Полный текст (9 685 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.
стр. 3186
أجزأته؛ لأن المسافر جوز له تأخير الصوم، ولو صام في السفر جاز؛ كذلك هذا. قال القاضى: وهذا لا يقوى؛ لأن وقت صوم رمضان قد دخل بإهلال الهلال غير أنه رخص للمسافر في الفطر؛ لما يلحقه من المشقة، فإذا صامه فقد صام في الوقت، ولا كذلك هاهنا؛ فإذ الوقت إنما يدخل بوصوله إلى الوطن.
وإن قلنا بالقول الذي نص عليه في "الإملاء" - أما على تفسير البغداديين أو البصريين - فلو صام قبل ذلك لم يجزئه، وهل يستحب له تأخير الصوم إلى أن يرجع إلى الوطن؟ فيه قولان حكاهما العراقيون والقاضي الحسين:
أحدهما: لا؛ لأن فعل العبادة في أول وقت وجوبها أحوط لبراءة الذمة، وهذا [ما] أورده الماوردي وقال: إنه يكون مسيئاً بالتأخير، [وعلى هذا فيطلب الفرق يين هذه المسألة، وبين [تأخير]] ذبح الدم إلى يوم النحر.
وأصحهما: نعم؛ خروجاً عن الخلاف. قال القاضي الحسين: وعلى هذا هل يكون التأخير ليرجع إلى أهله، فيصوم إذ ذاك عذراً؛ حتى إذا مات قبل [ذلك] لا يجب في تركته شيء أو لا؟ فيه وجهان؛ بناء على ما إذا أخر دفع الزكاة إلى المساكين ليدفعها إلى الإمام، فلم يتفق الدفع إلى الإمام حتى تلف المال، هل يضمن؟ فيه وجهان، [وجه المنع:] أنه فعل [ما ندبناه إليه؛ فلا يضمن ما تولد منه.
قلت: ويظهر مجيء الوجهين فيما إذا أخر ذبح الدم ليوم النحر].
وعلى القولين: لو أراد أن يوقع بعض الأيام السبعة في أيام التشريق، لم يجز وإن حكمنا بأنها قابلة للصوم: [أما على القول الصحيح فظاهر]، وأما على القول الذي نص عليه في "الإملاء"؛ فلأنه بعد في أفعال الحج وإن حصل التحلل، وهذا ما أورده الرافعي، وحكاه الإمام عن شيخه، وأنه وجهه بأنه لا يصح [من الحاج الإحرام] بالعمرة ما دام عاكفاً على مناسك [منى].
стр. 3187
قلت: ومن هذا يؤخذ أن محل ما ذكره إذا كان عاكفاً [بمنى]، الرمي لأجل الرمي، أما إذا تعجل في يومين، فيظهر صحة صومه لليوم الثالث من أيام التشريق عن أحد الأيام السبعة؛ تفريعاً على أن المراد بالرجوع: الفراغ من الحج، وصحة صوم أيام التشريق؛ لانتفاء المعنى المذكور، كما صح أن يعتمر فيه المتعجل، وسنذكر من كلام البندنيجى ما يقتضى أن بعض الأصحاب جوز صومها من السبعة.
فروع:
أحدها: إذا لم يخرج الدم حش مات، نظر:
فإن مات في أثناء الحج، فقد قدمت حكاية قولين في أنه يقضى من تركته إذا كان موسراً أم لا، والأصح: القضاء.
وإن مات بعد الفراغ من الحج، وهو موسر - أيضاً- فلا خلاف أنه يخرج من تركته.
الثاني: إذا كان واجبه الصوم لإعساره، فلم يصم الأيام الثلاثة حتى رجع إلى وطنه، وقلنا: يقضيها - فهل يستحب له أن يفرق يين صوم الثلاثة [والسبعة]، أو يجب عليه؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه يستحب، ويجوز له التتابع؛ لأن التفريق في الأداء كان لأجل الوقت، وقد فات، فأشبه قضاء الصلوات؛ وهذا قاله من اعتقد أن التفريق في الأداء يتعين، وإلا فقد يتصور في الأداء جواز التتابع، وهو إذا فرعنا على أن صوم أيام التشريق يجوز للمتمتع، وأن المراد بالرجوع: الفراغ من الحج، وإذا تصور ذلك في الأداء، فالقضاء أولى، وقد صرح بما أشرت إليه الأصحاب.
والثاني: أنه يجب التفريق.
قال الإمام: وهو في نهاية الضعف، ولا وجه [له].
وفي ["تعليق" القاضي]، أبي الطيب؛ أنه الأظهر، وقال البندنيجي: إنه المنصوص. ولأجله قال في "المهذب": إنه المذهب.
стр. 3188
قالوا: ويخالف ما إذا كان عليه صلاة الظهر [وقضاء] العصر، حيث لا يجب أن يفرق بينهما؛ [لأنه لما سقط الترتيب بينهما،] وجاز له أن يقضي العصر أولاً ثم الظهر بعده؛ كذلك سقط التفريق بينهما في الزمان؛ وفي مسألتنا مراعاة الترتيب شرط في القضاء كما في الأداء؛ فكذلك وجوب التفريق، وعلى هذا قال في "المهذب": فيفرق بينهما بقدر ما وجب التفريق بينهما في الأداء، ويجيء بمقتضى هذا في قدره خمسة أوجه، وقد صرح بها الأصحاب:
أحدها: ييوم واحد، عزاه الماوردي إلى الإصطخري.
وقال ابن الصباغ والبندنيجي: إنه الذي نص عليه في "الإملاء" وغيره من تخريج الأصحاب، وإن الأصحاب اختلفوا في النص:
فمنعهم من قال: إنه بناه على أنه يجوز صيام أيام التشريق عن كل صوم له سبب، والسبعة صوم له سبب؛ فيجوز في الأداء أن يفصل بينهما بيوم النحر؛ فكذلك [في] القضاء يفصل بيوم.
قالا: وهذا سهو منه؛ فإن السبعة لا تصام في أيام التشريق، قال البنديحي: قولاً واحداً، وقال ابن الصباغ؛ بالإجماع؛ لأنه إنما يجوز بعد الفراغ من أفعال الحج، على أحد المذهبين، وفي أيام التشريق يفعل بقية أفعال الحج، وإنما نص عليه؛ لأنه أصل في نفسه؛ فكأنه قال: إذا لم يكن من التفريق بد، فأقله يوم؛ وهذا ما أورده الإمام في حكاية هذا الوجه.
وقال المسعودي: إنه مبني على جواز صوم [أيام] التشريق، وأن الرجوع المراد به؛ الرجوع إلى مكة؛ لأنه يجعل كأنه صام أيام التشريق، وأفطر يوم الرجوع.
وقال القاضي الحسين: إن بعضهم بناه على أن صوم أيام التشريق جائز، وأن المراد بالرجوع الفراغ من الحج، فإن مقتضى ذلك ألا يجب التفريق في القضاء، وقد قام الدليل على ساق التفريق، فتفرق بيوم.
والثاني: يفرق بأربعة أيام، بناء على أن صوم أيام التشريق لا يجوز، [وأن]
стр. 3189
المراد الرجوع: [الفراغ من الحج.
والثالث - حكاه المسعودي- أنه يفرق بخمسة أيام؛ [وهو] بناء على أنه لا يصح صوم أيام التشريق، وأن المراد بالرجوع]؛ الرجوع إلى مكة؛ [فيجعل كما قال: كأنه صام ثلاثة [أيام] آخرها يوم عرفة، ثم أفطر العيد وأيام التشريق، ويوم الرجوع إلى مكة].
والرابع: يفرق بقدر مدة رجوعه إلى بلده؛ وهو بناء على صحة صيام أيام التشريق، والمراد بالرجوع: رجوعه إلى بلده؛ لأنه يمكنه صوم أيام التشريق، ثم يشتغل بالرجوع.
والخامس: يفرق بقدر مدة رجوعه إلى بلده وأربعة أيام؛ بناء على أنه لا يصوم أيام التشريق، والمراد بالرجوع: الرجوع إلى الوطن؛ إذ يمكنه في الأداء أن يجعل آخر الثلاثة يوم عرفة، ثم يفطر العيد وأيام التشريق، ويشتغل بالرجوع إلى الأهل؛ وهذا هو الصحيح بمقتضى ما ذكرناه بمن البناء على الأصلين المذكورين، [وقد اختاره في "المرشد"].
قلت: ويجيء وجه سادس: أنه يفرق بثلاثة أيام؛ بناء على أنه يجوز صوم أيام التشريق عن كل صوم له سبب غير التمتع، وأن المراد بالرجوع؛ الفراغ من الحج، وأن صوم اليوم الثالث من أيام التشريق يصح عن السبعة إذا كان قد تعجل في يومين، كما أبديته تخريجاً من كلام الشيخ أيي محمد.
وسابع: أنه يفرق يثلاثة أيام وقدر مسافة رجوعه إلى بلده؛ [بناء] على الاحتمال المذكور، وأن المراد بالرجوع: الرجوع إلى أهله ووطنه. وهذا ذكرته بناء على ما ذكره الأصحاب وجهاً رابعاً في المسألة كما ذكرته، وإلا فقد حكي [عن] العمراني أنه قال عقيب ذكر الأصحاب الوجه الرابع: ينبغي أن يقال على هذا: إنه يجب أن يفرق بيتهما بقدر مسافة السفر إلى وطنه إلا يوماً وشيئًا؛ لأنه كان يمكنه
стр. 3190
في الأداء أن يصوم الثلاثة في أيام التشريق، ويبتدئ بالسير إلى وطنه بعد الرمي والطواف في اليوم الثاني [من أيام التشريق فتحسب بقية اليوم الثاني] والثالث من أيام التشريق من مدة السفر إلى وطنه، وهو فيها صائم عن الثلاثة. وهذا إن صح اقتضى أن ينقص من الأيام الثلاثة ومدة مسيره قدر ما بقي من اليوم الثاني من أيام التشريق بعد طوافه ورميه فيه، و [قد] حكي عنه ما ذكرته أولاً، والله أعلم.
وإذا عرفت ما ذكرناه، عرفت أنه إذا فرق في الصوم بأربعة أيام، وقدر مدة رجوعه إلى بلده، أجزأه وفاقاً.
وإن صام العشرة متوالية، أجزأه منها ثلاثة عن الثلاثة، وسقط من الباقي ما وجب التفريق به على حسب الأوجه السابقة [وكان فيه صائما تطوعًا؛ كما أشار إليه الماوردي في ضمن سؤال أورده، وصرح به ابن الصباغ وغيره.
وكان يتجه أن يتخرج على الخلاف فيما إذا أحرم بالظهر قبل الزوال، هل ينعقد نفلاً]؟
ثم إن لم يبق من السبعة بعده شيء، استأنف السبعة، وإن بقي منها شيء: إما ستة أيام [إن قلنا: إنه] يكفي التفرقة بيوم، أو ثلاثة [إذا قيل: إنه بفرق بينهما]، بأربعة أيام، أو أقل من ذلك؛ على حسب ما يقتضيه الحال - نظر في حاله: فإن كان بعد فراغ العشرة لم يفطر، احتسب له بما بقي من السبعة بعد التفرقة، ووجب عليه أن يتم صيام ما بقي من السبعة.
وإن كان قد أفطر فهل يحتسب له بصيام ما مضى من السبعة بعد التفرقة؟ فيه وجهان ينبنيان على وجوب التتابع فيها، فإن لم نوجبه، احتسب له به، وإلا فلا.
وقال الإصطخري: إن نوى التتابع [بعد صيام الثلاثة، أجزأته الثلاثة، وكان الكلام في السبعة على ما مضى، وإن نوى التتابع]- أي: في صيام العشرة - في صيام
стр. 3191
الثلاثة، عند دخوله فيها، لم يجزئه الثلاثة ولا السبعة، ولزمه استئناف الجميع، ويكون فساد نيته قادحًا فى صومه.
قال الماوردي: وهذا غلط فاحش؛ لأن تفريق الصوم ومتابعته إنما يكون بالفعل لا بالنية، فلو فرق صيامه، ولم ينو كان مفرقاً، ولو تابع ولم ينو كان متابعاً، وإذا لم تكن النية شرطاً في صحة التفريق، لم تكن نية المتابعة قادحة في صحة الصوم مع وجود التفرقة. ولأن طروء الفساد على صوم بعض الأيام لا يقتضي فساد الصوم في غيره من الأيام، كصوم رمضان إذا أفطر بعضه؛ لأن لكل يوم حكم نفسه، وإذا كان كذلك، لم يكن فساد صوم السبعة قادحاً في صحة صوم الثلاثة، وهذا ما ذكره الشافعي ﵁ – وجمهور أصحايه٠
وعن صاحب "التقريب" والفوراني؛ أن بعض أصحابنا قال: إنه لا يصح له صوم شيء من السبعة وإن قلنا: يكفي التفريق بيوم.
قال الإمام؛ [و] كأنه يعتقد أن التفريق إذا لم يقع يفطر يعتد بشيء من السبعة.
وقال القاضي الحسين: إنه وجهه بأنه صام كل يوم منها على اعتقاد يوم آخر؛ فإنه صام الخامس على أنه ثاني السبعة، وهو أولها، والسادس على أنه ثالث السبعة وهو ثانيها، وهكذا، وإنه نظر ذلك بما إذا ترك الجلوس بين السجدتين، ثم جلس عقيب الثانية [بنية] الاستراحة، هل يجزئه عن الجلسة بين السجدتين؟ وكذا [فيما] إذا ترك لمعة من الوجه في المرة الأولى، وانغسلت في الثانية، هل يجزئه؟ وفيهما وجهان.
قلت: وهذا ليس النظير، بل النظير إذا ترك سجدة عن الأولى؛ فإنها تجبر بسجدة من الثانية وإن اعتقد أنها من الثانية.
وقد ظهر لك مما ذكرناه: أن ما اشترطنا التفريق به، لا يشترط أن يكون [فيه]
стр. 3192
مفطراً، بل يجوز أن يكون فيه صائماً عن غير التمتع: قضاء كان أو تطوعاً، وقد صرح به الإمام وغيره، وادعوا اتفاق الأصحاب عليه.
الفرع الثالث: إذا لم يصم حتى مات بعد الوجوب، فإن كان بعد التمكن ولا عذر، فقد حكى الإمام عن رواية صاحب "التقريب" وبعض التصاتيف – نصاً للشافعي ﵁ أنه لا يجب شيء إذا مات: لا فدية، ولا صيام الولي، وتوجيه عدم صيام الولي ظاهر، وأما توجيه عدم الفدية؛ فلأنها إنما تثبت في صوم رمضان؛ كما أن الكفارة إنما وجبت بسبب إفساد الصوم فيه؛ فالفدية هي الكفارة الصغرى؛ فلا يعدى بها موضعها؛ اعتباراً بالكفارة العظمى.
والمشهور - وبه جزم المعظم-: الوجوب، وعلى هذا، فما هو الواجب؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: يصوم عنه الولي.
والثاني: يطعم عنه لكل يوم مد من طعام، وهو الذي أورده البندنيجي، ويتصور ذلك بما إذا كان عاجزاً عن الهدي في موضعه واجداً له في بلده، أو وجده بثمن غال، أو لم يجده أصلاً، وعلى هذا فهل يختص به فقراء الحرم أو يجوز صرفه لغيرهم؟ فيه وجهان، وقيل قولان، أشبههما: الثاني.
والقول الثالث - حكاه الإمام عن رواية صاحب "التقريب" وغيره-: أنا نرجع إلى الدم فنوجب دم شاة في تركته؛ فإنه أولى وأقرب في [هذا] الصوم من الأمداد؛ فيجب في مقابلة الأيام العشرة دم شاة، وأن العراقيين ذكروا قولاً راجعًا إلى هذا.
وحكمه إذا مات وقد بقي عليه بعض الصوم، كما إذا مات ولم يصم إلا على القول الأخير؛ فإن العراقيين قالوا: إنه يجب عليه [تفريغا عليه]- في اليوم ثلث شاة، وفي اليومين ثلثا شاة، [وفي ثلاثة] فصاعداً إلى تمام العشرة شاة؛ تنزيلاً للأيام منزلة الشعرات التي يأخذها المحرم من نفسه، [وعزوا ذلك إلى النص]،
стр. 3193
وكذلك عدد الأظفار وأعداد رمى الجمرات.
وفي "الشامل" -[بعد حكاية قوله: إنه يجب التصدق عن كل يوم بمد]-: أن أبا إسحاق قال في "الشرح": إن قوله "يتصدق [بمد" أولى من قوله يتصدق] بدرهم، أو ثلث شاة"، فأومأ إلى أن في ذلك ثلاثة أقأويل، وهذه الأقاويل قال أصحابنا: إنما هي في إتلاف الشعر، والظفر، ورمي الجمار، وليست هاهنا، وكذلك قال القاضي الحسين، وزاد إلى الصور الثلاثة صورة رابعة، وهي إذا ترك البيتوتة بمنى ليلة أو ليلتين.
وإن كان لم يصم لعدم تمكنه منه، فقد حكينا عن "الأم" قولين:
أحدهما: [أنه] يُهْدَى عنه، ويجيء قول ثان: أنه يصوم عنه الولي، وثالث: أنه يخرج عنه دم شاة؛ أخذاً مما تقدم.
والثاني - وهو المذهب في "تعليق" البندنيجي، [والصحيح في غيره-: أنه لا يجب شيء؛ كما في صوم رمضان إذا مات قبل التمكن منه، وقد جزم به البندنيجي] في موضع آخر، فقال: إن كان [ترك] الصوم؛ لعدم قدرته عليه، سقط. وعبارة القاضي أبي الطيب: إن كان قد ترك الصوم بعذر سقط. وبين العبارتين فرق؛ لأن الثانية تفهم السقوط إذا كان الترك بسبب مرض يطيق معه الصوم، أو سفر، دون العبارة الأولى؛ وعلى الثانية ينطبق قول الإمام: إذا انتهى المتمتع إلى وطنه، ومات، فلا يلزمه شيء وإن حكمنا بأن الرجوع هو الفراغ من الحج؛ لأن السفر من الأعذار التي يجوز ترك صوم رمضان لأجله، ولو دام السفر إلى الموت، وقد اتفق ترك صوم رمضان فيه، فلا شيء على الذي مات، ودوام السفر بمثابة دوام المرض، فصيام الأيام الثلاثة وإن كان ثابتاً على الغرباء، فلا يزيد تأكده على تأكد صوم رمضان أداء واستدراكًا.
فإن قلت: هذا من الإمام مخالف لظاهر قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ
стр. 3194
فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقول الشافعي في "المختصر": "وعليه ألا يخرج من الحج حتى يصوم إذا لم يجد هدياً".
قلت: من حأول الجمع بين ذلك وبين كلام الإمام، حمل نص الكتاب و"المختصر" على الحاج الذي انقطعت عنه رخص السفر؛ عملاً بما ورد من جواز الفطر بسبب السفر، والله سبحانه أعلم بالصواب.
* * *
стр. 3195
باب المواقيت
المواقيت: جمع "ميقات"، وهو في لسانهم: الحد، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] يعنى: أنها حدٌّ لإحلال ديونهم وأوقات حجهم وعبادأنهم.
والمراد بها في هذا الباب: المواضع التي لا يجوز لمن أراد نسكاً من حج أو عمرة أو هما بالقران - مجاوزته بدون إحرام، وهي خمسة كما سيأتي.
قال: ميقات أهل المدينة ذو الحليفة، وميقات أهل اليمن يلملم، وميقات [أهل] نجد قرن، وميقات أهل الشام ومصر الجحفة.
والأصل في ذلك ما روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵁ قال: "وقت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرئاً - وفي رواية؛ قرن المنازل - ولأهل اليمن يلملم"، قال: "فهن لأهلهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة، فمن كان دونهن فمن أهله، كذلك حتى أهل مكة يهلون منها".
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن ابن عباس روى أنه ﵇ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام ومصر الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجدٍ اليمن ونجد: قرن. وهذه الرواية تعضد ما قاله البندتيجي: إن المواقيت الثابتة بنص السنة خمسة: ميقات أهل المدينة ذو الحليفة، وميقات أهل الشام ومصر والمغرب وتلك النواحي الجحفة ... وساق الباقي.
стр. 3196
قال: وميقات أهل العراق ذات عرق. هذا مما لا خلاف فيه، وإنما الخلاف يين العلماء في أنه ثبت بنص السنة أو بالاجتهاد.
وقد حكى القاضي أبو الطيب عن الشافعي ﵁ ذلك قولين، وغيره أثبتهما وجهين:
أحدهما- وهو المنصوص في "الأم"-: أنه ثبت بالاجتهاد؛ لأنه لم يفتح في زمان رسول الله ﷺ ، وإنما فتح في زمان عمر، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله ﷺ حد لأهل نجد قرن، وهو جورٌ عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرن، شق علينا؟ قال: فانظروا حذوها من طريقكم، فحد لهم ذات عرق. كذا ذكره البخاري في "صحيحه".
والثاني - وهو الذي قاله في موضع آخر؛ كما قال أبو الطيب-: أنه ثبت بنص السنة؛ لما روى مسلم عن أبي الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن المهل، فقال: سمعته - أحسبه رفع إلى النبي ﷺ وذكر الحديث السابق، وفيه: "ومهل أهل العراق من ذات عرق".
وعن مسلم أنه روي عن جابر - أيضاً - قال: "خطبنا رسول الله ﷺ وقال: "يهل أهل المشرق من ذات عرق".
وروى أبو داود والنسائي عن عائشة: "أن رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق ذات
стр. 3197
عرق"، وهذا ما اقتضى كلام القاضي أبي الطيب ترجيحه، وصرح الماوردي بأنه أصح المذهبين، وبه جزم البندنيجي، وقال: إنه ما كان عند الشافعي ثبوته بالسنة؛ لأن الخبر لم يبلغه، [وقد ثبتت السنة]، فهو مذهبه.
وما ذكر من حديث عمر، قال أبو الطيب: يجوز أن يكون عمر- ﵁ لم يبلغه توقيت رسول الله ﷺ إياه.
وما ذكر من كفر أهل العراق، فقد كان أهل المغرب – أيضاً- كفاراً، وكان بالشام قيصر، و [كان] بمصر المقوقس، ونص على ميقاتهم مع كفرهم؛ فكذلك أهل العراق، والله أعلم.
قال: فإن أهلوا من العقيق، فهو أفضل؛ لأن أبا داود روى بسنده عن ابن عباس قال: "وقت رسول الله ﷺ لأهل المشرق العقيق"، وقال الترمذي: إنه حسن. وقال غيره: إن في إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف. وقال البيهقي: إنه تفرد به. وذكر الإمام: أنه مرسل؛ لأن رأويه محمد بن علي بن عبد الله بن عباس،
стр. 3198
وهو لم يلق جده؛ فلهذا لم يجب العمل به، واستحب لاحتمال الصحة مع أن من أحرم من العقيق يكون محرماً من ذات عرق؛ لأنها دونه، ومن أحرم من ذات عرق لا يكون محرمًا من العقيق، والجمع بينهما للاحتياط أولى.
وإذا ثبت أن هذه مواقيت لمن ذكر فالاسم يصدق إذا أحرم من أول ذلك أو وسطه أو آخره، فإذا فعل ذلك، خرج عن الواجب، غير أن المستحب أن يحرم من الجانب المقابل للجانب الذي [يلي] مكة.
تنبيه: ذو الحليفة: بضم الحاء المهملة، وفتح السلام وبالفاء، على نحو ستة أميال من المدينة، وقيل: سبعة، وقيل: أربعة، كذا قاله النووي.
وفي "الشامل" و"تعليق" البندنيجي و"الرافعي": أنها على ميل، وهي من مكة على نحو عشر مراحل.
والبندنيجي جزم بأن بينهما عشرة أيام، وهي أبعد المواقيت.
يلملم: بفتح الياء والسلامين، وإسكان الميم بينهما، ويقال فيه: ألملم، كما يقال: رجل يلمعي وألمعي، وهو على مرحلتين من مكة.
نجد- بفتح النون- إذا أطلق كان المراد به- كما قال الرافعي-: نجد الحجاز، وعليه ينطبق قول ابن عباس- كما تقدم-: "إنه ﵇ أقت لأهل نجد اليمن ونجد: قرن"، وهو- كما قال النووي وغيره-: ما بين جرش إلى سواد الكوفة، وحده من الغرب بالحجاز، وعن يسار الكعبة اليمن. وقضية ذلك: أن يكون مراد الشيخ: نجد الحجاز دون نجد اليمن، ويعضده قوله: " [وميقات أهل اليمن يلملم] "، ولم يفصل بين نجدها وغورها؛ كما هو ظاهر الخبر، لكن خبر ابن عباس الذي رواه القاضي يقتضي أن ميقات النجدين جميعاً قرن، وهو ما حكاه في "الشامل" عن النص، ولم يحك الغزالي والإمام والقاضي الحسين غيره، وتبعهم الرافعي، وقال: إنا إذا قلنا: إن ميقات اليمن يلملم، أردنا به تهامة [منها]، لا كل اليمن.
قلت: ولفظ الشافعي – ﵁ مصرح به؛ فإنه قال- كما حكاه ابن
стр. 3199
الصباغ والروياني-: "وميقات أهل تهامة اليمن يلملم".
قال الروياني: والغور يسمى: تهامة.
وقد تلخص من ذلك أن الحجاز مشتمل على نجد وغور: فالنجد: بلاد فيها ارتفاع، والغور: بطونها، والنجد أغلب؛ وكذلك اليمن تشتمل على نجد وغور، وميقات النجدين: قرن، ولكل تهامة ميقات يخصها.
قرن: بفتح القاف، وإسكان الراء، بلا خلاف، وغلطوا الجوهري في فتحها، وفي زعمه: أن أويساً القرني منسوب إليها، وإنما هو من بني قرن: بطن من مراد، وهو على مرحلتين من مكة.
وفي "شرح" ابن التلمساني: أنه تلقاء مكة على يوم وليلة منها، وأصله: الجبل المستطيل الصغير المنقطع عن الجبل الكبير.
الشأم: مهموز مقصور، ويجوز تخفيف الهمزة، ويجوز الشام -بفتح الشين والمد- وهي [ضعيفة]، وإن كانت مشهورة، قال صاحب "المطالع": أنكرها أكثرهم.
وهو مذكر على المشهور، وقال الجوهري: يذكر ويؤنث.
وهو من العريش إلى الفرات طولاً، وقيل: إلى بالِس.
والجحفة: بجيم مضمومة، ثم حاء مهملة ساكنة، كانت [قرية] كبيرة، وهي على نحو سبع مراحل من المدينة، وثلاث من مكة، وسميت بذلك؛ لأن السيل أجحفها، وحمل أهلها، ويقال [لها] مهيعة: بفتح الميم وإسكان [الهاء].
العراق: بكسر العين، مذكر على المشهور، وحكي جماعة تأنيثه، وفي سبب تسميته عشرة أقوال، أشهرها: لكثرة أشجاره.
ذات عرق: يكسر العين، وإسكان الراء، على مرحلتين من مكة، وعرق: [هو الجبل المشرف على العقيق].
الإهلال: بالإحرام، وأصله رفع الصوت، ومنه: استهلال الولد، فسمي الإحرام: إهلالاً؛ لرفع صوته بالتلبية.
العقيق: واد تدفق ماؤه في غوري تهامة؛ ذكره الأزهري في "التهذيب"، وهو
стр. 3200
أبعد من ذات عرق بقليل، وهذا [قد] حكاه القاضي الحسين وجهاً بعدما قال: إنه لا يعرف الآن عقيق إلا عقيق هو من المدينة على قدر فرسخين، فأما العقيق الذي أقته رسول الله ﷺ هو لأهل العراق، فقد خفي الآن.
وقال الماوردي: إنه موضع من يسار الذاهب من ناحية العراق إلى مكة مما يلي قرن من وراء المقابر ومسيل الوادي عند النخلات المتفرقة، وقد قال قوم: إن حده ما بين بريد التقاء إلى تَمْرة.
قال: وهذه المواقيت لأهلها، ولكل من مر بها من غير أهلها؛ لخبر ابن عباس السابق.
قال الفوراني: ولا يستثنى من ذلك إلا مسألة واحدة، وهي الأجير، فإن عليه أن يحرم من ميقات الميت أو المستأجر الذي يحج عنه، فإن مر بغير ذلك الميقات أحرم من موضع بإزائه إذا كان أبعد عن ذلك الميقات من مكة، وإذا مات ميت فإن الحاج يحرم عنه من ميقات ذلك الميت.
قال: ومن كان أهله دون الميقات أو في الحرم، فميقاته موضعه؛ للخبر السابق [أيضاً]، والأفضل أن يحرم من الجانب الأبعد من موضعه إلى مكة، سواء كان في بناء أو خيام، والواجب عليه ألا يتعدى بناء موضعه [من جهة مكة] وخيام قومه إلا محرماً؛ كما تقدم مثل ذلك في الميقات، وقد نص عليه في "الأم" حيث قال: "وأقل ما يلزمه ألا يخرج من بيوتها حنى يحرم، وأحب [إلي] أن يحرم من أقصى بيوتها"، وحكي عنه أنه قال [في "الإملاء": "يحرم من ييته ومن مسجد قريته" قال] في "البحر": وهذا لا بأس به.
والمكي: المستحب في حقه أن يحرم من باب داره، [أو من] المسجد قريباً من البيت؟ فيه اختلاف نص.
قال: ومن سلك طريقاً لا ميقات فيه، أحرم إذا حاذى أقرب المواقيت إليه؛ لأن عمر لما اجتهد في ميقات أهل العراق، اعتبر ما ذكرناه، ولم ينكر عليه أحد.
стр. 3201
وهذه المسألة مصورة بما إذا كان يحاذي ميقاتين فى طريقه، أحدهما بعد الآخر، [و]، يحاذي الأول وهو أبعد من مكة- وجب عليه أن يحرم، وليس له أن يؤخره عن محاذاة الأول منتظراً محاذاة الثاني؛ كما ليس للذي يأتي مكة [من المدينة]، أن يجاوز ذا الحليفة؛ ليحرم من الجحفة؛ وهذا ما جزم به الإمام والروياني، وعزاه الرافعي إلى اختيار القفال، وحكى وجهاً آخر لم يحك النوراني سواه: أن له أن يؤخره إلى أن يحاذي الأقرب إلى مكة، وهو غريب. نعم:، الخلاف المشهور فيما إذا كان حذو طريقه ميقاتان، أحدهما أقرب من الآخر إلى مكة، وهو بينهما، فإنه يجب عليه أن يحرم، ثم إن كان بينهما على قدر واحد، فهل ينسب إحرامه إلى الأبعد من مكة أو إلى الأقرب؟ فيه وجهان حكاهما الإمام، ويظهر أثرهما فيما إذا جاوز ذلك، وكلفناه العود إليه، وعسر عليه الرجوع إلى موقفه يين الميقاتين، وتعذر معرفة قدره؛ فإلى قدر أي الميقاتين يرجع؟ ولا يظهر فيما إذا عرف مسافة موقفه؛ فإن الواجب عليه أن يرجع إلى مثل تلك المسافة؛ كذا قاله الإمام.
ولو كان موقفه من أحدهما أقرب فالاعتبار به جزماً، قريباً كان من مكة أو بعيداً.
وقال العراقيون: إذا كان بين ميقاتين على نسبة واحدة، حاذى أي الميقاتين شاء، وأحرم منه، والأفضل أن يحرم من أبعدهما إلى مكة، وهو الذي حكاه الماوردي [عن الجمهور]، وصححه، وحكى وجهاً [آخر أنه] من [الأبعد].
فرع: الغريب إذا أتى من جانب، ولم يمر بميقات ولا حاذاه، فيحرم على مرحلتين من مكة؛ نزولاً على قضاء عمر- ﵁ في تأقيت ذات عرق والتفاتاً إلى حد المذهب في حاضري المسجد الحرام؛ قاله في "الوسيط": وهو من تخريج الإمام.
قال: ومن كان داره فوق الميقات، فالأفضل ألا يحرم إلا من الميقات قي أصح
стр. 3202
القولين؛ لما روي عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ قال: "استمتع بأهلك حتى تأتي الميقات، فتحرم منه".
ولأنه ﵇ حج مرة واعتمر ثلاثاً، وأحرم في جميعها من الميقات، ولم يحرم في شيء منها قبل الميقات، ولو كان الإحرام قبل الميقات أفضل لاختاره ﷺ لنفسه، وفعله ولو مرة؛ لينبه الناس على فضله؛ ولأنه أقل تغريراً بالعبادة؛ وهذا ما رواه البويطي والمزني في "جامعه الكبير"، ونسب إلى الجديد؛ وعلى هذا فلو أحرم من دويرة أهله، فقد ترك الأولى.
وقال الإمام: إن بعض الأصحاب أطلق الكراهة في التقديم، ولست أرى ذلك.
[وقد] عزا في "الإبانة" الكراهة على هذا إلى الجديد، وكلام "الوسيط" مشير إليه.
ولو نذر أن يحرم بالحج من دويرة أهله، فقياس من أطلق الكراهة: ألا ينعقد نذره، وقياس من قال: إنه إذا فعل ذلك فقد ترك الأولى، أن يكون الحكم كما لو نذر الحج ماشياً، وقلنا: إنه راكباً أفضل؛ فإن له أن يحج راكباً- ألا يلزمه هنا الإحرام من دويرة أهله، ويجوز له تأخيره إلى الميقات، وقد صرح في "المهذب" بأنه يلزمه من دويرة أهله إذا نذر ذلك، وأنه إذا جاوزه غير محرم، كان كمن جاوز الميقات وأحرم دونه في وجوب العود والدم.
قال: ومن دويرة أهله في القول الآخر؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقد تقدم تفسيره.
وفي "الإبانة": أنه روي عنه ﵇ أنه قال: "من تمام الحج والعمرة أن
стр. 3203
تحرم بهما من دويرة أهلك".
وقال في "النهاية": إنه ورد في ذلك أخبار صحيحة، منها: ما روي أنه ﵇ – قال: "أفضل الأعمال حج الرجل من دويرة أهله يؤمُّ هذا البيت العتيق".
وقد روى أبو داود بسنده عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" أو "وجبت له الجنة". [شك] عبد الله.
стр. 3204
ولأنه إذا أحرم من دويرة أهله، كان أكثر عملاً؛ وهذا ما نص عليه في "الإملاء"، ونسب إلى القديم، واقتضى كلام ابن الصباغ ترجيحه، وحكى الإمام والقاضي الحسين طريقة قاطعة [به]، وهي التي صححها الفوراني، واختارها القفال، ولم يحك في "الوسيط" و"الوجيز" غيرها، [والقائلون بها حملوا] ما حكي عن الجديد من الكراهة على أنه لا يتشبه بالمحرمين في التجرد عن الثياب من غير أن يحرم كما يعتاده الشيعة فإن ذلك مكروه.
وقال الفوراني: وقد دل عليه قول الشافعي ﵁: "ولا يتجرد عن الثياب قبل الإحرام، بل يلبسه، ويفعل ما يفعل سائر الناس".
قال الرافعي: ويخرج من فحوى كلام الأئمة طريقة ثالثة، وهي حمل نصه في "البويطي" على ما إذا لم يأمن على نفسه من ارتكاب محظورات الإحرام، وتنزيل نصه في "الإملاء" على ما إذا أمن عليها.
ثم نسبة ما عزي إلى "الإملاء" إلى القديم، لم أره إلا للغزالي، و"الإملاء" معدود من الجديد.
وقد فهمت مما ذكرناه: أنه لا خلاف أنه إذا قدم الإحرام على الميقات المكاني انعقد.
قال الجرجاني: ويخالف ما إذا قدم الإحرام بالحج على الميقات الزماني؛ فإنه لا ينعقد، والفرق: أن ميقات المكان مبني على الاختلاف في حق الناس؛ فأبيح فيه
стр. 3205
التقديم، بخلاف ميقات الزمان؛ فإنه لا يختلف في حق أحد؛ فلم يجز فيه التقديم.
قال: ومن جاوز الميقات غير مريد للنسك، أي: لا قصداً، ولا [فى] ضمن قصده كمن يريد قضاء شغل فيما دون الحرم.
قال: ثم أراد أن يحرم - أهلَّ من موضعه؛ لما روي عن ابن عمر: أنه أهل من الفرع وهو دون الميقات إلى مكة.
قال الشافعي: وهذا عندنا: أنه مر بميقاته لا يريد إحراماً، ثم بدا له؛ [فأهل منه، أو جاء إلى الفرع، من مكة أو غيرها، ثم بدا له] فأحرم.
قال الأصحاب: ولا يجب عليه العود إلى الميقات؛ لأن العود إليه إنما يجب على من لزمه الإحرام منه لإرادته النسك؛ عملاً بقوله ﵇: "هن لأهلهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ممن أراد [الحج والعمرة"، وقد فقد ذلك في حق هذا؛ فلم يلزمه العود. نعم، لو جاوز موضح إرادة] الإحرام غير محرم، كان وجوب العود إليه ولزومه له على ما سنذكره فيما إذا جاوز الميقات مريداً للنسك.
قال: ومن جاوزه مريداً للنسك، أي: قصداً، أو في ضمن قصده؛ لكونه قصد دخول الحرم، وقلنا: لا يجوز دخوله بغير إحرام.
قال: وأحرم دونه، فعليه دم؛ لأنه وجب عليه الإحرام من الميقات؛ لحديث ابن عباس: "فإذا تركه وجب الدم"، كما روي عن ابن عباس موقوفاً ومرفوعاً إلى النبي ﷺ : "من ترك نسكاً، فعليه دم".
стр. 3206
وقال في "المهذب" وغيره؛ ويجب عليه أن يرجع إلى الميقات إلا أن يتحقق له عذر من خوف الطريق أو فوات الحج، ولا فرق في ذلك بين أن يكون قد ترك الإحرام عامداً أو ساهياً.
قال الأصحاب من الفريقين: ويخالف ما لو لبس أو تطيب ساهيًا؛ فإنه لا يلزمه الدم؛ لأن الطيب واللباس طريقهما طريق الترك؛ فلذلك اختلف حكم عمدهما وسهوهما والإحرام طريقه طريق إيجاب الفعل، وما طريقه الإيجاب يستوي فيه العمد والسهو؛ يدل على ذلك أن الركوع والسجود في الصلاة لما كان طريقهما الإيجاب، استوى حكم العمد والسهو فيهما، ولما كان الكلام في الصلاة طريقه طريق الترك، اختلف [حكم] عمده وسهوه.
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في وجوب الدم على من مر بالميقات [مريداً للنسك، ثم أحرم دونه - بين أن يكون من أهل العبادة حال مروره بالميقات] أو لا؛ كالكافر إذا مر به مريداً للنسك، ثم أسلم، وأحرم دونه، وقد صرح به في "المهذب" وغيره، ومنع المزني إيجاب الدم على الكافر، والمذهب: خلافه.
فرع: إذا مر بالميقات، وأحرم منه بأحد النسكين، ثم بعد الميقات أدخل عليه النسك الآخر: أما الحج على العمرة، أو العمرة على الحج، وجوزناه، هل يلزمه الدم؟ فيه وجهان في "التهذيب":
стр. 3207
أحدهما: نعم؛ لأنه جاوز الميقات مريداً للنسك، وأحرم بعده.
والثاني: لا؛ لأنه جاوزه محرماً؛ فصار كما لو أحرم مبهماً من الميقات، فلما جاوزه صرفه إلى الحج، والله أعلم.
قال: فإن عاد إلى الميقات قبل التلبس بالنسك، أي: قبل التلبس بشيء من [أعمال] ما أحرم به غير الإحرام من ركن أو سنة: كطواف القدوم في الحج، وإلا فهو بمجرد الإحرام قد تلبس بالنسك.
قال: سقط عنه الدم؛ كما إذا عاد الدا فع عن عرفة قبل الغروب إليها [بعد الغروب]، وهذا عن الشيخ تصريح بأن الدم وجب ثم سقط، وهو وجه حكاه الماوردي، وحكى وجها آخر وصححه: أن الدم إنما يجب بفوات العود، ولا نقول: إنه وجب بالإحرام، وسقط بالعود.
والمذكور في "تعليق" البندنيجي: أنه إذا جاوز الميقات مريداً للنسك، وأحرم دونه، فقد أساء، وكان أمره مراعى: فإن عاد إلى الميقات قبل التلبس بشيء من أفعال نسكه تبينا أنه لم يجب عليه دم، وإن لم يعد تبينا أنه كان قد وجب عليه؛ وهذا وجه ثالث، والكل متفقون على أنه بعد العود لا شيء عليه، وهو [ظاهر المذهب] في "الشامل"، وغيره.
وحكى القاضي أبو الطيب قولاً ثانياً في المسألة: أنه لا يسقط عنه الدم بالعود إلى الميقات محرماً؛ كما لو رجع بعد ما تلبس بالنسك، ورواه الشيخ أبو حامد وجهاً، وتبعه ابن الصباغ وغيره.
قال القاضي أبو الطيب: والصحيح: أنه قول، والصحيح عدم الوجوب؛ لأنه حصل محرماً في ميقاته قبل التلبس بشيء من أفعال عبادته؛ فوجب ألا يلزمه [دم] لأجل عدم إحرامه منه؛ قياساً على ما إذا ابتدأ إحرامه من دويرة أهله؛ وعلى هذا قال في "البحر": وعلى هذا يكون عن أراد النسك مخيراً بين ثلاثة أشياء: بين أن يحرم قبل الميقات، وبين أن يحرم من الميقات، وبين أن يحرم دونه ثم يعود إليه، ولا يكون مسيئًا في واحد منها. وعلى قول من قال: لا يسقط الدم، [لا يخرج عن الإساءة]
стр. 3208
بذلك. فجعل كونه مسيئًا وغير مسيء مبنياً على الوجهين.
وفي "ابن يونس" - تفريعاً على قول السقوط -: أنه هل يكون مسيئًا أم لا؟ فيه وجهان. ولعله أخذهما من إطلاق صاحب "الفروع" القول بأنه إذا مر بالميقات مريداً للنسك، وجاوزه، ولم يحرم، ثم أحرم دونه، وعاد إليه - فظاهر المذهب: أنه لا يكون مسيئاً، وقيل: هو مسيء بأصل المجاوزة؛ وهذا الإطلاق يمكن حمله على ما قاله في "البحر"؛ فلا تمسك به.
[و] الوجهان – أو القولان - في سقوط الدم عند العود إلى الميقات جاريان – كما حكاه البندنيجي وغيره، في باب العمرة إذا جمعت، إلى غيرها - في المتمتع والقارن إذا أحرم الحج من جوف مكة، ثم عاد إلى الميقات محرماً قبل الوقوف، هل يسقط عنه دم التمتع والقران أم لا؟ وقد تقدم فرق بينهما عند بعضهم.
ثم ظاهر كلام الشيخ وغيره من العراقيين يقتضي أنه لا فرق في محقوط الدم بعد
стр. 3209
العود وقبل التلبس [النسك] وعدمه، بين أن يكون بعد مجاوزته مسافة القصر أو لا، وهو ما ذكره في "التهذيب"، ولا بين وصوله إلى مكة أو لا.
والفوراني جعل محل الخلاف في السقوط [إذا عاد بعد أن بلغ مسافة القصر من الميقات، وجزم القول به] إذا عاد قبل انتهائه إلى مسافة القصر.
والإمام حكى الخلاف فيما إذا عاد قبل انتهائه إلى مسافة القصر، وقال فيما إذا عاد بعد انتهائه إلى مسافة القصر؛ إن الخلاف مرتب على المسألة قبلها، وهنا أولى بعدم السقوط، وجزم القول بأنه لو عاد بعد ما دخل مكة لا ينفعه العود.
أما إذا عاد إلى الميقات بعد التلبس [بشيء] من أفعال النسك- ولو بطواف القدوم في الحج - لم يسقط عنه الدم، كما أفهمه كلام الشيخ؛ قياساً على ما لو دفع قبل الغروب يوم عرفة، ثم عاد بعد فوات الليل، لا يسقط الدم.
وفي "التهذيب" [حكاية وجه:]، أنه لا أثر للتلبس بطواف القدوم.
ولو مر بالميقات مريداً للنسك، وجاوزه غير محرم، ثم عاد إليه، وأحرم منه - فلا خلاف عند الماوردي والروياني وغيرهما من العراقيين؛ أنه لا يجب الدم.
وفي "الوسيط" تبعاً لـ"النهاية": أنه إن عاد قبل انتهائه إلى مسافة القصر، فالأمر كذلك، وإن عاد بعد مجاوزته مسافة القصر من الميقات، ففي السقوط وجهان، وإن عاد بعد وصوله إلى مكة، لم ينفعه العود، وعليه الدم قولاً واحداً.
قال الإمام: لأن المحذور أن يدخل مكة غير محرم مع انطواء عقده على قصد النسك وقد حصل ذلك، بخلاف المتمتع إذا عاد إلى ميقاته للإحرام بالحج؛ فإنه لا شيء عليه؛ لأنه ليس مسيئاً؛ إذ قد أحيا الميقات الذي انتهى إليه بإحرام العمرة؛ فباين بذلك رتبة المسيء، وإنما كنَّا نلزمه دم التمتع لربح أحد السفرين، فإذا عاد، فقد سقط المعنى.
وهل يلتحق عود المريد للنسك إلى الميقات غير محرم بعد دخوله الحرم دون مكة، [بعوده إليه بعد دخول مكة] حتى لا يسقط عنه الدم قولاً واحداً، أو لا يلتحق
стр. 3210
به حتى يأتي فيه الخلاف؟ فيه خلاف حكاه الإمام من بعد.
ولو مر بالميقات مريداً للنسك، ولم يحرم حتى دخل مكة، ولم يرجع - قال في "الحاوي": لا يلزمه الدم لأجل مجاوزته الميقات؛ لأن الدم إنما يجبر [به] نقص النسك، ولا يجب بدلاً من ترك النسك. وهذا منه يفهم أن ما قاله مخصوص بما إذا لم يحرم، أما إذا أحرم بعد دخوله مكة فلا.
وقد أفصح عنه القاضي الحسين، وتبعه في "التهذيب"؛ فقال: إن أحرم بالحج في سنته، وجب عليه الدم؛ لأنه [بان أن] الحج في هذه السنة كان إحرامه واجباً من الميقات، وإن حج في السنة الثانية، لم يلزمه الدم؛ لأن إحرام هذه السنة لا يصلح لحج سنة قابلة، ولو اعتمر يلزمه الدم، سواء اعتمر في هذه السنة أو في السنة القابلة؛ لأن العمرة لا يتأقت وقت إحرامها.
فروع:
[أحدها]: الولي إذا نوى أن [يعقد الإحرام] للصبي، فاجتاز به الميقات، ولم يعقده له، ثم عقده بعد ذلك - هل يلزمه فدية في ذلك؟ [فيه] وجهان في "تعليق" القاضي أيي الطيب عند الكلام في كيفية إحرام الولي [عنه]:
أحدهما: تلزمه، وتكون [في مال] الولي؛ كما لو أحرم بالصبي، ثم فوته الحج، كانت الفدية في مال الولي.
والثاني: لا تجب على الولي، ولا في مال الصبي: أما الصبي؛ فلأنه لم يقصد الحج، وأما الولي؛ فلأنه غير محرم، ولم يرد الإحرام.
[الثاني]: الأجير على الحج إذا فعله، ثم اعتمر لنفسه، لزمه الدم، قال القاضي أبو الطيب: لأن حجه لما أوقعه عن الغير، صار كأن الغير فعله، وصار هو بمثابة من دخل مكة مريداً للنسك وهو غير محرم، وأحرم بالعمرة.
قال البندنيجي: وهكذا الحكم وإن كان [لم] يعن له أن يعتمر إلا بعد
стр. 3211
فراغه من الحج عن الغير.
ولو كان أجيراً عن الغير في العمرة، فاعتمر عنه، وأحرم من الميقات، ثم أحرم بالحج عن نفسه من مكة – لزمه الدم؛ للعلة التي ذكرناها.
وقد حكى البغوي ذلك، ثم قال: وقال الشيخ - يعني القاضي الحسين-: [القياس] ألا يجب عليه دم الإساءة؛ لأنه لم يجاوز الميقات غير محرم.
[الثالث]: المكي ومن هو بمكة من متمتع وغيره إذا خرج إلى الحرم، فأحرم بالحج، ولم يعد إلى مكة - فهل يجب عليه الدم؟ فيه وجهان في "المهذب"، وقولان في "الإبانة" و"النهاية"، والصحيح: الوجوب؛ لأن مكة ميقاته؛ قال- ﵇: "حتى أهل مكة يهلون منها".
ولو أحرم به من الحل، ولم يعد إلى الحرم، ولا إلى مكة - لزمه الدم جزماً، ولو عاد إلى مكة فحكمه كما إذا عاد من تعدى الميقات غير محرم إليه محرماً.
ولو عاد إلى الحرم دون مكة، فهل يكون كعدم عوده أو كعوده إلى مكة؟ فيه وجهان حكاهما الفورانى وغيره، ومأخذهما القولان السابقان، والله أعلم وأعز وأحكم.
* * *
стр. 3212
باب الإحرام وما يحرم فيه
الإحرام - كما قال النواوي-: نية الدخول في حج أو عمرة، سمي: إحراماً؛ لأنه يمنعه من المحظورات.
قلت: وهذا التفسير يخرج الإحرام المطلق عن أن يكون إحراماً، وابن الصباغ حصره في المطلق؛ فإنه قال: لو نوى الإحرام، ولم ينو حجًّا ولا عمرة، [انعقد إحراماً مطلقاً، وله صرفه إلى أيهما شاء، وإن لم ينو حجًّا ولا عمرة] ولا [إحراماً]، فليس بشيء.
وكأن الذي أحوج النواوي إلى حصره في نية الحج والعمرة قوله في "المختصر": "وإن لم يرد حجًّا ولا عمرة، فليس بشيء"، [وهذا النص [اختلف فيه الأصحاب:]
فمنهم من خطأ المزني في قوله: "فليس بشيء"]؛ لأن الإحرام المطلق ينعقد.
ومنهم من صوبه، وحمل ذلك على [ما] إذا لم ينو حجًّا ولا عمرة ولا إحراماً مطلقاً.
قال القاضي أبو الطيب: وهذا أشبه بالصواب.
ومنهم من حمله على حالة أخرى سنذكرها.
والأوجه في تفسير الإحرام أن يقال: هو نية حج، أو عمرة، أو هما، أو ما يصلح لهما أو لأحدهما، وهو المطلق، وعليه ينطبق قول البندنيجى فى حده: إنه النية والاعتقاد.
فإن قلت: يشكل على هذا قول الشيخ من بعد: "وينوي الإحرام [بقلبه] "، وقوله في "المهذب": "ولا يصح الإحرام إلا بالنية"؛ فإنه يقتضي أن يكون غيرها.
قلت: سأذكر ثم- إن شاء الله تعالى - ما يدفع ذلك.
стр. 3213
وقول الشيخ: "وما يحرم فيه"، هو بفتح [الياء]، ومجموعه عشرة أشياء اللباس؛ وستر الرأس [أو الوجه]، والتطيب، والادهان - كما سنبينه - وتقليم الأظفار، وحلق الشعر، والنكاح والوطء في الفرج ودونه، والمباشرة فيما دون الفرج بشهوة، والاستمناء والصيد.
قال: إذا أراد أن يحرم، اغتسل؛ لما روى الترمذي بسنده عن زيد بن ثابت: "أنه رأى النبي ﷺ تجرد لإهلاله، واغتسل"، وسنذكر من رواية مسلم ما يؤيده.
وهذا الغسل مستحب؛ [لأنه] لأمر مستقبل؛ فكان كغسل الجمعة والعيد، ولا يلزم عليه غسل الجنابة؛ لأنه لأمر ماض، وقد حث الشافعي ﵁ على فعله بقوله: تبعت جماعة من أهل العلم، فلم أرهم تركوا الغسل للإحرام؛ فما تركته عند الإحرام، وقد كان تلحقني المشقة لأجله.
والصبي والمرأة الطاهرة والحائض والنفساء في استحباب الغسل كالرجل؛ نص
стр. 3214
عليه في "الأم"، واستدل له الأصحاب برواية مسلم عن جابر: أن أسماء بنت عميس ولدت محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ فقالت: كيف أصنع؟ قال: "اغتسلي، واستثفري بثوب وأحرمي".
وحكى القاضي الحسين: أن الشافعي ﵁ نص في موضع آخر [على] أن الحائض والنفساء تؤخران الإحرام إلى أن تطهرا، وأن الأصحاب اختلفوا:
فمنهم من جعل في المسألة قولين:
أحدهما: تغتسلان في الحال وتحرمان مع القوم. والثاني: تؤخران إلى أن تطهرا؛ إذ الاغتال على الحيض والنفاس لا والثاني: تؤخران إلى أن تطهرا؛ إذ الاغتسال على الحيض والنفاس لا معنى له؛ فحل وجوده محل عدمه، وقد حكى هذا القول إبراهيم المروزي أيضاً.
قال القاضي: والقولان قريبان من القولين في العادم للماء في أول الوقت إذا كان يرجوه في آخره هل يتيمم؟
ومنهم من قال: المسألة على حالين:
فحيث قال: "تغتسلان"، أراد: إذا كان يخاف عليهما في التأخير و [المقام بالميقات].
وحيث قال: "تؤخران"، أراد: إذا كان لا يخاف عليهما.
قلت: ويمكن حملهما على ما نص عليه في "الأم"؛ فإنه قال: وإذا كانت الحائض والنفساء من أهل المواقيت، وكان الوقت واسعاً، أحببت لكل واحدة منهما أن تقيم، حتى إذا طهرت، اغتسلت، وأحرمت؛ لتكون على أكمل حالها، وإن ضاق الوقت، اغتسلت حائضاً، وأحرمت".
قال الإمام: وفي [صحته من الحائض] والنفساء دليل على أنه لا يحتاج إلى نية؛
стр. 3215
لأن المقصود منه التنظف.
ويحتمل ألا ينصرف إلى جهة العبادة إلا بالنية؛ كغسل الجمعة، وقوي هذا الاحتمال.
قال مجلي: ويحتمل الفرق؛ لأن غسل الإحرام من سننه، والإحرام ركن من أركان الحج، ونية الحج مشتملة على جمح أفعاله فرضها ونفلها؛ فلا يحتاج إلى تجديد تية، بخلاف غسل الجمعة؛ فإنه سنة مستقلة بنفسها، ليست جزءاً من الصلاة.
قلت: وفي هذا نظر؛ لأن نظير المسألة ما إذا تمضمض واستنشق من غير نية، ثم نوى عند غسل الوجه، وقد قال الأصحاب: لا يحصل له إذا فعل ذلك فضيلتهما؛ لخلوهما عن النية.
فإن قلت: هلا قيل بانعطاف النية عليه؛ كما قيل بانعطافها على أول النهار في صوم التطوع إذا وقعت في أثنائه؟
قلت: من عطفها في الصوم على الماضي من اليوم، لاحظ أن صوم بعض يوم لا يمكن؛ فلا بد من أن يقدره صائماً من أول النهار؛ فاضطر إلى تقدير انعطاف النية على أوله؛ لأن الصوم بغير نية لا يصح، ولا كذلك هنا، وفي مسألة المضمضة فإن الإحرام والوضوء ممكن بدونهما؛ فلا ضرورة في التقدير، مع أنه على خلاف الأصل.
قال: فإن لم يجد الماء تيمم؛ لأن الغسل يراد للقربة والنظافة، فإذا تعذر أحد الأمرين الذي هو النظافة، فعل ما يحصل به الأمر الآخر، وهو القربة.
قال في "التهذيب": كما في غسل الجمعة والعيد، وهذا نصه في "الأم".
والحكم كذلك في جمح الاغتسالات المسنونة في الحج.
قال الرافعي: لكنا قد ذكرنا في غسل الجمعة: أن الإمام أبدى احتمالاً في أنه لا يتيمم، وجعله الغزالي وجهاً، واختاره، وهو عائد هنا بلا شك.
قلت: قد يفرق بينهما بأن الغسل هنا مخالف لغيره؛ بدليل صحته من
стр. 3216
الحائض والنفساء؛ فكذلك بدله.
ولو وجد الماء، لكن عجز عن الاغتسال به، قال في الحاوي: اخترنا له أن يتوضأ، فإن تعذر الوضوء اخترنا له التيمم.
ولو وجد من الماء ما يكفيه للوضوء، توضأ يه؛ قاله المحاملي، والبغوي، والروياني.
وقال في "الروضة": إن أريد أنه يتوضأ، ثم يتيمم، فحسن؛ وإن أريد الاقتصار على الوضوء، فليس بجيد؛ لأن المطلوب هو الغسل، والتيمم يقوم مقامه دون الوضوء والصبي والمرأة فيما ذكرناه كالرجل.
فإن قلت: ما المحوج إلى حمل قول الشيخ: "إذا أراد أن يحرم اغتسل، فإن لم يجد الماء تيمم"، على الرجل حتى ألحقت به الصبي والمرأة، [ولم لا] حملته على الشخص حتى يشمل الدم والأنثى؟
قلت: أمران:
أحدهما: جعل الشيخ متبعاً للشافعي ﵁ فإنه قال في "المختصر": إذا أراد الرجل الإحرام، اغتسل من ميقاته".
والثاني: قوله: "وتجرد عن المحيط في إزار ورداء"؛ فإن ذلك لا يشرع في حق المرأة.
لكن لك أن تقول قوله: "ويرفع صوته بالتلبية، والمرأة تخفض صوتها"، وقوله: "ويجوز للمرأة لبس القميص والسراويل ... " إلى آخره - يدل على أن ما ذكره في الباب كله مشترك بين الرجل والمرأة [سوى هذا، وإلا لم يكن لتخصيص هذا بالذكر معنى، وسكوته عن التفرقة بين الرجل والمرأة] في التجرد عن المحيط، كان لوضوحه، ويؤيد ذلك أن البندنيجي وغيره من الأصحاب قالوا: المرأة كالرجل إلا في ثلاث صور: رفع الصوت بالتلبية، وحكم اللباس؛ كما سنذكره، وستر اليدين؛ على أحد القولين، والله أعلم.
стр. 3217
قال: وتجرد عن المنعيط؛ لرواية زيد بن ثابت السابقة.
والمنعيط: بفتح الميم، وكسر الخاء.
قال: في إزار ورداء؛ لما روى ابن عمر ﵄ أنه ﵇ قال: "ليحرم أحدكم في رداء وإزار ونعلين".
قال: أبيضين؛ لقوله ﵇: "البسوا من ثيابكم البياض؛ فإنه أطهر وأطيب، وكفنوا فيه موتاكم"، أخرجه الترمذي.
فلو أحرم في مصبوغ، قال في "التهذيب": كره؛ لأن عمر رأى [على] طلحة ثويين مصبوغين وهو حرام، فقال: "أيها الرهط، [إنكم] أئمة يقتدى بكم؛ فلا يلبس أحدكم من هذه الثياب المصبوغة في الإحرام شيئاً".
وفي "الحاوي" و"البحر": أن ما صبغ قبل نسجه يجوز لبسه؛ لأنه بالرجال أشبه، وما صبغ بعد النسج إذا لبسه الرجل، كان عادلاً عن الاختيار، وأجزأ.
قال: جديدين؛ لأن الجديد أبعد من الدنس، وأنقى من المغسول.
قال: أو نظيفين، أي: من الوسخ والنجاسة؛ لأن ذلك يحصل المقصود.
قال في "الحاوي": فلو لبس ثوباً نجساً، كان [بذلك] مسيئاً، وكان إحرامه منعقداً، وكذا لو أحرم وهو جنب؛ لأن الإحرام لا يفتقر إلى طهارة من حدث ونجس.
قال: ويتنظف، أي: بإزالة الأوساخ، وتقليم الأظفار، والأخذ من شعره، وبالسواك؛ كما يفعل عند الرواح إلى الجمعة؛ لما روي عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بأشْنَانٍ
стр. 3218
وخطمي".
وروى جابر "أن رسول الله ﷺ أمرهم أن يتأهبوا للإحرام بحلق شعر العانة، ونتف الإبط، وقص الشارب والأظفار وغسل الرأس".
وقد استحب الأصحاب له - أيضاً - أن يلبد شعره قبل الإحرام، وهو أن يعقص شعره ويضرب عليه الخطمي أو الصمغ أو غيرهما؛ لدفع القمل وغيره؛ فإنه قد صح في استحباب ذلك أحاديث.
قال: ويتطيب؛ لقول عائشة ﵂: "طيبت رسول الله ﷺ بيدي لحرمه حين أحرم، ولحله حين حل قبل أن يطوف بالبيت"، أخرجه مسلم
стр. 3219
[والبخاري].
والمرأة في هذا كالرجل إن لم يكن مراد الشيخ: الشخص - كما تقدم – لقول عائشة ﵂: "كنا نخرج مع رسول الله ﷺ إلى مكة فنضمخ جباهنا بالمسك [و] الطيب عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها، فيراه رسول الله ﷺ ولا ينهانا"، رواه أبو داود.
وعن الداركي رواية قول: أنه لا يستحب لها التطيب بحال، فإن فعلت كان جائزاً، كما أنها إذا حضرت الجمعة [لا يستحب لها الطيب. وليس بشيء؛ فإن الحديث حجة عليه.
وعلى الأول قال الأصحاب: لا فرق فيه يين العجوز والشابة، والمزوجة والخلية، بخلاف الجمعة]؛ فإن حكمها ووضعها أضيق.
وقد استحب الشافعي لها - أيضاً - أن تخضب للإحرام وجهها ويديها، سواء كان لها زوج أو لم يكن؛ لما روي عن ابن عمر أنه قال: "من السنة أن تدلك المرأة يديها بالحناء".
والمعنى فيه: أنه يصير ساتراً لبشرتها؛ إذ قد تمس حاجتها إلى كفها، [وكذا استحب لها خضاب وجهها به]، ويكره لها التطرف، ولا يكره إلى الكوع.
стр. 3220
فإن قيل: ما ذكرتموه من الحديث، الدال على مشروعية التطيب يعارضه ما روي "أن أعرابياً أتى رسول الله ﷺ وعليه جبة متضمخة بالحلوق، فقادت [يا] رسول الله: أحرمت بالحج، وعليَّ هذه، فما أصنع؟ فلم يرد عليه شيئاً، حتى نزل عليه الوحي، فلما سُرِّيَ عنه قال: وأين السائل آنفاً؟ "فقال الأعرابي: هأنا يا رسول الله، فقال: "انزع الجبة واغتسل"، كما أخرجه مسلم بمعناه، وهذا يدل على منع التطيب.
فجوابه من وجهين قالهما أبو الطيب وغيره:
أحدهما: أن الجية أصابها الخلوق وفيه زعفران، والزعفران محرم على الرجال في حال الحل والإحرام؛ قال الماوردي: لنهيه ﵇ الرجال عن التزعفر؛ فلذلك أمره بغسله.
стр. 3221
والثاني: أن هذا الخبر منسوخ؛ لأنه كان بالجعرانة سنة ثمان، وخبرنا في حجة الوداع سنة عشر.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في التطيب بين ما يبقى جِرْمُهُ بعد الإحرام؛ كالمسك والغالية، وما لا يبقى إلا ريحه: كالبخور بالعود ونحوه، وهو المذهب، وبه جزم الإمام؛ لخبر عائشة السابق، ورواية مسلم عنها [أنها] قالت: "كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله ﷺ وهو محرم" ووبيص المسك: بريقه.
لكن التطيب بما تبقى عينه، هل يكون مستحباً أو مباحًا؟ حكى الماوردي فيه وجهين، وقال: إن الثاني أشبه بمذهب الشافعي، ﵁.
والذي أورده ابن الصباغ وغيره الأول.
ومقابل المذهب وجه: أنه لا يجوز التطيب بما يبقى أثره بعد الإحرام؛ لأنه في معنى التطيب بعد الإحرام، وهو جار في المرأة، ومنهم من خصه بها دون الرجل؛ حكاه أبو الطيب وغيره، وقال: إنه باطل؛ لأنه خلاف السنة؛ وعلى هذا لو فعل، لزمه غسله، وعلى المذهب: لا يجب غسله.
قال في "التهذيب"- تبعاً لشيخه ويخالف المرأة إذا تطيبت، ثم لزمتها العدة، يجب عليها إزالته على وجه؛ لأن تنبه حق آدمي.
ولو عرق فسال الطيب إلى موضع آخر، فلا فدية عليه؛ لأنه في حكم المغلوب عليه.
стр. 3222
وفيه وجه؛ أنها تجب؛ [لأنه حصل بسبب فعله.
قال ابن الصباغ وغيره؛ وليس بشيء.
ولا خلاف عند الجمهور] فى أنه لو مسه بيده عمدًا وهو مما يعلق بها، أو نقله من موضعه إلى موضع آخر، أو أعاده إلى موضعه - في لزوم الفدية.
وحكى الحناطي قولين فيما إذا نقله، ثم رده إلى موضعه، أو موضع آخر.
أما التطيب في ثوبه، فقد قال في القديم: "وأحب أن يجمر ثيابه ورحله"، فمنهم من أجراه على ظاهره، وقال: له أن يطيب ثياب بدنه للإحرام كما يطيب بدنه، ويكون مستحباً؛ كما حكاه القاضي الحسين، وهو الذي صححه الإمام.
ومنهم من قال: إنما أراد ثياب غير البدن، فأما ثياب البدن فلا يطيبها للإحرام؛ لأن العادة فيها النزع، والإعادة؛ فيؤدي إلى ابتداء التطيب عند الإعادة؛ وعلى هذا لو فعل، فهل يكون فعله مكروهًا أو محرماً؟ فيه وجهان:
المذكور منهما في طريق العراقيين: الأول.
والثاني حكاه الإمام والفرق عليه بين البدن والثوب: أن الطيب [في الثوب يبقى، وفي البدن ينمحق].
وحكى وجهاً آخر: أن الطيب إن لم يكن عيناً، فلا بأس به؛ وإن كان عيناً، لم يجز،
стр. 3223
وكان بمثابة ما لو ربط مسكاً على طرف إزاره وكان يستنشقه؛ فإنه ممنوع [منه] وفاقاً.
[ثم]، إذا قلنا بجواز لبس الثوب مطيباً، فلبسه، [ثم أحرم، ثم نزعه]، ورام لبسه محرماً - فهل يجوز؟ فيه وجهان في "تعليق" القاضي الحسين.
وغيره من المراوزة [قال: إنه إذا] لبسه ثانياً وهو محرم، هل تجب عليه الفدية؟ فيه وجهان، قربهما الإمام عن الوجهين في إيجاب الفدية بسيلان الطيب، وقضية هذا "التقريب": أن يكون الصحيح المنع، لكن الصحيح في "التهذيب"- وهو المذكور في "الشامل" و"تعليق" أبي الطيب - الوجوب، ونسبه في "البحر" إلى قول أبي الحسن الماسرجسى.
قال: ويصلى ركعتين؛ لرواية جابر وابن عباس: "أن النبي ﷺ أتى ذا الحليفة، فصلى ركعتين بعد العصر ببطحائها، ثم ركب"؛ كذا أورده الماوردي، والذي رواه أبو داود عن ابن عباس: "أنه ﵇ صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتين"، ولم يعين الوقت.
стр. 3224
وروى عن أنس قال: "صلى رسول الله ﷺ الظهر بالمدينة أربعاً، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بذي الحليفة حتى أصبح، فلما ركب راحلته، واستوت به، أهل"، وأخرجه البخاري ومسلم؛ وهذا يدل على أن إحرامه كان قبل الزوال.
ثم استحباب صلاة الركعتين مفروض عند الماوردي وغيره بما إذا لم يكن الإحرام في وقت صلاة مفروضة أو سنة أو راتبة؛ كما قال القاضي الحسين، فإن [كان] في وقت صلاة مفروضة أو سنة راتبة، صلى ذلك؛ ثم أحرم عقيبه، وحاز فضيلة الإحرام بعد الصلاة.
ثم استحبابهما - أيضاً - مفروض عن القاضي الحسين فيما إذا لم يكن الإحرام في الأوقات المكروهة؛ فإن كان لم يفعل، بل يحرم من غير صلاة؛ لأن سببهما الإحرام، وهو [يتأخر عنهما] وقد لا يأتي به؛ فتجرد الصلاة في الوقت المنهي عن الصلاة فيه عن السبب.
قال: ولهذه العلة لا يجوز صلاة الاستخارة، وصلاة الاستسقاء في هذه الأوقات.
والمذكور في "تعليق"، اليندنيجي جواز فعلهما في الأوقات المكروهة؛ لأن لهما سبباً؛ وبذلك يحصل في المسألة وجهان، وقد حكاهما الرافعي، وصحح الأول؛ لما ذكرناه.
стр. 3225
لكن ما ذكره الماوردي من أنه ﵇ صلى الركعتين بعد العصر لو صح، دفعه، والله أعلم.
قال: فإذا بدأ بالسير، أي: بأن مشى إن كان راجلاً، أو انبعثت به دابته إن كان راكباً - أحرم في أصح القولين؛ لما روى الشافعي سنده عن جابر أن رسول الله ﷺ قال لأهل مكة: "إذا توجهتم رائحين إلى عرفة، فأهلوا بالحج".
وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر أنه قال في حديث طويل: "وأما الإهلال فإني لم أر رسول الله ﷺ يهل حتى تنبعث [به] راحلته"، ولرواية أنس السابقة.
ولأنه إذا كبر مع السير وافق قوله فعله؛ وهذا ما نص عليه في عامة كتبه الجديدة.
وفي الثاني: يحرم عقيب الصلاة - أي: قاعداً - لما روى أبو داود عن سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: يا أبا عباس، عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في إهلال رسول الله ﷺ حين أوجب! فقال: "إني لأعلم الناس بذلك، إنها إنما كانت من رسول الله حجة واحدة، فمن هناك اختلفوا: خرج رسول الله ﷺ حاجاًّ، فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه، أوجب في مجلسه، فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام؛ فحفظته عنه، ثم ركب،
следующие страницы →