← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

والثاني: إذا حصل الإنقاء بواحد؛ فاستعمال الثاني والثالث واجب؛ كما ذكرنا، وهل يجوز استعمالها مرة أخرى في استنجاء آخر؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، كما في الجمار. والثاني: لا؛ لأنه تأدى بها فرض الاستنجاء؛ فأشبهت الماء. قال: والمستحب أن يمر حجرا من مقدم الصفحة اليمنى، إلى أن يرجع إلى الموضع الذي بدأ منه، ثم يمر الثاني من مقدم الصفحة اليسرى إلى أن يرجع إلى الموضع الذي بدأ منه، ثم يمر الثالث على الصفحتين والمسربة؛ لقوله - عليه السلام-: "وليستنج بثلاثة أحجار، يقبل بواحد، ويدبر بواحد، ويحلق بالثالث" وهو اختيار ابن أبي هريرة، [والشيخ أبي زيد، كما قال القاضي الحسين]. فإن قلت: إذا كان هذا المستحب؛ فما الكيفية الواجبة؟ قلنا: إمرار كل حجر على جميع المحل كما ذكرنا، سواء بدأ بمؤخر الصفحة، أو وسطها، أو آخره؛ هكذا دل عليه كلام العراقيين، وحكوا عن أبي إسحاق المروزي

стр. 352

أنه قال: يمر حجرا على الصفحة اليمنى فقط، وحجرا على الصفحة اليسرى فقط وحجرا على المسربة؛ لقوله ﷺ :"حجرا للصفحة اليمنى وحجرا للصفحة اليسرى، وحجرا على الوسط"؛ وهذا ما حكاه القاضي الحسين عن نص الشافعي في "الكبير"، وخطأ الأصحاب أبا إسحاق فيه؛ من حيث إنه لم يقع استيعاب كل حجر لجميع المحل، ومن نقله عن النص قال: النص مؤول على الكيفية الأولى؛ وكذا الخبر؛ فيكون معنى قوله ﵇: "حجرا للصفحة اليمنى" أي: بدأ فيه بالصفحة اليمنى، وقوله" وحجرا للصفحة اليسرى" أي: بدأ فيه بالصفحة اليسرى، وقوله: "وحجرا للوسط" محمول على الإدارة على جميع المحل. قال الإمام: وهذا بعيد. قيل: حمل الوسط على الجميع بعيد لا يستقيم، وإن قيل: معناه: يبدأ بالوسط؛ فلست أرى [فيه] معنى. وهل خلاف أبي إسحاق في الوجوب أو الاستحباب؟ الذي حكاه الإمام عن العراقيين أنهم قالوا: هو في الاستحباب، وهو ما يفهمه كلامهم، والمسلكان جميعا جائزان عنده، ولا يجوز الثاني عند غيره. وعن الشيخ أبي محمد أن الوجهين موضوعان على التنافي؛ فصاحب الوجه الأول لا يجيز المسلك الثاني، وصاحب الوجه الثاني لا يجيز المسلك الأول، وعلى هذا فظاهر؛ لما ذكرناه، وأما كون صاحب الوجه الثاني لا يجيز المسلك الثاني فظاهر؛ لما ذكرناه، وأما كون صاحب الوجه الثاني لا يجيز المسلك الأول فلا وجه له؛ إذ الزيادة في استعمال الأحجار غير ممنوعة، وهذا كذلك، وقد حكاه في "الروضة" وجها. وجوابه يتوقف على معرفة شيء مقصود في نفسه، وهو كيفية ما يضع الأحجار،

стр. 353

وغيرها، وقد قال بعضهم: إنه يجب على المستجمر أن يضع الحجر أولاً في موضع طاهر - فإنه لو وضعه على موضع نجس؛ لخلف شيئاً من النجاسة - ثم يديره أولاً فأولاً؛ بحيث يلقي كل جزء طاهر منه جزءاً من النجاسة ينقلها، ويختطف ذلك خطفاً ولا يمسح به مسحاً؛ كي لا يكون ناقلاً للنجاسة من محل إلى محل فيتعين في إزالتها الماء، وهذا ما حكاه القاضي الحسين، عن أبي زيد. وحكى الإمام معه وجهاً آخر: أنه [لا] يجب ذلك، وهو ما يفهمه قول الشيخ: "له ثلاثة أحرف"؛ إذ مع الحرف قد لا يمكن الإتيان باليئة الأولى. ووجهه الإمام: بأن الاستجمار رخصة، لا توازيها في التساهل رخصة؛ فلا يليق بوضعها تكليف ذلك، وأنه لو كلف ألا تنتقل النجاسة في محاولة رفعها [أصلاً]، لكان ذلك تكليفا بأمر يتعذر الوفاء به، وذلك لا يليق بالفرائض التي ليست برخص؛ فكيف يليق بما مبناه على نهاية التخفيف؛ لذلك فالقدر الذي يعسر مع الاحتياط التصون منه في النقل يجب أن يعفى عنه. فإذا عرف ذلك عدنا إلى ما نحن فيه، وقلنا: إنما امتنع إمرار [كل] حجر من الأولين على الصفحتين؛ لأن ملاقاة كل جزء من النجاسة جزءا طاهرا من الحجر، لا يدركه المستنجي يقينا؛ لأنه لا يشاهده، وفي حصول ذلك عسر؛ كما ذكرناه، والشرع اكتفى به في أحد الصفحتين بالظن؛ للضرورة؛ فإنه لو لم يكتف به لما جاز الاستنجاء بالحجر؛ [كما ذكرنا]، ولا ضرورة في إمرار ذلك الحجر على الصفحة الأخرى بل يغلب على الظن عند إمراره عليها نقل النجاسة؛ فيتعين الماء؛ وهذا هو المعني بالوجوب: أنه لو أمر كل حجر منها على الصفحتين - تعين الماء, والله أعلم. وقد حكى البغوي وجها آخر في كيفية الاستنجاء: أنه يأخذ واحدا فيضعه على مقدم المسربة, ويديره إلى مؤخرها, ويضع الثاني على مؤخرها, ويديره إلى مقدمها, ويحلق بالثالث. قال الرافعي: وحاصله أنه رجع [إلى أنه] مثل الوجه الأول إلا في الحجر

стр. 354

الثالث؛ فإنه على الوجه الأول يمسح به الصفحتين والمسربة, وعلى هذا يمسح به المسربة فقط. تنبيه: الصفحتان: جانب مجرى الغائط [من الإنسان] والمسربة بضم الميم, وكذا الراء وفتحها, قال النواوي وغيره: مجرى الغائط, مأخوذ من سرب الماء. وقال الإمام: هي ملتقى الحجرين الأولين. وعليه ينطبق كلام الشيخ وغيره. ولو احتاج إلى أزيد من ثلاث مسحات, قال في "التتمة": كان ما عدا الثالثة كالثالثة. وقد سكت الشيخ عن الكيفية المستحبة في الاستجمار من البول, والذي ذكره العجلي وغيره: أنه لا يسمح في المرة الأولى, بل يضع الحجر على منفذ الذكر وضعا؛ لينقل البلة؛ وكذا في الثانية, وفي الثالثة يمسح. ووضع رأس الذكر على ثلاثة مواضع من حائط ونحوها كاف.

стр. 355

قال القاضي الحسين: ولو مسح بذكره من أعلى الحائط إلى أسفلها, أجزأه, ولو مسح من الأسفل إلى الأعلى, لم يجزئه. قال: ولا يستنجي بنجس- أي: بكسر الجيم- لأن المقصود من الاستنجاء: إزالة النجاسة, أو تخفيفها, والنجس يزيدها. ولا فرق في النجس بين نجس العين: كالرجيع ونحوه, أو المتنجس بغيره: كالحجر ونحوه. وقد استدل على المنع من الاستنجاء بخ بنهيه ﵇ عن الاستنجاء بالرجيع, كما رواه [سلمان] الفارسي, وقالوا: لا علة إلا النجاسة, وفيه ما سنذكره. قال: ولا بمطعوم - أي: للجن والإنس:- كالعظم- أي: الطاهر- وجلد المذكي قبل الدباغ, ووجهه في الأول ما روى عن ابن مسعود أن وفد الجن أتوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد؛ انه أمتك عن الاستنجاء بالعظم, والروث؛ فإن الله جعل لنا فيه رزقا؛ فنهاهم رسول الله ﷺ , وقال: "إنه زاد إخوانكم من الجن". وبعضهم استدل على منع الاستنجاء بالعظم, بحديث سلمان, وما ذكرته أولى؛ لأن فيه تعرضا لأنه مطعوم, وهذا إذا كان العظم على صفته, سواء جف أو لم يجف؛ فلو حرق, وخرج عن حال العظم, ففي جواز الاستنجاء به وجهان في "الحاوي", ووجهه في الثانية القياس على الأولى [وهو من باب الأولى] , وما ذكره الشيخ فيها عليه نص الشافعي- ﵁ في "الأم" و "حرملة", وبه قطع بعضهم.

стр. 356

قال أبو الطيب: لأن باطنه كاللحم, وظاهره عليه الشعر يمرسه, وكلاهما لا يحصل الإنقاء. وبعض الأصحاب قال: قد نص في "البويطي" على أنه يجوز الاستنجاء به؛ فيكون فيه قولان, وهذه طريقة أبي حامد وطائفة. وذهب الصيمري إلى تنزيل النصين على حالين؛ فقال: نصه في "الأم" و "حرملة" محمول على ما إذا كان رطبا, ونصه في "البويطي" محمول على ما إذا كان يابسا. قال الماوردي: ووجدت لبعض أصحابنا الخراسانيين أنه تحمل رواية المنع على باطن الجلد وداخله؛ لأنه باللحم أشبه, ورواية الجواز على خارجه؛ لأنه خارج عن حال اللحم؛ لخشونته وغلظه, وهذه الطريقة لم يحك القاشي الحسين غيرها. قال الماوردي: وهذا قول مردود مطروح, وإنما حكيته تعجبا. وقد أفهم كلام الشيخ أنه بعد الدباغ يجوز الاستنتجاء به جزما, أو على قول, وفيه طريقان: إحداهما: القطع بالجواز؛ لأنه في هذه الحالة غير مأكول, و [هذه الطريقة] لم يحك الماوردي وأبو الطيب وابن الصباغ سواها. والثانية: حكاية قولين فيه؛ أخذا مما سنذكره, [وهذه طريقة البندنيجي وغيره]. وقد أفهم كلامه أيضا أن جلد غير المذكى بعد الدباغ يجوز الاستجاء به قولا واحدا أو على قولين, والثاني هو المشهور؛ لأنه نص في "البويطي" و "الأم" - ونقله المزني- على جوازه. وقال في "حرملة": إنه لا يجوز الاستنجاء بشيء من الجلود؛ فحصل فيه قولان. قال أبو الطيب: والثاني على قياس القديم في منع بيعه. والقاضي الحسين قال: إن أصلهما أن الدباغ هل يطهر باطن الجلد؛ كما يطهر ظاهره, أو لا؟ فإن قلنا بالأول, جاز الاستنجاء به, وإلا فلا. وأعجب من قوله بعد هذا البناء: إن القولين جاريان في جلد المذكى بعد الدباغ. والماوردي قال: إن قلنا يجوز بيع جلد غير المذكى بعد الدباغ, جاز الاستنجاء به, وإلا فوجهان.

стр. 357

ووجه المنع: أنه لما أجري عليه حكم الميتة في عدم حل بيعه، وجب أن يجري عليه في الاستنجاء. واعلم أن تمثيل المطعوم بالعظم وجلد المذكى قبل الدباغ، يفيد منع الاستنجاء بغيرها من مطعومات الآدميين من طريق الأولى، وهو مما خلاف فيه، وهل يقتضي منع الاستنجاء بمطعوم البهائم فقط؟ يحتمل وجهين، وكل منهما قد صرح به؛ فإن ابن الصباغ قال: لا يجوز الاستنجاء بأوراق الأشجار؛ فإنها تعلف للدواب، وقد يستدل لهذا بنهيه ﵇ عن الاستنجاء بالروث والرمة؛ لأنه في خبر قال: "أما الرمة فإنها زاد إخوانكم من الجن، وأما الروث فعلف دوابهم" فإذا علل منع الاستنجاء بالروث؛ لأنه علف [دواب الجن]- فدواب الإنس أولى. وقال الماوردي: لا يحرم الاستنجاء بعلف الدواب، وهل يحرم بما نأكله نحن وهي؟ ينظر: إن كان أكلنا له أكثر، حرم؛ وإن كان أكلها له أكثر، فلا، وإن استويا، فوجهان من اختلاف أصحابنا في أنه هل يجري فيه الربا، أم لا؟. قال: ولا بما له حرمة؛ لما في ذلك من امتهانه؛ ولأنه إذا منع من الطعام، [فما له حرمة] أولى، وقد مثل الأصحاب هذا النوع بما عليه مكتوب اسم معظم، أو الطيب، وابن الصباغ؛ وكذا الدراهم والدنانير المطبوعة، وحجارة الحرم، وماء زمزم؛ كما قال الماوردي. وفي "الرافعي": أنه لا يلتحق بالمحرمات الذهب والفضة على أصح الوجهين، ولعل مراده غير المطبوع.

стр. 358

وأوراق التوراة غير ملحقة بهذا النوع؛ كما قال القاضي الحسين؛ لأنه لا حرمة لها. قال: فإن استنجى بشيء من ذلك، لم يجزئه: أما إذا استنجى بالنجس؛ فلأنه زاد المحل نجاسة، وأما بالمطعوم؛ فلأن ما فيه من اللزوجة يمنع الإنقاء، وأما فيما له حرمة؛ فلأن الاستنجاء بالحجر رخصة؛ فلا تناط بالمعصية. وعلى هذا هل يتعين استعمال الماء؟ قال الأصحاب: ينظر: فإن [كان قد] استنجى بالنجس، ففيه وجهان: أحدهما: لا، لأن تحصيل الحاصل محال. والثاني: نعم؛ كما لو انفردت النجاسة الأجنبية. وفيما عداه إن انبسطت النجاسة تعين الماء، وإن لم تنبسط؛ وكان ما استنجى به رطبا - تعين ايضا، وإلا فلا. وقد قيل إذا استنجى بمطعوم حصل به الإنقاء [أو الشيء] المحترم يجزئه، وهو مجمع عليه في ماء زمزم؛ كما قال الماوردي. قال: ولا يستنجي بيمينه؛ أي: لا يجعل يمينه محركة للحجر، ولا للذكر إن جعل الحجر في يساره، ووجهه: ماذكرناه من خبر سلمان. وقد روى مسلم: أن النبي ﷺ قال:"لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه، ولا يتنفس في الماء". وكذلك لا ينبغي أيضا أن يستعين بيمينه فيه إلا عند الحاجة؛ كما إذا استنجى بالماء، أو بحجر لا يقدر على الاستنجاء به إلا بمسكه بها؛ قاله ابن الصباغ.

стр. 359

ثم هذا النهي: نهي تنزيه أو نهي تحريم؟ ظاهر كلام الاصحاب: أنه نهى تحريم, وبه صرح كلام بعضهم. وكلامه في "الكافي" يوهم خلافه؛ لأنه قال: "لو استنجى بيمينه, صح, كما لو توضأ من إناء ذهب أو فضة". قال: فإن فعل ذلك, أجزأه؛ لأن الاستنجاء يقع بما في اليد, لا باليد, ولا معصية في الرخصة. أو لأن النهي عن الاستنجاء باليمين لا يعود إلى الاستنجاء؛ فلم يمنع من صحته كالصلاة في الدار المغصوبة؛ وبهذا خالف النهي عن الاستنجاء بالعظم ونحوه؛ لأنه عائد إلى نفس المنهي عنه. فإن قلت: لم حملت قول الشيخ: "ولا يستنجي بيمينه" على ما ذكرت, [ولم تحمله على جعلها آلة الاستنجاء؟] قلت: لأن الماوردي قال: لأنه لو استنجى [بيد نفسه] لم يصح؛ بخلاف ما إذا استنجى بيد غيره؛ خلافا لابن خيران؛ فإنه قال: إنه يجوز بهما. وهو خطأ؛ فإن الفرق وقع بينهما في السجود؛ فإنه يجوز أن يسجد على كف غيره, دون كف نفسه, والشيخ قد قال: إنه إذا فعل ذلك أجزأه. فإن قلت: يجوز أن يكون الشيخ اختار مذهب ابن خيران. بل قال الإمام: لو استنجى بيد غيره؛ كما لو استنجى بعصفور حي [أي: فيكون] فيه وجهان. ولو استنجى بيد نفسه صح؛ [إذ لا حجر على المرء في تعاطي] النجاسة باليد. قلت: لو كان هذا مختار الشيخ لما خص المنع باليمين؛ إذ الشمال كذلك. وقد جزم ابن الصباغ بأنه: لا يصح بيد نفسه, ولا بيد غيره؛ وبذلك يتعين: أن مراده ما ذكرناه. [ومنه] يظهر لك أن المستحب: أن يستنجي بشماله؛ استدلالا بقول عائشة:"كان يمين رسول الله ﷺ لوضوءه وطعامه، ويساره لخلائه وماعدا

стр. 360

ذلك من أذى". ثم كيفية ما يفعل به في الغائط سلف، وأما البول: فإن كان يستنجي بحائط أو بصخرة أو أرض أخذ ذكره بيساره، ومسحه بذلك. وإن كان بحجر صغير, لا يمكن مسح ذكره به إلا بأن يمسكه بيده فقد اختلف الأصحاب: هل الأولى أن تكون يساره لأخذ الذكر والحجر؟ على وجهين: أحدهما: أن الأولى أن يأخذ بها الحجر؛ لأنه المقصود، ويكون ذكره بيميناه، وعلى هذا يمر الحجر على ذكره. والثاني: يأخذ الحجر بيمينه؛ لنهيه ﵇ عن مس الذكر باليمين؛ فعلى هذا يمسح الذكر على الحجر؛ ليكون على الوجهين معا، ماسحا باليسرى دون اليمنى. فإن كان الحجر كبيرا يمكن حمله ووضعه بين يديه ويمسح ذكره به، فالأولى: ألا يحمله، ويضعه بين عقبيه أو إبهاميه، ويأخذ ذكره باليد اليسرى، ويمسحه به. واعلم أن قول الشيخ:"ولا يستنجي بنجس ... " إلى آخره، يفهمك أن الأحجار لا تتعين في الاستنجاء وإن نص النبي ﷺ عليها؛ [إذ] لو كانت تتعين لما احتاج إلى تعديد ما لا يجوز الاستنجاء به، ولقال:"ولا يجوز إلا بحجر طاهر". وهذا مذهبنا، وعليه يدل قول سلمان:"وأن نستنجي برجيع أو عظم"،إذا سلكت فيه الطريق الذي ذكرناه. وقول وفد الجن لرسول الله ﷺ : أنه أمتك عن الاستنجاء بكذا؛ يدل على أنهم لا يقتصرون على الأحجار. وكذا قوله ﵇: "وليستنج بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع ولا عظم"،يدل عليه؛ لأن معناه: وليستنج بثلاثة أحجار وما قام مقامها. بل قد جاء في رواية سراقة بن مالك:"وليستنج بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع، أو ثلاثة أعواد"، كما سنذكره.

стр. 361

وعلى [هذا]؛ فحد ما يجوز الاستنجاء به غير الماء: كل جامد طاهر، قلاع للنجاسة، غير مطعوم، ولا محترم، ولا مخلف. [وعن ذلك عبر] الشيخ سهل الصعلوكي بأنه: كل ما نظف ونظف، وانصرف فزاد، ولم يخلف، وبالاستعمال لم يتلف. وبلفظ: "قلاع للنجاسة" يخرج العين المبلولة؛ فإنها لا تقلع النجاسة؛ لرطوبتها. والمشهور فيها: عدم الإجزاء. وفي "الحاوي" وجه أن البلل لا يمنع من الصحة؛ وإنما المانع كون الماء عليها. وعلى الأول، إذا استعملها مبلولة هل يتعين الماء؟ قال الأصحاب: إن انبسطت تعين [الماء]، وإن لم تنبسط؛ فعن الشيخ أبي محمد: أن الحكم كذلك؛ لأن البلل يتنجس بملاقاة النجاسة؛ فيصير حكمه حكم نجاسة أجنبية. قال الإمام: ولى فيه نظر؛ فإن عين الماء لا تنقلب نجسا، وإنما تجاور النجاسة، أو تخالطها. قلتك وما قاله أبو محمد تفريع على أنه: إذا استنجى بشيء نجس يتعين الماء؛ كما صار إليه أبو حامد. أما إذا قلنا: لايتعين كما حكاه البندنيجي عن الأصحاب فهنا أولى. ويخرج أيضا: الخرقة اللينة، ولبقطن اللين، والبيضة، والزجاج، والنحاس، والرصاص، ونحوه؛ إذا كان أملس، وكذا الحممة-: وهي الفحم - والتراب الذي لا يلتئم؛ لأن ذلك غير قلاع. وللشافعي- ﵁ في الحممة والتراب نصوص مختلفة حكاها المراوزة: أما في الحممة؛ فنص في "البويطي" على عدم الجواز.

стр. 362

ونقل الربيع جوازه بالمقابس، فمن الأصحاب من جعل المسألة على قولين، ومنهم من قال على حالتين: حيث قال: "يجوز" - أراد إذا كان صلبا، لا يتناثر؛ فإنه يحصل المقصود. وحيث قال: "لا يجوز" - أراد إذا كان رخوا. والذي أطلقه القاضي أبو الطيب والبندنيجي فيها - عدم الجواز. وأما التراب: فقد نص على جواز الاستنجاء به في القديم، وعليه يدل ما روت عائشة عن سراقة بن مالك: سئل رسول الله ﷺ عن التغوط فقال:"لا تستقبل القبلة، ولا تستدبرها، ولا تستقبل الريح، ولتستنج بثلاثة أحجار، ليس فيها رجيع، أو ثلاثة أعواد، أو بثلاث حثيات من التراب". وقال في موضع آخر: لا. فمن الأصاب من قال: في المسألة قولان، ومنهم من قال: [بل] على حالتين: فقوله في القديم محمول على ما إذا كان منعقدا مثل المدر، وقوله في الموضع الآخر محمول على ما إذا لم يكن منعقدا، وهذا أصح، ولم يحكي في "الحاوي" غيره. قال القاضي الحسين: وإذا قلنا: يجوز، فيحتاج إلى أن يستنجي [به] أربع مرات؛ لأنه إذا استنجى به مرة يلصق التراب بالمحل، وفي الثانية يتناثر عن المحل؛ ويستحب له الخامسة لأجل الإيتار. وإن قلنا: لا يجوز، فاستنجى به - تعين الماء، وكذا إذا استنجى بالحممة المفتتة، والله أعلم.

стр. 363

باب ما يوجب الغسل الغسل- بفتح الغين-: مصدر غسل، وبضمها: اسم لذلك؛ قاله في "الصحاح" و"المجمل". قال بعضهم: وإنما قدم أسباب الغسل [هنا] على صفته، وعكس في الوضوء؛ لأنه ترجم أسباب الوضوء بنواقضه؛ فاستدعت شيئاً تنقضه، وترجم الأسباب هنا بالموجب؛ فاستدعت غسلاً بعده؛ لأن الأثر بعد المؤثر. وسبب ما ذكره من الترجمة أن الطهارة تقتضي ظاهراً وجوب الوضوء عند إرادة القيام إلى الصلاة، وإن لم يسبق ذلك حدث لو تصور، وأن الغسل لا يجب إلا بتقدم الجنابة؛ فدل على أنها توجبه. قال: ويجب الغسل على الرجل من شيئين: من خروج المني؛ لما روى أبو سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: "إنما الماء من الماء" رواه مسلم. تنبيه: المني - مشدد الياء - سمي: منياً؛ لأنه يمنى، أي: يصب، وكذلك سميت منى؛ لما يراق بها من الدماء. ومني الرجل - في حال صحته - أبيض ثخين، متددفق في خروجه دفعة بعد دفعة بشهوة، ويتلذذ بخروجه، ويعقب خروجه فتور، ورائحته كرائحة طلع النخيل، قريبة من رائحة العجين، وإذا يبس كانت رائحته كرائحة البيض. وقد يفقد بعض هذه الصفات؛ بأن يرق ويصفر لمرض، أو يحمر لكثرة الجماع؛

стр. 364

فيصير كماء اللحم، وربما أخرج دما عبيطا؛ لضعف ما يبيضه، وهو في هذه الحالة طاهر على المشهور، وقد يخرج بغير لذة ولا شهوة؛ لاسترخاء وعائه، وهو في الأحوال كلها موجب للغسل. وخواصه التي إذا فقدت بجملتها لا يحكم بكونه منيا، وإن وجد بعضها ثبت أنه مني - ثلاث: إحداهما: خروجه بشهوة مع الفتور عقيبه. الثانية: الرائحة التي تشبه رائحة الطلع. الثالثة: الخروج بتدفق. وللإمام وقفة فيما إذا خرج دما عبيطا، مع وجود باقي الصفات؛ من حيث إنه لا يسمى منيا. قال: ومن إيلاج الحشفة في الفرج؛ لما روى مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال:"إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها؛ فقد وجب الغسل، وإن لم ينزل". قال ابن الأعرابي: و "الجهد" من أسماء النكاح، و "شعبها الأربع" قيل: هما الفخدان، والأسكتان: وهما حرفا الفرج، وقيل: اليدان، والرجلان. وعن عاثشة: أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل؛ هل

стр. 365

عليهما الغسل؟ وعائشة جالسة، فقال رسول الله ﷺ :"إني لأفعل ذلك، أنا وهذه، ثم نغتسل". أخرجه مسلم. وعن أبي موسى الأشعري أنه سأل عائشة ﵄ عن التقاء الختانين؛ فقالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا التقى الختانان - أو مس الختان الختان - وجب الغسل". ورواية الشافعي عنها، أنها قالت: "إذا التقى الختانان وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا". وختان الرجل: موضع القطع من ذكره، وهو عند نهاية الحشفة. وختان المرأة: موضع القطع منها: والمراد بالتقائهما في الخبر-: تحاذيهما، وذلك يحصل بغيبوبة الحشفة في الفرج. قال الشافعي: يقال: التقى الفارسان، إذا تحاذيا وإن لم يتضاما، ولا يتصور أن تصادم الختانين؛ لأن ختان الرجل كما ذكرنا، وشفرا المرأة يحيطان بثلاثة أشياء: ثقبة في أسفل الفرج، هي مدخل الذكر، ومخرج الحيض والمني والولد. وثقبة أخرى - فوقها، مثل إحليل الذكر، هي مخرج البول لا غير. والثالث: فوق ثقبة البول، موضع ختانها؛ لأن هناك جلدة رقيقة قائمة، مثل عرف الديك. وقطع هذه الجلدة هو ختانها. قال: ويجب على المرأة من أربعة أشياء: من خروج المنى؛ لما روي عن أم مسلمة زوج النبي ﷺ قال: "جاءت أم سليم إلى رسول الله ﷺ قالت: إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة من غسل، إذا هي احتلمت؟ قال: "إذا رأت الماء". أخرجه البخاري. وفي حديث آخر: فقالت أم سلمة: يا رسول الله، وهل تحتلم المرأة؟ فقال: "تربت

стр. 366

يداك؛ فبم الشبه؟! ". أخرجه الشيخان. وفي طريق لمسلم: "أن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما علا وسبق يكون منه الشبه". وأم سليم هذه هي بنت ملحان، زوج أبي طلحة الأنصاري، وهي أم أنس بن مالك، كما قاله أهل الحديث، ولم يختلفوا فيه. والغزالي قال - تبعاً لإمامه - والصيدلاني: إنها جدة أنس بن مالك.

стр. 367

والصحيح: الأول. ومني المرأة رقيق أصفر، وقد يبيض؛ لفضل قوتها. قال الإمام: وقد زعم بعض الأطباء أنه لا يخرج منها. ولا شك في [أنها إذا هاجت] خرج منها، وهذا أغلب فيهن منه في الرجال. وقال في موضع آخر: إنه لا يتصور الإحاطة بخروج المني منها إلا بفتور شهوتها فأثبت له خاصية واحد دون مني الرجل. وتبعه الغزالي؛ فقال في "الوسيط": ولا يعرف في حقها إلا من الشهوة. وقال في "الوجيز": والمرأة إذا تلذذت بخروج ماء منها - لزمها الغسل. قال الرافعي: لكن ما ذكره الأكثرون - تصريحاً وتعريضاً - التسوية بين مني الرجل والمرأة في طرد الخواص الثلاث، ومن ذلك قول البغوي: إن مني المرأة إذا خرج بشهوة أو بغير شهوة يوجب الغسل؛ كمني الرجل. وإذا وجب الغسل مع انتفاء الشهوة، كان الاعتماد على باقي الخواص. قال: ومن إيلاج الحشفة في الفرج؛ لما سلف من حديث عائشة. تنبيه: الألف واللام في "المني" للعهد؛ فإن المتبادر إلى الذهن منه في الشخص نفسه، وفائدة ذلك: أن الرجل لو أخذ منياً، فأدخله في ذكره، والمرأة إذا أخذت منياً فأدخلته في فرجها، ثم خرج لا يجب به الغسل؛ وهذا ما حكاه أبو الطيب، وقال: [إن] هذا بخلاف ما لو أخذ واحد منهما بولاً، فأدخله ثم أخرجه؛ فإنه يجب عليه الوضوء، ولا يجب الغسل بذلك كله، ولأن [البول] لا بد من أدنى بلة تظهر فيه؛ وهي موجبة للوضوء. وليس كذلك المني؛ فإنه يخلو من مني يخرج معه. والقاضي الحسين حكى فيما إذا استدخلت المرأة مني زوجها، أو من وطئ بشبهة فرجها: أه يتعلق به لحوق النسب بلا خلاف، وكذلك تاعدة على الظاهر، وهل يجب به الغسل؟ فيه وجهان، أصحهما في "الكافي": لا.

стр. 368

والخلاف يجري فيما إذا خرج مني الرجل الحاصل معها من وطئه، بعد غسلها، والأصح في "الكافي" - أيضا-: عدم وجوب الغسل به. وقال الإمام - بعد حكاية القول بوجوبه عن بعض الأصحاب، الذي لم يحك سواه-: هذا عندي إذا قضت وطرها، فإن خرج قبل أن تقضيه، أو كانت صغيرة؛ فلا يجب. وعليه جرى في "الوسيط". وقال القاضي الحسين - بعد حكاية القول بعدم وجوبه عن بعض الأصحاب، الذي لم يحك غيره-: هذا عندي إذا أنزل الرجل، ونزل ماؤه منها عقيبه، فأما إذا مكث بعد ذلك ساعة، ينبغي أن يلزمها الغسل؛ لأن منيها اختاط بمني الرجل؛ فإذا خرج لا يخلو عن منيها، لا محالة. وإذا جرينا على ما قيده الإمام والقاضي، لم يكن ذلك خارجا عن كلام الشيخ. وكلام الشيخ يقتض أمورا: أحدهما: أن المني لو انتقل من محل إلى محل، من الرجل إلى المرأة، ولم يخرج - لا يجب الغسل. وعليه يدل [مفهوم] قوله ﵇ لعلي - كرم الله وجهه-: "إذا فضخت الماء؛ فاغتسل". رواه أبو داود. والفضخ: هو الظهور. وقال الهروي: فضخ الماء، أي: دفقه، وهو المفهوم، صرح به الأصحاب. وزاد الماوردي تفصيلا في مني المرأة، فقال: إذا وصل إلى باطن فرجها: فإن كانت ثيبا وجب عليها الغسل؛ لأن باطن الفرج في حقها كالظاهر؛ فإنه يجب عليها غسله في الاستنجاء. وإن كانت بكرا فلا؛ لأنه لا يجب غسله في الاستنجاء. الثاني: أنه لو خرج بقية المني، بعد الغسل، وجب الغسل ثانيا، وهو بذلك مقيس على ما لو خرج بقية البول، بعد الوضوء. الثالث: [أنه] لا فرق في خروجه بين أن يكون حال اليقظة أو النوم، بشهوة أو

стр. 369

دونها؛ لمرض من الذكر، أو الفرج، أو غيرهما. وهو المذكور في "التهذيب". وفي "الحاوي": فيما إذا انكسر فقار ظهر الرجل؛ فخرج منه المني، في وجوب الغسل منه وجهان، من اختلاف قوليه في وجوب الوضوء مما يخرج من سبيل مستحدث غير السبيلين؛ ولذلك قال المتولي: إن حكمه إذا خرج من غير الذكر حكم الخارج المعتاد من غير المخرج المعتاد؛ فيعتبر فيه: الانتفاح والانسداد والأعلى والأسفل. والمذكور في "تعليق القاضي أبي الطيب"، في كتاب الحجر، أنه: لا يوجب الغسل. وهذا إذا استحكم المني، فلو خرج قبل استحكامه منيا، قال في "الحاوي": فلا غسل فيه، وجها واحدا. فرع: إذا رأى الشخص منيا في ثوبه أو فراشه، ولم يتحقق أنه احتلم، فهل يجب عليه الغسل؟ قال صاحب "الفروع":لا، سواء نام معه فيه غيره، أو كان على غيره، أو انفرد به، والمشهور - وهو الأصح-: أن غيره، إن شاركه في لبسه - لا يجب عليه، وإن لم يشاركه [غيره] في استعماله: فإن كان المني من ظاهر الثوب - لا يجب أيضا. قال الماوردي: لاحتمال أن يكون قد علقه به من غيره. وإن كان من باطن الثوب، وجب، وعليه إعادة ما صلى من آخر لبسة لبسه فيها، والأولى: الإعادة من وقت الشك في حصول المني فيه. وكلام الشيخ في إيلاج الحشفة يقتضي أمورا: أحدهما: أنه لا يجب بإدخال ما دونها غسل، وهو المشهور. وعن ابن كج حكاية وجه: أن تغييب بعض الحشفة كتغييب كلها. الثاني: أن [إدخال مقدار] الحشفة من ذكر مقطوع الحشفة، لا يوجب الغسل، وهو وجه حكاه الرافعي عن رواية ابن كج. والإمام حكاه في باب: أجل العنين، عن رواية العراقيين. وقال الماوردي: إن الشافعي نص عليه في كتاب "الإملاء"، وقال في "الروضة": إنه الراجح عند كثير من العراقيين.

стр. 370

وعلى هذا إذا أولج باقي الذكر وجب الغسل. والذي جزم به القاضي الحسين، والإمام هنا، وكذا الفوراني، والمتولي: أن مقدار الحشفة من ذكر مقطوع قائم مقام الحشفة في ذلك وكل أحكامها غير الدية، وهو الأصح. الثالث: أنه لا فرق في ذلك، بين أن يكون إيلاجها مع حائل من ثوب أو لا، وهو عند فقد الحائل مما لا خلاف فيه ومعه فيه ثلاث أوجه في "الحاوي": أحدها: أن الأمر كذلك؛ قياساً على ما لو كان الحائل القافة، وبه قطع البغوي والإمام. والثاني: أنه لا يجب؛ لأن الحائل يمنع اللذة، وليست الخرقة من الذكر، بخلاف القلفة؛ ولهذا ينتقض بمسها الوضوء. والثالث - قاله أبو الفياض البصري، وأبداه القاضي الحسين احتمالاً، بعد ذكره الأول - أن الخرقة إن كانت خفيفة لا تمنع اللذة ووصول بلل الفرج إلى الذكر وجب؛ وإلا فلا. الأمر الرابع: أنه لا فرق في إيجاب الغسل - بإيلاجها - على الرجل، بين أن يكون مولجاً فيه، أو هو مولجها في قبل غيره أو دبره، من ذكر أو أنثى، حي أو ميت، آدمي أو غيره، وهو كذلك بلا خلاف في الآدمي، وكذا في غيره، على المشهور. وفي "الحاوي"، في كتاب حد الزنى: أنا إن أوجبنا الحد بالإيلاج في فرج البهيمة وجب به الغسل؛ وإلا فوجهان، وجه المنع: أنه في حكم المباشرة في غير الفرج، وهي لا توجبه بلا خلاف؛ مالم يتصل بها الإنزال. وإذا أدخل ذكر البهيمة في دبره، يشبه أن يكون على الخلاف؛ لما ستعرفه. ولو أدخل ذكر خنثى مشكل في دبره، لم يجب عليه الغسل، ويجب عليه الوضوء، كما قاله العراقيون.

стр. 371

والمراوزة قالوا: فيما يجب عليه الخلاف الآتي، فيما إذا شك: هل الخارج من ذكره مني أو مذي؟ وكذا لا فرق في إيجاب الغسل - بإيلاجها - على المرأة، بين أن يكون الإيلاج: في قبلها أو دبرها، من حي أو ميت، صغير أو كبير، في يقظة أو منام، متصلاً ذكره - أي: الحشفة - أو مقطوعاً وهو كذلك، وفي"التتمة" حكاية وجه في الذكر" المقطوع: أنه لا يوجب الغسل؛ كما لا ينقض مسه الوضوء، على وجه. والبهيمة: كلام الشيخ يقتضي إلحاقها بالآدمي في ذلك، وقد حكى الإمام عن شيخه ذلك؛ تعتباراً بالإيلاج في فرجها، ثم قال: وهذا فيه نظر - عندي - من جهة أن فرض ذلك في غاية الندور. قلت: ويظهر مجيء ما حكيناه عن الماوردي فيها. الخامس: أنه لا فرق قي إيجاب الغسل بإيلاجها، بين أن تكون: من ذكر صحيح أو أشل - وهو المذهب في "الروضة" - ولا بين أن يكون زائداً أو غير زائداً. ولا شك في أنه إذا كان زائداً - بأن كان لكل شخص ذكران يبول بأحدهما - في عدم إيجاب الغسل بإيلاجه. أما إذا كان يبول منهما؛ انتقض بإيلاج أيهما كان؛ لأنه ذكر رجل؛ وبهذا خالف ذكر الخنثى المشكل، والله أعلم. قال: ومن الحيض والنفاس؛ لنا ستعرفه في باب الحيض. قال: وقيل: يجب عليها أيضا من خروج الولد، أي: الذي لم يخرج بسببه نفاس؛ لأن الولادة مظنة خروج الدم، والحكم يدار على المظان؛ كما في الانتقاض بالنوم، وإيجاب الغسل بالإيلاج، وإن لم يتحقق إنزال الصغير. والجمهور وجهوه بأن الولد مني منعقد من مائها ومائه؛ وهذا ما حكاه الماوردي في كتاب الحيض، عن ابن سريج. وقال البندنيجي والروياني: ثم إنه المذهب، وهو الأصح في "النهاية"، و "الكافي"، والختار في "المرشد".

стр. 372

وقيل: لا يجب؛ لأن الولد لا يسمى منيا، والأحداث لا تثبت قياسا، وهذا قول ابن أبي هريرة. فإذا قلنا بالأول، ففي أي وقت يصح غسلها؟ فيه وجهان في "الحاوي"؛ بناء على أن أقل النفاس مجة أو ساعة. فعلى الأول: يصح عقيب خروج الولد، وما بعده. وعلى الثاني: لا يصح إلا بعد مضي ساعة. وعلى الخلاف في الأصل، يتخرج ما إذا ولدت في نهار رمضان: فعلى الأصح: يبطل صومها. وعلى الثاني: لا. ثم إذا أجرى الخلاف في وجوب الغسل [بخروج الولد بجريانه] بخروج المضغة والعلقة أولى، وبه صرح في "الكافي"، وصحح الوجوب. وجزم البغوي والقاضي الحسين بوجوبه بخروج المضغة، [وقالا بالوجهين] في العلقة. تنبيه: كلام الشيخ يقتضي بأنه لا يجب الغسل بما عدا ما ذكره، من خروج: المذي، والودي، والمجنون، وغسل الميت، وهو كذلك في خروج المذي والودي بلا خلاف، وفيمل عداه كلام يأتي. وقد زاد بعضهم مع ذلك الموت؛ فعده موجبا للغسل. ولا يرد على الشيخ؛ لأنه يتكلم فيما يجب فرض عين على المرء المغتسل، وذلك فرض كفاية على غير المغتسل. وعدول الشيخ عن قوله: يجب على الرجل بشيئين، وعلى المرأة بأربعة أشياء، إلى ما ذكره - يعرفك [أن] اختياره: أن الغسل لا يجب بخروج ذلك، بل بإرادته القيام إلى الصلاة، بشرط تقدم ذلك، وهو وجه حكاه الأصحاب، مع آخر أنه يجب بهذه الأشياء، ولكن شرط ايجابها القيام إلى الصلاة، كما يقال: النكاح موجب لكمال المهر؛ بشرط التمكين من الوطء أو الموت، وهذا هو الصحيح في "التممة". وإذا قلنا به ففي الحيض هل نقول: طرآنه موجب، أو انقطاعه؟ فيه وجهان: الذي صدر به أبو الطيب كلامه: الأول، فقال: يجب بظهور الدم، وإنما يصح

стр. 373

عند الانقطاع، وهو المذكور في تعليق "البندنيجي"، في كتاب الحيض. وقال في "الكافي": إنه الأصح. ونسبه الإمام إلى أبي بكر الإسماعيلي، وغلطه فيه، ونقل عن أكثر الأصحاب مقابله، وقال: إنه لا يظهر للاختلاف كله فائدة. وبعضهم قال: فائدته في الحائض أنا إذا قلنا لها أن تقرأ القرآن؛ فأجنبت، هل يصح غسلها؟ إن قلنا: إن غسل الحيض يجب بطروئه، لم يصح. والأصح، والمذكور في "الإبانة"، [و "التتمة"]: صحته على هذا القول. وقد ذكرت في باب غسل الميت عند الكلام في الشهداء وجها ثالثا: في أنه يجب مجموع الأمرين، وفائدة الخلاف؛ فليطلب منه. قال: وإن شك، هل الخارج من ذكره مني أو مذي أي: مثل أن نام، وانتبه، فرأى في ثوبه شيئاً؛ فلم يدر أنه مني، أو مذي، وتحقق أنه أحدهما، وتعارضت عنده الأمارات، وام يذكر لذة حصلت في نومه - فقد قيل: يلزمه الوضوء؛ لأن وجوبه محقق؛ فإن الخارج إن كان مذياً انتقض وضوءه فقط، وإن كان منياً فهو نلقض للوضوء موجب للغسل ألا ترى إلى قول أبي الطيب الذي حكيناه من قبل: إن جميع ما يخرج من الذكر موجب للوضوء، وإذا ثبت أنه ناقض للوضوء، على كل حال وجب تجديده، دون الغسل؛ لأن الأصل عدم وجوبه، واحتمال كونه منياً لا يوجبه؛ كما إذا شك: هل أحدث، أم لا؟ وهذا ما اقتضى كلام العراقيين القطع به؛ حيث قالوا: لو أولج خنثى مشكل آلة الرجل في دبر الرجل، لم يجب على المولج فيه الغسل، ووجب عليه الوضوء. وهو [نظير هذه المسألة]؛ إذ يحتمل أنيكون الخنثى رجلاً؛ فيكون الواجب عليه الغسل، ويحتمل أن يكون امرأة؛ فيكون ما اولجه عضواً زائداً، يجب بولوجه االوضوء فقط.

стр. 374

ثم ظاهر كلام الشيخ أنه - على هذا - لا نكلفه غسل ما أصاب بدنه وثوبه من الخارج، وهو ظاهر؛ لأن الأصل عدم وجوبه، وهذا ما حكاه الماوردي في هذا الباب لا غير، وقال: إنه لو اختلط في الأمرين؛ فغسله واغتسل، كان أولى وأفضل. وما ذكرناه، وإن صح توجيهه، فهو مشكل؛ لأنه يلزم منه القطع بفقد شرط من شرائط الصلاة؛ لأنه إن كان منياً فالواجب استيعاب البدن بالغسل فقط، ولم يوجد. وإن كان مذياً: فالواجب [مع الوضوء] غسل ما أصابه من الخارج، فإذا لم يعم البدن بالغسل، ولا غسل ما أصابه تحقق فقد شرط منها، والقياس: عدم صحتها. ولا جرم قال الشيخ: ويحتمل - عندي - أنه يلزمه الغسل؛ لأن خروجه أوجب شيئاً محققاً، ولا تحصل البراءة منه يقيناً إلا بالغسل؛ فوجب. وإنما قلنا: إنها تحصل به يقيناً؛ لأن الخارج: إن كان منياً فهو واجبه، وإن كان مذياً فهو يغني عن الوضوء، في ظاهر المذهب عند الجمهور، كما قال الماوردي. وظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا يحتاج معه إلى وضوء؛ لما ذكرناه من التقرير، ولا إلى غسل ما أصابه من الخارج؛ إذا قلنا بطهارة المنى، وهو ظاهر؛ فإن الأصل عدم وجوبه. ولا شيء عند ملاقاته تحقق وجوبه، حتى نقول: يحتاط في البراءة عنه، لكنه قال في "المهذب": عندي [أنه] يجب أن يتوضأ مرتبا، ويغسل سائر بدنه، ويغسل الثوب منه؛ لأن جعله منياً ليس بأولى من جعله مذياً، ولا سبيل إلى إسقاط حكمهما؛ لأن الذمة قد اشتغلت بفرض الطهارة والصلاة؛ فوجب الإتيان بموجبهما؛ ليسقط الفرض بيقين. وهذا قد حكاه الرافعي وجهاً في المذهب، ولا يمتنع أن يكون أبدى في كل كتاب احتمالاً غير الآخر. وعن بعض الأصحاب حكاية وجه آخر: أنه يخير بين أن يجعله منياً ويجري جميع أحكامه، أو مذياً ويبني عليه؛ لأنه يحتمل الأمرين احتمالاً واحداص. وهذا ما أطلق الإمام في باب سنة الوضوء [حكايته، وحكاه] عن شيخه هاهنا، والقاضي الحسين حكاه عن القفال، وهو الأصح في الرافعي، ولم يذكر الغزالي سواه، وقال: إنه لو راد الاقتصار على الوضوء، ولم يغسل ما أصابه من الخارج فالمذهب: أنه لا يجزئه.

стр. 375

وفيه وجه بعيد، ادعى الإمام أنه غلط؛ لما أسلفنا. ومثله وجه مححكى في "النهاية" و "الوسيط": أنه يجزئه كالوضوء المنكس، وهو بالتغليط أولى. وقد حكى القاضي الحسين والفوراني عن القفال: أنه: لو توضأ، ولم يغسل الثوب لا تصح صلاته، ولا يجب عليه الترتيب في الوضوء، وأنه رجع عن ذلك؛ لأجل ما ذكرناه. والحكم فيما إذا شك: هل الخارج من ذكره مني أو مذي، كما في مسألة الكتاب وعليها تكلم الإمام في هذا الباب، وأبدى [وراء ما] حكاه عن شيخه احتمالا، وقال: قد صح في الأخبار والآثار تمييز المني بصفاته عن سائر الخارجات؛ فليس كالشاك في الحدث لا يجد علامة يتمسك بها؛ فإن العلامات - هاهنا - ثابتة. فإذا غلب على القلب أنه مني؛ من جهة أنه لا يليق بصاحب الواقعة الودي، أو ربما كان تذكر حلما رآه، ووقاعا تخيله، ثم شاهد الخارج؛ فيجوز أن يقال: يستصحب يقين الطهر، ويجوز أن يحمل الأمر على غالب الظن؛ تخريجا على غلبة الظن في النجاسة؛ فإن هذا الذي انتهى الكلام إليه مما يغلب في مثله وقوع غلبة الظن. ولو لم يغلب على الظن أنه مني، فلا يجب الغسل بلا الشك. قال: ومن أجنب: يقال: أجنب الرجل، وجنب بفتح الجيم وضم النون أي: صار جنبا؛ بجماع أو إنزال. والجنابة: البعد، وسمى بذلك؛ لبعده عن المسجد والقرآن. ويقال: "جنب" للرجل والمرأة، والاثنين، والجمع، كله بلفظ واحد؛ قال الله - تعالى-: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ [المائدة:٦]. قال: حرم عليه الصلاة؛ للإجماع، وفي معناها: سجود التلاوة والشكر والطواف؛ لقوله ﵇:"الطواف بالبيت صلاة ... " الخبر. قال: وقراءة القرآن؛ لقوله ﵇:"لا يقرأ الجنب، ولا الحائض شيئا من القرآن".

стр. 376

وعن عمر أنه قال: يا رسول الله، إنك تأكل وتشرب وأنت جنب؛ فقال:"إني آكل وأشرب وأنا جنب، ولا أقرأ وأنا جنب". وقد كان منع الجنب من القراءة مشهورا بين الصحابة. قال الرافعي: ولا يستثنى من ذلك إلا من لم يجد ماء أو ترابا؛ فإنه هل يقرأ الفاتحة في صلاة الفرض؟ فيه وجهان: أصحهما: التحريم؛ كما يحرم ما زاد عليها.

стр. 377

قال في "الروضة": والأصح الذي قطع به جماهير العراقيين وجوب قراءتها؛ لأنه مضطر إليها. ولا فرق في تحريم القراءة على الجنب بين الجهر والإسرار إذا نطق به بلسانه. وقراءته بالقلب من غير تلفظ باللسان، لا تحرم، وكذا النظر إلى المصحف؛ قاله الماوردي. وقال: إنه لا فرق في تحريم القراءة باللسان، بين قراءة جميع القرآن، أو آية منه، أو حرف؛ لعموم الخبر. وقال أبو الطيب: [إنه] لو كبر أو هلل، وقال كالآمر: خذ الكتاب بقوة، ونحو ذلك - إن قصد به غير القرآن جاز، وإن قصد به القرآن، لم يجز. وسكت عن حالة الإطلاق، والظاهر التحريم؛ كما هو مقتضى كلام الماوردي. وكلام الغزالي أصرح في المنع منه؛ فإنه قال: يستوي في التحريم الآية وبعضها، إلا أن يأتي بها على قصد الذكر، كقوله: باسم الله، والحمدلله. وكلام القاضي الحسين، في باب صفة الغسل [يدل] على عدم التحريم؛ حيث قال: والصحيح أنه يستحب للجنب التسمية؛ لأنها تجوز له على قصد قراءة القرآن؛ وهذا قد صرح الإمام بحكايته عن شيخه، وقال: إنه مقطوع به؛ فإن القصد مراعى في

стр. 378

هذه الأبواب؛ فاقتصر الرافعي على إيراده. قال: ومس المصحف، وحمله؛ لأنه إذا حرم ذلك على المحدث؛ فعلى الجنب أولى. وفروع ذلك مذكورة فيما تقدم. قال: واللبث في المسجد؛ لقوله ﵇:"لا أحل المسجد لحائض، ولا جنب". فإن قيل: هذا الخبر يقتضي تحريم مروره فيه، ولا خلاف عندكم في جوازه؛ كما أفهمه قول الشيخ:"واللبث في المسجد". قلنا: قوله - تعالى-: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ [النساء:٤٣] دل

стр. 379

على جوازه؛ فإن المراد بالصلاة في الآية موضعها، قال الله - تعالى-: ﴿لهدمت صوامع وبيع وصلوت﴾ [الحج: ٤٠]، والصلوات لا تهدم؛ وإنما يهدم مكانها. وقوله - تعالى-: ﴿إلا عابري سبيل﴾ يؤيد ذلك؛ فإن العبور على فعل الصلاة، لا يصح؛ وإنما يصح على مكانها؛ وحينئذ فتقديرها: لا تقربوا مواضع الصلاة ... إلى آخرها. قال أصحابنا: ونهيهم عن قربان مواضعها في حالة السكر الطافح؛ خشية من تلويثها. كما نهى ﵇ عن إدخال الصبيان والمجانين الذين لا يستمسكون عنها. وقال أبو إسحاق: تقدير الآية: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوا مواضع الصلاة وأنتم جنب إلا عابري سبيل. قال الماوردي: وهذا التأويل نقل عن علي، وابن عباس. ولأنه مكلف أمن منه تنجس المسجد؛ فجاز له العبور فيه؛ كالمحدث. نعم، ذلك مكروه إلا لغرض؛ كما إذا كان المسجد في طريقه إلا مقصده، أو كان أقرب الطريقين إليه. وفي "تعليق القاضي الحسين": أنه: إذا كان في المسجد، وله طريقان أحدهما أقرب، والآخر أبعد؛ فاجتاز الأبعد، حتى لو بلغ مسافة القصر. وفي "الرافعي" حكاية وجه، فيما إذا كان له طريق غير المسجد: أنه لا يجوز له

стр. 380

العبور فيه، ولا يجوز له التردد في أكنافه، بلا خلاف. وإليه يرشد قول الشيخ:"واللبث في المسجد"؛ فإن التردد فيه لبث. قال الإمام، قبيل باب البياعات: ولا نكلف من أجنب في المسجد بالإسراع، بل يمشي على الاعتياد، ولعل الضبط فيه: ألا يعرج في موضع تعريجا يقتضي بأن مثله يكون أقل ما يجزئ في الاعتكاف؛ إذا جرينا على أن الاعتكاف شرطه اللبث. ثم تحريم اللبث مخصوص بما إذا لم تدع إليه ضرورة. فإن دعت: كما إذا نام في المسجد، فاحتلم، ولم يمكنه الخروج؛ لإغلاق الباب، أو لخوف فلا تحريم. وليتيمم في هذه الحالة تطهراً وتخفيفاً للحدث، بقدر الإمكان؛ وهذا إذا وجد تراباً غير تراب المسجد، فلو لم يجد سواه لا يتيمم به. وفي "تعليق القاضي الحسين" وجه: أنه يتيمم به. وهذا مخصوص بالمسلمين؛ فإن في منع الكافر الجنب من اللبث فيه خلافاً يأتي في الكتاب. وتخصيص الشيخ الجنب بما ذكره من الأحكام، وإن كانت الحائض والنفساء تشركه فيه؛ لامتيازهما بأمر ستعرفه في بال الحيض. وقد أفهم ذكر الشيخ ما يحرم على الجنب، وكذا ما يحرم على الحائض - إباحة ما عدا ذلك لهما من: الأكل، والشرب، والنوم، وغير ذلك، وعليه دلت الأخبار. نعم، قال الأصحاب: يستحب للجنب: ألا يأكل، ولا يشرب، ولا يجامع، ولا ينام؛ حتى يتوضأ وضوءه للصلاة، ويغسل فرجه، ولا يستحب مثل ذلك للحائض والنفساء إلا بعد انقطاع طمهما. قال ابن الصباغ وأبو الطيب: والفرق: أن وضوء الحائض لا يفيد شيئاً، ولا كذلك وضوء الجنب؛ فإنه يخفف الجنابة، ويزيلها عن أعضاء الوضوء، ويطهرها. والإمام قال: إنه لا يرفع الحدث، وقضية ذلك التسوية، والله أعلم.

стр. 381

باب صفة الغسل ومن أراد الغسل - أي: الواجب - نوى الغسل من الجنابة: أي إن كان جنباً، أو

стр. 382

الحيض، أي: إن كان حيضاً، وكذا الغسل من النفاس، إن اتصف به؛ [لأنه] الذي عليه. ولو حملنا "أو" في كلام الشيخ على التخيير، لكان له وجه؛ لأنه حكى وجهاً فيما إذا كان عليه حدث الحيض، فنوى رفع حدث الجنابة، أو بالعكس - أنه يجزئه؛ كما لو نوى المتيمم استباحة الصلاة من الجنابة، وكان حدثه حدثاً أصغر؛ فإنه يجزئه. والصحيح: أنه لا يجزئ، لأنه نوى غير ما عليه، والحدث الأكبر والأصغر بالنسبة إلى التيمم على حد واحد؛ لأنه لا يختلف الواجب فيه بسببهما. وعليه يتعين حمل كلام الشيخ على ما ذكرناه. قال: أو نوى الغسل؛ لاستباحة ما لا يستباح إلا بالغسل لتضمن نيته رفع ما عليه، ويندرج في ذلك: ما إذا نوت المرأة التي انقطع حيضها أو نفاسها استباحة الوطء. وفي "النهاية" وجه عن رواية أبي علي: أن غسلها لا يصح بهذه النية؛ فإنها نوت ما يوجب الغسل. والأصح: الأول. وفي "التهذيب": أنها تستفيد بهذا الغيل حل الوطء. وهل يباح لها الصلاة به؟ فيه وجهان: أصحهما: لا. وقد أفهم كلام الشيخ أن النية على نحو آخر سوى ما ذكره لا تجزئ. ولا شك في أن من نوى الغسل المفروض، أو فريضة الغسل، أجزأه، وكذا لو نوى رفع الحدث عن جميع البدن؛ صحت نيته. ولو نوى رفع الحدث الأصغر: فإن تعمد، لم يصح غسله، في أصح الوجهين.

стр. 383

وإن غلط، وظن أن الأصغر حدثه، لم يرتفع الحدث عن غير أعضاء الوضوء. وفي ارتفاعه عن المغسول من أعضاء الوضوء وجهان: أصحهما الارتفاع. وعلى هذا: وفي ارتفاعه عن الرأس وجهان؛ لأن واجبها في الوضوء المسح، وفي الغسل الغسل، والمسح لا يقوم مقام الغسل. قلت: وليت شعرى، القائل بارتفاعه: هل يقول بارتفاعه عن جملة الرأس، أو عن القدر المجزئ في الوضوء؟ والظاهر: الثاني، وإن صح فأي موضع هو؟ ولو نوى رفع الحدث مطلقاً، هل يجزئ؟ قال الإمام: الوجه الذي لا يتجه غيره: الإجزاء؛ لأن الحدث عبارة عن المنع من الصلاة، وهذا ما حكاه الماوردي، في باب النية في الوضوء. وغيرهما حكى فيه الوجهين، وصحح فيه الإجزاء. وهذا إذا لم يكن عليه غير الأكبر، فلو كان عليه معه حدث أصغر، قال في "الحاوي": إن قلنا: إن الأكبر يسقط الأصغر إذا اجتمعا، أجزأته نية رفع الحدث؛ وإلا فلا تجزئه عن واحد منهما. ولو نوى الشخص استباحة ما يستحب له الغسل: كالأذان، والمرور في المسجد - ففي ارتفاع حدثه وجهان، والوجه الثالث المذكور في الوضوء جار هنا. قال: ويتوضأ كما يتوضأ للصلاة؛ لما روي عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة توضأ وضوءه للصلاة، ثم يخلل بيديه شعره، حتى إذا ظن أنه قد روى بشرته [أفاض عليه الماء]، ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده". أخرجه البخاري ومسلم.

стр. 384

وهذا من الشيخ يقتضي أنه يأتي بالوضوء كاملاً؛ كما هو ظاهر الخبر، وبه صرح الماوردي. لكن قد جاء في البخاري، عن ميمونة زوج النبي ﷺ قال: "توضأ رسول الله ﷺ وضوءه للصلاة، غير رجليه، وغسل رجه وما أصابه من الأذى، ثم أفاض الماء عليه، ثم نحى رجليه فغسلهما". وذلك صريح في تأخير غسل الرجلين. ولا جرم قال الإمام، ومن تبعه: إن في استحباب تقديم [غسل الرجلين] وتأخيرهما - قولين، ونسب القول المرافق لرواية ميمونة إلى "الإملاء". والبندنيجي قال: إنه ظاهر نصه في "الويطي". وهو الأصح في "الكافي". قال الروياني، في "تلخيصه": إن ظاهر نصه في الجديد مقابله. وصححه، وكذا الرافعي. وقال القاضي الحسين: إنه يتخير - إن شاء قدم غسلهما، وإن شاء أخره - لصحة الروايتين. ثم في الأمر بالإتيان بالوضوء الكامل [في أول] الغسل، ما يغني عن التصريح بأمرين: أحدهما: الأمر بإتيان التسمية في أوله، كما صرح بذكرها العراقيون، والماوردي واستدل بقول عائشة: "كان رسول الله ﷺ يذكر الله عزوجل على كل أحيانه". وفي "التتمة" حكاية وجه آخر، أنه: يكره [له] التسمية، وهو في "تعليق القاضي" وقال: إن من أصحابنا من قال: الأولى أن يقول: باسم الله العظيم، أو الحليم، الحمد لله على الإسلام؛ حتى لا يكون على نظم القرآن.

стр. 385

الثاني: غسل الكفين في أوله، وقد دلت رواية عن عائشة على ذلك؛ فإنه روى عنها أنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة، يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء، فيدخا أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه" أخرجه البخاري ومسلم. وهذا الحديث يدل على طلب غسل الفرج باليد اليسرى، قبل الوضوء للغسل. والنص في "المختصر"، الذي جرت عليه الأصحاب: أن ذلك مطلوب؛ لإزالة ما عليه من أذى. ومفهوم كلامهم: أنه إذا لم يكن عليه أذى لا يكون مطلوباً بخصوصه، وإذا كان كذلك لم يكن غسله من سنن الغسل؛ لأنه غير راتب فيه؛ فلذلك لم يذكره الشيخ فيه. فائدة: هذا الوضوء هل يحتاج إلى نية تخصه أو لا؛ لأنه من سنن الغسل؛ فنيته تشمله؛ كما تشتمل نية الوضوء المضمضة والاستنشاق؟ الذي حكاه الرافعي: الثاني، وهو ظاهر ملام الأصحاب والشيخ. وقال في "الروضة": المختار: أنه ينوي به سنة الغسل.

стр. 386

قال: ثم يفيض الماء على رأسه، ويخلل أصول شعره، أي: الذي في رأسه، ولحيته. اعلم أن ظاهر كلام الشيخ يقتضي: أن تخليل الشعر، يكون بعد إفاضة الماء على الرأس والذي دل عليه الخبر: أنه قبله، وهو الذي ذكره الأصحاب، فقالوا: يستحب بعد وضوئه أن يدخل يديه في الإنلء، ثم يخرجهما، ويخلل بأصابعهما مبلولة شعره، ثم يفيض الماء على رأسه، كذا قاله أبو الطيب، والماوردي، والقاضي الحسين. وهو صريح في أنه لا يخلله بما يفيضه. وابن الصباغ قال: إنه يدخل أصابعه العشرة في الإناء، فيأخذ الماء بها، فيشرب به أصول شعره، من رأسه ولحيته، أي: ليسهل إيصال الماء إليه. وعبارته في "المهذب" "المهذب": فيأخذ غرفة؛ يخلل بها لأصول شعره، من رأسه ولحيته". وإذا أردنا أن نرد كلام الشيخ إلى ذلك قلنا: "الواو" لا تقتضي ترتيباً، وتقدير كلامه: ثم يخلل أصول شعره بغرفة أو بلل الماء، ثم يفيض الماء على رأسه، والله أعلم.

стр. 387

قال: ثم يفيض الماء على سائر جسده؛ للخبر. و"سائر" - هاهنا - بمعنى الباقي، مأخوذ من "السؤر" بالهمز وهو البقية، والمراد به: ما عدا الرأس، وهذا يقتضي أنه يفيضه على ما غسله في الوضوء من يديه ورجليه. ولا يكتفي بغسل ذلك في الوضوء، وهو ظاهر؛ لأنه غسله على وجه السنة؛ فلا يغني عن الفرض. ولو قيل بأنه يجزئ عنه، لم يبعد؛ أخذاً مما حكيناه عن أبي الطيب آخر الباب قبله فيما إذا توضأ الجنب عند إرادة النوم، أنه يرتفع حدثه عن أعضاء وضوئه، والله أعلم. قال: ويدلك ما وصلت إليه يده من بدنه؛ لقوله ﵇: "بلوا الشعر، وأنقوا البشرة". وبه يحصل غنقاء البشرة. قال: يفعل ذلك -[أي: التخليل، والإفاضة، والدلك]- ثلاثاً. ووجهه في إفاضة الماء على الرأس: الخبر، وفي باقي الجسد القياس عليه، وعلى الوضوء. وفي الدلك القياس على المرة الأولى. زظاهر كلام الشيخ: أن التخليل والإفاضة على الرأس والجسد يفعل مرة ثم مرة ثم مرةة، والخبر يقتضي موالاة التخليل، وموالاة الإفاضة على الرأس، ثم غسل باقي الجسد بعد ذلك، وهو ما نص عليه في "المختصر"، والأصحاب كافة.

стр. 388

وقد استحب الأصحاب في الغسل أن يبدأ بشقه الأيمن، ثم اليسر؛ لما روى مسلم عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة - دعا بشيء نحو الحلاب؛ فأخذ بكفه: بدأ بشق لاأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه، فقال بهما على رأسه"، وقال البخاري: "على وسط رأسه". والحلاب: إناء ضخم يحلب فيه. قال: فإن كانت إمرأة تغتسل من الحيض -[أي]: أو النفاس - استحب لها أن تتبع أثر الدم - أي: في الموضع الذي يجب غسله من الفرج، كما قال البندنيجي فرصة من مسك؛ لما روي عن عائشة أنها قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تسأله عن الغسل من الحيض؟ فقال:"خذي فرصة من مسك؛ فتطهري بها"، فقالت: كيف أتطهر بها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"سبحان الله! - واستتر بثوبه - تطهري بها"، واجتذبها فعرفتها الذي أراده. وقلت لها: يعني: تتبعي بها أثر الدم، يعني: الفرج". أخرجه البخاري ومسلم. والفرصة: بكسر الفاء على المشهور ويقال: بالضم، والفتح - أيضا - وبالصاد المهملة: القطعة من كل شيء، ذكره ثعلب؛ مأخوذ من: فرصت الشيء؛ إذا قطعته: وعن الجوهري: أن الفرصة: قطعة من قطن، أو خرقة تمسح المرأة بها دم الحيض. والمسك بكسر الميم: الطيب المعروف. وكانت العرب تسميه: المشموم.

стр. 389

وقد قيل: إن فرصة المسك في قوله ﵇ قطعة من الصوف، أو القطن يذر عليها المسك، ويتبع بها أثر الدم، وعليه [يدل] قوله ﵇ لأسماء: "ثم تأخذ فرصة ممسكة؛ فتطهر بها" رواه مسلم. وقال أبو عمرو: مراده: قطعة من السك بضم السين وهو طيب معجون بالمسك، يكون عند أهل المدينة، ولا يسمى: فرصة، إلا إذا كان فيه مسك؛ فإن لم يكن فيه مسك، سمي: سكيكة، حكاه في "الحاوي". وعن أبي عبيد: إنما هي "قرصة" بقاف مضمومة من "مسك" بفتح الميم أي: قطعة من جلد، تحك بها موضع الدم؛ كي لا يبقى منه شيء. والمشهور: الرواية الأولى. قال الماوردي: وإن كانت رواية أبي عبيد محفوظة، لم يمتنع أن تجمع بين الأمرين. وعلى المشهور قال الشيخ: فإن لم تجد؛ فطيبا غيره؛ لأن المقصود من استعمال المسك تطييب رائحة المحل؛ لتكمل لذة الزوج، وهذا المعنى موجود في غيره من الطيب، وهذا ما حكاه البندنيجي، والقاضي الحسين، والإمام [و] الغزالي، وغيرهم. وعليه نص في "الأم" حيث قال: فإن لم يكن مسك، فطيب ما كان؛ اتباعا للسنة. واشترط بعض الأصحاب في تأدية السنة به، أن يكون في الطيب المستعمل حرارة كالمسك؛ لاعتقاده أن المعنى في المسك: ما فيه من قطع الرائحة، يطيب المحل، مع أن فيه حرارة يتعجل العلوق بسببها. وصحف بعض الأصحاب لفظ المزني؛ فقال: فإن لم تجد؛ "فطينا" بالنون والصحيح: الأول؛ لما ذكرناه من نصه. نعم، لو عدم الطيب، فتتبعته بالطين، قال ابن الصباغ: فلا بأس. وقال البندنيجي: إن المستحب المسك، فإن لم تجد، فطيبا، فإن لم تجد فطينا. وكذا قاله الرافعي.

стр. 390

ثم في أي وقت تستعمل المسك، وبدله؟ فيه وجهان في "الحاوي"؛ بناء على ما ذكرناه من المعنيين: فمن قال: إن العلة طيب المحل فقط قال: تستعمله بعد كمال الغسل. ومن قال بالآخر، قال: تستعمله قبله. قال: فإن لم تجد، فالماء كاف؛ لأن رفع الحدث مقصور على الماء، والطيب تكميل وتزيين. فإن قيل: أي فائدة في قوله: "فالماء كاف"، مع قوله: "استحب لها أن تتبع أثر الدم ... " كذا، وهو يدل على أن الماء كاف؟ قلت: الفائدة فيه تعريفك: أن الخبر وإن كان ظاهره الوجوب؛ فهم محمول على الاستحباب. فإن قلت: الماء كاف، سواء وجدت الطيب أم لم تجده؛ فلا فائدة في تقييد ذلك بالفقد. قلت: بل له فائدتان: إحداهما: تعريفك أنها لا تنتقل إلى الطين؛ كما حكيناه عن غيره. الثانية: أنها عند عدم الطيب غير مقصرة في طهارتها، ولا كذلك عند وجوده؛ فتقدير كلامه: فالماء كاف في الخروج عن الأمر، والله أعلم. قال: والواجب من ذلك: النية؛ للخبر المشهور. وسكوت الشيخ عن وقتها يعرفك أنه ليس لها وقت تتعين فيه؛ بل الواجب الاتيان بها عند غسل [أول] جزء من البدن. ومنه يفهم أنه لا ترتيب في الغسل، كما صرح به الأصحاب؛ بل أي جزء بدأ بغسله، واقترنت به النية اعتد به وبما بعده، ولا يعتد بما غسله قبل النية. نعم، في "الحاوي" حكاية وجهين، في أن ما يتقدمه من السنن، إذا لم تقترن به النية، هل تنعطف عليه النية الطارئة؟ فيه وجهان، سلف مثلهما في الوضوء. والمذكور في "الرافعي" وغيره: أنه لا يعتد بها، وهو الأصح.
следующие страницы →