Полный текст (9 685 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
قال: ثم يفيض الماء على رأسه، ويخلل أصول شعره، أي: الذي في رأسه، ولحيته.
اعلم أن ظاهر كلام الشيخ يقتضي: أن تخليل الشعر، يكون بعد إفاضة الماء على
الرأس والذي دل عليه الخبر: أنه قبله، وهو الذي ذكره الأصحاب، فقالوا: يستحب
بعد وضوئه أن يدخل يديه في الإنلء، ثم يخرجهما، ويخلل بأصابعهما مبلولة شعره،
ثم يفيض الماء على رأسه، كذا قاله أبو الطيب، والماوردي، والقاضي الحسين. وهو
صريح في أنه لا يخلله بما يفيضه.
وابن الصباغ قال: إنه يدخل أصابعه العشرة في الإناء، فيأخذ الماء بها، فيشرب به
أصول شعره، من رأسه ولحيته، أي: ليسهل إيصال الماء إليه.
وعبارته في "المهذب" "المهذب": فيأخذ غرفة؛ يخلل بها لأصول شعره، من رأسه ولحيته".
وإذا أردنا أن نرد كلام الشيخ إلى ذلك قلنا: "الواو" لا تقتضي ترتيباً، وتقدير كلامه: ثم
يخلل أصول شعره بغرفة أو بلل الماء، ثم يفيض الماء على رأسه، والله أعلم.
стр. 387
قال: ثم يفيض الماء على سائر جسده؛ للخبر.
و"سائر" - هاهنا - بمعنى الباقي، مأخوذ من "السؤر" بالهمز وهو البقية، والمراد
به: ما عدا الرأس، وهذا يقتضي أنه يفيضه على ما غسله في الوضوء من يديه ورجليه.
ولا يكتفي بغسل ذلك في الوضوء، وهو ظاهر؛ لأنه غسله على وجه السنة؛
فلا يغني عن الفرض.
ولو قيل بأنه يجزئ عنه، لم يبعد؛ أخذاً مما حكيناه عن أبي الطيب آخر الباب قبله فيما
إذا توضأ الجنب عند إرادة النوم، أنه يرتفع حدثه عن أعضاء وضوئه، والله أعلم.
قال: ويدلك ما وصلت إليه يده من بدنه؛ لقوله ﵇: "بلوا الشعر، وأنقوا
البشرة". وبه يحصل غنقاء البشرة.
قال: يفعل ذلك -[أي: التخليل، والإفاضة، والدلك]- ثلاثاً.
ووجهه في إفاضة الماء على الرأس: الخبر، وفي باقي الجسد القياس عليه، وعلى
الوضوء. وفي الدلك القياس على المرة الأولى.
زظاهر كلام الشيخ: أن التخليل والإفاضة على الرأس والجسد يفعل مرة ثم
مرة ثم مرةة، والخبر يقتضي موالاة التخليل، وموالاة الإفاضة على الرأس، ثم غسل
باقي الجسد بعد ذلك، وهو ما نص عليه في "المختصر"، والأصحاب كافة.
стр. 388
وقد استحب الأصحاب في الغسل أن يبدأ بشقه الأيمن، ثم اليسر؛ لما روى
مسلم عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة - دعا بشيء نحو
الحلاب؛ فأخذ بكفه: بدأ بشق لاأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه، فقال بهما
على رأسه"، وقال البخاري: "على وسط رأسه".
والحلاب: إناء ضخم يحلب فيه.
قال: فإن كانت إمرأة تغتسل من الحيض -[أي]: أو النفاس - استحب لها أن تتبع
أثر الدم - أي: في الموضع الذي يجب غسله من الفرج، كما قال البندنيجي فرصة من
مسك؛ لما روي عن عائشة أنها قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تسأله عن الغسل من
الحيض؟ فقال:"خذي فرصة من مسك؛ فتطهري بها"، فقالت: كيف أتطهر بها؟ فقال النبي صلى الله عليه
وسلم:"سبحان الله! - واستتر بثوبه - تطهري بها"، واجتذبها فعرفتها الذي أراده.
وقلت لها: يعني: تتبعي بها أثر الدم، يعني: الفرج". أخرجه البخاري ومسلم.
والفرصة: بكسر الفاء على المشهور ويقال: بالضم، والفتح - أيضا - وبالصاد
المهملة: القطعة من كل شيء، ذكره ثعلب؛ مأخوذ من: فرصت الشيء؛ إذا قطعته:
وعن الجوهري: أن الفرصة: قطعة من قطن، أو خرقة تمسح المرأة بها دم الحيض.
والمسك بكسر الميم: الطيب المعروف. وكانت العرب تسميه: المشموم.
стр. 389
وقد قيل: إن فرصة المسك في قوله ﵇ قطعة من الصوف، أو القطن
يذر عليها المسك، ويتبع بها أثر الدم، وعليه [يدل] قوله ﵇ لأسماء:
"ثم تأخذ فرصة ممسكة؛ فتطهر بها" رواه مسلم.
وقال أبو عمرو: مراده: قطعة من السك بضم السين وهو طيب معجون بالمسك،
يكون عند أهل المدينة، ولا يسمى: فرصة، إلا إذا كان فيه مسك؛ فإن لم يكن فيه
مسك، سمي: سكيكة، حكاه في "الحاوي".
وعن أبي عبيد: إنما هي "قرصة" بقاف مضمومة من "مسك" بفتح الميم أي: قطعة
من جلد، تحك بها موضع الدم؛ كي لا يبقى منه شيء.
والمشهور: الرواية الأولى.
قال الماوردي: وإن كانت رواية أبي عبيد محفوظة، لم يمتنع أن تجمع بين الأمرين.
وعلى المشهور قال الشيخ: فإن لم تجد؛ فطيبا غيره؛ لأن المقصود من استعمال
المسك تطييب رائحة المحل؛ لتكمل لذة الزوج، وهذا المعنى موجود في غيره من
الطيب، وهذا ما حكاه البندنيجي، والقاضي الحسين، والإمام [و] الغزالي، وغيرهم.
وعليه نص في "الأم" حيث قال: فإن لم يكن مسك، فطيب ما كان؛ اتباعا للسنة.
واشترط بعض الأصحاب في تأدية السنة به، أن يكون في الطيب المستعمل حرارة
كالمسك؛ لاعتقاده أن المعنى في المسك: ما فيه من قطع الرائحة، يطيب المحل،
مع أن فيه حرارة يتعجل العلوق بسببها.
وصحف بعض الأصحاب لفظ المزني؛ فقال: فإن لم تجد؛ "فطينا" بالنون
والصحيح: الأول؛ لما ذكرناه من نصه.
نعم، لو عدم الطيب، فتتبعته بالطين، قال ابن الصباغ: فلا بأس.
وقال البندنيجي: إن المستحب المسك، فإن لم تجد، فطيبا، فإن لم تجد فطينا. وكذا قاله الرافعي.
стр. 390
ثم في أي وقت تستعمل المسك، وبدله؟
فيه وجهان في "الحاوي"؛ بناء على ما ذكرناه من المعنيين:
فمن قال: إن العلة طيب المحل فقط قال: تستعمله بعد كمال الغسل.
ومن قال بالآخر، قال: تستعمله قبله.
قال: فإن لم تجد، فالماء كاف؛ لأن رفع الحدث مقصور على الماء، والطيب
تكميل وتزيين.
فإن قيل: أي فائدة في قوله: "فالماء كاف"، مع قوله: "استحب لها أن تتبع أثر
الدم ... " كذا، وهو يدل على أن الماء كاف؟
قلت: الفائدة فيه تعريفك: أن الخبر وإن كان ظاهره الوجوب؛ فهم محمول على
الاستحباب.
فإن قلت: الماء كاف، سواء وجدت الطيب أم لم تجده؛ فلا فائدة في تقييد
ذلك بالفقد. قلت: بل له فائدتان: إحداهما: تعريفك أنها لا تنتقل إلى الطين؛ كما حكيناه عن غيره.
الثانية: أنها عند عدم الطيب غير مقصرة في طهارتها، ولا كذلك عند وجوده؛
فتقدير كلامه: فالماء كاف في الخروج عن الأمر، والله أعلم.
قال: والواجب من ذلك: النية؛ للخبر المشهور.
وسكوت الشيخ عن وقتها يعرفك أنه ليس لها وقت تتعين فيه؛ بل الواجب
الاتيان بها عند غسل [أول] جزء من البدن. ومنه يفهم أنه لا ترتيب في الغسل،
كما صرح به الأصحاب؛ بل أي جزء بدأ بغسله، واقترنت به النية اعتد به وبما بعده،
ولا يعتد بما غسله قبل النية.
نعم، في "الحاوي" حكاية وجهين، في أن ما يتقدمه من السنن، إذا لم تقترن به النية، هل تنعطف عليه النية الطارئة؟ فيه وجهان، سلف مثلهما في الوضوء. والمذكور في "الرافعي" وغيره: أنه لا يعتد بها، وهو الأصح.
стр. 391
ثم هل يحتاج في النية مع ما ذكرناه إلى الإضافة إلى الله تعالى؟ فيه وجهان في
"الوسيط"، في باب صفة الوضوء.
ثم ذكر وجوب النية في الغسل يقتضي اشتراط الإسلام في صحة الغسل؛ إذ من
شرط النية الإسلام، وهذا هو المشهور.
وحكى ابن الصباغ وغيره وجهاً آخر: أنه لا يشترط، [حتى] إذا اغتسل الكافر،
ثم أسلم، لا يجب عليه إعادته.
وفصل الإمام، فقال: إن تعلق بغسله حق المسلم: كما إذا انقطع دم حيض المرأة
أو نفاسها، وهي تحت مسلم، فاغتسلت؛ لأجل حل وطئه - فإنه يستبيح وطأها،
وهل يجب عليها إعادة الغسل إذا أسلمت؟ فيه وجهان سلفا في باب الحيض:
والمذكور منهما في "الحاوي"، في باب النية في الوضوء المنع.
والذي صححه الإمام [ثم]: الصحة؛ قياسا على ما إذا وجب على الكافر
الكفارة، فأخرجها، ثم أسلم لا يلزمه الإعادة؛ كما نص عليه الشافعي.
قال: وكان الفرق على الوجه الآخر: أن الكفارة المؤداة بالمال لا تخلو عن غرض
مرعي لآدمي: من تخليص عن رق، أو إطعام محتاج، أو كسوة عار؛ فكان أمر النية
أضعف فيها. والغسل قد لا يتعلق بحق آدمي؛ فإن المرأة إذا لم تكن ذات زوج، كان
غسلها لله .
وما صححه الإمام، إليه ميل ابن الصباغ؛ فأبداه احتمالا فيما إذا اغتسلت، ولم تنو
الغسل من الحيض: أن زوجها لا يستبيح وطأها؛ كالمسلمة، وكالذمي إذا ظاهر
وأعتق، ولم ينو، لا يجزئه. وإن نوى أجزأه.
وأما إذا لم يتعلق به حق آدمي: كالخلية إذا اغتسلت [من الحيض]، والرجل إذا
اغتسل من الجنابة - ففيه طريقان، أحدهما: القطع بأنه لا يجزئ، وطرد أبو بكر
الفارسي الخلاف فيه.
وحكى الإمام عن المحاملي رواية وجه: أنه يصح من كل كافر كل طهر: غسلا
كان أو وضوءا أو تيمما، وهذا في غاية الضعف.
قال: وإيصال الماء إلى الشعر والبشرة؛ لقوله ﵇: "تحت كل شعرة
стр. 392
جنابة؛ فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشرة". رواه أبو داود.
فإن قلت: هذا يرويه ابن وجيه، وهو ضعيف.
قلنا: يعضده ما رواه أبو داود: أن النبي ﷺ قال: "من ترك موضع شعرة من
جنابة لم يغسله، فعل به كذا وكذا من النار". وهو صحيح [الإسناد].
ولا فرق في الشعر الذي يجب غسله، بين شعر الرأس وغيره، وسواء فيه أصوله
وما استرسل منه، وكذا لا فرق بين ما كثر منه أو قل، حتى لو بقيت شعرة واحدة، لم
يصبها الماء لم يجزئه.
ولا يستثنى من ذلك إلا مانبت في العين؛ فإنه لا يجب غسله؛ لأن إدخال الماء
في العين لا يجب.
وإذا ترك شعرة واحدة، لم يغسلها، ثم قلعها - قال الماوردي: إن كان الماء قد
وصل إلى [أصلها، أجزأه؛ وإلى فيوصله إليه. وكذا لو أوصل الماء إلى] أصول
شعره، ثم جزه أجزأه. وإن كان لم يوصله إليه، فيوصله.
وعن "فتاوى ابن الصباغ": أنه يجب غسل ما ظهر.
وفي "البيان" وجهان:
أحدهما: يجب.
والثاني: لا [يجب؛ لفوات ما وجب غسله]: كمن توضأ، وترك رجله، فقطعت.
وقد أغنى ذكر هذا الواجب عن التصريح بأمور:
стр. 393
أحدهما: وجوب حل الذؤابة والضفائر؛ إذا كان الماء لا يصل إلى الشعر أو البشرة
إلا به؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب - وبه صرح الأصحاب.
فإن قلت: قد روى مسلم عن أم سلمة، أنها قالت: قلت لرسول الله ﷺ : إني
امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة؟ فقال: "لا؛ إنما يكفيك أن تحتي على
رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليه الماء؛ فتطهرين".
قلنا: هذا محمول على ما إذا كان الشعر خفيفا، والشد لا يمنع من وصول الماء
إليه، ولا إلى البشرة؛ فإنه في هذه الحالة لا يجب النقد عندنا. ولا يستثنى مما
ذكرناه إلا باطن ما انعقد من الشعر، الذي لا يمكن حله؛ فإنه يسامح فيه.
وعن الروياني، حكاية وجه آخر: أنه يلزمه قطعها.
الثاني: وجوب غسل ما على الشعر أو البشرة؛ إذا كان يمنع وصول الماء إلى
ذلك؛ لما ذكرناه.
نعم، لو كان لا يمنع وصوله إليه: فإن كان طاهرا، لم يجب غسله، ولكن يستحب.
وإن كان نجسا: فهل يجب إزالته قبل الغسل؟
وذلك ينبني على أن المرة الواحدة، هل تكفي في إزالة ما على المحل من نجس
وحدث؟ وفيه وجهان: الظاهر من المذهب - كما [قاله الرافعي فيهما]-: أنه لا
تكفي؛ وإنما يحصل إزالة النجاسة فقط، وهذا ما حكاه القاضي الحسين، في باب:
النية في الوضوء، و "المتولي" عند الكلام في غسلات الكلب.
وعلى هذا، لا بد من إزالته قبل الغسل، فإن لم يزله كانت الغسلة لإزالة النجاسة؛
стр. 394
ولأجله عد كثير من الأصحاب إزالة النجاسة عن المحل واجباً في الغسل، ولا
حاجة إليه.
وعلى مقابله، وهو ما حكاه ابن الصباغ في أثناء فرع أوله: إذا أدى اجتهاده إلى
طهارة أحد الإناءين؛ فيتوضأ به، ولم يحك أبو الطيب في باب: النية في الوضوء
غيره، وصححه في "الروضة"-: لا يجب ذلك، ويستحب.
الثالث: [أنه] لا فرق في إيصال الماء إلى البشرة تحت الشعر، بين أن يكون
خفيفاً أو كثيفاً، وهذا بخلاف الوضوء.
والفرق: أنه يتكرر في اليوم والليلة؛ فيشق تكليفه غسل ما تحت الكثيف،
بخلاف الغسل.
الرابع: أنه يجب إيصال الماء إلى ظاهر أذنيه وباطنهما، وما ظهر من صماخيه؛ لأن
اسم البشرة يشملهما، ولا يجب إيصاله إلى داخل الفم، والأنف، والصماخ؛ لعدم
شمول الاسم له، وهو كذلك عند العراقيين؛ لأن ذلك لا يجب في غسل الميت، ولو
وجب [في] غسل الحي، لوجب في غسل الميت.
وفي "النهاية" حكاية وجه: في وجوب المضمضة، والاستنشاق.
والمشهور: الأول.
نعم، لو جدع أنفه؛ فهل يجب إيصال الماء إلى ما ظهر من جوفه؟ فيه وجهان في
"التتمة"، أظهرهما في "الرافعي": الوجوب.
وعكسهما: أنه هل يجب إيصال الماء إلى ما تحت القلفة من الأقلف؟ فيه
الوجهان، والمذكور منهما في فتاوى العبادي؟ أنه لا يجب، وفي "الرافعي": أن
أظهرهما الوجوب.
الخامس: أنه لا يجب إيصال الماء إلى داخل الفرج، وهو ما ذكره الإمام ومن
تبعه؛ قياساً على داخل الفم؛ وعلى هذا يكفي غسل ما وراء [ملتقى] الشفرين.
стр. 395
والجمهور على أنه يجب غسل ما يبدو في حال قعودها لقضاء الحاجة، دون ما
جاوزه، وذلك يختلف باختلاف البكر والثيب، وهو مشبه في حق الثيب بما بين
الأصابع، كما حكاه الماوردي، عن الشافعي.
ومنهم من قال: يجب ذلك في حق الثيب، في الغسل من الحيض والنفاس
خاصة؛ لإزالة الدم.
وقال في "التتمة": إنه يجب عليها ذلك في الغسل من الحيض والنفاس. وهل
يجب في الجنابة؟ إن قلنا: رطوبة فرجها نجسة، فلا يجب؛ وإلا فوجهان.
ولفظ القاضي الحسين: "أنه: هل [يجب] إدخال الماء والأصبع في الفرج؟ فيه
أوجه: أحدها: يجب؛ لأنه صار في حكم الظاهر.
الثاني: لا؛ لأنه يزيده فساداً.
الثالث: يجب ذلك في الغسل من الحيض، دون الجنابة؛ لأنها نجاسة عينية،
بخلاف الجنابة.
وقال القفال: ما يبدو منها عند القعدة، يجب إيصال الماء إليه.
وهذا من القاضي يفهم أن الخلاف الأول جار فيما وراء ما يبدو عند القعد، وقد
تقدم مثله وجهاً في الاستنجاء.
قال: وسننه الوضوء.
أما مشروعيته؛ فلما ذكرناه، وأما كونه غير واجب؛ فلقوله تعالى: ﴿وإن كنتم
جنباً فأطهروا﴾ [المائدة: ٦] وإذا اغتسل من غير أن يتوضأ يقال له: متطهر،
ومغتسل، وخبر أم سلمة السالف يدل على ذلك.
وقد ذهب أبو ثور إلى وجوبه؛ لقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلوة ...﴾ إلى أن
قال: ﴿وإن كنتم جنباً فأطهروا﴾ [المائدة:٦]، وليس جنب إلا وهو محدث؛
فوجب الجمع بينهما. ولأنه ﵇ فعله، وفعل رسول الله ﷺ إذا خرج
مخرج البيان لمجمل واجب في القرآن، كان واجباً.
ترى إلى قوله تعالى-: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ثم
стр. 396
قال: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤] ولا يلزم الجمع بينهما.
ولا نسلم أن [كل جنب] محدث، وإن سلمنا أن كل جنب محدث، قلنا: هما
عبادتان من جنس واحد، فإذا اجتمعتا دخلت الصغرى في الكبرى كالحج والعمرة.
وفعل رسول الله ﷺ بما ذكرناه - محمول على الاستحباب.
قال: والدلك: أما مشروعيته؛ فلما سلف، وأما كونه سنة؛ فلأنه يسمى مغتسلاً
بدونه، يقال: غسل السيل الوادي، وإن فقد الدلك. ويسمى السيل الكثير: غاسولاً،
وخبر أم سلمة السالف يدل عليه.
ولأنه غسل واجب؛ فلم يجب فيه إمرار اليد؛ كما في غسل الإناء من ولوغ الكلب.
وقد أوجب المزني دلك ما وصلت إليه يده من بدنه في الغسل، وعلى أعضاء
الوضوء في الوضوء؛ قياساً على التيمم؛ فإنه يجب إمرار اليد فيه بالتراب على الأعضاء.
والأصحاب قالوا: الواجب إمرار التراب عليها.
نعم، لو لم يحصل إلا بإمرار اليد وجب؛ لأجل ذلك، والماء يصل بدون اليد.
قال: والتكرار؛ كما في الوضوء.
فإن قلت: ما ذكرتم من الخبر لا يدل على تكرار غسل البدن، وتكرار إفاضة الماء
على رأسها باليد ثلاثاً؛ لتحقق وصول الماء إلى شعرها وبشرتها؛ وكذلك علق الكفاية
عليه في خبر أم سلمة.
والقياس على الوضوء ممتنع؛ لأن الوضوء يستحب تجديده، بلا خلاف، وفي
استحباب تجديد الغسل وجهان، أصحهما: لا؛ وذلك يدل على الفرق [بينهما.
قلت:] ولأجل هذا الخيال احتاج الشيخ إلى ذكره، وإن كان في قوله:
"الواجب من ذلك النية، وإيصال الماء إلى الشعر والبشرة" غنية عنه.
قال: والمستحب ألا ينقص الماء في الغسل عن صاع، ولا في الوضوء عن مد؛
اقتداء برسول الله ﷺ .
هذا من الشيخ يغني عن التوجيه، وما استدل به رواه مسلم، فقال: "كان
رسول الله ﷺ يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع". زاد البخاري: "إلى خمسة أمداد".
стр. 397
وروى أيضاً عن سفينة، قال: كان رسول الله ﷺ يغسله الصاع من الماء من
الجنابة، ويوضئه المد".
واختلف أصحابنا في الصاع والمد: هل هو صاع الزكاة ومدها، أم لا؟
المشهور: الأول.
وقيل: إن الصاع هنا ثمانية أرطال، والمد رطلان، [وقد رواه أنس]. والتقدير
بهما تقريب، لا تحديد.
ويتقص - بفتح الياء - يقال: نقص الشيء، ونقصته. قال الله - تعالى-: ﴿ننقصها
من أطرافها﴾ [الرعد: ٤١].
فإن نقص عن ذلك، وأسبغ أجزأه؛ لأن الله - تعالى - لم يقدر الغسل
стр. 398
والوضوء بشيء، وفعله ﵇ محمول على الاستحباب؛ يدل عليه أنه
روي: أنه رسول الله ﷺ توضأ بثلثي مد، وكان يتوضأ بما لا يبل الثرى.
وروى مسلم عن عائشة، أنها قالت: كنت أغتسل، أنا ورسول الله ﷺ من إناء يسع
ثلاثة أمداد، أو قريباً من ذلك.
وهذا ما نص عليه الشافعي، وأيده بأنه قد يرفق بالقليل؛ فيكفي، ويخرق بالكثير؛
فلا يكفي.
وعبارة الإمام عنه: "قد يرفق الفقيه بالقليل؛ فيكفي، ويخرق الأخرق بالكثير؛ فلا
يكفي".
والإسباغ: أن يعم جميعه الماء، ويجري عليه، وما دونه مسح، لا غسل.
وقد أفهم قول الشيخ: "والمستحب ألا ينقص" أن الزيادة على ذلك فيهما ليست
مكروهة، وربما أنها محبوبة، وعليه تدل رواية البخاري عن عائشة قالت: "كنت
أغتسل، أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، من قدح يقال له: الفرق".
قال الشافعي في "الأم": و "الفرق": ثلاثة آصع، يكون ستة عشر رطلاً. وأما
"الفرق" بسكون الراء، فمائة وعشرون رطلاً.
وكلام الأصحاب يدل على ان المستحب الاقتصار على الصاع والمد؛ لأن الرفق
محبةب، وعليه يدل ما روى أنه ﵇ قال: "سيأتي أقوام يستقلون هذا؛
فمن رغب [عن سنتي، فليس مني، ومن رغب] في سنتي، وتمسك بها - بعث
стр. 399
معي في حظيرة القدس".
قال: ومن وجب عليه وضوء وغسل، أجزأه الغسل، على ظاهر المذهب.
هذا الفصل يعرفك [أن] ما ذكره آنفاً: [من كون] الوضوء من سنن الغسل،
إذا لم يكن عليه حدث أصغر ثبت مستقلاً، وصورته: أن يولج في دبر ذكر، أو فرج
بهيمة؛ وكذا لو لف على ذكره خرقة، وأولج في فرج امرأة؛ على الصحيح، زبها
صوره الشيخ أبو محمد.
وعدل عن التصوير بما إذا نظر بشهوة؛ فأنزل؛ لأن خروج المني - عنده - يحصل
الحدثين، كما ذهب إليه القاضي أبو الطيب.
ووجه ذلك بأنه لا يتصور خروج المني وحده؛ بل يخرج معه رطوبة، يتعلق بها
وجوب الوضوء.
قال الإمام: وفي هذا نظر؛ لأن المني إذا انفصل، فهو طاهر، وتلك الرطوبة التي
قدرناها ينبغي أن تكون نجسة، ثم يجب الجكم بنجاسة المني.
[قلت:] وهذ قاله الإمام بناء على اعتقاد أن رطوبة [باطن الذكر كرطوبة فرج
المرأة، وإنما المنع من الحكم بنجاسة رطوبة بلطن الذكر؛ لأنها لا تخرج] كرطوبة
стр. 400
فرج المرأة؛ كما ستعرفه في باب إزالة النجاسة. وكلام غيره يدل على طهارتها.
والذي ذهب إليه الشيخ أبو حامد أن خروج المني لا يوجب غير الحدث الأكبر.
وألحق بها المسعودي الجماع في الفرج؛ لأن اللمس الذي يتضمنه مغمور
[به]، واستشهد له بأن من جامع في الحج يلزمه بدنة لا غير، وإن كان متضمناً
اللمس، ومجرد اللمس يوجب شاة.
والأكثرون على أنه يوجب الوضوء والغسل.
والفرق بين ذلك وبين خروج المني: أن سبب الحدث الأصغر - هاهنا - سبق
سبب الأكبر؛ فلم يرفعه؛ كما إذا بال، أو مس ذكره، أو نام ثم أنزل، أو أنزل ثم بال،
ونحوه - فإنه لا خلاف في أنه وجب عليه الوضوء والغسل، ولا كذلك في خروج
المني؛ فإن سببهما وجد مقترناً؛ فدفع الأكبر الأصغر، ومسألة المحرم قد قيل
بوجوب الشاة فيها مع البدنة؛ وعلى هذا لا فرق.
ومن قال بعدم وجوبها وهو الأكثرون فرقوا بأن وضع الجنايات اندراج المقدمات
في المقاصد؛ ألا ترى أن مقدمات الزنى لو انفردت أو جبت التعزير، لا يجب مع
الحد عند وقوعهما؟!
فإذا عرفت ذلك، عدنا إلى التعليل، وقلنا: إنما أجزأه الغسل عنهما؛ لما روي أنه -
стр. 401
عليه السلام - قال: "أما أن فأحئي على رأسي حثيات؛ فإذا انا قد طهرت"، ولم
يفصل بين الجنابة المجردة والجنابة مع الحدث، مع أن الغالب أن الجنابة لا تتجرد.
ولأنهما طهارتان؛ فوجب أن تتداخلا؛ كالجنابة والحيض.
ومقابل هذا أوجه:
أحدها: أنه يجب الوضوء والغسل؛ لأنهما عبادتان مختلفتان؛ فلا تتداخلان؛
كالصلاتين، وهذا ما حكى عن نصه في "الإملاء".
وإذا قلنا به يخير في تقديم أيهما شاء.
قال في "الحاوي": والأولى: تقديم الوضوء.
والثاني: أنه يتوضأ مرتباً، ويفيض الماء على باقي جسده؛ لأن الترتيب خاصية الوضوء،
والتداخل إنما يجزئ فيما يشترك المتداخلان فيه من الأفعال، دون خواصهما.
فعلى هذا: هل يحتاج مع غسل الرأس إلى مسحها، أو يكفيه غسلها؟ فيه وجهان؛
بناء على أن غسل الرأس، هل يقوم مقام مسحها في الوضوء؟
والثالث: أنه يكفيه الغسل، ولا يشترط في أعضاء الوضوء الترتيب، لكن يشترط
أن ينويهما؛ كما في الحج والعمرة.
والأصح - باتفاق الأصحاب - ما ادعى الشيخ أنه ظاهر المذهب: فيكفيه الغسل
من غير ترتيب، ولا نية للوضوء، وهو المنصوص عليه في "الأم" و "المختصر".
قال الرافعي: وهذه الأوجه إذا وقع الحدث الأصغر والأكبر معاً، أو سبق الأصغر،
أما إذا سبق الأكبر فطريقان:
أظهرهما: طرد الخلاف، وهي طريقة ابن سريج، كما قاله الماوردي.
والثانية: الاكتفاء بالغسل، قولاً واحداً، وهي التي عليها الأكثرون؛ لأن الأكبر إذا
تقدم تأثر به جميع البدن؛ فلا يؤثر فيه الأصغر، بخلاف الأصغر، وبهذا يجيء وجه
خامس في المسألة، وبه صرح بعضهم.
وقد رأى الإمام: أن الأظهر الإدراج، فيما إذا كان سبب اجتماعهما الجماع، وإن
قلنا عند انفراد الأسباب بعد الإدراج.
стр. 402
واعلم أن إجراء الخلاف فيما إذا وقع الحدثان معا، يدخل فيه ما إذانظر؛ فأنزل،
وقد أفهم كلام الأصحاب فيه الاتفاق على الاقتصار على الغسل؛ وحينئذ يتعين أن
يكون المراد غيره.
قال: وإن اجتمع على المرأة غسل جنابة، وغسل حيض، فاغتسلت لأحدهما- أجزأها
عنهما؛ لأن فرضهما واحد، فأجزأت نية أحدهما عنهما، وهذا ما رأيته للأصحاب.
فإن قيل: قد حكيتم خلافا فيما إذا بال ونام، ولمس ومس، فنوى رفع أحدهما، في
أن الجميع هل يرتفع أو لا؟ فما الفرق؟
قلنا: قد عسر على بعض المتأخرين، فقال: ما ذكره الأصحاب في الغسل،
تفريع على الصحيح في مسألة الأحداث.
وقد يقال في الفرق بينهما: إن تعرضه في مسألة االأحداث لرفع بعضها، مع أنه في
غنية عن العرض له بأن يأتي بنية رفع الحدث ونحوها- يؤذن بتخصيصه بالرفع؛
فثار الخلاف لمنافاة مقصود الطهارة، ولا كذلك هنا؛ فإن نية الغسل المجرد لا تكفي
اتفاقا؛ فاحتاج إلى تعيين لتمييزه عن الغسل المطلق؛ فلم يفهم منه التخصيص؛
فعمهما الغسل، والله أعلم.
قال: ومن نوى غسل الجمعة لم يجزئه عن الجنابة؛ لأنه لم ينوها، ولا تضمنتها
نيته؛ لأن الجنابة أخص، والأخص لا يستلزم الأعم.
وقد أفهم كلام الشيخ أنه يجزئه عن الجمعة، وهو قول أو وجه حكاه أبو الطيب،
وادعى البندنيجي أنه المذهب.
ومعه وجه أو قول: أنه لا يجزئ عنها - أيضاً - لأن القصد أن يلقى ربه على أكمل
حال؛ فإذا لم يرتفع الحدث لم يكن على أكمل حال؛ وهذا مجموع ما حكاه العراقيون.
والقاضي الحسين قال: إذا نوى غسل الجمعة، هل يجزئه عن الجنابة؟ فيه وجهان:
فإن قلنا: يجزئه عنها، فعن الجمعة أولى، وإلا فوجهان.
قال الإمام: وإنما يظهر أثرهما إذا قلنا: لو نوى غيل الجنابة، ولم ينو غسل
الجمعة لا يحصل غسل الجمعة.
وإذا جمعت مافي المسألة جاءك ثلاثة أوجه؛ كما [هي] في "الحاوي":
стр. 403
أحدها: يحصل غسل الجنابة والجمعة به. والثاني: لا يحصلان. والثالث: يحصل
الجمعة، دون الجنابة، وهو مذهب أبي إسحاق، وابن أبي هريرة، وجمهور البصريين.
ومثل هذا الخلاف ما إذا نوى بالتيمم استباحة صلاة النفل، كما ستعرفهه.
قال: ومن نوى غسل الجنابة لم يجزئه عن الجمعة، في أصح القولين؛ لأنه قربة
مقصودة؛ فلم يندرج كسنة الظهر مع فرضه، وهذا ما حكاه الربيع.
ومقابله: أنه يجزئه؛ لأن مقصود الجمعة التنظيف، وقد حصل، وهذا ما نقله المزني
في "جامعه [الكبير] "، وصححه الرافعي، وصاحب "الكافي"، وجزم به القاضي
الحسين في باب "غسل الجمعة".
وعلى هذا لو نوى غسل الجنابة ونوى غسل الجمعة، قال الإمام: ففيه احتمال،
جار فيما لو دخل المسجد، وصلى فريضة، ونوى تحية المسجد، والظاهر عدم
حصولهما، وسبب الاحتمال أن مجرد الغسل في حق من ليس بجنب، لا يعتد به من
غير نية. وقد تلخص أن الغرض منه النظافة، وإن كانت النية مشروطة فيه.
وقد بنى الرافعي على القولين في الكتاب، ما لو نوى غسل الجنابة والجمعة،
فقال: إن قلنا بالأول، لم يصح غسله؛ كما لو نوى بصلاته الفرض والنفل. وإن قلنا
بالثاني، كان فيه وجهان؛ كما لو نوى بغسله رفع الجنابة والتبرد، وأصحهما الحصول.
ومنهم من قال: إذا نوى غسل الجنابة والجمعة حصلا بلا خلاف، وهو المذكور
في "تعليق القاضي الحسين"، وأبي الطيب، والبندنيجي، و"الشامل"، وعليه نص في
"المختصر"، واستدل له بأن ابن عمر كان يغتسل لهما غسلاً واحداً.
والفرق على هذه الطريقة بين ذلك وبين ما إذا نوى غسل الجنابة والتبرد على
الوجه الذي نقول: إنه لا يصح وإن كان خلاف [الأصح والنص] في
"البويطي"-: أنه ثم أشرك بين القربة وغيرها، ولا كذلك في مسألتنا.
فرع: لو نوى بغسله الجمعة والعيد، قال في "الكافي": حصلا؛ لأن مقصودهما
واحد، وكذا لو نوى [به] غسل الجنابة، والجمعة، والعيد - يحصل الكل. [والله
أعلم بالصواب].
стр. 404
كفاية النبيه
شرح التنبيه
الجزء الثاني
المحتوى
تتمة كتاب الطهارة- كتاب الصلاة
стр. 405
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب الغسل المسنون
وهو اثنا عشر غسلاً:
غسل الجمعة: الأصل في مشروعيته مذكور في باب: هيئة الجمعة. ودليل سنيته قوله ﵇: "مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِبهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ".
стр. 406
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
стр. 407
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
стр. 408
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
стр. 409
فإن قلت: هذا الحديث، قال الترمذي: إنه مرسل، وإنه حسن، وأنتم لا ترون بالمراسيل.
قلنا: قصة عثمان مع عمر- ﵄ التي ستعرفها في باب هيئة الجمعة، تقويه، وتدل على المدعى؛ فإنه لو كان واجباً لما تركه عثمان، ولأمره عمر بالإتيان به.
ولأنه غسل بسبب مستقبل؛ فاقتضى أن يكون سنة؛ كالغسل لدخول مكة، والوقوف بعرفة.
نعم، تركه مكروه، كما قاله أبو بكر الصيدلاني.
قال الإمام، في كتاب الجمعة: وهذا- عندي- جارٍ في كل مسنون صح الأمر به مقصوداً.
ثم قوله ﵇: "فَبِهَا وَنِعْمَتْ" معناه: فبهذه الطريقة الكفاية، ونعمت الكفاية هي.
стр. 410
وقال ابن الصباغ: معناها، فبالفريضة أخذ.
ونعمت، يعني: بالخلة الفريضة.
تنبيه: المراد من قول الشيخ: "غسل الجمعة" الغسل لصلاة الجمعة، ومنه يفهم أنه يختص بمن يريد الصلاة، دون من لم يردها، وهو المذكور في "تعليق القاضي أبي الطيب"، و"النهاية" وغيرهما، وعليه يدل من قول الشيخ- أيضاً-: المستحب لمن أراد الجمعة أن يغتسل لها".
وقد حكى بعض المراوزة وجهاً: أنه كغسل العيد، يستحب لمن يحضرها ولمن لا يحضرها، وهو منسوب في كتب العراقيين إلى أبي ثور.
وتوسط الماوردي؛ فقال: هو سنة لمن يريد الحضور، وليس بسنة لمن ليس من أهل وجوبها. وأما من هو من أهل الوجوب، لكن تخلف لعذر، فهل هو سنة؟ له فيه وجهان.
وتقديم الشيخ غسل الجمعة على غيره من الأغسال يؤذن بأنه آكدها. وقد اتفق جمهور الأصحاب على أنه والغسل من غسل الميت آكد الأغسال المسنونة، وأيهما آكد؟ فيه قولان.
стр. 411
أحدهما: غسل الجمعة؛ لاختلاف العلماء في وجوبه؛ تمسكاً بقوله- ﵇: "غُسْلُ الجُمُعَةَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتلِمٍ". رواه مسلم. وقوله- ﵇: "مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ؛ فَلْيَغْتَسِلْ".
والثاني: الغسل من غسل الميت آكد؛ لاختلاف قول الشافعي في وجوبه، وقد نسب هذا القول إلى "الأم"، وهو المنقول في "المختصر"، والأول إلى القديم، وقال في "الكافي": إنه أصح.
وقال صاحب "التلخيص": الغسل من غسل الميت لا يبلغ درجة الوكادة كباقي الأغسال.
قال الإمام: وهو غلط باتفاق الأصحاب.
قلت: ولا جرم قدمه الشيخ على الأغسال التي لا تتعلق بالصلاة؛ [كما قدم غسل الجمعة على الأغسال التي تتعلق بالصلاة] إذ الباب مشتمل عليها.
قال بعضهم: وفائدة الخلاف في أيهما آكد تظهر فيما إذا أوصى شخص بماء لغسل أولى الناس به، وحضر من يريد الجمعة، ومن غسل ميتاً.
قال: وغسل العيدين [والكسوفيين والاستسقاء]؛ لما ستعرفه في أبوابها؛ والقدر الشامل لها: أن ذلك موضع يشرع فيه الاجتماع؛ فيسن فيه الاغتسال؛ كالجمعة.
قال: والغسل من غسل الميت؛ لما روى أبو هريرة، أنه- ﵇ قال: "مَنْ غَسَّل مَيِّتاً فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّا". أخرجه أبو داود، وقال الترمذي.
стр. 412
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
стр. 413
حديث حسن. لكن الإمام أحمد قال: إنه موقوف على أبي هريرة؛ ولأجل هذا لم يقل بوجوب ذلك.
وقد حكي أن للشافعي قولاً في القديم: أنه واجب، أعني: الغسل على من غسله، والوضوء على من مسه.
ونقل المزني عن الشافعي أنه قال: "لو صح الحديث قلت به".
واختلف الأصحاب في معنى قوله: "قلت به": فقال ابن سريج: قلت به استحباباً،
стр. 414
وقال أبو إسحاق: قلت به وجوباً، وهو ما صححه أبو الطيب، وعلى هذا: على ماذا يحملون وجوبه؟ فيه وجهان:
أحدهما: [أنه تعبد.
والثاني: أنه محمول] على نجاسة بدن الآدمي إذا مات- وهو وجه بعيد- لأن من غسل ميتاً يترشش الماء إلى مواضع من بدنه [لا يدري بها؛ فيجب تعميم البدن بالغسل؛ لتيقن طهارة بدنه] بعد ما علم نجاسته.
ولا وجه لإيجاب الوضوء إلا التعبد.
وقد خرج بعض أصحاب الحديث لصحته مائة وعشرين طريقاً، كما قاله الماوردي.
قال: وغسل الكافر إذا أسلم؛ لما روى النسائي: "أنه أسلم قيس بن عاصم، فأمره رسول الله ﷺ أن يغتسل بماء وسدر] وروي أنه أمر ثمامة بن أثال الحنفي أن يغتسل حين أسلم.
ولأن في غسله تعظيماً للإسلام.
واستحب أن يكون غسله بعد حلق شعر رأسه؛ لقوله- ﵇: "أَلْقِ عَنْكَ شَعَرَ الكُفْرِ".
стр. 415
فإن قيل: لم لا قلتم بوجوبه لأجل الخبر؟
قيل: لأن جماعة أسلموا، ولم يأمرهم النبي ﷺ بذلك؛ فدل لسنيته، ولو كان فرضاً لأمرهم به، ولأن الإسلام توبة من معصية؛ فلم يجب الغسل لها؛ كالتوبة من سائر المعاصي.
ثم ظاهر كلام الشيخ أن غسله بعد الإسلام، وقد أبعد بعض الأصحاب، فاستحبه قبله.
قال الإمام في كتاب الجمعة: وفيه نظر؛ فإن الأمر بتأخير الإسلام محال، والمعرفة إذا ثبتت لا يمكن دفعها. وإن كان المراد إظهار الشهادتين؛ فلا وجه لتأخيره، فإنه مما يجب على الفور.
نعم، لو قيل: لو بدت تباشير الهداية؛ فابتدر الكافر واغتسل، ثم أقبل، وهداه الله؛ فما جرى في الحال التي وصفناها: هل يعتد به؟ فيه احتمال وتردد.
ثم هذا في كافر لم يجب عليه في حال كفره الغسل، أما إذا وجب؛ فالمذهب أنه لا يسقط، ويجب عليه أن يغتسل بعد الإسلام.
وذهب الإصطخري إلى سقوطه؛ لعموم قوله- ﵇: "الإِسْلامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ"، حكاه الماوردي عنه.
فإن قلنا بالمذهب، ولم يكن قد اغتسل في حال الكفر؛ فالأمر كما سلف، وإن كان قد اغتسل، فقد حكينا في الباب قبله في صحة غسله خلافاً.
стр. 416
قال: والمجنون إذا أفاق، أي وكذا المغمى عليه، والأصل فيه ما روي: أنه- ﵇ كان في مرضه الذي مات فيه يغشى عليه، فإذا أفاق قال: "ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ، وَكَانَ يَغْتَسِلُ". فإذا شرع ذلك في الإغماء؛ ففي الجنون أولى.
وقد حكي عن الشافعي، أنه قال في "الأم": قلما جن إنسان إلا أنزل، وإن كان هكذا اغتسل المجنون للإنزال. وإن شك أحببت أن يغتسل احتياطاً، ولم أوجب ذلك عليه حتى يستيقن الإنزال.
قال البندنيجي: وهذا صحيح، إن كان بزوال العقل [ينزل غالباً؛ فمتى أنزل أو لم ينزل تعلق الغسل بزوال العقل]؛ كما نقول في النائم: يجب عليه الوضوء؛ لأن النوم مظنة الحدث، وإن لم يغلب ذلك لم يجب.
والجمهور على عدم وجوبه في الحال، وفرقوا بينه وبين النوم: بأن الحدث الذي النوم مظنته لا علامة تدل عليه بعد الإفاقة، بخلاف الإنزال؛ فإنه عين يمكن الوقوف عليها.
قال: والغسل للإحرام، ولدخول مكة، وللوقوف- أي: بعرفة ومزدلفة- وللرمي- أي: إلى الجمرات الثلاث، في أيام التشريق، في كل يوم غسلاً واحداً؛ فيكون له ثلاثة أغسالٍ- وللطواف، أي: طواف الركن. وهذه الأغسال تذكر أدلتها في الحج.
وقد حكى القاضي أبو الطيب: أن الغسل لطواف القدوم، منصوص عليه في القديم دون الجديد.
وكذا الغسل لطواف الوداع، والغسل بعد حلق رأسه، وبذلك تكمل اغتسالات الحج عشراً.
قال الأصحاب: ولا يختلف قوله: في أنه لا يستحب الغسل لرمي جمرة العقبة؛ لأنها
стр. 417
قريبة من الغسل للعيد والغسل للوقوف، وبهذا خالفت بقية الجمرات؛ فإن [وقتها بعيد] وأيضاً فإن وقتها يكون بعد الزوال، وهو وقت الحر، بخلاف جمرة العقبة، والناس يجتمعون في الجمرات، بخلاف جمرة العقبة؛ [فإن وقتها] أوسع.
وقد أحسن في "المرشد" فقال: إن طواف الوداع وطواف الزيارة يغتسل له؛ إن ازدحم الناس؛ كما يرشد إليه تعليله في الجديد.
وقد زاد صاحب "التلخيص" على ما ذكرناه: الغسل من الحجامة، ومن دخول الحمام، وأنكره المعظم عليه. وحكى الإمام في كتاب الجمعة عنه: أنه استحب الغسل لدخول الكعبة أيضاً والله أعلم.
стр. 418
باب التيمم
التيمم في اللغة: القصد والعمد، يقال، تيممت، ويممت فلاناً، إذا: قصدته.
وفي الشرع: إيصال التراب الطاهر إلى الوجه واليدين مع النية بشرائط مخصوصة.
قال: "ويجب التيمم عن الأحداث كلها إذا عجز عن استعمال الماء".
"الأحداث": جمع "الحدث" وإن كان اسم جنس؛ لتعدد أفراد نوعيه: الأصغر والأكبر.
ونظم بقوله: "عجز" العجز بسبب فقده، والعجز بسبب مرض، قام بالمتيمم، أو خوف، كما سيأتي، ودليل وجوبه [في] حالة المرض، وفي حالة العدم في السفر قوله- تعالى-: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] إذ في الآية- كما قال زيد ابن أسلم، فيما حكاه القاضي أبو الطيب، في باب الأحداث، عن الشافعي، عنه-: تقديم وتأخير، وذلك كثير في كتاب الله تعالى، قال الله- تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا (١) قَيِّماً لِيُنذِرَ بَاساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً﴾ [الكهف: ١، ٢].
وتقديرها: أنزل على عبده الكتاب قيماً، ولم يجعل له عوجاً.
وقال- تعالى-: ﴿فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ﴾ [هود: ٧١].
والتقدير: فبشرناها؛ فضحكت.
وقوله- تعالى-: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٥].
والتقدير: جعله أحوى غثاء، لأن الأحوى: الأخضر، والغثاء: اليابس.
وإذا كان فيها تقديم وتأخير، فتقديرها- كما قال-: إذا قمتم من النوم إلى الصلاة، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء- فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين، وإن كنتم جنباً فاطهروا، وإن كنتم مرضى أو على سفر، فلم تجدوا ماء؛ فتيمموا.
وإذا ثبت ذلك في الجنابة، كان الحيض مثلها؛ لأن كلاً منهما يوجب الغسل.
стр. 419
أو نقول: الآية تدل على وجوبه في الحدث الأصغر، وهو إجماع، ويدل عليه في الجنابة قراءة من قرأ: ﴿أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] وحملها على المجامعة، كما صار إليه علي وابن عباس.
والخبر الذي نذكره عن عمران بن الحصين يدل عليه، والحيض والنفاس في معناها.
وفي حالة العدم [في الحضر]: قوله- ﵇: "الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ المُسْلِمِ، وَلَوْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ، وَلَوْ إِلَي عَشْرِ حِجَجٍ" ولم يفصل. وكذا ما روى عن عمران بن الحصين: "أنه- ﵇ أمر رجلاً كان جنباً أن يتمم، ثم يصلي، فإذا وجد الماء اغتسل". أخرجه البخاري ومسلم. وظاهر الأمر الوجوب.
قال الإمام: ومع وجوبه فهو رخصة.
وقال البندنيجي: إنه عزيمة. فحصل فيه وجهان صرح بهما غيرهما.
وأثرهما يظهر فيما لو سافر في معصية، وعدم الماء؛ فإنه يتمم، وهل يجب عليه الإعادة؟ إن قلنا: إنه رخصة، فنعم؛ وإلا فلا.
والإمام حكى الوجهين في باب "صلاة المسافر" مع جزمه بأنه رخصة.
стр. 420
ووجه المنع: بأنه وجب عليه فعله؛ فخرج عن مضاهاة الرخص المحضة، وبأن وجوب القضاء يتعلق بالمآل وثاني الحال فلا تؤثر المعصية فيهما.
وقد أطلق الشيخ هنا القول بوجوب التيمم، وعبارته في "المهذب": "يجوز التيمم عن الحدث الأصغر؛ للآية، ويجوز عن الحدث الأكبر".
ولا منافاة بين قوله: ["ويجوز"، وبين قوله]: "يجب"؛ لأن الواجب جائز الفعل، وإذا كان كذلك؛ فلا حاجة إلى التأويل حتى يقال: إن ما ذكره هنا محمول على آخر الوقت، وما ذكره في "المهذب" محمول على أوله. ولو احتاج إلى التأويل لم يكن ما ذكره شافياً؛ لأن التيمم عند وجود شرطه في أول الوقت، واجب أيضاً، لكنه واجب موسع، وهو في آخره واجب مضيق. نعم، قد يقال: عدل في "المهذب" عن لفظ الوجوب إلى الجواز؛ لوقوع الخلاف في الجواز؛ فإن بعض الصحابة قال: لا يجوز عن الجنابة.
ولا جرم صدر كلامه بجوازه في الأصغر؛ لكونه مجمعاً عليه، ثم ثنى بالأكبر، للاختلاف فيه. وفعل هذا في "المهذب" دون "التنبيه"؛ لأنه مبسوط يحتمل مثل ذلك، أو [لأنه لما] قرره في "المهذب"، أراد أن يبين- هنا- أمراً زائداً عليه؛ إذ لا يلزم من جوازه وجوبه، والمراد بكونه واجباً: وجوب الشرائط كاملة، حتى
стр. 421
يقول: يجب على الصبي والمتنفل. والله أعلم.
قال: ولا يجوز التيمم إلا بتراب.
أما جوازه بالتراب؛ فهو إجماع، وأما عدم جوازه بما عداه: كالزرنيخ، والنورة، والكحل، وما سحق من الأحجار، أو نشر من الأخشاب- وإن شابه التراب- فدليله: أن الله- تعالى- أوجب التيمم بالصعيد، وهو- كما قال بعض أهل اللغة- يقع على التراب، وعلى وجه الأرض، وعلى الطريق؛ فهو مجمل بينه النبي ﷺ بقوله: "جُعِلَتِ الأَرْضُ لِي مَسْجِداً، وَجُعِلَ تُرَابُهَا لِي طَهُوراً". هكذا حكاه [ابن التلمساني] عن رواية مسلم؛ والمشهور: "وَجُعِلَتْ تُرْبِتُهَا لَنَا طَهُوراً؛ إِذَا لَمْ نَجِدِ المَاءَ".
وقوله: "التُّرَابُ كَافِيكَ، وَإِنْ لَمْ تَجِدِ المَاءَ عَشْرَ حِجَجٍ".
ولا يقال: هذا لا حجة فيه؛ لأنه مفهوم لقب؛ لأنا نقول: قد قال بعض أصحابنا: إنه حجة.
стр. 422
وعلى الآخر نقول: التيمم على خلاف الدليل؛ فلا نعدل فيه عما ورد.
أو نقول: لما انتقل النبي- ﵇ من اسم الأرض إلى التراب، دل على التفرقة بينهما؛ إذ الانتقال من الأعم إلى الأخص لا يكون إلا لذلك.
وقد روى عن ابن عباس، أنه قال: "الصعيد هو تراب الحرث". وعن ابن مسعود، وعلي: "أنه التراب الذي يغبر".
وقال الشافعي: "إنه كل تراب ذي غبار" وقوله حجة في اللغة.
قال ابن الصباغ: ويشهد له قول المفسرين، في قوله- تعالى-: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾ [الكهف: ٤٠]: إنه التراب الأملس، وفي قوله- تعالى-: ﴿صَعِيداً جُرُزاً﴾ [الكهف: ٨]: إنه التراب الذي لا ينبت.
ولأن الطهارة تتنوع نوعين: جامد، ومائع، ثم ثبت أنها في المائع تختص بأعم المائعات وجوداً، وهو الماء؛ فكذلك في الجامد، يجب أن تختص بأعم الجامدات وجوداً، وهو التراب، وما ذكره الشيخ هو المشهور في المذهب.
وقد أغرب الحناطي، فحكى في جواز التيمم بالذريرة، والنورة، والزرنيخ- قولين، وكذا في الأحجار المدقوقة، والقوارير المسحوقة، وأشباهها.
وقد اندرج في لفظ التراب [التراب] الأحمر، والأصفر: وهو الطين الإرمني، والتراب الأسود، قال الإمام: وهو ما يستعمل في الدواء- والتراب الأبيض: وهو المأكول منه، والتراب الأعفر: وهو الذي بياضه ليس بخالص، والسبخ: وهو التراب
стр. 423
المالح الذي لا ينبت لا الذي يعلوه الملح، والمدر: وهو التراب الذي يصيبه المطر؛ فيجف، والبطحاء: وهو التراب الذي في مجرى الماء إذا جف واستحجر، والطين المختوم: إذا دق ذلك وصار له غبار.
وحيث نص الشافعي على أنه لا يجوز بالبطحاء؛ فمراده- باتفاق الأصحاب- إذا لم يكن له غبار.
وكما أدرج في لفظ "التراب" ما ذكرناه، يخرج ما سحق من الخزف والآجر، وإن صار له غبار؛ لأنه بالطبخ استجد له اسماً آخر، وخرج عن أن يكون تراباً، كذا نص عليه الشافعي.
وكذا الطين الإرمني، يخرج- أيضاً- إذا أحرج ظاهره وباطنه، ودق.
نعم، لو أحرق ظاهره فقط؛ ففي جواز التيمم به وجهان جاريان في الطين الخراساني، وهو المأكول، إذا دق:
أحدهما: لا؛ لأن كل واحد منهما أصابته النار؛ فأشبه إذا صار خزفاً.
والثاني: يجوز؛ لأن ذلك الإحراق لا يخرجه عن اسم الطين، [قاله أبو الطيب. والشيخ في "المهذب" أجرى الوجهين في الطين] المحروق مطلقاً.
واختار الإمام: القطع بالجواز، وغلط مقابله.
وتراب الأرضة إن أخرجته من خشب لا يجوز التيمم به، وإن أخرجته من مدر يجوز [به] إذا دق، لأن لعابها طاهر، قاله القاضي الحسين.
قال: "طاهر"؛ لقوله تعالى: ﴿طَيِّبًا﴾ وأراد: طاهراً؛ لأن الطيب يطلق على ما تستطيبه النفس، وعلى الحلال، وعلى الطاهر. والأولان لا يحسن وصف التراب بهما؛ فتعين الثالث.
وقوله- ﵇: "وَتُرَابُهَا طَهُوراً" مصرح باعتبار الطهارة، ولا يجوز بالتراب النجس.
والحكم في تراب المقبرة كالحكم في الصلاة عليها، وستعرفه.
والقولان فيما إذا كن الغالب [نبشها يجريان] فيما لو كان على كلب تراب،
стр. 424
وشك في أنه لاقاه وهو مبلول، أو عرقان، أو يابس، وفي حال تيقن أنه أصابه وهو مبلول، لا يجوز، وفي حال تيقن أنه أصابه وهو جاف، يجوز.
[تنبيه]: قيد الطهارة يشعر بأمور:
أحدها: أن التراب لا يؤثر عنده في منع التيمم به الاستعمال؛ إذ لو كان يؤثر لأبدل لفظ "الطاهر" بـ"المطلق" حتى يخرج المستعمل أيضاً.
وللأصحاب في ذلك وجهان:
أصحهما في "الحاوي": أنه لا يؤثر، بخلافه في الماء؛ لأنه يرفع الحدث؛ فصار مستعملاً برفعه؛ بخلاف التراب. وهذا منه إشارة إلى أن [علة] الاستعمال في الماء انتقال المانع إليه لا تأدي العبادة.
والأصح في غيره: مقابله، وهو المنصوص عليه، كما قاله القاضي الحسين.
والمذهب في "النهاية" والمجزوم به في "التتمة"، و"تعليق" القاضي أبي الطيب، وكذا في "المهذب"؛ لأنه قال: لا يجوز التيمم بما استعمل في العضو، فأما ما تناثر من أعضاء المتيمم، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ كما لا يجوز الوضوء بما يسقط من أعضاء المتوضئ.
والثاني: يجوز لأن المستعمل ما بقي على العضو، وما يتناثر غير مستعمل فجاز التيمم به، ويخالف الماء؛ لأنه لا يدفع بعضه بعضاً، والتراب يدفع بعضه بعضاً؛ فدفع ما أدى به الفرض في العضو ما تناثر منه؛ فرجع حاصل قوله إلى أن المستعمل في العضو، مستعمل. [وما يتناثر عنه]: هل هو مستعمل، أم لا؟ فيه وجهان:
فإن قلنا: إنه مستعمل، لا يجوز التيمم به؛ وإلا جاز. وكذا صرح به غيره.
وصرح البندنيجي وابن الصباغ بأن المنصوص عليه: أن المستعمل ما تساقط عن العضو، وهو ما ذكره القاضي الحسين والفوراني والإمام والمتولي. وما بقى على العضو بذلك أولى.
ولا جرم، قال في "الكافي": المستعمل [ما] أخذ من وجه المتيمم، أو يديه، أو
стр. 425
أخذ مما يتناثر عنه حال الاستعمال.
ولا خلاف في أنه يجوز لجماعة: التيمم من مكان واحد يضربون عليه؛ كما يجوز أن يتوضئوا من إناء واحد.
الأمر الثاني: أن التراب الممزوج بماء الورد، والخل، ونحوهما، إذا جف؛ يجوز التيمم به، ولا خلاف فيه.
الأمر الثالث: أنه يجوز بالتراب المغصوب، وهو كذلك إذا قلنا: إنه عزيمة، أما إذا قلنا: إنه رخصة؛ ففيه وجهان.
قال: له غبار يعلق بالوجه واليدين؛ لقوله- ﵇: "التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةُ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَهُ لليَدَيْنِ" مع تقديم قوله- تعالى-: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ
следующие страницы →