← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

تنبيه: التشريف: الرفع: والإعلاء. [و] التكريم: التفضيل. [و] التعظيم: التبجيل. [و] المهابة: التوقير والإجلال. [و] البر: الاتساع في الإحسان والزيادة منه، وقيل: الطاعة، وقيل: اسم جامع لكل خير. وقوله: "اللهم أنت السلام [ومنك السلام] ... " إلى آخره. وقال الأزهري: "السلام" الأول: اسم الله تعالى، و"السلام" الثاني، معناه: من أكرمته بالسلام، فقد سلم، "فحينا ربنا بالسلام"، أي: سلمنا بتحيتك إيانا من جميع الآفات. قال: ويبدأ يطواف القدوم؛ لما روى مسلم عن ابن عمر قال: "طاف رسول الله ﷺ حين قدم مكة، واستلم الركن لأول شيء، ثم خب ثلاثة أطواف من السبع، ومشى أربعة [أطواف،] ثم ركع حين مضى طوافه، وكان يسعى ببطن الوادي؛ إذا طاف بين الصفا والمروة. وروى البخاري ومسلم عن جابر أن النبي ﷺ "لما فتح "مكة" أتى الحجر، فاستلمه، ثم مشى على يمينه، ورمل ثلاثاً، ومشى أربعاً". وهذا الطواف سنة للحاج رجلاً كان أو امرأة؛ إن كان فعله قبل الوقوف؛ لأن تحية

стр. 3432

البيت كتحية المسجد، إلاَّ أن المرأة ذات الجمال والمنظر. قال الشافعي ﵁ – "الواجب لها أن تؤخره إلى الليل؛ ليستر الليل منها"؛ قاله في "الأم". ولفظه في القديم: "إذا قدمت المرأة مكة، وهي محرمة، فينبغي [لها] أن يكون أول ما تبدأ [به طواف] القدوم إلا أن تكون شريفة؛ فإنها تطوف ليلاً؛ لأن ذلك أستر لها". فإن قيل: [لم] قدَّم الطواف على تحية المسجد، قيل: لأن القصد من إتيان المسجد البيت، وتحيته الطواف، ولأنها تحصل بركعتي الطواف. [وإن كان] فعله بعد الوقوف بعرفة، وقع فرضاً؛ لأنه قد دخل وقت طواف الإفاضة، ولا يقع من الشخص طواف نفل في وقت يصح [منه] فيه طواف الفرض، وهو عليه. ولهذا المعنى لو كان القادم محرماً بعمرة، لم يكن طواف القدوم سنة في حقه؛ لأنه يقع عن فرضه، نعم: تعجيله سنة. ثم ما ذكره الشيخ من البداءة بطواف القدوم، فإنما هو إذا لم يكن [له] عذر، ولم يخف فوت مكتوبة، أو سنة راتبة، ولم يكن عليه قضاء [صلاة] فريضة؛ كما قال الماوردي. فلو كان له عذر، بدأ بزواله، ولو خاف فوت ما ذكرناه فقد قال الشافعى- رضى الله عنه -: "أنه يبدأ به قبل [طواف القدوم ثم يأتي بالطواف؛ لأنه يفوت، و] الطواف لا يفوت". ولو كان عليه قضاء مكتوية نسيها، ثم ذكرها، بدأ بها؛ قاله الماوردي وغيره. وقال: إنه إذا حضر المسجد، ولم تقم الصلاة بعد، ولكن قرب وقت إقامتها.

стр. 3433

بحيث لم يبق من الزمن ما يسع الطواف: أنه يشتغل بتحية المسجد. وقال القاضي أبو الطيب: إنا نأمره بأن يطوف إلى حين تقام الصلاة، ثم يقطع طوافه، ويصلي مع الناس، فإذا فعل ذلك عاد، وأتم طوافه؛ لأنه لا يبطل بالتفريق؛ وهذا هو الصحيح، وإلاَّ فسيأتي خلاف في اشتراط الموالاة في الطواف. وهكذا الحكم فيما لو كان في طواف الإفاضة، فأقيمت الصلاة، فإنه يستحب له أن يصلي مع الناس، ثم يعود إلى طوافه، ويبني عليه، نص عليه في "الأم". نعم: قال قيما إذا خشي فوات الوتر، أو ركعتي الفجر، أو حضرت جنازة "فلا أحب له أن يترك طوافه لشيء من ذلك". ووجهه: أن ذلك سنة أو فرض كفاية، [وما هو فيه من فروض الأعيان؛ فلا يترك لأجل سنة أو فرض كفاية]. وبهذا يظهر الفرق [بينه و] بين ما إذا خشي فوات ذلك، وكان في طواف القدوم [؛ لأن طواف القدوم] سنة على المذهب لا واجب. وإنما لم يسقط طواف القدوم بأداء فريضة مؤداة، أو مقضية، أو سنة راتبة، وإن سقط بذلك تحية المسجد؛ لأن صورته لا توجد فى صورة الصلاة؛ بخلاف ركعتي التحية. نعم: لو طاف طواف الفرض بأن كان معتمراً، فطاف عنها، أو طاف طوافاً منذوراً- تأدى بذلك سنة القدوم، قاله القاضي الحسين. قلت: وكذا إذا طاف طواف الزيارة؛ بأن يكون لم يأت مكة إلا بعد الوقوف كأهل العراق، والله أعلم. تنبيه: الطواف من طاف به، أي: ألمَّ، يقال: طاف حول الكعبة، يطوف طَوْفًا وطوفاناً، ويطَّوف، واستطاف؛ كله بمعنىً، وطاف طوفة، وطوفتين، وسبع طوفات. وقد كره الشافعي ﵁ أن يقال: "طاف أشواطاً" و"أدواراً"؛ لأن

стр. 3434

مجاهداً كرهه؛ نص عليه في "الأم"٠ وقال القاضى الحسين: إنما كرهه؛ لأن الشوط فى حقيقة اللغة: الهلاك؛ فكرهه لاسمه؛ كما كره اسم العقيقة؛ لما فيه من لفظ العقوق. قال النواوي في "المناسك": [لكن] في صحيحي البخاري ومسلم عن ابن عباس تسمية الطواف شوط؛ فالظاهر: أنه لا كراهة فيه. وفي الشرع ثلاثة أطواف؛ أحدها: طواف القدوم، ويقال [له] طواف القادم والورود [و] الوارد، والتحية. الثاني: طواف الإفاضة، ويقال له: طواف الزيارة، وطواف الفرض، [وطواف الركن،] وطواف [الصَّدَر] بفتح الصاد والدال. الثالث: طواف الوداع، ويقال [له]: الصدر. قال: ويضطبع أي: الرجل- لما روى أبو داود وابن ماجه عن عمر بن الخطاب: أنه قال: "فِيمَ الرَّمَلان" والكشف عن المناكب وقد أضاء الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله ومع ذلك لا ندع شيئاً كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ . وأراد عمر: أن السبب الذي [كان] لأجله شرع الاضطباع والرمل: أن النبي ﷺ لما قدم مكة في عمرة القضاء، وقد وهنتهم الحمى، قال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم الحمى، ولقوا بها شرًّا، فأطلع الله تعالى نبيه ﷺ على ما قالوه، فأمرهم أن يضطبعوا، وأن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا بين الركنين، فلما رأوهم قالوا: هؤلاء الذين ذكرتم أن الحمى وهنتهم، هؤلاء أجلد منا وما نراهم إلا

стр. 3435

مثل الغزلان. وإذا كان [هذا] الببب فهو قد زال. و [قد] روي عن يعلى - وهو ابن أمة - قال: "طاف النبي ﷺ مضطبعاً ببرد". قال الترمذي: وهو حسن صحيح. ولا يقال: إن هذا كان في ابتداء الأمر قبل الفتح؛ فلا حجة فيه؛ لما سنذكره من أنه اضطبع في عمرة الجعرانة، وهي بعد الفتح، وعام حجة الوداع؛ فدل على بقائه سنة. [قال]: فيضع وسط ردائه- أي: بفتح السين تحت عاتقه الأيمن، ويطرح طرفيه على عاتقه الأيسر، لأنه ﵇ وأصحابه فعلوه كذلك. وروى أبو داود عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى. والاضطباع: مشتق من الضبع- بإسكان الباء -: وهو العضد. وقيل: النصف الأعلى من العضد. وقيل: منتصف العضد. وقيل: الإبط. وهو افتعال من الضبع، أبدلت التاء: طاء؛ لأن أصله الاضتباع.

стр. 3436

قال الأزهري: ويقال الاضطباع: التأبط، والتوشح. ثم ما ذكره الشيخ، ونقلناه من الخبر يفهم أن منكب المضجع الأيمن يكون مكشوفاً دون الأيسر، وهو المستحب. ويدوم استحباب ذلك إلى أن يتم طوافه؛ لخبر يعلى، فإذا أراد أن يصلي ركعتيه، تركه؛ لقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. ولأن [الاضطباع مكروه في الصلاة. وإذا فرغ من الركعتين، أعاد الاضطباع للسعي؛ لرواية] يعلى بن أمية: "أن رسول الله ﷺ طاف مضطبعاً يين الصفا والمروة". ولأنه أحد الطوافين؛ فكان مشروعاً فيه؛ كالطواف بالبيت؛ هكذا أورده العراقيون، وحكوه عن النص صريحاً، وهو الصحيح. وكلام الشيخ يفهم: أنه يدوم مضطبعاً من حين يشرع في الطواف إلى أن يفرغ من السعي، وهو وجه حكاه الغزالي وغيره. وقال القاضي الحسين: إنه يمكن أخذه من قول الشافعي ﵁ – على قراءة من قرأه ["ويضطبع للطواف حنى يكمل سعيه"، والأول موافق لقراءة من قرأه] "حتى يستكمل سبعة" بضم السين وفتحها. وفي "تعليق القاضي أبي الطيب": أن لفظه في "المختصر": "حتى يتم سبعة"، وفي غيره: "حتى يتم سعيه"، وأن أبا إسحاق المروزي، قال: المسألة على اختلاف حالين: فالموضع الذي قال الشافعي: "حتى يتم سبعة"، أراد به: الطواف الذي لا يتعقبه سعي. والموضع الذي قال: حتى يكمل سعيه أراد به إذا جمع الطائف بين الطواف. وقال الداركي: هذا التأويل [وهم]؛ لأن عند الشافعي ﵁ لا

стр. 3437

يستحب الاضطباع [في طواف لا سعي بعده. وقد قال غيره: إن كل طواف بدأ يعقبه السعي إذا صدر من رجل، شرع فيه الاضطباع]، سواء كان متعاطيه غريباً أو مكيًّا، وسواء كان الطواف فرضاً: كالطواف في العمرة، أو في الحج، إذا لم يتقدمه طواف القدوم، أو سُنَّةً: كطواف القدوم كما أفهمه كلام الشيخ. لكن لماذا؟ هل لكونه مبتدأ به، أو لتعقب السعي؟ فيه قولان: الجديد الأول، والقديم الثاني: وهو الذي ذكره الماوردي، [وابن الصباغ]. وفي "المهذب": [وقضية] ذلك: أنه لو تركه في طواف القدوم، وقد تعقب السعي، لم يسن له الاضطباع فيما بعده؛ لفقد الأمرين، وهو الذي ذكره القاضي الحسين، [تبعاً للشيخ أبي حامد]. [لكن] في "المهذب" و"الشامل" حكاية وجهين في إعادته في طواف الزيارة عن رواية القاضي أبي الطيب. والمذهب، والمختار في "المرشد": أنه لا يستحب. ولو أراد أن يطوف للقدوم، ولا يسعى عقيبه، فهل يسن له الاضطباع؟ فيه قولان، حكاهما القاضي الحسين، ووجهان في "تعليق القاضي أبي الطيب"، وهما يجريان -كما قال القاضي الحسين- فيما لو طاف للقدوم، ولم يسع بعده، فهل يشرع في طواف الزيارة أم لا؟ بناء على القولين في المأخذ. والذي حكام الماوردي وغيره الجزم بمشروعيته؛ لأنه طواف يعقبه السعي. [ووجهه بعضهم - وهو ابن الصباغ بأنه يحتاج إلى الاضطباع في السعي] والسعي [تابع] للطواف، ويضطبع فيه دون الطواف. [و] في "المهذب": أنه يكره فيه دون الطواف.

стр. 3438

وحكم الصبي فيما ذكرناه حكم البالغ. وحكى القاضي أبو الطيب عن ابن أبي هريرة من أصحابنا: أنه لا يشرع له الاضطباع؛ لأنه لإظهار الجلد، وليس الصبي عن أهل الجلد، وليس بشيء؛ لأن ذلك المعنى زال وبقي سنة. قال: ويبتدئ من الحجر الأسود، فيستلمه بيديه؛ لما ذكرناه عن خبر ابن عمر وجابر. [وعن جابر]- أيضاً – قال: قال رسول الله ﷺ : "الحجر يمين الله في الأرض يصافح به عباده،] وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "الحجر يمين الله في أرضه فمن مسحه فقد بايع الله". تنبيه: الحجر الأسود معروف، وقد ثبت عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "نزل الحجر الأسود من "الجنة"، وهو أشد بياضاً من اللبن، فسودته خطايا بني آدم" أخرجه الدارقطني، وقال هو والترمذي: إنه حديث حسن صحيح. والاستلام: افتعال في التقدير، مأخوذ من السلام –بالكسر- وهي الحجارة السود، واحدها: سَلِمة.

стр. 3439

تقول: استلمت الحجر، إذا لمسته، والحجارة البيض: تسمى: البصرة، وبه سمي البلد؛ لما في أرضها من عروق الحجارة البيض؛ وهذا قول القتبي. وقد قيل: إنه مأخوذ من السَّلام -[وهو] بفتح السين- أي: أنه يحيي نفسه عن الحجر إذ الحجر ليس ممن يجيبه؛ كما يقال: اختدم؛ إذا لم يكن [له] خادم، وإنما خدم نفسه. وعن هذا احترز الشيخ بقوله: بيديه. وعن ابن الأعرابي أنه قال: الاستلام: مهموز، ثم ترك همزه، وهو مأخوذ من السلامة، والموافقة؛ كما يقال استلم كذا استلاماً؛ إذا رآه موافقاً له وملائماً. قال: ويقبله؛ لما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قبَّل الحجر، ثم قال: "أما والله، لقد علمت أنك حجر، لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك"، رواه البخاري ومسلم وغيرهما. وزاد في "الشامل" أنه قرأ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال القاضي الحسين: إن أبي بن كعب قال لعمر حين قال ذلك: أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يؤتى بالحجر الأسود يوم القيامة، وله لسان ذلق، يشهد لمن قبَّله؟ فقال: نعم، قال: فهذه منفعته. وقال الماوردي: إن علي بن أبي طالب قال لعمر: أما إنه ينفع ويضر؛ سمعت النبي ﷺ يقول: "إن الله تعالى لما أخذ العهد على آدم وذريته، أودعه في رق في هذا

стр. 3440

الحجر؛ فهو يشهد لمن وافاه يوم القيامة" فقال عمر: لا أحياني الله لمعضلة لا يكون لها ابن أبي طالب حيًّا. قال الشافعي ﵁ ويقبل [الحجر] بلا تصويت، ولا تطنين؛ هكذا السنة فيه- وقال: المستحب: أن يضع جبهته عليه، لأن فيه تقبيلاً، وزيادة سجود لله تعالى. وقد روى عن ابن عباس [أنه] لما قدم مكة مسبداً رأسه، قبل الحجر، وسجد عليه ثلاثاً، وذلك يوم التروية. والسبد: ترك الدهن والغسل. قال الأصحاب: ويستحب أن يستقبله؛ لما روي عن ابن عمر أن النيي ﷺ لما دخل المسجد، استقبل الحجر، واستلمه؛ وهذا الاستقبال يظهر أن يكون حين دخوله المسجد [بمعنى; أنه يقصده] لا في حال الطواف، وهو معنى قول الغزالي: "فإذا دخل من باب بني شيبة، فليتوجه إلى الركن الأسود"، لكن في كلام أبي الطيب ما يخالف ذلك؛ كما ستعرفه. قال: ويحاذيه. قال الماوردي: لما روي [عن] ابن عمر أن رسول الله ﷺ لما دخل المسجد، استقبل الحجر. وقد اشتمل كلام الشيخ على ما هو سنة في الطواف في حق الرجال، وهو شيئان: الاستلام، والتقبيل. وأما النساء، فلا يستحب لهن ذلك إلا أن يخلو المطاف في ليل أو غيره؛ كما

стр. 3441

قاله النواوي [في "الروضة"] وغيره. و [اشتمل] على ما هو ركن فيه، وهو – أيضاً- شيئان: الابتداء من الحجر، ومحاذاته؛ وذلك ما لا خلاف فيه. و [شبه] القاضي أبو الطيب المحاذاة بتكييرة الإحرام، فلو ترك الحجر وراءه، وطاف، لم يعتد له بتلك الطوفة حتى ينتهي إلى الحجر، ويمر على جميعه؛ فينعقد له الطواف حينئذ. نعم: هل الركن محاذاته يبعض البدن، وبجميعه يكون مستحبًّا، أو الركن محاذاته بجميع البدن؟ فيه قولان: القديم: الأول؛ لأن ما تعلق بالبدن، كان حكم البعض فيه حكم الكل؛ كالجلد. والجديد [و] الأصح في "النهاية" وغيرها: الثاني: وهو الذي يقتضيه كلام الشيخ؛ إذا حمل على حقيقته؛ لأن ما وجب فيه محاذاة البيت، وجب فيه المحاذاة بجميع البدن؛ كالاستقبال في الصلاة؛ [وهذا يقتضي: أنه لا خلاف في مثل ذلك في الصلاة]. وقد حكى القاضي الحسين والإمام القولين في المصلي إذا حاذى ببعض بدنه بعض البيت؛ بأن كان قريباً منه. ثم على الأول إذا حاذاه ببعض البدن كفاه؛ وكذا لو حاذى ببعض بدنه [بعض] الحجر؛ كما صرح به القاضي أبو الطيب، والبندنيجي، وابن الصباغ. وعلى الثاني تكون الطوفة الأولى غير معتد بها، وأما ما بعدها، ففي الاعتداد به وجهان في تعليق أبي الطيب، وأصحهما الاعتداد، وهو الذي أورده الجمهور؛ لأنه في الثانية يكون محاذياً بجميع بدنه له فصحت، وصح ما بعدها. ولو حاذى بجميع بدنه بعض الحجر، أجزأه؛ قاله القاضي أبو الطيب. واستبعد [البندنيجي و] ابن الصباغ تصويره؛ كما سنذكره.

стр. 3442

ثم البدن الذي أطلقناه، قال الإمام؛ إنما هو شق الطائف من جهة يساره، لا يعني غيره [وكلام أبي الطيب وغيره] الذي سنذكره يفهم خلافه. ومعرفة المحاذاة التي أطلقت لمن لم يشاهد البيت تتوقف على معرفة كيفية وضع الحجر في البيت، وهو في الركن الذي يليه الملتزم، ثم الباب داخل في قريبه يسيراً، بعضه مما يلي الملتزم، وبعضه مما يلي الفسحة التي بين الركن الذي هو فيه، والركن الآخر لا من جهة الملتزم والباب؛ وهذان الركنان هما اليمانيان المبنيان على قواعد إبراهيم ﵇. والركنان الآخران هما الشاميان، والحجر أمامهما، والميزاب بينهما، وارتفاع الحجر من الأرض ثلاثة أذرع إلا سبعة أصابع. [فإذا عرف] من لم يشاهد البيت ذلك أو كان قد شاهده، قلنا له: المحاذاة المشروطة في الطواف على الجديد - كما أفهمه كلام الإمام-: أن يجعل جميع شقه الأيسر مقابلاً لجميع الحجر، ثم ينحرف إلى الجهة التي فيها الملتزم، والباب والبيت، على يساره. قال بعض الشارحين لهذا الكتاب: وإنما يتمكن من ذلك إذا بعد عن الحجر قليلاً، أو كان دقيقاً جدًّا؛ فإنه لو قرب منه ولم يكن نحيفاً، كان بعض بدنه خارجاً عن الحجر إلى جهة الملتزم، ويكون في صحة طوفته الخلاف السابق؛ وهذا يفهم منه أنه لو حاذى ببعض شقه الأسر بعض البيت من جهة الركن اليماني الآخر، [وبباقيه الحجر أنه لا يخرج على الخلاف، وحينئذ فإما ألا يجزئه بلا خلاف، [أو يجزئه بلا خلاف]، والذي يفهمه كلام الأئمة الذي سنذكره: الإجزاء] والذي يظهر مما سنذكره من بعد: أنه على الخلاف. وحكى الإمام عن شيخه: أنه كان يقول فيما إذا حاذى من يبتدئ الطواف بشقه وسط الحجر، وخلَّف شيئًا منه فى جهة الركن اليمانى، وترك بعضاً منه مثلاً أمامه - يحتمل أن يصحح افتتاح طوافه؛ فإنه حاذى بتمام شقه الحجر.

стр. 3443

ويحتمل أن يقول: ينبغي أن يحاذي في أول الطواف تمام الحجر بتمام الشق، وذلك بأن يبدئ من أول الحجر مما يلي الركن اليماني، ويمر على المسامتة. قال: والأمر كما قال [محتمل]. قلت: وقد يظن أن الاحتمال الأول هو الذي حكينا، عن القاضي أبي الطيب وغيره، وليس كذلك؛ لأن القاضي أبا الطيب صور ذلك بما إذا جعل منكبه الأيمن محاذياً لحرف الحجر، ولا يستقبله؛ فإنه يكون محاذياً لذلك الجزء [بجميع بدنه، وحيتئذ فتكون هي الصورة الأولى؛ وهذا ذكره بناء على ما أبداه في كيفية المحاذاة لجميعه] بجميع البدن، وهو أن يجعل منكبه الأيمن [محاذياً لحرف الحجر الأيمن، ثم يمشي تلقاء شقه الأيمن، وهو] مستقبل الحجر حتى يستوعب محاذاته. ويقرب من هذا قول البندنيجي: "والكمال في المحاذاة أن يستقبله بكل جزء من بدنه، وهو أن يأتي البيت، ويجعل كل الحجر عن يمين نفسه مستقبلاً، فإذا جاوزه صار البييت [عن يساره]. وأما الإجزاء: فأن يحاذي يكل بدنه كل الحجر، أو يكل بدنه بعض الحجر، إن أمكن. وعلى ذلك جرى ابن الصباغ والنواوي في "المناسك". فقالا: كيفية محاذاة جميعه [بجميعه]: أن يستقبل البيت، ويقف على جانب الحجر الذي إلى جهة الركن اليماني؛ بحيث يصير جميع الحجر عن يمينه، ويصير منكبه الأيمن عند طرف الحجر ثم ينوي الطواف لله تعالى، ثم يمشي مستقبل الحجر ماراً إلى [جهة] بمينه، حتى يجاوز الحجر، فإذا جاوزه انفتل وجعل يساره إلى البيت ويمينه خارجه، ولو فعل هذا من الأول وترك استقبال الحجر جاز. وهذا فيه نظر؛ فإنه يقتضي في الحالة الأولى: أن يمضي جزء من البيت في

стр. 3444

الطواف، وليس هو على يساره، وستعرف أن كون البيت على يسار الطائف شرط فيه. وعن ذلك احترز الإمام بجعله البدن الذي اشترطت محاذاته الحجر الشق الأيسر. نعم: إن كان الشرط كون البيت على يسار الطائف من حين مجاوزة الحجر لا عند محاذاة الحجر - لم يبق [في] ذلك إشكال، وكلام أبي الطيب والبندنيجي وغيرهما السابق صريح فيه؛ ولأجله قال النواوي في "المناسك": وليس شيء من الطواف يجوز مع استقبال البيت إلا ما ذكرناه أولاً من أنه يمر في ابتداء الطواف على الحجر الأسود [مستقبلاً له، فيقع الاستقبال قبالة الحجر الأسود] لا غير، وذلك مستحب فى الطوفة الأولى لا غير. قال: ولم يذكر جماعة من أصحابنا هذا الاستقبال، [وهو غير الاستقبال] المستحب عند لقاء الحجر قبل ابتداء الطواف، فإن ذلك مستحب، لا خلاف فيه، وسنة مستقلة. وقد أفهم ما ذكرناه من تصوير المحاذاة بكل البدن أولاً: أنه يشترط في الإجزاء أن يجعل أول شقه الأيسر مقابلاً لما يلي الحجر من جهة الركن اليماني، ثم يمر عليه كذلك إلى أن يستكمل الطوفة، بل الشرط أن يكون جميع شقه الأيسر مقابلاً لجميع الحجر. وكلام البندنيجي وغيره يقتضي أن الأول هو المجزئ لا غير، تفريعاً على الصحيح في اشتراط المحاذاة بكل البدن كل الحجر أو بعضه وهو الظاهر عندي؛ لأن كل جزء من أجزاء شقه الأيسر يكون قد حاذى جميع الحجر. [وكذلك قال في "الوسيط": وينبغي لمن يبدئ الطواف أن يحاذي الحجر] بجميع بدنه؛ بحيث يمر جميع بدنه على جميع الحجر الأسود. وأما إذا جعل جميع شقه الأيسر مقابلاً لجميع الحجر - أما مع البعد أو النحافة فهو محل الخلاف؛ لأن كل جزء من أجزاء بدنه [لا يكون] قد حاذى جميع

стр. 3445

الحجر، وإنما حاذى جميعه منه الجزء الأخير الذي جعله من جهة الركن اليماني؛ [ولأجل ذلك قلت [آنفاً فيما] إذا حاذى ببعض شقه الأسر بعض البيت من جهة الركن اليماني]، وبباقيه الحجر: أنه يخرج على الخلاف، وعنيت بالخلاف: الخلاف الذي حكاه القاضي أبو الطيب وغيره فيما إذا حاذى ببعض بدنه بعض الحجر، والله أعلم. فائدة: ما ذكرناه في محاذاة الحجر الأسود متعلق بالركن الذي فيه الحجر الأسود، وليس يتعلق بالحجر نفسه؛ فإنه لو نُحِّي والعياذ بالله [عن مكانه] وجبت محاذاة الركن؛ قاله القاضى أبو الطيب. قلت: ويدل [عليه صحة] طواف الراكب. ويظهر أن الذي يجب محاذاته من الركن الموضع الذي فيه الحجر، لا زائداً عليه. قال: فإن لم يمكنه أي: التقبيل استلمه - أي: بيده، أو بمحجن وقبّله. ووجهه: قوله ﷺ "وما أمرتكم به، فأتوا منه ما استطعتم"، رواه البخاري ومسلم في ضمن حديث أبي هريرة. وروى عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن [أو بمحجنه]. وروى مسلم عن أبي الطفيل قال: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت على راحلته، يستلم الركن بمحجنه، ثم يقبِّله.

стр. 3446

والمحجن يكسر الميم: عصا معوجة الرأس، تكون مع الراكب كالصولجان - يتناول بها ما يسقط منه، ويحرك بطرفها بعيره، للمشى. وقد دل ظاهر الخبر على [أن] تقبيل ما يقع به الاستلام [يكون بعد الاستلام، وهو المنصوص الذي لم يذكر العراقيون غيره. وقيل: إنه يكون قبل الاسلام]، وكأنه ينقل إليه القبلة. وقيل: يتخير، وهو ما أبداه الإمام احتمالاً. قال: فإن لم يمكنه - أي: الاستلام أشار إليه يده؛ لأنه قدر الاستطاعة، ولا يثير إلى القبلة بالفم؛ لأنه لم ينقل. وقد استحب جماعة من العلماء الزحام على تقبيل الحجر: لأن ابن عمر – ﵁ كان يزاحم عليه. وهو عندنا مكروه؛ لما روى سعيد بن المسيب عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ "إنك رجل قوي تؤذي [الضعيف]، فإذا أردت أن تستلم الحجر، فإن كان خالياً فاستلمه، وإلا فاستقبله، وكبّر". والإشارة باليد هي المستحبة في حق النساء مطلقًا؛ روى عطاء أن امرأة طافت مع عائشة ﵂ فلما جاءت الركن، قالت المرأة: يا أم المؤمنين، ألا تستلمين؟ فقالت عائشة: [وما للنساء واستلام الركن]، امض عنك". نعم: لو أرادت [تقبيل الحجر] فعلت ذلك في الليل عند خلو المطاف. قال: ثم يجعل البيت على يساره؛ ويطوف - أي: به - مستقبلاً بوجهه جهة الملتزم والباب وهكذا إلى أن يتم الطوفة بانتهائه إلى الموضع الذي بدأ منه

стр. 3447

عند الحجر الأسود. ووجهه [أنه] ﵇ جعل البيت على يساره حين طاف، ومشى على يمينه فحمل ما أجمله الله تعالى بقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] على بيانه ﷺ ؛ عملاً يقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]؛ وهذا من أركان الطواف على المشهور، فلو جعله عن يمينه، وطاف موجها وجهه إلى جهة الركن اليماني، وهكذا إلى أن أتى الموضع الذي بدأ منه - ويسمى: الطواف المنكس لم يعتد به؛ نص عليه الشافعي وأصحابه ﵃ موجهين له بقوله ﵇: "خذوا عني مناسككم". ولأنه عبادة تفتقر إلى البيت؛ فوجب أن يكون الترتيب شرطاً فى صحتها كالصلاة. وقد وافق على ذلك القاضي الحسين والفورانى، لكنهما جزما القول بأنه لو جعل البيت على يمينه، ورجع القهقرى، ومَرَّ على الباب إلى أن انتهى إلى المكان الذي بدأ منه، كره وأجزأه، وإليه يرشد قول الإمام - حكاية عن شيخه: إنه كان يقول: "لو استقبل القبلة بصدره، وكان يستدبر على الجهة المرسومة عرضاً، فللقفال تردد فيه. وربما كان يقول: "إذا دار على الصوب مقابلة [أو مدابرة] أو على شق؛ حسب طوافه، وكره. قال الإمام: والأصح الأول، ولا وجه لغيره عندي، وتبعه في التصحيح فيما إذا طاف منكساً الرافعي، وقال: إن عدم الصحة هو الموافق لعبارة الأكثرين، وأن القياس جريان هذا الخلاف فيما لو مَرَّ معترضاً مستدبراً.

стр. 3448

قلت: وهو مقتضى كلام الإمام؛ ولأجله قال النواوي في "المناسك": إنه لا يصح. وفي "الروضة": أن الصواب في هذه الصورة القطع بأنه لا يصح؛ لأنه معاند؛ لما ورد الشرع به. وحكم جعل البيت على اليمين أو تلقاء وجهه في شيء من الطواف كالحكم في جعله كذلك في كله؛ فلا يعتد به، ولا بما بعده إلى أن يأتي به إلا ما ذكرناه في حالة ابتداء الطرفة الأولى؛ كما قاله النواوي، والله أعلم. قال: فإذا بلغ الركن اليماني، استلمه؛ لما روى ابن عمر ﵄ قال: "لم أر رسول الله ﷺ يمسح من البيت إلا الركنين اليمانيين"، أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما. وفي رواية مسلم الركن الأسود، والذي يليه". وروى مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: "لم أر رسول الله [يستلم غير الركنين اليمانيين". وروى عطاء قال: قال رسول الله ﷺ ]. "ما مررت بهذا الركن إلاَّ وجبريل قائم عنده يستغفر لمن استلمه بحق".

стр. 3449

قال: وقبل يده كما يفعل في استلام الحجر، وفي كيفية [تقبيل اليد] الخلاف السابق. قال: ولا يقبله؛ لأنه لم ينقل، وخالف الركن الذي فيه الحجر حيث جمع فيه بين الاستلام والتقبيل؛ لأنه اجتمع فيه فضلان: كونه مبنيًّا على قواعد إبراهيم ﵇، وكونه فيه الحجر، وهذا [ليس فيه] "إلا" فضيلة واحدة، وهي كونه على قواعد إبراهيم ﵇؛ فلذلك شرع فيه الاستلام دون التقييل، ولما فقد الأمران في الركنين الباقيين؛ لم ينقل عن رسول الله ﷺ أنه استلمها، ولا قبلهما، كما ذكرناه من خبر ابن عمر. وقد روي عنه أنه لما أخبر يقول عائشة: "إن الحجر بعضه من البيت فقال: "والله أتى لأظن عائشة إن كانت سمعت هذا من رسول الله ﷺ [لأظن رسول الله ﷺ ] لم يترك استلامها إلاَّ أنهما ليسا على قواعد [إبراهيم ﵇] ولا طاف الناس وراء الحجر إلا لذلك"، أخرجه أبو داود [أيضاً]. وأخرج البخاري ومسلم قول ابن عمر هذا بمعناه عن عائشة ﵂ فى أثناء حديث عمارة البيت، وسنذكره إن شاء الله تعالى. تنبيه: الركن اليماني: مخفف الياء على المشهور؛ لأنه منسوب إلى اليمن، والألف بدل من إحدى يائي النسب؛ فلا تشدد كيلا يجمع بين البدل والمبدل. وحكى سيبويه لغة قليلة: يمانى، بالتشديد.

стр. 3450

وحكى ذلك عن رواية المبرد وغيره، وتبعهم الجوهري وصاحب المحكم وآخرون؛ وعلى هذا تكون الألف زائدة. قال الشيخ ﵀: ويقول عند ابتداء الطواف أي: وهي حالة استلام الحجر: باسم الله، والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد ﷺ "؛ لأن عبد الله بن الساغب روى ذلك عن النبي ﷺ ؛ فلذلك اختاره الشافعي، ﵁. ومعنى قوله: "إيماناً بك، أي: أفعله للإيمان؛ فهو مفعول للإيمان. وقوله: "ووفاء بعهدك": المراد به هنا: الميثاق الذي أخذه الله تعالى علينا بامتثال أمره، واجتناب نهيه. ثم ما ذكرناه من الدعاء لا يتعين في تأدية هذه السنة؛ فإنه روى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال عند استلام الحجر الأسود: "باسم الله، والله أكبر الحمد لله على ما هدانا، لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، آمنت بالله، وكفرت بالطاغوت، وباللات والعزى، وما ادُّعِي دون الله، إن وليي الله الذي نزل الكتاب [بالحق] وهو يتولى الصالحين". [و] الماوردي [قال هنا]: وما ذكر هنا من ذكر الله وتعظيمه فهو حسن.

стр. 3451

وقال: إنه يستحب له إذا استلم الركن اليماني [أن يدعو عنده - أيضاً - لأنه روى عن رسول الله ﷺ قال: "على الركن اليماني] ملكان [موكلان] يؤمنان على دعاء من يمر به وعلى الأمرد مالا يحصى". قال: ويطوف سبعاً، أي: حول البيت، في المسجد في أرضه، أو فوق سطحه؛ كما قاله الماوردي؛ لأن سطحه [دونه] سطح البيت الآن. وهذا يفهم [أنه] لو كان سطح المسجد أعلى من سطح الكعبة، لم يصح الطواف، وهو المحكي عن بعض الأصحاب، وأنكره عليه الرافعي، وقال: لا فرق بين علوه وانخفاضه. ثم المراد بالمسجد ما كان في زمنه ﵇ وما استجد فيه من بعده [وقد زيد فيه من بعده] ﷺ زيادات كبيرة. قال الأصحاب: والأفضل ألا يكون بينه وبين البيت حائل، وهو سقاية العباس وما يليها من البناء على زمزم وغيره، وأن يكون [بالقرب من البيت]؛ لأنه المقصود، ولأن رسول الله ﷺ كان أقرب إليه من أصحابه، وهو الذي يفهمه كلام الشيخ السابق والآتي من بعد. وكلام الغزالى فى "الوسيط" يفهم أنه من الواجبات؛ فإنه قال: "وواجبات الطواف ثمانية: الأول: شرائط الصلاة: من طهارة الحدث والخبث وستر العورة، والقرب من البيت [بدلٌ عن] الاستقبال". لكنه قال بعد ذلك: إن القرب من البيت مستحب؛ كما صرح به غيره، لا واجب؛ ولأجله قال بعض الناس: إن في بعض النسخ: "والقرب من البيت بدلاً عن القبلة"، بفتج الباء من "القرب" ونصب بدلاً، وليس بصحيح، بل الصحيح رفع الباء ورفع

стр. 3452

البدل، ويكون "القرب" مبتدأ و"بدل" خبره، ولا يجوز أن يكون معطوفاً على ما قبله؛ فإن القرب من البيت مستحب كما ذكرنا. وهذا فيه نظر لا يخفى على متأمل، وأقرب من ذلك أن يقال: مراده بالقرب هاهنا: أن يكون في المسجد لا خارجاً؛ فإنه لوكان خارجاً عنه، لم يصح طوافه، كما صرح به القاضي [الحسين] والماوردي وغيرهما؛ [لأنَّا] لو جوزناه، لزمنا أن نجوزه خارج الحرم، ولا وجه له. ولأنه حينئذ يكون طائفاً المسجد لا بالبيت. وإذا كان كذلك، فالقرب نسبة وإضافة؛ فيحمل ما ذكره هنا على ما ذكرناه، وما ذكره [بعدُ من] استحباب القرب على ما إذا طاف في المسجد. فإن قلت: قد عُدَّ من بعد من جملة واجبات الطواف الثمانية: أن يكون في المسجد، وذلك ينفى ما ذكرت. قلت: لا؛ لأن الأول ذكره استطراداً لتتمة مقصوده، وما ذكره من بعد ذكره مقصوداً، وكثير من المصنفين من يفعل ذلك، ومنهم صاحب التنبيه ﵀. [فائدة: قال الشافعي: وأكره أن يقول: طاف أشواطاً وأدواراً؛ لأن مجاهداً كرهه، ويقال: طوافاً، وطوافين؛ كما سماه الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]؛ كذا حكاه ابن الصباغ عن نصه في "الأم". وقال القاضي الحسين: إنما كرهه؛ لأن الشوط في حقيقة اللغة: الهلاك؛ فكرهه لاسمه؛ كما كره اسم العقيقة؛ لما فيه من لفظ العقوق. قال النواوي في "المناسك": لكن ثبت في صحيحي البخاري ومسلم عن ابن عباس تسميته بالطوفة: شوطاً؛ فالظاهر أنه لا كراهة فيه]. قال: [و] يرمل - أي بضم الميم - في الثلاثة الأول منها، ويمشي في

стр. 3453

الأربعة الأخيرة، أي: وعليه السكينة [والوقار]؛ لما ذكرناه من خبر جابر وابن عمر عند الكلام في الابتداء بطواف القدوم. قال الأصحاب: والسبع في الطواف كالركعات في الصلاة بالنسبة إلى عدم الاعتداد به دون استكمالها وإن أتى بالأكثر منها، لا في كل شيء لما ستعرفه، والحكم في ذلك في الطواف في العمرة كالحكم في طواف الحج، إذا وجد بشرطه؛ لرواية أبي داود عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت ثلاثاً، ومشوا أربعاً. وأخرجه ابن ماجه بنحوه. تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أن الرمل يكون في جميع الطوفات الثلاث، وهو مقتضى حديث جابر وابن عمر، وبه جزم الماوردي، فقال: من السنة أن يرمل في ثلاثة أطواف، لا يفصل بينهما بوقوف إلاّ أن يقف عند استلام الركن؛ لرواية ابن جريج عن عطاء أن رسول الله ﷺ رمل من سبعة أطواف: ثلاثة خبباً ليس بينهن شيء، ثم كذا أبو بكر عام حجه؛ إذ بعثه رسول الله ﷺ ، ثم عمر، ثم عثمان والخلفاء ﵃ كانوا يسعون كذلك. وقد روى مسلم وغيره أن [ابن] عمر رمل من الحجر إلى الحجر، وذكر أن رسول الله ﷺ فعل ذلك، وأخرجه مسلم ينحوه من حديث جابر فإن قيل: فقد روى أبو داود عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ اضطبع، فاستلم، فكبر، ثم رمل ثلاثة أطواف، كانوا إذا بلغوا الركن اليماني فتغيَّبُوا عن قريش، مشوا، ثم يطلعون عليهم، وهم يرملون، تقول قريش: "كأنهم الغزلان". قال ابن عباس: "فكانت سنة".

стр. 3454

وروى البخاري ومسلم عنه قال: "قدم رسول الله ﷺ مكة وقد وهنتهم [حمى يثرب]، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتم الحمى، ولقوا منها شرًّا، فأطلع الله تعالى نبيه ﷺ على ما قالوه، فأمرهم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا بين الركنين، فلما رأوهم رملوا، قالوا: هؤلاء الذين ذكرتم أن الحمى قد وهنتهم؟ هؤلاء أجلد منا". قال ابن عباس: "ولم يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا إبقاء عليهم"، وهذا صريح في أن الرمل لا يكون في جميع الطوفة، فلم عدلتم عن هذا؟ قلنا: قد حكى الإمام عن بعض الأصحاب رواية ذلك قولاً، لكن المشهور الأول وهو الأصح في "النهاية" وغيرها وما رواه ابن عباس لا يعارض ما تقدم؛ لأن الرمل في جمح الأشواط كان في حجة الوداع، والمشي بين الركنين كان في عمرة الحديبية؛ لأنه ﷺ شرط على المشركين في الصلح الذي وقع يينه وبينهم سنة ست من الهجرة حين صدوه عن البيت - أن يرجع إلى "مكة" في العام القابل لعمرة القضية، ويدعوا له مكة ثلاثة أيام، فرجع إليهم قي العام القابل [العمرة القضية] وفرغوا له مكة ثلاثة أيام، وأقاموا على رءوس الجبال؛ فكان لا يقع بصر المشركين عليهم إذا كانوا بين الركنين، ففعل ذلك؛ رفقاً بهم؛ لما كان بهم من المرض، وأمرهم بالتجلد في الجهات التي تقع [عليهم] فيها أعين المشركين حين جلسوا لهم. [تنبيه] آخر: الرمل - بفتح الراء-: الخبب، وهو سرعة المشي هع تقارب الخُطا، ومنه سُمِّى خفيف الشعر: رملاً. وقال الماوردي والقاضي الحسين: إنه دون شدة العدو، وهو متقارب. قال النواوي في "المناسك": قال أصحابنا: ومن قال: إنه دون الخبب، فقد غلط. قال الشافعي ﵁ "ولا أحب أن يثب من الأرض". وهو مشروع سنة في طواف القدوم؛ إذا تعقبه السعي، بلا خلاف؛ كما

стр. 3455

أفهمه كلام الشيخ. فلو وجد طواف القدوم مع السعي ولم يرمل فيه، وقصد أن يسعى عقيب طواف غيره، فهل يشرع فيه الرمل أم لا؟ فيه ما ذكرناه في الاضطباع. وقال في "الذخائر": إن الفوراني حكى قولاً: أنه لا يشرع إلا في طواف القدوم، [وقد حكاه الإمام وقال: إنه يخرج [على] استحباب الرمل في طواف العمرة فإن الطواف فيها يقع ركناً، وكان يمكن أن يقال: فيه معنى القدوم]. والمذهب - كما قال مجلي- وهو الذي أورده العراقيون والماوردي: أنه مشروع في كل طواف يتعقبه سعي، ولا فرق في مشروعيته للطائف حيث يشرع - بين أن يكون ماشياً - كما قال الشيخ - أو راكبًا محمولاً، والراكب يحرك دابته موضع الرمل، والمحمول يرمل به حامله؛ نص عليه في موضع. قال القاضي الحسين: وقد نص في موضع آخر [على] أنه لا يرمل به، وقد رواه ابن الصباغ عن رواية الشيخ أبي حامد عن القديم، وحكاه في "التهذيب" - أيضاً - فيما إذا طاف راكباً. ووجهه الفوراني بأن فيه أذى للناس. فرع: لو ترك الرمل في الثلاثة الأوَل حيث يشرع، فلا يستحب له أن يأتي به في الأربعة الأخيرة؛ نص عليه لأن المشي فيها سنة، وذلك يؤدي إلى تركها، ولا يشرع ترك سنة في عبادة؛ لأجل الإتيان بمثلها. فإن قيل: قد تقدم أن القرب من البيت سنة في الطواف، ولو كان ثم زحام لا يمكن معه الرمل، ولم يرج زواله، فإنه يتأخر إلى حاشية الناس إذا أمكنه الرمل فيه؛ ليرمل، وذلك ترك سنة لأجل سنة. قيل: الفرق بين ما نحن فيه وما تقدم: أن ثم السنتين في نفس العبادة، فلم يكن [لإحداهما مزية] ولا كذلك هنا؛ فإن القرب من البيت فضيلة في محل العبادة،

стр. 3456

والرمل فضيلة في نفس العبادة، [وما كان في نفس العبادة] كان آكد من الذي في محلها؛ كما أن الصلاة بالجماعة في البيت أفضل منها منفرداً في المسجد؛ لأن فضيلة الجماعة فى نفس الصلاة. نعم: قال الماوردي: لو كان إذا تأخر عن البيت، خالط النساء؛ لفعلهن ما هو الأفضل في حقهن، وهو الطواف آخر الناس قرب من البيت، وترك الرمل، لتعذره؛ فإن مخالطة النساء مكروهة. ويستحب أن يشير بالرمل. قال: وكلما حاذى الحجر الأسود، استلمه، وقبله، وكلما حاذى الركن اليماني، استلمه؛ لما روى أبو داود عن ابن عمر قال: "كان رسول الله ﷺ لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة". قال: وكان عبد الله بن عمر يفعله، وأخرجه النسائي وقد جاء في مسلم عنه أنه قال: "ما تركت استلام هذين الركنين - منذ رأيت رسول الله ﷺ يستلمها – في شدة ولا رخاء". وإذا ثبت ذلك في الاستلام، قسنا عليه باقي ما ذكرناه من الأحكام في الابتداء. قال: وفي كل وتر أحب، أي: إذا لم يتمكن من استلام الركن في كل طوفة؛ كما قاله: الماوردي، أو إذا لم يفعل ذلك في كل مرة؛ كما قاله ابن الصباغ، وأبو الطيب؛ لقوله ﵇: "إن الله وتر يحب الوتر".

стр. 3457

ولأنه يصير مستلماً فى افتتاحه وخاتمته، ويكون أكثر عدداً. وقد قيل: إن معنى قول الشيخ "وفي كل وتر أحب"، أنه في الأوتار آكد وأكثر استحباباً مع أنه مستحب في الجميع. قال ابن الخل: لأنه ﵇ كان لا يكاد يدع أن يستلم الركن اليماني في كل وتر من طوافه. وإذا ثبت ذلك في الركن اليمانى، فركن الحجر أولى. قال: ويقول في رمله كلما حاذى الحجر الأسود: "الله أكبر، الله أكبر، اللهم اجعله حجًّا مبرورًا"، أي: لا يخالطه معصية، مأخوذ من البر، وهو الطاعة. وقيل: المبرور: المتقبل من البر، وهو اسم جامع للخير. يقال: بررت فلاناً، أي: وصلته. ويقال بَرَّ اللهُ حجه، وأبرَّه. قال: "وذنباً مغفوراً، أي: اجعل ذنبي ذنباً مغفوراً) وسعياً مشكوراً، أي: اجعله عملاً متقبلاً يزكو لي ثوابه". قال الأزهري: لأن مساعي الرجل أعماله، واحدتها: مسعاة. وقال غيره: عملاً أشكر عليه، والله أعلم. قال: ويقول في الأربعة: "رب اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم؛ إنك أنت الأعز الأكرم، اللهم ربنا آتنا قي الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار".

стр. 3458

قال ابن الخل: لأنه روى ذلك عنه ﷺ . وقد روي أنه قال: "واعف" بدل قوله: "وتجاوز عما تعلم"، وروي: "وأنت العلي الأعظم" بدل [قوله] "الأعز الأكرم". قال: ليدعو بين ذلك بما أحب - أي: من أمر الدين والدنيا - رجاء الإجابة. وقد روى أبو داود عن عبد الله بن السائب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول فيما بين الركنين: " [اللهم] ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفى الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار". قال الشافعى: ﵁: "وأستحب له أن يقرأ فى طوافه؛ فإنه بلغنا أن مجاهداً كان يُقرأ عليه القرآن في الطواف". قال الأصحاب: وقد روي أنه ﷺ قال: "الطواف بالبيت صلاة"، وإذا كان صلاة، فأفضل الذكر في الصلاة وأعلاه القرآن. لكن في "الحاوي" أن ذلك مخصوص بمن أراد أن يأتي بدعاء غير الدعاء المسنون فيه؛ فإن قراءة القرآن تكون أفضل منه، أما كونها أفضل من الدعاء المسنون فلا، بل هو أفضل منها؛ كما أن الدعاء [المسنون] في الركوع والسجود

стр. 3459

أفضل من القراءة فيهما، وهو الذي قال النواوي [في المناسك]: إنه الأصح. وحكي عن الحليمي من أصحابنا; أنه [لا يستحب القراءة في الطواف. وعن الشيخ أبي محمد الجويني: [أنه] يحرص على أن يختم في أيام الموسم في طوافه ختمة]. قال: ولا ترمل المرأة، ولا تضطبع؛ لأن معناهما - وهو إظهار الجلد والقوة - لا يوجد في حقها مع كون ذلك يقدح في تسترها. قال: وا لأفضل [أن يطوف] راجلاً - أي: إن كان يطيقه - حماية للناس عن الأذى بمركوبه، وتنزيهاً للمسجد عن دخول البهيمة إليه؛ فإنه لايأمن أن تلوثه. ولأنه ﷺ طاف في عمره كلها ماشياً، وهو يواظب على الأفضل. قال: فإن طاف راكباً جاز؛ لأن النبي ﷺ طاف راكباً، وكان يشير إلى الحجر بمحجن في يده؛ كما تقدم، وكان ذلك في حجة الوداع في طواف الإفاضة - كما قال الماوردي- لا غير، وهو يدل على الجواز؛ فإن هذه الحجة هي الني استكمل فيها تعليم أفعال الحج من فرض وواجب وسنة. ثم فعله ﷺ يدل - أيضاً - على أنه لا دم [على ذلك]؛ لأن الدم إنما [يجب] في حال النقص، وهو ﵇ لا يؤثر لنفعه النقص، سيَّما عام حجة الوداع، وهذا ما أورده الجمهور. ولا فرق في جواز الطواف راكباً بين أن يكون لعذر من مرض [أو لا: لأنه]، ﵇ لم يطف راكباً لمرض؛ فإن جابراً قال: ربما ركب رسول الله ﷺ ؛ ليراه الناس، وليشرف عليهم؛ ليسألوه؛ فإن الناس غشوه" كذا رواه مسلم عنه في تتمة الحديث السابق.

стр. 3460

قال الشافعي- ﵁ "ولا أعلمه في تلك الحجة اشتكى". قال الماوردي: والإجماع على جوازه بغير عذر وإن كان أبو حنيفة ومالك يوجبان الدم إذا فعله بغير عذر. ودليلنا ما ذكرناه. ثم إذا جاز الطواف راكباً، فهل هو مكروه؟ قال الماوردي: إن كان بغير عذر، فنعم، وهو الذي أورده أبو الطيب وغيره؛ لأنه ﵇ إنما فعل ذلك مرة واحدة؛ لأنه [أحب أن] يشرف على الناس؛ ليسألوه، وليس أحد في هذا الموضع مثله. وإن كان لعذر من مرض أو زمانة، فالأولى أن يطوف محمولاً، ولا يطوف راكباً غير المعذور، وركوب الإبل أيسر حالاً من ركوب البغال والحمير. وقال الإمام: إن في القلب من إدخال البهيمة المسجد شيئاً في حال عدم الأمن من التلويث. نعم: لو أمكن التوثق من هذه الجهة فذاك، وإن لم يمكن فإدخال البهائم المسجد مكروه. وقال في "الوسيط": لا بأس بالركوب لمن إذا ركب استُفتي.

стр. 3461

وحيث يكره الطواف راكباً، يكره [الطواف] محمولاً، ومحل جوازه إذا لم ينو الحامل الطواف عن نفسه ولم يكن [عليه] طواف هو فرض أو واجب. قال: وإن حمله محرم، ونوبا جميعاً - أي: نوى كل واحد منهما [الطواف عن نفسه - ووجد شرطه في كل واحد منهما] ففيه قولان: أحدهما: أن الطواف للحامل؛ لأنه الفاعل [له] فوقع عنه. ولأن الحامل أصل، والمحمول تبع؛ [وهذا] هو الأظهر في "الشامل"، والأصح في تعليق أبي الطيب، وغيره. والثاني: أنه للمحمول؛ لأن الحامل آلة له، فهو كالراكب؛ وهذا ما اختاره في "المرشد"، وصححه النواوي في "المناسك". قال ابن يونس: وقيل: إنما يقع عن المحمول؛ إذا كان معذوراً. والذي أورده أبو الطيب وغيره إجراء القولين، سواء كان المحمول بالغاً أو صغيراً، صحيحاً أو مريضاً. ومن هنا يظهر لك: أنه [لا] يقع عن الحامل والمحمود جميعاً، وقد صرح به في "المهذب"؛ و"الشامل"، و"الحاوي"، و"النهاية"؛ لأن الفعل الواحد لا يقع عن

стр. 3462

اثنين، وهذا بخلاف ما لو طافا على بهيمة؛ فإنه يصح طوافهما. وبخلاف ما لو حمله في الوقوف؛ فإنه يجزئ عنهما؛ لأن الفعل ثم لا يشترط، بل المشروط الحصول فى الموقف، وقد وجد. لكن [قد] قال الماوردي فيما إذا كان المحمول صغيراً غير مميز، ونوى الولي بالطواف نفسه والصبي، فهل يقع عنهما أو عن الحامل فقط؟ فيه وجهان، سنذكرهما، ويظهر جريانها هنا. تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أموراً: أحدها: أنهما إذا لم ينويا جميعاً، بل نوى أحدهما؛ أن الطواف يكون له، بلا خلاف. قلت: ويظهر أن يقال فيما إذا كانت النية ممكنة من كل واحد منهما: أن ذلك ينبني على [أن] نية الطواف هل تشترط أو لا؟ كما سيأتي، وقد صرح به في "الإبانة": فإن قلنا باشتراطها، فالأمر كما أفهمه كلام الشيخ، وإلا جاء القولان. وكذا إذا كان المحمول صغيراً غير مميز، ولم ينو حامله. الثاني: أن الحامل لو نوى الطواف عن المحمول، لم يجر القولان؛ ولأجل ذلك قال: النواوي في الصحيح؛ إن الحامل إذا نواه للمحمول، وقع عنه، وهذا صحيح إن كان هذا في طواف القدوم، أو في طواف متطوع به، أما إذا كان في طواف الفرض فلا؛ كما ستعرفه.

стр. 3463

الثالث: أن محل الخلاف في طواف القدوم؛ لأنه الذي تكلم فيه، وليس هو مختصاً به، بل هو جار في الطواف الركن أيضاً؛ لأن الماوردي قال: لو طاف محمولاً وكل منهما [محرم] عليه طواف قد نواه عن نفسه ففيه قولان: أحدهما: أنه للحامل. والثاني: أنه للمحمول. وتوجيههما ما تقدم. ويدل على ذلك - أيضاً - أن ابن الصباغ، والقاضي الحسين، وغيرهما قالوا: لو حمل الصبي الذي لا يتأتي عنه الطواف محلٌّ أو محرم [قد طاف] عن نفسه طواف الفرض - أجزأه يعنى: الصبي. قال النواوي في "المناسك" و [هذا] سواء كان الحامل له وليَّه الذي أحرم عنه أو غيره، وإن حمله حامل [محرم] لم يطف عن نفسه، ففيه قولان: أحدهما: يقع عن الصبي؛ لأن الحامل بمنزلة البهيمة إذا طافت براكبها. والثاني: أنه يقع [عن الحامل]؛ لأنه هو الطائف؛ فلا يقع عن غيره وعليه فرضه؛ وهذا [ما] صححه القاضي الحسين.

стр. 3464

وقد نسب الماوردي الأول إلى النص في "المختصر الكبير". وقال: إن القاضي أبا حامد حكاه في جامعه، والثاني إلى نصه في "الإملاء"، ووجهه بما ذكرناه، وزاد فيه: "كما لا يصح منه التطوع بالطواف أو الحج، وعليه فرضه"، لكنه خص محل القولين بما إذا كان الحامل الولي [ولم ينو] الطواف عن نفسه دون الصبى. [وقال فيما إذا نواه عن نفسه دون الصبي]، أو لم ينو شيئاً: أنه يكون عن نفسه، وعليه أن يطوف بالصبي. ولو نوى الطواف عن نفسه وعن الصبى، فيجزئه عن نفسه، وهل يجزئه عن الصبي؟ فيه وجهان، تخريجاً من القولين. وكلام الإمام منطبق على ما قاله إلاَّ في كونه إذا نوى [عن] نفسه والصبي: أنه يقع عنهما على وجه؛ فإنه لم يذكره، وقد تبعه في "الوسيط". وجعل الإمام [مأخذ الخلاف] في الأصل: أن تجديد نية الطواف لا تشترط؛ كما سنذكره، لكن صرفه بالنية هل يضر بنيته السابقة أم لا؟ قال: ووجه كونه يضر - ولعله الأصح، وربما كان يقطع يه شيخي: أنَّا إذا لم نشترط تجديد النية؛ اكتفاء بالنية الشاملة، فالنية اللاحقة مراغمة لها. وقد ذكرنا في نظير ذلك في باب النية في الطهارة عند [ذكرنا:] عزوف النية، وقصد التبرد، والتنظف [كلاماً]. قال: فإن قلنا: صرف الطواف بالنية يقطع السابقة، لم يقع عن نفسه، ويقع عن المحمول المنوي له، وإلاَّ وقع عن الحامل، وإن شيخه كان يقول: إذا نوى [عن] الصبي، فلا يقع عن الصبي، وهل يقع عنه؟ فعلى قولين. [قال:] وهذا خبط.

стр. 3465

والذي ذكره العراقيون وغيرهم ما تقدم. ولك آن تقول [في] الجواب عن الشيخ: [و] إن كلامه وإن كان في طواف القدوم، لكنه قد أحال الكلام في طواف الفرض عليه؛ لأنه لم يذكر حين ذكره صفته؛ فدلَّ على أن حكمهما واحد، إلا فيما وقع التنبيه عليه من الاضطباع والرمل. الرابع- وهو الذي يفهمه كلام ابن الصباغ أيضاً؛ لأن عبارته في حكاية القولين كعبارة الشيخ-: أن محل الخلاف إذا حمله [محرمٌ، أما إذا حمله محلٌ] ونويا، فلا. والذي يظهر أن يقال: إنه لا فرق؛ لأن الطواف يصح من غير المحرم - كما قاله القاضي الحسين وغيره عند الكلام في طواف الوداع - لأنه عبادة في نفسه، وإذا كان يصح منه، فلا فرق بينه وبين المحرم. نعم: لو كان الخلاف مقصورًا على طواف الفرض، كان التقييد بالإحرام مقيداً؛ لأنه لا يتصور طواف الفرض إلاَّ من محرم. ولقائل: أن يقول: لعل الشيخ إنما أشار بذلك للتنبيه على أن محل الخلاف في طواف الفرض؛ كما ذكرته، عن الماوردي من قبل، ويكون تعليل القولين ما ذكرته ابن الصباغ وغيره. قيل: لو كان كذلك، لم يحتج إلى قوله: "ونويا جميعاً"؛ لأن طواف [الفرض] لا يفتقر إلى النية. ولكان له أن يقول: إن الخلاف الآتي فيه بلا شك؛ فيكون المراد الخروج عن الخلاف. قلت: ويجوز أن يكون قول الشيخ: "ونويا جميعاً" أراد به التشبه على مذهب الخصم [في هذه المسألة] وهو أبو حنيفة فإنه قال: إذا نويا جميعاً، "وقع الطواف" عنهما"، وهو عندنا لا يقع عنهما؛ كما لو فقدت النية منهما، وقد تقدم ذكره، وقد يقع عن واحد منهما، ومن هو؟ فيه القولان. ويجوز أن يكون قوله: "ونويا جميعاً"، أي: نويا الطواف عن المحمول؛ فإن فيه قولين حكاهما الفورانى وغيره.

стр. 3466

أحدهما: أنه يقع عن الحامل. والثاني: [أنه] يقع عن المحمول، وهو الأصح. وفيه قول ثالث: أنه يقع عنهما، حكاه النواوي في "المناسك"، وقال: إن الحامل إذا كان محرماً، لم يطف عن نفسه، وقصد بالطواف نفسه فقط، أو قصدهما، أو لم يقصد شيئاً - وقع عن الحامل، ولم يحك غيره. قال: وإن طاف محدثاً أو نجساً أى: عليه نجاسة غير معفو عنها - أو مكشوف العورة، أو طاف على جدار الحجر- أى: حائطه – أو [على] شاذروان الكعبة-: لم يجزئ. هذا الفصل ينظم مسائل: ومنها اشتراط الطهارة عن الحدث والخبث وستر العورة في الطواف، سواء فيه طواف القدوم، أو طواف الزيارة، أو طواف الوداع. وقد حكى الإمام عن أبي يعقوب الأبيوردي من أصحابنا وجهاً: أنه يصح طواف القدوم من غير طهارة، ثم قال يجبر بدم وهو غلط. والصحيح ما ذكره الشيخ، ووجه ذلك: ما روى طاووس عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه النطق، فمن نطق فلا يطق إلا

стр. 3467

بخير". ووجه الدلالة منه من وجهين: أحدهما: أنه سماه: صلاة، وهو لا يضع الأسماء اللغوية، وإنما يكسبها أحكاماً شرعية، وإذا ثبت أنه في الشرع صلاة، لم يجز بدون طهارة الحدث والخبث [ولا] مع كشف العورة. والثاني: أنه جعله صلاة، واستثنى من أحكامها الكلام، فلو كان الطواف صلاة في معنى دون معنى، لم يكن لاستثناء حكم واحد من جملة أحكامها معنى. وقد ورد دليل آخر على اشتراط ستر العورة قيه، وهو ما رُوي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: كنت مع عليّ حين بعثه رسول الله ﷺ ببراءة إلى أهل مكة قال: فأمرنا رسول الله ﷺ أن ننادي ألا يدخل الجنة إلا مؤمن، وألاَّ يحج بعد هذا العام مشرك، وألاَّ يطوف بالبيت عُريان. والسبب في ذلك: أن الناس في الجاهلية كانوا يطوفون بالبيت عراة، ويرون ذلك أفضل؛ ليكونوا كما خُلِقوا، وكانت المرأة تشد على فرجها سيوراً. وقيل: كانوا يفعلون ذلك، ويقولون: لا نعبد ربنا فى ثياب عصيناه فيها، وقد سمى الله تعالى ذلك: فاحشة، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا﴾ [الأعراف: ٢٨]، وإذا ثبت أن ذلك شرط كما فى الصلاة، ظهر منه أنه لا بد من طهارة البدن والثوب، وكذا المطاف؛ لأنه كموضع الصلاة. لكن قد عمت البلوى بغلبة النجاسة في موضع الطواف من جهة الطير وغيره؛ فلأجل ذلك اختار جماعة من أصحابنا المتأخرين المحققين - كما قال النواوي - في "المناسك" أنه يعفى عنها، وأنه ينبغي أن يقال: يعفى عمَّا يشق، الاحتراز عنه

стр. 3468

من ذلك، كما عفي عن دم القمل والبراغيث والبق وونيم الذباب وهو روثه، وكما عفي عن الأثر الباقي بعد الاستجمار، والقليل من طين الشوارع الذي تيقَّنَّا نجاسته، وعن النجاسة التي لا يدركها الطرف في الماء والثوب على المذهب المختار. [و] قال: وقد سئل الشيخ أبو زيد المروزي إمام أصحابنا الخراسانيين عن مسألة من هذا النحو، فقال بالعفو، وقال: الأمر إذا ضاق اتسع. ولأن محل الطواف في زمن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ ومن بعدهم من سلف الأمة وخلفها، لم يزل على هذا الحال، ولم يمتنع أحد من الطواف لذلك، ولا ألزم النبي ﷺ ولا من يقتدي به [من بعده] أحدًا بتطهير المطاف عن ذلك، ولا أمروه بإعادة الطواف لذلك. وقد اندرج فيما ذكره الشيخ عدم صحة طواف النائم؛ لأنه محدث على الصحيح. وقد قال الإمام: إن هذا يقرب [من] صرف الطواف إلى طلب غريم، ويجوز أن يقطع بوقوعه موقعه.

стр. 3469

قال في "الروضة": قلت: الأصح صحة طوافه، والله أعلم. فإن قلت: إذا كان الطواف بالبيت صلاة؛ فينبغي إذا أحدث في أثنائه أن يبطل، وكذا إذا سبقه الحدث على الجديد؛ كما في الصلاة. قلت: الكلام في هذا يتوقف على معرفة أصل آخر مستقل بنفسه، وهو أن الموالاة في الطواف هل هي شرط فيه أم لا؟ [وفيه قولان] محكيان في طريق العراقيين من غير بناء على شىء. أحدهما - وهو الجدبد، والصحيح لا؛ لأنه عادة لا يبطلها التفريق اليسير؛ فلم يبطلها التفريق الكثير، كالزكاة. وإنما قلنا: لا ييطلها التفريق اليسير؛ لإجماعهم على إباحة جلوسه للاستراحة؛ وهذا القول هو الذي يفهم من كلام الشيخ حيث لم يتعرض لبطلانه عند فقد الموالاة كما تعرض لإبطاله عند فقد الطهارة وغيرها. والثاني -وهو القديم-: أنها شرط؛ لأنها عبادة تتعلق بالبيت، فأبطلها التفريق كالصلاة. وقد بنى المراوزة القولين هنا على القولين في الموالاة في الوضوء. قال الإمام: وربما كان شيخي يجعل الطواف أولى بالموالاة، وليس يبين [لي] فرق به مبالاة. ثم قال الإمام: والمرجع في التفريق الكثير واليسير إلى ما يغلب على الظن [الإضراب [به] عن الطواف وترك] الإضراب [عنه].

стр. 3470

وقال غيره من أهل طريقه: إن محل القولين في أن التفريق الكثير مضر [أو لا]؟ إذا كان بغير عذر. أما إذا حصل بعذر فطريقان؛ كما في الوضوء: أحدهما: القطع بأنه لا يضر. والثاني: إجراء القولين [أيضاً]. فإذا عرفت ذلك، رجعنا إلى مسألتنا، فنقول: إن قلنا بالجديد - وهو أنه لا يضر فيه التفريق- كان الحكم فيما إذا أحدث [أو سبقه الحدث واحداً، وهو أنه يوضأ، ويبنى على طوافه من حيث أحدث] إن كان حدثه بعد انتهاء طوفته؛ بأن بلغ الحجر وإن كان قبل تمام طرفته، فوجهان في "الحاوي". أحدهما: يبني من موضع خروجه - أيضاً - وهو الأصح. والثاني: يستأنف الطوفة من ابتدائها ولا يبني على ما مضى منها؛ لأن التفريق بين أعداد الطوفات جائز؛ لأن لكل طوفة حكم نفسها، وليس كذلك الطوفة الواحدة. وإن قلنا بالقديم: فإن أحدث استأنف الطواف كله بعد تجديد الطهارة. وإن سبقه الحدث، فإن قلنا إن التفريق بالعذر لا يضر، كان الحكم كالحكم فيما إذا قلنا بالجديد. وإن قلنا: إنه يضر، فإن قلنا: إن الصلاة لا تبطل بسبق الحدث، فالطواف أولى، وإلاَّ فقولان. والفرق: أن الصلاة في حكم الخصلة الواحدة لا يتخللها الكلام والأفعال الكثيرة، بخلاف الطواف؛ كذا قاله المراوزة، وأبداه الشيخ أبو حامد احتمالاً. ثم ما ذكرناه إذا طال الزمان قبل التطهر، أما إذا قصر؛ بحيث لا يعد تفريقاً في الطهارة، فإن كان في حال سبق الحدث، قال القاضي الحسين: توضأ وأتم طوافه. وإن تعمد الحدث، فوجهان، وقيل: قولان، وهو الذي ذكره العراقيون: أحدهما: يبني - أيضاً - لأن هذا تفريق يسير، والتفريق اليسير - كما ذكرنا -
следующие страницы →