Полный текст (9 685 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.
стр. 3781
ولا فرق في الكلب بين الأسود البهيم وبين غيره.
وفي "البحر": أن أبا بكر الفارسي من أصحابنا قال: لا يحل صيد الكلب الأسود البهيم- كمذهب أحمد وغيره- لأمره ﵇ بقتله، والأول هو المشهور، والخبر محمول على غير المعلم العقور.
ثم الحيثية التي ذكرها الشيخ لا يتقيد حصولها بعدد، بل إذا صار شأن الكلب كذلك حلت فريسته بالشرائط المذكورة، والمرجع في ذلك إلى العرف؛ لأنه لا حد له لغة وشرعاً؛ فكان كالحرز والقبض والإحياء، ووراء ذلك وجهان:
أحدهما: أنه يكفي تكرار ذلك منه مرتين؛ لأن العادة تثبت بهما.
والثاني- عن شرح الموفق بن طاهر-: أنه يعتبر ثلاث مرات، وهو ما ذكره الماوردي في كتاب الحجر عند الكلام في الرشد.
ويقرب منه قول البغوي: إذا أفلته ثلاث مرات حل ما قتل في الرابعة.
والحياة مستقرة، قال ابن الصباغ: في تمثيلها: أن يكون الحيوان بحيث لو ترك لبقي يوماً أو بعض يوم، وغير المستقرة لو ترك لمات في الحال.
وقال غيره: الحياة المستقرة [ألا] ينتهي إلى حركة المذبوح.
وقال في "المرشد": تعرف الحياة المستقرة بسببين:
стр. 3782
أحدهما: أن يكون حال وصول السكين إلى الحلقوم [تضطرب عيناه] أو يحرك ذنبه؛ لأن الحياة إذا زالت من أسفله، لم يتحرك ذنبه وشخص بصره.
وعن بعض الأصحاب: أن خروج الدم دليل استقرار الحياة، وجزم النواوي بأن انفجار الدم [بعد الذبح] وتدفقه مع وجود الحركة الشديد من أمارات بقاء الحياة المستقرة، وأن الحركة الشديدة وحدها كذلك على الأصح.
وإذا عرفت ما قيل في طريق معرفة ذلك، عرفت أن الأحوط للصائد مبادرة ذبح الصيد ما توهم فيه بقاء حياة، فإن ظهرت بعده أمارات [استقرارها كان محصلاً لحله، وإن ظهرت أمارات] فقدها كان محصلاً للسنة، فإن الأصحاب قالوا: يستحب للصائد إذا أدرك الصيد وفيه حياة، وقد أخرج الجارح ونحوه حشوته، ذبحه؛ ليسهل خروج روحه، فلو لم يفعل ذلك ومات، فإن ظهر له أمارات [استقرار الحياة فيه حين أدرك ذكاته لم يحل، وإن ظهرت أمارات] فقدها حل.
وعكس هذه الصورة في الحكم ما لو أكل السبع بعض فريسة، أو انهدم سقف على شاة، وبقيت فيها حياة، ثم قطع حلقومها ومريئها، فإن ظهرت أمارات استقرار الحياة، حلت؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] وعن القاضي ابن كج حكاية قول عن رواية الفارسي: إنها لا تحل.
وإن ظهرت أمارات فقده، لم تحل.
وعن أبي حفص بن الوكيل: أنه أثبت قولاً [واحداً] في هذه الحالة: أنها تحل، والمذهب التحريم.
قال في "التهذيب": وهذا بخلاف [الشاة] إذا مرضت، فصارت إلى أدنى الرمق، [فذبحت، تحل؛ لأنه لم يوجد سبب يحال عليه القتل.
قال: ولو أكلت الشاة الشب؛ فصارت به إلى أدنى الرمق]. بحيث لا تكون
стр. 3783
الحياة فيها مستقرة، فذبحت، ذكر شيخي يعني: القاضي الحسين- فيها وجهين، ثم قطع في كرة أنها لا تحل؛ لأنا وجدنا سبباً نحيل الموت عليه؛ كما لو صارت إلى هذه الحالة بجرح السبع.
ولو لم يظهر للصائدح وقد ترك الذكاة حتى مات الصيد- إحدى الحالتين السابقتين، بل وقع الشك في استقرار حياته وفقدها، وكذا فيما إذا كان قد ذبح الشاة من قفاها وأبان الرأس، وفيما إذا قطع منحر ما افترسه السبع ونحوه، فهل تحل؟ فيه وجهان مأخوذان في مسألة الصيد- كما قال الماوردي- من القولين الآتيين فيما إذا جرح الصيد، وغاب عنه، ثم وجده ميتاً، لكن الأصح هنا الحل.
وفي مسألة المذبوحة من القفا ونحوها من تقابل الأصلين.
والظاهر من قول أبي إسحاق التحريم؛ لأن الأصل الحظر، وهو ما اختاره الإمام.
والظاهر من قول ابن أبي هريرة: الحل؛ لأن الأصل بقاء الحياة حتى يعلم فواتها، والله أعلم.
والمبادرة التي تقدم ذكرها قد اختلف الأصحاب في ضبطها:
فقال ابن أبي هريرة: إنه يعتبر فيها صفة مشي مثله على مألوف سكينته، ولا يعتبر فيه السعي؛ كما لا يعتبر في إدراك الجمعة، وهو ما أورده في "التهذيب"، [والأظهر في الرافعي].
وقال غيره: إنه السعي المعتاد في طلب الصيد؛ لأنه مخالف لسكينة المشي في عرف أهله، وهذا ما أورده في "الوجيز".
وقال الإمام: من اكتفي بالمشي، فالوجه أن يتشوف إلى الإسراع في المشي قليلاً، فإن الماشي على هينته خارج عن عادة الطلب، ومن كلفه العدو لم يكلفه المبالغة حتى يقهر أو يناله ضرر.
تنبيه: كلام الشيخ يقتضي أموراً:
أحدها: التسوية بين جميع الجوارح من الكلاب والنمور وغيرها، والبازي ونحوه- في جميع ما ذكره من شرائط التعليم، وهو ما ذكره صاحب "البحر" وغيره، ونسبه في الطيور إلى النص في "المبسوط" كما سنذكره.
стр. 3784
وفي "تعليق القاضي الحسين" و"النهاية": أن شرط الانكفاف عن الأكل معتبر في الجوارح من الكلاب، وفي اعتباره في جوارح الطيور قولان، وهما منسوبان إلى رواية الصيدلاني وغيره:
أحدهما: الاشتراط، وهو الأظهر.
والثاني: لا؛ فإن الكلب إنما ينكف عن الأكل عن فريسته بالضرب والدق العنيف، وجوارح الطير لا تحتمل ذلك، ولا يتوصل إلى صرفها عن الأكل من غير زجر، بل قيل سبيل تعليمها بالإطماع في الطعام.
وفي الرافعي: أن أبا يعقوب الأبيوردي حكى قولاً مثله في جوارح السباع، وأن في كتاب ابن كج نحواً منه.
وقد استبعد الإمام وقوع تعليم الفهد والنمر؛ من حيث إنه لا يؤثر فيه الانطباع، ولا ينزجر إذا زجر، ولا يتوقف استشلاؤه على الإشلاء، ولا يترك الأكل، ولا يتأتى صرفه على ذلك؛ فإنه لو صرف لعاد إلى نفوره، نعم: لو [تصور] ذلك منه [على] ندور كان حكمه حكم الكلب فيما ذكرناه، وحيث لا يتصور، فمقصود صاحبه بإرساله على الصيد أن يمسكه، لعله يدرك ذكاته؛ فيحل له إذ ذاك، كما نقول في الكلب الذي ليس بمعلم.
وقد جزم في "الوجيز" بأن فريسة الفهد والنمر حرام؛ لأنه لا يتأدب ويترك الأكل.
قال الرافعي: ومضمون هذا أن ما يفعله الفهد والنمر حرام؛ لأنه لا يصير معلماً؛ لأن أحد أركان التعليم ترك الأكل، ولكنه لا يتركه، لكن هذا المفهوم خلاف ما نص عليه الشافعي- ﵁ والأصحاب، وأراد بالنص: ما حكاه في"المختصر"؛ فإنه قال: "يجوز بكل معلم من كلب [و] فهد ونمر وغيرها من الوحوش، وكان [بحيث] إذا أشلى استشلى، وإذا أخذ حبس ولم يأكل، فإذا فعل هذا مرة بعد مرة فهو معلم".
الأمر الثاني: أنه لا فرق في اشتراط إتيان الجارح عند إشلائه بين أن يكون في
стр. 3785
ابتداء إطلاقه، أو في دوامه بعد اجتذابه في جريه وطيرانه؛ لأن به يظهر أثر التعليم كما هو ظاهر النص.
وقد فصل الإمام، فقال: أما اشتراط ذلك في الكلب ونحوه في ابتداء الأمر، فلا شك فيه؛ وأما اعتباره بعد الإطلاق وهو في حموة العدو، فصعب، والمتحصل فيه من كلام الأصحاب وجهان، وأما اشتراطه في الطيور بعد الطيران، فلا مطمع فيه، ويبعد – أيضاً- أن يشترط انكفافها في أول الأمر وقد سنح لها الصيد وهي جائعة.
الأمر الثالث: اعتبار الإرسال ممن يريد الصيد، حتى لو استرسل الجارح بنفسه، لم يحل ما قتله، وهذا مما لا خلاف فيه بين الأصحاب؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]؛ فلم يحلل ما أمسكه على نفسه.
وقوله- ﵇ لعدي بن حاتم: "إذا أرسلت كلبك المعلم، فكل ما أمسك عليك"، فشرط في ذلك الإرسال؛ لأن "إذا" من حروف الشرط؛ فدلَّ على أن الإرسال شرط، وهو مأخوذ من قول الشافعي- ﵁ في "المبسوط": "وتعليم الطائر كله واحد، البازي والصقر والشاهين والعقاب وغيرها، وهي أجمع أن تدعى فتجيب، وتشلى فتطير، وتأخذ فتحبس، فإذا فعلت ذلك مرة بعد مرة فهي معلمة"، فاستعمل لفظ "الإشلاء" في الإغراء، وهو الإرسال، وقد اعترض عليه بأن الإشلاء في اللغة: الدعاء؛ قال الشاعر: [من الرجز].
أشليت ععنزي ومسحت قعبي
وأجيب عنه بأجوبة:
أحدها: أن العامة تستعمل الإشلاء موضع الإغراء؛ فأجراه على عادتهم.
والثاني: أخذ من قول الأزهري: إن أشلى: إذا دعى؛ فإذا دعاه صاحبه إلى صيده، فقد أشلاه.
والثالث: أن قول الشافعي في اللغة حجة؛ لأنه عربي الدار من أهل اللسان، فإذا عبر عن الإغراء بالإشلاء، وجب قبوله، وهذا أحد جوابي الشيخ أبي حامد.
وقد نقل الماوردي وأبو الطيب: أنه من الأضداد؛ يشمل الأمرين.
стр. 3786
ونقل ابن فارس: أن استعماله في الإغراء لغة أخرى، وإن كانت الأولى أفصح، وأنشد فيه [من الطويل]:
أتينا أبا عمرو فأشلى كلابه علينا فكدنا بين بيتيه نؤكل
والرابع- وهو الجواب الثاني لأبي حامد-: أنه عبر عنه بما يئول إليه؛ لأنه إذا دعاه إلى الصيد، وأجاب، حصل الإغراء بعد الإجابة؛ فلذلك عبر عن الإغراء بالإشلاء، والله أعلم.
نعم: لو استرسل الجارح بنفسه، فزجره صاحبه، فوقف، ثم أغراه على الصيد، فطلبه وقتله- حل.
وإن زجره، فلم ينزجر، فأغراه بالصيد، فزاد في العدو، وقتل الصيد، فهل يحل؟ فيه وجهان لهما التفات- كما قال الإمام- على أن الانزجار في ابتداء العدو هل يعتبر في أصل التعليم؟ والأظهر التحريم.
ولو لم يزجره، لكنه أغراه؛ فازداد عدواً وحمواً، فوجهان مرتبان على التي قبلها، وأولى بالحل، والذي أورده العراقيون منهما التحريم، وهو في الأولى من طريق الأولى، ووجهه: أن استرساله بنفسه يقتضي التحريم، وإغراء صاحبه يقتضي الإباحة؛ فغلب جانب التحريم.
وإذا جمعت بين هذه المسألة والتي قبلها، جاء فيها ثلاثة أوجه. وعلى الأولين منهما فروع:
أحدها: لو أرسل شخص جارحته، فأغراها غيره فازدادت عدواً، وأخذت الصيد، فلمن يكون ذلك؟ ينبني على أنه إذا غصب جارحة، واصطاد بها، فلمن يكون الصيد؟ فيه خلاف، والأصح في "التهذيب": أنه للمالك؛ كما لو اصطاد عبده المغصوب شيئاً؛ فإنه له.
والأصح في غيره- ولم يورد العراقيون سواه-: أنه للغاصب؛ كما إذا اصطاد بالشبكة المغصوبة؛ وعلى هذا يقع التفريع مع ملاحظة الخلاف السابق في الأصل:
فإن قلنا ثم بالتحريم، كان الصيد في حالة إغراء الغاصب وزيادة عدو الجارحة للمالك.
стр. 3787
وإن قلنا بالحل ثم، كان هاهنا للغاصب.
قال الإمام: ولا يمتنع على هذا خروج وجه في أنهما يشتركان في الملك، ولا فائدة لمثله فيما إذا أرسل مسلم كلبه فأغراه مجوسي، فازداد عدواً- كما سنذكره- فإنا إذا نظرنا إلى الاشتراك حرمنا وهو أحد الوجهين.
قلت: وقد قال بهذا البغوي وشيخه؛ كما ستعرفه، وسيظهر له فائدة في التحريم.
الثاني: لو أرسل مسلم كلبه، فأغراه مجوسي، فازداد عدوه، فإن قلنا [هناك] بالحل، قلنا بالتحريم هنا، وإن قلنا بالتحريم ثم، قال الإمام والجمهور: حل هاهنا.
وفي "تعليق القاضي الحسين" و"التهذيب" الجزم بالتحريم [على الوجهين؛ لأن إغراءه دائر بين أن نقطع الأول أو نوجب الشركة، وعلى التقديرين يلزم التحريم،] وقد أبدى القاضي أبو الطيب التحريم احتمالاً لنفسه مع جزمه بالتحريم ثم؛ لما في ذلك من الإعانة، فإن قلنا بالتحريم؛ بناء على أنه يحل ثم، فلا يجب على المجوسي قيمته، اللهم إلا أن نقول: إن ما يصطاده بالكلب المغصوب يكون لمالكه؛ فيظهر أن يقال بوجوب الغرم.
وإن قلنا: إنما حصل التحريم؛ لأجل المشاركة- كما أشار إليه البغوي وغيره، وهو [ما أشار إليه] الإمام وجهاً- ينبغي أن يجب على المجوسي نصف قيمته؛ نظراً للمشاركة؛ وتفريعاً على الأصح في أن صيد الكلب المغصوب للغاصب.
ولو كان الكلب قد استرسل بنفسه، فأغراه مجوسي؛ فازداد عدواً، فقتل الصيد، فلا شك في التحريم [لكن] هل يجب على المجوسي قيمته؟ يشبه أن يقال: إن قلنا: إن الصيد بالكلب المغصوب للمالك، فعليه القيمة جزماً؛ إن قلنا: إن [للإغراء أثراً]، وإلا فلا.
ويؤيد ذلك أن الماوردي حكى فيما لو استرسل الجارح بنفسه، فأغراه محرم، وازداد عدوه، وقتل الصيد- الجزم بالتحريم، وفي وجوب الغرم وجهان.
الثالث: لو كان المرسل مجوسياً، فأغراه مسلم، وازداد عدوه، فقضية ما تقدم
стр. 3788
من طريقة الإمام: أن ينعكس [الحكم في] البناء، فيقال: [إن قلنا ثم بالحل، فهاهنا كذلك، وإن قلنا بالتحريم ثم، حرم هنا أيضاً.
وعلى طريقة البغوي وشيخه قد يقال:] إنه ينبغي أن نقطع بالتحريم، وهو ما أورده الروياني، لكنهما خرجا الحل على الوجهين؛ نظراً إلى أن الاعتبار بآخر الأمرين أو بالمشاركة، ونحن إذا نظرنا إلى ذلك في الفرع قبله، لم نتحصل على غير التحريم.
الأمر الرابع: أنه لا فرق في الحل بين إرسال البصير والأعمى، والبالغ والصبي، والعاقل والمجنون، والصاحي والسكران؛ لأن الأعمى من أهل الذكاة بلا خلاف، وكذلك الصبي والمجنون والسكران [عند العراقيين].
[وقد حكى] في "العدة" في حل صيده بالكلب وجهين:
أحدهما: الحل؛ كما اقتضاه كلام الشيخ.
والثاني: التحريم، وينسب إلى أبي إسحاق؛ لأن القصد للصيد لابد منه، ولا يتأتى ارتباط قصده الصيد قبل الإدراك، وبهذا فارق الذكاة؛ وهذا ما أورده ابن الصباغ. وحكى في "البحر" في موضع منه عن صاحب الإفصاح القطع به؛ فتحصلنا به على طريقين.
إحداهما: حاكية لوجهين فيه.
والثانية: القطع بالمنع.
وأما حل صيده بالسهم، ففيه- أيضاً- طريقان حكاهما في "البحر".
إحداهما: القطع بالحل، وهي ما نقلها في موضع عن صاحب "الإفصاح".
والثانية: حكاية الوجهين فيه عن رواية القاضي الطبري وغيره في موضع آخر.
والمذكور في "النهاية" عن بعض التصانيف حكاية وجهين في إرسال الكلب والسهم.
لكن ما محل الخلاف المذكور في الكتب التي نقلنا عنها؟
ما ذكرناه إطلاقه.
стр. 3789
وقال الرافعي: الأشبه تخصيصه بما إذا دله بصير على أن يجد أنه صيد، فرمى أو أرسل الكلب إليه بدلالته، وبه صور صاحب "التهذيب" وشيخه في موضع من تعليقه في مسألة الرمي، ووجها الحل: بأنه فعل ما فعل بدلالة البصير؛ فأشبه ما لو دله على القبلة؛ وهذا ما أجاب به الموفق بن طاهر في شرح مختصر الجويني، والصورة كما ذكرنا.
قال البغوي: والمذهب المنع، وهو ما صححه شيخه وكان قد قطع به في الكرة الأولى، وفرق بأن التوجيه إلى القبلة يسقط بالأعذار، وعند الاشتباه، يجوز له الاجتهاد، وتصح صلاته وإن لم يتيقن القبلة بخلاف الرمي.
أما إذا فعل ذلك بدون دلالة بصير.
قلت: فالذي يظهر الجزم بالمنع، ويؤيده اتفاق الأصحاب فيما إذا رمى صيداً أو أرسل عليه كلباً، فغاب عنه قبل أن يجرحه السهم أو الكلب، ثم وجده ميتاً- على عدم الحل؛ كما ستعرفه.
لكن في "البحر": أن البصير لو كان يحس بالصيد في ظلمة أو من وراء شجرة أو غيره، فرماه: أنه يحل بالإجماع؛ لأنه وقع له نوع علم به؛ فصحت نيته، وعزى ذلك إلى القفال؛ وهذا قد يقدح فيما ذكرناه؛ لأن إحساس الأعمى كإحساس البصير في الليل؛ فينبغي أن يكون محل الخلاف إذا أحس بالصيد: إما بدلالة بصير، أو بدونها وأخبر بإصابة سهمه أو كلبه للصيد وجرحه؛ كما سنذكره.
[وقد أفهم كلام القاضي الحسين في موضع آخر: أن من الأصحاب من أجرى الخلاف وإن كان بدون دلالة بصير؛ فإنه قال: ومن الأصحاب من لم يفصل بين أن يرمي الأعمى أو يرسل كلباً في أنه يحل، ومنهم من يفرق بين رميه وإرساله بأن رميه حصل بفعله فيحل، ولا معنى لإرساله الكلب؛ لأنه لا يدري آرسله على صيد أو غيره؟
ومنهم من قال: إن أرسل بحضرة من يدله على الصيد، حل.
وقال الإمام في كتاب الأضحية: إن محل الخلاف عندنا فيما إذا استشعر وكراً من الصيد، وأدركه بحس نفسه، وبنى الإرسال عليه].
وأما الصبي والمجنون، فقد أجرى الخلاف في اصطياده بالرمي والجارح.
стр. 3790
ومنهم من خصهما بالجارح، وقطع بالحل في رمي السهم؛ تنزيلاً له منزلة الذبح بالسكين.
وقد اقتصر ابن الصباغ على حكايتهما في صيد المجنون، ونسب عدم الحل إلى أبي إسحاق.
وإذا عرفت حكم المجنون، عرفت حكم السكران؛ لأن الشيخ سوى بينهما في الذكاة، والله أعلم.
قال: وإن أرسله مجوسي، أو شارك المسلم في الإرسال، أو شارك الجارح جارحة أرسلها مجوسي في قتل الصيد- لم يحل؛ لأن المرسل كالذابح، والجارح كالسكين، وذكاة المجوسي التي انفرد بها أو شارك فيها- لا تحل؛ نظراً لتغليب التحريم على التحليل؛ كما في المتولد بين مأكول وغيره، وعن هذا احترز الشيخ بقوله: "من هو من أهل الذكاة".
ويجيء فيه الوجه المذكور في حل ذبيحته.
والحكم فيما لو شاركه من تحل ذكاته بجارحة غير معلمة أو بجارحة لا يعلم حالها [كذلك]؛ لقوله- ﵇ لعدي بن حاتم: "فكل ما أمسكن عليك"، قال: وإن قتلن؟ قال: "وإن قتلن؛ ما لم يشركها كلب ليس منها".
وفي مسلم عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : "فإن وجدت مع كلبك كلباً غيره وقد قتل، فلا تأكل؛ لأنك لا تدري أيهما قتله".
ولا فرق في ذلك بين أن تكون الجارحة المشاركة لجارحة المرسل من نوعها أو من غيره، كما إذا أرسل أحدهما كلباً والآخر فهداً أو بازاً؛ وكذا لو أرسل أحدهما جارحته والآخر سهماً، أما لو لم يقتل الصيد عند إرسال كل من المسلم والمجوسي جارحته إلا إحدى الجارحتين، نظر: فإن كان القاتل جارحة المجوسي، حرم، وإن كان جارحة المسلم نظر: فإن كانت الجارحتان قد أمسكتا الصيد أولاً، لم يحل أيضاً؛ لحدوث القتل عن الإمساك المشترك، وإن لم تمسكه جارحة المجوسي حل؛ قاله الماوردي وهذا بخلاف ما لو رده كلب المجوسي على كلب المسلم، فقتله
стр. 3791
كلب المسلم، [حَلَّ] كما لو رده المجوسي بسهم أصابه سهم المسلم.
ولو كان كلب المسلم قد صير الصيد إلى حركة المذبوح، لم يؤثر فيه جرح كلب المجوسي بعد ذلك؛ نعم: لو كان كلب المسلم قد فارقه، ثم أدركه كلب المجوسي وفيه حياة مستقرة، فعقره ومات من الجراحتين حرم، ووجب على المجوسي قيمته؛ كما لو ذبح شاة غيره.
قلت: وينبغي أن يفصل فيقال: إن كان المسلم لم يتهاون في ذكته حتى أدركه كلب المجوسي، فالأمر كذلك، وإن كان قد تهاون فيه، فينبغي أن يكون فيه ما سنذكره فيما إذا رمى سهماً، ثم رمى آخر بعده إليه، ومات منهما.
ولو كان كلب المجوسي قد جرحه أولاً في غير المقتل، ثم أصاب كلب المسلم المقتل- حلَّ إن لم يزل امتناعه بجرح كلب المجوسي، فإن زال امتناعه حرم؛ لأنه لا يحل إلا بقطع الحلقوم والمريء؛ قاله في "البحر".
وحكم الكلب غير المعلم [و] المجهول حاله [و] المعلم إذا استرسل بنفسه فيما ذكرناه- حكم كلب المجوسي ولو اصطاد المسلم بكلب المجوسي، حل، ولا يحل ما اصطاده المجوسي بكلب مسلم؛ لأن الاعتبار بالصائد.
فرع: لو أرسل المجوسي سهمه على الصيد، ثم أسلم، ووقع السهم في الصيد، فقتله- لم يحل، وكذا لو أرسل المسلم سهمه، ثم ارتد، ثم وقع [سهمه،] فقتل- لم يحل؛ نظراً إلى أغلظ الحالين- ولو كان مسلماً في حال الرمي والإصابة، وتخللت الردة بينهما- لم يحل أيضاً؛ قاله القاضي الحسين.
قال: وإن قتل الجارح الصيد بثقله، ففيه قولان:
وجه التحريم قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]، فجعل الجارح نعتاً؛ فصار في الإباحة شرطاً.
وقوله- ﵇: "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكل" فدل على
стр. 3792
أن ما لم ينهر الدم لا يحل؛ وهذا ما اختاره المزني وصاحب "المرشد".
ووجه الإباحة: قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، ولم يفرق بين قتله بظفره أو نابه أو ثقله، ولأنه يعسر تعليم [الجارح] ألا يقتل إلا جرحاً؛ وهذا ما رجحه الإمام، والموفق بن طاهر، والروياني، والنواوي، ولم يحك البندنيجي سواه، وطرد ذلك فيما إذا عضه فلم يجرحه، أو ضمه فمات.
وقد حكى مجلي عن بعضهم أنه خرج على القولين لو مات فزعاً من الجارح من غير جراحة، وقال: إنه يحتمل أن يكون بمثابة ما لو مات تعباً؛ فإنه لا يحل قولاً واحداً، وكأن الفرق: أن الفزع حصل من الجارح؛ فنسب القتل إليه، وليس كذلك التعب؛ فإنه حصل من جري الصيد؛ فأشبه التردية.
قال: وإن رمى سهماً أو غيره، فقتل الصيد بثقله، لم يحل، أي: سواء أدماه أو لم يدمه؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: ٣].
وروى البخاري ومسلم وغيرهما عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله ﷺ عن المعراض فقال: إذا أصاب بحده فكل، وإن أصاب بعرضه فلا تأكل؛ فإنه وقيذ".
وقوله: وقيذ: [هو] فعيل بمعنى: مفعول، والموقوذة: المقتولة بعصا أو حجر أو بما لا حد له.
وقال الجوهري: شاة موقوذة؛ [إذا] قتلت بالخشب.
والمعراض: بكسر الميم وسكون العين المهملة وبعد الألف ضاد معجمة، قال الخطابي: نصل عريض، وفيه رزانة ونصل.
وقال الجوهري: سهم بلا ريش ولا نصل، [ويصيب] بعرض عوده دون حده.
وقيل: خشبة محددة الطرف.
وقيل: في طرفها حديدة ترمي بها.
стр. 3793
وقيل: هو عود رقيق الطرفين، غليظ الوسط، إذا [رمى] به ذهب مستومياً.
ومن هذا القبيل القتل بالبندق لا يحل [المقتول]؛ قال الماوردي: لأنه يقتل الصيد بقوة راميه، وليس يقتله بحده، ولا فرق في ذلك بين أن يخرج جوفه أو لا.
وقد روى عنه- ﵇ أنه نهي عن الجلاهق، ولا يحل الرمي به [لأنه يعرض] الحيوان للهلاك؛ صرح به في الذخائر، نعم: لو رمى به، فأدرك الحيوان وفيه حياة مستقرة، فذبحه- حل؛ لقوله تعالى بعد ذكر المحرمات: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣].
وقد أفهم كلام الشيخ: أنه إذا رمى سهماً [أو غيره] فقتل الصيد بحده، حل؛ كما تقدم التصريح به في الخبر، وما سنذكره من بعد، ولم يخالف في ذلك أحد من الأصحاب، وفرع الشافعي على ذلك فقال: "لو ضرب الصيد فقطعه قطعتين، أكلتا وإن كانت إحداهما أقل من الأخرى، وإن قطع منه يداً أو رجلاً أو أذناً أو شيئاً، يمكن لو لم يزد على ذلك أن يبقى بعد ساعة أو مدة أكثر منها؛ ثم قتله بعد رميته- أكل ما كان [باقياً فيه] من أعضائه، وله أن يأكل العضو الذي فات منه وفيه الحياة، وقال: [إن] هذا فيما إذا لم يتمكن من ذبح الحيوان، ومات بسبب الرمي الأول؛ فيحل المبان منه والمتصل به.
وحكى ابن أبي هريرة وجهاً آخر عن بعض أصحابنا: أن البائن منه لا يؤكل وإن كان الأصل مأكولاً؛ لأنه بان منه مع بقاء الحياة، وتأول كلام الإمام الشافعي: أنه يؤكل- على أن القطع كان موحياً، لا تثبت به حياة.
قال الماوردي: ولا وجه لهذا الوجه.
أما إذا مات الصيد بغير هذا الرمي: إما بالذبح إن قدر عليه، وإما برميه ثانية إن كان غير مقدور عليه- فلا يؤكل ما بان منه بالقطع الأول جزماً؛ لأنه لما لم يكن ذكاة له لم يكن ذكاة لما بان منه.
стр. 3794
قال: وإن أكل الجارحة، أي: المعلمة من كلب أو بازي من الصيد، أي: عقيب قتله، ففيه، أي: في ذلك الصيد قولان:
وجه الحل قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] والباقي بعد أكله قد أمسكه علينا؛ فحل لظاهر الآية.
وروى أبو داود عن أبي ثعلبة [الخشني] قال: قال لي رسول الله ﷺ في صيد الكلب: "إذا أرسلت كلبك، وذكرت اسم الله، فكل وإن أكل منه وكل ما ردت عليك يداك".
قال الشافعي- ﵁ في "المبسوط": والقياس يدل عليه؛ لأن الكلب إذا عقر الصيد، [وقتله] فقد حصلت الذكاة، فأكله منه بعد حصول ذكاته لا يمنع من أكله؛ كما إذا ذكى المسلم صيداً، ثم أكل منه الكلب.
وهذا ما نص عليه في القديم، وأومأ إليه في [الجديد] بالقياس المذكور.
ووجه التحريم ما روي عن عدي بن حاتم قال: سألت النبي ﷺ فقلت: إنا نصيد بهذه الكلاب؟ فقال: "إذا أرسلت كلابك المعلمة، وذكرت اسم الله عليها، فكل مما أمسكن عليك وإن قتل إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل فلا تأكل؛ فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه" أخرجه البخاري ومسلم.
ولأن من جملة شرائط التعليم عدم الأكل، فإذا أكل فإما أن يتبين أنه لم يكن معلماً، أو يبين أنه كان معلماً، ولكنه نسي التعليم، وأيهما كان فإنه يحرم أكله، وهذا ما نص عليه في "المختصر" وبه قال أكثر أهل العلم، وهو الأصح في "التهذيب" و"البحر" و"الرافعي" وغيره.
والجواب عن الآية السالفة: أن الحديث دل على أنه إذا أكل، فقد أمسك لنفسه.
وعن الحديث: أن في رجاله داود بن عمرو الأودي عامل "واسط"، وقد تكلم فيه.
ثم على تقدير كون روايته لا بأس بها-[كما] قال أبو زرعة وابن عدي-
стр. 3795
فيحمل قوله: "وإن أكل منه" [على ما إذا أكل منه] بعدما قتله، وانصرف عنه؛ كما قال ابن الصباغ، أو على ما إذا أطعمه مرسله منه؛ كما قاله أبو الطيب.
وعلى تقدير إجرائه على ظاهره، فالأخذ بحديث عدي أولى؛ لأنه أحوط، وناقل عن الأصل؛ فإن الأصل في الأشياء الإباحة.
وقد قيل: إن كان الجارحة بازاً ونحوه، حل قولاً واحداً؛ قاله المزني كأبي حنيفة، وفرق بأن البازي يعلم الصيد بالأكل منه، فأكله لا يخرجه عن أن يكون معلماً، بخلاف الكلب، لأنه يعلم الصيد بالضرب على ترك الأكل، فإذا أكل منه، علم أنه غير معلم؛ فحرم صيده.
قال القاضي أبو الطيب وغيره: وهذا فاسد؛ للخبر، وأما ما ذكره من الفرق، فقد قال الأصحاب: لو كان كذلك لوجب إذا اصطاد ولم يأكل منه ألا يحل أكله؛ كما أن الكلب لما كان معلماً بترك الأكل إذا اصطاد وأكل حرم أكله، وقد أجمعنا على أن البازي يحل صيده إذا لم يأكل منه؛ فدلَّ على أنه لا يعلم بالأكل.
قال الشافعي- ﵁: ولأنهما في الابتداء استويا، فلا يؤكل صيد البازي حتى يأخذ فيحفظ فكذلك في الدوام.
وقيل: إن قلنا: إن الكلب إذا أكل لا تحرم فريسته، [فالبازي أولى] وإلا فوجهان، وهذه طريقة أبي علي في "الإفصاح"، وهي مخالفة للنص في التسوية ورد الفرق.
وقيل: إن قلنا: إن البازي لا يضر الأكل في تعليمه، فالأكل بعد التعليم لا يحرم بحال، وإن قلنا: يضر الأكل في البازي في الابتداء، ففيه قولان كما في الكلب؛ وهذه طريقة القفال.
ولا خلاف عند الماوردي والقاضي الحسين والعراقيين في أنه إذا شرب من دم الصيد، لا يحرم، ولا يكره، وأشار الإمام إلى وجه في التحريم بقوله: لا يحرم على الأصح.
ولو شق جوفه، وأخرج حشوته، وأكلها، [ففيه طريقان]:
стр. 3796
منهم من جزم بالحل؛ كالدم.
ومنهم من خرجه على القولين.
أما إذا انصرف الجارح بعد القتل، ثم عاد وأكل منه، فقد أفهم كلام الإمام: أن الخلاف فيه حيث قال: وكنت أود لو فصل فاصل بين أن ينكف الكلب زماناً ثم يأكل، وبين أن يأكل لما أخذ؛ فإن الزمان إذا تمادى فيندر أن ينكف الكلب عن الأكل، ولكن لم يتعرض لهذا أحد من الأصحاب.
وما أورده هو ما أورده الماوردي والجرجاني [والعمراني] في زوائده، وإليه يرشد ما حكيناه عن ابن الصباغ في حمل حديث أبي ثعلبة.
ولو أكل من لحم الصيد قبل قتله، قال الرافعي: فهو كما لو أكل عقيب قتله، ففيه القولان.
التفريع: إن قلنا بالجديد، فلا تحرم فرائسه الماضية.
قال العراقيون والماوردي والقاضي الحسين: لا يختلف قوله في ذلك.
قال مجلي حكاية عن الأصحاب: ولا يخرج بأكله مرة عن أن يكون معلماً؛ لجواز أن يكون إنما أكل؛ لفرط الجوع؛ فتحل فريسته من بعد، وعليه يدل ما سنذكره من كلام الإمام، نعم: لو تكرر ذلك منه، خرج عن أن يكون معلماً؛ إذا كان أكله بعد الإرسال؛ بخلاف ما إذا استرسل بنفسه، [واصطاد وأكل وتكرر ذلك منه؛ فإنه لا يخرجه عن التعليم.
قال الإمام عند الكلام فيما إذا استرسل الكلب بنفسه:] لأنه إنما يراعى انكفافه إذا كان استرساله على حكم الاصطياد لصاحبه.
وفيما وقفت عليه من نسخ الرافعي: أنا إذا حرمنا الفريسة التي أكل منها، فلابد من استئناف التعليم، وسيأتي في كلامه ما يفهمه- أيضاً- وهو الذي يقتضيه كلام أبي الطيب وغيره.
وإن قلنا بالقديم: فلو اصطاد [به] ثانياً، فأكل [منه] مرة أخرى، فقد سكت العراقيون عنه، وفيما وقفت عليه من "الحاوي" ما يدل على أنه لا فرق بينهما.
وقال القاضي الحسين: إنه يحرم قولاً واحداً، وهل يستبين بهذا أن ما قتله أولاً
стр. 3797
وأكل منه قبل هذا يكون حراماً أم لا؟ يحتمل وجهين.
وعلى ذلك جرى في "التهذيب"؛ وهذا صريح في أن أكله مرتين يخرجه عن التعليم، وكلام الإمام يقتضي خلاف ذلك؛ فإنه قال: لو أكل من الثانية أيضاً، ثم من الثالثة، واعتاد الأكل- خرج عن كونه معلماً، ثم تحرم الفريسة الأخيرة التي وقع القضاء عند الأكل منها بالخروج عن التعليم، وهل ينعطف التحريم إلى أول فريسة أكل منها [إلى الأخيرة؟] اختلف أصحابنا فيه، وهذا الاختلاف فقه حسن، بخلاف ما إذا انكف الجارح عن الأكل في ابتداء الأمر إلى حيث حكم بكونه معلماً؛ فإنه لا ينعطف الحل إلى أول فريسة حصل الانكفاف عن أكلها بلا خلاف، والفرق تغليب التحريم، وهو فرق في الصورة، جمع في الحقيقة.
فرع: لو لم يسترسل عند الإرسال، أو لم ينزجر عند الزجر، قال الرافعي: فينبغي أن يكون في تحريم الصيد وخروجه عن كونه معلماً الخلاف المذكور في الأكل؛ لأن كل واحد من الخصال المذكورة ركن في التعليم.
وعن القفال: أنه إذا أراد الصائد أخذ الصيد منه، فامتنع، وصار يقاتل دونه، فهو كما لو أكل [منه]؛ قاله في "البحر".
قلت: بل ينبغي أن يكون هذا الحكم فيما إذا أراد أخذ الصيد منه، فهر في وجهه؛ لأن من شرائط التعليم في الابتداء أيضاً ألا يهر في وجه صاحبه.
قال: وإن كان الجارحة كلباً، غسل موضع الظفر والناب من الصيد، أي: سبع مرات إحداهن بالتراب؛ لأن نجاسة الكلب أصابته، فهو كالإناء، وهذا ما اختاره في "المرشد".
وقيل: يكفيه على هذا الغسل مرة واحدة.
وقيل: يعفي عنه؛ لأن الله تعالى أباح أكله بقوله: ﴿فَكُلُوا﴾ [المائدة: ٤]، ولم يشترط الغسل، ولأنه يشق الاحتراز منه؛ فصار كدم البراغيث، [والدم] الذي يكون في العروق؛ وهذا أخذ من قول الشافعي- ﵁: "الموضع الذي أكل الكلب منه نجس"، ولم يأمر بغسله.
стр. 3798
قال في "البحر": وهذا غلط؛ لأنه حكم بنجاسته؛ فدل على وجوب غسله.
وقال البغوي تبعاً لشيخه: والأصح الأول؛ لأن الله- تعالى- وإن لم يبين، فهو مؤول إلى بيان السنة.
والخلاف المذكور حكاه القاضي أبو الطيب وغيره من العراقيين وجهين، والصيدلاني قولين منصوصين، وهما متوافقان على أن الموضع نجس، وقد صرح به في "المهذب" و"التهذيب". وقال البندنيجي: إنه ينجس قولاً واحداً، وفي "الإبانة": أنه هل ينجس بذلك أم لا؟ فيه قولان؛ والأقيس: أنه ينجس، وقد حكاهما في "البحر" عن المراوزة.
وقيل: لا يطهر بالغسل موضع فمه [بل يقطع]؛ لأن لعابه قد دخل في أجزائه [وغسله يزيد في نجاسته؛] فلا يطهر بالماء.
قال الإمام: وقائل هذا يطرده في كل لحم، وما في معناه يعض عليه الكلب، بخلاف الموضع الذي يناله لعابه من غير عض.
وحكى عن القفال: أن ناب الكلب إذا أصاب عرقاً نضاحاً بالدم، سرى حكم النجاسة إلى جميع الصيد، ولا يحل أكله.
قال الإمام: [وهذا لا اعتداد] به، وهو غلط من الحاكي؛ لأن النجاسة وإن اتصلت بالدم، فالعروق وعاء حاجز بينه وبين اللحم، ثم الدم إذا كان يفور، امتنع غوص النجاسة فيه؛ كالماء المتصعد من فوارة، إذا وقعت نجاسة على أعلاه لم ينجس ما تحته، وعلى عكسه الماء المنحدر من الإبريق إذا لاقى نجاسة، لا ينجس ماء الإبريق؛ وبهذا أجاب ابن الصباغ.
قال: وإن رمى طيراً، فأصابه السهم، أي: في غير المذبح، فوقع في ماء، أو على جبل فتردى منه- أي: سقط منه- فمات، لم يحل.
أما في الأولى؛ فلما روى مسلم والبخاري وغيرهما عن عدي بن حاتم: أن النبي ﷺ قال في تتمة حديث: "وإن رميت بسهمك، فاذكر اسم الله؛ فإن غاب عنك يوماً، فلم تجد
стр. 3799
فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت، وإن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكل"، والمعنى فيه: أنه يحتمل أن يكون قد مات من الرمية أو من الغرق، والأصل في الميتات التحريم؛ ولأجل هذه العلة، حرم في الصورة الثانية؛ لأنه يحتمل موته من الرمية؛ فيحل، أو من التردية؛ فيحرم، أو منهما، فيحرم أيضاً؛ تغليباً للتحريم.
وهذا مما لم يختلف فيه قول الشافعي-[﵁ وللإمام] احتمال فيما إذا رماه في الجبل فتحدر من حجر إلى حجر في الحال، والمنقول الأول، ويخالف هذا ما إذا وقع على جبل أو شجرة أو حائط ونحو ذلك ولم يترد منه، أو على أرض حيث قلنا بالحل بلا خلاف، وإن احتمل أن يموت من الصدمة، لأن ذلك لابد منه؛ فعفي عنه؛ كما عفي عن الذبح في [غير] المذبح عند التعذر، فإنا لو لم نقل بحله، لأدى إلى ألا يجوز الاصطياد، بخلاف التردية والوقوع في الماء، فإن ذلك [نادر]، فألحق بما لو وقع في نار؛ فإنه يحرم؛ لندور ذلك.
ويخالف- أيضاً- ما لو رمى، فحملت الريح السهم؛ لقصور الرمية وأصاب؛ فإنه يحل؛ لأن الظاهر: أن الإصابة كانت بإرساله، والجو لا ينفك من الريح؛ فيعسر الاحتراز منها، وليس لها فعل [حتى يكون منسوباً] إليها، [وللإمام فيها احتمال]، نعم: لو أصاب السهم الأرض أو حجراً، فازدلف، فأصاب صيداً، ففي الحل وجهان مخرجان- كما قال في "المهذب" وغيره- من الخلاف في نظير المسألة من المسابقة.
والمختار في "المرشد": الحل أيضاً، وهو ما ادعى الشيخ أبو حامد: أنه المذهب فإن ما يتولد من فعل الرامي منسوب إليه؛ ولم يورد البغوي سواه، وقد ألحق بوقوعه على الجبل والتردية منه ما لو وقع على سكين أو شيء محدود من قصب
стр. 3800
أو حجر أو على الأرض، ثم وثب منها وثبة طويلة بحيث مر في الهواء، ثم سقط على الأرض-[فإنه لا] يحل؛ كما قال القاضي [الحسين]؛ بخلاف ما لو وثب وثبة خفيفة فإنه يحل.
وألحق البغوي بالوقوع على الأرض ما [إذا وقع في بئر لا ماء فيها، أي: ولم تصدمه جدرانها؛ لأن قعر البئر أرضه.
أما] إذا أصابه السهم في المذبح، فذبحه، أو طير رأسه، فيحل، سواء وقع في الماء أو تردى بعد ذلك أو لا، وكذا [لو قطعه] اثنين، أو وقع في مقتل؛ لانتفاء المعنى المذكور، وقد ادعى الماوردي فيه الاتفاق.
ولو لم يجرح السهم الطائر، فلا خلاف في تحريمه وإن وقع على الأرض.
وقال الإمام: الذي أرى إلحاقه-[أيضاً]- بذلك ما لو جرحه جرحاً خفيفاً؛ فإنه يحرم إحالة للموت على الصدمة.
تنبيه: كلام الشيخ يقتضي تحريم ما وقع في الماء، سواء كان الماء حالة الرمي أرضه أولاً.
وفي "المهذب": أنه لو كان حين أصابه السهم في هواء الماء، فوقع فيه، حل؛ إذا كان الرامي في مركب في الماء، وهو ما أبداه الإمام احتمالاً.
قال البغوي: [وإن كان] في البر، [لم يحل].
وقال فيما إذا رمى إلى طير الماء، وهو على وجه الماء، حل، وإن كان خارج الماء فطار في الماء فأصابه السهم، لم يحل.
وأطلق في "الحاوي" حكاية وجهين في حل طير الماء إذا وقع في الماء.
وقال الرافعي: إنهما منقولان عنه فيما إذا كان خارج الماء، ووقع في الماء بعدما أصابه السهم.
والذي رأيته فيه ما ذكرته، ويمكن حملهما على الصورة التي قال البغوي فيها بالحل؛ لأن الماوردي وجه الحل بأنه لا يفارق الماء غالباً، فوقوعه في الماء كوقوع
стр. 3801
غيره على الأرض؛ وحينئذ فيكون ما اقتضاه كلام الشيخ أحد الوجهين.
تنبيه آخر: الطائر مفرد، وجمعه طير؛ كصاحب وصحب، وجمع الطير: طيور، وأطيار؛ كفرخ وأفراخ؛ هذا قول جمهور أهل اللغة.
وعن أبي عبيدة وقطرب: أن الطير يقع على المفرد أيضاً.
فرعان: [أحدهما]: لو رمى طائراً واقفاً على شجرة ونحوها، فبقي ساعة يتحرك ويضطرب، ثم سقط على الأرض ومات، لم يحل، وإن سقط على الأرض لما أصابه السهم في الحال، حل؛ قاله القاضي الحسين.
الثاني: إذا رمى طائراً، فخر إلى الأرض، فاستقبله رجل بسيفه، فقطعه باثنتين، قال في "الحاوي": حرم أكله إلا أن يكون الجرح قد وحاه في الهواء، فلا يحرم؛ لأن قطعه بالسيف قبل التوحية ليس بذكاة؛ فصار متلفاً له؛ فحرم به، وضمنه لمالكه.
قلت: ولم يخرج على الخلاف في إيجاب القصاص؛ لأن باب الذكاة مخالف لباب القصاص؛ ألا ترى أنه لو قتله بمثقل، وجب القصاص، ولو قتل الصيد به لم يحل.
قال: وإن أصاب صيداً فجرحه، أي: بسهمه، أو جارحته جرحاً لم يقتله، أي: ويجوز أن يقتله، ثم غاب عنه، فوجده ميتاً، وليس فيه إلا أثره، حل في أحد القولين؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤].
وما روى أبو داود عن أبي ثعلبة الخشني عن النبي ﷺ قال: "إذا رميت الصيد فأدركته [بعد ثلاث ليال وسهمك فيه، فكل ما لم ينت". وأخرجه مسلم.
قال في "البحر": وقوله: "ما لم ينتن" يحتمل]: أن يكون خشية من أن تكون هامة نهشته؛ فتغير اللحم؛ لما دب فيه من سمها؛ فأسرع إليه الفساد.
стр. 3802
ويحتمل أن يكون أمره بذلك على وجه الاستحباب، وإلا فأكل ما تغير ريحه حلال، كما سيأتي بيانه.
وروى أبو داود- أيضاً- عن عدي بن حاتم: أنه قال: "إذا رميت سهماً، وذكرت اسم الله، فوجدته من الغد، ولم تجده في ماء، ولا فيه أثر غير سهمك فكل"، وقد أخرجه عنه مسلم- أيضاً- بمعناه.
وهذا ما صححه البغوي وقال في "الروضة": إن الغزالي في الإحياء صححه- أيضاً- وهو الأصح دليلاً، وهو مأخوذ من قول الشافعي- ﵁ في "الأم" كما قال أبو الطيب: "القياس ألا يأكله؛ لأنه يمكن أن يكون قتله غير ما أرسل عليه إلا أن يكون قد ورد عن النبي ﷺ في ذلك شيء أو توهمه؛ فلا يثبت مع قول رسول الله ﷺ رأي ولا قياس؛ لأن الله تعالى [قطع] العذر بقوله، وقد ورد عنه ما ذكرناه؛ فحل.
قال: ولا يحل في الآخر؛ لما روى زياد بن أبي مريم قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إني رميت صيداً، ثم تغيب عني، فوجدته ميتاً، فقال- ﵇: "هوام الأرض كثير"، ولم يأمره بأكله.
وروي أن رجلاً سأل ابن عباس، فقال: إني أرمي فأصمي وأنمي فقال: "كل ما أصميت، ودع ما أنميت".
قال القاضي الحسين: وقد روي هذا مرفوعاً من طريق إلى رسول الله ﷺ ، وهي
стр. 3803
التي صدر الإمام [بها] كلامه.
والإصماء: ما عاين قتله مشتق من الصميان، وهو السرعة.
والإنماء: ما غاب عنه مقتله، يقال: نمت الرمية؛ إذا غابت؛ ولأن القياس يقتضيه؛ كما قال الشافعي- ﵁ لأنه إذا احتمل الحل [والتحريم] غلب التحريم، ولأنه قد ورد ما يقتضي الحل، وما يقتضي الحظر، فغلب حكم الحظر؛ وهذا ما نص عليه في "المختصر"، وهو الأظهر عند الماوردي والنواوي، وهذه الطريقة قال بها ابن سريج- كما قال البندنيجي- ونسبها الماوردي إليه، وإلى أكثر البغداديين، ولم يورد القاضي الحسين والإمام غيرها، ووراءها طريقان:
إحداهما: القطع بالقول الثاني، وبها قال أكثر البصريين، وقالوا: ما ورد من الخبر غير صحيح، ولا هو ثابت، وهي التي نسبها القاضي أبو الطيب إلى أكثر الأصحاب.
وقد يحملون ما ورد من الحديث على ما إذا كان الجرح موحياً؛ كما سنذكره.
والثانية: القطع بالقول الأول؛ حكاها البندنيجي والمصنف، ونسبها القاضي أبو الطيب إلى ابن سريج وأبي الطيب بن سلمة، وكلامه يميل إلى ترجيحها، ولمن انتصر لها أن يقول: حديث زياد ليس مشهوراً، بل قال النواوي: إنه لم يثبت في التحريم شيء، وإن ثبت، فالحجة فيه بالمفهوم؛ فلا يعارض ما دل بمنطوقه، وهو في الصحيح.
وأثر ابن عباس محمول على ما إذا غاب عنه، ولم يشاهد [فيه أثر] الإصابة، فإنه لا يحل عندنا كما سنذكره، ومسألتنا مفروضة فيما إذا شاهد العقر والإصابة، ثم غاب عنه، واحتمال كونه مات بسبب آخر، الظاهر خلافه، والأحكام تناط بالظاهر؛ ألا ترى أنه لو جرح شخص إنساناً، ثم مات؛ فإنه يجب عليه ضمانه وإن احتمل أن يكون غيره قد شاركه فيه.
قال الإمام: وأيضاً: فإنا نحل الجنين إحالة على انقطاع الروح عنه بذكاة أمه، وإن أمكن تقدير موته بسبب آخر؛ وهذا ما وعدت من قبل: أنه يدل على تحريم الجنين إذا خرج بعضه من أمه ميتاً، ثم ذكيت.
وسلك في "المرشد" طريقاً آخر، فقال: إن غلب على ظنه: أنه إنما مات بجرحه
стр. 3804
حل، وإن لم يغلب على ظنه [ذلك] لم يحل؛ لجواز أن يكون موته بسبب آخر.
أما إذا أصاب ما أرسله الصيد، ولم يشاهد المرسل الجرح، ثم غاب عنه، فوجده ميتاً- لم يحل قولاً واحداً، وإن وجد السهم فيه أو الكلب على رأسه.
وعن كتاب ابن كج حكاية وجه: أنه يحل.
وإن كان الجرح الذي شاهد قد قتله؛ كما إذا أخرج حشوته، أو أصاب مذبحه، ونحو ذلك، ثم غاب ووجده ميتاً، حل بلا خلاف، لأنه لا أثر لما يطرأ بعد ذلك؛ دليله ما لو رمى مجوسي إلى مثل هذا الصيد فجرحه، لا يحرم.
قال: وإن أرسل سهماً أو كلباً على صيد، فقتل غيره حل، أي: سواء كان ذلك الغير في سمت الأول أو لا؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] وقوله- ﵇ لأبي ثعلبة: "فما أصبت بقوسك فاذكر اسم الله [عليه] ثم كل وما أصبت بكلبك المعلم فاذكر اسم الله ثم كل". أخرجه مسلم؛ فكان ذلك على عمومه.
ولأنه لو أرسل السهم أو الكلب إلى [جماعة] صيود كبار، فنفرت، فأصاب واحداً من أولادها، حل وهو [لم يقصده] فدل على أنه ليس من شرطه أن يصيب الذي أرسله عليه، وهذا ما ادعى البندنيجي أنه المذهب، وهو ظاهر النص.
وعن أبي إسحاق: أن الصيد المصاب إن كان في سمت المقصود حل، وإن كان في غير سمته لم يحل في مسألة الكلب؛ لأنه لما عدل عن السمت، قطع إرسال صاحبه؛ فصار كالمسترسل بنفسه، وإذا مضى في ذلك السمت، فما قطع إرسال صاحبه.
ومفهوم كلامه: أنه في السهم يحل، وإن كان [المصاب] في غير سمت المقصود، وقد صرح به العراقيون؛ حتى قال أبو الطيب: إنه مما لا خلاف فيه بين أصحابنا، وكذا القاضي الحسين ادعى أنه لا يختلف فيه المذهب؛ لأن الهلاك حصل بفعله.
والأصح في "البحر" وغيره الأول؛ لأنه لا يمكن تعليم الكلب اصطياد الأبعد، وترك الأقرب إليه الأسهل عليه، كما لا يمكن تعليمه أن يعقر في محل الذكاة دون
стр. 3805
غيرها؛ فاغتفر ذلك، ولأن هذا يدل على فراهته.
وقال في "الحاوي": الصحيح عندي أن يراعي مخرج الكلب عند إرساله، فإن خرج عادلاً عن جهة إرساله إلى غيرها، لم يؤكل صيده، وإن خرج إلى جهة إرساله، ففاته صيدها، فعدل إلى غيره فأخذه أكل؛ لأنه على الصفة الأولى مخالف؛ فصار مسترسلاً لنفسه، وعلى الصفة الثانية موافق؛ فكان مرسلاً، وهو أدل على فراهته؛ وهذا الذي ذكرناه هو المذكور في كتب العراقيين.
وأما المراوزة فقد حكى عنهم في "البحر" وجهاً [خرجه] [في مسألة السهم كوجه] أبي إسحاق في مسألة الكلب.
وأطلق الفوراني حكاية الخلاف [في مسألة الكلب من غير تقييد بحالة كون المصاب في غير سمت المقصود، وأفهم كلام القاضي الحسين] أن أبا إسحاق لا يخص ما قاله من عدم الحل بكون المصاب في غير سمت المقصود؛ لأنه قال: إذا أرسل على صيد فقتل غيره، فظاهر كلام الشافعي- ﵁ أنه يحل [أكله].
وقال أبو إسحاق: لا يحل؛ لأن للكلب قصداً واختياراً، فإذا عدل عما قصده الصائد إلى غيره، فقد أخذ باختياره دون إرسال صاحبه، واحتج عليه بما قال أصحابنا: لو أرسل كلباً على صيد في الحل، فدخل الحرم خلفه، وقتله، فلا شيء عليه، وبمثله في السهم عليه الجزاء لأن الذي حصل برميه حصل بفعله.
وأما الإمام فقال: إذا قصد ظبية من سرب عينها بسهمه، فأصاب غيرها- فثلاثة أوجه:
أصحها: الحل، وبه قطع طوائف.
والثاني: التحريم.
والثالث: إن كان قد رأى الظبية المصابة حين الرمي أو كانت في السرب حلت، وإن لم يرها أو ثارت بعد مرق السهم فأصابها، لم تحل؛ وهذا ما اختاره في "المرشد".
стр. 3806
ولو أرسل عليها كلبه فأصاب غيرها، فالخلاف جار في الحل- أيضاً- لكن بالترتيب، واختلف الأصحاب في الترتيب:
فرتب الأكثرون الكلب على السهم، وجعلوا مأخوذ الكلب أولى بالتحريم؛ لأنه حيوان؛ فله اختيار على الجملة، بخلاف السهم.
ومنهم من قال: مأخوذ الكلب أولى بالحل؛ لعسر التعليم على هذا النحو، بخلاف السهم؛ ولأجل ذلك قيل: إن السهم لو انفلت، فأصاب بعرضه [فقتل]، لم يحل، ولو مات الصيد بثقل الجارح: ففي الحل قولان.
وقال: إن الكلب لو كان حين إرساله مضى في الصوب الذي أراده المغري، ثم بان صيد آخر، فاستدبر الكلب الأول، وأعرض عنه، ومضى في صوب الصيد الثاني، فقتله- فهو حرام لاشك فيه؛ وهذه الطريقة إذا تأملتها كانت عكس طريقة العراقيين.
فرع: وإن أرسله على غير صيد، أي: مثل أن أرسله ليلاً، وهو لا يتوهم وجود صيد، أو نهاراً وهو لا يرى صيداً ولا قصده، فقتل صيداً- لم يحل؛ لأنه لم يرسله على صيد معين ولا مرسل، فكان في السهم كما لو سقط منه سيف على حلقوم شاة، فقطع المنحر منها، والجامع: فقدان أصل القصد في المصاب وفي الكلب كالمسترسل بنفسه.
[قال:] وقيل: يحل في السهم دون الكلب؛ لأن السهم قتل بفعله، وقصده إلى الذبح غير معتبر.
دليله: ما لو قطع عنق شاة على أنه ثوب؛ وهذا الوجه قد حكاه القاضي الحسين، واختاره في "المرشد".
وفي "البحر" عن صاحب "الإفصاح" القطع به، وهو منسوب في "تعليق البندنيجي" وغيره إلى أبي إسحاق، وطرده البندنيجي والمصنف فيما إذا وقع منه السيف، فقطع المنحر من الشاة: أنها تحل، والبغوي نسبه في هذه – أيضاً- إلى أبي إسحاق، واختاره في "المرشد".
стр. 3807
وفي "تعليق القاضي أبي الطيب" حكايته في السهم والكلب معاً عن رواية القاضي أبي حامد، وهو في "البحر" أيضاً.
وظاهر النص في مسألة الكتاب الأول؛ فإن الشافعي- ﵁ قال: "ولو أرسل سهماً و [هو] لا يرى صيداً، فلا يأكل، ولا تعمل النية إلا في عين ترى"، وبه جزم الإمام، والمشهور في مسألة الكلب الجزم بالتحريم.
نعم: لو أرسل سهماً في الليل، وخطر له أنه قد يصيب صيداً، قال الإمام: فحاصل ما ذكره الأصحاب ثلاثة أوجه؛ ثالثها: أنه ينظر: فإن رمى في موضع يغلب على الظن الصيد فيه [حل وإن كان لا يغلب على الظن الصيد فيه] فالقصد لا أصل له، وحكمه حكم البازي.
واعلم أنه يمكن تصوير مسألة الكتاب- أيضاً- بما إذا أرسله إلى ما يجوز الرمي إليه من هدف أو ذئب أو خنزير ونحوه، فأصاب صيداً، فإن [في] الحل في هذه الصورة- أيضاً- خلاف- موافق لما ذكره الشيخ؛ صرح به الإمام، والذي جزم به البغوي فيها تبعاً لشيخه التحريم في السهم والكلب.
قال: وإن رمى شيئاً يحسبه- أي: بكسر السين وفتحها- حجراً، أي: ونحوه، فكان صيداً- فقتله- حل أكله.
قال أبو إسحاق: لأنه قتله بفعله، ولا اعتبار بالقصد؛ دليله: صحة ذكاة الصبي والمجنون مع أنه لا قصد لهما صحيح، وما لو قطع شيئاً ليناً ظنه ثوباً، فإذا هو حلقوم شاة- حلت كما نص عليه.
وقال غيره: إنما حل؛ لأنه قصده بفعله وإن ظنه غيره، وانبنى على العلتين الخلاف في المسألة السابقة، وهي إذا رمى إلى غير صيد، فقتل صيداً وما ألحق بها؛ كذا قاله في "الحاوي" وغيره، وما ذكره الشيخ لم يورد العراقيون والإمام غيره.
وحكى في "التهذيب"- تبعاً لشيخه- وجهاً في عدم الحل، وهو في "البحر" منسوب إلى رواية القاضي أبي حامد عن بعض الأصحاب، ثم قال: والمذهب الأول، وكذا لو قطع عنق شاة ظنها خشبة لينة، أو وضع سكيناً على موضع يحسبه جداراً، فإذا هو حلق شاة، أو رمي إلى حيوان ظنه خنزيراً أو حيواناً غير مأكول [فأصابه]،
стр. 3808
فإذا هو صيد مأكول؛ وهذا منه يشعر بأن الخلاف في المجموع وهو كذلك؛ لأن الماوردي حكى عن ابن أبي هريرة عن بعض الأصحاب فيما إذا قطع شيئاً ظنه ثوباً فإذا هو عنق شاة- عدم الحل وإن كان النص الحل، وهو المشهور، والغزالي جزم به فيها.
وحكى الإمام فيما إذا ظنه حيواناً محرم اللحم، ومنه الآدمي والخنزير، فأصابه، فإذا هو صيد-[خلافاً]، والأصح: الحل، وهو [ما أورده] الماوردي فيما إذا ظنه كلباً أو خنزيراً.
ووجه مقابله: أنه لم يقصد صيداً حلالاً.
وفي بعض فحاوى كلام الشيخ أبي محمد وجهاً ثالثاً، وهو إن كان قد حسب الحيوان المرمي يحل أن يقصد بالرمي، فإذا تبين أنه صيد حل، وإن كان لا يحل قصده بالرمي: كالآدمي المحقون الدم مثلاً، ثم تبين أنه صيد- لم يحل؛ لأنه قصد محرماً، والقصد في نفسه محرم.
قال الإمام: ولا يجري هذا الوجه عندي فيما لو ذبح في ظلمة حيواناً [ظنه حيواناً] محرماً، فتبين أنه شاة، بل الوجه القطع بالحل؛ لقوة الفعل؛ فإنه في حكم التعاطي، والرمي لا يحكم عليه بالإصابة.
وقد حكى الغزالي في هذه الصورة وجهين مرتبين على وجهين فيما إذا قطعه وهو يظن أنه حلق آدمي، وأولى بالحل، لأن هذا فعل مباح، وإنما المحرم الأكل؛ بخلاف الآدمي.
فرع: لو رمى شيئاً ولم يلغب على ظنه ما هو؟ ولكن استوت الجائزات عنده، [فإذا تبين كونه] صيداً، فقد أشار الشيخ أبو محمد إلى وجهين:
قال الإمام: ولست أرى لهما في هذه الصورة وجهاً، بل الوجه القطع بالحل؛ كما لو حسبه حجراً شاخصاً.
قال: وإن أرسل عليه كلباً- أي: على ما ظنه حجراً- فقد قيل: يحل؛ كما في رمي السهم؛ لأنه وجد منه قصد إرساله؛ وهذا هو الصحيح؛ تبعاً للرافعي والبغوي والفوراني.
стр. 3809
وقيل: لا يحل؛ كما لو أرسله على غير شيء، ويخالف السهم؛ لأن للكلب اختياراً؛ وهذا ما اختاره في "المرشد" وكذا القاضي الحسين.
وفي "البحر" أن صاحب "الإفصاح" قطع به.
أما إذا ظنه خنزيراً أو كلباً ونحو ذلك، فكان صيداً، فقد ألحقه البغوي والمصنف بما لو ظنه حجراً، وجزم الماوردي فيه بالحل؛ لأن الكلب يشلي على كل حيوان، فيستشلي؛ فاستوى في إرساله حل المأكول وغير المأكول وإن اختلفا في إباحة الأكل.
والقاضي الحسين جعل الخلاف في هذه الصورة مرتباً على الخلاف فيما إذا ظنه حجراً، ومسألة الخنزير أولى بالحل؛ لأنه قصد الصيد فيها، بخلاف تلك، وهكذا جعله مرتباً على طريقة في مسألة إرسال السهم السابقة، وأولى بالحل؛ لما ذكرناه، وهو مخالف لطريقة الإمام وشيخه ويتركب من هذه المسألة والمسألة السابقة فرع، وهو إذا أرسله على شيء ظنه حجراً، وكان صيداً، فأصاب غيره، فحيث قلنا: إذا أرسله على صيد فأصاب غيره لم يحل، فهاهنا أولى.
[وإن قلنا: ثم: يحل، فهاهنا] خلاف، وتجيء التفرقة فيه بين السهم والكلب على رأي؛ وكذا أشار إليه الإمام والقاضي والحسين.
وفي "التهذيب": أن المرسل إن كان كلباً، فلا يحل، وفي السهم وجهان، والأصح التحريم.
ولو كان ما ظنه حجراً كذلك، فأصاب غيره، فإن اعتبرنا ما ظنه في المسألة الأولى حيث قلنا: لا يحل، فهاهنا يخرج على ما لو قصد صيداً، فأصاب غيره.
وحكى في "التهذيب" عن شيخه في هذه الصورة الحل؛ بناء على هذا؛ وقال: إنا إن اعتبرنا الحقيقة، فلا يحل.
وقد حكى الطبري في مسألة الكتاب طريقة أخرى، وهي إن كان المرسل كلباً لم يحل، وإن كان سهماً ففي الحل وجهان. [والله أعلم].
قال: وإن نصب سكيناً، فوقع به صيد، فجرحه، فمات- لم يحل؛ لأنه مات بغير فعل من جهة أحد، ولابد من أصل الفعل أو حكم الفعل بلا خلاف؛ دليله: المتردية،
стр. 3810
وما إذا احتك صيد أو شاة بسكين ونحوها، فقطعت حلقومه ومريئه؛ فإنه لا يحل بوفاق الخصم؛ لأنه قاتل نفسه.
والمراد بحكم الفعل: إرسال الكلب؛ كما حكاه البندنيجي عن أبي إسحاق.
قال القاضي الحسين: ولهذه النكتة حرم الصيد إذا كان المرسل مجوسياً.
فإن قلت: لا نسلم أن ذلك حصل بغير حكم فعله، بل نصب ذلك كإرسال الكلب.
قيل: فعل واضعها، وحكم فعله منقطع عنها؛ ألا ترى أنه لو وقع بها إنسات، فمات، لا قصاص عليه، ولو كان حكم فعله موجوداً، لوجب؛ كما لو أغرى عليه كلباً، ولا يرد علينا وجوب الضمان؛ لأن باب الضمان [أوسع] من باب الذكاة كما تقدم.
ثم على تقدير [تسليم] نسبة الفعل إليه، فشرط الفعل المبيح أن يقصد به صيداً معيناً، أو من جملة معين؛ [دليله:] ما لو رمى سهماً إلى العلو، فسقط على صيد اعترضه لا يحل، والمقتول بالسكين المنصوبة، لم يكن معيناً، ولا من جملة معين؛ وهذا قول أبي الطيب بن سلمة.
قال الماوردي: وهو مدخول؛ لأنه لو نصبه لصيد معين أو لجملة معينة، لم يحل؛ فكان التعليل الأول أصح؛ كما قال ابن الصباغ.
ومن هنا يظهر لك أنه إذا نصب أحبولة، فمات الصيد بها خنقاً، أو [كانت] من شعر، فقطعت الحلقوم والمريء، لا يحل، وقد نص الشافعي- ﵁ عليه.
والحكم فيما لو كانت السكين في يد شخص، وقد احتك بها صيد أو غيره، ولم تتحرك يده- كما لو كانت منصوبة في الأرض، وكذا لو تحركت، وتحامل عليها الحيوان؛ للاشتراك في الفعل المبيح والمحرم.
فرع: إذا كان في عنق الكلب قلادة محددة، فضرب الصيد بها، فجرحه، فمات، حل؛ حكاه الرافعي عن "التهذيب" كما لو أرسل سهماً أو كلباً.
ثم قال: وقد يفرق بأنه قصد [بالسهم الصيد] ولم يقصده بالقلادة؛ وهذا منه
стр. 3811
حمل لكلام البغوي على ظاهره، وليس كذلك، بل هو محمول على ما ذكره شيخه القاضي الحسين في تعليقه، وهو ما إذا كان الكلب معلماً بأن يضرب بتلك الحديدة؛ لأنه يصير كالرمي إلى الصيد.
قال: ومن أخذ صيداً أي: يحل له اصطياده، سواء كان غير ممتنع: كصغار الصيود وفراخها، أو ممتنعاً: كالكبار، وله تمييز، أو أزال امتناعه، أي: بسهمه أو كلبه – ملكه؛ لأنه بذلك يكون مستولياً عليه؛ فشابه سائر المباحات التي تملك بالاستيلاء، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ٩٤]، أي: يختبركم بتكليف إباحة ما حلله، وحظر ما حرمه ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤] وأراد بما تناله الأيدي: الصغار، وبما تناله الرماح: الكبار؛ كما قال ابن عباس.
وقال مجاهد: المراد بالأول: البيض، وبالثاني: الصيد.
وروي أنه- ﵇ وأصحابه مروا بظبي حاقف، أي: مُثْخَنٍ عاجز عن الامتناع- فهمَّ أصحابه بأخذه، فقال: "دَعُوهُ حَتَّى صَاحِبُهُ"، فسماه: صاحباً، ومنعهم من أخذه.
أما إذا كان لا يحل له اصطياده؛ لكونه مملوكاً لغيره، أو مباحاً لكن الصائد محرم- فلا يملكه، وفي المحرم كلام تقدم.
ولو كان الأخذ ممن لا تمييز له: كالأعمى والمجنون، فإن لم يأمره أحد بذلك ملكه أيضاً، وإن أمره بذلك غيره، فهل يكون له إن كان حراً أو لسيده إن كان عبداً، أو للآمر؟ فيه وجهان في "تعليق القاضي الحسين"، والمذكور منهما في "التهذيب" و"البحر" الأول، وألحقا بالأعمى الصبي، والله أعلم.
стр. 3812
المراد بالأخذ: أن يضع يده عليه، سواء قصد ملكه بذلك أو لا، وفي معناه: وقوعه في الشبكة التي نصبها، أو أحبولته مباحة كانت أو مغصوبة، وقع فيها الصيد بنفسه، أو طرده إليها طارد.
ومنها مسك جارحته المعلَّمة، التي أرسلها ولم تَقْتُلْ، وكذا المغصوبة على المذهب الذي لا يعرف العراقيون غيره، وغير المعلَّم في ذلك كالمعلم.
وفيه احتمال للرافعي؛ لأن للجارح اختياراً.
ولو استرسلت الجارحة بنفسها وأخذته، ملكه-[أيضاً] – على أحد الوجهين في "تعليق القاضي الحسين"؛ بناء على أضعف الوجهين فيما إذا تَوَحَّل الصيد في أرض يملكها، ولم يقصد إرسال الماء إليها كذلك، أو فَرَّخ الطائر البري في ملك رجل، أو [باض بملكه] كما يملك الصيد إذا توحل في أرض ساق الماء إليها؛ لأجل أخذ الصيد؛ كما قاله الإمام، وعليه يحمل كلام الماوردي والروياني، وكما إذا فرخ الطير في البرج الذي بناه لأجل ذلك؛ فإنه يملكه بذلك قولاً واحداً وإن كان في ملكه للفرخ الحاصل في الدار التي بناها لأجل ذلك وجهان، لكن المذهب في المبني عليه عدم الملك، وبه جزم الماوردي وغيره في بعض الصور؛ لأن ذلك غير معد للاصطياد.
ثم يثبت له حق الاختصاص به، حتى إذا أخذه غيره كان في ملكه له وجهان قريبان من إحياء المتحجر.
قال الإمام: وهاهنا أولى بأن يملكه الآخذ، وهو ما اختاره في "المرشد"؛ لأن المتحجر قد حصل له قصد التملك، بخلافه هاهنا، ولا خلاف أن من دخل بستان إنسان، وأخذ منه صيداً ممتنعاً: أنه يملكه.
والفرق: أن البستان غير ضابط؛ فهو كالبرية.
ومنها أن يدخل داره، فيغلق عليه الباب قاصداً ملكه، وكذا لو لم يقصده، بل وقع وفاقاً على أضعف الوجهين الجاريين فيما لو وقعت منه سكينة، فتعقل بها صيد
стр. 3813
فحبسه، ولا يقوم غلق غير المالك الباب قصداً مقام غلق المالك؛ حتى لا يملكه المالك؛ لأنه لم يقصده، ولا الغالق؛ لأنه فعل ذلك في ملك غيره الخارج عن يده.
ومنها: أن يحشره في مضيق، لا مخلص له منه، أو يسد منافذ البركة الصغيرة التي دخل [فيها] السمك، دون ما إذا كانت كبيرة لا يمكن أخذه منها إلا بعسر.
والمراد بإزالة الامتناع: كسر جناح ما يمتنع بجناحه، وقطعه من طريق الأولى، ورجل ما يمتنع بجريه، وقطعها من طريق الأولى، وكسرهما أو قطعهما إن كان مما يمتنع [بجريه وجناحه] مثل: الدُّرَّاج والفتخ؛ فإنه يقال: إنهما يمتنعان بالعدو والطيران جميعاً، فإذا فعل ذلك ملكه، ومن طريق الأولى إذا قطع حلقومه ومريئه، أو أخرج حشوته بسهمه أو جارحته.
قال الماوردي: وكذا إذا أغرى عليه سبعاً، فعقره، وكان له عليه ولاية، دون [ما] إذا لم يكن له على السبع ولاية؛ فإنه لا يملكه؛ لأن اختيار السبع أولى من إغرائه، ولا يقوم مقام ذلك جريه خلف الصيد حتى يقف تعباً وإعياء.
قال الماوردي: لأن وقوفه استراحة، وهو بعدها على امتناعه.
أما إذا لم يزل فعل الصائد امتناعه، لم يملكه، ولا يثبت له حق اختصاص به؛ حتى إذا أخذه غيره [أ] وأزال امتناعه [ملكه، سواء كان ما أصابه من فعل الأول مما يسلم منه أو لا، وسواء طال معه زمان امتناعه] أو قصر، وسواء قصر طيرانه وجريه عما كان عليه أو لا، وهو باق على الامتناع، ولا يجب على الأول شيء للثاني وإن أثر فعله نقصاناً للصيد، لأنه حين أصابه كان مباحاً، نعم: لو لم ير منه فعلُ آخر حتى ثبت بجراحة الأول، صار حينئذٍ ملكاً للأول، وكذا لو ثبت بعطش أصابه بعد الجراحة؛ لعجزه عن الوصول إلى الماء مع وجوده، دون ما إذا ثبت بالعطش لعدم الماء؛ قاله الماوردي.
ولو أزمنه الثاني بواسطة تقدم فعل الأول، ففي "تعليق القاضي الحسين" في باب العمد وغيره هاهنا حكاية وجهين فيه:
стр. 3814
أحدهما: أنه بينهما؛ لأن الزمانة حصلت بفعلهما.
قال الرافعي: وقد يسمى هذا قولاً مخرجاً، وإليه مال الإمام.
والثاني: أنه للثاني إذا ألزمناه تعقيب رميه؛ وهذا ما ادعى الرافعي: أنه الظاهر من المذهب عند الجمهور.
قال: وهما شبيهان بما إذا كان له امرأتان صغيرتان، فأرضعت أمه إحداهما بعد الأخرى، هل ينفسخ نكاحهما أو نكاح الثانية؟ فإن حرمناهما اشتركا هاهنا، وإلا اختص به الثاني.
وقد أطلق الرافعي تصوير محل الوجهين، وصوره البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما بما إذا كان امتناع الصيد بجناحه ورجله، فقطع أحدهما جناحه، والآخر رجله.
وفي "الحاوي" وجه ثالث: أنه يكون لكاسر الجناح، سواء تقدم أو تأخر؛ بناءً على أحد الوجهين فيما: إذا رمياه معاً، فقطع أحدهما جناحه، والآخر رجله: أنه يكون لكاسر الجناح/.
ولو وقع شك في أن فعل الأول هل أزال امتناعه أو لا؟ وقد مات بفعل الثاني، فلا يحكم به للأول، وإن ادعى أن رميه أزمنه، وطلب الغرم من الثاني؛ لأن الأصل بقاء الامتناع، ويحلف الثاني، ويسلم له.
وأما حله: فينظر في إصابة الثاني، فإن قطعت الحلقوم والمريء، أو أدرك معها قطعهما وفيه حياة مستقرة، وفعل ذلك- حَلَّ، وإن كانت في غير محل الذكاة، ومات بها قبل إدراك ذكاته- ففي إباحته وجهان في "الحاوي".
وقد علق الأصحاب بحاله فرعاً له تعلق بكتاب الجنايات لا غناء عن ذكره، وهو إذا أرسل شخص على صيد سهماً أو كلباً، وملكه به، ثم أرسل آخر عليه [ذلك]، فإن لم يمت بفعل الثاني، وجب [للأول] على الثاني أرش ما نقص بفعله، وإن
стр. 3815
مات بفعل الثاني خاصة، فإن كان بسبب الرمية، وقد قطعت حلقومه ومريئه، حل، كما قال القاضي أبو الطيب والبندنيجي والماوردي وغيرهم، وللإمام فيه احتمال تقدم مثله فيما إذا رمى شاة الربيطة فقطع حلقومها ومريئها، ومع الحل يجب على الثاني ما بين قيمته حياً على الحالة التي صادفه سهمه فيها وقيمته مذكى؛ كما لو ذبح شاة الغير، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الصيد مما يبقى أو لا.
وقال الإمام: عندي أن الحيوان الثابت إذا كان لما به من الجرح لو لم يذبح لهلك، وفات، فالذبح لا ينقص منه شيئاً، نعم لو فرض إثبات تصوير الحياة معه؛ فإذ ذاك يظهر التفاوت.
وإن صادف سهمه غير المنحر أو قتله كلبه، وفيه حياة مستقرة يمكن الصائد معها الذكاة- حرم، وضمن تمام قيمته مجروحاً الجرح الأول.
قال القاضي الحسين: وإن كان الأول قد توانى في ذكاته، [ومات] بالفعلي معاً- فالصيد حرام؛ لأنه مات من مبيح ومحرم، أو من محرم كما يظهر لك، وهل يجب على الثاني شيء؟ الذي حكاه الجمهور: أنه ينظر: فإن لم يكن الأول قد توانى في ذكاته بعد ذلك حتى مات، وجب على الثاني تمام قيمته، ولا يقال: إن الهلاك حصل بالفعلين؛ فيجب على الثاني نصف القيمة لا غير؛ لأن فعل الأول هو الكاسب والمبيح؛ لأنه أصابه وهو غير مقدور عليه؛ فلم يوجد منه تفريط، والعقر الثاني: هو المحرم لما أباحه الأول، فهو المفسد، فوجب كل الضمان عليه، وبهذا خالف ما لو جرح إنسان شاته ثم جرحها آخر، وماتت من الجرحين، يجب على الأجنبي نصف الضمان؛ لأن كل جرح محرم.
وعن صاحب "التقريب": أنه استدرك، فقال: فعل الأول وإن لم يكن مفسداً، فهو مؤثر في حصول الزهوق لا محالة؛ فينبغي أن يعتبر في الإفساد حتى يقال: إذا كان غير زمن يساوي عشرة، وزمناً [يساوي] تسعة، ومذبوحاً [يساوي] ثمانية-
стр. 3816
يلزمه الثمانية، والدرهم الآخر أثر في فواته الفعلان جميعاً.
قال الرافعي: وهذا هو الأصح.
وإن كان الأول قد توانى في ذكاته، فهل يجب على الثاني شيء أو لا؟ فيه وجهان في "تعليق القاضي الحسين": فإن قلنا بالوجوب- وهو الذي أورده العراقيون- فما الواجب؟ فيه وجهان:
أحدهما: جميع القيمة؛ كما تقدم، [وبه قال الإصطخري. والثاني: نصفها] وبه قال سائر أصحابنا على طبقاتهم؛ كما قاله أبو الطيب والبندنيجي، وصححه الرافعي لأن الثانية وإن كانت مفسدة لم تخرج الأولى عن أن تكون جناية أيضاً؛ فأشبه جرح الشاة، وبهذا فارقت المسألة قبلها.
وحكى الماوردي فيما إذا مات بالجرحين؛ أربعة أوجه:
أحدها- وهو ظاهر المذهب، وقول جمهور أصحابه-: أن الواجب على الثاني القسط كما سنذكره.
والثاني: أنه يجب عليه جميع قيمته مجروحاً، وبه قال الإصطخري.
والثالث- وهو قول ابن أبي هريرة-: إن مات وقد حصل في يد صاحبه حياً ضمن الثاني القسط، وإن كان قبل ذلك ضمن الجميع.
والرابع- وهو أظهرها عندي-: أنه إن مضى من الزمان بين الجراحتين قدر ما يدركه صاحبه، فعلى الثاني القسط، وإن لم يمض بين الجراحتين زمان إدراكه، فالجراحة الثانية هي المختصة بالتحريم؛ فاختص الثاني بجميع القبة.
ثم إذا رأينا التوزيع، فما الذي يضمنه الثاني؟ فيه ستة طرق: خمسة منها حكاها العراقيون، وسادسة ذكرها الإمام؛ تبعاً للقاضي الحسين، ولا تخلو واحدة منها عن احتمال، ولنذكرها أولاً فيما لو كان كل واحد من الجرحين مضموناً لنبين ما يجب على كل واحد منهما، فإذا عرفنا ذلك طرحنا عن الأول الضمان في مسألتنا،
стр. 3817
وأوجبنا على الثاني ما يجب عليه، ويفرض ذلك في صيد قيمته عشرة فجنى عليه الأول جناية أرشها درهم؛ فعادت قيمته [إلى] تسعة، ثم جنى الثاني عليه جناية أرشها درهم؛ فعادت قيمته إلى ثمانية، ثم سرت الجراحتان إليه فمات- فالطريق الأول: أنه يجب على كل واحد منهما [خمسة، وبه قال المزني وأبو إسحاق.
لكن المزني يقول: يجب على كل واحد منهما] أرش جنايته، وهو درهم، ويجب عليه نصف قيمته بعد الجرحين؛ وهو أربعة؛ لأن الموت حصل بالفعلين؛ وعلى هذا لو نقصت جناية الأول ثلاثة، والثانية نقصت درهماً- وجب على الأول ستة وعلى الثاني أربعة، ولو انعكس الفرض انعكس الحكم.
وقد حكى القاضي الحسين هذا القول عن أبي الطيب بن سلمة أيضاً.
وقال أبو إسحاق: هذا خطأ؛ لأنه أفرد أرش الجناية مع سرايتها إلى النفس، والجناية إذا سرت إلى النفس، وضمن [بذلك النفس، كان الاعتبار بها؛ كما سيأتي فيما إذا قطع يدي حر ورجليه، فسرت إلى نفسه، ومات- لا يجب إلا دية واحدة، بل الصواب أن يقال: يجب على كل واحد منهما نصف قيمته يوم جنى عليه، ويدخل نصف جناية كل واحد منهما في نصف] بدل النفس الذي ضمنه؛ عملاً بالأصول؛ وذلك يقتضي أن يكون على الأول خمسة ونصف، وعلى الثاني خمسة، لكن يضمن الثاني للأول أرش جنايته على ما دخل في ضمانه إن غرمه؛ كما نقول فيما إذا غصب ثوباً قيمته عشرة، فجنى آخر على الثوب جناية قيمتها درهم، وتلف الثوب- يجب على الغاصب عشرة [دراهم] لصاحب الثوب، وعلى الثاني درهم، لكن إذا غرم صاحب الثوب الغاصب لا يرجع على الجاني بشيء، ويرجع الغاصب عليه بدرهم؛ لأنه جنى على ما ضمنه؛ فضمن جنايته؛ على ما دخل في ضمانه.
وإن غرم صاحب الثوب الجاني الدرهم، رجع على الغاصب بتسعة لا غير؛ كذلك نفعل هاهنا، ونقول: وجب على الأول خمسة ونصف، وعلى الثاني خمسة، لكن إن غرم الأول خمسة ونصفاً لم يرجع على الثاني إلا بأربعة ونصف، ويرجع
стр. 3818
الأول على الثاني بنصف درهم، وإن ضمن الثاني خمسة لم يرجع على الأول إلا بخمسة، ولا يرجع الأول على الثاني بشيء، وقد اختار هذا القفال، كما قال الروياني، وقال الماوردي: إنه الظاهر من مذهب الشافعي على قول أكثر أصحابه، وقيل: إنه قول أبي إسحاق، ولم أره في شرحه.
وحكى وجهين في أن النصف الزائد على الخمسة في حق الأول، هل للمالك مطالبته به، أو ليس له ذلك، ويكون بضمان الثاني [له] ساقطاً عنه؛ كما سقط عنه نصف الأرش بضمانه له؟ ورأي الثاني أصح، والذي أورده البندنيجي وأبو الطيب وابن الصباغ وغيرهم الأول؛ وعلى هذا لو كانت جناية الأول قد نقصت القيمة ثلاثة، وجناية الثاني نقصت درهماً، فعلى الأول ستة ونصف: خمسة: نصف قيمته حال حياته، ودرهم ونصف: نصف أرش جنايته.
وعلى الثاني أربعة، ثلاثة ونصف: [نصف] قيمته حال جنايته، ونصف: نصف أرش جنايته، وهو داخل في ضمان الأول، فإن غرم [المالك] الأول ستة ونصفاً لم يأخذ من الثاني غير ثلاثة ونصف، ورجع الأول على الثاني بنصف درهم وإن اقتصر على مطالبته بستة رجع على الثاني بأربعة، ولا شيء للأول على الثاني.
ولو انعكس الحال، فكان أرش جناية الأول درهم، والثاني ثلاثة- وجب على الأول خمسة ونصف، وعلى الثاني ستة: أربعة ونصف: [نصف] قيمته حال جنايته، ودرهم ونصف: نصف أرش جنايته، وهو داخل في ضمان الأول، إن غرمه المالك خمسة ونصفاً [لم يأخذ من الثاني غير أربعة ونصف،] [ورجع الأول على الثاني] بدرهم ونصف.
وإن اقتصر [المالك] على مطالبة الأول [بما يستقر عليه؛ وهو] أربعة لا غير، رجع على الثاني بستة.
стр. 3819
وعلى الوجه الآخر الذي صححه الماوردي، لم يكن للمالك غير ذلك؛ وعلى هذا فقس.
والطريق الثاني قال بها أبو الطيب بن سلمة: إنه يجب على كل واحدة منهما نصف قيمته وقت الجناية، ويدخل نصف أرش جناية كل منهما فيما ضمنه؛ كما قاله أبو إسحاق؛ فيكون على الأول خمسة ونصف، وعلى الثاني خمسة، [لكن يجمع ذلك] فيكون [الجميع] عشرة ونصفاً، فاقسم العشرة عليها، فيكون على الأول خمسة أجزاء ونصف جزء من عشرة [أجزاء ونصف من عشرة] وطريق تصحيح ذلك أن تضرب خمسة ونصفاً في عشرة [أجزاء ونصف من عشرة] وطريق تصحيح ذلك أن تضرب خمسة ونصفاً في عشرة فيكون خمسة وخمسين، ونقسمها على عشرة فيخصها خمسة وسبع وثلثاً سبع.
ويكون [على] الثاني خمسة أجزاء من عشرة أجزاء ونصف من عشرة، وطريق تصحيح ذلك أن تضرب خمسة في عشرة تكون خمسيناً نقسمها على عشرة ونصف فيخصها أربعة وخمسة أسباع وثلث [سبع] ومجموع ذلك عشرة، وعلى هذا فقس.
قال: وإنما فعلت هذا كي لا يؤدي إلى التسوية بين الأول والثاني في الغرامة؛ كما فعله أبو إسحاق، وهو محذور؛ لأن الأول جرحه وقيمته عشرة، والثاني جرحه وقيمته تسعة، ومات العبد من سرايتهما؛ فلا يجوز أن يكون ما يجب عليهما سواء، وقد يفضي التفريع إلى أن يجب على الثاني أكثر مما وجب على الأول كما ذكرناه، فالوجه أن يكون الواجب على من جنى عليه وقيمته عشرة أكثر مما يجب على من جنى عليه وقيمته تسعة؛ وهذا أيضاً يضعف به قول المزني.
وقد ضعفه الماوردي بشيء آخر، وهو أن قاعدة الشافعي- ﵁ أن يضمن المجني عليه بقيمته حين وقوع الجناية عليه، لا بعد استقرارها، وهو قد اعتبرها بعد الجرح قال: وقد اختلف الأصحاب لأجل ذلك في أن المزني قاله
стр. 3820
تخريجاً على [أصول] مذهب الشافعي وأخطأ فيه، أو قاله مذهباً لنفسه؟ على وجهين.
والطريق الثالث قال به أبو علي بن خيران: أنه يدخل أرش جناية كل واحد منهما في بدل النفس؛ اعتباراً بسائد الأصول، ويجب على كل واحد كمال قيمته يوم جنايته عليه؛ حتى كأنه ما جنى عليه غيره، وتضم القيمتان معاً، وتقسم العشرة على الجملة.
بيانه: جناية الأول أرشها درهم، وقيمته عشرة، دخل الأرش في البدل، فأوجبنا عليه عشرة، ثم جناية الثاني أرشها درهم، وقيمته تسعة، دخل الدرهم فيها فأوجبنا عليه تسعة؛ فنضم تسعة إلى عشرة، وتقسم العشرة عليها؛ فيكون على الأول عشرة أجزاء من تسعة عشر جزءاً، وعلى الثاني تسعة أجزاء من تسعة عشر جزءاً وعلى هذا فقس.
قال: وما قاله المزني وأبو إسحاق وأبو الطيب خطأ، أما ما ذكره المزني؛ فلما سلف، [وأما ما ذكره أبو إسحاق؛ فلما ذكرناه، ولأنه أسقط نصف أرش الجناية، وأوجب النصف؛ نظراً إلى] أن كل واحد منهما ضامن لنصف النفس، [وإذا كان كذلك؛ فيجب أن يكون كل واحد منهما جانياً على النصف]، وإذا كان كذلك، يجب أن يسقط اعتبار جميع أرش الجناية.
[وأما قول أبي الطيب، فخطؤه من وجه واحد، وهو أنه أفرد نصف: أرش الجناية] مع ضمان السراية إلى النفس.
وهذا الطريق هو الذي صححه [القاضي] أبو الطيب وغيره من العراقيين، وارتضوه؛ ولأجله قال ابن الصباغ: قال أصحابنا: هذه الطريقة [هي] أصح الطرق، واختارها- أيضاً- وقال: إنه يمكن قسمتها بطريق أسهل من ذلك؛ بأن يقال: الأول أتلف نصف النفس، وقيمتها عشرة؛ فيكون عليه خمسة.
следующие страницы →