقد انعقد الإجماع على خلافه.
والقائلون بهذا القول قالوا: من روى أنه أفرد إنما قال ذلك؛ لأنه رآه يهل بالحج, فظن أنه أفرده وأحرم به ابتداء وكان –﵇ قد تقدمت عمرته على الحج, لكن خفي عليهم ذلك.
والقائلون [بالقول الأول] قالوا: ما روي من أنه –﵇ تمتع, يحتمل أن يكون المراد أنه تمتع بع التحلل من الحج وقبل الإحرام بالعمرة.
ومنهم من حمله على أنه أمر بالتمتع, وذلك جائز في اللغة, ألا ترى أنه روي "أن ماعزًا زنى؛ فرجمه –﵇", وإنما أمر برجمه.
وأجابوا عما ذكر من التمني: بأنه أراد به تطييب قلوب من أحرم بالعمرة؛ لأنه –﵇ كان أحرم إحراماً مبهمًا, كما رواه جابر, وكان ينتظر الوحي في اختيار أحد الوجوه الثلاثة, فنزل الوحي بأن [من] ساق الهدي, فليجعله حجًا, ومن لم يسقه فليجعله عمرة, وكان –﵇[هو] وطلحة قد ساقا الهدي دون غيرهما, فأمروا أن يجعلوا إحرامهما عمرة, ويتمتعوا, وجعل –﵇ إحرامه حجًا, فشق عليهم ذلك؛ لأنهم كانوا يعتقدون من قبل أن العمرة في أشهر الحج من أكبر الكبائر؛ فقال –﵇ ذلك إظهارًا للرغبة في موافقتهم لو لم يسق الهدي؛ فإن الموافقة الجالبة للقلوب أهم بالتحصيل من فضيلة يختص بها؛ ولهذا يؤثر للمتطوع الصائم أن يفطر للموافقة, ويستدرك بالقضاء.
وقد توافق القولان على تأخير القران عن الإفراد والتمتع.
والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما يقولون: لا خلاف على مذهب الشافعي أن الإفراد والتمتع أفضل من القران, لكن في "الوسيط" حكاية قول: أن القران أفضل من التمتع.
قلت: ويشهد له أن الماوردي حكى في السير: أن رواة القران: أربع من الصحابة ورواة التمتع ثلاثة, وكثرة الرواة مما يرجح به, ولهذا رجحنا الإفراد عليهما؛ لأن
стр. 3161
رواته من الصحابة خمسة.
وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب: أن المزني وأبا بكر بن المنذر قالا –تبعًا لأبي حنيفة وإسحاق-: إن القران أفضل الثلاثة.
وقال في "الشامل" إنه اختيار أبي إسحاق المروزي؛ لقوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] , وقد تقدم أن إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك.
وروى مسلم عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ أهل بهما جميعًا: "لبيك عمرة وحجًا", وأخرجه البخاري بمعناه.
والقائلون بالأول قالوا: ما ذكرناه من رواية الإفراد معارضة لهذه الرواية, وهي أولى؛ لاعتضادها بالمعنى, ولأن جابرًا أقدم صحبة, وأشد عناية بضبط المناسك وأفعاله ﷺ من لدن خروجه من المدينة إلى أن تحلل.
وروي أن رجلًا أتى من العراق وسأل ابن عمر –﵄ عن حجة [النبي ﷺ ] فقال: كان مفردًا, ثم رجع إليه في العام المستقبل, وسأله عن حجه –﵇ ثانيًا, فقال: "ألست أخبرتك في العام الماضي؟! " فقال: إن أنسًا –﵁ عندنا يزعم أنه قرن, فقال: وهل كان أنس يلج على النساء وهن متكشفات وكنت أمشي تحت ثفنة ناقته –﵇ ولعابها يسيل علي, وهو يقول: "لبيك بحجة"؟
والقائلون بأن التمتع أفضل قالوا: قوله –﵇: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ... " إلى آخره, نفى أنه كان قارنًا؛ لأنه لو كان قارنًا لكان محرمًا بالعمرة, وكان لا معنى للتمني.
ومن روى أنه قرن أراد على جهة التوالي والتعاقب, لا على جهة الاجتماع والتزاحم.
стр. 3162
ووراء ما ذكرناه طريقة أخرى حكاها الإمام عن بعض التصانيف –وهي في "الإبانة"-: أن مذهب الشافعي –﵁ أن الإفراد أفضل من التمتع والقرآن, جزمًا, وهل التمتع أفضل من القرآن أو العكس؟ فيه القولان.
وقد بقى من تتمة الكلام في المسألة بيان محل كون الإفراد أفضل, فسنذكره.
قال: والإفراد: أن يحج, ثم يخرج إلى أدنى الحل –أي: بعد التحلل منه؛ كما قاله بعضهم, مع أن في كلام الشيخ غنية عنه- ويحرم بالعمرة.
هذا التفسير وافق الشيخ فيه البندنيجي وغيره, وهو إن يريد به بيان حقيقة الإفراد, فهو يخرج من أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج, ثم حج من الميقات, ومن لم يحرم إلا بالحج من الميقات في سنته –عن أن يكون منفردًا.
وقد قال القاضي الحسين والإمام: إنه مفرد في كل واحدة منهما بلا خلاف, وصرح به الغزالي في الأولى.
ولو أريد به بيان الإفراد الذي هو أفضل من التمتع والقران, فهو يخرجهما –أيضًا- لكن قد صرح بإخراج الأخير وإخال الأول الرافعي؛ حيث قال: إن محل كون الإفراد أفضل إذا اعتمر في تلك السنة, أما لو أخر, فكل واحد من التمتع والقران أفضل منه؛ لأن تأخير العمرة عن سنة الحج مكروه.
стр. 3163
و [قد] صرح بإخراج الأول القاضي أبو الطيب والماوردي حيث قالا: الإفراد الذي يختاره الشافعي إفراد الحج الذي يكون بعده عمرة في عامه, فأما إذا أفرد الحج من غير عمرة, فالتمتع والقران أفضل منه.
قال الماوردي: وقد روى عمر بن الخطاب –﵁ أنه –﵇ قال: "تابعوا بين الحج والعمرة, فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد".
وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية عن المذهب خلاف ما قاله الرافعي؛ فإنه قال: نحن إنما نفضل الإفراد على القران إذا أراد أن يأتي بكل واحد من النسكين على الانفراد, فأما إذا أراد الاقتصار على أحدهما, والإعراض عن الثاني أصلًا, فالقران أفضل منه لا محالة, وأبو حنيفة يوافقنا في أن [الإتيان] بكل واحد من النسكين على الانفراد أفضل من الجمع بينهما؛ فيبقى الخلاف في أنه إذا حج في سنة
стр. 3164
واعتمر في أخرى, يكون أفضل عندنا من أن يجمع بينهما, خلافًا له, ثم مال القاضي إلى قول أبي حنيفة؛ لأن للتأخير آفات.
قال: والتمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج, ويفرغ منها, ثم يحج في عامه, سمي بذلك؛ لأنه بصدد أن يتمتع بما كان عليه محظورًا بينهما, ولانتفاعه بسقوط العود إلى الميقات [للحج؛ فإن التمتع لغة –كما قال الواحدي-: التلذذ والانتفاع؛ يقال:] تمتع به, أي: أصاب منه, والمتاع: كل شيء ينتفع به, وأصله من قولهم: حبل ماتع, أي: طويل.
قال القاضي أبو الطيب وغيره: وليس يريد بكونه يحج في عامه أن يفعل جميع الحج, بل إذا فعل جزءًا من الحج بعد العمرة, كان متمتعًا؛ لأن ما جعل غاية, فوجود أوله كاف؛ كقوله تعالى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وقد وافق الشيخ فيما ذكره من التفسير البندنيجي, وابن الصباغ, وغيرهما, وهو يقتضي أمرين:
أحدهما: أن اسم "المتمتع" يصدق على من يجب عليه الدم لاجتماع الشرائط التي سنذكرها فيه, وعلى من لم يجب عليه لفقد شرط منها, وسيأتي في كلام الشيخ ما يدل عليه أيضًا, وهو الذي صرح به الماوردي, وحكاه في "الزوائد" عن الشيخ أبي حامد, والآية توافقه, وكذا قول الأصحاب: إن المكي لا يكره له التمتع والقران, خلافًا لأبي حنيفة ﵀ لكن المحكي عن القفال: أنه [لا] يسمى متمتعًا ما لم تجتمع الشرائط المذكورة [فيه] , وحكى فيه نصًا للشافعي, والاشتقاق السابق يعضده.
الثاني: أن من أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج, وطاف, وسعى في أشهره –أنه لا يكون متمتعًا, ولا يجب عليه دم, وقد حكى أبو الطيب وغيره في وجوبه قولين:
أحدهما: قاله في القديم و"الإملاء"-: أنه يكون متمتعًا, وعليه دم.
والثاني: قاله في الجديد [و"الأم"] , وهو المختار في "التهذيب"
стр. 3165
و"المرشد", والصحيح في "تعليق" القاضي الحسين وغيره-: أنه لا يكون متمتعًا, ولا دم عليه.
وعن ابن سريج أنه قال: إن أحرم قبل أشهر الحج بالعمرة, ثم دخلت أشهر الحج, فمر بالميقات محرمًا – [يلزمه] دم التمتع. وإن لم يمر الميقات, أو كان قد مر به قبل أشهر الحج –لم يكن متمتعًا؛ فلا يلزمه دم.
وزاد الرافعي في الحكاية عنه أنه حمل النصين على هاتين الحالتين.
ولو كان قد أتى بشيء من الطواف قبل أشهر الحج, ثم كمله فيها –فليس بمتمتع على القولين.
وفي "النهاية": أنا إذا قلنا بالقول القديم, جعلناه متمتعًا إذا أتى بالحلاق فقط في أشهر الحج, وقلنا: إنه نسك.
ثم قال: وحيث لم نجعله متمتعًا [والصورة هذه] , فهل يجب عليه دم الإساءة؟ كان شيخي يقطع بالوجوب؛ لأنه يجب بسبب الإخلال بالميقات وذهب المحققون إلى المنع؛ فإن المسيء من ينتهي إلى الميقات وهو على قصد النسك, فيجاوزه غير محرم, وهذا لم يتحقق ممن جاوز الميقات محرمًا بالعمرة, وأما الحج فقد أتى به من ميقات انتهى إليه, وهو مكة؛ فإيجاب دم الإساءة بعيد.
قال: والقران: أن يجمع بينهما في الإحرام, أي: في أشهر الحج.
قال الماوردي: وهذا حقيقته لغة وشرعًا.
أو يهل بالعمرة, أي: في أشهر الحج أو قبلها؛ كما قاله ابن الصباغ وغيره, ولم يفسدها, ثم يدخل عليها الحج, أي: في أشهره, قبل الطواف, ثم يقتصر على أفعال الحج, أي: يجزئه.
والأصل في ذلك: ما رواه أبو داود عن جابر قال: أقبلنا مهلين مع رسول الله ﷺ بالحج مفردًا وأقبلت عائشة مهلة بعمرة, حتى إذا كانت بسرف عركت –أى: حاضت؛ فإن العراك: الحائض – حتى [إذا] قدمنا طفنا بالكعبة وبالصفا والمروة,
стр. 3166
فأمرنا رسول الله ﷺ أن يحل منا من لم يكن معه هدي. قال: فقلنا: حل ماذا؟ قال: "الحل كله", فواقعنا النساء, وتطيبنا بالطيب, لبسنا ثيابنا, وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال, ثم أهللنا يوم التروية, ثم دخل رسول الله ﷺ على عائشة, فوجدها تبكي, فقال: "ما شأنك؟ " قالت: شأني أني قد حضت, قد حل الناس, ولم أحلل, ولم أطف بالبيت والناس يذهبون إلى الحج الآن, قال: "إن هذا [أمر] كتبه الله على بنات آدم, فاغتسلي, ثم أهلى بالحج" ففعلت, ووقفت المواقف, حتى إذا طهرت طافت بالبيت وبالصفا والمروة, ثم قال: "قد حللت من حجك وعمرتك جميعًا", وأخرجه مسلم.
وفي رواية عند قوله: "وأهلى بالحج": "واصنعي ما يصنع الحاج, غير ألا تطوفي بالبيت, ولا تصلي".
قال الغزالي: ولا تحتاج إلى نية القران في هذه الحالة.
وعن الشيخ أبي علي حكاية وجه آخر فيما أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج: لا يجوز أن يدخل عليها الحج في أشهره, وعزاه إلى عامة الأصحاب, واختاره, والذي اختاره القفال: الأول.
أما إذا دخل [عليها] الحج قبل أشهره, لَغَى ذلك, وإن أدخله في أشهره بعد الطواف في العمرة, لم يصح إحرامه بالحج أيضًا وفاقًا, لكن لماذا؟ فيه أربعة معان, ذكرها القاضي الحسين:
أحدها: لأنه أتى بعمل من أعمالها.
والثاني: لأنه أتى بفرض من فرائضها.
والثالث: لأنه أتى بمعظمها.
والرابع: [لأنه أخذ في أسباب التحلل.
والثالث والرابع] هما اللذان أوردهما العراقيون, والأخير هو المذكور في
стр. 3167
"عيون المسائل" لأبي يكر الفارسي، وشبهه أبو علي بما لو ارتدت الرجعية، فراجعها في الردة؛ فإن الشافعي ﵁ نص على أنه لا يجوز؛ لأن الرجعة استباحة فلا تصح، والمرأة جارية إلى تحريم.
وكما لا يصح إدخاله عليها بعد الطواف، لا يصح إدخاله عليها بعد استلامه الحجر، وفعل خطوة أو خطوتين، ولو أدخله بعد استلام الحجر، وقبل المشي، ففي جوازه وجهان في "الحاوي":
أحدهما: يجوز؛ لأن الاستلام مقدمة الطواف؛ فأشبه ما لو وقف عند الحجر لإرادة الطواف ولم يشرع فيه.
والثاني: لا يجوز؛ لأن ذلك أول أبعاضه، وعلى هذا لو استلم غير مريد للطواف، ثم أحرم بالحج أجزأه.
ولو شك هل أحرم قبل الطواف أو بعده، قال أصحابنا: أجزأه؛ لأن الأصل جواز إدخال الحج على العمرة إلا بتعيين يمنع منه، فصار كمن أحرم وتزوج ولم يدر هل [كان] تزوج قبل الإحرام أو بعده؛ فإن الشافعي ﵁ قال: يجزئه.
ولو أدخل [لحج] على العمرة بعد أن أفسدها، فوجهان في "المهذب" وغيره: أحدهما: ينعقد، ويكون فاسداً.
والثاني: لا ينعقد، واختار، في "المرشد"؛ لأنه لو انعقد لكان فاسداً ولم يصادف ما أفسده، ولا يجوز أن يكون صحيحاً ومقارنه فاسداً.
وقيل: ينعقد الإحرام بالحج صحيحاً، والعمرة على الفساد، حكاه الماوردي وهو بعيد.
وإذا قلنا: يكون فاسداً فهل ينعقد على الصحة ويفسد على الاتصال، أو ينعقد على الفساد فيه احتمالان.
стр. 3168
قال: وإن أهل بالحج، ثم أدخل عليه العمرة، ففيه قولان:
أحدهما: يصح، ويكون قارناً كعكسه وهذا هو القديم، والأصح في "النهاية"، وعلى هذا ففي وقت جواز ذلك أربعة أوجه حكاها الغزالي، وهي مبنية - كما قال القاضي الحسين - على المعاني الأربعة في الحالة السابقة.
فإن جعلنا الامتناع ثم؛ لأنه أتي بعمل من أعمالها، اختص الجواز هنا بما إذا لم يطف طواف القدوم، فإن طافه، لم يجز إدخالها عليه، وهو ما ذهب إليه ابن الحداد، وصاحب "التلخيص"، وحكاه عن نص الشافعي ﵁ في القديم، وصححه البغوي، وقبله القاضي [أبو الطيب] في شرح الفروع، وقال: لا أعلم خلافا بين أصحابنا: أن من جاوز الميقات غير محرم، ثم أحرم، ولم يرجع حتى تلبس بشيء من أعمال الحج من طواف القدوم أو عدل إلى الوقوف، ووقف - أنه لا ينفعه، رجوعه، ولا يسقط عنه الدم، ولا يتغير حكم إحرامه؛ فكذلك ها هنا.
وإن جعلنا علة المنع ثم: أنه أتى بفرض [من فرائضها اختص الجواز هنا بما إذا لم يأت بفرض]، ولا يضره طواف القدوم [فإن أتى بفرض - ولو السعي - عقيب طواف القدوم] لم يجز إدخالها عليه؛ وهذا ما اختاره الخضري.
وإن قلنا ثم: المانع كونه أتى بمعظم العبادة، فوقت الجواز هنا ما لم يقف بعرفة، سواء أتى بالسعي أو لا، فإن وقف لم يجز إدخالها عليه، وهذا ما حكاه الماوردي -[أيضاً]- وجعل حكم من أدخلها وهو واقف حكم من أدخلها بعد الوقوف. وعلى هذا لو كان قد سعى ثم أدخلها قبل الوقوف، ففي شرح الفروع لأبي علي: أن عليه إعادة السعي؛ ليقع عن النسكين جميعاً.
وإن جعلنا ثم علة المنع: أنه أخذ في أسباب التحلل، فالوقت هنا ما لم يشرع في رمي جمرة العقبة وإن سعى مع طواف القدوم ووقف، وإذا رمى، لم يجز إدخالها عليه.
стр. 3169
وقد حكى القاضي أبو الطيب هذا الوجه - أيضاً - عند الكلام فيما إذا أحرم بنسك، ثم نسيه.
قال الرافعي: وعلى هذا: لو كان قد أدخلها قبل التحلل وبعد السعى فقياس ما تقدم عن الشيخ أبي علي وجوب إعادة السعي، وقد حكى الإمام فيه وجهين [وقال إن] المذهب: أنه لا يجب. وكذلك قال في "الوسيط": إنه الصحيح.
قال: والثاني: لا بصح، والفرق: أنه بإدخال الحج على العمرة يستفيد فائدة؛ لأن الأعمال تزداد بسببه، بخلاف إدخال العمرة على الحج، فإنه لا يفيد شيئاً؛ لأنه يقتصر بعد إدخالها إليه على ما كان يقتصر عليه قبله من الأعمال؛ وهذا هو الصحيح والجديد.
قال: ويجب على المتمتع والقارن دم:
أما وجه وجوبه على المتمتع قبل الإجماع، قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] [معناه فعليه ما استيسر من الهدي].
قال الأصحاب: والمعنى فيه أنه ربح ميقاتًا، قإنه لو كان قد أحرم بالحج أولاً من ميقات بلده، لكان يحتاج بعد فراغه من الحج إلى أن يخرج إلى أدنى الحل، فيحرم بالعمرة منه، وإذا تمتع، استغنى عن الخروج؛ لأنه يحرم بالحج من جوف مكة؛ فلذلك وجب الدم.
ووجه وجوبه على القارن: ما روى البخاري ومسلم: أنه ﵇ ذبح عن نسائه البقر يوم النحر، قالت عائشة: "وكن قارنات"؛ ولأنه إذا وجب على المتمتع لقطعه مسافة عن مسافتين وربحه عن أحد السفرين، فلأن يجب على القارن وقد وجد ذلك في حقه، مع إسقاط أحد العملين، كان أولى.
والدم الواجب على المتمتع والقارن: شاة تجزئ في الأضحية، وتجزئه البدنة والبقرة عنها، لكن [تكون كلها واجبة] أو سبعها؟ فيه وجهان في تعليق القاضي
стр. 3170
الحسين وغيره، وعلى الوجهين لو شارك فيها ستة جاز.
و [حكي] عن القديم: أن على القارن بدنة. والحديث والقياس يبطله.
ولا يجب الدم على المفرد إجماعاً.
قال: ولا يجب على القارن إلا أن يكون من غير حاضري المسجد الحرام؛ لأن دم القران فرع دم التمتع، وهو غير واجب على من هو من حاضري المسجد الحرام؛ فكذلك [دم] القران.
وروى الحناطي وجهاً: أن عليه دم القران.
قال الرافعي: ويشبه أن يكون هذا الاختلاف مبنياً على وجهين نقلهما صاحب "العدة" في أن دم القران دم جبر أم دم نسك؟ والمشهور: الأول؛ فلا جرم أنه لا يجب على الحاضر. نعم، هل على المكي إذا قرن إنشاء الإحرام من أدنى الحل كما لو أفرد العمرة، أو يجوز أن يحرم من جوف مكة؛ إدراجاً للعمرة تحت الحج؟ فيه وجهان، أصحهما: الثاني.
قال الرافعي: ويجريان في الآفاقي إذا كان بمكة، وأراد القران.
قلت: والظاهر: أنه أراد الآفاقي الذي لم ينو الإقامة بمكة، وإلا لكان من حاضري المسجد الحرام؛ فلا معنى لقوله: إن الوجهين يجريان فيه.
فرع: لو عاد القارن الغريب إلى الميقات محرماً، ففي سقوط الدم عنه وجهان مرتبان- كما قال الإمام- على ما لو عاد المتمتع بعد إحرامه وقبل أداء شيء من النسك إليه؛ فإن في سقوط الدم عنه وجهين: فإن قلنا: لا يسقط، وهو المختار في "المرشد"، فكذلك ها هنا، وإلا فوجهان والفرق: أن اسم القارن باق، وهو في حكم متنسك بنسك واحد؛ فلا أثر لعوده في الإسقاط.
وقال الحناطي: الأصح: أنه لا يجب عليه – أيضاً- وقد نص عليه في "الإملاء".
قال: ولا على المتمتع إلا ألا يعود [: للإحرام بالجح] إلى الميقات؛ لأن
стр. 3171
المعنى في إيجاب الدم عليه ما تقدم، وبإحرامه بالحج من الميقات لم يحصل له ذلك، فلم يجب عليه، والمراد بالميقات: الميقات الذي أحرم منه بالعمرة، ويقوم مقام عوده إليه عوده إلى ميقات مثله، أو أبعد منه، ولو عاد إلى ميقات أقرب منه إلى مكة، ففي وجوب الدم عليه وجهان، اختيار القفال والمعتبرين: لا.
وفي "الإبانة" و"العدة": أنه إذا سافر بعد عمرته سفراً يقصر فيه الصلاة، ثم حج من سنته - لا دم عليه.
ومما ذكرناه يظهر لك: أنه إذا فرغ من العمرة، ثم زار قبره ﵇ وأحرم بالحج من ذي الحليفة، لا يجب عليه الدم اتفاقاً.
قال: وألا يكون من حاضري المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أي: ما ذكر من وجوب الهدي والصوم عند عدمه، على من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا﴾، [الإسراء: ٧]، أي: فعليها، وقال تعالى: ﴿أولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥]، وأراد به: فعليهم اللعنة وعليهم سوء الدار.
وإذا كان ما ذكرناه مفروضاً في حق من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، ففي حاضريه [على الأصل، وهو عدم الوجوب،] والمعني فيه: أن الحاضر بمكة - شرفها الله تعالى - ميقاته للحج نفس مكة؛ فلا يكون رابحاً ميقاتاً، ومن كان بينه وبين الحرم دون مسافة القصر، لم يترفه ترفها له تأثير بإحرامه إلحج من مكة، لأن رجوعه إلى قريته لا مشقة عليه فيه، فلذلك لم يلزمه الدم بخلاف الغريب؛ فإن ترفهه له تأثير؛ لأن في رجوعه إلى الميقات مشقة عليه.
قال الإمام: وقد يرد على من يعتمد ملك المعنى سؤال، فيقال له: من كان مسكنه دون ميقات، وكان من حاضري المسجد الحرام - كما سنذكره - فلو قصد مكة ناوياً نسكاً، وجاوز مسكنه وقريته غير محرم، فهو مسيء يلزمه دم الإماءة وفاقاً، ولو لم تكن المسافة محتفلاً بها، لقيل: هو من أهل مكة؛ فلا يلزمه شيء إذا أحرم من
стр. 3172
مكة؛ فالوجه: التعويل على الآية.
قال: وحاضرو المسجد الحرام: أهل الحرم؛ لأن كل موضع ذكر الله فيه: المسجد الحرام، أراد به: الحرم.
قال الماوردي: إلا قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فإنه أراد به الكعبة، وكان إلحاق هذا بالأغلب أولى، مع أن هذا مما لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في غيره.
قال: ومن كان منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة؛ لأن من قرب من الشيء ودنا منه، كان حاضراً إياه، قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: ١]، قال أهل التفسير: هي أيلة، ومعلوم أنها ليست في البحر، وإنما هى مقاربة له، ويقال: فلان حفم فلاناً، إذا دنا منه، ومن كان مسكنه دون مسافة القصر، فهو قريب نازل منزلة المقيم في نفس الحرم، [ولأجل هذا] لا يجوز للخارج إليه الترخص بالقصر والفطر ونحوهما.
وفي "تعليق" القاضي الحسين "والبحر" وغيرهما حكاية وجه: أن ما دون مسافة القصر يعتبر من نفس مكة، لا من الحرم، وهو ما حكاه الإمام عن الشافعي، ﵁.
وقال ابن التلمساني: إن الغزالي حكى وجهاً: أن حاضري المسجد الحرام أهل الحرم خاصة، قال: يعني: أهل مكة دون من عداهم؛ كمذهب مالك. لكن المحكي عن مالك: أنهم أهل مكة وذو طوى.
قال أبو الطيب: وهو يوافق قول ابن عباس وسعيد بن جبير: إنهم أهل الحرم؛ لأنه ليس في الحرم قرية عامرة غير مكة إلا ذا طوى.
والمشهور: ما ذكره الشيخ، وعليه يتفرع ما لو كان للشخص داران: إحداهما فيما دون مسافة القصر، والأخرى في مسافة القصر، فإن كان مقامه في إحداهما أكثر، فالاعتبار بها؛ وإن استوى مقامه فيهما، فالاعتبار بالتي ماله فيها أو بالتي أكثر، ماله فيها؛ وإن استوى ماله فيهما، فالاعتبار بالتي عزم على الإقامة فيها بعد الفراغ؛ فإن
стр. 3173
عدم ذلك، فالاعتبار بالتي أحرم منها؛ قاله البندنيجي وغيره.
وقال الماوردي: قال أصحابنا: يجري عليه حكم الدار التي خرج منها.
تنبيه المتبادر إلى الفهم من أهل الحرم ومن كان منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة: أنهم المستوطنون ذلك، دون المقيمين [فيه] والمسافرين الحاصلين فيه، وهو ما ذكره الفوراني، وكذا القاضي الحسين؛ فإنه قال: العبرة فيهم بالاستيطان والسكنى، دون المنشأ. وهذا ما أفهمه كلام القاضي أبي الطيب والماوردي، وعليه يدل ظاهر الآية؛ فإن أهل الشخص إنما [يكونون في] موضع استيطانه.
وفرَّع القاضي الحسين على ذلك: أن شخصاً لو كان مستوطناً مكة؛ أو قريباً منها، فسافر، فلما عاد أحرم بالعمرة من الميقات، فاعتمر، ثم حج من باب داره - لم يكن متمتعاً يلزمه الدم.
وقال في "الوسيط": حاضرو المسجد الحرام: من [كان] بينه وبين مكة ما دون مسافة القصر، سواء كان مستوطناً أو مسافراً. وهذا يكون فيمن كان بمكة من طريق الأولى، لكنه قال عقيب ذلك: إن الآفاقى إذا جاوز الميقات غير مريد نسكاً، فلما دخل مكة عنَّ له أن يعتمر، ثم يحج - لم يلزمه الدم، وإن عنَّ له ذلك قبل دخول مكة على أقل من مسافة القصر، فأحرم بالعمرة من موضعه، ثم حج في تلك السنة - ففيه وجهان حكاهما الإمام - أيضاً-:
أحدهما: لا يلزمه؛ كما لو كان وطنه ذلك الموضع.
والثاني: يلزمه [ذلك] وهو الذي مال إليه الإمام، وصححه الرافعي، وقال الغزالي في توجيهه: إن اسم "الحاضر" لا يتناوله إلا إذا كان [فى] نفس مكة أو كان مستوطناً حواليها.
وهذا يقتضي عدم اعتبار التوطن فيمن هو بمكة، واعتباره فيمن هو حواليْها، وهو مخالف لصدر كلامه، وإذا صح ما ذكره حصل في المسألة ثلاثة أوجه.
وقد علل في "الوجيز" عدم إيجاب الدم عليه فيما إذا عن له الإحرام بالعمرة [بعد دخول] مكة: بأنه صار من الحاضرين؛ إذ ليس يشترط فيه قصد الإقامة.
стр. 3174
وقال الرافعي عقيبه: إن هذا لم أجده لغيره بعد البحث، بل كلام عامة الأصحاب ونقلهم عن نصه في "الإملاء" والقديم ظاهر في اعتبار الإقامة، بل في اعتبار الاستيطان، مع أن الصورة أولاً متعلقة بالخلاف في أن من قصد مكة هل يلزمه الإحرام بحج أو عمرة؟
قلت: وما أنكره إن كان هو الحكم، فهو ما أورده الماوردي؛ حيث قال: من مر بميقات بلده يريد حجًّا أو عمرة، فلم يحرم من ميقاته، بل جاوزه، وأحرم من الحل – ينظر في موضع إحرامه: فإن كان بينه وبين الحرم مسافة لا تقصر فيها الصلاة، فلا دم عليه لتمتعه ولا لقرانه؛ لأنه قد صار كحاضري المسجد الحرام.
وكذا القاضي الحسين [حيث قال] عند عدِّ شرائط إيجاب الدم على المتمتع: الشرط الخامس: أن يحرم بالعمرة من الميقات، فإن جاوز الميقات، ثم أحرم بها، لم يلزمه دم المتعة، وعليه دم الإساءة، نص عليه، فمن أصحابنا من قال به، ومنهم من قال: إن بقي بينه وبين مكة مسافة القصر، يلزمه دم المتعة ودم الإساءة، وإن بقي دون مسافة القصر، لم يلزمه دم المتعة، ويلزمه دم الإساءة، وحمل النص عليه.
وقد حكى الرافعي هذا – أيضاً – في موضع آخر، والنص المذكور نسبه الشيخ أبو حامد إلى القديم، وكذلك حكاه البندنيجي، ولم يحك سواه.
فإن كان ما أنكره كونه جعله من حاضري المسجد الحرام فهو قريب؛ لأن غيره قال: إنه كهم كما ذكرناه، وإن كان كهم صدق عليه أنه منهم؛ تجوزاً، والله أعلم.
стр. 3175
وقد اتفق الكل على أن الغريب لو قصد مكة، ودخلها متمتعاً ناوياً الإقامة بها بعد الفراغ من النسكين أو من العمرة، أو نوى الإقامة بها بعدما اعتمر - أنه يجب عليه دم التمتع؛ لأنه لم يكن من الحاضرين؛ إذ الإقامة لا تحصل بمجرد النية؛ كذا قاله الرافعي.
[ووجهه أبو الطيب] فيما إذا نوى الإقامة بعد الفراغ من العمرة بأن فرض الحج باق عليه، ولا بد له من الخروج إلى أرض عرفة وغيرها، وفنيته مخالفة لفعله؛ فلذلك لم يسقط عنه الدم.
واعلم أن كلام الشيخ مصرح بأن المعتبر في إيجاب الدم [على المتمتع] وجود شرطين: ألا يعود لإحرام الحج إلى الميقات، وألا يكون من حاضري المسجد الحرام، وإنما اقتصر على ذلك؛ لاعتقاده أن التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم يفرغ منها، ثم يحج من عامه، وأنه لا يشترط في إيجاب الدم نية التمتع.
стр. 3176
وفي "المهذب" اتبع طريقة القاضي أبي الطيب وغيره؛ [حيث] عدوا شرائط إيجاب الدم على المتمتع المتفق عليها أربعة:
أحدها: أن يفعل الحج والعمرة معًا في أشهر الحج؛ [لأنه إذا فعل العمرة في غير أشهر الحج] وفعله في أشهره، فهو بمنزلة المفرد، والمفرد لا دم عليه؛ فثبت أن الدم يلزمه إذا فعل النسكين على خلاف فعل المفرد لهما.
والثاني: أن يفعلهما معاً في سنة واحدة؛ لأنه إذا فعل العمرة قبل أشهر احلج وفعله في أشهره لا دم عليه، فأولى إذا فعلهما في عامين ألا يلزمه دم؛ لأنه أبعد في باب التفريق، فلم يوجد معنى التمتع الذي لأجله يجب الدم، وقد روي عن سعيد ابن المسيب: أنه قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يعتمرون في أشهر الحج، فإذا لم يحجوا من عامهم ذلك، لم يهدوا دماً".
وعن ابن خيران: أن الشرط: أن يجمع بينهما في شهر واحد.
وقال القاضي الحسين: إن الشافعي – ﵁ أشار إليه في رواية حرملة.
الثالث: ألا يكون في رجع إلى الميقات، وأحرم منه بالحج.
الرابع: ألا يكون من حاضري المسجد الحرام.
والمنعتلف فيه أمور:
أحدها: نية التمتع، وفيها وجهان:
أحدهما: أنها واجبة؛ لأنه جمع بين عبادتين؛ فكان من شرطه النية؛ كالجمع بين الصلاتين، وهذا ما اختاره في المرشد.
والثاني: لا؛ لأن [الجمع بين] الحج والعمرة يصح بالفعل؛ فلم يفتقر إلى النية، ويفارق الجمع بين الصلاتين؛ فإنه لا يصح بالفعل، بل بالنية؛ فلذلك كانت شرطاً فيه؛ وهذا ما اختاره القفال، [وصححه] الغزالي والرافعي، وفرق بأن أشهر الحج كما هي وقت الحج فهي وقت العمرة، بخلاف وقت الصلاة.
وقال الإمام: إن اعتبار ما نحن فيه بنية الجمع بين الصلاتين في نهاية الضعف،
стр. 3177
لكن لو قيل: إنما يلزم الدم إذا كان على قصد الحج عند الانتهاء إلى الميقات، وأتى بالعمرة؛ فإنه قدم أدنى السكين من أطول الميقاتين، أما إذا لم يكن على قصد الحج، أو كان على قصد الاقتصار على العمرة، ثم اتفق الحج، فلا دم عليه؛ قياساً على من جاوز الميقات لا على قصد النسك- لكان هذا قريباً من مأخذ النسك.
فإن قلنا باعتبارها، ففي وقتها وجهان في كتب العراقيين مأخوذان من القولين في وقت اعتبارها فى الصلاة:
أحدهما: أنه وقت الإحرام بالعمرة.
والثاني: ما لم يفرغ من العمرة.
وفي "الرافعي" وجه ثالث: أنه ما لم يشرع في الحج، وقال الإمام: إن اعتبار ما نحن فيه بنية الجمع.
الأمر الثاني: وقوع النسكين عن شخص واحد، وفيه قولان:
المنسوب في "البحر" إلى القفال، وهو اختيار الخضرى: أنه يشترط كما يشترط وقوعهما فى سنة واحدة.
والجمهور على أنه لا يشترط، [وهو ما حكاه أبو حامد عن القديم]، فيجب الدم إذا كان أجيراً [من قبل شخصين، استأجره أحدهما للعمرة، والآخر للحج، أو كان أجيرًا] للعمرة، فاعتمر للمستأجر ثم حج عن نفسه، أو كان أجيراً للحج، فاعتمر لنفسه، ثم حج عن المستأجر؛ وعلى هذا يكون نصف دم التمتع على من يقع له الحج، ونصفه على من تقع عنه العمرة.
قال الرافعي: وليس هذا الكلام على هذا الإطلاق، بل هو محمول على تفصيل ذكره صاحب "التهذيب":
أما [فى] الأولى، فقال: إن أذنا في التمتع، فالدم عليهما نصفان، وإن لم يأذنا، فعلى الأجير وقياسه: إن أذن أحدهما دون الآخر، فالنصف على الآذن، والنصف على الأجير
стр. 3178
وأما في الثانية والثالثة، فقال: إن أذن له المستأجر في التمتع، فالدم عليهما نصفان، وإلا فالكل على الأجير.
قال الرافعي: وننبه هاهنا لأمور:
أحدها: أن إيجاب الدم على المستأجرين أو أحدهما مفرع على الأصح في أن دم القران والتمتع على المستأجر، وإلا فهو على الأجير بكل حال.
الثاني: إذا لم يأذن المستأجران أو أحدهما في الصورة الأولى، والمستأجر في الصورة الثانية والثالثة، وكان ميقات البلد معيناً فى الإجارة، أو نزلنا المطلق عليه - فيلزمه مع دم التمتع دم الإساءة؛ كمن جاوز [الميقات مريداً للنسك].
والثالث: إذا أوجبنا الدم على المتأجرين، فلو كانا معسرين [أو أحدهما] فعلى كل واحد منهما صوم خمسة أيام، لكن صوم التمتع بعضه في الحج وبعضه بعد الرجوع، وهما لم يباشرا الحج، فعلى قياس ما ذكره في "التهذيب"- تفريعاً على قولنا: إن دم القران والتمتع على المستأجر - يكون الصوم على الأجير، وعلى قياس ما ذكره صاحب "التتمة" ثم هو كما لو عجز المتمتع عن الصوم والهدي جميعاً.
ويجوز أن يكون الحكم على ما سيأتي في المتمتع إذا لم يصم في الحج كيف يقضي؟ فإذا أوجبنا التفريق، اقتضى تفريق الخمسة بنسبة الثلاثة والسبعة إلى تبعيض القسمين، فيكملان، ويصوم كل واحد منهما ستة أيام، وقس على هذا ما إذا أوجبنا الدم في الصورتين الأخيرتين [على الأجير] والمستأجر.
وإن فرعنا على وجه الخضري، فإذا اعتمر عن المستأجر، ثم حج عن نفسه، ففي كونه مسيئًا الخلاف الذي مر فيما إذا اعتمر قبل أشهر الحج، ثم حج من مكة، لكن الأصح هاهنا: أنه مسيء؛ لإمكان الإحرام الحج حين حضر الميقات.
قلت: وهذا فيه نظر إذا كانت الإجارة واردة على عينه.
قال الإمام: فإن لم يلزم الدم، ففوات هذا الشرط لا يؤثر إلا في فضيلة التمتع على
стр. 3179
قولنا: إنه أفضل عن الإفراد، وإن ألزمناه فله أثران:
هذا أحدهما.
والثاني: أن المتمتع لا يجب عليه العود إلى الميقات، وإذا عاد وأحرم منه، سقط عنه الدم بلا خلاف، والمسيء يلزمه العود، وإذا عاد، ففي سقوط الدم عنه خلاف. وأيضاً: فإن الدمين يتفأوتان في البدل.
الأمر الثالث: أن يبقي حياً إلى انقضاء الحج، فلو مات قبل انقضاء الحج مع قدرته على الهدي فقولان حكاهما [الإمام] والماوردي:
أحدهما: تخرج الشاة من تركته.
والثاني: تتبين أنها لم تجب عليه؛ لأنها كفارة في مقابلة تمتع، وإنما ينتفع المتمتع إذا تم له النسكان على رفاهية وربج [سفر]، فإذا مات لم يتحقق ذلك، وهو بعيد. والأصح: الأ هنأول.
قال: والأفضل أن يذبج دم [التمتع والقران] يوم النحر؛ ليخرج من خلاف أبي حنيفة، فإن عنده اختصاص دم التمتع بيوم النحر، [ودم القران] فرعه، وقد استدل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقد أجمعنا على أنه إذا نحر الهدي قبل يوم النحر: أنه لم يجز أن يحلق رأسه؛ فدل أن محل الهدي يوم النحر.
ودليلنا على جواز الذبح قبله: أنه وافقنا على جواز الصوم بعد الإحرام [بالحج] إذا لم يجد الهدي، وإذا جاز فعل البدل في وقت الوجوب مع ضعفه، فلأن يجوز فعل الأصل في وقت الوجوب إذا قدر عليه مع [قوته أولى] ويشهد لذلك: أن المكلف [إذا وجبت] عليه الصلاة وعدم الماء، صح تيممه، ولو وجد الماء في ذلك الوقت، توضأ به، وصح وضوءه.
واحترزنا بقولنا: وقدر عليه، عما إذا وجب عليه الصيام في كفارة الظهار لعدم الرقبة، ولم يستطعه؛ فأطعم؛ فإن الإطعام بدل الصيام، ويجوز فعله بالليل [ولا يجوز
стр. 3180
الصوم بالليل].
والجواب عن الآية: أنها واردة في حق المحصر، دون المتمتع ونحن كذلك في المحصر نقول: لا يحلق رأسه قبل التحريم، [و] لو سلمت من هذا، لحملناها على الاستحباب.
قال: فإن ذبح المتمتع بعد الفراغ من العمرة - أي: وقبل الإحرام بالحج - والقارن بعد الإحرام بالحج - أي: في صورة إدخال الحج على العمرة - جاز على ظاهر المذهب، أي: المنصوص في "الإملاء"، و"حرملة"، و"المختصر"؛ لأن الحق المالي إذا تعلق بيبين جاز تقديمه على أحدهما، وهو الشطر، أصله: الزكاة، وكفارة اليمين، وهذا كذلك؛ لأنه يجب بأربعة أشياء، وبكمال العمرة وجد منها شيئان: كونه من غير حاضري المسجد الحرام، وفعل العمرة في أشهر الحج؛ فجاز تقديم الدم، وهذا هو الصحيح في الطرق.
وقيل: لا يجوز دم التمتع حتى يفرغ من العمرة، ويحرم بالحج؛ لأن ذلك وقت الوجوب، [والذبح قربة متعلقة بالبدن؛ فلا يجوز قبل الوجوب] كالصلاة والصوم، ويخالف الزكاة وكفارة اليمين؛ لأن الاسم متحقق قبل الحول [والحنث] واسم التمتع لا يتحقق إلا بالحج. وهذا ما نقله ابن خيران قولاً ثانياً في المسألة، كما حكاه الماوردي، وقال القاضي الحسين: إنه من تخريج ابن سريج، وأنه قال: معنى كونها متعلقة بالبدن: أنها تؤدى بالذبح، ولا يتأتى ذلك إلا في بدن.
قال القاضي: وهو فاسد؛ لأن العتق - أيضاً - في الكفارة لا يتأتى إلا ببدن، ولا يعد من القرب البدنية حتى لا يجوز تقديمه على بعض الأسباب، وكذا في زكاة السوائم.
قال القاضي: وتخالف هذه المسألة - على هذا القول- ما إذا أخرج جزاء الصيد بعد جرحه وقبل الزهوق، فإنه يجوز قولاً واحداً؛ لأن الجرح يفضي إلى الهلاك من غير صنع من الجارح، بخلاف فعل العمرة؛ فإنه لا يفضي إلى الإحرام بالحج بنفسه.
وقد تحصل مما ذكرناه: أنه لا خلاف عندنا في جواز ذبح دم القران بعد
стр. 3181
الإحرام بالحج، وفي جواز دم [التمتع بعد] الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج الخلاف السابق. وإذا كان الأحسن كذلك، كان الأحسن فى الإيراد أن يذكر مسألة القران أولا، ويعقبها بمسألة التمتع؛ ليعود الخلاف إلى أقرب مذكور، لكن الحامل للشيخ على تقديم مسألة التمتع [أنها الأصل].
ولو ذبح دم التمتع بعد الشروع في العمرة، وقبل الفراغ منها - فالذي أورده العراقيون والماوردي: عدم الإجراء، وأن مذهب الشافعي ﵁ لا يختلف فيه.
قال الماوردي: لبقاء أكثر الأسباب.
وقال في "الوسيط": إذا قلنا بظاهر المذهب، ففي الإجراء في هذه الصورة وجهان منشؤهما: أن السبب الأول يتم بإحرام العمرة أو بتمامها؟
وفي "البحر" نسيتهما إلى القفال، وشبههما القاضي الحسين بما إذا قال لزوجته: إن دخلت الدار، فأنت عليَّ كظهر أمي، ثم أخرج الكفارة قبل انعقاد الظهار بدخولها الدار- فإن في الإجراء وجهين.
قال: فإن لم يجد، أي: المتمع والقارن؛ كما قال في "المهذب"- الهدي، أي: في موضعه، صام ثلاثة أيام في الحج؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وأراد فصيام ثلاثة أيام واجب في وقت أفعال الحج؛ لأن الحج أفعال، فلا يجوز أيضاًع الصيام فيها، ولا يجوز أن يكون التقديرت فصيام ثلاثة أيام في وقت الإحرام بالحج؛ لأنه لو كان كذلك، لاقتضى جواز الصيام قبل الإحرام بالعمرة في أشهر الحج، ولا قائل به، وإذا ثبت أن هذا المراد بالآية، اقتضى ألا يجوز صوم الثلاثة قبل الشروع في الحج؛ لأنه عبادة بدنية، والعبادات البدنية لا تقدم على وقتها، وألا يجوز [تأخير ولا بعضه] عن الحج بغير عذر؛ كما لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها، وقد صرح به الشافعي ﵁ حيث قال: "وعليه ألا يخرج من الحج حتى يصوم إذا لم يجد هدياً، وأن يكون آخر ما له من الأيام في آخر صيامه يوم عرفة"؛ ولهذا قال الأصحاب: إن وقت الأداء يخرج بمضي يوم عرفة،
стр. 3182
على الجديد، وبمضي أيام التشريق، على القديم.
وإذا لم يصم حتى خرج الوقت، فعن ابن سريج رواية قول: أنه لا يقضي، ويستقر الهدي في ذمته.
قال الإمام: ويسقط صيام الأيام السبعة على هذا؛ فإنه يستحيل تقدير الدم وهو الأصل مع شيء من البدل.
وإنه مما يجب التنبه له [أنا لا نوجب على المتمتع أن يصوم في الحج؛ فإنه مسافر، ونحن نسقط أداء صوم رمضان وهو ركن الإسلام بالسفر، فما الظن بصيام الكفارة؟! وحاصل القول فيه يرجع إلى أن الأصل الدم على هذا القول، فإن لم يجده، ورام إسقاطه عن ذمته بالكلية، فليصم ثلاثة أيام في الحج، وإن لم يصم فلا يقضي، ولكن يستقر الدم في ذمته على العسر واليسر؛ هذا حقيقة هذا القول، وهو غير معدود من المذهب، وقد حكى ابن الصباغ والقاضي الحسين؛ أن ابن سريج خرجه من [قولين للشافعي]﵁ نص عليهما؛ كما قال البندنيجي، في "الأم" فيما إذا أحرم المتمتع بالحج، ولم يجد الهدي، ومات قبل التمكن من الصوم:
أحدهما: أنه لا شيء عليه.
والثاني - وهو الأصح في "النهاية"-: أنه يُهْدَى عنه، ومنه خرج.
قال البندنيجي: و [الأول]: هو المذهب. وقال ابن المباع: [وهو] الصحيح. وفي "الحاوي" و"تعليق" أبي الطيب: أن أبا إسحاق هو المنعرج له، وغلط فيه، والذي نص عليه الشافعي ﵁ في عامة كتبه: أنه يلزمه القضاء، وإذا قضاها لا يلزمه دم.
وحكى القاضي الحسين: أن من أصحابنا من قال: إذا لم يصمها حتى دخل يوم النحر، فعليه أن يؤخر طواف الإفاضة حتى يصومها، ثم يأتي به؛ ليقع صوم الثلاثة في الحج؛ لأنه إذا لم يكن قد طاف فعليه بعض الأعمال بعد.
وقال الصيدلاني: إن صوم الثلاثة بعد أيام التشريق لا يكون أداء وإن بقي الطواف؛
стр. 3183
لأن تأخيره عن أيام التشريق مما يبعد ويندر؛ فلا يقع مراداً من قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، بل هو محمول على الغالب المعتاد.
قال الإمام: ويخالف هذا الصوم [أيام] التشريق إذا قلنا: يصح صومها؛ حيث يقع أداء وإن وقع بعد التحلل الثاني؛ فإن المفهوم من القرآن [تقييد] صوم الثلاثة [فى] أيام الحج، وهي مضبوطة، وأيام التشريق ملحقة بأيام الحج على بعد، وقد استحب الأصحاب له إذا لم يجد الهدي أن يحرم الحج قبل اليوم السادس من ذي الحجة؛ ليصوم الثلاثة، ويفطر يوم عرفة؛ [فإن صيامه مكروه. وإن كان واجداً للهدي، فالمستحب له أن يحرم يوم التروية] بعد الزوال متوجهاً إلى منى؛ لقوله ﵇ – "إذا توجهتم إلى منى، فأهلوا بالحج".
والمراد بوجدان الهدي؛ أن يكون معه، [أو ثمنه وهو قادر] على شرائه؛ فلو كان معه الثمن، ولم يقدر على شرائه، فهو فاقد، وكذا لو كان ماله غائباً ببلده ولو كان معه لقدر على الشراء، فهو فاقد أيضاً.
قال القاضي أبو الطيب وغيره: ولا يجوز له تأخير الصوم عند الفقد ليحصل الهدي؛ كما لا يجوز تأخير الصلاة إذا وجبت وقدر على التيمم إلى أن يجد الماء. نعم، لو قدر على الهدي بعد الوجوب وقبل الشروع في الصوم، فهل يتعين الهدي أو يجوز له العدول إلى الصوم فيه قولان؛ بناء على أن الاعتبار في الكفارات بحال الوجوب أو بحال الأداء، وهما جاريان فيما لو كان في وقت الوجوب قادراً على الهدي، ثم عجز عنه في الحج. والقول الثالث في أن الاعتبار في الكفارات يأغلظ الحالين جار هنا، صرح به القاضي أبو الطيب والمصنف وغيرهما.
ولو قدر على الهدي بعد الشروع في الصوم، لم يلزمه الانتقال إليه، خلافاً للمزني؛ كما إذا وجد الماء بعد الشروع في الصلاة بالتيمم، وبالقياس على ما لو وجده وقد شرع في السبعة.
وبجوز صيام الأيام الثلاثة [متفرقاً ومتتابعاً] وكذا الأيام السبعة؛ كما ذكره
стр. 3184
القاضي الحسين، ولم يحك غيره، وكذا الإمام.
وفي "الحاوي" حكاية وجهين في وجوب التتابع فيه فيهما؛ كما في وجوب التتابع في الصيام في كفارة اليمين.
قال: وسبعة إذا رجع إلى أهله في أصح القولين؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أي: إلى أهليكم؛ يدل عليه ما روى مسلم عن ابن عمر أن الناس تمتعوا مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى، فاق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدم رسول الله ﷺ قال للناس: [من كان] منكم [قد] أهدى، فإنه لا يحل من شيء حرم عليه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم [قد] أهدى، فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج، وليهد، فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله".
ولأن حقيقة الرجوع إنما تكون إلى الأهل والوطن؛ فحملت الآية عليه، وإذا كان هذا معنى الآية، اتبعناه، وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب والماوردي عن نصه في "الأم" و"المختصر".
وفي "تعليق" البندنيجي عوضه: أنه يصومها إذا رجع إلى موضع استيطانه، وعزاه إلى نصه في "حرملة"، ثم قال: وعلى هذا، فالمراد بموضع الاستيطان: الذي عزم على الاستيطان فيه، سواء كان البلد الذي خرج منه أو غيره، حتى لو أقام بمكة، كانت وطنه وصامها بها.
قال: وإذا فرغ من الحج في القول الآخر لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أي: عن أفعال الحج؛ لأنه المذكور في الآية؛ فوجب أن يكون المراد بالرجوع رجوعاً عن الحج، أي: عن أفعاله.
стр. 3185
ولأنه لو كان الرجوع إلى الأهل والوطن شرطاً في جواز هذا الصوم، لوجب إذا نوى المقام بمكة ألا يجزئه [الصيام بها]، وفي إجماعهم على جواز صيامه فيها إذا نوى المقام بها دليل على أن الرجوع [إلى الأهل] ليس بشرط؛ وهذا ما فسر به البغداديون قول الشافعي في "الإملاء": "إنه يصومها إذا رجع من حجه بعد كمال مناسكه".
وعلى [حكايته هكذا] جرى القاضي أبو الطيب والحسين والإمام.
وصار البصريون إلى أن ما حكيناه عن نصه في "الإملاء" المراد به: الأخذ في الخروج من مكة راجعاً إلى بلده؛ لأن ابتداء الرجوع هو ابتداء السير، وعلى حكاية هذا جرى الشيخ أبو حامد والبندنيجي والمصنف في "المهذب"، وبه يحصل في المسألة ثلاثة أقوال.
وحكى الإمام عن بعض التصانيف قولاً آخر: أن المراد: الرجوع إلى مكة، وأن هذا لا أصل له في مذهب الشافعي، وإنما هو قول بعض السلف.
قلت: وكأنه يشير إلى "الإبانة"؛ لأن ذلك عادته في إسناد الفل إليها، لكن المذكور في "الإبانة" في التعبير عن هذا القول: أن له أن يصوم بعد الرجوع إلى مكة حتى يفرغ من الحج؛ لأنه لما قال: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] فالظاهرة من هذا الرجوع هو الرجوع بعد الفرع؛ كما يقال: إذا رجعت من أمر كذا، فافعل كذا؛ فظاهره: إذا فرغ منه. وإذا كان كذلك؛ فهو كقول البغداديين، لا غيره، والله أعلم.
التفريع:
إن قلنا بالقول الصحيح، قال الماوردي: فينبغي أن يصومها عقيب رجوعه، فإن آخر صيامها كان مسيئاً، وأجزأه، وإن صامها قبل وصوله إلى الوطن، لم يجزئه لما تقدم أن تقديم العبادة البدنية على وقتها لا يصح، وهذا ما قطع به العراقيون.
وحكى القاضي الحسين عن صاحب "التقريب" أنه إذا صامها في الطريق،
стр. 3186
أجزأته؛ لأن المسافر جوز له تأخير الصوم، ولو صام في السفر جاز؛ كذلك هذا. قال القاضى: وهذا لا يقوى؛ لأن وقت صوم رمضان قد دخل بإهلال الهلال غير أنه رخص للمسافر في الفطر؛ لما يلحقه من المشقة، فإذا صامه فقد صام في الوقت، ولا كذلك هاهنا؛ فإذ الوقت إنما يدخل بوصوله إلى الوطن.
وإن قلنا بالقول الذي نص عليه في "الإملاء" - أما على تفسير البغداديين أو البصريين - فلو صام قبل ذلك لم يجزئه، وهل يستحب له تأخير الصوم إلى أن يرجع إلى الوطن؟ فيه قولان حكاهما العراقيون والقاضي الحسين:
أحدهما: لا؛ لأن فعل العبادة في أول وقت وجوبها أحوط لبراءة الذمة، وهذا [ما] أورده الماوردي وقال: إنه يكون مسيئاً بالتأخير، [وعلى هذا فيطلب الفرق يين هذه المسألة، وبين [تأخير]] ذبح الدم إلى يوم النحر.
وأصحهما: نعم؛ خروجاً عن الخلاف. قال القاضي الحسين: وعلى هذا هل يكون التأخير ليرجع إلى أهله، فيصوم إذ ذاك عذراً؛ حتى إذا مات قبل [ذلك] لا يجب في تركته شيء أو لا؟ فيه وجهان؛ بناء على ما إذا أخر دفع الزكاة إلى المساكين ليدفعها إلى الإمام، فلم يتفق الدفع إلى الإمام حتى تلف المال، هل يضمن؟ فيه وجهان، [وجه المنع:] أنه فعل [ما ندبناه إليه؛ فلا يضمن ما تولد منه.
قلت: ويظهر مجيء الوجهين فيما إذا أخر ذبح الدم ليوم النحر].
وعلى القولين: لو أراد أن يوقع بعض الأيام السبعة في أيام التشريق، لم يجز وإن حكمنا بأنها قابلة للصوم: [أما على القول الصحيح فظاهر]، وأما على القول الذي نص عليه في "الإملاء"؛ فلأنه بعد في أفعال الحج وإن حصل التحلل، وهذا ما أورده الرافعي، وحكاه الإمام عن شيخه، وأنه وجهه بأنه لا يصح [من الحاج الإحرام] بالعمرة ما دام عاكفاً على مناسك [منى].
стр. 3187
قلت: ومن هذا يؤخذ أن محل ما ذكره إذا كان عاكفاً [بمنى]، الرمي لأجل الرمي، أما إذا تعجل في يومين، فيظهر صحة صومه لليوم الثالث من أيام التشريق عن أحد الأيام السبعة؛ تفريعاً على أن المراد بالرجوع: الفراغ من الحج، وصحة صوم أيام التشريق؛ لانتفاء المعنى المذكور، كما صح أن يعتمر فيه المتعجل، وسنذكر من كلام البندنيجى ما يقتضى أن بعض الأصحاب جوز صومها من السبعة.
فروع:
أحدها: إذا لم يخرج الدم حش مات، نظر:
فإن مات في أثناء الحج، فقد قدمت حكاية قولين في أنه يقضى من تركته إذا كان موسراً أم لا، والأصح: القضاء.
وإن مات بعد الفراغ من الحج، وهو موسر - أيضاً- فلا خلاف أنه يخرج من تركته.
الثاني: إذا كان واجبه الصوم لإعساره، فلم يصم الأيام الثلاثة حتى رجع إلى وطنه، وقلنا: يقضيها - فهل يستحب له أن يفرق يين صوم الثلاثة [والسبعة]، أو يجب عليه؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه يستحب، ويجوز له التتابع؛ لأن التفريق في الأداء كان لأجل الوقت، وقد فات، فأشبه قضاء الصلوات؛ وهذا قاله من اعتقد أن التفريق في الأداء يتعين، وإلا فقد يتصور في الأداء جواز التتابع، وهو إذا فرعنا على أن صوم أيام التشريق يجوز للمتمتع، وأن المراد بالرجوع: الفراغ من الحج، وإذا تصور ذلك في الأداء، فالقضاء أولى، وقد صرح بما أشرت إليه الأصحاب.
والثاني: أنه يجب التفريق.
قال الإمام: وهو في نهاية الضعف، ولا وجه [له].
وفي ["تعليق" القاضي]، أبي الطيب؛ أنه الأظهر، وقال البندنيجي: إنه المنصوص. ولأجله قال في "المهذب": إنه المذهب.
стр. 3188
قالوا: ويخالف ما إذا كان عليه صلاة الظهر [وقضاء] العصر، حيث لا يجب أن يفرق بينهما؛ [لأنه لما سقط الترتيب بينهما،] وجاز له أن يقضي العصر أولاً ثم الظهر بعده؛ كذلك سقط التفريق بينهما في الزمان؛ وفي مسألتنا مراعاة الترتيب شرط في القضاء كما في الأداء؛ فكذلك وجوب التفريق، وعلى هذا قال في "المهذب": فيفرق بينهما بقدر ما وجب التفريق بينهما في الأداء، ويجيء بمقتضى هذا في قدره خمسة أوجه، وقد صرح بها الأصحاب:
أحدها: ييوم واحد، عزاه الماوردي إلى الإصطخري.
وقال ابن الصباغ والبندنيجي: إنه الذي نص عليه في "الإملاء" وغيره من تخريج الأصحاب، وإن الأصحاب اختلفوا في النص:
فمنعهم من قال: إنه بناه على أنه يجوز صيام أيام التشريق عن كل صوم له سبب، والسبعة صوم له سبب؛ فيجوز في الأداء أن يفصل بينهما بيوم النحر؛ فكذلك [في] القضاء يفصل بيوم.
قالا: وهذا سهو منه؛ فإن السبعة لا تصام في أيام التشريق، قال البنديحي: قولاً واحداً، وقال ابن الصباغ؛ بالإجماع؛ لأنه إنما يجوز بعد الفراغ من أفعال الحج، على أحد المذهبين، وفي أيام التشريق يفعل بقية أفعال الحج، وإنما نص عليه؛ لأنه أصل في نفسه؛ فكأنه قال: إذا لم يكن من التفريق بد، فأقله يوم؛ وهذا ما أورده الإمام في حكاية هذا الوجه.
وقال المسعودي: إنه مبني على جواز صوم [أيام] التشريق، وأن الرجوع المراد به؛ الرجوع إلى مكة؛ لأنه يجعل كأنه صام أيام التشريق، وأفطر يوم الرجوع.
وقال القاضي الحسين: إن بعضهم بناه على أن صوم أيام التشريق جائز، وأن المراد بالرجوع الفراغ من الحج، فإن مقتضى ذلك ألا يجب التفريق في القضاء، وقد قام الدليل على ساق التفريق، فتفرق بيوم.
والثاني: يفرق بأربعة أيام، بناء على أن صوم أيام التشريق لا يجوز، [وأن]
стр. 3189
المراد الرجوع: [الفراغ من الحج.
والثالث - حكاه المسعودي- أنه يفرق بخمسة أيام؛ [وهو] بناء على أنه لا يصح صوم أيام التشريق، وأن المراد بالرجوع]؛ الرجوع إلى مكة؛ [فيجعل كما قال: كأنه صام ثلاثة [أيام] آخرها يوم عرفة، ثم أفطر العيد وأيام التشريق، ويوم الرجوع إلى مكة].
والرابع: يفرق بقدر مدة رجوعه إلى بلده؛ وهو بناء على صحة صيام أيام التشريق، والمراد بالرجوع: رجوعه إلى بلده؛ لأنه يمكنه صوم أيام التشريق، ثم يشتغل بالرجوع.
والخامس: يفرق بقدر مدة رجوعه إلى بلده وأربعة أيام؛ بناء على أنه لا يصوم أيام التشريق، والمراد بالرجوع: الرجوع إلى الوطن؛ إذ يمكنه في الأداء أن يجعل آخر الثلاثة يوم عرفة، ثم يفطر العيد وأيام التشريق، ويشتغل بالرجوع إلى الأهل؛ وهذا هو الصحيح بمقتضى ما ذكرناه بمن البناء على الأصلين المذكورين، [وقد اختاره في "المرشد"].
قلت: ويجيء وجه سادس: أنه يفرق بثلاثة أيام؛ بناء على أنه يجوز صوم أيام التشريق عن كل صوم له سبب غير التمتع، وأن المراد بالرجوع؛ الفراغ من الحج، وأن صوم اليوم الثالث من أيام التشريق يصح عن السبعة إذا كان قد تعجل في يومين، كما أبديته تخريجاً من كلام الشيخ أيي محمد.
وسابع: أنه يفرق يثلاثة أيام وقدر مسافة رجوعه إلى بلده؛ [بناء] على الاحتمال المذكور، وأن المراد بالرجوع: الرجوع إلى أهله ووطنه. وهذا ذكرته بناء على ما ذكره الأصحاب وجهاً رابعاً في المسألة كما ذكرته، وإلا فقد حكي [عن] العمراني أنه قال عقيب ذكر الأصحاب الوجه الرابع: ينبغي أن يقال على هذا: إنه يجب أن يفرق بيتهما بقدر مسافة السفر إلى وطنه إلا يوماً وشيئًا؛ لأنه كان يمكنه
стр. 3190
في الأداء أن يصوم الثلاثة في أيام التشريق، ويبتدئ بالسير إلى وطنه بعد الرمي والطواف في اليوم الثاني [من أيام التشريق فتحسب بقية اليوم الثاني] والثالث من أيام التشريق من مدة السفر إلى وطنه، وهو فيها صائم عن الثلاثة. وهذا إن صح اقتضى أن ينقص من الأيام الثلاثة ومدة مسيره قدر ما بقي من اليوم الثاني من أيام التشريق بعد طوافه ورميه فيه، و [قد] حكي عنه ما ذكرته أولاً، والله أعلم.
وإذا عرفت ما ذكرناه، عرفت أنه إذا فرق في الصوم بأربعة أيام، وقدر مدة رجوعه إلى بلده، أجزأه وفاقاً.
وإن صام العشرة متوالية، أجزأه منها ثلاثة عن الثلاثة، وسقط من الباقي ما وجب التفريق به على حسب الأوجه السابقة [وكان فيه صائما تطوعًا؛ كما أشار إليه الماوردي في ضمن سؤال أورده، وصرح به ابن الصباغ وغيره.
وكان يتجه أن يتخرج على الخلاف فيما إذا أحرم بالظهر قبل الزوال، هل ينعقد نفلاً]؟
ثم إن لم يبق من السبعة بعده شيء، استأنف السبعة، وإن بقي منها شيء: إما ستة أيام [إن قلنا: إنه] يكفي التفرقة بيوم، أو ثلاثة [إذا قيل: إنه بفرق بينهما]، بأربعة أيام، أو أقل من ذلك؛ على حسب ما يقتضيه الحال - نظر في حاله: فإن كان بعد فراغ العشرة لم يفطر، احتسب له بما بقي من السبعة بعد التفرقة، ووجب عليه أن يتم صيام ما بقي من السبعة.
وإن كان قد أفطر فهل يحتسب له بصيام ما مضى من السبعة بعد التفرقة؟ فيه وجهان ينبنيان على وجوب التتابع فيها، فإن لم نوجبه، احتسب له به، وإلا فلا.
وقال الإصطخري: إن نوى التتابع [بعد صيام الثلاثة، أجزأته الثلاثة، وكان الكلام في السبعة على ما مضى، وإن نوى التتابع]- أي: في صيام العشرة - في صيام
следующие страницы →