Полный текст (9 685 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.
стр. 3536
بالحصول في المرمى.
الرابع: أنه لو رمى حصاتين دفعة واحدة، لا يعتد بهما، سواء وقعتا متساويتين، أو متعاقبتين، وهو المذهب.
[و] الذي حكام القاضي الحسين عن النص: أنه يعتد له بواحدة منهما، وكذا لو رمى السبع دفعة واحدة، ولم يحك غيره.
وغيره من المراوزة حكى وجهاً بعيداً فيما إذا رمى دفعة بحصاتين، وتلاحقتا في الوقوع، ولم يتساويا-: أنه يعتد بهما اثنتين.
نعم، حكى القاضي - وتبعه المتولي - فيما لو رماهما في دفعتين، وتساويتا في الوقوع [وجها: أنه لا يجزئه إلا واحدة منهما؛ نظراً إلى الوقوع،] وكذا لو رماهما على التعاقب، فوقعت الثانية قبل الأولى، لم تحتسب له إلا واحدة على وجه، والمذهب خلافه.
الخامس: أنه لو وقع الشك في أن الحصاة وقعت في المرمى [أم لا تجزئه؛ لأنه جعل الواجبَ، الرميَ] إلى الجمرة، وقد حصل، وهو قول قديم؛ لأن الظاهر؛ أن الحصاة سقطت فيه.
لكن الجديد: المنع؛ لأن الفرض حصول الحصاة برميه في المرمى؛ فلا تسقط بالشك، وقد قطع بعضهم به، وقال: إن الأول ليس بمذهب للإمام الشافعي ﵁ وإنما حكاه عن غيره.
السادس: أنه لو أخذ حصاة واحدة، ورمى بها [ثم عاد، وأخذها، ورمى بها،] وكذا سبع مرات في يوم واحد - لا يجزئه، وهو وجه حكاه القاضي الحسين وغيره، وأن المزني اختاره، وهو الأظهر في "النهاية".
لكن الظاهر من نص "المختصر"، وهو الذي صححه في "التهذيب": أنه يجزئه مع الكراهة؛ كما لورمى هو بها في جمرة أخرى، أو في يوم آخر؛ وهذا يشعر بموافقة المزني على ذلك، وكلام القاضي أبي الطيب وغيره يقتضي مخالفته فيه أيضاً؛ لأنهم
стр. 3537
قالوا: الذي نض عليه في "المختصر": أنه يجزئه ما رمى به هو وغيره، وقال المزني: إنه يجزئه ما رمى به غيره، ولا يجزئه ما رمى هو به.
وقد قيل: إن هذا غلط.
وعلى المذهب يكفيه للجمرات كلها حجر واحد؛ كما تتأدى به الكفارة بمد واحد؛ بأن يدفعه لفقير، ثم يشتريه منه [، ثم يدفعه لآخر، ويشتريه منه]، وهكذا إلى أن يتم المقصود، وليس كالماء إذا استعمل في الطهارة مرة لا يستعمل فيها مرة أخرى؛ لأن ثم انتقل إليه مانع؛ فألحق بالمستهلك، ولا كذلك هنا، بل نظير الحصاة نظير الثوب؛ فيصلي فيه مراداً.
قال: ويكبر مع كل حصاة؛ للخبر.
قال الشافعي ﵁ – "فيقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد".
قال: ويرفع يديه حتى يرى بياض إبطه؛ لما ذكرناه من الخبر أول الباب، ولأنه أعون على الرمي.
قال الأصحاب: ولا يقف عند هذه الجمرة للدعاء؛ لما سنذكره، بل يدعو في منزله.
قال: والأولى أن يكون راكباً؛ اقتداء برسول الله ﷺ .
أشار الشيخ بذلك لما رواه جابر قال: رأيت رسول الله ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول لنا: "خذوا مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه". أخرجه مسلم.
قال في "المهذب" والمستحب أن يرمي من بطن الوادي؛ لما روت أم سلمة قالت: "رأيت رسول الله ﷺ يرمي من بطن الوادي، وهو راكب، وهو يكبر مع كل حصاة".
стр. 3538
وروى [مسلم] عن عبد الرحمن بن يزيد: أنه كان مع عبد الله بن مسعود، فأتى الجمرة، فاستبطن الوادي، فاستعرضها، فرماها من بطن الوادي بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة قال: فقلت: "يا [أداء عبد الرحمن، إن الناس يرمونها من فوقها" فقال: "هذا والذي لا إله غيره مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة".
وفي "الحاوي" أن الشافعي ﵁ – قال: "إنه لا يمكنه غير ذلك، لأنها على أكمة، ولا يتمكن من [الرمي إليه] إلا كذلك".
نعم: لو رمى الجمرة من فوقها، ولم يرمها من بطن الوادي، أجزأه؛ لأن عمر لما أتى الجمرة، ورأى زحام الناس صعد الجمرة، فرماها من فوقها.
قال ابن الصلاح في "المناسك": وإذا رمى من بطن الوادي جعل مكة والقبلة عن يساره ومنى وعرفة عن يمينه، ويستقبل العقبة.
وقطع الشيخ أبو حامد وغيره بأنه يقف مستقبل الجمرة، مستدبر الكعبة، وهو المذكور في "الشامل" وغيره.
وحكى في "الروضة" وجهاً آخر: أنه يقف فى بطن الوادي مستقبل الكعبة؛ فتكون الجمرة - على هذا - على جانبه الأيمن.
قال ابن الصلاح: وهذا قد رواه الترمذي والنسائي من حديث ابن مسعود.
والقول الأول هو المختار عندنا، وكذلك جعله النواوي في "الروضة" الصحيح؛
стр. 3539
لأنه جاء في مسلم والبخاري وغيرهما عن ابن معود أنه لما انتهي إلى الجمرة الكبرى، جعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ورمى الجمرة بسبع حميات، وقال: "هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة".
قال: ويقطع التلبية مع أول حصاة؛ لأن النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، أخرجه مسلم عن رواية الفضل بن عباس، وهو أعرف الناس بحال النبي ﷺ في هذا المكان؛ لأنه كان ردف النبي ﷺ من مزدلفة إلى منى.
والمعنى في ذلك: أنه مدعو إلى فعل جميع المناسك، فما لم يتحلل من إحرامه يستحب له التلبية [؛ لأنها إجابة الداعي، وإذا رمى فقد شرع في التحلل؛ فلم يستحب له التليية]؛ لأنه أخذ في فعل الانصراف، ولا معنى للإجابة في حال الانصراف.
وكذلك يستحب للمعتمر أن يقطع التلبية بأخذه في الطواف.
ولو شرع الحاج في خلاف الأولى، وهو تقديم الطواف على الرمي، أو الحلق، وقلنا: إنه نسك - كما سنذكره - قطع التلبية بشروعه فيه –أيضاً- لما ذكرناه.
ولو خالف السنة بأن قطع التلبية، وكبر قبل رمي جمرة العقبة وغيرها من أسباب التحلل، أو استدام التلبية، ولم يكبر إلى أن فرغ من [رمي] الجمرة - كان فاعلاً لمكروه، ولا فدية عليه.
وعن القفال: إن الحجاج إذا رحلوا من مزدلفة مزجوا التلبية بالتكبير في ممرهم، فإذا ابتدءوا في رمي جمرة العقبة محضوا التكبير.
قال الإمام: ولم أر ذكر المزج إلى الرمي لغيره.
قال: وإن رمى بعد نصف الليل، أجزأه؛ لما روى الشافعي ﵁ بإسناده عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ أرسل بأم سلمة ليلة النحر، فرمت جمرة العقبة قبل الفجر، ثم مضت، فأفاضت، وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول
стр. 3540
الله ﷺ ، يعني عندها.
وأخرجه أبو داود، وقال البيهقي: إن إسناده صحيح، لا غبار عليه.
وروي أنه أمرها أن تعجل الإفاضة، وأن توافي مكة مع صلاة الصبح.
قال الشافعي ﵁ – "وهذا يدل على جواز خروجها بعد نصف الليل، وقبل الفجر، وأن رميها كان قبل الفجر أيضاً؛ لأنها لا تصلي الصبح بـ"مكة" إلا وقد رمت قبل الفجر [بساعة].
ولأنه وقت يجوز الدفع فيه للمعذورين من مزدلفة؛ فجاز الرمي فيه لبعد طلوع الفجر؛ وهذا بيان أول وقت جواز الرمي، وأما آخره فلم يتعرض له الشيخ.
وقد قال القاصي الحسيين والماوردي وغيرهما: أنه غروب الشمس من يوم النحر.
وفي "النهاية" حكاية وجه: أنه يمتد إلى طلوع [الفجر أول] أيام التشريق [على وجه]؛ اعتباراً بالوقوف بـ"عرفة"؛ فإنه لما تعلق بالنهار والليل، تعلق بالليلة المستقيلة.
والأصح في الرافعي [و"الروضة" الأول لكن سيأتي; أن يقول: إن الصحيح فيما إذا أخَّرَ هذا الرمي إلى اليوم الأول أو الثاني أو الثالث من أيام التشريق – وقع أداءً؛ وهذا يدل على أن الوقت لم يخرج بما ذكر.
ويجوز أن يقال]: إن المراد هنا: خروج وقت الاختيار، والذي سيأتي المراد به: ييان وقت الجواز؛ وحينئذ يكون للرمي ثلاثة أوقات:
وقت فضيلة: وهو بعد طلوع الشمس إلى الزوال.
ووقت اختيار: وهو من الزوال إلى الغروب.
стр. 3541
ووقت جواز: وهو إلى آخر أيام التشريق في حق من لم يتعجل، والله أعلم.
قال: وإذا رمى، ذبح هدياً إن كان معه؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، يعني: الرمي، ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، يعني: نحر الهدي.
ولقول جابر في صفة حجه ﵇: "ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثاً وستين بدنة، ثم أعطى عليَّا [فنحر] ما عبر، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر، وطبخت؛ فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها".
وقد استحب الشافعي ﵁ لأجل ذلك أن يأكل من كبد هديه – إذا كان متطوعاً به - قبل أن يمضي إلى طواف الإفاضة، وأما إذا كان [واجباً فقد تقدم الكلام فيه، وأما إذا كان] منذوراً، فسيأتي حكمه، إن شاء الله تعالى.
ثم الهدي ما يهدى إلى الحرم من حيوان وغيره، والمراد هنا - كما قال النواوي:
стр. 3542
ما يجزئ في الأضحية من الإبل والبقر والغنم.
ويقال: هّدْيٌ، وهدِيُّ بإسكان الدال وتخفيف الياء، وبكسرها وتشديد الياء؛ ذكرهما الأزهري وغيره.
قال الأزهري: وأصله التشديد، والواحدة: هَدْية وهدِيَّة، ويقال: أهديت الهدي.
قال ابن الصلاح: ومن السنة التي غفل الناس عنها في هذا الزمان سياقة الهدي.
والأفضل أن يكون هدي الحاج والمعتمر معه من الميقات شعراً مقلداً؛ فإن ذلك سنة رسول الله ﷺ .
واعلم أن كلام الشيخ يقتضي أن وقت ذبح [الهدي] يدخل بالفراغ من الرمي، وكذلك الحلق والتقصير، وهو كذلك فيما إذا وقع الرمي في الوقت المسنون.
أما إذا وقع في أول وقت الجواز، وهو بعد نصف الليل، فليس كذلك؛ لأن القائل فى الهدي قائلان:
أما اختصاصه بيوم النحر، وأقام التشريق، أو لا؛ كما تقدمت الإشارة [إليه] في آخر باب كفارات الإحرام، ويأتي في باب الأضحية، وحينئذ فلا يكون موافقاً للرمي
стр. 3543
ولا مرتباً عليه.
وأما فى الحلق والتقصير، فلأن أول وقتهما أول وقت الرمي لا بعده، وليس لآخر وقتهما انتهاء، وهو إذا قلنا: إن الحلق نسك؛ كما سيأتي.
قال: وحلق أو قصر - أي شعر رأسه - لما رَوى جابر أنه ﷺ أمر أصحابه أن يحلقوا أو يقصروا.
لكن الأفضل للرجال الحلق؛ لقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، والعرب تبدأ بالأهم فالأهم، وهو الذي فعله رسول الله ﷺ .
وروى مسلم عن ابن عمر أن النبي ﷺ حلق رأسه في حجة الوداع.
وروى مسلم - أيضاً - عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ رمى جمرة العقبة، ثم انصرف إلى البدن فنحرها، والحجام جالس، وقال بيده عن رأسه، فحلق شقه الأيمن، فقسمه فيمن يليه، ثم قال: "احلق الشق الآخر"، فقال: "أين أبو طلحة: فأعطاه إيَّاه.
وروى مسلم –أيضاً- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: يا رسول الله، والمقصرين، قال: "اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: يا رسول الله، والمقصرين، قال: "والمقصرين".
ولو نذر الحلق في وقته، قال الغزالي: فلا خلاف في وجوبه، وقد نص عليه؛ كما قال الإمام.
стр. 3544
وقال الرافعي: إنه غير صافٍ عن الإشكال، و [قد] قال غيره - يعني: غير الغزالي: إنه إنما يلزم بالنذر على قولنا: إنه نسك، ولا يقوم التقصير مقام الحلق إذا نذره، وقلنا بانعقاد نذره.
وفي استئصال الشعر بالقص، وإمرار الموسى من غير استئصال تردد للإمام.
والظاهر المنع؛ لفوات اسم الحلق.
وقد ألحق في القديم تلبيد الشعر بالنذر، فأوجب على الملبد شعره حلقه، وقال: لا يجزئه غيره.
والجديد: لا.
قال الرافعي - تبعاً للإمام، والمسعودي: والقولان كالقولين في أن التقليد والإشعار، هل يتزل منزلة قوله: "جعلته أضحية".
والتلبيد: قد تقدمت صفته في باب الإحرام.
ويستحب للمقصر - كما قال القاضى الحسين-: أن يأخذ من شعر لحيته وشاربه.
قال: وأقل ما يجزئ [أي] أن يحلق أو يقصر - ثلاث شعرات؛ لأنها أقل الجمع؛ كما تقدم؛ وهذا بناء على أن الدم لا يكمل إلا في ثلاث شعرات.
أما إذا قلنا: أنه يكمل في شعرة - كما تقدم - كفى حلقها أو تقصيرها هنا؛ ومن هذا يظهر لك أنه لو حلق على المشهور شعرة، ثم شعرة، أو قصر شعرة ثم بعضها ثم استكملها، هل يكتفي بذلك أم لا؟
[إن] قلنا: إنه يكمل الجزاء بذلك إذا كان محظوراً كفى، وإلا فلا؛ وقد صرح به الرافعي والإمام.
ولا فرق فيما إذا قصَّرَ بين أن يكون [المأخوذ] مما يحاذي الرأس أو من المسترسل.
وفي وجه: لا يغني الأخذ من المسترسل؛ اعتباراً بالمسح.
قال ابن الصباغ: وليس بصحيح؛ لأنه يقع عليه اسم التقصير، فأجزأه، ويخالف
стр. 3545
المسح؛ لأنه مأمور يه في الرأس، والرأس ما ترأس وعلا، وها هنا المأمور يه التقصير، وذلك من أطراف الشعر.
ولا يقوم حلق شعر آخر، ولا تقصيره مقام حلق شعر الرأس في ذلك وإن استوى الكل في وجوب الفدية؛ إذا أخذ قبل الوقت؛ لأن الأمر ورد في شعر الرأس.
تنبيه: كما يحصل الحلق المجزئ بالموسى يحصل بالنورة، والقص، والنتف؛ نص عليه.
وكما يحصل التقصير المجزئ بالقص يحصل بالقطع بالسكين، والإحراق، لكن السنة الحلق بالموسى، [و] إليه يرشد قول الشيخ من بعد [حيث] قال: "والأفضل أن يحلق جميع رأسه"؛ اقتداء برسول الله ﷺ ، ويستحب أن يبدأ بمقدم رأسه، ويحلق الشق الأيمن، ثم الأسر [ثم الباقي] تأسياً به ﵇، ولو نذر حلق جميع رأسه، ففي لزومه تردد عن القفال، وله نظائر تأتي في باب النذر.
ويستحب أن يكون في حال الحلق والتقصير مستقبل القبلة، وأن يكبر بعد الفراغ من ذلك، وأن يدفن شعره.
قال: فإن لم يكن له شعر، استحب له أن يمر الموسى على رأسه؛ تشبهاً بالحالقين، وقد روي عن عمر أنه قال: "الأصلع يمر الموسى على رأسه".
قال الشافعي ﵁ "ولو أخذ من شاربه، أو من شعر لحيته شيئاً، كان أحب إليَّ كي لا يخلو من أخذ الشعر".
قال الأصحاب: وهذا -كما قلنا- فيمن قطعت يده عن فوق المرفق: أنه يغسل موضع القطع بالماء؛ كي لا تخلو الطهارة من غسل اليدين.
وقد يفهم من كلام الشافعي ﵁ أنه إذا أراد أخذ شيء من لحيته
стр. 3546
وشاربه، لا يمر الموسى على رأسه، وليس كذلك، بل الذي حكاه الإمام عن رواية الصيدلاني عنه: أنه يستحب المجموع.
ثم قال الإمام: ولست أرى للأخذ من الشارب وجهاً، إلا أن يكون أسنده إلى أثر.
قال: ولا نقول على قولنا: إن الحلاق نسك - ينبغي أن يصبر حتى ينبت شعره، ثم يحلقه.
وإنما لم يجب إمرار الموسى على رأسه؛ لأنه لو فعله في حال الإحرام، لم تلزمه الفدية.
ولأنها عبادة تعلقت بجزء من البدن، فسقطت بفواته، كغسل الأعضاء في الوضوء، [ويخالف المسح في الوضوء] حيث يجب مسح الرأس إذا لم يكن عليها شعر؛ لأن الوجوب في المسح متعلق بالرأس، وفي الحلق متعلق بالشعر، ولم يوجد.
تنبيه: الموسى يذكَّر ويؤنَّث.
قال ابن قتيية: [قال الكسائي:] هي "فعلى".
وقال غيره: هي "مُفعل" من أوسيت رأسه، أي: حلقته.
قال الجوهري: والكسائي والفرَّاء يقولان: "فُعلى" مؤنثة، وعبد الله بن سعيد الأموي يقول: "مفعل" مذكر.
قال أبو عبيد: لم يسمع تذكيره إلا من الأموي.
قال: والمرأة تقصر، ولا تحلق؛ لما روى أبو داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس على النساء الحلق، وإنما على النساء التقصير".
ولأن حلاق شعر المرأة مُثلة، والمثلة منهي عنها، فلو فعلته فقد فعلت مكروهاً؛ قاله في "الحاوي".
قال الشافعي ﵁: وأحب أن تجمع ضفائرها وتأخذ من أطرافه قدر
стр. 3547
أنملة؛ [لتعم الشعر كله]، وهكذا نقول في الرجل إذا قصر.
قال: وهل الحلاق أو التقصير نسك، أي: في الحج والعمرة؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه نسك، أي: فيثاب عليه؛ لقول النبي ﷺ : "إذا رميتم، وحلقتم [حل] لكم كل شيء إلا النساء"، علق الحل بالحلق، كما علقه بالرمي.
ولأن الحلق أفضل من التقصير، ويلزم بالنذر - كما تقدم، والتفضيل واللزوم بالنذر إنما يقع في القربات دون المباحات، وهذا هو الصحيح.
قال الإمام: وعلى هذا فهو ركن، وليس كالرمي والمبيت؛ فاعلم ذلك؛ فإنه متفق عليه، وآيته أنه مع الحكم بوجوبه لا يقوم الفداء مقامه؛ حنى لو فرض اعتلال في الرأس، تعسر معه التعرض للشعر، ولكنه كائن - فلا بد من التريث إلى إمكان الحلق - أي: أو التقصير - ولا يرد عليه إذا لم يكن له شعر؛ لأن النسك هو حلق ثم يشتمل الإحرام عليه، فإذا لم يكن على الرأس شعر في وقت الحلق، لم يتحقق ما ذكرناه.
[وما دكره] من الاتفاق على أنه ركن، فيه نظر؛ لأنا سنذكر عن الداركي عند الكلام في التحلل ما ينازع فيه، وهو مقتضى قول الشيخ: "وأفعال العمرة كلها أركان إلا الحلق"، فلو كان ركناً عنده على هذا القول، لم يستثنه لما عرفت أن هذا القول هو الصحيح عند الجمهور.
وأصرح من ذلك عَدَّه الحلقَ من الواجبات على أحد القولين.
[قال:] والثانى: أنه استباحة محظور - أي: فلا يثاب عليه - لقوله تعالى: ولا ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فحظر الحلق، وجعل لحظره غاية، وهي التحلل، فلم يجز أن يكون نسكاً يقع به التحلل.
ولأن كل ما لو فعله قبل وقته، لزمته الفدية، [فإذا فعله بعد وقته، لزمته الفدية،] فإذا فعله في وقته، كان استباحة محظور؛ كالطيب، واللباس، وهذا ما قال في
стр. 3548
"الحاوي": إنه أقيس.
وقال القاضي أبو الطيب عند الكلام في السعي: إنه الصحيح.
وفائدة الخلاف يأتي في الكتاب مع ما سنذكره معها، إن شاء الله تعالى.
والحلاق - بكسر الحاء – بمعنى: الحلق.
قال: ثم يخطب الإمام بعد الظهر بمنى، ويعلم الناس النحر والرمي والإفاضة.
أما استحباب الخطبة بمنى في هذا اليوم؛ فلما روى أبو داود عن أبي أمامة - وهو الباهلي قال: "سمعت [خطبة] رسول الله ﷺ بمنى يوم النحر".
وروى- أيضاً- عن الهرماس بن زياد الباهلي قال: "رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس على ناقته العضباء يوم الأضحى بمنى"، وأخرجه النسائي.
وعن الحناطي رواية وجه: أن موصع هذه الخطية مكة.
وأما كونها بعد الظهر؛ فلأنها خطبة مشروعة في الحج، فكانت بعد الظهر؛ كغيرها من الخطب فيه.
وما ذكره الشيخ هو الذي نص عليه في "المختصر"، ولم يحك أبو الطيب وابن الصباغ غيره.
لكن قد روى أبو داود عن رافع بن عمرو المزني قال: "رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء، وعلي ﵁ يعبر عنه، والناس بين قائم وقاعد". وأخرجه النسائي.
وأما كونه يعلم الناس فيها النحر والرمي والإفاضة؛ فلما روى أبو داود عن عبد الرحمن ابن معاذ التيمي قال: خطبنا رسول الله ﷺ [ونحن] بمنى، ففتحنا
стр. 3549
أسماعنا؛ حتى كنا سمع ما يقول ونحن في منازلنا، فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ الجمار، فوضع أصبعيه السبابتين، ثم قال: بحصى الخذف، وأخرجه النسائي.
فإن قيل: المستحب في النحر أن يكون قبل الزوال، فأي فائدة في تعليمهم سنته، وقد فات ذلك؟
قيل: فائدته: أن من وقع له فيه خلل تداركه كله؛ كما قلنا: إن المستحب في عيد الفطر: أن يؤدي زكاة الفطر، ثم يخرج إلى المصلى، ثم الإمام يخطب، ويعلمهم كيفية أدائها؛ كذا هنا؛ وهذه هي الخطبة الثالثة في الحج.
قال: ثم يفيض إلى مكة، ويغتسل ويطوف طواف الزيارة.
لا شك في أن الإفاضة إلى مكة في يوم النحر، لأجل الطواف مشروعة؛ لما سنذكره، والاغتسال له مسنون؛ لما تقدم وهو ما ادعى في "الوسيط": أنه قوله في القديم، وأنه لم يستحبه في الجديد، لاتساع وقته.
وقد اقتضى كلام الشيخ هنا وفي "المهذب": أن الإفاضة؛ لأجل الطواف تكون بعد الخطبة التي ذكر أنها تشرع بعد الظهر، وهو ما دل عليه كلام ابن الصباغ حيث قال: "يستحب أن يخطب الإمام يوم النحر بعد صلاة الظهر بمنى؛ فيعلِّم الناس النحر والرمي والمصير إلى طواف الإفاضة، وذلك وجه محكي في "تعليق القاضي أبي الطيب"؛ لأن عائشة قالت: "إن رسول الله ﷺ أفاض في آخر النهار من يوم النحر".
وروى أبو داود عنها في الخبر الذي سنذكره: أنها قالت: "أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى".
وروي عنها وعن ابن عباس "أن رسول الله ﷺ أخَّر الطواف يوم النحر إلى
стр. 3550
الليل".
وقال الترمذي: إنه حسن.
وهذا القائل كأنَّه - والله أعلم - أخذ ذلك من ترتيب المزني في "المختصر"؛ فإنه قال بعد ذكر النحر: "ويخطب الإمام بعد الظهر يوم النحر، ويطوف بالبيت طواف الفرض".
لكن الذي نص عليه [الشافعي ﵁] في "الأم"؛ كما قال أبو الطيب عند الكلام في الجبران: "أنه إذا رمى جمرة العقبة، ونحر، وحلق، مضى إلى مكة، فطاف، ثم عاد إلى منى، فصلى الظهر، وشهد الخطبة، وبه قال بعض الأصحاب.
وقال القاضي: إنه الصحيح، ولم يذكر القاضي الحسين والغزالي والرافعي غيره.
ووجهه ما روى مسلم عن [ابن] عمر أن رسول الله ﷺ أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى".
قال نافع: وكان ابن عمر يفيض يوم النحر، ثم يرجع، فيصلي الظهر بمنى، ويذكر أن النبي ﷺ فعله، وأخرجه البخاري مختصراً.
لكن في مسلم -أيضاً-: أن جابراً قال في صفة حج النبي ﷺ بعد أن أكل من لحم هديه وشرب من مرقه: "ثم ركب رسول الله ﷺ ، فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر"، وهذا بظاهره معارض لخبر ابن عمر.
وقد اختار القاضي أبو الطيب وجهاً ثالثاً في المسألة فقال: إن كان الزمان صيفاً
стр. 3551
عجل الإفاضة في أول النهار؛ لاتساعه، وإن كان شتاء أخرها؛ بقصر النهار.
تنبيه سمي هذا الطواف: طواف الزيارة؛ لإتيانهم البيت بعد مفارقتهم له، ولا يقيمون عنده، بل يرجعون إلى منى.
وسمي: طواف الإفاضة؛ لأنه يفعل بعد إفاضتهم من [منى] إلى مكة.
ويسمى: طواف الركن، والفرض، لأنه ركن الحج وفرضه.
ويسمى: طواف الصدر.
وقيل: باختصاص هذا الاسم بطواف القدوم.
قال: وأول وقته بعد نصف الليل من ليلة الحر، لأن ما بعد نصف الليل وقت لرمي جمرة العقبة؛ فكان وقنا لطواف الإفاضة؛ أصله: ما بعد طلوع الفجر.
قال القاضي أبو الطيب: وليس للشافعي في ذلك نص، إلا أن أصحابنا ألحقوه بالرمي في ابتداء الوقت.
قال: والمستحب أن يكون في يوم النحر؛ اقتداء برسول الله ﷺ .
وهل الأفضل أن يكون قبل الزوال أو بعده؟ فيه الخلاف السابق، والمذكور في "تعليق البندنيجي" و"الحاوي": أنه قبل الزوال.
قال: فإن أخره عنه - أي: ولو إلى آخر عمره؛ كما قال البندنيجي وغيره - جاز؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] ولم يوقِّت؛ فكان على إطلاقه.
وما ذكره الشيخ هو الذي ذكره الجمهور، وحكاه الإمام عن شيخه؛ حيث قال: "لو
стр. 3552
أخر طواف الركن إلى انقضاء أيام منى، فلا بأس، وفي قلبي منه شيء، والعلم عند الله سبحانه".
وقد حكى ابن التلمساني أنه لا يجوز له أن يخرج من مكة حتى يطوف.
وقال الماوردي: إنه يكون مسيئاً بتأخره بغير عذر عن يوم النحر.
وفي "التتمة": أنه إذا أخَّره حتى مضت أيام التشريق، وفعله كان قضاة، وإليه يرشد قول ابن الصباغ: "إذا خرج، ولم يكن طاف للوداع، وجب عليه الرجوع للطواف".
ولا يحل له النساء حتى يطوف وإن طال زمانه، وخرج وقته.
وبالجملة: فالكل متفقون على أنه لا يلزمه دم بالتأخير؛ لأنه أخَّر النسك عن وقت الاختيار إلى وقت الجواز؛ فلم يلزمه الدم؛ كما لو أخَّر الوقوف بعرفة عن النهار إلى الليل.
قلت: والذي يظهر لي: أن قول من قال: "إنه يجوز له تأخير الطواف إلى آخر العمر"، ليس على إطلاقه، بل هو محمول على ما إذا كان قد تحلل التحلل الأول، أما إذا لم يكن قد تحلل التحلل الأول، فلا يجوز له تأخيره وتأخير ما يحصل به التحلل الأول إلى آخر العمر، بل لا يجوز تأخيره إلى العام القابل؛ لأنه يصير مُحرِمًا بالحج في غير أشهره، [وسنذكر مادة ذلك في باب الفوات والإحصار عن الماوردي، إن
стр. 3553
شاء الله تعالى].
فرع: لو طاف للوداع، ولم يطف طواف الزيارة.
قال الأصحاب: وقع عن طواف الزيارة.
وعن بعضهم بناء ذلك على أنه لو صرف الطواف بالنية إلى غرض آخر، هل يفسد؟ فيه خلاف سبق:
فإن قلنا يفسد، لم يعتد بهذا الطواف عن الإفاضة، ولا عن الوداع؛ إذ لا وداع مع إيجاب الرجوع عليه حتماً.
وإن قلنا: لا يفسد، فالأمر كما تقدم.
قال: فإذا فرغ من الطواف، فإن كان قد سعى مع طواف القدوم، لم يسع؛ لأنه ﷺ ، لم يسع عقيبه؛ إذ كان قد سعى مع طواف القدوم.
وقد تقدم عن رواية مسلم عن جابر بن عبد الله قال: ولم يطف النبي ﷺ ، ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً" [فلو سعى] قال الشيخ أبو محمد: فقد فعل مكروهاً.
قال الإمام؛ والأمر كما ذكر.
قال: وإن لم يكن قد سعى أتى بالسعي؛ لأنه من أركان الحج؛ كما سيأتي بيانه، [وشرطه - كما تقدم: أن يكون عقيب طواف، ولم يبق في الحج طواف آخر يأتي به] قبل تمام التحلل غيره؛ فتعين.
فلو لم يفعله، وأتى بالمناسك التي بمنى، قال الإمام؛ اعتد بها.
ومن هنا يظهر [لك] ما قاله الأصحاب: إن لآخر وقت السعي زمناً
стр. 3554
معيناً؛ لأنه إذا جاز فعله عقيب طواف الزيارة، [وطواف الزيارة] لا آخر لوقته إلى آخر العمر، فكذلك [ما] يجوز فعله بعده، والسنة أن يفعل عقيب طواف القدوم.
ومما يشرع في هذا اليوم سنة بعد الطواف: الشرب من نبيذ سقاية العباس؛ لما روي أن النبي ﷺ أتى السقاية؛ ليشرب منها، فقال له العباس: إنه نبيذ قد خاضت فيه الأيدي، ووقع فيه الذباب ولنا في البيت نبيذ صافٍ، فقال النبي ﷺ "هات" فشرب ﷺ منه.
قال أبو الطيب: قال الشافعي- ﵁[ولم يكن] نبيذ سقاية العباس يسكر في جاهلية ولا إسلام، وإنما كان حلواً، وقد جاوز حَدَّ الحلاوة".
وإذ قد عرفت ما ذكره الشيخ من حين قوله: فإذا وصل إلى منى [إلى هنا]، عرفت أن المشروع إيقاعه في يوم النحر –كما ذكر- أربعة أشياء:
رمي جمرة العقبة بعد طلوع الشمس، وهو من [مناسك الحج].
ونحر الهدي بعده، وليس من مناسك الحج والعمرة بلا خلاف، وإنما هو قربة على حياله.
والحلق أو التقصير بعده، وهل هو من مناسك الحج والعمرة أو لا؟ فيه ما تقدم.
وطواف الزيارة بعد ذلك، وهو من مناسك الحج بلا خلاف.
وإيقاع ذلك على الترتيب الذي ذكره الشيخ مستحب، لا واجب بلا خلاف بين أصحابنا، إلا في الحلق –كما سنبينه- لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، يعني: الرمي، ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، يعني نحر الهدي، ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].
ولأنه – ﵇ فعلها كذلك.
стр. 3555
فلو قدم الطواف على الرمي جاز، وكذا لو قدم النحر على الرمي، أو قدم الحلق على النحر جاز؛ لرواية مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول [و] أتاه رجل يوم النحر، وهو واقف عند الجمرة، فقال: يا رسول الله، إني حلقت قبل أن أرمي؟ قال: "ارم ولا حرج"، [فأتاه آخر، فقال: إني ذبحت قبل أن أرمي؟ فقال: "ارم ولا حرج"] [فأتاه آخر فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي؟ قال: "ارم ولا حرج"] فما رأيته مثل يومئذ عن شيء إلا قال: "افعل ولا حرج".
وأخرج مسلم عن عبد الله المذكور، قال: وقف رسول الله ﷺ على راحلته، [فطفق الناس يسألونه، فيقول القائل منهم: يا رسول الله، إني لم أكن أشعر أن الرمي قل النحر؛ فنحرت قبل الرمي، فقال رسول الله ﷺ "ارم ولا حرج" قال:] فطفق آخر يقول: لم أشعر أن النحر قبل الحلق؛ فحلقت قبل أن أنحر، فيقول: "انحر ولا حرج"، قال: فما سمعته سُئل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء ويجهل إلا قال رسول الله ﷺ : "افعلوا ولا حرج".
ولو قدم الحلق على الرمي والطواف، قال الأصحاب: فإن قلنا: إن الحلق نسك، جاز – أيضاً- ولا شيء عليه، وعليه يدل الحديث السابق.
وبه –أيضاً- يستدل على أن الحلق نسك.
وإن قلنا: إنه استباحة محظور، فعليه الفدية؛ لوقوع الحلق قبل التحلل؛ وهذا البناء هو الذي ذكره الجمهور.
وعلى ما ذكرناه يدل قول الشيخ من بعد: فإن قلنا: إن الحلق نسك حصل له التحلل الأول ... إلى آخره.
стр. 3556
وقد حكى ابن كج عن أبي إسحاق وابن القطان: أنهما قالا: يلزمه الفدية، وإن قلنا: إن الحلق نسك.
وحكى الماوردي وجهاً وعزاه إلى أكثر البصريين من أصحابنا: أنه لا فدية عليه، وإن قلنا: إنه ليس بنسك؛ للحديث.
وحينئذ فلك أن تقول: في لزوم الدم وجهان، سواء قلنا: إن الحلق نسك أم لا.
قال: فإن قلنا: إن الحلق نسك، حصل له التحلل الأول باثنين من ثلاثة، وهى: الحلق، والرمى، والطواف؛ لما روى أبو داود عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا رمى أحدكم جمرة العقبة، فقد حل له كل شيء إلا النساء".
وفي كتب الفقهاء: أنه قال: إذا رميتم، وحلقتم، فقد حل لكم الطيب واللباس، وكل شيء إلا النساء.
وقد حكي عن القاضي أبي حامد المرْوَرُّوذي أنه قال في جامعه: على قولنا: إن الحلق نسك، يحصل له التحلل بالرمي وحده؛ لأن الشافعي ﵁ نص
стр. 3557
في [المنسكين] "الأوسط" و"الصغير": أنه يتحلل بالرمي.
قال القاضي أبو الطيب في تعليقه: وله وجه، وهو إذا قلنا: الحلق إطلاق محظور؛ فإنه إذا رمى جمرة العقبة، حصل له التحلل الأول، وقد بقي عليه سُنَّتان: الطواف، والسعي [؛ فكذلك إذا قلنا: الحلق نسك، يجب أن يحصل له [التحلل] بالرمي؛ لأنه يبقى عليه سنتان: الطواف] والحلق.
قلت: وهذا من القاضي قد يفهم تخصيص قول القاضي أبي حامد بما إذا كان قد سعى [مع طواف القدوم، أما إذا لم يكن قد معى] فلا؛ لأنه على هذا يكون قد بقى عليه أكثر مما أتى يه، وهو ثلاثة أشياء، وليس كذلك؛ لما ستعرفه.
وقد قال الإمام - تبعًا للقاضي الحسين، وتبعهما الغزالي: إن السعي مع الطواف في حق من لم يسع يعدان شيئاً واحداً.
ويأتي فى المسألة وجه آخر من قول الإصطخري الذي سنذكره: "إن دخول وقت الرمى كالرمي": أنه يحصل التحلل الأول - على قولنا: إن الحلق نسك - بالحلق أو الطواف.
وقد حكى الماوردي عنه أنه قال: إذا مضى بعد نصف الليل من ليلة النحر زمان حلق، ورمي، فقد حد إحلاله الأول، وإن لم يرم لأن لم يحلق.
وعن الداركي: أنا إذا جعلنا الحلق نسكًا، حصل له التحللان معًا بالحلق والطواف، [وبالرمي والطواف،] ولا يحصل بالحلق والرمي، [ولا أحدهما.
والفرق: أن الطواف ركن، فما انضم إليه يقوى به؛ بخلاف الرمي، والحلق].
وهذا نزاع فيما سبق: أن الحلق ركن على هذا القول.
وعن أبي إسحاق المروزي رواية وجه آخر عن بعض الأصحاب: [أنه يحصل] التحلل الأول على القول الذي عليه نفرع بالرمي وحده، وبالطواف وحده.
стр. 3558
وما عدا ما قاله الشيخ - بعيد.
قال: وإن قلنا: إن الحلق ليس بنسك، حصل له التحلل الأول بواحد من اثنين: الرمي، والطواف، وحصل له التحلل الثاني بالثاني، لما تقدَّم.
وحكى القاضي أبو الطيب وغيره عن الإصطخري: أنه قال: دخول وقت الرمي - وإن لم يرمِ- قائم مقام الرمي في وقته.
وقال: إن هذا مذهب الشافعى - رضى الله عنه-؛ لأنه قال قى "الإملاء": "إذا دخل عليه وقت الرمي، فلم يرمِ حتى جَنَّه الليل، حصل له التحلل، وثبت الدم في ذمته"؛ ويدل عليه قوله ﷺ : "رإذا رميتم، وحلقتم، فقد حلَّ لكم كل شيء إلاَّ النساء".
ولا يجوز أن يكون [المراد] بذلك فعل الرمي؛ لأنَّا أجمعنا على أنه إذا لم يرم حتى ذهب وقت الرمي، حصل له التحلل؛ فدلَّ على أنه [بحصول الوقت]، لا بالفعل.
قال: ولأن الحج والصوم عبادتان متشابهتان من جهة إيجاب الكفارة بإفسادهما، ولو دخل وقت الفطر، ولم يفطر، حكمنا بخروجه من الصوم؛ فكذلك هنا.
وقد حكى القاضي الحسين عن الإصطخري: أنه قال: إذا ترك جمرة العقبة حنى فات وقتها، فقد تحلل التحلل الأول.
فإن قلت: هل يحمل ما أطلقه أبو الطيب وغيره عنه على هذا؟
قلت: لا؛ لأن في "المهذب" و"الحاوي": أن الإصطخري قال: إذا دخل وقت الرمي، حصل له التحلل الأول وإن لم يرم؛ كما إذا فات وقت الرمي، حصل له التحلل [الأول] وإن لم يرم.
والذي قاله أبو إسحاق وعامة الأصحاب - وهو المذهب فى "المهذب": إنه لا يحصل له التحلل حتى يرمي؛ للخبر؛ فإن ظاهره: أن من لم يفعل ذلك لا يحصل له التحلل.
стр. 3559
وبالقياس على الطواف.
قال أبو الطيب: وأما الجواب عن قول الشافعي ﵁ – فهو أن التحلل حصل له بثبوت الدم في ذمته، والدم يقوم مقام الفعل.
قلت: على أن الإمام قد حكى فيما إذا فات [الرمي] على ما نصف فواته- ولم نثبت قضاءه أو أثبتناه، وانتفي بانقضاء أيام التشريق؛ أن الأصحاب اختلفوا في [أن] التحلل هل [يتوقف على الإتيان ببدل الرمي؟
فمنهم من قال: لا يتوقف.
ومنهم من قال:] يتوقف على البدل توقفه على المبدل.
ومنهم من فصل بين أن يكون البدل دمًا؛ فيتوقف عليه، وبين أن يكون صومًا؛ فلا يتوقف عليه؛ لطول الزمان؛ وعلى هذا والذي قبله تتتفي دعوى الإجماع.
وأمَّا الفرق بينه وبين الصوم فظاهر؛ لأنه هاهنا مأمور بأن يخرج منه بفعل، ولم يوجد؛ بخلاف الصوم؛ فإنه غير مأمور بالخروج منه بالفعل.
وعن الشيخ أبي حامد: أنه [قال]: ليس في الحج إلا تحلل واحد، أي: وهو يحصل بالرمي وحده؛ كما يفهمه كلامه.
قال: وقولنا: "فيه تحللان" مجاز، فإذا رمى جمرة العقبة، فقد زال إحرامه، ويبقى حكمه؛ فلا يجوز له الوطء حتى يطوف؛ كما قلنا في الحائض إذا انقطع دمها، زال حيضها، وييقى حكمه في المنع من الوطء حتى تغتسل.
قال القاضي أبو الطيب: وهذا غلط؛ لأن أركان الحج أربعة: الإحرام، والوقوف، والطواف، والسعي؛ فلا يجوز أن يقال [لمن رمى] جمرة العقبة: قد زال إحرامه، ونصف الأركان بعدُ باقٍ عليه.
وقوله: "المنع من الوطء؛ لبقاء حكم الإحرام" خطأ؛ لأنه لو كان كذلك، لوجب مثله بعد الطواف؛ لأن الميت بمنى ورمي الجمار باقيان عليه، وهما من حكم
стр. 3560
الإحرام، ولما أجمعنا على جواز الوطء بعد الطواف؛ دلَّ على أن المنع منه قبل الطواف إنما كان لبقاء الإحرام نفسه دون حكمه.
واعلم أن القاضي أبا الطيب قال في كتاب النذور: إن قلنا إن الحلاق نسك، كان التحلل التام بأربعة أشياء: الرمي، والطواف، والسعي- إن لم يكن سعي- والحلاق.
وإن قلنا: إنه استباحة محظور، فهو يحمل بثلاثة أشياء: الرمي، والطواف، والسعي؛ إن لم يكن [قد] سعى.
[وأما التحلل الأول: فإن قلنا: إن الحلق نسك، حصل بفعل شيئين من أربعة، وهي: الرمي، والطواف، والسعي- إن لم يكن قد سعى - والجلاق، فمتى فعل شيئين من هذه الأربعة، حصل [التحلل الأول]]، [والحلاق] إن قلنا: إنه استباحة محظور حصل [التحلل الأول] بفعل شيء واحد من ثلاثة أشياء، وهي: الرمي، والطواف، والسعي، فمتى فعل واحداً من [هذه] الثلاثة؛ فقد حصل له التحلل.
وهذا منه فيه نظر؛ لما تقدم: أنه لا يعتد بسعي لم يتقدمه طواف؛ فكيف تقول: إنه متى فعل واحداً من الثلاثة حصل التحلل؟ فإن قلت: قد دلَّ الخبر على جواز السعي قبل الطواف.
روى أبو داود عن أسامة بن شريك قال: خرجت مع النبي ﷺ حاجَّا، فكان الناس يأتونه، فمن قائل: يا رسول الله، سعيت قبل أن أطوف؟ أو قدمت شيئاً وأخَّرت شيئاً؟ فكان يقول: "لا حرج، لا حرج إلا على رجل افترض عرض رجل مسلم، وهو ظالم، فذاك الذي حرِج وهلك"؛ فيجوز أن يكون هذا الحديث مستند القاضي فيما ذكره.
стр. 3561
قلت: قد ادعى هو الإجماع على أنه لا يجوز تقديم السعي على الطواف، وأجاب عن الخبر بأنه غير ثابت، ولو ثبت، لحملناه على أن النبي كان قد علم من السائل: أنه سعى بعد طواف الورود، والسعي من شرطه أن يتقدمه طواف، وسواء فيه طواف الإفاضة وغيره، إلا طواف الوداع كما تقدم؛ لأنه لا يتصور - فأجابه [على ما] علم من أمره. نعم: يمكن أن يصحَّ كلامه؛ أخذاً من جوابه عن الخبر بأن يقول: هذا ذكره في حق من طاف للقدوم، وفرّ على أنه لا يشترط أيضاً إيقاع السعي عقيب الطواف، وأنه يجوز التراخي عنه وإن فصل بينهما الوقوف؛ على ما تقدم ذكره؛ وحينئذ يستقيم ما قاله من غير إشكال.
قال: وفيما يحل بالتحلل الأول والثاني قولان:
أصحهما: أنه يحل بالأول ما سوى الماء - أي: وطء النساء – [للخبر،] وبالثاني: يحل النساء؛ للإجماع، لكن المستحب ألا يطأ حتى يرمي أيام التشريق؛ كذا قاله الجمهور.
وفي "الحاوي": أن [مباشرة النساء] فيما دون الفرج كالوطء في الفرج.
والقول الثاني: يحل بالأول لبس المخيط، [أي:] وما في معناه، وهو ستر الرأس للرجل، والوجه للمرأة؛ كما قاله أبو الطيب.
وغيره قال: والحلق؛ أي: إذا لم يجعل نسكاً - كما قال الرافعي – وتقليم الأظفار.
وبالثاني: يحل الباقي، أي: وهو الجماع في الفرج، وما حرِّم لأجله: كعقد النكاح، والوطء فيما دون الفرج، واللمس بشهوة، والاستمناء، والطيب، وقتل الصيد.
ووجه عدم استباحة ذلك بالتحلل الأول.
أما الوطء في الفرج وعقد النكاح ونحوه؛ فللخبر.
стр. 3562
وأما دواعي النكاح، فقد ثبت أن الوطء لا يباع بالأول، فكذلك ما يدعو إليه.
وأما الصيد؛ فلقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقبل التحلل الثاني هو من جملة المحرمين.
ولأن قل الصيد آكد من الجماع؛ بدليل أنه محرم في الحرم [على كل أحد] ولا يحرم الجماع إلا على من كان محرماً، فإذا لم نستبح الجماع بالتحلل الأول، فأولى ألا يستباح به الصيد؛ لتأكده.
وقد روي عن عمر ﵁ أنه قال: "إذا رميتم الجمرة، فقد حلَّ لكم كل شيء إلا الماء، والطيب"، [والصيد]؛ وهذا القول نص عليه في الجديد، [كما قال أبو الطيب مع القول] [الأول، [فيما عدا الطيب] [فإن المنصوص فيه في الجديد الأول لا غير] ومقابله فيه نص عليه في القديم.
وأنكر بعض الأصحاب أن يكون قولاً للشافعي، قال: وإنما حكاه عن غيره، بل يستحب أن يتطيب لحله؛ لقول عائشة: "طيبت رسول الله ﷺ بيدي لحرمه حين أحرم، ولحله حين قبل أن يطوف البيت"؛ كما أخرجه البخاري ومسلم، وأرادت: الحل الثاني؛ لأن التطيب قبل الحل الأول محظور.
وقال في "الشامل": إن القول الثاني في الصور كلها هو القديم، والأول هو الجديد.
وقد وافق الشيخ على تصحيحه هنا، وفي "المهذب" في الصيد غيره وفيما عداه جماعة، منهم الماوردي، وخالفهم جماعة فيه، ومنهم: البغوي، والمسعودي.
قال الرافعي: وهم أكثر عدداً، وقالوا: الصحيح الثاني.
قال الرافعي: وقولهم أوفق لظاهر النص في "المختصر".
стр. 3563
فائدة: [قال الأصحاب:] إنما كان للحج تحللان، وللعمرة تحلل واحد؛ لأن الحج يطول زمانه، وتكثر أعماله؛ فأبيح بعض محظوراته دفعة واحدة، وباقيها أحرى؛ بخلاف العمرة.
وهذا كالحيض والجنابة، لما طال زمان الحيض، جُعِلَ لارتفاع محظوراته تحللان: انقطاع الدم، والاغتسال، والجنابة لما قصر زمانها، جعل لارتفاع محظوراتها تحلل واحد.
قال: ثم يعود بعد الطواف، أي: يوم النحر- إلى منى اقتداء بالنبي ﷺ ؛ فإنه كذا فعل.
قال: ويرمي] في أيام التشريق في كل يوم الجمرات الثلاث؛ لنقل الخلف عن السلف: كل جمرة سبع حصيات - كما وصفنا - لما روى أبو داود عن عائشة قالت: "أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس: كل جمرة بسبع حصيات، بجد مع كل حصاة، ويقف عند الأولى والثانية، فيطيل القيام، ويتضرع، ويرمي الثالثة، ولا يقف عندها".
وأيام التشريق: هي الأيام المعدودات، وهي الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة، سميت بذلك؛ لإشراق نهارها بنور الشمس، ولياليها بنور القمر.
[وقيل: لأن الناس يشرقون فيها اللحم في الشمس] واليوم الأول منها يسمى: يوم القر؛ لأن أهل الموسم يوم التروية ويوم عرفة ويوم الحر [في تعب من الحج، فإذا كان الغد من يوم النحر،] قروا بمنى فلهذا سمي: يوم القر.
стр. 3564
ويسمى اليوم الثاني منها: يوم النفر الأول؛ لأن للحاج أن [ينفر] فيه من منى.
ويسمى - أيضاً-: يوم الرءوس؛ لأن الحاج يأكل فيه رءوس الهدي والأضاحي.
ويسمى اليوم الثالث منها: يوم الخلاء؛ لأن منى تخلو فيه من أهلها.
وقد اقتضى كلام الشيخ استحباب الرمي في أيام التشريق كلها وهو راكب؛ لأنه من جملة ما وصف به رمى جمرة العقبة.
والمذكور في "الشامل" و"التهذيب"، وغيرهما؛ حكاية عن نصه في "الإملاء": أنه يستحب رمي الجمرات في اليوم الأول منها والثاتي ماشياً، وفي اليوم الثالث راكباً؛ لأنه يسير بعده، بخلاف رمي اليومين [الأولين]؛ فإنه يقيم بمنى بعده؛ كذا وجهه الأصحاب.
ومقتضاه: استحباب الرمي في اليوم الثاني لمن يريد النفر الأول راكباً.
وفي "التتمة": أن الصحيح ترك الركوب في الأيام الثلاثة، وكأنه - والله أعلم - تمسك بما رواه أبو داود عن ابن عمر أنه كان يأتي الجمار في الأيام الثلاثة [بعد] يوم النحر ماشياً ذاهباً وراجعاً، ويخبر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك.
ولكن في إسناد هذا الخبر عبد الله بن عمر بن حفص العمري، وفيه مقال وإن كان مسلم قد خرج له مقروناً بأخيه عبيد الله.
стр. 3565
قال: فيرمي الجمرة الأولى – أي: من ناحية المزدلفة، وهي التي تلي مسجد الخيف - ويقف قدر سورة البقرة، ويدعو الله تعالى، ثم يرمي الجمرة الوسطى، ليقف ويدعو كما ذكرنا، ثم يرمي الجمرة الثالثة - وهي جمرة العقبة- ولا يقف عندها؛ للخبر السابق، ولما سنذكره.
وهل الموالاة بين الرمي شرط حتى لو طوّل الفصل يبهما بأكثر مما ذكرناه لا يعتد به أو لا؟ فيه قولان في "التتمة":
قال الأصحاب; ويستحب في حال رميه الجمرة الأولى: أن يجعلها على يساره؛ ليكون مستقبل القبلة، ويقف بعد أن يتنحى عنها؛ بحيث لا تناله الحصاة.
وفي حال رمي الجمرة الوسطى، يجعلها على يمينه، ويستقبل القبلة، ويتنحى عنها قليلاً؛ لما ذكرناه؛ لأنه روي عن عبد الله بن عمر أنه كان يرمي الجمرة الدنيا سبع حصيات، يكبر على أثر كل حصاة، ثم يتقدم، فيستهل، فيقوم مستقبل القبلة قياماً طويلاً، ويدعو، ويرفع يديه، ثم يرمي الجمرة الوسطى كذلك، فيأخذ ذات الشمال، فيستهل، ويقوم مستقبل القبلة قياماً طويلاً، يدعو، ويرفع يديه، ثم يرمي الجمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ويقول: "هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل" أخرجه البخاري.
والمعنى فى كونه لا يقف عند جمرة العقبة، ويقف عند غيرها: أنَّ ما يليها ضيق، فإذا وقف فيه تأذى الناس بوقوفه، وما يلي غيرها واسع.
وقد رأيت في "تعليق القاضي أبي الطيب والحسين": أنه يجعل جمرة العقبة - أيضاً- على يمينه، ويستقبل القبلة.
تنبيه: مسجد الخيف: بفتح الخاء المعجمة، وهو مسجد عظيم بمنى، واسع جداً، فيه عشرون باباً، قد أوضحه الأزرقى، وبسط القول فى فضله، وبيان مساحته، وما يتعلق به، ودرك مقاصده.
стр. 3566
قال أهل اللغة: الخيف: ما انحدر عن غلظ الجبل، وارتفع عن مسيل الماء، وبه سمي مسجد الخيف.
قال: ومن عجز عن الرمي، استناب من يرمي عنه؛ خشية من فواته؛ لضيق وقته.
وقد روي [عن] جابر أنه قال: "كُنَّا إذا حججنا من النبي صلى الله علي هوسلم، نلبي عن النساء، ونرمي عن الصبيان"، وهذا يدل على دخول النيابة فيه، والعجز تارة يكون بالحبس ظلماً؛ كما نقله البندنيجي عن نصه في "الإملاء"، وتارة بالمرض، ولا فرق [فيه] بين أن يكون مرجو الزوال أو لا؛ لما ذكرناه من العلة، وبها خالفت الاستنابة في الحج، حيث لا تجوز إلا في مرض [لا] يرجى برؤه، كذا قاله القاضي أبو الطيب، والحسين، وابن الصباغ، وغيرهم.
نعم: يشترط ألا يرجى زواله، ووقت الرمي باق؛ كما صرح به الإمام والغزالي.
قال: ويكبر هو؛ لقدرته على ذلك.
قال الشافعي: "واستحب أن يأخذ الحصى بيده، ثم يجعله في كف المستناب؛ ليكون له في الرمي صنع".
قال القاضي أبو الطيب وغيره: وهذا في حق من قدر على الحضور معه، فأما من لا يقدر على الحضور، فالذي يُكّبر الرامي.
ولو زال عجز المستنيب ووقت الرمي باق فهل يحتسب له بما رماه النائب؟
стр. 3567
فيه قولان حكاهما في "النهاية"، و"التهذيب"؛ كما لو استناب من حج عنه لمرض ظن أنه ميئوس منه، ثم برئ.
واختار في "المرشد" الاحتساب، وهو الذي ذكره البندنيجي، والماوردي، وابن الصباغ والقاضي الحسين.
وعلى هذا يستحب له الإعادة؛ للخروج من الخلاف.
ولا فرق فى إجزاء رمى النائب عن المستنيب العاجز بين أن يكون النائب قد رمى عن نفسه أو لا؛ كما قاله ابن يونس.
لكن الذي حكاه البندنيجي عن نصه في "الإملاء": أنه يشترط أن يكون النائب قد رمى عن نفسه، [فإن لم يكن قد رمى عن نفسه،] ورمى عن غيره، وقع عن نفسه؛ كما في أصل الحج، وهو ما أورده الرافعي.
وفي "الحاوي" حكاية وجهين، وعلل الأول بأن حكم الرمي أخف من سائر أركان الحج؛ فجاز أن يفعله عن الغير قبل فعله عن نفسه.
وكذا لا فرق بين أن يكون المستنيب مفيقاً عند الرمي، أو مغمى عليه؛ لأن استنابته لا تبطل به؛ كما لا تبطل بموته، ولا يبطل بموت المعضوب إذنه لمن يحج عنه؛ وهذا بخلاف الإذن فى سائر العقود؛ لأنه واجب عليه.
وقال الإمام بعد حكاية ذلك عن العراقيين: إنه محتمل جدًّا، ولا يمتنع خلافه؛ ولأجل ذلك قال الرافعي: إن أصح الوجهين: أنه لا يبطل إذنه في الرمي عنه بالإغماء.
ولا يجوز الرمي عن العاجز عن الرمي بغير إذنه - وإن كان مغمى عليه - إلا إذا كان صبيًّا؛ فإن وليه يفعل في أمره ما تقدم.
قال: ولا يجوز الرمي إلا بالحجر؛ لقوله ﷺ حين وضع الجمار في يده: "بأمثال هؤلاء فارموا"؛ فعلم أن ما لم يكن مثلاً لتلك لا يجزئ؛ لأن المتبع فيما لا يعقل معناه ما
стр. 3568
ورد، ومثل الحجر حجر، وليس غير الحجر مثلاً له.
ولا فرق في الحجر بين أن يكون رخواً، أو صلباً: كالكَذَّان، والبرام، والصوان، وكذا الرمر - كما قال الرافعي -: وحجر النورة قبل أن يطبخ، ويصير نورة.
وهل يجوز بالحجر الذي يُتخذ فصوصاً: كالفيروزج، والياقوت، والعقيق، والزمرد؟ فيه وجهان:
أصحهما في الرافعي، وهو المذكور في "تعليق القاضي الحسين، والبندنيجي" منهما: الجواز.
وقال الإمام: الظاهر أنه لا يجزئ الرمي بها.
وللشيخ أبي محمد تردد في حجر الحديد.
قال الرافعي: والظاهر إجزاؤه؛ لأنه حجرٌ في الحال إلا أن فيه حديداً كامناً يستخرج بالعلاج.
وقد صلح [الشيخ] بعدم إجزاء الرمي بغير الحجر، ويندرج فيه الذهب، والفضة، والنحاس، والرصاص، [والحديد، والقزدير،] وكذا الآجر، والمدر، والنورة، والكحل، والزرنيخ، والملح، وهو الذي [ذكره] غيره.
قال: والأولى أن يكون بحصى الخذف؛ لقوله ﷺ : "وإذا رميتم الجمرة، فارموا بمثل حصى الخذف"، أخرجه أبو داود.
[و] لأنه الذي رمى به رسول الله ﷺ ، كما رواه مسلم عن جابر.
فلو رمى بأكبر منه، أو أصغر، كره، وأجزأه؛ لأنه – ﵇ – قال: "بمثل هؤلاء [فارموا]، وإياكم والغلو؛ فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في
стр. 3569
الدين".
تنبيه: الخذف – بفتح الخاء وإسكان الذال المعجمتين -: معروف.
والحصى المشار إليه قيل: إنه يكون دون الأنملة طولاً وعرضاً بقدر الباقلاء؛ قاله الماوردي والقاضي الحسين، وحكاه ابن الصباغ عن الشافعي، ﵁.
ومنهم من قال: كقدر النواة ويقال: حذف الحصى؛ إذا تركها على رأس [أنملة] سبابته، ووضع إبهامه عليها، وخذف بالعصا إذا رمى بها.
قال الرافعي: ويرمي الحصاة على هيئة الخذف؛ فيضعها على بطن [الإبهام].
وقال في "الروضة": وهذا وجه ضعيف والصحيح أنه يرميه على غير هيئة الخذف.
قال: ولا يجوز رمي الجمار إلا مرتباً، أي: يبدا بالأولى، ثم بالوسطى، ثم بجمرة العقبة؛ لقوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم".
ولأن ما لا يعقل معناه المعتمد فيه على ما ورد، ولم ينقل عن رسول الله ﷺ ومن بعده الرمي إلا هكذا وهو إلى هلم جرّا.
ولأنه نسك يتكرر، فوجب أن يكون الترتيب شرطاً فيه؛ كالسعي.
فعلى هذا لو ابتدأ بجمرة العقبة، ثم بالوسطى، ثم بالأولى؛ أو بالوسطى، ثم بالأولى، ثم بجمرة العقبة أعاد الثانية والثالثة.
[ولو نسي حصاة من جمرة لا يعرف عينها، جعلها من الأولى، وأتى بالثانية والثالثة] ليخرج عن الواجب بيقين؛ نص عليه؛ كما قاله القاضي الحسين.
وغيره ذكر الحكم، ولم ينسبه للنص
ولا فرق في ذلك بين أن يوقع الرمي أداء أو قضاء في بقية الأيام، كما قال الإمام؛ وهذا مما لا خلاف فيه.
قال: ولا يجوز إلا بعد الزوال، أي: لا يجوز الرمي في كل يوم من أيام
стр. 3570
التشريق إلا بعد الزوال، لما روي عن جابر بن عبد الله قال:"رأيت رسول الله ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك، فبعد زوال الشمس" أخرجه مسلم.
وعن وبرة وهو ابن خزيمة بن عبد الرحمن – قال: سألت ابن عمر متى أرمي الجمار؟ قال: "إذا رمى إمامك فارمِ، فأعدت عليه المسألة، قال: "كنا نتحين زوال الشمس، فإذا زالت رمينا"، أخرجه البخاري.
فلو رمى قبل الزوال، كان كما لو لم يرم.
وقد استحب الشافعي – ﵁ – في "الأم": أن يكون رميه عقيب الزوال قبل الصلاة؛ لأن عائشة – ﵂ – قالت: "رمى رسول الله صلى الله عيه وسلم حين زالت الشمس".
لكن الخبر – أيضاً –يدل على أنه لا يغتسل للرمي بعد الزوال، وقد قال الأصحاب: إنه يستحب له الاغتسال بعد الزوال، كما تقدم في باب الغسل المسنون.
أما رمي جمرة العقبة، فقد تقدم: أن الأفضل رميها بعد طلوع الشمس إلى الزوال.
قال: وإن ترك الرمي، أي: المختص بأيام التشريق – عامداً أو ساهياً حتى مضت أيام التشريق، لزمه دم؛ لأنه ترك نسكاً؛ قال- ﵇ –" من ترك سكاً فعليه دم".
وقيل يلزمه ثلاث دماء؛ لما ستعرفه.
ولو ترك الرمي ناسياً حتى نفر في اليوم الثاني من أيام التشريق قبل الغروب، قال القاضي أبو الطيب: فإذا تذكر، استحب له أن يرجع، فيرمي؛ لأن وقت الرمي باقٍ، ولا
стр. 3571
يجب عليه ذلك سواء رجع فرمي أو لم يرجع؛ فإن الدم ثابت في ذمته؛ لأن الخروج من الحج بمنزلة خروج [الوقت]، وقد ثبت أنه يجب عليه الدم إذا أخلَّ بالرمي حتى خرج الوقت؛ فكذلك إذا خرج من الحج.
[و] الدليل على أنهما بمثابة واحدة: [أن الحاج] لا يجوز له أن يعتمر في أيام منى؛ لبقاء وقت الرمي، فلو تعجل في اليوم الثاني، فنفر، جاز له أن يعتمر وإن كان وقت الرمي باقياً؛ لأنه بالنفر خرج من الحج، وصار ذلك بمثابة تقضي وقت الرمي.
وقال القاضي الحسين: إن عاد بعدما نفر [قبل الغروب]، بعد الغروب – فالحكم كذلك.
وإن عاد قبل الغروب، فوجهان:
أحدهما: لا يرمي لما ذكرناه؛ وعلى هذا لا يلزمه المبيت بمنى إذا غربت الشمس، وه وبمنى.
والثاني: [يرمي] ويجزئه؛ لأن الرمي يحصل في وقته؛ فأشبه ما لو نفر يوم الأضحى، أو يوم القَرّ، ثم عاد، ورمى قبل غروب الشمس؛ وهذا ما صححه الرافعي.
وعلى هذا هل يجب عليه العود والرمي قبل الغروب، أو الجبر؟ فيه وجهان:
ويرجع حاصل ذلك عند الاختصار إلى ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لا ينفعه العود.
والثاني: يجب عليه أن يعود ويرمي ما لم تغرب الشمس، فإذا غربت تعين الدم.
والثالث: أنه بالخيار إن أراد الرجوع والرمي وفعل أجزأه، وألا فلا يجب عليه الرجوع، ويجب الدم.
وقد حكاها الإمام عن رواية صاحب "التقريب" أقوالاً، وأنها تجري فيما إذا نفر في اليوم الثالث قبل الغروب، ثم عاد، ورمي قبل الغروب فيه، وأنه ذكر قولاً رابعاً عن ابن سريج: أن ذلك لا ينفعه بعد نفره في اليوم الثاني، وينفعه بعد نفره في اليوم الثالث.
стр. 3572
والفرق: أن الخروج في النفر الثاني لا حكم له؛ فإنه منتهى الوقت نفر أو لم ينفر؛ فكان خروجه وعدم خروجه بمثابة [واحدة] [بخلاف] الخروج في النفر الأول؛ [فإن له] حكماً؛ فإنه لو لم يخرج منه، بقي إلى اليوم الثالث؛ فأثر خروجه في قطع علائق منى وإذا انقطعت العلائق، لم يعد.
ولا خلاف في أنه إذا أخَّر الرمي حتى مضت أيام منى: أنه لا يقضي الرمي بعدها؛ كما قال الماوردي، والقاضي الحسين وغيرهما.
قال القاضي الحسين: لأن الرمي تابع للوقوف؛ بدليل أن العمرة لما لم يكن لها وقوف، لم يكن لها رمي، ومن فاته الوقوف بعرفة، سقط عنه الرمي، ثم للوقوف وقت يفوت فيه، كذلك ما كان تابعاً له.
وقال الإمام: لأن الغالب في الرمي التعبد، فكما لا يعدل عن الجنس المرمي به إلى غيره؛ فكذلك يجب ألا يعدل عن الوقت.
نعم: لو ترك رمي اليوم الأول، فهل يأتي به في اليوم الثاني؟ أو [ترك] رمي اليوم الأول والثاني، فهل يأتي به في اليوم الثالث أداء؟ فيه قولان مأخذهما: أن أيام منى هل تجعل كاليوم الواحد بالنسبة إلى الرمي؛ كما جعلت في جواز الأضحية كاليوم الواحد أم لا؟ لأن الرمي فيها مؤقت، ولوجعلت كاليوم الواحد، لجاز رمي جميعها في اليوم الأول، وهو لا يجوز إجماعا، كما قال الماوردي؟
فالقديم، والجديد، وأحد قوليه في "الإملاء": الأول، وهو الصحيح، واختيار الشافعي – ﵁ كما قال البندنيجي؛ لأن رسول الله ﷺ رخَّصَ لرعاة الإبل وأهل سقاية العباس: أن يدَعوا رمي اليوم الأول، ويقضوه في اليوم الثاني؛
стр. 3573
فعلم أن حكم جميعها واحد، وأنها زمان الرمي؛ فعلى هذا يأتي بما فاته في اليوم الأول في الثاني، [وبما فاته في اليوم الأول والثاني في الثالث، ويبدأ برمي اليوم الأول قبل الثاني،] وكذا بالثاني قبل الثالثن فلو عكس ورمى عن اليوم الثاني قبل الأول، فوجهان:
أحدهما: لا يجزئه عن واحد منهما: أما عن الأول؛ فلأنه لم ينُوه، وأما عن الثاني، فلترك الترتيب؛ كما لو [بدأ بجمرة] العقبة، أو الوسطى قبل الأولى؛ فإنه لا يجزئه قولاً واحداً كما تقدم.
قال البندنيجي: وليس بشيء، والمذهب الثاني، وكذا قال القاضي الحسين أيضاً.
وقال غيرهما: إنه الأصح، وهو أنه يقع عن الأول؛ لأنه فرض يجب تقديمه، فإن نوى غيره، وقع عن الأول؛ كما لو نوى بالطواف الوداع وعليه طواف الزيارة.
قال ابن الصباغ: ويجوز له أن يرمي جمرات اليوم الأول بعد غروب الشمس منه إلى [أن] تزول الشمس في اليوم الثاني.
وقال ابن الصلاح: إن ذلك هو الأصح.
والقول الثاني – وهو أحد قوليه في "الإملاء": أنه [لا يأتي به] أداء، بل يكون لكل يوم حكم نفسه، يفوت الرمي فيه بغروب الشمس منه؛ قاله الماوردي، والبندنيجي، وابن الصباغ، وادعى الرافعي، [وإمام الحرمين]: أنه الأصح.
стр. 3574
وقيل: إنه لا يفوت إلا بطلوع فجر [اليوم] بعده إلا في اليوم الثالث من أيام التشريق؛ فإنه يفوت بغروب شمسه بلا خلاف، وهذا مذكور في "تعليق القاضي الحسين" احتمالاً، وقال العجلي: إنه الأصح.
وعلى هذا القول هل يأتي بما فاته في اليوم الأول في الثاني؟ أو بما فاته [في اليوم الأول] والثاني في الثالث قضاء أو لا؟ فيه قولان"
فإن قلنا: لا، لزمه لترك الرمي في اليوم الأول أو الثاني دمٌ [كامل، ولترك الرمي فيهما دمان،]، ولترك الرمي في الأيام الثلاثة ثلاثة دماء؛ وهذا ما أشرت إليه من قبل.
قال القاضي الحسين: وليس له أن يقول: كان لي ترك الرمي يوم النفر الثاني؛ فلا يلزمني إلا دمان؛ لأن هذا إنما كان له إذا أتى برمي يومين؛ كما لو ترك الصلاة في السفر، ثم قال: أنا أقضيها قصراً، ليس له ذلك.
وكلام الإمام مشير إلى أن محل التزامه ثلاثة دماء إذا لم ينفر في اليوم الثاني قبل الغروب منه، والله أعلم.
وقد اختصر في "المهذب"، و"البندنيجي"، و"القاضي أبو الطيب"، و"الحسين" – ما ذكرناه، وقالوا: إذا قلنا: إن رمي كل يوم مؤقت بوقته، وفات ولم يرم – ففيه ثلاثة أقوال مذكورة في الإملاء.
وقال ابن الصباغ: إنها احتمالات [ثلاثة مذكورة] فيه، وذلك متقارب:
أحدها: أن الرمي يسقط، وينتقل إلى الدم، وهو الذي صححه القاضي الحسين.
والثاني: أنه يرمي [ويريق] دماً؛ للتأخير؛ كما لو أخَّر رمضان حتى أدركه رمضان آخر.
стр. 3575
وقال الرافعي: إن هذا ينسب إلى تخريج ابن سريج.
والثالث: يرمي، ولا شيء عليه؛ كما لو ترك الوقوف بالنهار؛ فإنه يقف بالليل، ولا دم عليه.
وسلك بعض المراوزة طريقاً آخر، فقالوا: إذا فاته رمي اليوم [الأول] سهواً أو عمداً، فهل يتداركه، ويأتي به في اليومين بعده؟ أو إذا فاته رمي اليوم الثاني، فهل يأتي به في اليوم الثالث؟
فيه قولان:
قال الرافعي: فإن قلنا: لا، فهل يأتي برمي اليوم الأول في ليلة اليوم الثاني، وكذا يرمي اليوم الثاني في ليلة الثالث؟ فيه وجهان، وهما مفرعان على الصحيح في أن وقت الرمي في كل يوم لا يمتد إلى طلوع فجر من اليوم الذي يليه ولم أرهما في "النهاية" كذلك في هذا الموضع، بل هما محكيان في غير هذا المحل؛ كما سنذكره.
فإن قلنا: [لا تَدَارُك، تعيّن الدم، وما هو الدم؟ فيه ما سبق.
وإن قلنا: بالتدارك، وجب حتماً ولا يجوز الانتقال إلى الدم مع إمكانه.
ولكن المأتي به تداركاً يكون قضاء أو أداء تأخر عن وقت الاختيار؟ فيه قولان، ويقال: وجهان:
فإن قلنا: قضاء، [جاز] فعل ما فات [في] اليوم الأول في اليوم الثاني، وما فاته في اليوم الثاني في اليوم الثالث قبل الزوال؛ لأن القضاء لا يتأقت.
وقيل: إنه لا يجوز.
قال الإمام: فإن القضاء قد يتأقَّت بعض التأقيت، وما قبل الزوال لم يشرع فيه رمي: لا قضاءً، ولا أداءً؛ فكانت تلك الساعات بمثابة ساعات الليل في تصوير الصوم.
قال: والوجهان يجريان في تدارك الدم ليلاً إذا جرينا على الأصح في أن الوقت
следующие страницы →