Полный текст (9 685 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.
стр. 3746
ومنها: يستحب أن يؤذن في أذنه اليمنى، ويقيم في اليسرى؛ لأنه روي ذلك عن بعض الصحابة، وقد روى أبو داود أن النبي ﷺ أذن في أذن الحسن، قال الترمذي: وهو حسن صحيح.
وقال في "البحر": إنه يستحب مع ذلك أن يقرأ في أذنه: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]، [وهو المذكور] في "الإبانة" أيضاً، والله أعلم.
стр. 3747
باب الصيد والذبائح
والأصل في حل ذلك من الكتاب قبل الإجماع آيات منها قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة: ٩٦]؛ فدل منطوقها على حل صيد البحر، ومفهومها على حل صيد البر في حالة عدم الإحرام؛ كما دل عليه قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] وقد صرح به في أخرى، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢].
ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] والمزكى من الطيبات، ومن السنة ما سنذكره.
قال: ولا يحل من الحيوان المأكول شيء من غير ذكاة؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣].
قال الماوردي: وفي الذكاة في اللغة ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها التطييب من قولهم: "رائحة ذكية"، أي: طيبة، فسمي به ذبح الحيوان؛ لما فيه من تطييب أكله.
والثاني: أنها القطع، فسمي بها ذبح الحيوان؛ لقطعه.
والثالث: أنها القتل، فسمي بها ذبح الحيوان؛ لقتله.
وقال في موضع آخر: في الذكاة في اللغة ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها التطييب، لكنها في الشرع: تطييب الذبيحة بالإباحة.
والثاني: أنها القطع، لكنها في الشرع: قطع على صفة [مخصوصة] [فصارت في الشرع قطعاً خاصاً، وفي اللغة قطعاً عاماً].
والثالث- وإليه أشار الشافعي- ﵁: أنها القتل؛ لأنها لا تستعمل إلا في النفوس، لكنها في الشرع قتل في محل مخصوص فصارت أخص منها في اللغة.
قال الشافعي- ﵁: وجماع ما قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾
стр. 3748
[المائدة: ٣]: قتلتم، ولكن كان مجوزاً أن يكون ببعض القتل دون بعض، فلما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] دل على أن الزكاة المأمور بها الذبح دون غيره، وكان النحر في [معنى الذبح].
وقال النواوي: إن الذكاة والذكية معناهما عند أهل اللغة: التتميم، فإذا قيل: ذكى الشاة، فمعناها: ذبحها الذبح التام المبيح للأكل.
وإذا قيل: فلان ذكي، فمعناه: تام الفهم، وذكت النار تذكو؛ إذا استحكم وقودها، وأذكيتها أنا، والتذكية: بلوغ غاية الشباب والقوة؛ كذا نقله الواحدي وابن الأنباري وغيرهما.
قال: إلا السمك والجراد؛ لما روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "أحلت لنا ميتتان ودمان: الميتتان: الحوت، والجراد، والدمان: الكبد، والطحال"، ولا فرق في ذلك [في السمك] بين الصغير منه الذي يسرع موته بعد خروجه من الماء، أو يتأخر، لكبره، نعم: لو ذكى الكبير منه، قال الشافعي: لا أكره ذلك.
وقال الأصحاب: هل يستحب؟ فيه وجهان، والأصح في "الروضة" الاستحباب.
ولو ذكى غير الكبير، كره كما أفهمه النص، وصرح به في "الروضة".
وكذا لا فرق فيه بين ما مات في الماء أو خارج عنه بسبب أو غير سببن كما سنذكره في الأطعمة، نعم: هل يحل للشخص ابتلاع سمكة حية أو قليها؟ فيه وجهان: المنسوب لصاحب "التلخيص" الجواز، وهو المذكور في الوجيز والأظهر عند الرافعي؛ لأنه ليس فيه أكثر من قتلها، وهو جائز، وقد قيل: إنه ينفع من بعض العلل.
ومقابله: ينسب للشيخ أبي حامد، وهو "المختار" في "المرشد"، والأصح في "تعليق القاضي الحسين" و"النهاية"، لما فيه من التعذيب.
والوجهان مفرعان على أن السمك لا يخرج بهذا الفعل عن أن يكون حلالاً؛ كما هو المذهب في "النهاية"، والذي أورده الجمهور.
أما إذا قلنا بعدم الحل؛ كما قاله بعض الأصحاب؛ لأن الموت في السمك بمثابة
стр. 3749
[الذكاة في المذكاة] من الحيوانات البرية، فلا يحل ابتلاعها جزماً من غير حاجة؛ كذا أشار إليه الإمام.
وكذا لا فرق بين أن يصطاده من يحل ذكاته أو لا: [كالمجوسي ونحوه].
فإن قلت: يرد على حصر الشيخ الجنين الذي يوجد في بطن الحيوان المأكول بعد الذبح ميتاً أو فيه حياة غير مستقرة؛ فإنه يحل من غير ذكاة؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] وهي الأجنة التي ذكرناها؛ كما قال ابن عباس؛ لأنها أبهمت عن الأمر والنهي، ولم يبينه الشيخ.
قلت: [بل] ما حلَّ إلا بالذكاة؛ لأن النبي ﷺ قال: "ذكاة الجنين ذكاة أمه"، كما أخرجه [الإمام] أحمد في المسند عن أبي سعيد الخدري، وهو يوقع الذكاة فيهما كما هو المحفوظ عن أئمة هذا الشأن؛ فتكون ذكاة الأم ذكاة الجنين.
ويؤيده أنه جاء في رواية عن مسدد أنه قال: قلنا يا رسول الله، [إنَّا] ننحر الناقة، ونذبح البقرة أو الشاة [فنجد] في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ فقال: "كلوا إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه"؛ وهذا يدحض تأويل من قال: إن الحديث
стр. 3750
بنصب "الذكاة" الثانية، وإن تقديره: ذكاة الجنين مثل ذكاة أمه؛ فيجب ذبحه إن أمكن، وإلا فلا يحل.
وقد حكى الإمام في باب الأطعمة أن شيخه كان يقول: لو كان الجنين لا يحل [بذكاة الأم]، لما جازت ذكاة الأم مع ظهور الحمل؛ كما لا تقتل المرأة قصاصاً [و] في بطنها ولد، فألزم ذبح رمكة وفي بطنها بغلة فمنع ذبحها، وهو محتمل، وما ذكره ظاهر.
نعم: يرد على الحصر ما لو خرجت رأس الجنين ميتاً، فذبحت الأم قبل انفصاله؛ فإنه يحل كما قاله البغوي؛ فإنا تحققنا: ألا ذكاة فيه.
على أن حله قد يمنع؛ كما سنذكره في الباب.
واليد الشلاء من الحيوان المأكول إذا ذبح هل تحل؟ فيه وجهان حكاهما الرافعي في باب القصاص في الأطراف.
فإن قلنا بالحل، فذاك، لأنَّا لم نجرها مجرى الميتة؛ فحلت بالذكاة.
وإن قلنا بالتحريم نجعلها كالميتة؛ فلا ترد علينا، والله أعلم.
تنبيه: كلام الشيخ يقتضي أمرين:
أحدهما: أن غير السمك من حيوانات البحر تشترط ذكاته؛ إذا قلنا: يحل أكله،
стр. 3751
وهو وجه حكاه المراوزة.
والذي حكاه العراقيون- كما ستعرفه في باب الأطعمة- الجزم بالحل بدونها كالسمك.
والثاني: أن بعض السمكة إذا انفصل في حال حياتها حلال أيضاً؛ لأن ما أبين من حي، فهو ميت؛ كما نطق به الخبر، وميتة السمك حلال، وهو أحد الوجهين في المسألة، وسيستقصى الكلام فيها في باب الأطعمة قال: ولا تحل ذكاة المجوسي والمرتد ونصارى العرب وعبدة الأوثان.
اعلم أن كلام الشيخ يقتضي تحريم ذبائح المذكورين بمنطوقه، وحل ذبائح من عداهم، وهم المسلمون، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى من بني إسرائيل ونصارى العجم- بمفهومه، وسواء فيه ما هو حلال عندنا وعندهم [أو] عندنا وحرام عندهم: كالشحم، والإبل، كما صرح به غيره.
والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥].
قال المفسرون: والمراد بالطعام في الآيتين الذبائح، وقد خرج أبو داود عن ابن عباس أنه قال: "فكلوا مما ذكر اسم الله عليه، ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه"؛ فنسخ، واستثنى فقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] فقد دلت الآيتان على حل ذبائح المسلمين وأهل الكتاب، وتحريم ذبائح من عداهم.
وقد ورد النص بتحريم ذبائح المجوس؛ قال- ﵇: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب، غير آكلي ذبائحهم، وناكحي نسائهم".
стр. 3752
و [أما] المرتدون ممن لا كتاب لهم قطعاً، فاستفدنا [تحريم] ذبائحهم من الكتاب، ولأنهم أسوأ حالاً من المجوس؛ فإن المجوسي تعقد له الذمة بخلاف المرتد.
ونصارى العرب- وهم "بهراء" "وتنوخ" "وتغلب"، كما سنذكرهم في باب ما يحرم من النكاح، وباب عقد الذمة- قد روى شهر بن حوشب "أن النبي ﷺ نهى عن ذبح نصارى العرب".
وروى عن عمر أنه قال: "ما نصارى العرب بأهل كتاب، لا تحل لنا ذبائحهم".
وعن علي أنه قال: "لا تحل لنا ذبائح بني تغلب؛ لأنهم لم يأخذوا من دين أهل الكتاب إلا شرب الخمر وأكل الخنازير".
стр. 3753
واختلف أصحابنا في علة تحريم ذبائحهم:
فقال قومُ: للشك في أنهم دخلوا في دين أهل الكتاب: أم لا؟ وعليه يدل قول علي.
وقال قوم: للشك في أنهم دخلوا في الدين بعد نزول الفرقان أم لا؟ وهذان أوردهما القاضي الحسين.
وقال ابن الصباغ والبندنيجي: لأنهم دخلوا في دين أهل الكتاب قبل النسخ وبعد التبديل، ولا نعلم هل دخلوا في غير المبدل؛ فيكون حكم حكمهم، أو فيه فلا، لأنهم دخلوا في دين لا حرمة له؛ فلم يتحقق الشرط في حقهم، والأصل التحريم؛ وبهذا فارقوا نصارى العجم.
وعبدة الأوثان أسوأ حالاً من المجوس، فمنع ذبائحهم من طريق الأولى، والزنادقة ملحقون بهم.
وقد حكى الفوراني وجهاً في حل ذبائح المجوس ونسائهم؛ بناء على أن لهم كتاباً ونسخ؛ كما سنذكر في باب ما يحرم من النكاح وغيره.
فروع: أحدها من أبوه وثني أو مجوسي، وأمه كتابية، لا تحل ذكاته، ولو كان أبوه كتابياً وأمه وثنية أو مجوسية، ففي الحل قولان كما في النكاح.
قال الإمام: والقول في تحليل الذبيحة يجاري القول في تحليل المناكحة لا يفترقان إلا في الأمة الكتابية؛ فإن نكاحها حرام، وذبحها حلال؛ لأنه لا أثر للرق في الذبيحة أصلاً؛ فهي كالحرة؛ بخلاف النكاح؛ فإن للرق فيه أثراً؛ فأثر انضمامه إلى الكفر.
ثم ما ذكرناه فيما إذا كانت الأم كتابية والأب وثنياً إذا لم يبلغ الولد، أما إذا بلغ ودان بدين أمه، فهل يكون حكمه حكم الأم أو حكم الأب؟ فيه وجهان حكاهما الإمام هنا وقال: الأصح الثاني.
[الثاني] من يقول من اليهود: عزير ابن الله، ومن النصارى: المسيح ابن الله، هل تحل ذكاته؟ فيه وجهان:
الأكثرون على الحل.
стр. 3754
وقال الماوردي: الأظهر عندي مقابله، وبه أقول؛ لأن هؤلاء كالمرتدين فيما بين اليهود والنصارى، وليس هذا من أصل دينهم الحق.
[الثالث] إذا أكره مجوسي مسلماً على الذبح حل، وكذا لو أكره المحرم حلالاً على ذبح الصيد؛ قاله في "الروضة" عن إبراهيم المروزي.
وقال الرافعي: لو أكره مسلم مسلماً على الذبح، يمكن أن يقال: إن اعتبرنا فعله وعلقنا به القصاص، حلت الذبيحة. وإن جعلناه كالآلة فكذلك هنا أيضاً؛ لأن المكره [كأنه] ذبح [قلت: وعلى هذا يظهر في مسألة إكراه المجوسي ألا يحل، وفيما لو أكره المسلم مجوسياً على الذبح أن يحل].
قال: وتكره ذكاة المجنون والسكران؛ لأنه يخاف من عدولهما عن محل الذبح ومبالغتهما في القطع إلى محل الكراهة، وهي مع الكراهة حلال؛ لأنهما من المسلمين، والقصد في الزكاة غير معتبر، دليله: ما لو قطع حلق شاة، وهو يظن: أنه خشبة؛ فإنه [يحل على] النص، وإن كان كلام البغوي يفهم حكاية وجه فيه، [وسنذكره]، ولفظ الشافعي- ﵁ في ذلك في كتاب الأضحية: وأكره ذبيحة السكران والمجنون في حال جنونه، ولا يتبين أنه حرام".
قال في "الحاوي": ووهم بعض أصحابنا، فخرج وجهاً أنه: لا تصح ذكاتهما: أما في المجنون فمن عمده في القتل، وأما في السكران فمن قوله في القديم: "إن طلاقه لا يقع".
وحكى القاضي الحسين الخلاف في المجنون قولين كما حكاهما في "الشامل" وغيره عن رواية القاضي أبي حامد والإمام في كتاب الأضحية عن رواية الصيدلاني بعد أن قال في هذا الباب: الوجه القطع بتحريم ذبيحته؛ لسقوط قصده، وإن في بعض التصانيف: أن المجنون إذا نظم الذبح على وجهه كان ذبحه مبيحاً، وهذا لم أره إلا في هذا الكتاب.
ثم قال القاضي: والأصح الحل، فإن قلنا به فذبيحة السكران بالحل أولى؛ لأنه مخاطب.
وإن قلنا بمقابله، ففي السكران قولان؛ بناء على طلاقه.
стр. 3755
وكلام القاضي أبي حامد مشير إلى هذا الترتيب أيضاً.
وعن القفال: أن في ذبيحة المجنون قولين، وذبيحة السكران تحل قولاً واحداً.
ثم ما محل الخلاف الذي ذكره البغوي؟ إن محله إذا لم يكن لهما تمييز، فإن كان حلَّ، ولم يحك سواه.
وقال الإمام: إن المجنون إذا لم يكن له تمييز، فلا يحل، وإن كان له تمييز بحيث يتصور منه نظم الفعل، ففيه الخلاف السابق، ولعل الأصح المنع أيضاً.
ويقرب منه قول الفوراني، لكنه قال: الأصح الحل.
وقال في "البحر": وقيل الصحيح في المجنون إن كان له تمييز قليل، ويحسن إيراد الفعل وإصداره- تجوز ذبيحته؛ كالصبي الذي يعقل [عقل] مثله، وإن لم يكن له تمييز أصلاً، ولا يحسن الفعل؛ لمبالغة جنونه- لم يجز كالطفل. [قال:] ويحتمل التفصيل في السكران على هذا الوجه، وهذا منه مشعر بأن الخلاف السابق في المجنون والسكران جارٍ، سواء كان له تمييز أو لا.
تنبيه: كلام الشيخ يفهم أن ذكاة المرأة جائزة من غير كراهة، وكذلك ذكاة الصبي والكتابي والأعمى والأخرس؛ لأنه لما ذكر من لا تحل ذكاته [ومن تكره] دل على حل ذكاة من عداهم من غير كراهة، وهذا في المرأة مما لا شك فيه، وقد استدل الأصحاب على حل ذكاتها بما رواه الشافعي- ﵁ مسنداً، وهو في البخاري: أن جارية لآل كعب كانت ترعى غنماً لهم، فمرضت منها شاة، فكسرت مروة وذبحتها، فسأل مولاها رسول الله ﷺ ، فأجاز لهم أكلها.
стр. 3756
وفي هذا الحديث مع ذلك أربع فوائد:
إحداها: أن الحائض يجوز ذكاتها؛ لأنه- ﵇ لم يستفصل.
الثانية: أن الشاة المريضة إذا خيف عليها يجوز ذبحها.
الثالثة: [أنه] إذا ذبح شاة غيره بغير إذنه، حلت.
الرابعة: أن الذبح بالمروة جائز، والمروة هي الحجر الأبيض؛ قاله أبو الطيب.
وفي "البحر": أن الأصمعي قال: إنه الذي تقدح به النار.
و [يستدل] على أنه لا كراهة في ذبحها بما روي أنه- ﵇ أمر نساءه أن يلين ذبح هديهن.
وفي "الحاوي" حكاية وجه في كراهة ذبحها للأضحية.
وأما الصبي فالمشهور حل ذكاته؛ استدلالاً بما روي عن جابر أنه قال: "تؤكل ذبيحة الصبي"، ولأنه محكوم بإسلامه، وإنما فقد قصده، وذلك لا يؤثر في الذكاة؛ فكان كالبالغ.
قال الماوردي: ووهم بعض أصحابنا، فخرج في ذكاته وجهاً: أنها لا تؤكل؛ من اختلاف قول الشافعي- ﵁ في قتله عمداً: هل يجري مجرى الخطأ؟ فإن جعل عمده خطأ، لم تحل ذكاته.
وفي "الشامل" و"البحر" حكاية ذلك قولاً عن رواية القاضي أبي حامد، لكن الذي
стр. 3757
دلَّ عليه ظاهر النص كما سنذكره، وبه جزم القاضي الحسين في كتاب الأضحية- الأول وإن كان لا قصد له، وفرق بينه وبين المجنون على أحد القولين بأن الصبي من أهل القرية، بخلاف المجنون، وكذلك فرق بينهما في الحج.
وجزم في "البحر" عند الكلام في الأحبولة بأن الصبي الطفل الذي لا تتأتى منه إرادة الفعل، ولكن اتفق أنه أمر السكين على الحلق، فحصل به الذبح- لم يحل.
والمذكور في الرافعي التسوية بين الصبي الذي لا تمييز له والمجنون والسكران، وإجراء القولين في الجميع، وسلك الإمام طريقاً آخر في هذا الباب، فقال: إن لم يكن له تمييز، فلا حكم لفعله، وذلك ميتة، وإن كان مراهقاً فالأصل تحليل ذبحه.
وفي بعض التصانيف ذكر خلاف فيه، ويمكن تقريبه من الخلاف في أن عمده عمد أم لا؟
وإذا قلنا: تحل ذكاته، فقد جزم الماوردي بكراهتها في الضحايا وغيرها؛ لضعفه عن مباشرة الذبح، ولقصوره عن التكليف، وهي في غير المراهق أشد.
وأما الكتابي، فقد قال الماوردي: إن ذبيحة الصبي أحب إلينا من ذبيحته، وهذا يدل على أنها مكروهة- أيضاً- لكن قد حكى البندنيجي وابن الصباغ عن الشافعي- ﵁ أنه قال في "الأم": "وأحب أن يكون المذكي بالغاً مسلماً فقيهاً"، أي: بأحكام الذبح؛ لأنه أعرف بحكم الذبح، فإن لم يكن رجلاً فالنساء، فإن لم يكن فالصبيان، فإن لم يكن فأهل الكتاب، فإن لم يكن فالمغلوب على عقله من المسلمين؛ وهذا يدل على أن المراد بالكراهة ترك الأولى.
وأما الأعمى فقد أطلق صاحب "البحر" القول بكراهة ذبحه وإن حلت؛ خوفاً من أن يخطئ محل الذبح، وهو ما ذكره في "التهذيب".
وأما الأخرس، فقد أطلق العراقيون حل ذكاته، وقال القاضي الحسين وتبعه البغوي: إن ذلك فيما إذا كانت له إشارة مفهمة، فإن لم يكن فهو كالمجنون.
قال النواوي في "الروضة": والأصح الجزم بحل ذبيحته وإن كان لا يفهم، وبه قطع الأكثرون.
[قال:] ويجوز الذبح بكل ما له حد يقطع، أي: من حديد ونحاس وصفر
стр. 3758
وزجاج وخشب وحجر وذهب [وفضة] وقصب وغير ذلك، إلا السن والظفر [فإن ذبح] بهما لم يحل؛ لما روى أبو داود عن رافع بن خديج قال: "أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إنا نلقى العدو غداً، وليس معنا مدى، فقال رسول الله ﷺ : "أرن أو أعجل ما أنهر الدم، واذكر اسم الله عليه، وكلوا ما لم يكن سناً أو ظفراً، وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة"، وأخرجه البخاري ومسلم في حديث طويل، سنذكر بقيته إن شاء الله تعالى؛ وهذا ما نص عليه الشافعي- ﵁ سواء كان السن والظفر متصلاً أو منفصلاً، وسواء كان ذلك من الإنسان أو من غيره؛ كما قاله البندنيجي، ولا يستثنى من ذلك إلا ما قتله الكلب [ونحوه] بظفره أو نابه؛ فإنه يحل للحاجة العامة.
وفي "تعليق القاضي الحسين": أن هذا في سن الآدمي أما سن ما يؤكل لحمه فيحتمل وجهين؟
أحدهما: يجوز، وبه قال أبو إسحاق المروزي؛ لأن له حداً يقطع، والخبر محمول على بني آدم.
قلت: ويعضده رواية الشافعي بسنده هذا الخبر؛ فإنه قال فيه: "فإن السن عظم
стр. 3759
[من] الإنسان] ".
قال القاضي: وغير مأكول اللحم يترتب عليه.
وقد اختلف في تفسير قوله- ﵇: "أُرْنُ" [معناه]: قيل: وهو بضم الهمزة، وسكون الراء، على وزن "اُعْط"، بمعنى أدم الحز ولا تفتر؛ من رنوت؛ إذا أدمت النظر، وردَّ بعضهم هذا بأن الأمر من رنا يرنو: ارن.
وقيل: هو بكسر الراء على وزن "أَطِعْ"، أي: أهلكها ذبحاً؛ من قولهم: أران القوم: إذا هلكت مواشيهم، ورده بعضهم [- أيضاً-] لأن "أران القوم" لا يتعدى والذي في الحديث يتعدى.
وقال بعضهم: معناه: كن ذا شاة هالكة وأهرق نفسها، وكل ما أنهر الدم.
وقد اختلف في معنى قوله- ﵇: "أما السن فإنه عظم" فقهاً وفتيا:
فنقل عن الشيخ عز الدين: أنه قال: "للشرع علل تعبدية، كما له أحكام تعبدية"، ولعله يشير إلى أن هذا من ذاك.
وقال غيره: قد ورد الشرع بمنع الاستنجاء بالعظم؛ لكونه زاد الإخوان من الجن، وما ذاك إلا للنجاسة المانعة من أكله، والدم بهذه المثابة.
قلت: ويظهر أن يقال: [إن] ذلك ورد منه؛ لأن الذبح بالعظم لا يجوز عندهم، وأن حكمته: ألا يكون موت الحيوان ببعض منه مبيحاً له، على أن سياق حديث رافع يدل على أن المعهود المألوف عندهم: أنه لا ذكاة إلا بالمدية.
وقوله: "ما أنهر الدم" أي: أساله، وأجراه، ومنه سمي نهر الماء: نهراً.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي حل الذكاة بالعظم؛ لأنه غير السن والظفر، وكذلك كلام البندنيجي، لأن لفظه كلفظ الشيخ، وهو ما صرح به في "الحاوي"، حيث قال: إن الشافعي – ﵁ قال في الذكاة بالعظم: "كرهته، ولا يبين لي أنه يحرم، لأنه لا يقع عليه اسم سن ولا ظفر".
فاعتبر الشافعي- ﵁ في التحريم الاسم، وأجازه بالعظم؛ لخروجه
стр. 3760
عن الاسم، وكرهه؛ لأنه في معناه، ولم يقسه عليه؛ لاستثناء أصله.
قال: وفيه عندي نظر؛ لأن النبي ﷺ علل المنع من السن، فقال: "لأنه عظم"، فصار تعليل الاسم بالعظم دليلاً على اشتراكهما في الحكم من جهة النص، وليس بقياس على النص.
وبالتحريم أجاب الإمام والبغوي وابن الصباغ، وبه صدر الروياني كلامه، وقال: لو قيل: يجوز الذبح بكل ما له حد يقطع إلا العظم كفى؛ لأن السن والظفر من جملته.
وألحق هؤلاء النصل من العظم [به]، فقالوا: لو جعل نصل السهم عظماً، وقتل به الصيد، لم يحل.
وقال في "البحر": إن بعض أصحابنا قال: إذا كان العظم من مأكول اللحم يحل به الذكاة؛ حكاه أبو سليمان الخطابي، وهو غريب.
قال: ولا يذبح بسكين كال؛ لما روى مسلم [وغيره] عن شداد بن أوس قال: خصلتان سمعتهما من رسول الله ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته".
والقتلة- بكسر القاف-: الحالة من القتل، وبفتحها: المرة منه.
"وليحد" بضم الياء آخر الحروف، وكسر الحاء المهملة، قال الجوهري: وتحديد الشفرة وإحدادها واستحدادها بمعنى.
وقال غيره: الشفرة: السكين، وقيل: السكين العريضة، وقيل: العظيمة.
وإحداد الشفرة تفسير لإحسان الذبح، وقيل: من إحسان الذبح: ألا يذبح وأخرى تنظر، والسكين معروف: سمي بذلك؛ لأنه يسكن حركة المذبوح، وفيه لغتان: التذكير، والتأنيث.
وحكى الكسائي: سكينة، ويقال للسكين: مُدْية ومَدْية [ومِدْية]؛ ثلاث لغات مشتقة من المدى، وهي الغاية؛ لأنها مدى الأجل، والكال: الضعيف الحد؛ من كَلَّ الرجل إذا أعيا، يقال: كَلَّ السكين والسيف، يكل كلالاً [وكلالة] وكلولاً.
стр. 3761
قال: فإن ذبح به حَلَّ؛ لقوله ﵇: "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكلوا" وهذا منوط بأمرين: أحدهما: ألا يكون كلالها غير قاطع بحده إلا بشدة الاعتماد وقوة الذابح، فإن كان كذلك لم يحل؛ صرح به الماوردي وغيره؛ لأنه يصير المنهر للدم هو الذابح دون الآلة.
الثاني: ألا ينتهي الحيوان قبل استكمال قطع الحلقوم والمريء إلى حركة المذبوح، أما إذا انتهى إلى ذلك فسيظهر لك ما نخرجه عليه [كما سيأتي] من بعد.
قال: وما قدر على ذبحه، أي: وحشياً كان أو إنسياً- لم يحل إلا بقطع الحلقوم والمريء.
اشتراط أصل الذكاة في حل المقدور عليه ثابت بالإجماع، وأما كيفيتها، فأقل ما يجزئ فيها عند [الإمام] الشافعي- ﵁ – قطع الحلقوم والمريء؛ لقوله ﷺ : "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله تعالى عليه فكلوا".
فاعتبرها بما أنهر الدم. وقطع الحلقوم والمريء منهر للدم؛ فتعلق به الإجزاء؛ ولأن بهما توجد الحياة، وبفقدهما تفقد الحياة؛ فإن الحلقوم- بضم الحاء والقاف-: مجرى النفس إلى الرئة، وهو في مقدم الرقبة.
والمريء- بالهمز-: مجرى الطعام والشراب، يلي الحلقوم. والمقصود بالذكاة: فوات النفس بأخف الألم؛ شداد بن أوس، وهذا ما نص عليه الشافعي- ﵁.
وعن الإصطخري: أنه يكفي قطع أحدهما؛ لفقد الحياة بقطعه.
قال الماوردي: وهذا زلل منه؛ لأن المقصود بالذكاة ما عجل التوحية من غير تعذيب وفي قطع أحدهما إبطاء للتوحية وتعذيب للنفس؛ فلم تصح به الذكاة، نعم: لو قطع بعض الحلقوم والمريء: فإن قطع أقلهما، لم يجزئ، وإن قطع أكثرهما، ففي الحل وجهان:
أحدهما- وهو مختار القاضي الروياني في الحلية-: [الحل] والظاهر من المذهب- كما قال في "البحر" وغيره أنها لا تحل أيضاً، وهو الذي أورده البندنيجي، وكذا الإمام.
стр. 3762
والمقدور على ذبحه ما كانت الحياة فيه مستقرة حال القدرة على قطع حلقومه ومريئه، سواء فيه من كانت معه آلة [الذبح أو لم يكن معه آلة] القطع؛ إما لعدم استصحابه لذلك ذاكراً كان [أو ناسياً أو لاستصحاب وسقوطه أو سرقته منه، نعم: لو غصب منه، فهل يكون عذراً] في حل الصيد ونحوه إذا مات قبل الذكاة؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ كما لو حال بينه وبينه سبع حتى مات؛ فإنه يحل.
والأظهر: المنع- أيضاً- وبه جزم الماوردي والغزالي، وفرق الماوردي بأن غصب السكين عائد إليه، ومنع السبع عائد إلى الصيد.
وأما غير الصيد من الحيوانات الأهلية، [فقد] قال الإمام: يبعد كل البعد طرد هذا الخلاف فيها إذا أشرفت على الفوات، والفرق لائح؛ فإن الصيد لو هلك قبل الإدراك حل، ومن هنا يؤخذ أن [محل الوجهين في الصيد إذا كان] بحيث لو لم يتمكن من ذكاته ومات حَلَّ، وإذا كان هذا حكم من فقد الآلة، فمن وجدها فهو أولى، سواء كانت كالة أو حادة.
وحكى الماوردي عن ابن أبي هريرة: أن السكين لو كانت في قرابها، فأمسك عليها، وتعسر عليه خروجها حتى مات الصيد: أنه يحل، لأن السكين [في الأغلب تصان] في قرابها إلى وقت الحاجة إليها؛ فلم يكن مفرطاً.
قال: وهذا عندي يعتبر بحال القراب، فإن كان على المعهود في الإمساك لما اشتمل عليه، كان مأكولاً، وإن خرج عن المعهود في الضيق والشدة كان غير مأكول.
ولو كان قد تشاغل بإحداد السكين؛ لكلالها حتى مات الصيد وما في معناه؛ ففي "الحاوي" و"تعليق القاضي الحسين": أنه حرام.
وقد اعتبر الإمام مع قطع الحلقوم والمريء أمرين [آخرين].
أحدهما: رعاية الإسراع في قطع المذبح، وحده: إلا يجد ولا يدرك انتهاء الشاة قبل انتهاء قطع الحلقوم والمريء إلى حركة المذبوح، فلو قطع الذي يذبح الشاة بعض الحلقوم وبعض المريء [على أناة] مجاوزة للعادة حتى يتبين مصير الشاة
стр. 3763
إلى حركة المذبوح قبل استكمال القطع فيما يجب قطعه [ثم] قطع البقية، فالشاة حرام؛ و [من] هنا يؤخذ أن من شرط الحل: أن يقع تمام الذكاة والحياة مستقرة في المذكى؛ كما صرح به الغزالي، لكن سيأتي في كلام الإمام وغيره عند الكلام في ذبح الشاة من قفاها ما ينازع فيه.
الثاني: ألا يقترن بقطع المذبح ما يعين على التذفيف إما محققاً أو مظنوناً، وإن كان لو تقدم مثله لم يضر، مثاله: أن يشرع واحد في قطع الحلقوم والمريء، وآخر شارع معه في إخراج الحشوة أو الحش في الخاصرة، بحيث يخرج قطع الحلقوم والمريء عن أن يكون هو المذفف، ولا شك في التحريم في هذه الصورة، وكذلك فيما لو شرع واحد في الذبح من القفا، وآخر في قطع الحلقوم والمريء، وسيأتي الكلام في بقية هذا الفرع إن شاء الله تعالى.
فإن قلت: ينبغي أن يعتبر مع ذلك أمر ثالث وهو أن يكون قطع الحلقوم والمريء بما له حدُّ يقطع؛ ليخرج به ما إذا قطعهما ببندقة رمى بها فإنه لا يحل؛ كما صرح به ابن الصباغ في هذا الباب؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وهي التي أصليت بالحجارة، وإن كان قوله- ﵇: "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوا" يقتضي الحل.
قلت: هذا الشرط قد يؤخذ من قوله أولاً: "ويجوز الذبح بكل ماله حد يقطع [به]، فإنه يفهم: أن ما ليس له حد لا يجوز الذبح به، نعم: ينبغي أن يضاف إلى ذلك [أن يقع] القطع فيما يقصد قطعه، ويحترز به عن أمرين.
أحدهما: إذا ضرب جداراً بسيف، فأصاب عنق شاة، فإنها لا تحل ألبتة؛ كما قال القاضي الحسين وغيره؛ لأنه وجد في فعله الخطأ، وعدم القصد؛ لأن النية شرط.
الثاني: إذا رمى إلى شاته الربيطة سهماً جارحاً، فاصاب الحلقوم والمريء وفاقاً، وقطعهما، فإن الإمام قال: إن في الحل نظراً مع القدرة على الذبح.
ويجوز أن يفرق بين أن يقصد الذبح بسهمه، وبين أن يقصد الشاة فيصيب المذبح.
стр. 3764
قال النواوي في "الروضة": والأصح الحل.
قلت: ويؤيده أن القاضي في "الفتاوي" قال: لو رمى إلى صيد فقبل أن يصل إليهالسهم انكسر عضو منه، وصار مقدوراً على ذبحه- لا يحل إلا أن تصيب الرمية مذبح الصيد فيحل، وسنذكر أيضاً ما يعضده عن [غير] القاضي.
و [عكس هذه الصورة] لو [رمى إليه] وهو مقدور عليه، [فأصابه السهم] وهو غير مقدور عليه- حَلَّ؛ قاله الرافعي.
وقد احترز الشيخ بقوله: "وما قدر على ذبحه" عما لا يقدر على ذبحه، وهو نوعان:
أحدهما: بعض الصيود، وسيأتي الكلام فيه.
والثاني: إذا وقعت البهيمة في بئر ونحوها، وتعذر إخراجها حية، ولم يتمكن من قطع حلقومها ومريئها، أو توحشت فإنها تلحق بالصيود المتعذر ذكاتها حتى تحل بعقرها في غير المذبح؛ روى أبو داود عن أبي العشراء عن أبيه أنه قال: يا رسول الله، أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة؟ فقال رسول الله ﷺ : "لو طعنت في فخذها، أجزأ عنك".
قال أبو داود: وهذا لا يصلح إلا في المتردية والمتوحش، وقد أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه.
стр. 3765
وروى جابر أن النبي ﷺ قال: "كل أنسيّةٍ توحشت، فذكاتها ذكاة الوحشية".
وهذا نص في الباب، وقد قال بهذا جمع من الصحابة، ومحله بالاتفاق إذا كانت الجراحة مزففة؛ لأنها حينئذ تلحق بقطع الحلقوم والمريء.
أما إذا لم تكن كذلك مع القدرة على التذفيف، فالذي قاله القفال والمحققون: عدم الحل؛ لأنه- ﵇ قال: "لو طعنت في خاصرته لحلَّ لك"، والجرح في الخاصرة مذفف.
وقد قال بعض الأصحاب: يكفي الجرح المدمي الذي يجوز وقوع القتل به، قال الرافعي: وهو ما أورده المعظم.
ولو ندَّ البعير، وشردت الشاة، وتعذر الوصول إليها؛ لإفضائها إلى مهلكة أو مسبعة- فحكمه كما ذكرناه.
[و] روى البخاري ومسلم وغيرهما عن رافع بن خديج في بقية الحديث السابق أن النبي ﷺ أصاب نهبي فند منها بعير، ولم يكن معهم حبل، فرماه رجل بسهم فحبسه- أي: أماته- فقال النبي ﷺ : "إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما فعل منها هذا، فافعلوا به مثل هذا". وروى: "فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا".
والأوابد: هي التي قد تأبدت، أي: توحشت [ونفرت من الإنس، يقال: أبد الرجل أبوداً؛ إذا توحش] وتخلى.
نعم: يختلف حكم البعير إذا ندَّ وإذا وقع في بئر؛ فإنه لو أرسل على الناد كلباً فقتله حل، ولو أرسل عليه وهو في البئر كلباً، ففي حله وجهان: أصحهما في "البحر": المنع.
стр. 3766
ومقابله: منسوب إلى البصريين، وصححه النواوي في "الروضة"، وكذا الشاشي.
أما لو كان لا يفضي شرود الشاة والبعير إلى مهلكة، وربما كان يسكن فيدرك، قال الإمام: فالظاهر عندي أن الذبح فيه لا يحصل بالجرح في غير المذبح؛ فإن هذا التعذر إلى زوال؛ فلا حكم له، وفي كلام أصحابنا ما يدل على خلافه.
وقد جعل الغزالي ما أبداه الإمام الظاهر من المذهب.
قال الإمام: وعلى هذا لو كان الحيوان لا يفضي بشروده إلى مهلكة، لكنه يفضي به إلى الوقوع بين لصوص أو غصاب، فوجهان.
وعلى كل حال: فإذا ألحقنا نداد البعير بوقوعه في البئر، فهل يشترط في حله التذفيف في رميه إذا أمكن، وقلنا باشتراطه في جرحه إذا وقع في البئر؟ الحكم فيه الصيد، وقد حكى الإمام فيه اختلافاً، فقال: من أصحابنا من قال: لا يجب اتباع
стр. 3767
الرمي، ومنهم من أوجبه.
فرعان: أحدهما: لو تردى بعير فوق بعير، فغرز رمحاً في الأول، فنفذ منه إلى الثاني، قال القاضي الحسين: إن كان عالماً بالثاني، حلَّ، وكذا إن كان جاهلاً به على المذهب؛ كما لو رمى صيداً فأصابه، ونفذ منه فأصاب آخر يحل.
الثاني: إذا صال عليه صيد أو بعير، فدفعه عن نفسه، وجرحه فقتله، قال القاضي الحسين [في التعليق:] فالظاهر أنه يحل إذا أصاب المذبح، وإن لم يصب المذبح فوجهان.
واعلم أن بعضهم جعل من جملة ما احترز عنه الشيخ بقوله: "وما قدر على ذبحه" الجنين؛ للخبر، وفيه نظر؛ لأن الشرع جعل [من جملة] ذكاته ذكاة أمه، وذكاة أمه لا تخرج عن القسمين؛ فلا معنى لذكره؛ لأن المقصود هاهنا بيان كيفية الذكاة، لا نفس الحل من غير ذكاة؛ فإنه محله ما تقدم.
نعم: لو خرج الجنين وفيه حياة يتسع معها الزمان لذبحه، فلم يذبحه-[ولو] لفقد الآلة- ومات، لم يحل، وإن خرج حياً، ولم يتسع الزمان لذكاته، حلَّ، فلعله أراد هذه الحالة. ولو خرج بعضه والحياة مستقرة فيه قال في "التهذيب": فلا يحل بذبح الأم. وقال القفال: يحل.
وفي "النهاية" ما يقتضي أن يكون الصحيح الحل، وأن المعزى إلى القفال خلافه؛ فإنه قال في باب العدد: إذا انفصل بعض الجنين وصرخ واستهل، ينزل في جميع أحكامه منزلة الجنين الذي لم ينفصل منه شيء، وعزى إلى القفال أنه ينزل منزلة المنفصل بجملته في جميع القضايا والأحكام، وهذا إن كان منقاساً فهو ضعيف في الحكاية ما أراه ملحقا بالمذهب [والله أعلم].
واحترز الشيخ بقوله: "لم يحل إلا بقطع الحلقوم [والمريء"] عما لو اختطف رأس العصفور قلعاً، فإنه لا يحل؛ لأنه لا يسمى ذكاة، بل هو في معنى الخنق لا في معنى القطع.
قال: ويستحب أن توجه الذبيحة إلى القبلة، أي: في الأضحية والهدي وغيرهما؛
стр. 3768
لأن خير المجالس ما استقبل به القبلة، ولأنه لابد [لها] من جهة، فكانت جهة القبلة أولى، وذلك في الأضحية ونحوها أشد استحباباً؛ لأنه- ﵇ وجه كبشه إلى القبلة. وروي عن عائشة- ﵂ أن النبي ﷺ قال: "ضحوا وطيبوا أنفسكم؛ فإنه ليس من مسلم يوجه أضحيته إلى القبلة إلا كان دها وقرنها وصوفها حسنات [في ميزانه].
فإن قيل: هذه حالة إخراج نجاسة؛ فيكره استقبال القبلة بها؛ كحالة التغوط والبول.
قيل: الفرق أن هذه حالة يستحب فيها ذكر الله تعالى؛ فاستحب فيها استقبال القبلة؛ بخلاف تلك مع أن كشف العورة يلازمها.
وقد اختلف الأصحاب في كيفية توجيهها إلى القبلة على أوجه:
أظهرها في "الإبانة" وغيرها: أنه يوجه المذبح ولا يوجه وجهها؛ لأن استقبال القبلة في حقه مستحب، فلو وجهها لاحتاج أن يستدبر القبلة، ويجعلها على يساره، وهذا ما دَلَّ عليه النص؛ فإن البيهقي نقل عن الشافعي- ﵁ أنه قال: "أحبُّ في الذبيحة أن توجّه إلى القبلة، وإن استقبل الذابح القبلة فهو أحب إليَّ".
والثاني: أنه يوجه [جميع] بدنها.
والثالث: أنه يوجه قوائمها.
قال: ويسمى الله تعالى [عليها]، الأصل في مشروعية التسمية قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨]، وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤.
وقد سمى رسول الله ﷺ حين ذبح أضحيته فقال: "بسم الله"، كما أخرجه البخاري ومسلم عن رواية عائشة، ﵂.
والأصل في كونها سنة حتى إذا تركت لم تؤثر في الحل: أن الله تعالى أحَلَّ ذبائح
стр. 3769
أهل الكتاب، وهم لا يذكرون اسم الله تعالى عليها غالباً، وأباح رسول الله ﷺ لأبي ثعلبة الخشني ما أمسك عليه كلبه، وردَّ عليه قوسه ذكياً وغير ذكي، ولم يأمره بالتسمية.
وروى مسلم والبخاري عن عائشة- ﵂ أن ناساً قالوا: يا رسول الله، إن قوماً من الأعراب يأتوننا باللحم، ما ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال النبي ﷺ : "سموا الله وكلوا" فدل على أنها غير واجبة.
وروى البراء بن عازب عن النبي ﷺ أنه قال: "المسلم يذبح على اسم الله، سمى أو لم يسم".
وروى أبو هريرة أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ قال: يا رسول الله، أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي الله تعالى؟ [فقال: "اسم الله على قلب كل مسلم".
ولهذا قال الشافعي- ﵁: "وإذا أرسل أحببت أن يسمي الله تعالى] فإن نسي فلا بأس؛ لأن المسلم يذبح على اسم الله"، وأراد بهذا الجواب لمن احتج بقوله تعالى: ﴿وَلا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١].
стр. 3770
وبقوله ﵇: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل"، فجعل ذلك شرطاً.
وقد أجبت عن الآية بجواب آخر وهو ما روي [أن] ابن عباس قال: المقصود بها تحريم أكل الميتة، وذاك أن مجوس الفرس قالوا لقريش: تأكلون مما قتلتم، ولا تأكلون مما قتله الله؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] ويدل عليه سياق الآية؛ فإنه قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وأجمعنا على أن من أكل من ذبيحة مسلم لم يسم الله عليها، فليس بفاسق، وكذا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وأراد به: وحي المجوس إلى قريش.
وإذا ثبت استحباب التسمية عند الذبح، كان [استحبابها] في [ذبح] الأضحية ونحوها آكد.
وكذا يستحب عند إرسال الكلب والسهم إلى الصيد ونحوه.
وهل يستحب عند عض الكلب وإصابة السهم؟ فيه وجهان ينسبان إلى الشيخ أبي محمد.
قال الرافعي: وهذا في تأدية الاستحباب بكماله، أما أصل الاستحباب عند الإصابة إذا تركت التسمية عند الإرسال، فما [ينبغي أن] يكون فيه خلاف؛ كما أن من ترك التسمية في ابتداء الوضوء والأكل، يستحب له أن يسمي في أثنائهما.
والتسمية: باسم الله، فإن زاد شيئاً من ذكر الله تعالى، فالزيادة خير؛ حكاه في "البحر" عن البيهقي عن الشافعي، ﵁.
قال في "الحاوي": ويختار في الأضحية خاصة أن يكبر الله تعالى قبل التسمية وبعدها ثلاثاً؛ لأنها في أيام التكبير، فيقول: "الله أكبر الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد"، خاتماً بالحمد بعد التكبير.
قال: ويصلي على النبي ﷺ ، قياساً على سائر المواضع، وهذا ما نص عليه في "الأم" حيث قال: "ولا أكره الصلاة على رسول الله ﷺ ، ولكن أستحبها"، وإن كانت رواية المزني تفهم أنها لا تستحب ولا تكره؛ لأنه حكي عنه أنه قال: "ولا أكره الصلاة
стр. 3771
على رسول الله ﷺ ؛ لأنها إيمان بالله تعالى؛ قال- ﵇: "أخبرني جبريل عن الله سبحانه أنه قال: من صلى عليك صليت عليه".
وهذه اللفظة إنما تستعمل فيما لا يستحب؛ ولأجل ذلك، قال ابن أبي هريرة: لا تستحب. وليس بصحيح.
ولا نزاع في أنه لو قال: "أذبح للنبي ﷺ "، أو: "تقرباً له" لا يحل أكلها؛ كما نص [عليه] الشافعي- ﵁ في "الأم" حيث قال: "لو قال: أهللت بها لعيسى، حرم أكلها".
وفي "المختصر": "على أن أهل الكتاب إذا كانت لهم ذبائح يذبحونها باسم غير الله [ ] كالمسيح لم يحل".
وعن أبي الحسين تخريج وجه حكاه الرافعي فيما إذا ذبح المسلم للرسول أو للكعبة: أنه يحل، بخلاف ما لو ذبح اليهودي لموسى والنصراني لعيسى؛ لأن المسلم يذبح لله سبحانه، ولا يعتقد في الرسول ما يعتقده اليهودي والنصراني في موسى وعيسى.
نعم: لو ذبح النصراني لله، وذكر اسم المسيح، فهو حلال، وإن كان مكروهاً.
قال: وهكذا الحكم فيما لو ذبح للجن؛ روي أنه- ﵇ نهى عن ذبائح الجن.
قال أبو عبيد: وهو أن يشتري الرجل داراً أو يستخرج عيناً فيذبح؛ خوفاً من أن يصيبه الجن فيها، فإن فعل ذلك؛ تقرباً لله تعالى؛ ليرفع إصابة الجن- حَلَّ، وإن ذبح للجن؛ استدفاعاً بهم، حرم أكلها.
قال: وأن يقطع الأوداج كلها؛ لأن ذلك أرجى وأسهل لخروج الروح، فهو من
стр. 3772
الإحسان في الذبح، وفيه خروج من خلاف من يذكره.
والمراد بالأوداج: الحلقوم والمريء والوريدان، وهما عرقان في جانبي العنق من مقدمه يحيطان بالحلقوم، ويقال: إنهما يحيطان بالمريء؛ لأن اسم الأوداج يقع عليهما؛ صرح به الرافعي وغيره، ويظهر أن يكون ذلك من باب التغليب؛ فإنه ليس للحيوان إلا ودجان.
وقد جاء في الحديث: "ما أفرى الأوداج فكل".
وروي أنه قال "أفر الأوداج ولا تزد"، والمراد ما ذكرناه؛ ولأجله اشترط مالك – ﵀ في الحل قطعهما مع الحلقوم والمريء، [و] دليلنا عليه ما تقدم، والحديث محمول على الندب.
أو نقول: خرج مخرج الغالب؛ فإنه لا يتأتى قطع الحلقوم والمريء إلا بقطعهما غالباً، وهما قد يسلان من الآدمي وغيره ويعيش؛ فلا يشترط قطعهما كسائر العروق.
فإن قلت: الحلقوم والمريء قطعهما شرط، فكيف نجعله مستحباً؟ قلت: المستحب قطع الوريدين مع قطعهما، فالمجموع هو المستحب، وهذا كقوله في باب سنن الوضوء والطهارة: "ثلاثاً ثلاثاً" مع أن الغسلة الأولى فرض.
وإن سلكت ما سلكه النواوي في أن المراد بقوله: "الأوداج": الودجين لا غير؛ إما لأن إطلاق صيغة الجمع على الاثنين حقيقة كما هو عند طائفة، أو مجاز كما هو عند الأكثرين- اندفع السؤال من أصله.
قال: وأن ينحر الإبل؛ لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] على التفسير الأشهر، والمعنى فيه: أنه أسرع لخروج الروح منها بسبب طول أعناقها، وقضية ذلك: أن تشاركها الزرافة فيه إذا رأينا إباحة أكلها والنعام والبط.
قال: معقولة من قيام؛ لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦].
стр. 3773
قال ابن عباس: معقولة إحدى يديها.
وروى أبو داود عن أنس أن النبي ﷺ نحر سبع بدنات بيده قياماً.
وعن ابن عمر: أن رجلاً أضجع بدنة، فقال: قياماً سنة أبي القاسم ﷺ .
ويستحب أن تكون اليد المعقولة هي اليسرى؛ لما روى جابر أنه- ﵇ وأصحابه كانوا ينحرون الإبل معقولة اليسرى.
والنحر: الطعن بحديدة أو سكينة أو حربة وما له حد، في المنحر، وهو ثغرة النحر، وهي الوهدة التي في أعلى الصدر وأصل العنق.
قال البندنيجي: ولا حد له غير أنه إذا نحر المكان أجزأه، وكلامه يفهم أن إيجاب قطع الحلقوم والمريء واستحباب قطع الودجين مخصوص بالذبح؛ لأنه قال بعد ذلك: "وأما الذبح فالكلام فيه [في] فصلين في الكمال، وأقل الإجزاء .. "، وساق ما ذكرناه.
وفي "الحاوي" و"النهاية" وغيرهما: أن المقطوع من البعير الحلقوم والمريء أيضاً، وهذا هو الذي يقتضيه كلام الشيخ، والله أعلم.
قال: ويذبح البقر والغنم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] [وما روى مسلم عن عائشة قالت: "ذبح رسول الله ﷺ عن نسائه البقر يوم النحر"].
стр. 3774
وما روي "أنه- ﵇ ضحى بكبشين أقرنين أملحين، يذبح ويكبر ويسمي، ويضع رجله على صفحتهما" [كما] أخرجه البخاري ومسلم.
والذبح: الشق والفتح في المذبح، وهو في أسفل مجتمع اللحيين في أعلى العنق.
[قال:] مضجعة أما في الغنم فللخبر، وقد جاء في البخاري ومسلم عن عائشة أنه- ﵇ أخذ الكبش فأضجعه وذبحه.
وأما في البقر؛ فبالقياس على الغنم؛ لمشاركتها لها في سنة الذبح، ولأنه أمكن.
ويستحب أن تكون مضجعة على الجنب الأيسر، ويترك رجلها اليسرى، ويشد قوائمها الثلاث، ويكون إضجاعها برفق.
ولو عكس المذكي، فذبح الإبل، ونحر البقر والغنم في اللبة [كما ذكرنا] أجزأه:
أما في الإبل؛ فلأن ما كان ذكاة في البقر، كان ذكاة في الإبل؛ كالنحر.
وأما في البقر والغنم؛ فقد ادعى الشيخ أبو حامد فيه الإجماع، وفيه شيء؛ لأن المالكية يذكرون خلافاً فيه.
وقد روى مسلم وغيره عن جابر قال: "نحرنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة"، وذلك حجة [على] من خالف فيها، ويظهر أن يكون هذا الخبر أيضاً حجة من قال من أصحابنا: إنه يتخير في البقر بين النحر والذبح، وهو ما أورده في "الإبانة".
وقد صرح الشافعي- ﵁ بكراهة ذبح الإبل؛ لأن الإمام مالك- ﵀ خالف في حلها كما هو المشهور عنه؛ تمسكاً بأن عنق البعير طويل، فإذا ذبح ترددت الروح فيه، وأدى ذلك إلى بقاء حياة فيه وتعذيب.
قال أصحابنا: وهذا يبطل بالنعام والبط؛ فإن عنقه طويل وتردد الروح [فيه
стр. 3775
لذلك]، ومع ذلك يجزئ ذبحه، وسكت الأصحاب عن كراهة نحر البقر والغنم.
وقال الرافعي: إن ذلك غير مكروه، وكذلك ذبح الإبل وإن ترك المستحب، ثم قال: وقيل: إنه يكره.
وفي "تعليق البندنيجي": أنه يكره قطع ما بين الثغرة والمذبح.
قال: ولا يكسر عنقها ولا يسلخ جلدها حتى تبرد؛ لأن فعل ذلك قبل أن تبرد تعذيب للحيوان.
وقد روي عن عمر أنه قال: لا تعجلوا الأنفس أن تزهق، ولا تنخعوا، ولا تفترسوا.
والزهق: الإسراع، والمراد به: إسراع خروج الروح، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٥].
قال الماوردي: وفي المراد بنهي عمر ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يقطع أعضاء الذبيحة قبل خروج نفسها؛ كالذي كانت الجاهلية تفعله.
والثاني: تعجيل سلخها قبل خروج نفسها؛ لتعجيل أكلها.
والثالث: أن يمسكها بعد الذبح حتى لا تضطرب؛ ليتعجل خروج روحها؛ كاليهود.
قال البندنيجي: والنخع: قال الشافعي: هو كسر العنق بعد الذبح، والمشهور أن النخع: المبالغة في الذبح إلى أن يصل القطع إلى النخاع؛ كما قاله أبو عبيدة وأبو عبيد.
والنخاع: عرق أبيض، يمتد من الدماغ، ويستبطن القفا و [يمتد] إلى عجب الذنب.
وقد حكي عن أبي عبيد: أنه عظم في الصلب يمتد إلى القفا، وعلى كل حال فهو مكروه.
стр. 3776
والفرس: قال أبو عبيدة: هو والنخع واحد.
وقال أبو عبيد: الفرس: كسر العنق، ومنه سميت الفريسة؛ فإن السبع إذا أخذها كسر عنقها، وهكذا ذكر الشافعي- ﵁ في تفسير الفرس.
وقال ابن أبي هريرة: هو كسر عظم الرأس.
وقيل: هو قطع الرأس.
وقد أفهم كلام الشيخ: أن عدم كسر العنق، وسلخ الجلد قبل أن يبرد مستحب، وما كان تركه مستحباً، فقد يطلق على فاعله أنه ترك الأولى، وقد يطلق عليه أنه فعل مكروهاً، وهو الذي صرح به الأصحاب هاهنا، وقال الماوردي: إن كراهة قطعها قبل أن تبرد أغلظ من كراهة سلخها.
تنبيه: إذا عرفت أن كسر العنق وقطع ما وراء الحلقوم والمريء مكروه، عرفت أن فعل ذلك قبل قطع المريء والحلقوم أشد كراهة، وربما قيل: إنه محرم وإن حل الأكل؛ لوجود شرط الذكاة- كما سنذكره- صرح به الرافعي، وكذا فيما إذا ابتدأ في القطع من صفحة العنق؛ لأنه يعرض الحيوان لأن يكون ميتة، فإن الحل في هذه الحالة منوط- كما قال الفوراني وأبو الطيب وابن الصباغ والمصنف- بأن تكون الحياة فيه مستقرة قبل قطع المريء والحلقوم، وقد تفقد؛ فلا يحل.
قال ابن الصباغ: وينبغي أن يعتبر بقاء الحياة المستقرة- أيضاً- بعد قطع الحلقوم؛ لأنه لم يحل بقطع الحلقوم خاصة، وهذا منه يفهم أمرين:
أحدهما: أن الذي يقع الابتداء بقطعه في هذه الصورة الحلقوم؛ لأنه لو اتقد أن المبتدأ بقطعه فيها المريء، لم ينتظم ما ذكره من التعليل، ولكان ما أبداه احتمالاً هو ظاهر النص، وليس الأمر كذلك، بل الذي يقع الابتداء بقطعه [في هذه الصورة] المريء.
والثاني على تقدير أن الذي يقع الابتداء بقطعه في هذه الصورة الحلقوم: أن المذهب الاكتفاء بكون الحياة مستقرة عند الشروع في قطع الحلقوم، وقياسه: أن
стр. 3777
يكتفي بكون الحياة مستقرة فيما إذا ابتدأ القطع من مقدم العنق عند قطع الحلقوم خاصة أيضاً، وعليه ينطبق قول الإمام في [مسألتنا]: إن الحياة لو كانت مستقرة [عند الشروع] في قطع المريء والحلقوم، يحل وإن لم توجد عند تمام قطعهما؛ إذا وجد الإسراع على النسق المعتاد، فإنا لو قلنا بالتحريم، لم يأمن أن يتوجه مثل هذا التقدير من غير قطع يتقدم الأخذ في فري المذبح، لكن الذي حكاه المزني عن الشافعي- ﵁ في "المختصر": أنها إن تحركت بعد قطع رأسها أكلت وإلا لم تؤكل.
وفسر البندنيجي وجمهور الأصحاب ذلك بأن الشافعي قال: إنما تعلم الحياة المستقرة بشدة الحركة، فإن كانت الحركة شديدة بعد قطع الرقبة؛ فالحياة مستقرة، وإن لم يكن هناك حركة؛ فليس هناك حياة وهذا يقتضي اعتبار استقرار الحياة بعد قطع جميع الرأس، وهذا ما أورده الماوردي.
وقد أنكر القاضي الحسين صحة ما نقله المزني، وقال: إنما قال الشافعي- ﵁: "لو ذبحها من قفاها أو إحدى صفحتي عنقها، ثم لم يعلم متى ماتت؟ لم يأكلها حتى يعلم، فإن علم أنها حييت بعد قطع القفا أو إحدى صفحتي العنق، حتى وصل بالمدية إلى الحلقوم والمريء وقطعهما وهي حية- أكلت، وإن كان مسيئاً بالجرح الأول؛ كما لو جرحها، ثم ذكاها، وكما لو جرحه السبع أو غيره، ثم ذكى، وكان فيه حياة- حلَّ؛ وهذا يقتضي أيضاً اعتبار الحياة بعد قطع الرأس.
وكلام الغزالي يقتضي اعتبار استقرار الحياة إلى انتهاء ما يجب قطعه في الذكاة، وهو موافق لما دل عليه ظاهر النص، بل يتعين حمل النص عليه، وبذلك يحصل في المسألة ثلاثة احتمالات.
وقد حكى الإمام: أن صاحب "التقريب" اعترض على المزني وجمهور الأصحاب فيما ذكروه محقاً، فقال: لا تعويل على التحريك بعد قطع المذبح؛ بدليل أن الشاة التي لا آفة بها إذا قطعنا منها الحلقوم والمريء، وأخذت في الاضطراب الشديد لو
стр. 3778
أبنا حشوتها، فقد تتحرك بعد ذلك، فإن كان إبانة الحشوة مذففاً كقطع الحلقوم والمريء، فلا وجه للاعتماد على الحركة وفقدها، بل المعتبر في الحل ألا ينتهي الحيوان قبل القطع إلى حركة المذبوح، ويكفي ظهور ذلك على طريق العلم أو الظن بعلامات دلت عليه، سواء كانت تدخل تحت الوصف أو لا، بل تدرك بقرائن الأحوال التي لا يضبطها الوصف: كعلامات الخجل والغضب والوجل، فإن وقع في ذلك شك، ففيه ما سنذكره من بعد، إن شاء الله تعالى.
والقائلون بصحة نقل المزني- وهم العراقيون- اختلفوا: لم اعتبر الشافعي- ﵁ الحركة هاهنا؟ فمنهم من قال: لأنه وجد منه فعلان:
أحدهما: تتعلق به الإباحة.
والآخر: يتعلق به الحظر؛ فاعتبرت الحركة؛ للفصل بين أثر الفعلين.
وقال أبو إسحاق: الظاهر: أن الحيوان إذا قطع رأسه من قفاه، لا يبقى فيه حياة مستقرة قبل قطع الحلقوم، فإذا لم يتبين ذلك بوجود الحركة، وجب التحريم بحكم الظاهر، وسيأتي الكلام في بقية ما قيل في تفسير الحياة المستقرة وأمور أخر تتعلق بما نحن فيه، فليطلب من بعد، إن شاء الله تعالى.
وقد عد من المستحبات في الذبح أن يساق ما يذبح إلى المذبح سوقاً رفيقاً، ويعرض عليها الماء قبل الذبح خوفاً من عطشها المعين على تلفها، وليكون ذلك أسهل عند سلخها وتقطيعها، ولا يعرض عليها العلف؛ لأنها لا تستمرئه إلى حين الذبح فيكثر به الفرث، وإلا يحد [الشفرة] في وجهها، وإلا يذبح بعضها في وجه [بعض؛] لورود الأثر فيه.
قال: وإن علم جارحة أي: من كلب أو فهد أو بازي ونحوها؛ بحيث إذا أغراه على الصيد- أي: أرسله إليه- طلبه، وإذا أشلاه استشلى، أي: إذا استدعاه أتى، وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه، أي: فلا يأكل منه، وخلَّى بينه وبينه، أي: من غير أن يهر في وجهه، ثم أرسله من هو من أهل الذكاة، فقتل الصيد بظفره أو نابه، أي: وما في
стр. 3779
معناه: كالمخلب، والمنقار، أو تركه، ولم تبق فيه حياة مستقرة، أي: بسبب ما ناله من ظفره أو نابه ونحوهما، أو بقيت فيه حياة مستقرة، أي: بعد جرحه بظفره أو نابه إلا أنه لم يبق من الزمان ما يمكن ذبحه فيه، أي: مع مبادرته إليه حتى مات- حل للكتاب والسنة: فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤].
قال ابن عباس: الجوارح: الكلاب المعلمة، والبازي، وكل طائر يعلم للصيد، وهي مشتقة من الجرح، وهو الكسب؛ لكسب أهلها بها، يقال: فلان جارحة أهله، أي: كاسبهم؛ ولأجل ذلك سميت أعضاء الآدمي جوارح؛ لأن بها يكتسب الأعمال.
وقال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أي: كسبتم، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] أي: اكتسبوها.
وقيل: من الجراحة؛ لأنها تجرح في الغالب.
وقوله – تعالى-: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] قيل: إنه من التكليب، وهو الإغراء- وهذا قول ابن عباس.
وقيل: من التضرية بالاصطياد- كما يقال: تكلب واستكلب؛ إذا ضرى، وتعود ذلك، وعليه يدل قول أبي ثعلبة: "يا رسول الله، إن لي كلاباً متكلبة، فأفتني في صيدها، فقال: "إذا [كان لك كلاب] مكلبة، فكل مما أمسكن عليك".
وقيل: من التحامل والشدة؛ لأن الكلب: الشدة؛ قال الشاعر [من الطويل]:
فما غليان القدر في كلب الشتا كمن لم يكن في الصيف يغلو دماغه
وقال ابن عمر ومجاهد وغيرهما: تقدير الآية: كلبتم من الكلاب؛ فلا يجوز الاصطياد إلا بالكلب، وحديث عدي بن حاتم حجة عليهم؛ فإن الترمذي روى عنه
стр. 3780
قال: "سألت رسول الله ﷺ عن صيد البازي، فقال: "ما أمسك عليك فكل".
و- أيضاً-: فاسم الكلب يقع على غيره من السباع؛ روي "أن النبي ﷺ دعا على عتبة بن أبي لهب، فقال: "اللهم سلط عليه كلباً من كلابك"، فخرج في سفرة إلى الشام، فلما نزلوا بالوادي، سمعوا زئير الأسد؛ ففزع عتبة، وقال لهم: احفظوني، فأناخوا الأجمال، وحملوا الأمتعة، ووضعوها حواليه، وناموا حواليه، وهو نائم وسطهم، فجاء الأسد، وكان يشم واحداً واحداً منهم، ثم جاء إليه، واشتم منه عداوة رسول الله ﷺ ، فأخذه، وافترسه، ولم يأكل منه شيئاً، وسمع منه يقول: استجيبت [في] دعوة محمد؛ فهذا دليل على أن اسم الكلب يقع على غير الكلب.
وأما السنة: فما روى مسلم عن عدي بن حاتم قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك فأدركته حياً فاذبحه، وإن أدركه [و] قد قتل، ولم يأكل منه، فكل، وسيأتي ذكر بقية الحديث عند الحاجة إليه.
стр. 3781
ولا فرق في الكلب بين الأسود البهيم وبين غيره.
وفي "البحر": أن أبا بكر الفارسي من أصحابنا قال: لا يحل صيد الكلب الأسود البهيم- كمذهب أحمد وغيره- لأمره ﵇ بقتله، والأول هو المشهور، والخبر محمول على غير المعلم العقور.
ثم الحيثية التي ذكرها الشيخ لا يتقيد حصولها بعدد، بل إذا صار شأن الكلب كذلك حلت فريسته بالشرائط المذكورة، والمرجع في ذلك إلى العرف؛ لأنه لا حد له لغة وشرعاً؛ فكان كالحرز والقبض والإحياء، ووراء ذلك وجهان:
أحدهما: أنه يكفي تكرار ذلك منه مرتين؛ لأن العادة تثبت بهما.
والثاني- عن شرح الموفق بن طاهر-: أنه يعتبر ثلاث مرات، وهو ما ذكره الماوردي في كتاب الحجر عند الكلام في الرشد.
ويقرب منه قول البغوي: إذا أفلته ثلاث مرات حل ما قتل في الرابعة.
والحياة مستقرة، قال ابن الصباغ: في تمثيلها: أن يكون الحيوان بحيث لو ترك لبقي يوماً أو بعض يوم، وغير المستقرة لو ترك لمات في الحال.
وقال غيره: الحياة المستقرة [ألا] ينتهي إلى حركة المذبوح.
وقال في "المرشد": تعرف الحياة المستقرة بسببين:
стр. 3782
أحدهما: أن يكون حال وصول السكين إلى الحلقوم [تضطرب عيناه] أو يحرك ذنبه؛ لأن الحياة إذا زالت من أسفله، لم يتحرك ذنبه وشخص بصره.
وعن بعض الأصحاب: أن خروج الدم دليل استقرار الحياة، وجزم النواوي بأن انفجار الدم [بعد الذبح] وتدفقه مع وجود الحركة الشديد من أمارات بقاء الحياة المستقرة، وأن الحركة الشديدة وحدها كذلك على الأصح.
وإذا عرفت ما قيل في طريق معرفة ذلك، عرفت أن الأحوط للصائد مبادرة ذبح الصيد ما توهم فيه بقاء حياة، فإن ظهرت بعده أمارات [استقرارها كان محصلاً لحله، وإن ظهرت أمارات] فقدها كان محصلاً للسنة، فإن الأصحاب قالوا: يستحب للصائد إذا أدرك الصيد وفيه حياة، وقد أخرج الجارح ونحوه حشوته، ذبحه؛ ليسهل خروج روحه، فلو لم يفعل ذلك ومات، فإن ظهر له أمارات [استقرار الحياة فيه حين أدرك ذكاته لم يحل، وإن ظهرت أمارات] فقدها حل.
وعكس هذه الصورة في الحكم ما لو أكل السبع بعض فريسة، أو انهدم سقف على شاة، وبقيت فيها حياة، ثم قطع حلقومها ومريئها، فإن ظهرت أمارات استقرار الحياة، حلت؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] وعن القاضي ابن كج حكاية قول عن رواية الفارسي: إنها لا تحل.
وإن ظهرت أمارات فقده، لم تحل.
وعن أبي حفص بن الوكيل: أنه أثبت قولاً [واحداً] في هذه الحالة: أنها تحل، والمذهب التحريم.
قال في "التهذيب": وهذا بخلاف [الشاة] إذا مرضت، فصارت إلى أدنى الرمق، [فذبحت، تحل؛ لأنه لم يوجد سبب يحال عليه القتل.
قال: ولو أكلت الشاة الشب؛ فصارت به إلى أدنى الرمق]. بحيث لا تكون
стр. 3783
الحياة فيها مستقرة، فذبحت، ذكر شيخي يعني: القاضي الحسين- فيها وجهين، ثم قطع في كرة أنها لا تحل؛ لأنا وجدنا سبباً نحيل الموت عليه؛ كما لو صارت إلى هذه الحالة بجرح السبع.
ولو لم يظهر للصائدح وقد ترك الذكاة حتى مات الصيد- إحدى الحالتين السابقتين، بل وقع الشك في استقرار حياته وفقدها، وكذا فيما إذا كان قد ذبح الشاة من قفاها وأبان الرأس، وفيما إذا قطع منحر ما افترسه السبع ونحوه، فهل تحل؟ فيه وجهان مأخوذان في مسألة الصيد- كما قال الماوردي- من القولين الآتيين فيما إذا جرح الصيد، وغاب عنه، ثم وجده ميتاً، لكن الأصح هنا الحل.
وفي مسألة المذبوحة من القفا ونحوها من تقابل الأصلين.
والظاهر من قول أبي إسحاق التحريم؛ لأن الأصل الحظر، وهو ما اختاره الإمام.
والظاهر من قول ابن أبي هريرة: الحل؛ لأن الأصل بقاء الحياة حتى يعلم فواتها، والله أعلم.
والمبادرة التي تقدم ذكرها قد اختلف الأصحاب في ضبطها:
فقال ابن أبي هريرة: إنه يعتبر فيها صفة مشي مثله على مألوف سكينته، ولا يعتبر فيه السعي؛ كما لا يعتبر في إدراك الجمعة، وهو ما أورده في "التهذيب"، [والأظهر في الرافعي].
وقال غيره: إنه السعي المعتاد في طلب الصيد؛ لأنه مخالف لسكينة المشي في عرف أهله، وهذا ما أورده في "الوجيز".
وقال الإمام: من اكتفي بالمشي، فالوجه أن يتشوف إلى الإسراع في المشي قليلاً، فإن الماشي على هينته خارج عن عادة الطلب، ومن كلفه العدو لم يكلفه المبالغة حتى يقهر أو يناله ضرر.
تنبيه: كلام الشيخ يقتضي أموراً:
أحدها: التسوية بين جميع الجوارح من الكلاب والنمور وغيرها، والبازي ونحوه- في جميع ما ذكره من شرائط التعليم، وهو ما ذكره صاحب "البحر" وغيره، ونسبه في الطيور إلى النص في "المبسوط" كما سنذكره.
стр. 3784
وفي "تعليق القاضي الحسين" و"النهاية": أن شرط الانكفاف عن الأكل معتبر في الجوارح من الكلاب، وفي اعتباره في جوارح الطيور قولان، وهما منسوبان إلى رواية الصيدلاني وغيره:
أحدهما: الاشتراط، وهو الأظهر.
والثاني: لا؛ فإن الكلب إنما ينكف عن الأكل عن فريسته بالضرب والدق العنيف، وجوارح الطير لا تحتمل ذلك، ولا يتوصل إلى صرفها عن الأكل من غير زجر، بل قيل سبيل تعليمها بالإطماع في الطعام.
وفي الرافعي: أن أبا يعقوب الأبيوردي حكى قولاً مثله في جوارح السباع، وأن في كتاب ابن كج نحواً منه.
وقد استبعد الإمام وقوع تعليم الفهد والنمر؛ من حيث إنه لا يؤثر فيه الانطباع، ولا ينزجر إذا زجر، ولا يتوقف استشلاؤه على الإشلاء، ولا يترك الأكل، ولا يتأتى صرفه على ذلك؛ فإنه لو صرف لعاد إلى نفوره، نعم: لو [تصور] ذلك منه [على] ندور كان حكمه حكم الكلب فيما ذكرناه، وحيث لا يتصور، فمقصود صاحبه بإرساله على الصيد أن يمسكه، لعله يدرك ذكاته؛ فيحل له إذ ذاك، كما نقول في الكلب الذي ليس بمعلم.
وقد جزم في "الوجيز" بأن فريسة الفهد والنمر حرام؛ لأنه لا يتأدب ويترك الأكل.
قال الرافعي: ومضمون هذا أن ما يفعله الفهد والنمر حرام؛ لأنه لا يصير معلماً؛ لأن أحد أركان التعليم ترك الأكل، ولكنه لا يتركه، لكن هذا المفهوم خلاف ما نص عليه الشافعي- ﵁ والأصحاب، وأراد بالنص: ما حكاه في"المختصر"؛ فإنه قال: "يجوز بكل معلم من كلب [و] فهد ونمر وغيرها من الوحوش، وكان [بحيث] إذا أشلى استشلى، وإذا أخذ حبس ولم يأكل، فإذا فعل هذا مرة بعد مرة فهو معلم".
الأمر الثاني: أنه لا فرق في اشتراط إتيان الجارح عند إشلائه بين أن يكون في
стр. 3785
ابتداء إطلاقه، أو في دوامه بعد اجتذابه في جريه وطيرانه؛ لأن به يظهر أثر التعليم كما هو ظاهر النص.
وقد فصل الإمام، فقال: أما اشتراط ذلك في الكلب ونحوه في ابتداء الأمر، فلا شك فيه؛ وأما اعتباره بعد الإطلاق وهو في حموة العدو، فصعب، والمتحصل فيه من كلام الأصحاب وجهان، وأما اشتراطه في الطيور بعد الطيران، فلا مطمع فيه، ويبعد – أيضاً- أن يشترط انكفافها في أول الأمر وقد سنح لها الصيد وهي جائعة.
الأمر الثالث: اعتبار الإرسال ممن يريد الصيد، حتى لو استرسل الجارح بنفسه، لم يحل ما قتله، وهذا مما لا خلاف فيه بين الأصحاب؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]؛ فلم يحلل ما أمسكه على نفسه.
وقوله- ﵇ لعدي بن حاتم: "إذا أرسلت كلبك المعلم، فكل ما أمسك عليك"، فشرط في ذلك الإرسال؛ لأن "إذا" من حروف الشرط؛ فدلَّ على أن الإرسال شرط، وهو مأخوذ من قول الشافعي- ﵁ في "المبسوط": "وتعليم الطائر كله واحد، البازي والصقر والشاهين والعقاب وغيرها، وهي أجمع أن تدعى فتجيب، وتشلى فتطير، وتأخذ فتحبس، فإذا فعلت ذلك مرة بعد مرة فهي معلمة"، فاستعمل لفظ "الإشلاء" في الإغراء، وهو الإرسال، وقد اعترض عليه بأن الإشلاء في اللغة: الدعاء؛ قال الشاعر: [من الرجز].
أشليت ععنزي ومسحت قعبي
وأجيب عنه بأجوبة:
أحدها: أن العامة تستعمل الإشلاء موضع الإغراء؛ فأجراه على عادتهم.
والثاني: أخذ من قول الأزهري: إن أشلى: إذا دعى؛ فإذا دعاه صاحبه إلى صيده، فقد أشلاه.
والثالث: أن قول الشافعي في اللغة حجة؛ لأنه عربي الدار من أهل اللسان، فإذا عبر عن الإغراء بالإشلاء، وجب قبوله، وهذا أحد جوابي الشيخ أبي حامد.
وقد نقل الماوردي وأبو الطيب: أنه من الأضداد؛ يشمل الأمرين.
следующие страницы →