Полный текст (9 685 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.
стр. 3466
أحدهما: أنه يقع عن الحامل.
والثاني: [أنه] يقع عن المحمول، وهو الأصح.
وفيه قول ثالث: أنه يقع عنهما، حكاه النواوي في "المناسك"، وقال: إن الحامل إذا كان محرماً، لم يطف عن نفسه، وقصد بالطواف نفسه فقط، أو قصدهما، أو لم يقصد شيئاً - وقع عن الحامل، ولم يحك غيره.
قال: وإن طاف محدثاً أو نجساً أى: عليه نجاسة غير معفو عنها - أو مكشوف العورة، أو طاف على جدار الحجر- أى: حائطه – أو [على] شاذروان الكعبة-: لم يجزئ.
هذا الفصل ينظم مسائل:
ومنها اشتراط الطهارة عن الحدث والخبث وستر العورة في الطواف، سواء فيه طواف القدوم، أو طواف الزيارة، أو طواف الوداع.
وقد حكى الإمام عن أبي يعقوب الأبيوردي من أصحابنا وجهاً: أنه يصح طواف القدوم من غير طهارة، ثم قال يجبر بدم وهو غلط.
والصحيح ما ذكره الشيخ، ووجه ذلك: ما روى طاووس عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه النطق، فمن نطق فلا يطق إلا
стр. 3467
بخير".
ووجه الدلالة منه من وجهين:
أحدهما: أنه سماه: صلاة، وهو لا يضع الأسماء اللغوية، وإنما يكسبها أحكاماً شرعية، وإذا ثبت أنه في الشرع صلاة، لم يجز بدون طهارة الحدث والخبث [ولا] مع كشف العورة.
والثاني: أنه جعله صلاة، واستثنى من أحكامها الكلام، فلو كان الطواف صلاة في معنى دون معنى، لم يكن لاستثناء حكم واحد من جملة أحكامها معنى.
وقد ورد دليل آخر على اشتراط ستر العورة قيه، وهو ما رُوي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: كنت مع عليّ حين بعثه رسول الله ﷺ ببراءة إلى أهل مكة قال: فأمرنا رسول الله ﷺ أن ننادي ألا يدخل الجنة إلا مؤمن، وألاَّ يحج بعد هذا العام مشرك، وألاَّ يطوف بالبيت عُريان.
والسبب في ذلك: أن الناس في الجاهلية كانوا يطوفون بالبيت عراة، ويرون ذلك أفضل؛ ليكونوا كما خُلِقوا، وكانت المرأة تشد على فرجها سيوراً.
وقيل: كانوا يفعلون ذلك، ويقولون: لا نعبد ربنا فى ثياب عصيناه فيها، وقد سمى الله تعالى ذلك: فاحشة، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا﴾ [الأعراف: ٢٨]، وإذا ثبت أن ذلك شرط كما فى الصلاة، ظهر منه أنه لا بد من طهارة البدن والثوب، وكذا المطاف؛ لأنه كموضع الصلاة.
لكن قد عمت البلوى بغلبة النجاسة في موضع الطواف من جهة الطير وغيره؛ فلأجل ذلك اختار جماعة من أصحابنا المتأخرين المحققين - كما قال النواوي - في "المناسك" أنه يعفى عنها، وأنه ينبغي أن يقال: يعفى عمَّا يشق، الاحتراز عنه
стр. 3468
من ذلك، كما عفي عن دم القمل والبراغيث والبق وونيم الذباب وهو روثه، وكما عفي عن الأثر الباقي بعد الاستجمار، والقليل من طين الشوارع الذي تيقَّنَّا نجاسته، وعن النجاسة التي لا يدركها الطرف في الماء والثوب على المذهب المختار.
[و] قال: وقد سئل الشيخ أبو زيد المروزي إمام أصحابنا الخراسانيين عن مسألة من هذا النحو، فقال بالعفو، وقال: الأمر إذا ضاق اتسع.
ولأن محل الطواف في زمن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ ومن بعدهم من سلف الأمة وخلفها، لم يزل على هذا الحال، ولم يمتنع أحد من الطواف لذلك، ولا ألزم النبي ﷺ ولا من يقتدي به [من بعده] أحدًا بتطهير المطاف عن ذلك، ولا أمروه بإعادة الطواف لذلك.
وقد اندرج فيما ذكره الشيخ عدم صحة طواف النائم؛ لأنه محدث على الصحيح. وقد قال الإمام: إن هذا يقرب [من] صرف الطواف إلى طلب غريم، ويجوز أن يقطع بوقوعه موقعه.
стр. 3469
قال في "الروضة": قلت: الأصح صحة طوافه، والله أعلم.
فإن قلت: إذا كان الطواف بالبيت صلاة؛ فينبغي إذا أحدث في أثنائه أن يبطل، وكذا إذا سبقه الحدث على الجديد؛ كما في الصلاة.
قلت: الكلام في هذا يتوقف على معرفة أصل آخر مستقل بنفسه، وهو أن الموالاة في الطواف هل هي شرط فيه أم لا؟ [وفيه قولان] محكيان في طريق العراقيين من غير بناء على شىء.
أحدهما - وهو الجدبد، والصحيح لا؛ لأنه عادة لا يبطلها التفريق اليسير؛ فلم يبطلها التفريق الكثير، كالزكاة.
وإنما قلنا: لا ييطلها التفريق اليسير؛ لإجماعهم على إباحة جلوسه للاستراحة؛ وهذا القول هو الذي يفهم من كلام الشيخ حيث لم يتعرض لبطلانه عند فقد الموالاة كما تعرض لإبطاله عند فقد الطهارة وغيرها.
والثاني -وهو القديم-: أنها شرط؛ لأنها عبادة تتعلق بالبيت، فأبطلها التفريق كالصلاة.
وقد بنى المراوزة القولين هنا على القولين في الموالاة في الوضوء.
قال الإمام: وربما كان شيخي يجعل الطواف أولى بالموالاة، وليس يبين [لي] فرق به مبالاة.
ثم قال الإمام: والمرجع في التفريق الكثير واليسير إلى ما يغلب على الظن [الإضراب [به] عن الطواف وترك] الإضراب [عنه].
стр. 3470
وقال غيره من أهل طريقه: إن محل القولين في أن التفريق الكثير مضر [أو لا]؟
إذا كان بغير عذر.
أما إذا حصل بعذر فطريقان؛ كما في الوضوء:
أحدهما: القطع بأنه لا يضر.
والثاني: إجراء القولين [أيضاً].
فإذا عرفت ذلك، رجعنا إلى مسألتنا، فنقول: إن قلنا بالجديد - وهو أنه لا يضر فيه التفريق- كان الحكم فيما إذا أحدث [أو سبقه الحدث واحداً، وهو أنه يوضأ، ويبنى على طوافه من حيث أحدث] إن كان حدثه بعد انتهاء طوفته؛ بأن بلغ الحجر وإن كان قبل تمام طرفته، فوجهان في "الحاوي".
أحدهما: يبني من موضع خروجه - أيضاً - وهو الأصح.
والثاني: يستأنف الطوفة من ابتدائها ولا يبني على ما مضى منها؛ لأن التفريق بين أعداد الطوفات جائز؛ لأن لكل طوفة حكم نفسها، وليس كذلك الطوفة الواحدة.
وإن قلنا بالقديم: فإن أحدث استأنف الطواف كله بعد تجديد الطهارة.
وإن سبقه الحدث، فإن قلنا إن التفريق بالعذر لا يضر، كان الحكم كالحكم فيما إذا قلنا بالجديد.
وإن قلنا: إنه يضر، فإن قلنا: إن الصلاة لا تبطل بسبق الحدث، فالطواف أولى، وإلاَّ فقولان.
والفرق: أن الصلاة في حكم الخصلة الواحدة لا يتخللها الكلام والأفعال الكثيرة، بخلاف الطواف؛ كذا قاله المراوزة، وأبداه الشيخ أبو حامد احتمالاً.
ثم ما ذكرناه إذا طال الزمان قبل التطهر، أما إذا قصر؛ بحيث لا يعد تفريقاً في الطهارة، فإن كان في حال سبق الحدث، قال القاضي الحسين: توضأ وأتم طوافه.
وإن تعمد الحدث، فوجهان، وقيل: قولان، وهو الذي ذكره العراقيون:
أحدهما: يبني - أيضاً - لأن هذا تفريق يسير، والتفريق اليسير - كما ذكرنا -
стр. 3471
لا يقطع الموالاة.
والثاني: أن الزمان القصير صيَّره الحدث كالزمان الطويل من غير حدث، وهذا يعضده ما حكاه القاضي أبو حامد في جامعه: أن الشافعي ﵁ – قال: فإن قطعه بغير عذر، وزايل موضعه، وهو فى المسجد - استأنف؛ قياساً على الصلاة.
وقال الإمام: هذا الفعل يضاهي تخلل الردة في أثناء الطهارة مع قصر الزمان؛ فإن من أصحابنا من ألحق ذلك بالتفريق الطويل، ومنهم من قطع رباط الطهارة بها، ومنهم هن ألحقها بالتفريق اليسير.
وحكم الخارج [من طوافه لحاجة حكم الخارج منه بالحدث؛ قاله الماوردي.
وأما الخارج] منه [بالإغماء، فقد نص الشافعي ﵁ في "الأم" على أنه إذا عاد، استأنف الوضوء والطواف، قريباً كان أو بعيداً.
والفرق بين ذلك وبين ما إذا خرج منه] بالحدث - وإن كان كل منهما مانعاً من الطواف - زوال تكليفه بالإغماء؛ فزال به حكم البناء، وبقي تكليفه هع الحدث فبقي حكم البناء.
ومنها: إذا طاف على جدار الحجر أو على شاذروان الكعبة، [لم يجزئه] والكلام على هذا مع من لم يره يتوقف على معرفة كيفية الحجر والشاذروان، فنقول - وإن طال [القول].
الحِجْر بكسر الحاء، وإسكان الجيم - محوط على صورة نصف دائرة فيما بين الركن الشامي والغربي، له بابان متقابلان في آخره، وأرضه مفروشة برخام، وهو مستوٍ بالشاذروان الذي تحت إزار الكعبة.
قال الأزرقي: وعرضه من جدار الكعبة الذي تحت الميزاب إلى جدار الحجر سبعة عشرة ذراعاً وثمانية أصابع، وذرع ما بين بابي الحجر عشرون ذراعاً، وعرضه اثنان وعشرون ذراعاً، وذرع جداره من داخله في الماء ذراع وأربعة عشر أصبعاً،
стр. 3472
[وذرعه] مما يلي الباب الذي يلي المقام ذراع وعشرة أصابع، وذرع جداره الغربي في الماء ذراع وعشرون أصبعاً، وذرع جدار الحجر من خارج مما يلي الركن الشامي ذراع وستة عشر أصبعاً، وطوله من وسطه في السماء ذراعان، وثلاثة أصابع، وعرض الجدار ذراعان إلا أصبعين ومع [تدوير الحجر من داخله ثمانية وثلاثون ذراعاً، وذرع تدويره من خارج أربعون ذراعاً وستة أصابع وذرع] طوفة واحدة حول الكعبة والحجر مائة ذراع وثلاثة وعشرون ذراعاً واثنا عشر أصبعاً.
وقد اتفق أكثر الناس على أن بعض الحجر من البيت وبعضهم يقول: كله من البيت، ومنهم ابن عباس، وعمر، وابن عمر، ﵃.
ويدل عليه ما رُوي عن عائشة – ﵂ – [أنها] قالت: كنت أحب أن أدخل البيت فأصلي فيه، فأخذ رسول لاله ﷺ بيدي، وأدخلني الحجر، وقال: "صلى في الحجر إذا أردتِ دخول البيت؛ فإنما هو قطعة من البيت، لكن قومك اقتصروا حين بنوا الكعبة، فأخرجوه من البيت"، وقوله- ﵇ " [فضرت بهم] النفقة" ليس [معناه]: أن مال قريش لم يتسع لبناء البيت، أو بخلوا به، ولكن كان للكعبة أموال طيبة من النذور والهدايا، فقالوا: لا ننفق على البيت من أموالنا التي جرى فيها الربا، ولكن ننفق [من] مال البيت فيه، فقصر ذلك المال.
وكان بناؤهم لذلك قبل البعثة بعشر سنين.
والقائلون بأن بعضه من البيت اختلفوا:
فمنهم من قال: ذلك البعض ستة أذرع، وما زاد ليس من البيت، وهو الذي رأيته
стр. 3473
في "النهاية"، وحكاه النواوي في "المناسك" عن كثيرين من أصحابنا.
وإن منهم من قال: إنه سبعة أذرع وبهذا المذهب قال الشيخ أبو محمد الجويني، وولده إمام الحرمين، والبغوي قال: وزعم الرافعي أنه الصحيح.
ومنهم من قال: إنه قرب من سبعة أذرع، وبه قال في "الحاوي".
وقد جاء في الحديث، أنه خمسة أذرع، ولم أر أحداً قال به غير أن كلام الإمام يمكن أخذه منه، فإنه قال: "إنهم أخرجوا من جانب البيت ستة أذرع من عرض البيت".
وإذا كان كذلك فالشاذروان يسقط من ذلك، ويبقى الباقي يداني خمسة أذبع.
نعم: حكى القاضي أبو الطيب أن الشافعي ﵁ قال: أخبرني بعض أهل العلم من قريش أن الذي أخرج من الكعبة [إلى] الحجر خمسة أذرع.
وليس البيت الآن هو المبني في ذلك الوقت الذي أدركه رسول الله ﷺ ، بل هو مثله إلا في طوله؛ فإنه كان ثمانية عشر ذراعاً، فزيد فيه تسعة أذرع؛ فصار سبعة وعشرين ذراعاً.
وسبب ذلك أن ابن الزبير لما خرج إلى مكة بعد أن أحرق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاه أهل الشام، قال: وأيها الناس أشيروا عليَّ في الكعبة أنقضها ثم أنشئ بناءها أو أصلح [ما] وَهَي منها؟ ".
فقال ابن عباس: بأبي [أنت وأمي] [قد] فرق لي رأي فيها: أرى أن تصلح منها [ما وَهَى،] وتدع بيتاً [أسلم إلناس عليه، وأحجاراً]، أعلم الناس عليها، وبعث عليها النبي ﷺ .
فقال [ابن] الزبير: "لو كان أحدكم أحرق بيته ما رضي حتى يُجِدَّه؛ فكيف
стр. 3474
بيت ريكم؟ إني مستخير ربي ثلاثاً، ثم عازم على أمري".
فلما مضى الثلاث أجمع أمره على أن ينقضها، فتحاماه الناس، ثم نقضوه حتى بلغوا به الأرض، وزاد فيه خمسة أذرع من الحجر حتى أبدى أساساً، فنظر الناس إليه فبنى عليه البناء، وألصق أرضه بالأرض، وجعل له بابًا شرقيًّ وباباً غربيًّا، وكان مستنده في ذلك ما رُوي عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها: "لولا حدثان قومك بالشرك، لهدمت البيت، ولبنيته على قواعد إبراهيم، وألصقته بالأرض، وجعلت له بابين باباً شرقيًّا يدخل الناس منه، وبابا غربيًّا يخرج الناس منه".
فلما ظهر الحجاج على ابن الزبير وقتله، هدم البيت بالمنجنيق بأمر عبد الملك بن مروان وبناه هذه البنية التي هو عليها الآن.
وفي "الحاوي": أنه هدم زيادة ابن الزبير التي استطوف يها القواعد، وهو قول الأزرقي في تاريخ مكة، وأن الحجاج بناها على أساس قريش الذي كانت استقصرت عليه، وكبسها بما هدم منها، وسدّ الباب الذي في ظهرها، وترك سائرها لم يحرك منه شيئاً، وكل شيء فيها بناء ابن الزبير إلا الجدار الذي في الحجر؛ فإنه بناء الحجاج، وسد الباب الذي في ظهرها، وما تحت عتبة الباب الشرقي الذي يدخل منه، ثم همَّ عبد الملك لما صح عنده الخبر بهدمه وإعادته على الهيئة التي أشار إليها رسول الله ﷺ ، فقل له: لا تفعل كي لا يصير ذلك [ملعبة للملوك].
وقد حكى القاضي أبو الطيب: أن الشافعي ﵁ قال: "وأحب أن تترك الكعبة على حالها؛ لأن هدمها يذهب بحرمتها، ويصير كالتلاعب بها، فلا يريد إنسان ولي تغييرها إلا هدمها؛ فلذلك استحسنا تركها على ما هي عليه".
والشاذروان هو القدر الذي ترك من عرض الأساس خارجاً عن عرض الجدار مرتفعاً عن وجه الأرض قدر ثلثي ذراع، والتارك له -كما قال النواوي؛ حكاية عن أصحابنا وغيرهم- قريش حين بنوا البيت، وضاقت بهم النفقة، وهو ظاهر في جوانب
стр. 3475
البيت، لكن لا يظهر عند الحجر الأسود.
وكلام الإمام يقتضي أنه من الركن اليماني إلى الحجر؛ فإنه قال لما ضاقت بهم النفقة، أخرجوا من جانب الحجر ستة أذرع من [غير] عَرْصة البيت، وضيقوا عرض الجدار من الركن اليماني والحجر الأسود، وأخرجوا من أساس الجدار بعضه، وهو الذي يسمى: الشاذروان.
ولعل عدم ظهوره عند الحجر لأنه انمحق، أو [رأوا رفَعْه] لتهوين الإستلام وتيسيره، وقد سمى المزنى الشاذروان تأزير البيت، ومعناه: التأسيس.
وقيل تشبيهاً له بالإزار.
وعن ابن عباس: أنه سمَّاه: الحطيم؛ لأن البيت - شرفه الله تعالى - رفع، وترك [هو] محطوماً.
وقيل: لأن العرب كانت تطرح فيه ما طافت به [من] الثياب، فيبقى حتى يحطم بطول الزمان.
فإذا عرف ذلك [قلنا: إنما لم يصح طوافه على جدار الحجر: أما على قول من قال: إن كل الحجر من البيت فلأنه حينئذ] يكون طائفاً [في البيت] لأن الجدار في محاذاة الكعبة، والله –تعالى- يقول ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وهذا طائف بالبيت الجديد.
وأما على قول من صار إلى أن بعضه من البيت؛ فلأنه في القدر الذي منه يكون
стр. 3476
طائفاً بالكعبة، لا بها؛ فلم يصح؛ لما ذكرناه.
نعم: قال الإمام - تبعاً للقاضي الحسين إنه [لو] خلف من الحجر مقدار الأذرع الستة على رأيه، واستظهر، ثم اقتحم في طوافه الجدار وراء ذلك، وتخطى الحجر على هذا السمت اعتد بطوافه وإن كان ما جاء به مكروهاً.
وقال الرافعي: إنه الصحيح.
قال النواوي في "الروضة"، و"المناسك": والمذهب الصحيح الذي نص عليه الشافعي ﵁ وبه قطع جماهير أصحابنا، وهو الصواب -: أنه لا يصح طوافه؛ لأن النبي طاف خارج الحجر، وهكذا الخلفاء الراقدون، وغيرهم من الصحابة، فمن بعدهم.
وقد روي في الصحيحين: أن الحجر من البيت.
وروي: ستة أذرع من الحجر من البيت.
وروي: ستة أذرع، أو نحوها من البيت.
وروي: خمسة أذرع.
وروي: قريباً من سبع.
وإذا اضطربت الروايات تعين الأخذ بأكثرها ليسقط الفرض بيقين؛ قاله ابن الصلاح.
стр. 3477
قال النواوي: قلت: ولو سلم أن بعض الحجر ليس من البيت، لا يلزم منه ألا يجب الطواف خارج جميعه؛ لأن المعتمد في باب الحج الاقتداء بفعل النبي ﷺ ؛ فيجب الطواف بجميعه، سواء كان من البيت، أو لا.
وإنما لم يصح طوافه على شاذروان الكعبة، لأنه طاف في البيت لا به؛ فلم يصح؛ لما ذكرناه.
نعم: لو كان جسده خارج البيت، وأدخل يده في هواء الشاذروان فالذي ذهب إليه الأكثرون: أنه لا يعتد بهذا الطواف أيضاً، فإن الشرط أن يكون جميع بدنه منفصلاً عن البيت.
قال الإمام: وذكر بعض أصحابنا وجها آخر بعيداً: أنه يعتد به.
وقد قال في "الوسيط" إنه الأظهر؛ لأنه يسمى: طائفاً بالبيت.
والأصح عند النواوي وغيره الأول.
قال [النواوي] في "المناسك": وينبغي أن نبينه هنا؛ لدقيقة وهي أن من قبل الحجر، فرأسه في حال التقبيل في جزء من البيت؛ فيلزمه أن يقر قدميه في موضعهما حتى يفرغ من التقييل، ويعتدل قائماً؛ لأنه لو زالت قدماه عن موضعهما إلى جهة الباب قليلاً - ولو قدر بعض شبر - في حال تقبيله، ثم لما فرغ من التقبيل اعتدل عليهما في الموضح الذي زالتا إليه، ومضبى من هناك في طوافه - لكان قد قطع جزءاً من مطافه ويده في هواء الشاذروان؛ فتبطل طوفته تلك.
تنبيه: كلام الإمام يقتضي أمرين:
أحدهما: أن الطواف داخل البيت أو على ظهره لا يجزئ؛ لأنه إذا لم يجزئ على الشاذروان؛ لما ذكرناه، فداخل البيت، وعلى ظهره من طريق الأولى، وقد صرح به الأصحاب.
الثاني: أنه لو طاف خارج المسجد لا يجزئ أيضاً.
لأنه حينئذ [يكون] طائفاً بالمسجد لا بالبيت، وقد صرح به الأصحاب؛ كما حكينا، من قبل.
стр. 3478
نعم: لو وسع المسجد، فحيث طاف فيه أجزأه والأكمل ما ذكرناه من قبل.
وقد كان المسجد في عهد رسول الله ﷺ أصغر مما هو عليه الآن فاشترى عمر دوراً، وزادها فيه، واتخذ للمسجد جداراً قصيراً دون القامة، وهو أول من اتخذ جداراً للمسجد الحرام، ثم وسَّعه عثمان كذلك، واتخذ الأروقة، وكان أول من اتخذها للمسجد الحرام.
وقيل: أول من اتخذها عبد الله بن الزبير في خلافته، ثم وسعه الوليد بن عبد الملك ثم المنصور، ثم المهدي، وعليه استقر بناؤه إلى وقتنا هذا؛ قاله في "الروضة".
قال: وإن طاف من غير نية، أي: تخصه - فقد قيل: يصح؛ لأن نية الحج تأتي عليه؛ كما تأتي على الوقوف؛ وهذا ما صححه النواوي، وجزم به الإمام عند الكلام [في الطواف بالصبي، وكذا ابن الصباغ عند الكلام] فيما إذا [طاف للوداع، ولم يكن قد] طاف طواف الزيارة.
وقيل: لا يصح؛ لأنه عبادة تفتقر إلى السير، فافتقرت إلى النية؛ كركعتي المقام؛ وهذا ما اختاره في "المرشد".
وحكى في "الوسيط" وجهاً ثالثاً: أنه يجزئ إلا إذا صرفه إلى طلب غريم، أو
стр. 3479
قصد آخر؛ وهذا من تخريج الإمام؛ بناء على أن صرف نية الوضوء إلى قصد التبرد هل تؤثر فيه أم لا؟
وقد رأيته في "تعليق القاضي أبي الطيب" مجزوماً به قبيل الكلام في الرمي أيام منى.
وهذا الخلاف في طواف الفرض، سواء كان في حج أو عمرة.
وأما طواف الوداع، فلا شك في أنه لا بد من النيَّة لفقد ما ذكرناه من علة عدم اشتراطها آنفاً؛ لأنه يقع بعد التحلل التام.
ومن طريق الأولى اشتراطها في الطواف المنذور والنفل، وقد صرح به في "الوسيط" حيث قال: "أما الطواف ابتداء فعبادة مفتقرة إلى النية".
وطواف القدوم يحتمل إجراء الوجهين فيه؛ كما يشعر به إيراد الشيخ وسياق كلامه؛ لأنه من سننه الداخلة في العبادة.
بل قال المزني: إنه نسك فيه؛ حتى يجب بتركه الدم، وهو الذي حكاه القاضي أبو الطيب عن بعض الأصحاب عقيب الكلام في طواف الوداع، وإذا كان من سننه [أو نسكاً] [له]، كانت النية منسحبة عليه؛ كما في سنن الوضوء.
لكن في ابن يونس ما يفهم الجزم باشتراط النية فيه.
وما حكيته في باب الإحرام عند الكلام فيما إذا أحرم مطلقاً عن الشيخ أبي حامد يفهم جزمه بعدم اشتراط النيَّة فيه.
وقد أفهم ما ذكرناه من قياس القول الأول: أنه لا يجري مثل القول الثاني في
стр. 3480
الوقوف بـ"عرفة"، [وبـ"مزدلفة"]، وهو المذكور في "تعليق القاضي أبي الطيب"؛ فإنه قال: أفعال الحج كالوقوف بـ"عرفة" وبـ"مزدلفة"، والطواف، والسعي، هل يفتقر كل فعل منها إلى نيّة أم لا؟
اختلف أصحابنا في ذلك على ثلاثة مذاهب:
قال أبو إسحاق: ليس شيء منها يفتقر إلى نية سوى الطواف؛ لأنها أبعاض الحج، ونية الحج تشملها؛ [كما أن الركعات أبعاض الصلاة، ونية الإحرام تشملها] وإنما افتقر الطواف إلى النية؛ لأنه صلاة، والصلاة تفتقر إليها.
وقال ابن أبي هريرة: ما كان من هذه المواضع يختص بفعل [: كالسعي، والطواف والرمي- افتقر إلى النية، وما لم يكن يختص بفعل]، وإنما هو لبث مجرد: كالوقوف بـ"عرفة"، و"مزدلفة"، فإنه لا يفتقر إلى نية.
وحكى ابن المرزبان عن بعض أصحابنا: أن جميع ذلك لا يفتقر إلى النية.
لكن في "تعليق القاضي الحسين" في باب فوات الحج بلا إحصار: أن الشافعي- ﵁ قال: القصد والإقامة يعتبر في الحج في أربعة أشياء: في الإحرام، و [في] الوقوف، والطواف، والسعي.
وقد حكى في "التتمة" وجهين في افتقار كل ذلك إلى النية، وسنذكرهما من بعد، واعلم أن قولنا: "إن الطواف الفرض يفتقر إلى النية"، نريد بذلك نية أصل الفعل، لا كونه فرضاً؛ يدل على ذلك: أن الأصحاب قالوا: لو طاف للوداع، ولم يكن قد طاف طواف الزيارة، انصرف إليه.
وإن قلنا: إن طواف الوداع واجب؛ كما لو أحرم بحج منذور، وعليه فرض الإسلام – ينصرف إلى حج الإسلام، وفيه شيء سنذكره؛ ولذا قالوا لو طاف المحرم بالحج معتقداً أنه محرم بعمرة، أجزأه عن الحج؛ ذكره في "الروضة" عن الروياني.
قال: ثم يصلي ركعتي الطواف؛ لما روى أبو داود عن عبد الله بن أبي أوفي أن
стр. 3481
رسول الله ﷺ اعتمر، وطاف بالبيت، وصلى خلف المقام ركعتين، ومعه من يستره من الناس، فقيل لعبد الله: أدخل رسول الله ﷺ الكعبة؟ قال: لا.
وفي رواية: "ثم أتى الصفا والمروة، فسعى بينهما سبعاً ثم حلق رأسه"، وأخرجه البخاري ومسلم، لكنه مختصر.
وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان إذا طاف بالبيت في الحج والعمرة أول ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت، ثم يمشي أربعاً، ثم يصلي سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة، والسجدة يعبَّر بها عن الركعة كثيراً.
وقد جاء مفسراً في رواية مسلم عنه – أيضاً- أنه قال: "قدم رسول الله ﷺ ، فطاف بالبيت سبعاً، وصلى خلف المقام ركعتين، وبين الصفا والمروة سبعاً جميعاً، وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة".
قال: والأفضل أن يكون خلف المقام؛ لما رواه جابر في صفة حج رسول الله ﷺ قال: "ثم نفر إلى مقام إبراهيم- ﵇ فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، فجعل المقام بين البيت وبينه، وكان أبي يقول – ولا أعلمه ذكره إلا عن رسول الله ﷺ : كان يقرأ في الركعتين: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا
стр. 3482
الْكَافِرُونَ﴾ "، انتهى.
والقائل: "كان أبي" هو جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر، كأنه شك في هذا الفصل: هل رفعه جابر عن رسول الله ﷺ أم لا؟
فإن قيل: الآية والخبر ظاهرهما دال على الوجوب؟
قبل في جوابه: هي صلاة؛ فلا تختص بمكان معين؛ كسائر الصلوات؛ فلذلك حملناهما على الاستحباب.
قال القاضي الحسين: ولو لم يفعلها خلف المقام، فالمستحب أن يفعلهما في الحجر؛ [لأن ابن عمر فعلهما في الحجر] تحت الميزاب.
قال في "التهذيب": فإن لم يفعل، ففي المسجد؛ فإن لم يفعل، ففي أي موضع شاء.
قال: يقرأ في الأولى بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثانية ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ لما ذكرناه من خبر جابر.
قال: وهل تجب هذه الصلاة أم لا؟ فيه قولان:
أصحهما: أنها لا تجب؛ لقوله ﷺ [في قصة الأعرابي]: "خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة" فقال: هل عليّ غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطوع"، وهذه زائدة على الخمس.
ولأنها صلاة ذات ركوع وسجود، لم يشرع لها أذان ولا إقامة، ولا تتقيّد بوقت مخصوص؛ فلم تجب بالشرع؛ كسائر النوافل.
وأيضاً: فقد ذكر الشافعي – ﵁ في القديم: أنه لو صلى فريضة بعد الطواف، حسبت له عن ركعتي الطواف؛ لرواية ذلك عن ابن عمر، ولم يذكر له مخالفة، ولو كانت واجبة لما دخلت في ضمن فريضة؛ لأن الواجبين لا يتداخلان؛ كذا قاله القاضي، وفيه شيء ستعرفه.
ووجه الوجوب: أنه ﷺ لما طاف راكباً، نزل فصلى الركعتين خلف المقام، فلو
стр. 3483
كانت غير واجبة، لصلى على الراحلة.
وأيضاً: فقد أطبق الناس على فعلهما، والسنن يندر فيها الاتفاق العملى.
ولأنها تابعة للطواف، فكانت واجبة، كالسعى.
والقائلون بالأول قالوا: [الحديث] لا حجة فيه؛ لأن صلاة النافلة على الراحلة لا تجوز في البلد، والطواف في البلد.
والسعي لم يجب؛ لكونه تابعًا للطواف، بل هو ركن في نفسه.
وأيضاً: فهو إذا أتى به مع طواف لا يأتي به مع آخر، فلم يكن من أتباعه، والصلاة تتبعه حيث فعل؛ فكانت من هيئاته.
ومحل القولين بالاتفاق في طواف الفرض؛ ولأجل ذلك قال الإمام; وإذا كان الطواف مفروضاً، فللشافعي ﵁ في ركعتيه قولان"، أما الطواف المتنفل به: كطواف القدوم، ونحوه - فقد ألحقه الماوردي بطواف الفرض في العمرة والحج.
وقال القاضي الحسين: إنهما سنة فيه قولاً واحداً؛ كما أن التشهد إذا كان واجباً، فالصلاة فيه على النبي ﷺ واجبة، وإذا كان سنة، فهي فيه سنة.
قال: وغلط ابن الحداد حيث جعل في ركعتي طواف النفل القولين.
وقد جعل الإمام ما جزم به القاضي الأصح، واعتذر [عن] ابن الحداد، فقال: ولا أراه يصير إلى إيجابهما على التحقيق، ولكنه رأى ركعتي الطواف جزءاً منه، ولم ير الاعتداد بالطواف المتطوع به دونهما؛ قإنه لا بد أن يشترط في النفل ما يشترط في الفرض: كالطهارة، والركوع.
وإذا كان كذلك، فقد تحقق من معاني كلام الأصحاب: أن الركعتين معدودتان من الطواف، أو لهما حكم الانفصال عنه.
وعلى هذا الخلاف ينبغي أن يخرج اشتراط الموالاة بينهما وبينه إن اشترطنا الموالاة فيه نفسه، لكن سنذكر عن الأصحاب خلاف ذلك.
التفريع: إن قلنا بالقول الصحيح، فيجوز له فعلهما قاعداً مع القدرة على القيام،
стр. 3484
وأن يجمع بينهما وبين الطواف بتيمم واحد، ويجوز أن يقيم مقامهما ركعتين فرضاً؛ اعتباراً بتحية المسجد؛ كما قال الصيدلاني، وهو ما حكيناه عن القديم من قبل.
وقال الإمام: إنه مما انفرد به الصيدلاني، والأصحاب على مخالفته؛ فإن الطواف يقتضى صلاة مخصوصة، والمسجد حقه ألا يجلس الداخل إليه حتى يصلى.
وإن قلنا بمقابله، فهل يجوز فعلهما قاعداً مع القدرة على القيام؟ فيه وجهان في "الحاوي" والبيان:
ووجه الجواز: أنهما من توابع الطواف، فلما جاز أن يطوف راكباً ومحمولاً مع القدرة على المشي، جاز أن يصلي قاعداً مع القدرة على القيام.
وهل يجوز أن يجمع بينهما وبين الطواف بتيمم واحد؟ فيه وجهان حكاهما الإمام.
ولا يقوم مقامهما صلاة ركعتين فريضة.
وعلى القولين معاً لا يتعين لفعلهما وقت ولا مكان، حتى لو أقيمتا بعد الرجوع إلى الوطن والتحلل وقعتا الموقع، ولا ينتهيان إلى القضاء والفوات مع بقاء الحياة.
قاله العجلي - وكذا النواوي، وهو متبع في ذلك الإمام، وقال: إنهما ليستا شرطاً في الطواف، ولا ركناً فيه وإن لم يصِر إلى ذلك أحد من الأصحاب، وأنه لا يجبر تأخيرهما ولا تركهما بدم ولا غيره.
لكن في "تعليق القاضي الحسين": أنا إذا قلنا: إنهما غير واجبتين، كان حكمهما في القضاء حكم النوافل.
وإن قلنا بالوجوب، قضاهما.
وحكى القاضي أبو الطيب عن رواية أبي الحسن بن المرزبان عن رواية بعض أصحابنا: أنه قال: إذا لم يصلِّ رجعتي الطواف حتى رجع إلى أهله، لم يحصل له التحلل؛ لأن الركعتين بمنزلة جزء من الطواف، وإذا بقي عليه جزء من الطواف؛ فإنه لا يحصل له التحلل.
قلت: وهذا يؤيد ما وجه به مذهب ابن الحداد في طواف النفل كما سبق، ولعل هذا فيما إذا تركهما من طواف [يعقبه السعي؛ لأنه حينئذٍ يكون سعيه باطلاً؛ لأن من
стр. 3485
شرطه أن يقع بعد] [طواف] كامل، ولم يكمل الطواف بدون ركعتيه عند هذا القائل؛ فلذلك قال: إنه لا يتحلل.
أما إذا كان قد تركهما عقب طواف لم يسع بعده، فيظهر أن يحصل له التحلل –أيضاً- إذا صلاهما في منزله؛ إذ لا يتعين لفعلهما مكان كما تقدم.
وقد قال القاضي أبو الطيب: إن الصحيح: أن التحلل يحصل له وإن لم يصل الركعتين؛ لأنهما منفردتان عن الطواف؛ فهما بمنزلة السعي وما بعده.
وفي هذا نظر لا يخفى على متأمل، والله أعلم.
ثم على رأي الإمام: إذا فاتتا بالموت قبل فعلهما؛ قال: فينقدح أن يجبرا بالدم إذا قلنا بالوجوب؛ كسائر الواجبات.
وقد حكي عن الشافعي ﵁ أنه قال: إذا لم يصلهما حتى رجع إلى شعبه - أي: بيته - صلاهما وأراق دماً، وليس إراقة الدم بواجبة -كما تقدم- بلا خلاف، لكنها مستحبة.
وقد حكى النواوي عن الشافعي: أنه استحبها، لكن استحباب ذلك، هل هو مفرع على القول بالوجوب، أو على القولين؟ فيه وجهان:
المذكور فى "التتمة"، الأول.
والأصح في "تعليق القاضي الحسين" الثاني.
واعلم أن ركعتي الطواف تقعان للمستأجر لأداء النسك عنه.
قال الإمام: وليس في الشرع صلاة تجزئ فيها النيابة غير هذه.
وفي "الروضة" أن أصحابنا اختلفوا فيمن تقع عنه؟ فقيل: عن الأجير.
والأشهر: أنها عن المستأجر.
فرع: إذا أراد أن يطوف طوافين أو أكثر، استحب له أن يصلي عقيب كل طواف ركعتين، فلو طاف طوافين أو أكثر [بغير صلاة]، ثم صلى لكل طواف ركعتين جاز، لكنْ ترك الأفضل.
стр. 3486
ويستحب أن يدعو عقيب صلاة الركعتين خلف المقام بما أحب من أمور الآخرة والدنيا، والله أعلم.
قال: ثم بعود إلى الركن فيستلمه، ثم يخرج من باب الصفا؛ اقتداء بالنبي ﷺ ؛ فإن جابراً روى ذلك عنه حين وصف حجه ﷺ ، كما أخرجه مسلم وغيره.
قال الماوردي: ويستحب له بعد استلام الركن، وقبل خروجه أن يقف في الملتزم، ويدعو عنده؛ لأنه ﵇ فعله.
وأن يدخل الحجر ويدعو تحت الميزاب؛ لقوله ﵇ – "أما من أحد يدعو تحت الميزاب إلا استجيب له".
وقد روى أنه ﷺ كان يقول إذا جاوز ميزاب الكعبة: اللهم إني أسالك الراحة عند الموت، والعفو عند الحساب".
وقال ابن الصلاح: وظاهر الحديث الصحيح يدل على أن هذا مما لا ينبغي الاشتغال به عقيب الطواف الذي يستعقب السعي، بل يخرج إلى السعي، ويؤخر ذلك إلى ما بعد طواف آخر، ومن أراد ذلك عقب الطواف المستعقب للسعى، فينبغى
стр. 3487
أن يأتي به مقدماً على استلام الحجر.
وقد قال الغزالي: إنه يأتي الملتزم إذا فرغ من الطواف قبل فعل ركعتي الطواف.
قال ابن الصلاح: وهكذا الأمر في دخول البيت.
قال: [ويسعى؛] لأنه ﷺ لما فرغ من طوافه سعى بين الصفا والمروة - كما تقدم ذكره - وهو بيان لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾ الآية [البقرة: ١٥٨].
ومعنى قوله تعالى: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أي: من علامات مناسككم.
ومعنى قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، أي: لا حرج عليه في ذلك.
وسببه: أن الصفا كان عليه صنم يقال: له إساف، وعلى المروة صنم يقال له: نائلة، وكانت الجاهلية إذا سعت يمسحونهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام، كرهه المسلمون؛ لأجل ذلك؛ فنزلت الآية.
وروى مسلم عن عروة قال: قلت لعائشة ﵂ ما أرى عليَّ جناحًا [ألاَّ أطوف] بين الصفا والمروة، قالت: "لم"؟ قلت: "لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ " الآية [البقرة: ١٥٨]، فقالت: "لو كان كما تقول، لكان: "فلا جناح عليه ألا يطوف بهما"، إنما أنزل الله تعالى هذا في أناس من الأنصار كانوا إذا أهلوا، [أهلوا] [لمناة]، في الجاهلية؛ فلا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة".
وفي رواية: "ما أتمَّ الله حج امرئ ولا عمرته، لم يطف بين الصفا والمروة".
стр. 3488
وهذا من قول عائشة لا من قول رسول الله ﷺ ؛ كما قاله الماوردي.
فائدة: قال القاضي الحسين: الأصل في السعي قيل: قصة إبراهيم ﵇.
[روي أنه ﵇ أمر] ابنيه إسماعيل [وإسحاق] بالمسابقة، فاستبقا، فبسق إسماعيل إسحاق، فأجله في حجره، وإسحاق بين يديه على الأرض، فدخلت زوجته سارة أم إسحاق، فقالت: ولد أمتي تجلسه في حجرك، وولدي على الأرض؟!
فحلف إبراهيم ﵇ أن يهاجر يإسماعيل وأمه هاجر، فهاجر بهما إلى مكة، وحمل معهما جراباً من الزاد، وقربة من الماء، ومكة إذ ذاك ربوة حمراء، ليس بها ديار، ولا نافخ نار، فقالت هاجرت "إلى من تكلنا"؟ فقال: "إلى الله"، فقالت: "إذن لا يضيعنا الله"، فلما فني الزاد والماء، تحيرت هاجر فسمعت صوتاً من "صفاً فَزَقَتْهَا بقدر قامة رجل، ثم خفي ذلك الصوت، فنزلت وهي تمشى، فلما بلغت الموضع الذي يُبْدأ السعى منه، سمعت ذلك الصوت من "مروة"، فأخذت فى السعى الشديد، فلما بلغت المكان الذي يقطع فيه السعي، كانت قد سكنت فرجعت إلى سجية المشي حتى رقت "مروة" بقدر قامة رجل، وخفي الصوت، ثم سمعت [ذلك] الصوت من صفا بعد أن نزلت من "مروة"، وبلغت [الموضع الذي يقطع فيه السعي، فأخذت في السعي الشديد، فلما بلغت] الموضع الذي يبدأ فيه السعي، كانت قد سكنت فرجعت إلى سجية المشي حتى رقت] "صفا" هكذا سبع مرات.
وقيل: إنها لما رقت "الصفا" في المرة الأولى في طلب صاحب ذلك الصوت، سمعت ذلك الصوت من "مروة"؛ فنزلت من صفا، وقصدت "مروة"، وهى تمشي،
стр. 3489
فلما بلغت الموضع الذي يبدأ فيه السعي، صار ولدها يمري منها، فلم تحب أن تراه في الحال الشديد من العطش، فأخذت في السعي الشديد حتى غاب عن عينها، ثم رجعت إلى سجية المشي حتى رقت "مروة"، ثم سمعت من "صفا" فنزلت من "مروة" وقصدت "صفا"، وهي على سجية المشى، حتى بلغت الموضع الذي يقطع [فيه السعى] فصار ولدها يمري منها، فأخذت في السعي الشديد؛ كراهية أن تراه في الحال الشديد من العطش، حتى بلغت الموضع الذي يبدأ فيه السعي، ثم رجعت إلى سجية المشي حتى رقت "الصفا"، هكذا سبع مرات، فلما كانت في المرة السابعة على "مروة" نظرت فرأت الماء قد نبع من تحت عقب إسماعيل، ﵇.
قيل: إن جبريل ﵇ ضرب بجناحه على الأرض؛ [فنبع الماء.
وقيل: إن إسماعيل ﵇ ضرب برجله الأرض]؛ فنبع الماء، وهو ماء زمزم، فابتدرت إليه، فأحاطت عليه التراب، مخافة أن ينفد.
قال ﵇: "لو لم تحطه، لكان عيناً معيناً".
ثم إن القوافل كانت تجىء من جرهم، فرأوا الطيور يقعن ويجتمعن في ذلك الموضع؛ فعلموا أن به ماء؛ فدنوا منها، وكان يطعمونها الزاد، وتسقيهم الماء.
قال النبي ﷺ : "لو لم يطعموها الزاد لكانت تسقيهم".
فصار هذا سنة في الحج إلى يوم القيامة، فهذا هو السبب في كيفية السعي.
وأما السبب في أصل السعي، فقد تقدم ذكره في الحديث، وقد زال واستقر حكمه، والله أعلم.
قال: يبدأ بالصفا، والأولى أن يرقى عليها حتى يرى البيت؛ لما روى مسلم وغيره عن جابر أنه ﷺ ، لما دنا من الصفا بعد فرإغ طوافه، قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا، فرقي عليه حتى رأى البيت.
стр. 3490
قال الإمام: ورؤية البيت تحمل إذا رقى عليه بقدر قامة رجل.
والصفا: مقصور.
ورقي: بكسر القاف: أي صعد، وهي اللغة العالية.
وقول الشيخ: "يرقى" [غير]، مهموز، أيضاً.
وقد ادعى الإمام الوفاق على [أن] الانتهاء إلى أصل الجبل كاف؛ كما دلَّ عليه كلام الشيخ، وحكاه في "المهذب" عن نصه في "الأم".
وعن أبي حفص بن الوكيل من أصحابنا: أن الارتقاء عليها بقدر قامة رجل حتى يصير بحيث يتراءى له البيت - واجب؛ حكاه عنه هكذا القاضى الحسين وغيره.
وحكي عنه - وهو المذكور في الكتاب في باب فرض الحج والعمرة: أن الارتقاء عليها واجب، وأنه طرده في الارتقاء على المروة؛ موجهاً له: بأنه لا يتم سعيه إلا باستيفاء ما بينهما بلا خلاف عندنا، ولا يستوفيه إلا بذلك؛ فوجب؛ كغسل جزء من رأس في الوضوء.
قال الماوردي: وهو خلاف إجماع الصحابة؛ لأن الشافعي روى بسنده: أن أبا النجيح قال: أخبرني من رأى عثمان بن عفان يقوم في أسفل الصفا، ولا يظهر عليه، فلم ينكر ذلك أحد من الصحابة؛ فدلَّ على أنه إجماع.
وأما قوله: "إنه لا يمكن استيفاء ما بينهما إلا بالصعود عليها" فغلط؛ لأنه قد يمكنه بأن يلصق عقبه بالصفا، ثم يسعى فإذا انتهى إلى المروة، ألصق أصابع قدميه بالمروة؛ فيستوفى ما بينهما؛ وهذا منه يدل على أن الواجب من جهة المروة إنما هو إلصاق رءوس الأصابع بها، وقد صرح به القاضي الحسين أيضاً.
ويظهر أن يكون هذا فى المرة الأولى والثالثة والخامة والسابعة، أما في الثانية والرابعة والسادسة والسابعة، [فينبغي] أن يكون الواجب إلصاق العقب بها؛ كما في الصنا، وكلٌّ منهما لا يأبى ذلك.
وقد يفهم من كلام الشيخ "من لم ير البيت": أنه إذا [رقي على الصفا، رأى البيت
стр. 3491
من أعلى جدار المسجد، وليس كذلك، بل هو إذا] رقي عليه [رآه] من باب الصفا.
قال: والمرأة لا ترقى؛ طلباً للستر والله أعلم.
قال: ويكبر ثلاثاً، ويقول: الحمد لله [على ما] هدانا)، زاد فى "الشامل": "والحمد على ما أولانا" لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير".
زاد في "الشامل" بعد قوله "يحيي ويميت": "وهو حي لا يموت، بيده الخير، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، لا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون".
ثم يدعو بما أحب، أي: من أمر الدين والدنيا.
[و] الأصل في ذلك ما روى أبو داود في صفة حجة النبي ﷺ أنه كبر الله ووحده، وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده"، ثم دعا بين ذلك، وقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة.
وقد أخرجه مسلم، وزاد فيه: أنه استقبل القبلة [وأسقط منه "يحيي ويميت"؛ ولأجل ما اشتمل عليه من الزيادة، استحب أصحابنا استقبال القبلة] في الدعاء؛ ذكره القاضي الماوردي وغيره.
وعن ابن عمر أنه كان يدعو بعد التكبير والتهليل لنفسه.
стр. 3492
تنبيه: قوله: "وهزم الأحزاب وحده"، أي: الطوائف التي تحزبت على رسول الله ﷺ ، وحصروا المدينة.
ومعنى "وحده": أي: هزمهم بغير قتال منكم، بل أرسل عليهم ريحاً وجنوداً؛ قال: الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ إلى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ الآية [الأحزاب: ٩، ٥٩].
قال: ثم ينزل من الصفا، ويمشي حتى يكون بينه [وبين] الميل الأخضر المعلق بفناء المسجد [نحو ستة أذرع؛ فيسعى سعياً شديداً حتى يحاذي الميلين الأخضرين اللذين بفناء المسجد] وحذاء دار العباس، ثم بمشي حتى يصعد المروة، ويفعل مثل ما فعل على الصفا؛ لأنه ﷺ لما نزل إلى المروة مشى حتى إذا انتصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعد مشى حنى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طواف [على] المروة، قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة، فمن كان ليس معه هدي، فليحل، وليجعلها عمرة" رواه مسلم عن جابر.
وكذا أخرجه أبو داود عنه، ولفظه: "حتى إذا انتصبت قدماء، رمل في بطن الوادي، حتى إذا صعد مشى ... " وأتم الحديث.
وقد روي عن حبيبة بنت أبي تجراة أنها قالت: دخلت دار أبي الحسين مع نسوة من قريش؛ لأنظر كيف يسعى رسول الله ﷺ ، فرأيته، وأراه يدور على ساقه من شدة العدو، وهو يقول: "رأيها الناس: إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا".
واعلم أن السعي الشديد في بطن الوادي من مستحبات السعي، فلو تركه ومشى
стр. 3493
في الجميع، جاز؛ لما روى أبو داود أن ابن عمر مشى بين الصفا والمروة، وقال: "إن مشيت، فقد رأيت رسول الله ﷺ يمشي، وإن سعيت؛ فقد رأيت رسول الله ﷺ يسعى، وأنا شيخ كبير".
قال في "الروضة": وإذا عجز عن السعي الشديد؛ لزحمة، تشبَّه بالساعين؛ كما قلنا في الرمل.
قال الإمام: ولا يبلغ بالشدة في السعي مبلغاً يبتهر به.
قال الأصحاب: ويستحب للساعي أن يقول بين الصفا والمروة: "رب اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم؛ إنك أنت الأعز الأكرم؛ لأنه ﵇ قال ذلك وزاد في "الحاوي" في الآخر وتعلم ما لا نعلم".
وزاد الغزالي [تلو ذلك]: ﴿رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١].
تنبيهان:
أحدهما: كلام الشيخ يقتضي أنه يرقى على المروة حتى يرى البيت؛ لأنه هكذا يفعل على الصفا، ولا شك في [أن] الارتقاء عليهما- بقدر قامة رجل – مشروع.
وقد قال الإمام: إن الكعبة كانت تبدو في عصره ﵇ من تلك الجهة - أيضاً - فحال بين الكعبة وبين الراقين في المروة القدر المشروع - الأبنيةُ التي أحدثها الناس.
الثاني: الميل [المعلق]: السود.
وقوله: "المعلق بفناء المسجد"، الفناء: بكسر الفاء ممدود، والمراد: يركن المسجد، وهو المسجد الحرام.
وعبارة الشافعى - رضى الله عنه – "المعلق فى ركن المسجد"، ومعناه: المبني فيه.
стр. 3494
وقوله: "وحذاء دار العباس"، هكذا هو مذكور فى كتب الأصحاب.
قال النواوي: وهو غلط، وصوابه: حذف لفظ "حذاء"؛ فيقال: "المعلقين بفناء المسجد ودار العباس"، وهكذا ذكره الشافعي ﵁ في "المختصر"، وابن الصباغ، والبغوي، وآخرون.
وقال في "التتمة": وجدار العباس": بالجيم، وبراء بعد الألف، وهو حسن.
والجدار: الحائط.
والعباس المذكور: هو عم الرسول ﷺ .
وقد قال الإمام: إن المعبر عنه بدار العباس خَانٌ عرفه العامة بدار العباس- ﵁.
قال: ثم ينزل، ويمشي في موضع ويسعى في موضع سعيه، حتى يأتي الصفا، فيفعل ذلك سبعاً؛ لما تقدم من حديث ابن عمر الذي أخرجه مسلم، وحديث عبد ابن أبي أوفى: أنه ﷺ أتى الصفا والمروة يسعى بينهما سبعاً.
فإن قيل: قد روى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: "لم يطف النبي ﷺ ، ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً"، وهذا يعارض ما ذكرتموه.
قلنا: المراد بالطواف الواحد جملة السعى؛ لأنه شيء واحد، والأشواط فيه كالركعات [في الصلوات]؛ وحينئذ فلا تعارض.
ومراد جابر أنه ﵇ وأصحابه لم يتك" منهم السعي في النسك، لتكرر الطواف، وقد صرح به الأصحاب، وأرشد إليه قول الشيخ من بعد: "فإن كان قد سمى مع طواف القدوم لم يسع".
تنبيه: كلام الشيخ يفهم أمرين:
أحدهما: أن مروره من الصفا إلى المروة، ومروره عن المروة إلى الصفا مرة
стр. 3495
واحدة، وأنه يفعل ذلك سبع مرات، وهو قول ابن خيران والصيرفى، أخذاً من قول الشافعي ﵁.
"ويبدأ بالصفا، ويختم بالمروة"؛ فإنه يقتضي أن هذا في كل مرة.
وقد نقله الماوردي عن الإصطخري والصيرفي وبعض أهل العلم، وهو ابن جريج؛ كما قال، وابن جرير؛ كما قال غيره، وهو الإمام، وأنهم استدلوا بأن الطواف لما كان ابتداؤه من الحجر، وانتهاؤه إليه، وكان ابتداء السعي من الصفا - وجب أن يكون انتهاؤه إليه؛ [قياساً عليه.
ولكن المذهب كما حكاه فى "المهذب" وغيره: أن مروره] من الفنا إلى المروة - مرةٌ، ومن المروة إلى الصفا مرة ثانية؛ لقول جابر في الحديث الذي ذكرناه من قبل "حتى إذا كان آخر طواف على المروة، قال: لو استقبلت عن أمري ما استدبرت .. " إلى آخره.
قال الماوردي: ولأن هذا هو المستفيض في الشرع، ينقله الخاصة والعامة، خلفاً عن سلف، ليس بينهم فيه تنازع؛ فكان ذلك إجماعاً منهم كإجماعهم على أن الظهر أربع [ركعات].
وأما ما استشهدوا به، فهو حجة عليهم؛ لأن [الواجب] في الطواف استيفاء جمح البيت في كل طوفة، وذلك من الحجر إلى الحجر، فأوجبناه عليه، والواجب في السعي استيفاء جميع المسعى، وذلك يحصل بمروره من الصفا إلى المروة؛ فأوجبناه عليه.
قال الإمام: وقد عرض تصنيف لأبي يكر الصيرفي، وفيه ما حكيناه عنه - عن أبي إسحاق المروزي؛ فخط عليه، فرد التصنيف إلى أبي بكر الصيرفي فأعاده، واستقر على مذهبه.
وقد جاء في بعض نسخ التنبيه ما يدل على المذهب، وهو قوله: "يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة" [ولا يصح أن يختم بالمروة] في صورة يصح فيها السعي إلا كذلك.
واحترزنا بقولنا: "يصح فيها السعى" عما لو سعى من الصفا إلى المروة، ثم رجع
стр. 3496
إلى الصفا من غير المسعى، وأتى من الصفا في المعى إلى المروة، وفعل ذلك سبعاً - فإنه لا يعتد له بذلك إلا بالمرة الأولى على الصحيح الذي لم يورد في "الحاوي" غيره [وإن كان فيه وجه قد حكاه في "الروضة" عن "البحر" وغيره؛ أنه يصح.
وقال الماوردي- بناء]، على ما ذكرناه من المذهب في مسألة الكتاب-: إن المرة الأولى تكون من الصفا إلى المروة، والثانية من المروة إلى الصفا، والثالثة من الصفا إلى المروة، والرابعة من المروة إلى الصفا، والخامسة من الصفا إلى المروة، والسادسة من المروة إلى الصفا، والسابعة من الصفا إلى المروة، وأنه لو نسي السابع أتى به وكمل سعيه، ولو نسي السادس، وأتى السابع، لم يحسب له إلا خمسة.
ولو نسي الخامس، وأتى بما بعده، بطل السادس، وجعل السابع خامساص، وأتي بالسادس والسابع؛ لأن الترتيب شرط.
وما قاله صحيح، وقد ذكر بعده شيئاً [قد] يظن أنه يخالفه؛ فإنه قال: لو ترك من المسعى ذراعاً، ورجع إلى أهله، لم يحل، ثم ينظر:
فإن كان المتروك من السابع، نظر: فإن كان من آخره أتى بذلك الذراع، وإن كان من وسطه أتم سعيه من حيث ترك، وإن كان من أوله من ناحية الصفا عاد وأتى بالسعي [كله وتحلل.
ومراده بالسعي] ذلك المرور فقط، لا بمجموع السعي، ولوكان من السادس لم يعتد له، بالسابع، وكان الحكم في السادس كما تقدم.
الثاني: أن الموالاة لا تشترط في مرات السعي؛ [لأنه أتى بـ"ثم"، و"ثم"] هذا وضعها، وهو الذي حكاه القاضي الحسين وغيره، وهو الصحيح في "التتمة"؛ لأنه
стр. 3497
قال: "إن حكمه حكم الطواف".
وقال البندنيجي: إن التفريق اليسير لا يضر، [وكذلك الكثير] بعذر: كالخروج لصلاة مكتوية، وللطهارة، ونحوها.
وإن كان كثيرًا بغير عذر، فعلى قولين:
المذكور في "الأم": أنه لا يضر، ويبنى.
وفي القديم: أنه يستأنف.
وقال الماوردي: إن لم يشترط ذلك في الطواف، ففي السعي أولى؛ وإلا فوجهان: أحدهما: وهو قول البصريين -: أنه شرط، فيه كالطواف.
والثاني: لا؛ لأن السعي أخف حالاً عن الطواف؛ لجوازه بغير طهارة.
وعلى هذا إذا أقيمت الصلاة، وهو في المسعى، أو عرض عارض- قطع السعي، فإذا فرغ بنى.
وقد روى أن ابن عمر كان يطوف بين الصفا والمروة، فأعجله البول؛ فتنحى، ودعا بماء، فتوضأ، ثم قام فأتم على ما مضى.
وقد اتفق الكل على [أن] عن شرطه أن يقع بعد [طواف ولو نفلاً، إلا] طواف الوداع؛ فإنه لا يتصور وقوعه بعد.
стр. 3498
وادعى الماوردي الإجماع عليه.
ولأن رسول الله ﷺ لم يفعله إلا هكذا، ولو لم يكن تقدم الطواف شرطاً، لفعل خلافه ولو مرة واحدة.
نعم: هل يجوز أن يتراخى عنه، أو يشترط وقوعه عقيبه؟ فيه وجهان في "الحاوي":
الذي قاله البصريون الثاني؛ حنى بَعُدَ ما بينهما، لم يجزئه؛ لأن السعي لما افتقر إلى تقديم الطواف عليه؛ ليمتاز عمَّا يفعله الإنسان لغير الله تعالى، وهو تردده إلى حاجةٍ - افتقر إلى فعله على الفور؛ ليقع الامتياز؛ لأنه لا يحصل إلا بوقوعه على الفور.
والذي قاله البغداديون، والقاضي الحسين، وهو المشهور - الأول؛ لأن كلاً منهما ركن، والموالاة بين أركان الحج لا تجب وإن كان الترتيب شرطاً؛ دليله الطواف والوقوف؛ وهذا ما اقتضاه قول الشيخ: "ثم يعود إلى الركن، ثم يخرج من باب الصفا، ويسعى" ووضع [ثم] للتراخي مع الترتيب.
وعلى هذا: لا فرق بين طويل المدة وقصيرها، لكن يشترط ألا يتخلل بينهما شيء.
وقال الغزالي: إنه [لو] تخلل بينهما الوقوف بـ"عرفة" ففيه تردد؛ لأن الوقوف كالحاجز، والذي ذكره أبو علي المنع؛ لهذه العلة، وهو المحكي في البيان عن القفال، والله أعلم.
قال: فإن بدأ بالمروة، لم يعتد بذلك حتى يأتي الصفا فيبدأ به؛ لقوله ﷺ "أبدأ بما بدأ الله به" كما تقدم، وقال في آخر: "خذوا عني مناسككم"، وفي رواية أنه
стр. 3499
قال: "ابدءوا بما بدأ الله به".
وظاهر الأمرك الوجوب.
تنبيه: اقتصار الشيخ على بيان هذا الحكم في السعي دون باقي أحكامه [يعرفك أن باقي أحكامه] ليس بواجبة، بل مستحب، ومن جملة [ذلك] سعيه راجلاً.
وقد صرح الأصحاب به، وقالوا: يجوز السعي راكباً [، وهو راجلاً أفضل؛ لأنه ﵇ طاف وسعى في حجة الوداع راكبا؛] ليراه الناس، ويقتدوا به، أو ليسألوه؛ فإن الناس غشوه، وغيره ليس كذلك.
وسكوت الشيخ عن ذكر الطهارة والستارة مع ذكره لهما في الطواف، يعرفك أنهما ليسا بشرط في السعي كما صرح [به] الأصحاب؛ لقوله ﵇ لعائشة "افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت"؛ فخص الطواف بالنهي؛ فعلم أن السعي غير داخل في النهي.
ولأنه نسك لا يتعلق بالبيت؛ فلم يكن من شرطه ذلك؛ كالوقوف.
قال: والمرأة تمشي، ولا تسعى، لقول ابن عباس: "ليس على النساء معي بالبيت، ولا بين الصفا والمروة".
ولأن المعنى الذي شرع لأجله السعي في الابتداء إظهار الجَلَد والقوة - كما تقدم - وهو مفقود في حق النساء.
ولأن ذلك يفضى إلى تكشفها.
وعن [الإمام] الشافعي ﵁ أنه قال: "إذا كانت المرأة مشهورة الجمال، فالمستحب لها أن تطوف وتسعى ليلاً، فإن طافت نهاراً، أسدلت
стр. 3500
على وجهها سترا".
وقد حكي في "المهذب" ما ذكرناه عن الشافعي.
وأفهم كلامه أنها إنما تمشي، ولا تسعى إذا طافت نهاراً؛ ولأجله قال في "الروضة": وقيل: إن سعت في الخلوة ليلاً، سعت كالرجل".
قال: فإذا كان اليوم السابع من ذي الحجة، خطب الإمام - أي: الأعظم -[أو نائبه] في إقامة الحج؛ إذ لا ينبغي له إذا لم يحضر الحج بنفسه أن يخلي جمعهم عن مقدَّم [يحل] محل الأمير عليهم؛ لأن الحج يجمع صنوفاً من الخلق؛ فيتوقع من الازدحام أمور لا بد في دفعها من التعلق برأي مطاع؛ ولهذا يستحب أن يحضر الجامع سلطان، وقد بعث رسول ﷺ أبا بكر أميراً في السنة التاسعة من الهجرة، وبعث عليًّا وراءه حتى يقرأ على الكفار سورة براءة.
قال: بعد الظهر بـ"مكة"، وأمر الناس بالغدو إلى "منى" من الغد؛ لما روى [ابن عمر] أن النبي ﷺ كان يخطب قبل التروية بيوم بعد الظهر، ويعلم الناس المناسك.
وهذه إحدى الخطب في الحج، وهي أربعة يأتي عليها كلام الشيخ.
وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه فعلها، وكلها بعد الصلاة، إلا خطبة يوم عرفة؛ فإنها قبلها؛ قاله ابن الصباغ، والإمام.
وفيما وقفت عليه من "تعليق القاضي الحسين": أن كلها قبل الصلاة، وأن [كلها] خطبة واحدة، إلا خطبة عرفة فإنها خطبتان.
стр. 3501
قال الماوردي: ويستحب للإمام إن كان محرماً أن يفتتح الخطبة بالتلبية، وإن كان حلالاً افتتحها بالتكبير.
ويستحب [له] إن كان مقيماً بـ"مكة" أو من أهلها أن يحرم ويصعد المنبر [محرماً].
وإن كان فقيهاً، قال الشافعي ﵁: "أحب أن يقول لهم: هل من سائل فأجيبه".
وهذا إذا لم يكن الثامن يوم جمعة، "فإن كان قال ابن الصباغ": فإنه يأمرهم أن يخرجوا قبل الفجر؛ فإن الفجر إذا طلع، لم يجز الخروج إلى سفر، وترك الجمعة على أصح القولين.
وفي القول الآخر: يكون مكروهاً.
وقد قال الشافعي ﵁ – "ولا يصلون الجمعة بـ"منى"، ولا بـ"عرفات" إلا أن تحدث قرية مجتمعة البناء يستوطنها أربعون رجلاً".
وإن كان السابع يوم جمعة، خطب للجمعة، وصلاها، ثم رقي المنبر بعد الصلاة، وخطب للحج؛ قاله المتولي [وغيره].
قال: ثم يخرج إلى منى في اليوم الثامن، فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويبيت بها، ويصلي بها الصبح؛ هكذا رواه مسلم عن جابر في صفة حج النبي ﷺ .
ويستحب للإمام إن لم يكن قد أحرم قبل الخطبة -كما ذكرناه- أن يحرم قبل أن يخرج، ليحرم معه من بقي من الناس غير محرم، ويختار أن يكون إحرامه بعد أن يطوف بالبيت سبعاً؛ توديعاً له، ويصلي ركعتين؛ قاله الماوردي.
قال الأصحاب: والناس مخيرون في اليوم الثامن - وهو المسمى بيوم التروية - يين أن يغدوا بكرة، وبين أن يخرجوا بعد الزوال إلا أن يكون يوم جمعة، فيخرجون قبل الفجر؛ لما تقدم.
стр. 3502
ويستحب أن تكون صلاتهم في مسجد الخيف عند الأحجار التي بين يدي المنارة؛ فإنه مصلى رسول الله ﷺ ، وقد روى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "قد صلى في مسجد الخيف سبعون نبياً، فمنهم موسى، وكأني أنظر إليه، وعليه عباءتان قطوانيتان، وهو محرم على بعير مخطوم بخطام من ليف، وله ضفيرتان"؛ والمبيت بـ"منى في هذه الليلة؛ للاستراحة، وليس بنسك اتفاقاً؛ فلا يجب بتركه دم، وكذا لو ترك وداع البيت بما ذكرناه من الطواف، لا دم عليه؛ لأنه بخروجه غير مفارق للبيت، وإنما خرج؛ ليعود إليه.
وقد اختلف الناس لم سمي اليوم الثامن يوم التروية؟
فقيل: لأن الناس يروون فيه من الماء؛ لأنه لم يكن بـ"منى" ولا عرفات ماء.
وقيل: إن آدم ﵇ رأى فيه حواء وقيل: لأن جبريل ﵇[أرى إبراهيم ﵇ فيه أول المناسك.
وقيل: لأن إبراهيم ﵇] تروى فيه في ذبح ولده.
وقيل: غير ذلك.
ومنى: يكسر الميم، مقصور، منون، مصروف، ويجوز ترك صرفها، سميت بذلك؛ لما يمنى فيها من دماء الهدي - أي: يراق - ولذلك سمي ماء الظهر منيًّا؛ لأنه يمنى، أي يراق.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٧].
وقيل: لأن الله تعالى مَنَّ فيها على إبراهيم ﵇ بالفداء.
وقيل: لِمَنِّهِ على خلقه [فيها] بالمغفرة.
وبينها وبين مكة فرسخان، وكذا بينها وبين عرفات فرسخان؛ لكون طريق منى
стр. 3503
إلى عرفات أطول من طريق مكة إلى مِنى، وبينها وبينها وبين مزدلفة فرسخ، كما بين مزدلفة وعرفات فرسخ، لكن الفرسخ الذي بين عرفات ومزدلفة أطول وأمد؛ كذا قاله القاضي الحسين.
وقال في "الروضة": المختار أن المسافة بين مكة ومنى فرسخ فقط؛ كذا قاله جمهور العلماء المحققين، منهم الأزرقي وغيره ممن لا يحصى.
قال: فإذا طلعت الشمس على ثبير.
ثبير هذا بثاء مثلثة مفتوحة، ثم باء ثانية الحروف مكسورة، جبل عظيم بـ"المزدلفة" على يمين الذاهب من منى إلى عرفات.
قال: سار إلى الموقف، [واغتسل للوقوف] وأقام بنمرة.
أما استحباب الغسل؛ فلأن ابن عمر كان يغتسل إذا راح لـ"عرفة".
وحكى ابن الخل ذلك عن رسول الله ﷺ .
ولأنه موضع اجتماع يسن فيه الاغتسال؛ كالجمعة.
وأما باقي ما ذكره؛ فلأنه ﷺ لما صلى الصبح بمنى مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، فأم بقبة، فضربت له بـ"نمرة"، فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع، فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى "عرفة"، فوجد القبة قد ضربت له بـ"نمرة"، فنزل بها كذا رواه مسلم عن جابر وقوله: "فأجاز [رسول الله ﷺ ] "، قيل: هي لغة في تجوز، وجاز، وأجاز بمعنى.
وقيل: جاز الموضع: سلكه، وسار فيه، وأجازه: خلفه، وقطعه.
ونمرة: بفتح النون وكسر الميم، عند الجبل الذي عليه أنصاب الحرم عن يمينك إذا خرجت من مَأزِمَىْ عرفات تريد الموقف؛ قاله الأزرقي وغيره؛ وكذا قاله النواوي.
стр. 3504
وقد يفهم أن "نمرة" من "عرفات"؛ كما يفهمه ظاهر الخبر السابق.
وقد جاء عن جابر أن رسول الله ﷺ أتى عرفة، فنزل بها حتى إذا زالت الشمس، أمرنا بالقصواء، فرحلت له ... وساق الحديث؛ ذكره الماوردي، وهو أبين من الأول؛ ولأجله صرح به في "الشامل"، وتبعه الشيخ زكي الدين: أنها موضع بـ"عرفة".
لكن في "الحاوي": أنها قبل عرفة، وهي إلى الصخرة الساقطة بأصل الجبل عن يمين الذاهب إلى عرفة.
وكلام القاضي الحسين يوافق ذلك في موضع؛ فإنه قال: "وتضرب خيمة الإمام قريبًا من عرفات بـ"نمرة"، أو بوادي عرنة، ولا يدخل عرفات، بل يقيم بها حنى تزول الشمس".
وقال في آخر: "إن نمرة ليست من عرفات"، وهو الذي صرح به البندنيجي أيضاً وحكاه عن نصه في "المختصر" "الأوسط" من الحج.
وقال في "الروضة" إنه الصواب.
واعلم أن بعض الشارحين قال: لو قال الشيخ "سار إلى عرفات"، لكان أحسن من قوله: "سار إلى الموقف"، وكأنه -والله أعلم- يشير بذلك لأمرين:
أحدهما: أنه لفظ الشافعي ﵁.
والثاني: أن قوله بعد: "ثم يروح إلى الموقف" يكون منتظماً مع هذا القول.
[والجواب عن هذا]: أنا نقول: إن لم تكن نمرة من عرفات، فلا فرق بين أن يقول: "ثم يروح إلى الموقف" أو "إلى عرفات"؛ لأن تقدير الكلام: سار للموقف، ونزل دونه؛ للاستراحة بنمرة، وحينئذ يبقى قوله من بعد: "ثم يروح إلى الموقف" منظماً مع ما تقدم.
وإن كانت نمرة من عرفة كما دلَّ عليه الخبر - فلا فرق يين اللفظين أيضاً، والكلام منتظم؛ لأنا نستحب له أن يوقع صلاة الظهر والعصر بمسجد إبراهيم ﵇ كما سنذكره، وليس كله من "عرفة".
ولفظ الشيخ في "المهذب" "فإذا طلعت الشمس على "ثبير" سار إلى الموقف"،
стр. 3505
وقال ثانياً: "ثم يروح إلى عرفة، ويقف".
قال: فإذا زالت الشمس، خطب الإمام، أي: بعد توجهه إلى المصلى، وهو مسجد إبراهيم ﵇؛ كما قال الماوردي والقاضي الحسين وغيرهما، وهو خارج عن عرفة - كما سنعرفه - وبينه وبين موقف النبي ﷺ بالصحراء نحو [ميل، قاله] "في الروضة".
قال خطبةً خفيفة، [وجلس جلة خفيفة] أي: بقدر ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ كما قاله البندتيجي وغيره - ثم يقوم، ويأمر بالأذان، ويخطب الخطبة الثانية، ويفئ منها مع فراغ المؤذن، ثم تقام الصلاة، ويصلي الظهر والعمر.
قال القاضي الحسين: لأن جابراً روى أن النبي ﷺ فعل ذلك.
والذي رواه مسلم عن جابر: أنه ﵇ لما نزل نمرة أقام بها حتى إذا بزغت الشمس، أمر بالقصواء فرحلت له، فأتي يطن الوادي، فخطب الناس، تم أذن، ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يفعل بينهما شيئاً.
وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن النبي ﷺ أتى بطن الوادي، فخطب، ثم وقف قليلاً، ثم خطب، وأمر بلالاً، فأذن وأقام.
وروى البخاري بإسناده أن سالم بن عبد الله قال: للحجاج: إن كنت تريد أن تصيب السنة، فأقصر الخطبة، وعجل الوقوف.
قال ابن عمر: صدق.
وهذه الخطبة الثانية من الخطب الأربع في الحج، ويعلِّمهم فيها مشروعات الوقوف، وواجباته، والمبيت بـ"مزدلفة"، ويأمرهم بأخذ الحصى من "مزدلفة"، لرمي جمرة العقبة، ويعلمهم الوقوف بالمشعر الحرام، وغير ذلك من المناسك التي يستقبلونها.
следующие страницы →