Полный текст (9 685 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.
стр. 3571
يجب عليه ذلك سواء رجع فرمي أو لم يرجع؛ فإن الدم ثابت في ذمته؛ لأن الخروج من الحج بمنزلة خروج [الوقت]، وقد ثبت أنه يجب عليه الدم إذا أخلَّ بالرمي حتى خرج الوقت؛ فكذلك إذا خرج من الحج.
[و] الدليل على أنهما بمثابة واحدة: [أن الحاج] لا يجوز له أن يعتمر في أيام منى؛ لبقاء وقت الرمي، فلو تعجل في اليوم الثاني، فنفر، جاز له أن يعتمر وإن كان وقت الرمي باقياً؛ لأنه بالنفر خرج من الحج، وصار ذلك بمثابة تقضي وقت الرمي.
وقال القاضي الحسين: إن عاد بعدما نفر [قبل الغروب]، بعد الغروب – فالحكم كذلك.
وإن عاد قبل الغروب، فوجهان:
أحدهما: لا يرمي لما ذكرناه؛ وعلى هذا لا يلزمه المبيت بمنى إذا غربت الشمس، وه وبمنى.
والثاني: [يرمي] ويجزئه؛ لأن الرمي يحصل في وقته؛ فأشبه ما لو نفر يوم الأضحى، أو يوم القَرّ، ثم عاد، ورمى قبل غروب الشمس؛ وهذا ما صححه الرافعي.
وعلى هذا هل يجب عليه العود والرمي قبل الغروب، أو الجبر؟ فيه وجهان:
ويرجع حاصل ذلك عند الاختصار إلى ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لا ينفعه العود.
والثاني: يجب عليه أن يعود ويرمي ما لم تغرب الشمس، فإذا غربت تعين الدم.
والثالث: أنه بالخيار إن أراد الرجوع والرمي وفعل أجزأه، وألا فلا يجب عليه الرجوع، ويجب الدم.
وقد حكاها الإمام عن رواية صاحب "التقريب" أقوالاً، وأنها تجري فيما إذا نفر في اليوم الثالث قبل الغروب، ثم عاد، ورمي قبل الغروب فيه، وأنه ذكر قولاً رابعاً عن ابن سريج: أن ذلك لا ينفعه بعد نفره في اليوم الثاني، وينفعه بعد نفره في اليوم الثالث.
стр. 3572
والفرق: أن الخروج في النفر الثاني لا حكم له؛ فإنه منتهى الوقت نفر أو لم ينفر؛ فكان خروجه وعدم خروجه بمثابة [واحدة] [بخلاف] الخروج في النفر الأول؛ [فإن له] حكماً؛ فإنه لو لم يخرج منه، بقي إلى اليوم الثالث؛ فأثر خروجه في قطع علائق منى وإذا انقطعت العلائق، لم يعد.
ولا خلاف في أنه إذا أخَّر الرمي حتى مضت أيام منى: أنه لا يقضي الرمي بعدها؛ كما قال الماوردي، والقاضي الحسين وغيرهما.
قال القاضي الحسين: لأن الرمي تابع للوقوف؛ بدليل أن العمرة لما لم يكن لها وقوف، لم يكن لها رمي، ومن فاته الوقوف بعرفة، سقط عنه الرمي، ثم للوقوف وقت يفوت فيه، كذلك ما كان تابعاً له.
وقال الإمام: لأن الغالب في الرمي التعبد، فكما لا يعدل عن الجنس المرمي به إلى غيره؛ فكذلك يجب ألا يعدل عن الوقت.
نعم: لو ترك رمي اليوم الأول، فهل يأتي به في اليوم الثاني؟ أو [ترك] رمي اليوم الأول والثاني، فهل يأتي به في اليوم الثالث أداء؟ فيه قولان مأخذهما: أن أيام منى هل تجعل كاليوم الواحد بالنسبة إلى الرمي؛ كما جعلت في جواز الأضحية كاليوم الواحد أم لا؟ لأن الرمي فيها مؤقت، ولوجعلت كاليوم الواحد، لجاز رمي جميعها في اليوم الأول، وهو لا يجوز إجماعا، كما قال الماوردي؟
فالقديم، والجديد، وأحد قوليه في "الإملاء": الأول، وهو الصحيح، واختيار الشافعي – ﵁ كما قال البندنيجي؛ لأن رسول الله ﷺ رخَّصَ لرعاة الإبل وأهل سقاية العباس: أن يدَعوا رمي اليوم الأول، ويقضوه في اليوم الثاني؛
стр. 3573
فعلم أن حكم جميعها واحد، وأنها زمان الرمي؛ فعلى هذا يأتي بما فاته في اليوم الأول في الثاني، [وبما فاته في اليوم الأول والثاني في الثالث، ويبدأ برمي اليوم الأول قبل الثاني،] وكذا بالثاني قبل الثالثن فلو عكس ورمى عن اليوم الثاني قبل الأول، فوجهان:
أحدهما: لا يجزئه عن واحد منهما: أما عن الأول؛ فلأنه لم ينُوه، وأما عن الثاني، فلترك الترتيب؛ كما لو [بدأ بجمرة] العقبة، أو الوسطى قبل الأولى؛ فإنه لا يجزئه قولاً واحداً كما تقدم.
قال البندنيجي: وليس بشيء، والمذهب الثاني، وكذا قال القاضي الحسين أيضاً.
وقال غيرهما: إنه الأصح، وهو أنه يقع عن الأول؛ لأنه فرض يجب تقديمه، فإن نوى غيره، وقع عن الأول؛ كما لو نوى بالطواف الوداع وعليه طواف الزيارة.
قال ابن الصباغ: ويجوز له أن يرمي جمرات اليوم الأول بعد غروب الشمس منه إلى [أن] تزول الشمس في اليوم الثاني.
وقال ابن الصلاح: إن ذلك هو الأصح.
والقول الثاني – وهو أحد قوليه في "الإملاء": أنه [لا يأتي به] أداء، بل يكون لكل يوم حكم نفسه، يفوت الرمي فيه بغروب الشمس منه؛ قاله الماوردي، والبندنيجي، وابن الصباغ، وادعى الرافعي، [وإمام الحرمين]: أنه الأصح.
стр. 3574
وقيل: إنه لا يفوت إلا بطلوع فجر [اليوم] بعده إلا في اليوم الثالث من أيام التشريق؛ فإنه يفوت بغروب شمسه بلا خلاف، وهذا مذكور في "تعليق القاضي الحسين" احتمالاً، وقال العجلي: إنه الأصح.
وعلى هذا القول هل يأتي بما فاته في اليوم الأول في الثاني؟ أو بما فاته [في اليوم الأول] والثاني في الثالث قضاء أو لا؟ فيه قولان"
فإن قلنا: لا، لزمه لترك الرمي في اليوم الأول أو الثاني دمٌ [كامل، ولترك الرمي فيهما دمان،]، ولترك الرمي في الأيام الثلاثة ثلاثة دماء؛ وهذا ما أشرت إليه من قبل.
قال القاضي الحسين: وليس له أن يقول: كان لي ترك الرمي يوم النفر الثاني؛ فلا يلزمني إلا دمان؛ لأن هذا إنما كان له إذا أتى برمي يومين؛ كما لو ترك الصلاة في السفر، ثم قال: أنا أقضيها قصراً، ليس له ذلك.
وكلام الإمام مشير إلى أن محل التزامه ثلاثة دماء إذا لم ينفر في اليوم الثاني قبل الغروب منه، والله أعلم.
وقد اختصر في "المهذب"، و"البندنيجي"، و"القاضي أبو الطيب"، و"الحسين" – ما ذكرناه، وقالوا: إذا قلنا: إن رمي كل يوم مؤقت بوقته، وفات ولم يرم – ففيه ثلاثة أقوال مذكورة في الإملاء.
وقال ابن الصباغ: إنها احتمالات [ثلاثة مذكورة] فيه، وذلك متقارب:
أحدها: أن الرمي يسقط، وينتقل إلى الدم، وهو الذي صححه القاضي الحسين.
والثاني: أنه يرمي [ويريق] دماً؛ للتأخير؛ كما لو أخَّر رمضان حتى أدركه رمضان آخر.
стр. 3575
وقال الرافعي: إن هذا ينسب إلى تخريج ابن سريج.
والثالث: يرمي، ولا شيء عليه؛ كما لو ترك الوقوف بالنهار؛ فإنه يقف بالليل، ولا دم عليه.
وسلك بعض المراوزة طريقاً آخر، فقالوا: إذا فاته رمي اليوم [الأول] سهواً أو عمداً، فهل يتداركه، ويأتي به في اليومين بعده؟ أو إذا فاته رمي اليوم الثاني، فهل يأتي به في اليوم الثالث؟
فيه قولان:
قال الرافعي: فإن قلنا: لا، فهل يأتي برمي اليوم الأول في ليلة اليوم الثاني، وكذا يرمي اليوم الثاني في ليلة الثالث؟ فيه وجهان، وهما مفرعان على الصحيح في أن وقت الرمي في كل يوم لا يمتد إلى طلوع فجر من اليوم الذي يليه ولم أرهما في "النهاية" كذلك في هذا الموضع، بل هما محكيان في غير هذا المحل؛ كما سنذكره.
فإن قلنا: [لا تَدَارُك، تعيّن الدم، وما هو الدم؟ فيه ما سبق.
وإن قلنا: بالتدارك، وجب حتماً ولا يجوز الانتقال إلى الدم مع إمكانه.
ولكن المأتي به تداركاً يكون قضاء أو أداء تأخر عن وقت الاختيار؟ فيه قولان، ويقال: وجهان:
فإن قلنا: قضاء، [جاز] فعل ما فات [في] اليوم الأول في اليوم الثاني، وما فاته في اليوم الثاني في اليوم الثالث قبل الزوال؛ لأن القضاء لا يتأقت.
وقيل: إنه لا يجوز.
قال الإمام: فإن القضاء قد يتأقَّت بعض التأقيت، وما قبل الزوال لم يشرع فيه رمي: لا قضاءً، ولا أداءً؛ فكانت تلك الساعات بمثابة ساعات الليل في تصوير الصوم.
قال: والوجهان يجريان في تدارك الدم ليلاً إذا جرينا على الأصح في أن الوقت
стр. 3576
لا ينبسط على الليلة؛ وهذا [هو] المحل الذي أشرتُ إليه من قبل.
وهل يجب تقديم القضاء على الأداء بالزمان؟ فيه قولان:
أحدهما: يجب؛ كما في الأداء.
والثاني: لا؛ كما في قضاء الصلاة؛ كذا قاله في "الوسيط"، وهو صريح في أن الوجهين مفرعان على القول بأن ما يأتي به تداركاً، يكون قضاءً.
وكذا حكاهما الإمام، وقال: "إن الأظهر الثاني".
وفي الرافعي: أنهما عند الأئمة مبنيّان على أن ما يفعل تداركاً قضاءً أو أداءً.
إن قلنا: أداء اعتبرنا الترتيب.
وإن قلنا: قضاء، فلا ترتيب؛ كترتيب قضاء الصلوات الفائتة.
وكأنه – والله أعلم – أخذ ذلك من قول الإمام وقد ذكر صاحب "التقريب" وغيره: أن القول باستحقاق الترتيب يدنو من قولنا: إن المتدارك قضاء أو أداء؟ فإن قلنا: قضاء، بَعُدَ استحقاق الترتيب؛ كما ذكرنا في الصلاة [المقضية] والمؤداة.
ثم إن اعتبرنا الترتيب، فرمى [إلى] الجمرة الأولى أربع عشرة حصاة: ثم كذلك إلى الثانية، ثم كذلك إلى الثالثة لم يحتسب من رمي اليوم حصاة ما بقي عليه من رمي أمس حصاة.
ولو رمى إلى الجمرات كلها عن يومه قبل أن يرمي عن أمسه، فهل يصح أم لا؟ فيه وجهان:
أصحهما: الصحة، ويقع عن القضاء، وهما كالوجهين فيما إذا فاته رمي اليوم الأول والثاني، وقلنا: إن أيام التشريق كلها محل للرمي، فرمي في اليوم الثالث [عن اليوم الثاني] قبل أن يرمي عن اليوم الأول.
стр. 3577
قال الرافعي: وقد زاد الإمام هنا، فقال: لو صرف الرمي عن قصده إلى غير النسك – كما لو رمى إلى شخص أو دابة في الجمرة – ففي انصرافه عن النسك الخلاف المذكور في الطواف.
قلت: وهذا بناء على اعتقاده: أن الرمي لا يفتقر إلى النية؛ اكتفاء بالنية الشاملة.
أما إذا قلنا باشتراطها – كما سبق- فلا يتأتى الخلاف، بل الجزم بعدم الإجزاء.
وهذا كله تفريع على أن المأتيَّ به تداركاً يكون قضاء، فإن قلنا: يكون أداءً فجملة أيام منى في حكم الوقت الواحد، وكل يوم للقدر المأمور به فيه وقت اختيار، كأوقات الاختيار للصلوات؛ كذا قاله الرافعي، وإليه وقت الإشارة من قبل.
وقال الإمام عن الأئمة: إنهم قالوا: لا يمتنع على هذا تقديم رمي يوم [إلى يوم].
وقال الرافعي: إنه يجوز أن يقال: إن وقته يتسع من جهة الآخر، دون الأول؛ فلا يجوز التقديم.
قال في "الروضة": وهو الصواب، وبه قطع الجمهور تصريحاً ومفهوماً.
قلت: ويؤيده دعوى الماوردي الإجماع على أنه لا يجوز رمي جميعها في اليوم الأول؛ فلأنه لو جاز تقديم رمي اليوم الثاني في اليوم الأول، لجاز الثالث [أيضاً، بل أولى؛ لأنه يسقط بالنفر [قبل] الغروب في اليوم الثاني.
وقد قال الإمام] بعد ذلك تفريعاً على جواز التقديم: إن مما أجراه صاحب التقريب رمزاً في أثناء كلامه أن قال: إذا جعلنا المستدرك من الرمي مقاماً في وقته أداءً، وقلنا بحسب ذلك، يجوز التقديم ويجزئ [فيلزم من] ذلك جواز التأخير – أيضاً – حتى لا ينسب المؤخر من غير علة إلى مأثم.
وهذا بعيد؛ فإن جواز ذلك مما خص به أهل السقاية، ورعاة الإبل، فإن كان يلزم ما قاله قياساً، فالوجه أن يستدل بهذا على فساد المصير إلى أن الرمي المقام بعد انقضاء وقته مؤدى.
стр. 3578
قال الرافعي: وعلى قولنا: إن ما [يحصل به الاستدراك] أداء – كما عليه نفرع – يجوز تقديم رمي يوم التدارك على الزوال.
وقال الإمام في جوازه قبل الزوال والليل من التفصيل ما ذكرناه فيما إذا قلنا: إن التدارك يكون قضاء؛ فيجري الخلاف على بعد.
والوجه، القطع بالمنع؛ فإن تعيين الأوقات بحكم الأداء أليق.
أما لو ترك رمي يوم النحر حتى دخلت أيام التشريق، فهل يأتي به في أيام التشريق، [ويكون حكهم حكم رمي اليوم الأول من أيام التشريق] إذا فاته فيما ذكرناه؟ فيه طريقان:
منهم من قال: نعم، وهي الطريقة الصحيحة في "الشامل"، وجعلها البندنيجي المذهب، واختارها في "المرشد".
وقيل: إن الشافعي – ﵁ – نص على أنه إذا أخر رمي جمرة العقبة حتى غربت الشمس: أنه يرميها في أيام التشريق.
فعلى هذا إذا ترك الرمي في الأيام الأربعة حتى مضت أيام التشريق، لزمه دم واحد على الصحيح.
وعلى مقابله أربعة دماء إذا لم يكن قد نفر قبل الغروب في اليوم الثاني؛ كما قال الإمام.
ومنهم من قال: يسقط رمي يوم النحر بفوات يوم النحر، وطلوع الفجر من اليوم
стр. 3579
الأول من أيام التشريق.
وهل يسقط بفواته فقط؟ فيه الوجهان السابقان:
ووجه هذه الطريقة: أنه لما خالف رمي أيام التشريق في المقدار والمحل والحكم، خالفه في الوقت.
قال البندنيجي: وليس بشيء.
وعلى هذه الطريقة لو ترك رمي الأيام الأربعة، وجب عليه لفوات رمي يوم النحر [دم] لفوات رمي جمرة يوم النحر فقط، وقلنا: إن يوم النحر مخالف للرمي في أيام التشريق، وقد ادعى القاضي الحسين: أنه لا خلاف في ذلك.
وحكى ابن الصباغ: أن أبا إسحاق قال: في "الشرح" إن الشافعي – ﵁ – قال في موضع من "الإملاء": إن ترك رمي يوم، وجب مد، [وإن ترك رمي يومين فمدان؛] وإن ترك [رمي] ثلاثة، فدم.
[وعلى هذا يتجه أن يجب في اليوم الواحد – على رأي – درهم أو ثلث دم].
стр. 3580
فإن قلنا بهذا، لم يخف عليه ما يجب بترك حصاة واحدة مما سنذكره من بعد.
وإن قلنا بالمشهور، انبنى أمر تارك الحصاة الواحدة – أيضاً – على أنه هل يكمل الدم بترك جمرة واحدة من وظيفة يوم أو لا؟ وفيه خلاف حكاه الإمام عن الأصحاب:
منهم من قال: إن الجمرات الثلاث كالشعرات [الثلاث]؛ فلا يكمل الدم في بعضها فإن ترك بعضها؛ ففيما يلزمه الأقوال الثلاثة التي ذكرناها في حلق شعرة وشعرتين.
وعلى هذا إذا ترك حصاة واحدة من الجمرة، فعن صاحب "التقريب": أن على قولنا في الجمرة الواحدة ثلث دم، يجب في حصاة واحدة جزء من أحد وعشرين جزءاً من دم؛ رعاية للتبعيض.
وعلى قولنا: إن فيها مُدَّا أو درهماً، يحتمل أن يجب سبع مد أو سبع درهم.
ويحتمل ألا نبعضهما.
ومنهم من قال: إن الدم يكمل بترك جمرة واحدة؛ وهذا هو المشهور، وبعضهم لم يحك سواه، لكن هؤلاء اختلفوا:
فمنهم من قال: إن الدم وإن كمل في وظيفة جمرة واحدة، فلا يزيد بترك جمرة أخرى إلى تمام وظيفة اليوم، وإن نقص عنها فلا يكمل الدم.
وعلى هذا إذا ترك حصاة واحدة، ففيها ثلاثة أقوال:
أحدها: سبع دم.
والثاني: مد.
والثالث: درهم.
ومنهم من قال- وهو المشهور، والصحيح-: إنه كما يكمل بترك جميع حصى الجمرة، يكمل بترك [ثلاث] حصيات منها؛ لأنه يقع عليها اسم الجمع المطلق؛ فصار كما لو ترك الجميع.
وعلى هذا يكون في ترك الحصاة الواحدة الأقوال الثلاثة التي ذكرها الشيخ. والله أعلم.
стр. 3581
قال: أحدها: يلزمه ثلث دم، وهو الذي حكاه الحميدي.
والثاني: مد، وهو الذي نص عليه هنا، والأصح عند النواوي وغيره.
والثالث: درهم.
وهذه الأقوال الثلاثة كالأقوال فيما إذا قلم ظفراً، أو حلق شعرة، وقد تقدم توجيهها.
ولا يخفى عليك بعد ذلك ما الواجب عليه فيما إذا ترك حصاتين؟
وقد حكى الإمام وجهاً غريباً أن الدم يكمل في حصاة واحدة، وهو نظير ما حكيناه من أنه يكمل في شعرة واحدة.
ثم اعلم أن ترك الجمرة الواحدة والحصاة الواحدة إنما يتصور ذلك – بلا خلاف – من الجمرة الأخيرة من رمي اليوم الأخير: إما الثالث من أيام التشريق، أو الثاني منها إذا نفر فيه قبل غروب شمسه؛ كما قال الماوردي، وابن الصباغ، والقاضي الحسين، وغيرهم.
أما لو كانت من رمي يوم النحر، فالقياس أن نقول: إن قلنا: إنه مستقل بنفسه، فالحكم كذلك، وهو المذكور في "التهذيب".
وإن قلنا: إنه كيوم من أيام التشريق، أو كان ذلك من رمي يوم –ولو اليوم الثاني من أيام التشريق؛ إذا لم ينفر قبل غروب شمسه – فينبني على أن الترتيب في التدارك واجب أولاً.
فإن لم نوجبه، تصور ذلك أيضاً، ولا ينبغي أن يكون في ذلك خلاف، وإن كان ما سنذكره من بعد ينفي ذلك.
وإن أوجبنا الترتيب، فلا يتصور؛ لأنها إن كانت من رمي يوم النحر، فرميه في اليوم الأول من أيام التشريق، وما بعده في الجمرة الثالثة على أنه كذلك اليوم قلنا: فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يصح أصلاً، وحينئذ فيكون عليه حصاة من رمي يوم النحر، ووظيفة أيام التشريق كلها، وما يجب عليه من الدم يؤخذ مما قدمته من الأصول.
وقد قال في "التتمة" فيما إذا ترك حصاة من يوم النحر: إنه يلزمه دم لأجلها؛ لأنها من أسباب التحلل، فإذا ترك شيئاً منها، لم يتحلل إلا ببدل كامل.
والثاني: أنه يصح، ويقع عما عليه، وهوا لصحيح وحينئذ يكون قد تم له بما رماه
стр. 3582
من الجمرة الأخيرة [في يوم النفر] ما عليه من رمي يوم النحر، وفاته رمي يوم القر [بجملته؛ رعاية للترتيب في الرمي، والجمرات.
ثم] ما رماه في يوم النفر الأول [يقع عما عليه من الرمي في يوم القر وما رماه في يوم النفر الآخر يقع عما عليه من الرمي في يوم النفر الأول]؛ فيبقى عليه وظيفة يوم كامل؛ فيجب عليه دم كامل على المشهور.
ولو كانت الحصاة من الجمرة الأخيرة من يوم القر، ولم ينفر النفر الأول، وقد أوجبنا الترتيب فإن لم نصحح ما أتى به بعد المتروك على أنه كغيره، كان عليه حصاة واحدة، ووظيفة يوم النفر الأول، ويوم النفر الثاني.
وإن كان قد نفر النفر الأول، أو كانت من يوم النفر الأول، ولم ينفره، قال الرافعي: فإن قلنا إن ما أتى به بعده بنية إيقاعه عن غيره لا يصح – كان عليه حصاة، ووظيفة يوم كامل، وإلا كان عليه وظيفة [يوم] كامل.
ولو كانت الحصاة من الجمرة الوسطى والأولى من اليوم الأخير من أيام الرمي، فمعلوم أن مارماه بعدها في غيرها غير معتد به؛ لما تقدم من أن وجوب الترتيب في المكان متفق عليه عندنا؛ فيكون عليه أكثر من حصاة وما يجب عليه لا يخفي مما تقدم. والله أعلم.
فرع: لو ترك ثلاث حصيات من جملة الأيام، ولم يدر موضعها، أخذ بالأسوأ وهو أنه ترك واحدة من يوم النحر، وأخرى من الجمرة الأولى من بعده يوم القر، وأخرى من الجمرة الثانية يوم النفر الأول، وحينئذ قال الرافعي – مختصراً في ذلك الكلام المتولي؛ إنَّا إن لم نصحح ما أتى به بعد المتروك بنيّة إيقاعه عن غيرهن فالحاصل له ست حصيات من يوم النحر لا غير، سواء شرطنا الترتيب بين التدارك ورمي الوقت أو لا.
قلت: وقياس ما تقدم إذا جعلنا المتروك ما ذكر من الأيام: أن نقول: إذا قلنا إن
стр. 3583
رمى يوم النحر كرمي يوم من أيام التشريق، وأن الترتيب غير واجب في التدارك؛ بناء على أن ما يفعل في اليوم عما قبله يكون قضاء، ولا يشترط الترتيب في القضاء ووظيفة الوقت أن يصح له رمي الجمرة الأولى من يوم النفر الأول وست حصيات من الثانية منه؛ لأنه يجوز له حينئذ إذا ترك رمي [اليوم الأول] والثاني من أيام التشريق – أن يرمي في اليوم الثالث جمرات [اليوم الثاني قبل جمرات] اليوم الأول؛ كما تقدم، وهذا مثله، وإذا صح هذا، فقد حصل له ست حصيات من يوم النحر، والجمرة الأولى من [يوم] النفر الأول، وست حصيات من الجمرة الوسطى منه.
قال الرافعي: فغن حسبنا ما أتى به بعد المتروك عن المتروك، فالحاصل له [رمي] يوم النحر، وأحد أيَّام التشريق لا غير، سواء شرطنا الترتيب أو لا، قال: وسببه لا يخفى على من أمعن النظر في الأصول السابقة.
قلت: قياس ما تقدم من الأصول، أنَّا إن جعلنا يوم النحر [منفصلاً] عن أيَّام التشريق – أن يكون قد حصل له من رميه ست حصيات، وفاته حصاة؛ فيلزمه – على رأي المتولي- دم كامل، ويكون قد فاته رمي يوم القَر بجملته، وحصل له من يوم النفر الأول بالجمرة الأولى؛ إن لم توجب الترتيب في الاستدراك، وست حصيات من الثانية، وبطلت الجمرة الثالثة، وحصل له رمي يوم النفر الثاني بجملته؛ إذا قلنا: إن الترتيب في المستدرك لا يجب أيضاً، وحينئذ فيكون قد حصل له ست حصيات من يوم [النحر والجمرة الأولى من يوم النفر الأول، وست حصيات من الجمرة الوسطى منه، ورمي يوم] النفر الثاني بجملته.
وإن قلنا: إن الترتيب في المستدرك واجب، فيوم النحر لا يجبر بما بعده؛ إذ التفريع على استقلاله، وأما الحصاة التي جعلت متروكة من الجمرة الأولى، فتجبر بحصاة من الجمرة الأولى من يوم النفر الأول، وما رماه من الجمرة الوسطى،
стр. 3584
وهو ست حصيات يجعل من الوسطى من يوم القر، ويبطل باقي ما رماه في يوم النفر الأول، وما رماه في اليوم الثاني لا يعتد له بالجمرة الأولى منه، ويجعل حصاة من الوسطى عما يليه من الوسطى من يوم القر، وفسد باقيها، والجمرة الأخيرة التي رماها منه تحسب عن الجمرة الأخيرة من يوم القر أيضاً، وحينئذ فيكون قد حصل له ست حصيات من يوم النحر، ويوم القر بجملته.
وإن قلنا: إن يوم النحر كيوم من أيام التشريق، وقلنا بالترتيب في التدارك، لم يتجه إلا ما ذكره الرافعي؛ لأنا نجبره بحصاة من الجمرة الأخيرة من يوم القر، نجبر يوم النفر الأول بالثاني. والله أعلم.
قال: ويبيت بها في أيام الرمي أي: في ليالي أيام الرمي – تأسياً به ﷺ ؛ فإنه بات بها.
قال: فإن ترك المبيت في الليالي الثلاث- أي: ليالي أيام منى الثلاث – لزمه دم في أحد القولين.
الخلاف في لزوم الدم في هذه الحالة ينبني على أن المبيت بها في الليالي الثلاث لمن لم ينفر قبل الغروب في اليوم الثاني من أيام التشريق، واجب أم لا؟
وسيأتي الكلام فيه:
فإن قلنا: إنه مستحب، وليس بواجب، لم يجب الدم، وهو قوله في "الإملاء"؛ كما قاله أبو الطيب، والبندنيجي.
وألا وجب، وهو نصه في "الأم"، والقديم، كما قالاه.
[وعلى هذا] قال الشيخ: وفي ليلةٍ الأقوال الثلاثة التي ذكرناها في الحصاة، وتوجيهها ما تقدم، ومذهب الشافعي منها ومنصوصه – كما قال الماوردي -: وجوب المد، وفي ليلتين – والصورة كما ذكرنا -: مدَّان، أو درهمان، أو ثلثا دم.
أما إذا نفر في اليوم الثاني من أيام التشريق قبل الغروب، فالواجب في حقه على قول من أوجب المبيت مبيت ليلتين لا غير فإذا تركهما، فهل يكمل الدم عليه؟
بنى الإمام ذلك على أصل آخر، وهو أنه لو ترك المبيت في ليلة مزدلفة، والليالي
стр. 3585
الثلاث إذا وجبت، فهل يجب عليه دم واحد أو دمان:
دم لليلة مزدلفة، ودم لليالي منى؟ وفيه قولان في ظاهر المذهب.
ووجه الثاني: أن ليلة مزدلفة مباينة لغيرها من ليالي المبيت؛ كما نبهنا عليه؛ فلتفرد بحكمها.
قال: فإن قلنا بهذا، ففي ليلتي من وجهان:
أحدهما: أنه يكمل فيهما الدم؛ فإن المبيت بمنى جنس كالمبيت بمزدلفة وقد ترك أصل المبيت بمنى؛ فلا يقصر جنس المبيت بمنى عن جنس المبيت بمزدلفة ليلة واحدة، وهذا ظاهر منقاس، وهو الفقه.
والثاني: أنه يجب عليه مدان، [أو درهمان]، أو ثلثا دم، كما تقدم؛ نظراً لتقسيط دم المبيت في الليالي الثلاث.
قلت: وقياس هذا الوجه: أن نقول: إذا قلنا: إنه يجب في ترك ليلة مزدلفة وليالي منى الثلاث دم واحد؛ بجعل المبيت جنساً واحداً - أن يجب في ترك ليلتين من ليالي منى نصف دم، أو مد ونصف، [أو درهم ونصف]؛ لأنهما نصف الأربعة.
وقد حكى الإمام في أصل المسألة قولاً عن رواية صاحب "التقريب" يضاهي قولاً غريباً فيما تقدم، ولكنه ارتضاه هاهنا وإن زيَّفه فيما سبق، وذلك أنه قال: للشافعي ﵁ قولٌ: أنه يجب في كل ليلة دم؛ لأن كل ليلة تنسب إلى يومها، وإذا كان الدم يكمل في وظيفة كل يوم، فليكمل في مبيت كل ليلة.
قال الإمام: وهذا يتجه هاهنا اتجاهاً بيناً. والله أعلم.
وقد تقدم الكلام في أن المعتبر في هذا المبيت على قول الوجوب وغيره، هل هو الكون بها معظم الليل، سواء فيه آخره وأولوه كما هو الأصح في مناسك ابن الصلاح - أو الكون بها عند طلوع الفجر؛ لأن المقصود من المبيت إقامة شعار اليوم من الرمي؛ ولذلك لم يجب على من تعجل في اليوم الثاني الرمي قبل الغروب المبيت ليلة اليوم الثالث من أيام التشريق؛ لسقوط الرمي فيه.
وقد قال الشافعي - كما قال ابن الصلاح -: لو شغله طواف الإفاضة حتى يكون
стр. 3586
أكثر ليله بمكة، لم يكن عليه فدية؛ لأنه كان في لازم له من عمل الحج، ولو كان عمله تطوعاً، افتدى.
قال: ويجوز لأهل سقاية العباس ورعاة الإبل أن يدعوا المبيت ليالي منى.
أما أهل السقاية؛ فلما روى البخاري ومسلم عن ابن عمر: "أن العباس بن عبد المطلب، استأذن رسول الله ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى؛ من أجل سقايته، فأذن لهم".
ولأنهم متشاغلون بإصلاح الشراب، واستقاء الماء؛ ليرتوي الناس منه، ويرتفقوا به، فكانت الحاجة داعية لهم إلى ذلك.
وأما رعاة الإبل؛ فلما روى أبو داود عن عاصم بن عدي أن رسول الله ﷺ "أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة، يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد من بعد الغد بيومين، ويرمون يوم النفر"، وأخرجه النسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: إنه حسن صحيح.
قال: فيرموا يوماً ويدعوا يوماً، ثم يرموا ما فاتهم.
هذا الكلام يجوز أن يفسر بتفسيرين، وكل منهما يجوز فعله؛ كما صرح به الأصحاب:
أحدهما: أنهم يرمون يوم القر، ويدعون يوم النفر الأول، وعليه يدل قوله: "ثم يرمون ما فاتهم"، أي: في اليوم الثالث مع رمي اليوم الثالث؛ لما ذكرنا: أن الصحيح: أن الرمي في أيام التشريق كلها يقع أداء؛ فيجب الترتيب في رمي الأيام؛ كما يجب
стр. 3587
في رمي الجمار.
والثاني: أنهم يرمون يوم النحر جمرة العقبة ويدعون يوماً [وهو يوم القر، ثم يرمون ما] فاتهم – أي: في اليوم الثاني – وكذا يرمون عن ذلك اليوم، وسكت عنه الشيخ؛ للعلم به، ثم ينفرون مع الناس؛ وهذا ما نص عليه في "المختصر"، وهو أقرب إلى ما ورد في الخبر الذي ذكرناه عن رواية عاصم.
وقد روى عنه أبو داود أن النبي ﷺ أرخص أن يرموا يوماً، ويدعوا يوماً.
قال الترمذي: والأول أصح.
وفي "الحاوي": أن عاصم بن عدي روى أن النبي ﷺ أرخص للرعاة أن يتعاقبوا، فيرموا يوم النحر، ثم يدعوا يوماً وليلة، ثم يرموا من الغد، وقوله: "يتعاقبوا" أن يرموا يوماً، ويدعوا يوماً؛ ولأجل ذلك قال ابن الصلاح: إن عليهم أن يأتوا في اليوم الثاني من أيام التشريق، وبالتفسير الأول لا تكون إلا في جواز تأخير الرمي في اليوم الثاني إن لم نجوّز لغيرهم التأخير فيه؛ كما ذكرنا: أنه الصحيح، بل يكون غيرهم أخف حالاً منهم؛ لان لهم أن يقتصروا على رمي يومين، وهؤلاء يأتون برمي الثلاثة الأيام.
وقد حكى عن أبي الحسين وجه: أنه ليس لهم فعل ما ذكرناه عن النص في "المختصر"، ونص الخبر يرد عليه.
ووجه الدلالة على ما ذكره الشيخ:
أما [في حق] الرعاة فالخبر، ولأن عليهم رعي الإبل، وحفظها؛ لتشاغل الناس
стр. 3588
بنسكهم عنها، ولا يمكنهم الجمع بين رعيها وبين الرمي والمبيت بمنى فجوّز لهم ذلك؛ للعذر.
وأما في حق أهل السقاية؛ فبالقياس عليهم، ولكن لو أرادوا أن يتركوا الرمي في اليومين الأولين، ويأتوا به في اليوم الثالث، ويتركوا المبيت في الليالي الثلاث – فالمذكور في "تعليق القاضي الحسين": أنه لا يجوز؛ لأن الرخصة ما وردت غلا بترك رمي يوم واحد ومبيت ليلتين.
نعم: لو تركوا الرمي في اليوم الأول، فعليهم أن يقضوه في الثاني، ثم يرموا عنه – كما تقدم – فإن لم يأتوا مني في اليوم [الثاني]، وجب عيهم الإتيان في الثالث.
قال الماوردي: ورموا فيه عن جميع الأيام.
قال: فإن أقام الرعاء أي – بمنى – يوم النحر بعد جمرة العقبة حتى غربت الشمس، لم يجز لهم أن يخرجوا حتى يبيتوا أي: ليلة القر، خاصة لأن الحاجة التي جوزت لهم ترك المبيت إنما هي الرعي، وهي بالنهار خاصة.
قال: ويجوز لأهل السقاية أن يدعوا المبيت [منى] وإن أقاموا إلى الغروب؛ لأن المعنى الذي لأجله جوز لهم ترك المبيت – وهو تخمير الشراب – موجود في الليل.
وقد أغرب الحناطي، فحكى وجهاً: أنهم كالرعاة؛ فلا ينفرون بعد الغروب.
وسقاية العباس: موضع بالحرم جوار زمزم، يستقي منه الماء، ويجعل في حياض، ويخمر، ويسيل للشاربين.
وقد قدمنا: أن الشرب من نبيذها مستحب، وأهلها هم الذين يُعِدُّون السويق والماء للحاج بمكة؛ قاله الطبري المؤرخ، وعليه يدل قول البندنيجي: وأما أهل سقاية العباس الذين يعدون السويق والنبيذ للحاج ... إلى آخره.
لكن المشهور: أنهم الذين يسقون الماء؛ كما ذكرنا، وعليه يدل ما رواه مسلم عن بكر بن عبد الله المزني قال: كنت جالساً مع ابن عباس – ﵀ – عند الكعبة،
стр. 3589
فأتاه أعرابي، فقال: ما لي أرى بني عمكن يسقون العسل واللبن، وأنتم تسقون النبيذ، أمن حاجة بكم، أم من بخل؟! فقال: ابن عباس الحمد لله ما بنا من حاجة، ولا بخل، قدم النبي ﷺ على راحلته، وخلفه أسامة، فاستسقى فأتيناه بإناء من نبيذ، فشرب، وأسقى فضلته أسامة، وقال: "أحسنتم، وأجملتم، فاصنعوا"؛ فلا نريد تغيير ما أمر به رسول الله ﷺ .
وقد كانت في يد قصي بن كلاب، ثم ورثها منه ابنه عبد مناف، ثم منه ابنه هاشم، ثم منه ابنه عبد المطلب، ثم منه ابنه العباس، ثم منه ابنه عبد الله، ثم منه ابنه علي، ثم واحد بعد واحد.
ولا يختص ما ذكرناه من الحكم ببني العباس، بل هو جارٍ فيهم، وفي غيرهم إذا تولوا السقاية.
قال أبو الطيب: لوجود المعنى المجوز لبني العباس فيهم، نعم لو أحدثت سقاية غير سقاية العباس، وتولي السقي فيها بنو العباس أو غيرهم، لا يشرع لهم الترخص كأهل سقاية العباس؛ كما حكاه في "الحاوي" عن نص الشافعي ﵁ – وهو الذي حكاه ابن كج وغيره أيضاً.
وفي "التهذيب": أنه لو استحدث سقايات للحج فللقائم بشأنها ترك المبيت أيضاً، وهو الذي أورده النواوي في "المناسك".
وحكى البندنيجي في تعليقه فيما لو عمل في سقاية العباس غير أهل العباس أو عمل أهل العباس في سقاية غيرها وجهين:
أحدهما: ليس لهم ذلك.
والثاني: لهم ذلك.
وقد حكى الرافعي الوجه المنقول في اختصاص بني العباس بما ذكرناه عن بعض الأصحاب، وقال: إن منهم من يجعل الاختصاص ببني هاشم؛ وهذا قد عزاه الإمام إلى رواية بعض العراقيين.
стр. 3590
قال: ومن ترك المبيت؛ لعبد أبق، أو أمر يخاف فوته – كان كالرعاة، وأهل السقاية؛ على المنصوص.
أي: من كان عذره مثل العذر الذي جوز للرعاة ما ذكرناه، [جاز لهم ما جاز للرعاة.
ومن كان عذره مثل العذر الذي جوز لأهل سقاية [العباس] ما ذكرناه،] جوز لهم – أيضاً – قياساً عليهم؛ لتماثلهم في العذر وأردت بما ذكرت من التقرير زوال إشكال قد يَعْرِضُ للمفتي، من جهة أن أهل السقاية يجوز لهم ترك المبيت وإن أقاموا إلى الغروب على المذهب؛ بخلاف الرعاة، فكيف يجوز أن يكون رب الحاجة غيرهم ملحقاً في الحكم بهم مع تغاير أحكامهم؟
وقد أطلق الرافعي القول بأن لهم أن ينفروا بعد الغروب، وهو محمول على من ذكرناهم.
ومراد الشيخ بالمنصوص: ما نص عليه في مختصر الحج، وقد اختاره في "المرشد" وصححه النواوي وغيره.
ومقابله – قاله بعض الأصحاب – أن الرعاة، وأهل السقاية مخصوصون بما ذكرناه دون غيرهم من أصحاب الأعذار؛ [لأنهم مخصوصون] بالرخصة، لما يعود بتأخرهم من الرفق والمعونة [و] [به] باينوا غيرهم من [ذوي] الأعذار؛ فلذلك منع قياسهم عليهم؛ وهذا ما ادعى الإمام قطع الأئمة به؛ كما [لا] يثبت في حق المتربص رخصة المسافر.
وقد أفهم كلام الشيخ اختصاص الخلاف بما ذكره من المثالين، والأصحاب مطبقون على جريانه في المريض مرضاً يمنعه البيتوتة بمنى، وحكاه
стр. 3591
الماوردي في الحائض.
قال القاضي الحسين: ونظير هذا الخلاف القولان في أن الحصر الخاص، هل يبيح التحلل كالعام أم لا؟
تنبيه: قوله: "أبق" بفتح الهمزة، والباء، والقاف، فعل ماض، ويجوز كسر الباء في لغة، [ويجوز "آبق" بالمد، وكسر الباء، صفة للعبد.
قال أهل اللغة:] يقال: أبق العبد بفتح الباء؛ إذا هرب من سيده، يأبق بضم الباء وكسرها، فهو آبق.
وحكى ابن فارس: أبق العبد – بكسر الباء – يأبق بفتحها.
فرع: يستحب للمقيم بمنى ألا يترك حضور الجماعة في الفرائض مع الإمام في مسجد الخيف؛ فإن فضله كبير.
ويستحب له إكثار الصلاة في مسجد الخيف، وأن يصلي أمام المنارة عند الأحجار التي أمامها؛ فقد روي أنه مصلى رسول الله ﷺ ، وقد وسع فيه، وصارت المنارة الآن في وسط المسجد.
[فرع] آخر: حكم من ذكرناهم من المعذورين في ليلة مزدلفة إذا أوجبناها حكمهم في ليالي الرمي.
لكن الأصحاب اتفقوا على أن من لم يدرك عرفة إلا ليلاً، واشتغل بالوقوف حتى فاته المبيت بمزدلفة لا دم عليه.
وقال صاحب "التقريب" بناء عليه: إن من أدركها نهاراً، وأفاض من عرفة بعد الغروب، واستمر إلى مكة، وطاف في النصف الأخير، ففاته المبيت فلا دم عليه؛ لأن شغل الطواف كشغل الوقوف.
وقد حكى أبو محمد ذلك عن القفال.
стр. 3592
قال الإمام: وتبعه الغزالي، وهو محتمل عندنا؛ من جهة أن من لم ينته إلى عرفة إلا ليلاً مضطر إلى ترك المبيت بمزدلفة، بخلاف [المفيض] إلى مكة؛ فإنه لا ضرورة به؛ فليبت، وليصبح مع الناس.
قال: ثم يخطب الإمام في اليوم الثاني من أيام التشريق؛ لما روى أبو داود عن رجلين من بني بكر قالا: رأينا رسول الله ﷺ يخطب بين أوسط أيام التشريق، ونحن عند راحلته، وهي خطبة رسول الله ﷺ التي خطب بمنى.
وروى أيضاً عن سراء بنت نبهان قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم الرءوس، فقال: "أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله [أعلم،] قال: "أليس أوسط أيام التشريق".
قال أبو داود: وكذلك قال عمُّ أبي حرة الرقاشي: إنه خطب أوسط أيام التشريق.
وسراء – المذكورة – بفتح السين المهملة بعدها راء مهملة مشددة مفتوحة، وهي ممدودة.
وأبو حرة هذا بضم الحاء وتشديد الراء المهملتين، وتاء تأنيث.
قال: بعد صلاة الظهر [كما خطب يوم النحر بها بعد صلاة الظهر] وقد تقدم أن الشافعي – ﵁ – استحب في هذا اليوم واليوم الذي قبله أن تقع الصلاة بعد الرمي؛ فعلى هذا تقع الخطبة بعد الرمي، وبعد الصلاة.
قال: ويودع الحاج، ويعلمهم جواز النفر –أي: الأول، والثاني – لأنه لائق بالحال، وكذا ينبغي أن يأمرهم أن يختموا حجهم بتقوى الله تعالى وطاعته، وأن يكونوا بعد الحج خيراً منه قبله؛ لقوله ﷺ : "من أتى هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه" أخرجه مسلم.
стр. 3593
وقال – ﵇ – "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" أخرجه مسلم.
وقد قيل: إنه قيل [له] يا رسول الله، فما بر الحج؟
قال: "طيب الكلام وإطعام الطعام".
وروى أنه – ﵇ – قال: "من علامة الحج المبرور أن يكون المرء بعد حجه خيراً منه قبله".
ثم ما ذكرناه من الخطبة بعد الظهر إذا لم يرد الإمام أن ينفر النفر الأول، فإن أراده وعجَّل الخطبة قبل الزوال؛ ليتعجل النفر – جاز؛ قاله الماوردي؛ وهذه الخطبة تسمى: خطبة الوداع؛ لأنها آخر الخطب الأربع، ولأنه ربما نفر بعدها في النفر الأول؛ وكان مودعاً بها، ولو تركها فلا فدية عليه.
قال: فمن نفر – أي: ذهب – قبل الغروب- أي: من منى في اليوم الثاني بعذر أو غير عذر، سقط عنه الرمي في اليوم الثالث، ومن لم ينفر حتى غربت الشمس، لم يسقط عنه الرمي؛ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٢٠٣]، وقد ذكرنا قبل من الحديث ما يعضد الآية.
قال الشافعي – ﵁:"والمراد بالتعجيل فيها النفر".
وقال مالك: إنه الرمي، واستدل بها على أنه يجوز له أن يرمي في اليوم الثاني جمرات اليوم الثالث.
قال الأصحاب: وإذا تعجل في يومين دفع ما بقي معه من الحصى إلى من لم يتعجل، أو طرحه، وما يفعله الناس من رميه لا توقيف فيه ولا أثر.
стр. 3594
والأفضل عدم النفر؛ لأنه ﷺ لم يفعله، فإن قيل: إذا كان هو الأفضل، فما معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٢٠٣]؟
قيل: فيه تأويلات:
أحدها: قاله ابن مسعود: أن من تعجل في يومين، فلا إثم عليه، أي: كفرت سيئاته، وكذلك من تأخر.
والثاني: أن معنى الآية: من تأخر، ورمى، فلا إثم عليه؛ فإنه إذا تأخر، ولم يرم، أثم.
والثالث: أن التعجيل رخصة وقد قال ﷺ : "إن الله يحب أن يؤخذ برخصه، كما يحب أن يؤخذ بعزائمه"، فأعلمنا الله تعالى: أن من رغب عن هذه الرخصة، وأقام إلى اليوم الثالث، لم يكن عليه إثم.
والرابع: أنها وردت على سبب، فإن قوماً قالوا: لا يجوز التعجيل، وقوماً قالوا: لا يجوز التأخير؛ فنزلت الآية على ذلك.
قال: فإن نفر قبل الغروب، ثم عاد زائراً، أو ماراً – أي بعد الغروب – لم يلزمه الرمي؛ لأنه حصلت له رخصة بالنفر؛ وكذا لو عاد لأخذ شيء نسيه.
ولو رحل من منى، فغربت الشمس عليه، وهو سائر قبل انفصاله منها، لم يلزمه الرمي أيضاً ولا المبيت؛ لأن عليه في الحط بعد الارتحال مشقة.
نعم: لو كان مشغولاً بالتأهب، فغربت الشمس؛ فوجهان في "الشامل" وغيره:
أحدهما: لا يلزمه المقام، وهو المذكور في "تعليق القاضي أبي الطيب" لا غير، واختاره في "المرشد".
وقال الرافعي: إن الأصح مقابله، وقد حكاه فيما لو نفر قبل الغروب، ثم عاد
стр. 3595
قبل الغروب أو بعده.
وكلام الإمام يقتضي الجزم به فيما إذا غربت عليه بعد أن ارتحل، ولم يفارق مني؛ فإنه قال: "وإن لم يفارق الشاحط منى حتى غابت الشمس يثبت المبيت عليه.
والصحيح الأول، وبه جزم أكثرهم.
قال [الأصحاب:] ويستحب إذا خرج من منى أن ينزل بالمحصب لما روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ونحن منى: "نحن نازلون [غداً بخيف] بنى كنانة؛ حيث تقاسموا على الكفر: وذلك أن قريشاً وبني كنانة تحالفتا على بني هاشم وبني عبد المطلب: ألا يناكحوهم، ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عيه وسلم، يعني: بذلك المحصب. انتهى.
وروى أبو داود عن ابن عمر أنه كان يهجع هجعة بالبطحاء، ثم يدخل مكة، ويزعم أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك.
وأخرجه البخاري بمعناه، وأخرج مسلم نحوه.
قال الشيخ أبو حامد والقاضي الحسين:
ونزول المحصب دأب [الصالحين].
قلت: ومنهم أبو بكر، وعمر – ﵄ – فإن مسلم بن الحجاج روى عن
стр. 3596
ابن عمر أن النبي ﷺ ، وأبا بكر، وعمر كانوا ينزلون الأبطح. انتهى.
والأبطح: هو المحصب، وهو ما بين الجبل الذي عنده مقابر مكة، والجبل الذي يقابله مصعداً في الشق الأيسر، وأنت ذاهب إلى منى مرتفعاً، وليست المقبرة منه، وسمي بـ"المحصب"، لاجتماع الحصى فيه لأنه منهبط، والسيل يحمل الحصى إليه من الجمار.
قال الشافعي في القديم: وإذا نزله، صلى به الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، إن اختار ذلك، ثم أفاض في جوف الليل إلى مكة؛ فهكذا فعل ابن عمر، وإن لم ينزله صلاها بـ"مكة".
وأشار بفعل ابن عمر إلى ما ذكرناه من قبل.
فإن قلت: قد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة – ﵂ – أنها قالت: "إنما نزل رسول الله ﷺ المحصب؛ ليكون أسمح لخروجه، وليس بسنة، فمن شاء نزله، ومن شاء لم ينزله".
وروى أبو داود عن أبي رافع، وهو مولى رسول الله ﷺ [قال]: "لم يأمرني أن أنزله ولكن ضربت قبته فنزله".
قال مسدد: وكان على ثَقَل النبي ﷺ .
وقال عثمان – وهو ابن أبي شيبة -: يعني [في] الأبطح. وأخرجه مسلم.
وهذا يمنع أن يكون سنة [في الحج]؛ فوقع التعارض.
قلنا: يحمل قول عائشة – ﵂ – وغيرها على أنه ليس بسنة في الحج، ونحن نقول بأنه غير سنة فيه ولا نسكاً؛ حتى لا يجبر تركه بدم.
стр. 3597
قال: ويستحب لمن حج – أي: أو اعتمر – أن يدخل البيت؛ لأن رسول الله ﷺ دخله؛ روى أبو داود عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد، وعثمان بن [أبي] طلحة، وبلال، فأغلقها عليه، فمكث فيها، قال عبد الله بن عمر: فسألت بلالاً حين خرج: ما صنع رسول الله ﷺ ؟ قال: "جعل عموداً عن يساره وعمودين عن يمينه، وثلاث أعمدة من ورائه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة – ثم صلى".
وفي رواية: "ثم صلى، وبينه وبين القبلة ثلاثة أذرع".
وفي رواية: "نسيت أن أسأله كم صلى؟ ". وأخرجه البخاري ومسلم.
وجاء في حديث آخر: "من دخل البيت، دخل في حسنه، وخرج من سيئة مغفوراً له".
ولكن قد جاء في الخبر ما يدل على كراهة دخوله؛ روى أبو داود عن عائشة – ﵂ – أن النبي ﷺ خرج من عندها وهو مسرور، ثم رجع إليها وهو كئيب، فقال: "إني دخلت الكعبة، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما دخلتها؛ إني أخاف أن أكون قد شققت على أمتي"، وأخرجه الترمذي، وقال: إنه حديث حسن صحيح.
قال: حافياً؛ تعظيماً له.
стр. 3598
قال القاضي أبو الطيب: و [قد] روي أنه – ﵇ – لما دخله، لم يرفع رأسه إلى السقف حتى خرج؛ تعظيماً له.
قال: و [هو] من سنن دخوله.
وقد روي عن عائشة – ﵂ – أنها قالت: "عجباً للمرء المسلم إذا دخل الكعبة كيف يرع بصره قبل السقف؟! ليدع ذلك؛ إجلالاً لله تعالى، وإعظاماً؛ دخل رسول الله ﷺ الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها".
قال: ويصلي فيه – أي: النفل – اقتداء به ﷺ ؛ فإنه صلى [فيه كما ذكرناه.
وروى أبو داود عن عبد الرحمن بن صفوان قال:
قلت لعمر بن الخطاب: كيف صنع رسول الله ﷺ حين] دخل الكعبة؟ قال: "صلى ركعتين".
والأفضل إذا صلى أن يقصد مصلى رسول الله ﷺ ، فإذا دخل من الباب مشى حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريباً من ثلاثة أذرع، فيصلي، لما ذكرناه، ويكون مساؤه في جوانبه من الدعوات المهمة، مع حضور القلب والخشوع، وليكبر، وليعلم أنه في أفضل الأرض.
فإن قيل: قد أخرج البخاري عن ابن عباس:"أن النبي ﷺ حين دخل البيت، كبر في نواحيه، وفي زواياهن ثم خرج، ولم يصل فيه"، وهذا معارض لما تقدم.
قلنا: لا تعارض؛ لأن "الأول إثبات وهذا نفي، والإثبات مقدم".
أما صلاة الفرض، فالقياس أن تكون خارجاً عنه أفضل؛ للخروج من خلاف الأئمة؛ فإن مالكاً – ﵀ – لا يرى بالصحة؛ وهذا كما قلنا: إن الأفضل إيقاع ما فاته من الصلاة منفرداً؛ للخروج من خلاف أبو حنيفة – ﵀ – فإنه لا يرى
стр. 3599
بصحة ذلك في جماعة.
لن في مناسك النواوي: انه إن رجا كثرة جماعة، فالصلاة خارجها أفضل، وإن كان لا يرجوها، فداخل البيت أفضل.
ويستحب – أيضاً – ألا يدخله إلا تائباً، [منيباً، قد اقلع عن معاصيه وأخلص طاعته.
قال النواوي في "الروضة":] واستحباب الدخول مشروط بما إذا لم يؤذِ غيره، أو يتأذى هو به؛ بزحام أو غيره.
واعلم أنه قد يؤخذ من استحباب دخول البيت دخول الحجر؛ لأنه منه كما تقدم؛ ويدل عليه ما ذكرناه من حديث عائشة ﵂، وقد صرح الصحاب بأنه
стр. 3600
يختار له دخوله وتكراره؛ لأن دخوله سهل، وأن يدعو تحت الميزاب؛ لأنه - عيه السلام - قال:"ما من أحد يدعو تحت الميزاب إلا استجيب له".
قال: ويشرب من ماء زمزم لما أحب؛ لرواية جابر: أنه ﷺ قال: "ماء زمزم لما شرب له"، وقد شربه جماعة من العلماء لمطالب لهم جليلة، فنالوها.
روى عن الشافعي ﵁ أنه قال: " [شربته لثلاث: للرمي؛ فكنت أصيب العشرة من العشرة،] والتسعة من العشرة، وللعلم؛ فها أنا كما تروني، ولدخول الجنة، وأرجو حصول ذلك".
ويستحب لمن أراد شربه؛ للمغفرة، أو للشفاء من مرض، ونحوه - أن يستقبل القبلة، [ثم يذكر اسم الله تعالى]، ثم يقول: "اللهم إنه بلغني عن رسولك ﷺ أنه قال: "ماء زمزم لما شرب له" اللهم إني أشربه؛ لتغفر لي، أو لتعافيني أو لتعطيني كذا وكذا" مما يريد من آخرته ودنياه.
وزمزم: بئر في المسجد الحرام، بينه وبين الكعبة ثمانية وثلاثون ذراعاً.
وسميت: زمزم؛ لكثرة مائها، يقال: ماء زمزم، وزمزوم، وزمام؛ إذا كان كثيراً.
وقيل: لضم هاجر: أم إسماعيل ﵇ لمائها حين انفرجت؛ كما تقدم
стр. 3601
[لكثرته وقيل وزمها إياه].
وقيل: لزمزمة جبريل – ﵇ – وكلامه.
وقيل: إنها غير مشتقة.
وقد قيل: إن عليًّا – كرم الله وجهه – قال: "خير بئر في الأرض زمزم، شر بئر في الأرض بهروت".
قال: ويتنفس ثلاثاً؛ لأنه سنة الشارب من غيره؛ كما ورد عنه – ﵇ فكيف منه؟!
قال: ويتضلع منه: لما روى عطاء: أنه – ﵇ – لما أفاض، نزع هو لنفسه بدلو من بئر زمزم، ولم ينزع معه أحد، فشربن ثم أفرغ باقي الدلو في البئر.
وجه الدلالة منه: أنه لما شرب من نزع بني عبد المطلب – كما تقدم ذكره – ومن نزعه – كما دل عليه هذا الخبر – أفاد ذلك القطع بأن أحد الشربين كافٍ في الشربين غالباً.
والتضلع – لغة – الامتلاء شبعاً وريًّا.
وقد روى عن ابن عباس انه سأل رجلاً شرب من زمزم؛ فقال: هل شربت كما يجب؟ فقال: وما الذي يجب؟ قال: أن تتضلع منها؛ فإن آية ما بيننا وبين المنافقين: أنهم لا يتضلعون من زمزم.
стр. 3602
قال: ويكثر [من] الاعتمار؛ لأنه – ﵇ – بعد الهجرة اعتمر أربع مرات: في ذي القعدة عمرة من الحديبية أو زمن الحديبية، وعمرة من العام المقبل، وعمرة من جعرانة؛ حيث قسم غنائم حنين، وعمرة مع حجة.
وحج مرة واحدة بعدما هاجر، وبمكة أخرى، وروى هذا كله مسلم بمعناه.
وقال – ﵇ – "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة". رواه البخاري [ومسلم].
واستحباب الإكثار من الاعتمار في رمضان أشد، قال- ﵇ – "عمرة في رمضان تقضي حجة" أو "حجة معي". أخرجه مسلم، والله أعلم.
قال: والنظر إلى البيت؛ لأنه عبادة، وقد جاءت آثار كثيرة في فضل النظر إليه، وورد تقدير الأجر عليه؛ قال – ﵇: "يُنزل الله – ﵎ –على هذا البيت في كل يوم عشرين ومائة رحمة؛ ستون منها للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين"؛ كذا ذكره الماوردي عن رواية عطاء عن ابن عباس.
قال الأصحاب: وينظر إليه إيماناً واحتساباً.
ومن هنا يؤخذ: أن [إكثار] الطواف المجرد مستحب أيضاً؛ لأنه إذا استحب الإكثار من النظر إلى البيت مع أن الأجر المرتب عليه أقل من الأجر المرتب على الطواف – كان الإكثار من الطواف أولى، وقد صرح به الأصحاب.
وزاد في "الحاوي" لأجل ذلك فقال:
إنه أفضل من الصلاة، واستدل له – أيضاً – برواية [أبي] الزناد، عن الأعرج، عن
стр. 3603
أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "أكرم سكان أهل السماء على الله الذين يطوفون حول عرشه، وأكرم سكان أهل الأرض الذين يطوفون حول بيته".
قال في "الروضة": وظاهر عبارة صاحب "المهذب" وآخرين في قولهم: "أفضل عبادات البدن الصلاة": أنها أفضل منه، ولا ينكر هذا.
ويقال: الطواف صلاة إلا أن الصلاة عند الإطلاق لا تنصرف إليهن لا سيما في كتب المصنفين الموضوعة للإيضاح، وهو أقوى في الدليل.
قال: ويكون آخره عهده بالبيت إذا خرج النظر إليه إلى أن يغيب عنه؛ لأن ذلك أبلغ في تعظيمه، وفي المحافظة على تحصيل الأجر المطلوب بالنظر إليه، وهذا ما حكى عن أبي عبد الله الزبيري وغيره من أصحابنا.
وقيل: يلتفت إليه من انصرافه كالمتحزن على مفارقته.
قال النواوي في "المناسك": والمذهب الصحيح الذي جزم به جماعات من أئمة أصحابنا – منهم أبو عبد الله الحليمي، والماوردي، وآخرون: أنه يخرج، ويولي ظهره إلى الكعبة، [ولا ميشي] قهقري كما يفعله كثير من الناس.
قالوا: بل المشي قهقري مكروه؛ فإنه ليس فيه سنة مروية، ولا أثر محكي، وما لا أصل له؛ فلا يعرج عليه.
وقد جاء عن ابن عباس ومجاهد كراهة قيام الرجل على باب المسجد ناظراً إلى الكعبة إذا أراد الانصراف إلى وطنه، بل يكون آخر عهده الطواف.
وقد استحب لمن حج أو اعتمر أيضاً: أن يختم القرآن العظيم بمكة قبل رجوعه، وأن ينوي الاعتكاف كلما دخل المسجد الحرام؟! فإن الاعتكاف مستحب لكل من دخل مسجداً من المساجد، فكيف الظن بالمسجد الحرام؛ ولهذا المعنى لم يذكر الشيخ ذلك؛ لأنه إنما ذكر ما هو من خصائص تلك المواضع.
стр. 3604
نعم: بقي من المستحبات ثم: زيارة المواضع المشهورة بالفضل في "مكة" والحرم، ولم يذكرها الشيخ.
وقد قيل: إن تلك المواضع ثمانية عشر [موضعاً]، منها: البيت الذي ولد فيه رسول الله ﷺ ، وهو اليوم في مسجد في زقاق، يقال له: زقاق المولد.
وذكر الأزرقي: أنه لا خلاف فيه.
ومنها: بيت خديجة الذي كان يسكنه رسول الله ﷺ وخديجة، وفيه [ولدت أولادها] من رسول الله ﷺ [وفيه توفيت، ولم يزل ﵇] مقيماً به حتى هاجر، ثم اشتراه معاوية – وهو خليفة- من عقيل بن أبي طالب، فجعله مسجداً.
ومنها: مسجد في دار الأرقم، وهي التي يقال لها: دار الخيزران، كان النبي ﷺ مستتراً فيه في أول الإسلام، وهو عند الصفا، وفيه أسلم عمر بن الخطاب ﵁.
ومنها: الغار الذي بجبل حراء، كان – ﵇ – يتعبد فيه.
والغار الذي بجبل ثور، وهو المذكور في القرآن؛ [قال الله تعالى: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠]].
قال: وإذا أراد الخروج إلى بلده من أي موضع كان فيه، سواء فيه مكة ومنى بعد قضاء النسك أي: وجميع أشغاله – طاف للوداع – أي: طوافاً كاملاً – فيصلي ركعتين؛ لما روى أبو داود عن ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال النبي ﷺ : "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت".
قال في مختصر السنن: وقد أخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه.
وروى أبو داود عن عائشة – ﵂ – قالت: "أحرمت من التنعيم بعمرة؛
стр. 3605
فقضيت عمرتي، وانتظرني رسول الله ﷺ بالأبطح حتى فرغت، وأمر الناس بالرحيل"، قالت:"وأتى رسول الله صلى الله عيه وسلم البيت، فطاف به، ثم خرج".
ولا يرمل في هذا الطواف، ولا يضطبع؛ لما تقدم؛ وقد نص عليه.
والوداع: بفتح الواو.
وهل هذا الطواف من المناسك؟
اختلف فيه، وأثره يظهر في المكي إذا خرج من مكة قاصداً مسافة القصر:
فالذي قاله الغزالي: إنه من المناسك، وليس على الحاج من مكة وداع لخروجه منها.
وهو في ذلك متبع للإمام؛ فإنه قال: إنه من مناسك الحج – وإن [وقع] بعدها – وليس على الحاج من مكة وداع؛ لخروجه منها؛ حتى إن الغريب لو نوى الإقامة بمكة بعد قضاء المناسك، ثم عنَّ له السفر، فلا وداع عليه.
وليس الخروج في اقتضاء [الوداع كدخول الغرباء مكة في اقتضاء] الإحرام، وإن في بعض الطرق رمزاً إلى أن المكيين إذا عنَّ لهم أن ينفروا – أي: من منى – ويخرجوا مع الغرباء: أنهم يودِّعون، وأنه لا خلاف أنهم إذا عنَّ لهم هذا بعد العود إلى مكة فلا وداع.
والذي قاله صاحب "التتمة" و"التهذيب" وغيرهما: إنه ليس من المناسك، بل يؤمر به من أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر، سواء كان مكيًّا أو آفاقيًّا.
قال الرافعي: وهذا أقرب؛ تعظيماً للحرم، وتشبيهاً لاقتضاء خروجه للوداع باقتضاء دخوله للإحرام.
ولأنهم اتفقوا كما سنذكره على أن المكي إذا حج وهو على أن يقيم بوطنه [و] لا يمر بطواف الوداع، [وكذا الآفاقي إذا حج، وأراد الإقامة بمكة، لا وداع] عليه، ولو كان من جملة المناسك، لعم الحجيج.
стр. 3606
قال في "الروضة": قلت: ومما يستدل به من السنة لكونه ليس من المناسك- ما ثبت في صحيح مسلم وغيره: أن رسول الله ﷺ قال: "يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً".
وجه الدلالة: أن طواف الوداع يكون عند الرجوع، فسماه قبله: قاضياً للمناسك، وحقيقته أن يكون قضاها كلها.
وقد اقتضى كلام الشيخ انه لا يستحب الاغتسال لهذا الطواف، إذ لو كان مستحباً عنده لذكره كما في طواف الزيارة، وهو ما ذكره في "الوسيط" [عن الجديد، وأنه استحب الاغتسال في القديم].
قال: ولم يقم بعده، أي: القضاء شغل بقي عليه، أو زيارة صديق، ونحو ذلك؛ لأنه [لو أقام لم يكن مودعاً، ولم يكن آخر عهده الطواف].
قال: فإن أقام [أي: لما ذكرناه] لم يعتد بطوافه عن الوداع؛ لما ذكرناه.
نعم: لو تشاغل بأسباب الخروج: كشراء الزاد، وشد الرحل، ونحوهما، فهل يحتاج إلى إعادته؟ [فيه] ثلاثة طرق:
[أحدها - وهو] الذي قطع به الجمهور: أنه لا يحتاج، ومنهم صاحب "التهذيب"، والقاضي الحسين.
وفي "تعليق البندنيجي": أنه إذا تشاغل بترتيب رحله وقضاء حوائجه، غير شراء الخبز، ونحوه - بطل وداعه.
وإذا جمعت بين النقلين، جاءك في شد الرحل وجهان، وقد حكاهما الرافعي عن رواية الإمام، وأنهما جاريان في شراء الزاد.
والذي رأيته في "النهاية" في هذا الموضع حكاية تردد في التعريج على أمر قبل طواف القدوم، وقال: إنهم قطعوا بأن التعريج بعد طواف الوداع يفسده.
стр. 3607
ولو أقيمت الصلاة عقيب طوافه، فصلاها، لم يعده؛ قاله في "المهذب" وغيره.
قال: ومن ترك طواف الوداع، لزمه دم في أحد القولين.
الخلاف في لزوم الدم ينبني على أن طواف الوداع واجب أم لا؟ وسيأتي الكلام عليه:
فإن أوجبناه – وهو الجديد؛ كما قال القاضي الحسين، وقال البندنيجي وابن الصباغ: إنه الذي نص عليه في "القديم" و"الأم"، والأصح عند البغوي وصاحب العدة والنواوي – وَجَبَ الدم بتركه.
وإلا فلا يجب، وهوا لأصح في "تعليق القاضي الحسين"، وقال البندنيجي: إنه الجديد، وعن بعضهم القطع به.
ويستقر الدم على الأول بانتهائه إلى مسافة القصر؛ حتى لو عاد، وطافه، لم يسقط.
قال في "المهذب": لأن هذا الطواف عن الخروج الثاني، فلا يجزئه عن الأول؛ وهذا منه يدل على اعتقاده أنه ليس بنسك؛ كما تقدم.
ومن هنا يظهر لك: أنه لا يجب عليه – والحالة هذه – العود لأجله، وبه صرح غيره.
وقد حكى الإمام عن رواية الشيخ أبي علي وغيره قولاً آخر:
أنه لو عاد من مسافة القصر، أمكنه أن يتدارك الوداع، وأن هذا القائل لا يوجب العود، ولكنه يجوِّزه.
وعلى هذا فهل يكفيه طواف واحد للوداع الأول والثاني، أو لابد من طوافين؟ فيه وجهان:
والثاني: رواه صاحب "التقريب"، وضعفه الإمام.
والمشهور: عدم إمكان التدارك واستقرار الدم بالانتهاء إلى مسافة القصر.
نعم: لو رجع قبل انتهائه إلى مسافة القصر، [أمكنه التدارك، فإذا فعله، سقط عنه الدم؛ لأنه في حكم المقيم؛ وهذا ما نص عليه؛ كما] قال الإمام.
ومن هنا يظهر لك أنه يجب عليه العود لأجله قبل انتهائه إلى مسافة القصر؛ كما صرح به الأصحاب.
стр. 3608
وحكى الإمام قولاً مخرجاً في المسألة: أنه لا يمكنه التدارك والحالة هذه، وسنذكر ممَّ خرَّج؟
وقد روى عن عمر – ﵁ – أنه رد رجلاً لم يودع من بطن مر.
قال: وإن نفرت الحائض بلا وداع، لم يلزمها دم؛ لما روى [مسلم] عن عائشة قالت: حاضت صفية بنت حيي بعدما أفاضت، قالت عائشة: فذكرت حيضتها لرسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "أحابستنا هي؟ " قال: فقلت: يا رسول الله، إنها كانت قد أفاضت، وطافت بالبيت، ثم حاضت بعد الإفاضة، فقال رسول الله ﷺ : "فلتنفر".
وجه الدلالة منه: أنه أمرها بالنفر، ولم يأمرها بالدم، ولو كان واجباً لبينه، كما فعلفي حديث كعب بن عجرة؛ فإنه لا يجوز له تأخير البيان عن وقت الحاجة.
نعم: لو نفرت ثم طهرت قبل مفارقتها بنيان مكة، كان حكمها حكم الطاهر [في الوداع].
وإن كان بعد مفارقة البنيان، فهي كما لو لم تطهر، قاله القاضي أبو الطيب، والماوردي، والقاضي الحسين، والشيخ في"المهذب"، وغيرهم وعزاه الإمام إلى النص، وقال: إن من الأصحاب من خرج من نصه على أن الرجل إذا خرج من غير وداع ولم ينته إلى مسافة القصر: أنه يمكنه التدارك؛ بأن يعود [ويطوف] ويسقط [عنه الدم]: أنه يلزمها العود إذا لم تنته إلى مسافة القصر، فإن لم تعد، لزمها الدم.
كما خرج من هنا إلى ثم قولاً: أنه لا يمكنه التدارك بالعود، ويستقر عليه الدم، وجعل في المسألتين قولين:
وإن منهم من أقر النصين، وهو الأصح في الرافعي.
والفرق: أن المرأة حين المفارقة، لم تكن من أهل الوداع، بخلاف الرجل.
стр. 3609
قال: ثم إذا قلنا باعتبار مفارقة الخطة، فيعود الوجهان المذكوران في باب المواقيت في أن مفارقة العمران هي المرعيَّة أو مفارقة الحرم؟ وقد تقدم ذكر الوجهين، وهما جاريان هنا.
فرع: إذا رأت المرأة الدم في زمان الإمكان، فتركت طواف الوداع، وانصرفت، ثم اتصل بها الدم، وجاوزت خمسة عشر يوماً – فإنها مستحاضة:
فإن [كان] تركها الطواف في الحالة التي حكمنا عليها فيها بأنها حائض، فلا شيء عليها.
وإن كانت تركته في الحالة التي حكمنا عليها فيها بأنها طاهرة، تبينا ثبوت الدم في ذمتها، وحكمها لا يخفى مما تقدم؛ قاله أبو الطيب، وعزاه البندنيجي إلى نصه في الأم.
قال: وإذا فرغ من [طواف الوداع]، وقف في الملتزم بين الركن [أي: الأسود] الباب، ويدعو؛ لأن الملتزم من المواضع التي يستجاب فيها الدعاء. وهو بفتح الزاي، سمي بذلك؛ لأنهم يلتزمون في الدعاء.
ويقال له: المدعي، والمتعوذ بفتح الواو.
قال: فيقول: "اللهم البيت بيتك، والعبد عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، حتى سيرتني في بلادك، وبلغتني نعمك؛ حتى أعنتني على قضاء مناسكك، فإن كنت رضيت عني، فازدد عني رضا، وإلا فَمُنَّ الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، [ويبعدك عنه مزاري]، هذا أوان انصرافي إن أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك، ولا راغب عنك، ولا عن بيتك، اللهم فأصحبني العافية في بدني، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي خير الدنيا والآخرة؛ إنك على كل شيء قدير"؛ لأنه روي ذلك عن صالحي السلف، وهو دعاء يليق بالحال.
стр. 3610
والمنقول عن الشافعي – ﵁ – أنه استحبه في "الإملاء"، وفي مختصر الحج الصغير من أوله إلى قوله: "ما أبقيتني"، وأن القاضي أبا حامد في جامعه زاد باقيه؛ كذا قاله ابن الصباغ.
وقوله: "فمن الآن" يجوز فيه ثلاثة [أوجه]:
أجودها ضم الميم، وتشديد النون.
والثاني: كسر الميم، وتخفيف النون وفتحها.
والثالث: كذلك، لكن النون مكسورة.
وقوله "الآن": هو الوقت الحاضر، [هذا حقيقته وقد يقع على التقريب من الماضي، والمستقبل؛ تنزيلاً له منزلة الحاضر] ومنه قوله تعالى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧]، قيل: تقديره: فالآن أبحنا لكم مباشرتهن؛ فعلى هذا هو في الآية [على] حقيقته.
وقوله: "قبل أن تنأى عن بيتك داري"، أي: تبعد.
والأوان [الحِين، والوقت] وجمعه: آونة، مثل: زمان وأزمنة.
قال: ويصلي على النبي ﷺ ؛ لأن بذلك رجاء الإجابة.
قال النواوي في "المناسك":
ويتعلق الداعي بهذا الدعاء بأستار الكعبة في تضرعه.
وقد روى أبو داود عن عبد الرحمن بن صفوان أنه رأى رسول الله ﷺ عام الفتح قد خرج من الكعبة هو وأصحابه، قد استلموا البيت من الباب إلى الحطيم، وقد وضعوا خدودهم على البيت، ورسول الله ﷺ وسطهم.
وإذا فرغ من الوداع، أتى زمزم، فشرب من مائها متزوداً، ثم يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه، ويقبله، ويمضي.
следующие страницы →