← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

يلزمه الثمانية، والدرهم الآخر أثر في فواته الفعلان جميعاً. قال الرافعي: وهذا هو الأصح. وإن كان الأول قد توانى في ذكاته، فهل يجب على الثاني شيء أو لا؟ فيه وجهان في "تعليق القاضي الحسين": فإن قلنا بالوجوب- وهو الذي أورده العراقيون- فما الواجب؟ فيه وجهان: أحدهما: جميع القيمة؛ كما تقدم، [وبه قال الإصطخري. والثاني: نصفها] وبه قال سائر أصحابنا على طبقاتهم؛ كما قاله أبو الطيب والبندنيجي، وصححه الرافعي لأن الثانية وإن كانت مفسدة لم تخرج الأولى عن أن تكون جناية أيضاً؛ فأشبه جرح الشاة، وبهذا فارقت المسألة قبلها. وحكى الماوردي فيما إذا مات بالجرحين؛ أربعة أوجه: أحدها- وهو ظاهر المذهب، وقول جمهور أصحابه-: أن الواجب على الثاني القسط كما سنذكره. والثاني: أنه يجب عليه جميع قيمته مجروحاً، وبه قال الإصطخري. والثالث- وهو قول ابن أبي هريرة-: إن مات وقد حصل في يد صاحبه حياً ضمن الثاني القسط، وإن كان قبل ذلك ضمن الجميع. والرابع- وهو أظهرها عندي-: أنه إن مضى من الزمان بين الجراحتين قدر ما يدركه صاحبه، فعلى الثاني القسط، وإن لم يمض بين الجراحتين زمان إدراكه، فالجراحة الثانية هي المختصة بالتحريم؛ فاختص الثاني بجميع القبة. ثم إذا رأينا التوزيع، فما الذي يضمنه الثاني؟ فيه ستة طرق: خمسة منها حكاها العراقيون، وسادسة ذكرها الإمام؛ تبعاً للقاضي الحسين، ولا تخلو واحدة منها عن احتمال، ولنذكرها أولاً فيما لو كان كل واحد من الجرحين مضموناً لنبين ما يجب على كل واحد منهما، فإذا عرفنا ذلك طرحنا عن الأول الضمان في مسألتنا،

стр. 3817

وأوجبنا على الثاني ما يجب عليه، ويفرض ذلك في صيد قيمته عشرة فجنى عليه الأول جناية أرشها درهم؛ فعادت قيمته [إلى] تسعة، ثم جنى الثاني عليه جناية أرشها درهم؛ فعادت قيمته إلى ثمانية، ثم سرت الجراحتان إليه فمات- فالطريق الأول: أنه يجب على كل واحد منهما [خمسة، وبه قال المزني وأبو إسحاق. لكن المزني يقول: يجب على كل واحد منهما] أرش جنايته، وهو درهم، ويجب عليه نصف قيمته بعد الجرحين؛ وهو أربعة؛ لأن الموت حصل بالفعلين؛ وعلى هذا لو نقصت جناية الأول ثلاثة، والثانية نقصت درهماً- وجب على الأول ستة وعلى الثاني أربعة، ولو انعكس الفرض انعكس الحكم. وقد حكى القاضي الحسين هذا القول عن أبي الطيب بن سلمة أيضاً. وقال أبو إسحاق: هذا خطأ؛ لأنه أفرد أرش الجناية مع سرايتها إلى النفس، والجناية إذا سرت إلى النفس، وضمن [بذلك النفس، كان الاعتبار بها؛ كما سيأتي فيما إذا قطع يدي حر ورجليه، فسرت إلى نفسه، ومات- لا يجب إلا دية واحدة، بل الصواب أن يقال: يجب على كل واحد منهما نصف قيمته يوم جنى عليه، ويدخل نصف جناية كل واحد منهما في نصف] بدل النفس الذي ضمنه؛ عملاً بالأصول؛ وذلك يقتضي أن يكون على الأول خمسة ونصف، وعلى الثاني خمسة، لكن يضمن الثاني للأول أرش جنايته على ما دخل في ضمانه إن غرمه؛ كما نقول فيما إذا غصب ثوباً قيمته عشرة، فجنى آخر على الثوب جناية قيمتها درهم، وتلف الثوب- يجب على الغاصب عشرة [دراهم] لصاحب الثوب، وعلى الثاني درهم، لكن إذا غرم صاحب الثوب الغاصب لا يرجع على الجاني بشيء، ويرجع الغاصب عليه بدرهم؛ لأنه جنى على ما ضمنه؛ فضمن جنايته؛ على ما دخل في ضمانه. وإن غرم صاحب الثوب الجاني الدرهم، رجع على الغاصب بتسعة لا غير؛ كذلك نفعل هاهنا، ونقول: وجب على الأول خمسة ونصف، وعلى الثاني خمسة، لكن إن غرم الأول خمسة ونصفاً لم يرجع على الثاني إلا بأربعة ونصف، ويرجع

стр. 3818

الأول على الثاني بنصف درهم، وإن ضمن الثاني خمسة لم يرجع على الأول إلا بخمسة، ولا يرجع الأول على الثاني بشيء، وقد اختار هذا القفال، كما قال الروياني، وقال الماوردي: إنه الظاهر من مذهب الشافعي على قول أكثر أصحابه، وقيل: إنه قول أبي إسحاق، ولم أره في شرحه. وحكى وجهين في أن النصف الزائد على الخمسة في حق الأول، هل للمالك مطالبته به، أو ليس له ذلك، ويكون بضمان الثاني [له] ساقطاً عنه؛ كما سقط عنه نصف الأرش بضمانه له؟ ورأي الثاني أصح، والذي أورده البندنيجي وأبو الطيب وابن الصباغ وغيرهم الأول؛ وعلى هذا لو كانت جناية الأول قد نقصت القيمة ثلاثة، وجناية الثاني نقصت درهماً، فعلى الأول ستة ونصف: خمسة: نصف قيمته حال حياته، ودرهم ونصف: نصف أرش جنايته. وعلى الثاني أربعة، ثلاثة ونصف: [نصف] قيمته حال جنايته، ونصف: نصف أرش جنايته، وهو داخل في ضمان الأول، فإن غرم [المالك] الأول ستة ونصفاً لم يأخذ من الثاني غير ثلاثة ونصف، ورجع الأول على الثاني بنصف درهم وإن اقتصر على مطالبته بستة رجع على الثاني بأربعة، ولا شيء للأول على الثاني. ولو انعكس الحال، فكان أرش جناية الأول درهم، والثاني ثلاثة- وجب على الأول خمسة ونصف، وعلى الثاني ستة: أربعة ونصف: [نصف] قيمته حال جنايته، ودرهم ونصف: نصف أرش جنايته، وهو داخل في ضمان الأول، إن غرمه المالك خمسة ونصفاً [لم يأخذ من الثاني غير أربعة ونصف،] [ورجع الأول على الثاني] بدرهم ونصف. وإن اقتصر [المالك] على مطالبة الأول [بما يستقر عليه؛ وهو] أربعة لا غير، رجع على الثاني بستة.

стр. 3819

وعلى الوجه الآخر الذي صححه الماوردي، لم يكن للمالك غير ذلك؛ وعلى هذا فقس. والطريق الثاني قال بها أبو الطيب بن سلمة: إنه يجب على كل واحدة منهما نصف قيمته وقت الجناية، ويدخل نصف أرش جناية كل منهما فيما ضمنه؛ كما قاله أبو إسحاق؛ فيكون على الأول خمسة ونصف، وعلى الثاني خمسة، [لكن يجمع ذلك] فيكون [الجميع] عشرة ونصفاً، فاقسم العشرة عليها، فيكون على الأول خمسة أجزاء ونصف جزء من عشرة [أجزاء ونصف من عشرة] وطريق تصحيح ذلك أن تضرب خمسة ونصفاً في عشرة [أجزاء ونصف من عشرة] وطريق تصحيح ذلك أن تضرب خمسة ونصفاً في عشرة فيكون خمسة وخمسين، ونقسمها على عشرة فيخصها خمسة وسبع وثلثاً سبع. ويكون [على] الثاني خمسة أجزاء من عشرة أجزاء ونصف من عشرة، وطريق تصحيح ذلك أن تضرب خمسة في عشرة تكون خمسيناً نقسمها على عشرة ونصف فيخصها أربعة وخمسة أسباع وثلث [سبع] ومجموع ذلك عشرة، وعلى هذا فقس. قال: وإنما فعلت هذا كي لا يؤدي إلى التسوية بين الأول والثاني في الغرامة؛ كما فعله أبو إسحاق، وهو محذور؛ لأن الأول جرحه وقيمته عشرة، والثاني جرحه وقيمته تسعة، ومات العبد من سرايتهما؛ فلا يجوز أن يكون ما يجب عليهما سواء، وقد يفضي التفريع إلى أن يجب على الثاني أكثر مما وجب على الأول كما ذكرناه، فالوجه أن يكون الواجب على من جنى عليه وقيمته عشرة أكثر مما يجب على من جنى عليه وقيمته تسعة؛ وهذا أيضاً يضعف به قول المزني. وقد ضعفه الماوردي بشيء آخر، وهو أن قاعدة الشافعي- ﵁ أن يضمن المجني عليه بقيمته حين وقوع الجناية عليه، لا بعد استقرارها، وهو قد اعتبرها بعد الجرح قال: وقد اختلف الأصحاب لأجل ذلك في أن المزني قاله

стр. 3820

تخريجاً على [أصول] مذهب الشافعي وأخطأ فيه، أو قاله مذهباً لنفسه؟ على وجهين. والطريق الثالث قال به أبو علي بن خيران: أنه يدخل أرش جناية كل واحد منهما في بدل النفس؛ اعتباراً بسائد الأصول، ويجب على كل واحد كمال قيمته يوم جنايته عليه؛ حتى كأنه ما جنى عليه غيره، وتضم القيمتان معاً، وتقسم العشرة على الجملة. بيانه: جناية الأول أرشها درهم، وقيمته عشرة، دخل الأرش في البدل، فأوجبنا عليه عشرة، ثم جناية الثاني أرشها درهم، وقيمته تسعة، دخل الدرهم فيها فأوجبنا عليه تسعة؛ فنضم تسعة إلى عشرة، وتقسم العشرة عليها؛ فيكون على الأول عشرة أجزاء من تسعة عشر جزءاً، وعلى الثاني تسعة أجزاء من تسعة عشر جزءاً وعلى هذا فقس. قال: وما قاله المزني وأبو إسحاق وأبو الطيب خطأ، أما ما ذكره المزني؛ فلما سلف، [وأما ما ذكره أبو إسحاق؛ فلما ذكرناه، ولأنه أسقط نصف أرش الجناية، وأوجب النصف؛ نظراً إلى] أن كل واحد منهما ضامن لنصف النفس، [وإذا كان كذلك؛ فيجب أن يكون كل واحد منهما جانياً على النصف]، وإذا كان كذلك، يجب أن يسقط اعتبار جميع أرش الجناية. [وأما قول أبي الطيب، فخطؤه من وجه واحد، وهو أنه أفرد نصف: أرش الجناية] مع ضمان السراية إلى النفس. وهذا الطريق هو الذي صححه [القاضي] أبو الطيب وغيره من العراقيين، وارتضوه؛ ولأجله قال ابن الصباغ: قال أصحابنا: هذه الطريقة [هي] أصح الطرق، واختارها- أيضاً- وقال: إنه يمكن قسمتها بطريق أسهل من ذلك؛ بأن يقال: الأول أتلف نصف النفس، وقيمتها عشرة؛ فيكون عليه خمسة.

стр. 3821

والثاني أتلف نصف النفس، وقيمتها تسعة؛ فيكون عليه أربعة ونصف؛ وذلك أقل من قيمة الصيد؛ فيقسم عشرة على تسعة ونصف؛ فيكون على الأول ما يخص خمسة، وعلى الثاني ما يخص أربعة ونصفاً. والطريق الرابع قاله بعض الأصحاب: أنه يجب على الأول خمسة ونصف، وعلى الثاني أربعة ونصف، واختلف في توجيهه: فقال الإمام: لأن الأول منتسب إلى التفويت إلا فيما تعرض للالتزام به الثاني، والذي التزمه الثاني أربعة ونصف؛ فكان باقي القيمة على الأول وهو خمسة ونصف. وقال العراقيون: إنما كان كذلك؛ لأنه يدخل أرش جناية الثاني في بدل النفس، ولا يدخل أرش جناية الأول في بدلها، وعلى كل واحد منهما نصف قيمته بعد جناية الأول، وفرق بينهما: بأن الأول انفرد بالجناية، والثاني وجدت جنايته مع جناية الأول، وسرتا إلى النفس؛ فكان البدل عليهما. قال البندنيجي: وهذا قول العراقيين، وهو سهل، وبه قال صاحب "التقريب"، واختاره، وقد وافقه في ترجيحه الإمام، وقال الغزالي: إنه الأقرب، وسبيل الاعتراض عليه: أما على طريقة الإمام من نسبة الأول إلى التفويت فبأن يقال: إن هذا فيما إذا انفرد، فأما إذا شاركه غيره، فقد خرج عن أن يكون مفوتاً للكل، والنظر في القدر الذي ينسب إليه من الفائت. وأما على طريقة غيره، فبما اعترض به على طريقة المزني [أبو إسحاق]. والطريق الخامس: قال به ابن أبي هريرة- كما قال الماوردي- وابن سريج- كما قال الموافق ابن طاهر-: أنه يدخل أرش جناية كل واحد منهما في بدل النفس؛ كما قال ابن خيران، لكن يجب على كل واحد منهما نصف قيمته يوم جنى عليه؛ فيكون على الأول خمسة، وعلى الثاني أربعة ونصف. قال الإمام: وما ذكره من إسقاط الأرش، وإسقاط اعتباره فقيه، ولكنه أدى إلى إسقاط نصف درهم من قيمته، وهما الجانيان، ولا سبب سوى جنايتهما؛

стр. 3822

وذلك محال؛ ولأجل هذا قال البندنيجي: إنه فاسد. والطريق السادس: أنه يجب على الأول خمسة ونصف، وعلى الثاني خمسة، [يجوز جميع] ذلك المالك؛ عملاً بما قاله أبو إسحاق في صدر كلامه. قال الإمام: وهو ينسب إلى اختيار القفال، واعترض عليه بأن فيه زيادة الواجب على المتلف، وقال: إن القفال اعتذر عن ذلك بأن ترتيب الجنايات قد يجيز مثل هذا؛ فإن من قطع يدي عبد [و] التفريع على أنه يلزمه تمام القيمة؛ فإنا نلزمه القيمة، ثم لو قتله آخر يلزمه قيمة عبد مقطوع اليدين؛ فيحصل للسيد من الجانبين قيمة عبدٍ وزيادة. [قال الإمام:] ولا حجة في ذلك، فإن قاطع اليدين لا شركة له في القتل، والقتل بعد القطع من [أجنبي] يلحق القطع بالاندمال؛ فليس تلك الصورة نظير مسألتنا. وقد أيد الأصحاب تحقيق الطرق المذكورة في هذه الصورة بمثال آخر ذكروه، وهو ما إذا جنى على الصيد المملوك ثلاثة، ونقصت قيمته بسبب كل جناية درهمين، وعادت قيمته بعد الجنايات إلى أربعة: فعلى الطريق الأول: يجب على كل واحد منهم مستقراً ثلاثة وثلث؛ لأن المزني يقلو: يجب على كل واحد أرش جنايته وهو درهمان، وثلث قيمته بعد الجنايات، وهو درهم وثلث، ومجموع ذلك ثلاثة وثلث. وأبو إسحاق يقول: يجب على كل واحد منهم ثلث قيمته يوم جنايته عليه وثلثا أرش جنايته، ويسقط ثلثها؛ فالأول جنى عليه وقيمته عشرة فثلثها ثلاثة وثلث، وثلثا أرش جنايته درهم وثلث، ومجموع ذلك أربعة وثلثان. والثاني جنى عليه وقيمته ثمانية، وثلثها درهمان وثلثان، وثلثا أرش جنايته درهم وثلث، ومجموع ذلك أربعة.

стр. 3823

والثالث جنى عليه وقيمته ستة، [وثلثها درهمان] وثلثا أرش جنايته درهم وثلث، وذلك ثلاثة وثلث، إلا أنه دخل فيما ضمنه الأول من جناية الثاني والثالث درهم وثلث، وعلى كل [واحد] منهما ثلثان، ودخل فيما ضمنه الثاني من جناية الثالث ثلثان، فإن أخذ المالك من الأول أربعة وثلثين، غرم له كل من الثاني [والثالث ثلثين، ويبقى للمالك في جهة الثاني درهمان وثلثان، وفي جهة الثالث كذلك، وإن أخذ من الثاني] أربعة، كان له أن يأخذ من الأول ثلاثة وثلثا، ومن الثالث درهمين وثلثين، ويرجع الثاني على الثالث بثلثين، [وكان] له أن يأخذ من الأول أربعة ومن الثالث درهمين ويرجع عليه الأول بثلثين وكذلك الثاني. وإن أخذ من الثالث ثلاثة وثلثاً، كان له أن يأخذ من الأول أربعة ومن الثاني درهمين وثلثين، ويرجع الأول على الثاني بثلثين، [وكان] له أن يأخذ من الأول ثلاثة وثلثاً، ومن الثاني كذلك، ولا تراجع في هذه الصورة. وعلى الطريق الثاني [يجب] على كل واحد منهم ثلث قيمته يوم جنى عليه، وثلثا أرش جنايته؛ فيكون على الأول أربعة وثلثان، وعلى الثاني أربعة، وعلى الثالث ثلاثة وثلث، ومجموع ذلك اثنا عشر يقسم على العشرة؛ فيجب على الأول أربعة وثلثان من اثني عشر من عشرة، وذلك ثلثها ونصف تسعها، وعلى الثاني أربعة من اثني عشر من عشرة وذلك ثلثها، وعلى الثالث ثلاثة وثلث من اثني عشر من عشرة، وذلك ربعها وربع تسعها، ومجموع ذلك عشرة. وعلى الطريق الثالث يجب على كل منهم تمام قيمته يوم جنى عليه، ويضم ذلك، ويقسم على العشرة، ومجموع القيم أربعة وعشرون؛ فيكون على الأول عشرة من أربعة وعشرين من عشرة، وهي ربعها وسدسها، وعلى الثاني ثمانية من أربعة وعشرين من عشرة، وهي ثلثها، وعلى الثالث ستة من أربعة وعشرين من عشرة وهي ربعها. وعلى الطريق الرابع الناظر إلى أنه لا يدخل أرش جناية الأول في بدل النفس،

стр. 3824

ويدخل أرش جناية الثاني، نقول هاهنا: لا يدخل أرش جناية الأول [عليه] في بدل النفس، ويدخل أرش جناية الثاني والثالث، وعلى كل واحد منهم ثلث قيمته يوم جناية الأول عليه، ويجب على الأول أربعة وثلثان، وعلى الثاني والثالث خمسة [وثلث بالسوية]. وعلى الطريق الخامس لا يخفى الحكم، وكذلك على الطريق السادس؛ وعلى هذا فقس. [ومثل] ما ذكرناه في مسألة الصيد جارٍ فيما لو وقعت جناية غير مقدرة على رقيق، فسرت إلى النفس؛ ولا يجيء [مثله] فيما إذا وقعت على حُرٍّ، لأن بدل الحر مقدر لا ينقص بما يطرأ عليه من نقص في الأعضاء؛ ودليله ما لو قطع شخص أطراف حُرٍّ، ثم قتله آخر، يجب عليه كمال ديته، نعم: لو كانت مقدرة كالأطراف فقد خرج ابن أبي هريرة فيه وجهين. أحدهما: أنه كالحرٍّ، والثاني: أنه كالبهيمة، قال الماوردي: وكل من الوجهين معلولل. فروع: [أحدها:] إذا رمى شخصان صيداً، فوقع سهامهما فيه في حالة واحدة؛ فأزمناه، فإن مات بالرميتين، فهو لهما، وإن مات بإحدى الرميتين: فإن كانت موحية دون الأخرى، فهل يكون بينهما، أو يختص به الموحي رميه؟ فيه وجهان في "الحاوي". [الثاني:] لو رمياه، فادعى أحدهما اجتماعهما على إصابته؛ فيكون بينهما، وقال الآخر: [بل] أنا انفردت بالإصابة؛ فجميعه لي- فإن كان في يدهما- فهو بينهما مع اليمين؛ [وإن كان في يد أحدهما؛ فالقول قوله مع يمينه] وإن كان خارجاً عنهما، فهل نجعل القول قول مدعى الاجتماع أو لا؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ عملاً بحكم الظاهر. والثاني: أنه يحكم بموجب الدعوى؛ فنجعل لمدعي الانفراد النصف بغير يمين

стр. 3825

-والربع باليمين إن حلف وحلف الآخر، وإن نكل فاز الآخر بعد حلفه بالنصف. [الثالث:] إذا رماه شخص، ثم رماه آخر، فوجد ميتاً، ولم يعلم القاتل منهما- قال في "الأم": "يؤكل، وهو بينهما"، واختلف الأصحاب في حله على وجهين: أحدهما: المنع؛ لأنه يحتمل أن يكون الثاني قتله بعد أن أثبته الأول؛ فلا يحل أكله، ويحتلم أن يكون الثاني قتله قبل أن أثبته الأول فيحل، والأصل الحظر. واختلف القائلون بهذا في تأويل النص: فمنهم من قال: محله إذا علمنا إباحته قطعاً؛ إما بالذكاة أو بالعقر، وجهلنا الذابح؛ ولأجل ذلك جعله بينهما؛ لأنه في يدهما. ومنهم من قال: ما ذكره مفروض فيما إذا كان المصاب مما يمتنع برجله وجناحه؛ فكسر أحدهما رجله، والآخر جناحه؛ فإن فيه وجهين: أحدهما: هو لهما. والثاني: أنه للثاني؛ فيكون على الوجهين حلال؛ لأن الرمي الأول لم يزمنه، والثاني: إن حصل به القتل غير قادح في حله، وإنما جعله بينهما على الوجه الثاني؛ لأن الثاني مجهول، ويدهما عليه؛ فكان بينهما. والوجه الثاني: إنه حلال، وهو ظاهر النص، وبه قال أبو إسحاق موجهاً له بأن الأصل بقاؤه على الامتناع حتى نعلم أن الأول أزاله فكان الظاهر أنه مات بالثاني؛ فيحل. ووجه كونه مشتركاً بأنه في يدهما، وهي تدل على الملك؛ فجعل بينهما، ولا تدل على الذكاة؛ فكان مباحاً. قال: ومن ملك صيداً، ثم أرسله- أي: مختاراً فيه- لم يزل ملكه عنه في أصح القولين؛ لأنه لم يوجد منه إلا مجرد رفع اليد، وذلك لا يقتضي زوال الملك؛ كما لو ملك بهيمة، ثم سيبها؛ فعلى هذا لا يجوز لمن عرفه أن يصيده، ومن لم يعرفه، وصاده لا يملكه؛ ولأجله قال القفال: بعض [العوام يحتسبون بإرسال الطيور

стр. 3826

المملوكة ويسمونه: إعتاقاً، ولا ينبغي أن يفعل؛ لأنه يخلط] ملكه بالطيور المباحة، فيأخذه رجل يظن أنه ملكه، ولا يملك بذلك. نعم: لو أراد مالك الصيد عند الإرسال إباحته لمن أخذه حصلت الإباحة، ولا ضمان على من أكله، لكن لا ينفذ تصرفه فيه، ولا يحل تناوله لمن عرف أنه مملوك إلا إذا سمع الإباحة بأن يكون المالك قد قال عند الإرسال: "أبحته لغيري". ولو قال عند الإرسال: "أعتقته"، لم يزل ملكه عنه؛ قاله المسعودي، ويجيء فيه الوجه المذكور في صحة عتق البهيمة المملوكة من غير الصيود، وتفريعه كما سيأتي في موضعه. والقول الثاني: أنه يزول كما لو ملك عبداً، ثم أعتقه؛ وهذا ما حكاه في "البحر" عن نصه في "المبسوط". قال الرافعي: لكنه شرط فيه أن يخليه على قصد [إخراجه من ملكه، وإلحاقه بالوحش؛ وعلى هذا من أخذه ملكه. وخص الماوردي] محل الخلاف بما إذا لم يقصد بإرساله التقرب إلى الله- تعالى-، فإن قصده، فهو موجب لزوال ملكه؛ كما في العتق. وعن أبي علي الطبري: أنه إن قصد التقرب إلى الله –تعالى- بإرساله، زال ملكه، وإلا فلا؛ حكاه ابن الصباغ وجهاً ثالثاً في المسألة. وقال في "البحر": إن ما قاله الطبري يحكي عن ابن أبي هريرة، فإن قلنا به، وكان قد أرسله، وقصد التقرب؛ وصار الصيد ممتنعاً، فهل يحل صيده؟ فيه وجهان: أحدهما- ويحكى عن ابن أبي هريرة-: نعم؛ لأنه يعود إذا زال عنه الملك إلى حكم الإباحة. والثاني: لا؛ كما أن العبد إذا عتق لا يعود الملك فيه؛ وهذا ما حكاه الماوردي ععن كثير من البصريين. قلت: وللأول أن يقول: نظير عود الصيد إلى الامتناع عود العبد للكافر بعد العتق إلى دار الحرب؛ فإنه يجوز استرقاقه على رأي، وإن منعناه؛ فذاك لأجل

стр. 3827

إبطال الولاء، وهو مفقود هنا، ولا جرم، صحح الأول الشيخ محيي الدين النواوي في "الروضة". وقد أثبت العراقيون وغيرهم القولين [،و] في مسألة الكتاب وجهان: ونسبوا الأول منهما إلى أبي إسحاق، والثاني إلى ابن أبي هريرة؛ [وعلى هذا يكون مراد الشيخ بقوله: "في أصح القولين"، أي: المخرجين للأصحاب]، وكثيراً ما يطلق الأصحاب في المسألة قولين، ويريدون ذلك، وهما جاريان- كما قال في الفروع- فيما إذا كان معه ماء فصبه أو أعرض عن سواقط الثمار كما سنذكره، وكذا فيما لو كان معه كسرة خبز، فأعرض عنها، وأخذها آخذ، لكن بالترتيب، وهاهنا أولى بأن لا يملكها الآخذ؛ لأن سبب الملك في الصيد [اليد] وقد زالت. قال النواوي: والأرجح: أنه يملك ذلك، ويصح تصرفه فيه بالبيع وغيره، وهو ظاهر أحوال السلف، ولم ينقل أنهم منعوا من أخذ شيء من ذلك من التصرف. قال الإمام: وهذا الخلاف في زوال الملك، وما فعله إباحة للطاعم في ظاهر المذهب؛ لأن القرائن الظاهرة كافية في الإباحة. و [قد] أجزنا- أيضاً- فيما لو أعرض عن إهاب ميتة، وألقاه، فأخذه غيره، ودبغه، هل يحصل الملك له أو لا؟ لكن بالترتيب أيضاً، وهنا أولى بأن يملكه الآخذ؛ لأن الإعراض عما لا ملك فيه قوي ظاهر. قال الرافعي: ولك أن تزيد فتقول: إن قلنا: إن من غصب جلد ميتة ودبغه، ملكه، فهاهنا أولى بلا خلاف، وإلا فوجهان. أما إذا أرسله وجوباً؛ كما إذا أحرم، وفي ملكه صيد، زال ملكه عنه قولاً واحداً، ويعود إلى حاله الأول؛ حتى إذا أخذه غيره ملكه، وقد تقدم ذكر ذلك [في موضعه]. ولو استرسل الصيد بنفسه، فلا يزول ملكه عنه وبلا خلاف، وإن عاد إلى حاله الأولى؛ كما لو ملك عبداً بالسبي، وعاد إلى دار الحرب، ويخالف ما لو ملك ماءً فانصب في النهر؛ فإنه يزول ملكه على أحد الوجهين؛ للقدرة على مثله، بخلاف

стр. 3828

الصيد؛ قاله في "الحاوي". نعم: لو انفلت الصيد بعد وقوعه في الشبكة، قال القاضي الحسين: فهو باقٍ على ملكه – أيضاً- لا يملكه أحد بعد وهو ما ادعى في "الوسيط" في باب الوليمة: أنه الظاهر، وفيه وجه؛ لأنه لا يعد مستقراً في العرف. وقال الماوردي: إنه ينظر: فإن كان انفلاته؛ لكونه حالة وقوعه فيها قادر على الخلاص، لم يملكه بالوقوع، لكنه أحق به، وإذا أخذه غيره ملكه، وإن كان لتقطع الشبكة، فإن كان الصيد الذي قطعها، كان الأمر كذلك، وإن قطعها غيره من صيود اجتمعت على قطعها، كان باقياً على ملك صاحبها؛ فلا يملكه غيره إذا أخذه. ولو كان قد اقتلع الشبكة، وذهب بها، فإن كان ثقل الشبكة يبطل امتناعه بحيث يتيسر أخذه، فهو لصاحبها، وإلا فهو لمن أخذه؛ قاله الرافعي. ولو انفلت من الكلب، فقد قال القاضي في "المجرد": إن كان ذلك قبل ما أدركه صاحبه لم يملكه، وإن كان بعده فوجهان؛ لأنه لم يقيضه ولا ثم امتناع؛ وهذا ما اختاره في "المرشد"، وهو كالمخالف لما حيكناه عن القاضي الحسين من قبل. وفي الرافعي في آخر الباب فيما إذا استرسل كلب فحبس صيداً، فلما انتهى إليه [صاحبه] أفلت الصيد- حكاية وجهين عن ابن كج في أنه هل يملكه أخذه أو هو ملك للأول. فرع: لو وقع الشك في أن الصيد استرسل بنفسه، أو أرسله صاحبه إرسالاً يزول به الملك عنه، ويحل اصطياده- لا يجوز أخذه على حكم الاصطياد، ويتفق ذلك فيما لو رأى على الصيد أثر ملك؛ بأن كان مُقَرَّطاً أو مخضوباً أو مقصوص الجناح ونحو ذلك؛ لأن هذه الأحوال تدل على أنه ملك، والأصل بقاء الملك فيه لمن ملكه.

стр. 3829

قال الأصحاب: ومثل هذا إذا اصطاد سمكة ووجد في بطنها جوهرة مثقوبة، لم يملكها؛ لدلالة أثر الملك عليها، بل تكون لقطة، بخلاف ما لو كانت غير مثقوبة؛ فإنه يملكها. وخص الماوردي محل ملكه لها إذا كانت غير مثقوبة بما إذا اصطاد السمكة من بحر الجوهر، وقال فيما إذا كانت من غيره: إنه لا يملكها، وأجراه فيما إذا وجد في جوفها عنبرة، وقال فيما غذا وجد في جوفها ذهباً: فإن كان مطبوعاً، أو عليه أثر دخوله النار، لم يملكه، وإلا فإن كانت في بحر فيه معادن الذهب ملكه، وإلا فلا، وتكون لقطة. وقد أطلق البغوي القول بأن من اشترى سمكة، فوجد في بطنها درة غير مثقوبة: أنها تكون للمشتري، وإن كانت مثقوبة، فهي للبائع إن ادعاها. قال الرافعي: ويشبه أن يقال: إن الدرة لمن اصطاد السمكة؛ كما أن الكنز [الذي] يكون في الأرض يكون لمحيي الأرض. وقد نجز شرح مسائل الباب، فلنختمه بفروع تتعلق به: أحدها: [إذا أمر عبداً أعجمياً أو مجنوناً بالصيد، فهل الصيد للآمر أو للمأمور؟ فيه وجهان في "تعليق القاضي الحسين"، والمذكور منهما في "التهذيب" و"البحر": أنه إذا كان المأمور عبداً أعجمياً يكون لسيده، وألحق به الصبي]. [الثاني] إذا أرسل كلبه على صيد فقتله، ولم يعلم أنه مملوك، فهل يضمنه؟ فيه وجهان في "الحاوي". أحدهما: نعم؛ كما لو أرسل عليه سهمه؛ فإنه يضمنه وجهاً واحداً. والثاني: لا؛ كما لو وقع في شبكته، وانفلت منها، وتلف، ويخالف مسألة السهم؛ لأن القتل فيها منسوب إلى راميه، وقتل الكلب [منسوب] إلى اختياره. [الثالث]: إذا اختلطت حمامات برج مملوكة بحمامات مباحة، نظر: إن كان المباح محصوراً لم يحل صيد شيء منها، وإن كان غير محصور، حل الصيد؛ كما إذا اختلطت من يحرم عليه نكاحها بنسوة.

стр. 3830

قال الغزالي في "الإحياء" في كتاب الحلال والحرام: والعدد المحصور وغير المحصور إنما يضبطان بالتقريب، فكل عدد لو اجتمع في صعيد واحد يعسر على الناظر عددهم بمجرد النظر: كالألف ونحوه، فهو غير محصور، وما سهل: كالعشرة والعشرين، فهو محصور، وبين الطرفين أوساط متشابهة تلحق بأحد الطرفين بالظن، وما وقع فيه الشك [اُستُفتى] فيه القلب. ولو اختلطت حمامات أبراج مملوكة [لا تكاد تنحصر] بحمامات أخرى مباحات، فوجهان: أحدهما: لا يجوز الاصطياد منها؛ فإن ما لا ينحصر بالإضافة إلى مثله كما ينحصر بالإضافة إلى مثله. والثاني: يجوز؛ استصحاباً لما كان. قال الإمام: وهذا إليه صَغْوُ معظم الأصحاب، والأول أقيس. ولو اختلطت حمامات برج مملوكة بحمامة [من] برج آخر مملوكة، وعسر التمييز- ففي "التهذيب": أن لكل مالك أن يأكل بالاجتهاد واحدة واحدة [حتى] تبقى واحدة؛ كما لو اختلطت ثمرة الغير بثمرته. والذي حكاه الروياني: أنه ليس له أن يأكل واحدة منها، حتى يصالح ذلك الغير أو يقاسمه؛ ولهذا قال بعض مشايخنا: ينبغي للتقي أن يجتنب [طير البرج] وبناءها. ونقل الإمام وغيره: أنه ليس لواحد منهما أن يتصرف في شيء منها ببيع أو هبة من ثالث؛ لأنه لا يتحقق الملك فيه، ولو باع أو وهب [أحدهما] من الآخر، ففيه وجهان: وجه الصحة: وهو أولى؛ للحاجة الداعية إليه، وقد ترتفع التعبدات بالضرورات والحاجات؛ ولذلك صححنا القراض والجعالة على ما فيهما من الجهالة. وأنهما لو باعا الحمام المختلط، ولا يدري واحد منهما عين ماله، فإن كانت

стр. 3831

الأعداد معلومة: مائتين، ومائة، والقيم متساوية، وزعنا الثمن على أعدادها، وصح بإطباق الأئمة. وإن كانا يجهلان الأعداد [قال الإمام]: فالوجه عندي [عدم] صحة البيع؛ لأنه لا يعرف كل واحد منهما ما يستحقه من الثمن، والطريق أن يقول كل واحد منهما: بعتك الحمام الذي لي في هذا البرج بكذا؛ فيكون الثمن معلوماً، ويحتمل الجهل في المبيع؛ للضرورة. وفي "الوسيط": أنهما لو تصالحا على شيء، صح البيع، واحتمل الجهل بقدر المبيع. ويقرب من هذا ما أطلق من مقاسمتهما. قال الرافعي: واعلم أن الضرورة قد تدعو إلى المسامحة في بعض الشروط المعتبرة في العقود؛ ألا ترى أن الكافر إذا أسلم على أكثر من أربع نسوة، ومات قبل الاختيار- يضصح اصطلاحهن على القسمة؛ إما بصفة التساوي، أو التفاوت، مع الجهل بالاستحقاق؛ فيجوز أن تصح القسمة هاهنا- أيضاً- بحسب تراضيهما. ويجوز أن يقال: إذا قال كل واحد منهما: بعت ما لي من حمام هذا البرج بكذا، وصححناه مع الجهل بالمبيع، فإذا قالا: بعنا حمام هذا البرج بكذا والأعداد مجهولة- أن يصح أيضاً مع الجهل بما يستحقه كل واحد منهما؛ إذ المقصود انفصال الأمر بحسب ما يتراضيان عليه. والإمام قوى رأيه في عدم الصحة في هذه الصورة بأن رفع الجهل عن الثمن- بأن يبيع كل واحد [منهما] ما يملكه من ذلك- ممكن؛ فلا معنى لاحتمال جهل لا تلجأ إليه الضرورة. ولو انثالت حنطة إنسان على حنطة غيره، أو انصب مائع في مائع، وجُهِلَ المقدار، قال الرافعي: فليكن الحكم كما ذكرنا في اختلاط الحمام. ولو اختلط درهم حرام أو دراهم بدراهم، ولم يتميزا، أو دهن بدهن ونحو

стр. 3832

[ذلك]، قال في "الإحياء" وغيره من الأصحاب: طريقة ذلك أن يفصل قدر الحرام، فيصرفه إلى الجهة التي يجب صرفه فيها، ويبقى الباقي له يتصرف فيه بما أراد. الرابع: إذا أخبر فاسق أو كتابي: أنه ذكَّى هذه الشاة، قبلناه؛ لأنه من أهله؛ ذكره في "التتمة". ولو وجدت شاة مذبوحة، ولم يدر: أذبحها مسلم، أو كتابي، أو مجوسي؟ فإن كان في البلد مجوس ومسلمون، لم تحل الذبيحة بالشك في الذكاة المبيحة، والله- أعلم.

стр. 3833

باب الأطعمة هذا الباب مسوق لبيان ما يحل تناوله من المطعومات والمشروبات وما لا يحل، وذكر في ربع العبادات؛ لأن طلب الحلال فرض من فروض الأعيان على كل مسلم؛ قال الله - تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١]، قال المفسرون: المراد به هاهنا: المداومة على أكل الحلال، وقال- ﵇: "طلب الحلال فريضة على كل مسلم". والأصل فيما يحل تناوله وما لا يحل [تناوله] من الكتاب آيات، منها قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤]، قال الأصحاب- ومنهم الروياني-: اسم الطيب يقع على أربعة أشياء: [الأول:] [على] الحلال؛ كما جاء في الآية الأولى. [و] لا يجوز أن يكون هو المراد [في هذه] [الآية؟ لأنهم سألوه عما يحل لهم؛ فلا يجوز أن يجيبهم بأن يقول لهم: نحل لكم الحلال. [الثاني:] ويقع على الطاهر؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ [المائدة: ٦]. ولا يجوز أن يكون هو المراد بهذه الآية]؛ لأن الظاهر أنه ردهم إلى شيء ينفردون بمعرفته، ويختصون به، وهم لا يختصون بمعرفة الطاهر، وإنما يعرفونه بالشرع.

стр. 3834

[الثالث:] ويقع على ما لا أذى [فيه]، كقولهم: "هذا يوم طيب"، و"ليلة طيبة"؛ إذا لم يكن في [ذلك] حر يؤذي ولا برد يؤذي. ولا يجوز أن يكون هو المراد في هذه الآية؛ لأن الشيء المأكول لا يوصف بذلك. الرابع: ويقع على ما تستطيبه النفس وتشتهيه. وهو المراد بالآية المذكورة؛ لانحصاره؛ وهذا ما ذكره القاضي أبو الطيب، وصححه القاضي الحسين بعد أن أبدى احتمالاً آخر، وهو أنه يجوز أن يكون المراد: الحلال؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]. [ومنها قوله تعالى في صفة نبيه (: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥]، واختلف أصحابنا في تأويلها: فمنهم من قال: أراد بما أوحى إليه: قرآنا؛ فإنه لم يرد فيه غير تحريم هذه الأطعمة، وما عداها من المحرمات، فبالسنة حرم. ومنهم من قال: [أراد]: قل لا أجد محرماً مما كانت العرب تستطيبه إلا هذه الأشياء الأربعة؛ والرابع منها قوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. ومن السنة ما سنذكره في أثناء الباب، إن شاء الله تعالى. قال: ويؤكل من دواب الإنس: الإبل، والبقر، والغنم؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] وقوله تعالى: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَاكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] [وقد أجمعت الأمة على ذلك]. قال: والخيل؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥]. وقد روى أبو داود عن محمد بن علي- وهو الباقر- عن جابر بن عبد الله قال: "نهانا رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحُمُرِ، وأذن في لحوم الخيل"،

стр. 3835

[وأخرجه مسلم والبخاري كما ذكرناه، ولفظ البخاري: "وأرخص في لحوم الخيل". فإن قيل: فقد روى أبو داود- أيضاً- عن خالد بن الوليد أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الخيل] والبغال والحمير. قلنا: قال أبو داود: وهو منسوخ. [وقال النسائي: إن صح هذا، فهو منسوخ]، ويدل عليه قوله في الحديث الأول: "وأذن" أو: "أرخص في لحوم الخيل". تنبيه: الإنس: البشر، واحدهم: إِنْسي، بكسر الهمزة وإسكان النون، وأَنَسِيّ بفتحها، حكاه الجوهري وغيره، والجمع: أناسِي. قال: ويقال للمرأة: إنسان، ولا يقال: إنسانة. وفي "المفصل" للزمخشري عند الكلام في أقسام تاء التأنيث: أن من ذلك دخولها للفرق بين المذكر والمؤنث في الاسم: كامرأة، وشيخه، وإنسانة. الخيل: قال الجمهور: هو [اسم] جنس، لا واحد له من لفظه: كالقوم، والنفر، والرهط، [والنساء]، وواحده من غير لفظه: فرس، يطلق على الذكر والأنثى، وقيل: [إن] واحده خائل كطائر وطير.

стр. 3836

والخيل معروفة، وجمعها: خيول، وتصغيرها: خييل، وسميت: خيلاً؛ لاختيالها في مشيها بطول أذنابها. والله أعلم. قال: ولا يؤكل الكلب؛ لأنه من الخبائث؛ قال- ﵇: "الْكَلْبُ خَبِيثُ وَخَبِيثُ ثَمَنُهُ"، وإذا ثبت أنه من الخبائث، اندرج تحت قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. قال: والخنزير؛ للآية، والبغل والحمار؛ لحديث جابر. وقد روى أبو داود عن أبي الزبير عن جابر- أيضاً- قال: "ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير؛ فنهانا رسول الله ﷺ عن البغال والحمير، ولم يَنْهَنَا عن الخيل"، وأخرجه مسلم بمعناه. وحكم لبن ما لا يحل أكله مما ذكرناه حكم لحمه؛ لأنه عصارته. وفي "التتمة" وجه في حِلِّ لبن الحمير؛ لأنه كان مباحاً في ابتداء الإسلام مع اللحم، والخبر دال على تحريم اللحم خاصة؛ فيبقى اللبن على الإباحة. قلت: ويمكن أخذه من أصل آخر، وهو أن الحمير حرمت بالنص، أو لأجل أن العرب تستخبثها؟ وفيه وجهان في "الحاوي": فإن قلنا بالأول، أمكن أن يقال بالحل؛ لما ذكر، وإن قلنا بالثاني فلا. قال: والسنور؛ لما روى عن جابر بن عبد الله: "أن النبي ﷺ نهى عن

стр. 3837

الهِرِّ". وفي رواية: "عن أكل الهر، وأكل ثمنها"، وأخرجه النسائي والترمذي وابن ماجه. فإن قلت: في إسناده عمر بن زيد، وهو لا يحتج بحديثه. قلت: قد روى مسلم من حديث أبي الزبير قال: سألت جابراً عن ثمن الكلب والسنور، فقال: "زجر النبي ﷺ عن ذلك". [وروي أنه- ﵇ قال: "إنَّ اللهَ إِذَا حَرَّمَ شَيْئاً حَرَّمَ ثَمَنَهُ"]. وروي أنه- ﵇ قال: "الهِرُّ سَبُعُ"، ولأنه يصطاد بنابه، ويأكل الجيف؛ فحرم كالأسد.

стр. 3838

وفي الرافعي: أن أبا عبد الله البُوشَنْجِيّ من أصحابنا اختار لنفسه حل أكلها كمذهب مالك. قال: ويؤكل من دواب الوحش البقر؛ لأنها من الطيبات. قال البندنيجي: ويستوي فيها التيتل والأيل والوعل، وكذا يؤكل جميع كباش الجبل وغنمه. قال: والحمار؛ لأنه من الطيبات أيضاً. وقد روى أبو داود عن قتادة أنه كان مع رسول الله ﷺ حتى إذا كان ببعض طريقمكة، تخلف مع أصحاب [له محرمين، وهو غير محرم، فرأى حماراً وحشياً، فاستوى على فرسه، قال: فسأل أصحابه] أن يناولوه سوطه، فأبوا، فسألهم رمحه فأبوا، فأخذه، ثم شدَّ على الحمار، فقتله، فأكل [منه] بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، وأبى بعضهم، فلما أدركوا رسول الله ﷺ سألوه عن ذلك، فقال: "إنَّما هي طُعْمَةُ، أطْعَمَكُمُوهَا اللهُ تَعَالَى"، وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، ووقع في البخاري ومسلم: أنه- ﵇ أكل منه. وقوله- ﵇: "أَلاَ لاَ يَحِلُّ ذُو نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَلاَ الْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ"- كما خرجه أبو داود عن المقدام بن معديكرب والدارقطني مختصراً [يدل عليه أيضاً]. ولا فرق في ذلك بين ما تأنس منه أو بقي على توحشه؛ كما لا فرق في تحريم الإنسي بين أن يبقى على صفته أو يتوحش؛ كما قاله في "البحر" وغيره. قال: والظبي؛ لأنه من الطيبات؛ فتناوله قوله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤]. قال: والضبع؛ لما روى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال: سألت رسول الله ﷺ -

стр. 3839

عن الضبع، فقال: "هُوَ صَيْدُ، وَيُجْعَلُ فِيهِ كَبْشُ إِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ". وأخرجه النسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: إنه حسن صحيح. وروى الشافعي بسنده عن عبد الرحمن بن أبي عمار قال: سألت جابر بن عبد الله عن الضبع أصيد هو؟ قال: نعم، [فقلت: سمعت ذلك من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم]. قال الشافعي- ﵁: وما زال الناس يأكلون الضبع، ويبيعونها بين الصفا والمروة- يعني: في الصدر الأول- ولم ينكر ذلك أحد. قال: والثعلب؛ لأنه من الطيبات. والأرنب؛ لما روى أبو داود عن أنس بن مالك قال: كنت غلاماً حَزَوّرًا فصدت أرنباً فشويتها، فبعث معي أبو طلحة بعجزها إلى النبي ﷺ ، فأتيته بها. وأخرجه

стр. 3840

البخاري ومسلم بنحوه. وفي رواية البخاري: "بوركها وفخذها، فَقَبِلَهُ". والحزور- بالتشديد والتخفيف-: الذي قارب البلوغ. قال: واليربوع؛ لأن العرب تستطيبه، وقد أوجب فيه عمر- ﵁ على المحرم جفرة، ولو لم يكن يؤكل لما ضمنه المحرم؛ كالفواسق، وهو دويبة مثل الجرذ، لها رأس مدور، وعين ضخمة سوداء مستديرة، بيضاء الطرف، قصيرة اليدين، طويلة الرجلين. قال: والقنفذ؛ لأنه مستطاب، لا يتقوى بنابه، يحل كالأرنب، وقد روى أبو داود عن تميلة عن أبيه قال: كنت عند ابن عمر، فسئل عن أكل القنفذ، فتلا: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥]، وهذا ما نص عليه الشافعي- ﵁ في كتاب الطعام. فإن قيل: قد روى أبو داود تتمة الأثر المذكور: أن شيخاً قال عند ابن عمر: سمعت أبا هريرة يقول: ذكر عند النبي ﷺ ، فقال: "خَبِيثٌ مِنَ الْخَبَائِثِ"، فقال ابن عمر: إن كان قال رسول الله ﷺ ، فهو كما قال. وهذا يدل على التحريم. قيل: قد قال به بعض المراوزة، كما صار إليه أبو حنيفة وأحمد، لكن الصحيح الأول، والجواب ما قاله البيهقي: إن إسناد ذلك غير قوي، وأيضاً: فإنه رواية شيخ مجهول؛ فلا يعارض عموم الكتاب، ولو صح فهو محمول على أنه خبيث الفعل؛ لأنه يخفي رأسه عند التعرض لذبحه، ويؤذي بشوكه إذا صيد. وعن القفال: أنه إن صح الخبر فهو حرام، وإلا رجعنا إلى العرف، هل يستطيبونه؟ والمنقول عنهم الاستطابة. والقنفذ: بضم القاف والفاء، ويقال بفتح الفاء أيضاً؛ ذكرهما الجوهري، وجمعه: قنافذ، والأنثى: قنفذة، ويقال: قنفط- بالطاء بدل الذال- وهو غريب.

стр. 3841

وقد ألحق البغوي بالقنفذ في جريان الخلاف الدُّلْدُلَ، وهو أكبر من القنفذ ذو شوك طويل، يشبه شوكه، والصُّرَدُ، والسلحفاة. قال: والوبر؛ لأن العرب تأكله وتستطيبه؛ وهذا ما نص عليه الشافعي، ﵁. وفيه وجه آخر: أنه حرام؛ حكاه البغوي وغيره، [وبه قطع الشيخ أبو محمد، وعدَّهُ من الخبائث. قال الإمام: ولا أصل له في ذلك يرجع إليه]. قلت: يمكن أن يكون أصله فيه قول الشافعي- ﵁ كما حكاه ابن الصباغ وغيره في باب جزاء الصيد: "إن كان الوبر تأكله العرب، ففيه جفرة"، لكن [الشافعي قد] حكى عن عطاء ومجاهد أنهما حكما في الوبر بشاة، ولا يفدي إذا لم يكن متولداً من مأكول وغيره إلا ما يؤكل، كما سنذكره. والوبر- بإسكان الباء-: الذكر، وجمعه: وبار- بكسر الواو- والأنثى: وبرة؛ قاله ابن الأعرابي، وهو دويبة سوداء أكبر من ابن عرس، وأصغر من الهرة الوحشية، وليس لها ذنب، كحلاء العين. وقيل: منه يعمل الخَزّ. قال: وابن عرس؛ لأن العرب تستطيبه. وفيه: أنه يحرم؛ حكاه الماوردي، ونسبه المراوزة إلى العراقيين. والأول ليس منقولاً عن الشافعي؛ فإن في "تعليق البندنيجي": أنه لا يعرف فيه. وفي السنجاب والسنور والدَّال والفَنَك- قول، وقد ذكر أن أبا يوسف قال: كلها سبع كالثعلب، فإن كانت كما قال فهو على المذهب حلال؛ لأنَّا نرد المجهول إلى أقرب الأشياء شبهاً بالمعروف، والوجه الآخر جارٍ فيما ذكره أيضاً، وبعضهم لم يورده في السنجاب والفنك، وألحق به الدَّلَق والقمام والحواصل، وعلى ذلك جرى في "التهذيب". وقال الرافعي: إنه الذي يحكي عن النص.

стр. 3842

وابن عرس: بكسر العين، وإسكان الراء، وجمعه: بنات عرس، وكذلك ابن آوى وابن مخاض وابن لبون، جمعه: بنات آوى وبنات مخاض وبنات لبون، وحكى الأخفش: بنات عرس وبنو عرس، وبنات نعش وبنو نعش. قال: والضب؛ لما روى أبو داود عن خالد بن الوليد: أنه دخل مع رسول الله ﷺ بيت ميمونة، فأُتِيَ بضب محنوذ- أي: مشوي، وقيل: هو المشوي بالرَّضْف، وهي الحجارة المحماة- فأهوى إليه بيده ﷺ فقال بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونة: أخبروا النبي ﷺ بما يريد أن يأكل منه هو ضب؛ فرفع رسول الله ﷺ يده، قال: فقلت: حرام هو؟ قال: "لاَ، وَلَكِنَّهُ لمَ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي؛ فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ"، قال خالد: فاجتررته فأكلته، ورسول الله ﷺ ينظر. وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهم. وهوى وأهوى بيده إلى الشيء: تناوله، ويقال للضب: السحل، والأنثى: ضبة. [وأم حبين]، قال البندنيجي: هي ضرب من الضِّباب، وقد قال الشافعي- ﵁: إن كانت العرب تأكلها، ففيها ما قضى به عثمان- ﵁ فتوقف فيها. وفي "التهذيب" الجزم بحلها، وهو أصح الوجهين في الرافعي؛ لأنها تُفدى. وهي- كما قال القاضي أبو الطيب-: دابة كبيرة الجوف صفراء.

стр. 3843

قال: وسنور البر [فقد]، قيل: إنه يؤكل؛ لأنه حيوان يتنوع إلى أهلي ووحشي، حرم الأهلي منه؛ فيحل الوحشي؛ كالحمار، وهذا يحكى عن الخضري، واختاره في "المرشد". وقيل: لا يؤكل؛ لأنه يصطاد بنابه؛ فاندرج تحت نهيه- ﵇ عن أكل كل ذي ناب من السباع، وهذا ما صححه البغوي والرافعي، واختاره القفال. وفرق بينه وبين الحمر بأنها تفارق الأهلية في ألوانها وهيئاتها وطباعها، وقد قال بعضهم: إن أصل الخلاف التردد في أنه وحشي الأصل، أو كان إنسياً وتوحش، وتولد عند انجلاء أهل القرى وسِنِي القحط؟ فعلى الأول: يحل، وعلى الثاني: لا. واعلم أن أصل قاعدة المذهب في الحيوان الوحشي- كما قال الشافعي ﵁ في كتاب الصيد والذبائح-: أن ما فداه المحرم في سُنَّةٍ أو أثر يؤكل. قال البندنيجي: ولا يخرج منه إلا السِّمع ونحوه؛ لما سيأتي. قال: ولا يؤكل ما تستخبثه العرب من الحشرات: كالحية، والعقرب، والوزغ، وسام أبرص، والخنفساء، والزنبور، والذباب، والجعلان، وبنت وردان، وحمار قَبَّان وما أشبهها، أي: كالفئران، والنحل، والعناكب، والقراد، والصراصير، [والنمل]، والدود، والقمل، ونحو ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ولأن الشرع قد أمر بقتل بعض ذلك؛ روى أبو داود وغيره عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ سئل عما يقتل المحرم؟ قال: "الحَيَّةُ، والْعَقْرَبُ، والْفُوَيْسِقَةُ، وَيَرْمِى الْغُرَابَ، وَلاَ يَقْتُلُهُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، والْحِدْأَةُ، والسَّبُعُ الْعَادِي"، ونهى

стр. 3844

عن قتل بعضه. وروي أنه- ﵇ نهي عن قتل النملة، والنحلة، والخطاف، والصرد، والهدهد، والضفدع، فلو كان البعض الأول مباح الأكل، لما أمر بقتله؛ كما لم يأمر بقتل سائر ما يحل أكله؛ لأجل إبقائه للتسمين وللأكل، وكذلك لو كان البعض الآخر مباح الأكل، لما نهى عن قتله؛ لأن الذكاة قتل مخصوص، وإذا امتنع أكل البعضين، قِيسَ ما في معناهما عليهما. وقد جعل صاحب "التلخيص" وغيره ذلك أصلاً، فقال: ما أمر بقتله فهو حرام، وما نهي عن قتله فهو حرام. قال البغوي: قال الأصحاب: والأول أصح، وأما الثاني: فليس على إطلاقه؛ لأن الشافعي- ﵁ أوجب في الهدهد، والصُّرَد الجزاء، وعنده لا يجب الجزاء على المحرم بقتل ما لا يؤكل لحمه، ولأصحابنا فيهما وجهان: أحدهما: لا يحل؛ لورود النهي عن قتلهما، وهو الأظهر في "الرافعي"، وبه جزم في "الوجيز" في الصرد. والثاني: يحل، والنهي عن قتلهما محمول على الكراهة؛ لأن الهدهد امتثل أمر نبي من الأنبياء، والصُّرَد كانت تتشاءم به العرب بصوته وصورته. وأما الخطاف، والنحلة، والنملة، وغيرها مما ذكرناه، فحرام. وعن أبي عاصم العبادي أن محمد بن الحسن قال: يحل الخطاف. وهو محتمل على أصلنا، وإليه مال كثير من أصحابنا، وأجرى أبو عاصم العبادي الخلاف في النملة والنحلة. وما ذكرناه من تحريم الدود مخصوص بما لم ينشأ من الطعام، أما ما نشأ منه:

стр. 3845

كدود الخل، والجبن، ونحوه، فهل يحل أكله؟ الذي أورده الماوردي والروياني هنا: المنع، وحكى الرافعي وجهاً آخر: أنه يحل، وحكى الإمام في كتاب الطهارة الحل عند اتصاله بما تولد منه، وحكى وجهين فيما إذا جمعه وأكله منفرداً، هل يحل أم لا؟ والصحيح المنع، وبهذا يحصل في المسألة ثلاثة أوجه. تنبيه: احترز الشيخ بقوله: "العرب"، عما يستخبثه العجم؛ فإنه لا اعتبار بذلك؛ لأن الله- لما أناط الحل بالطيبات والتحريم بالخبائث، عُلِمَ بالعقل: أنه لم يرد ما يستطيبه ويستخبثه كل العالم؛ لاستحالة اجتماعهم على ذلك عادة؛ لاختلاف طبائعهم، وتفاوت شهواتهم؛ فتعين أن يكون المراد: ما يستطيبه ويستخبثه بعضهم، وكان العرب بذلك أولى؛ لأن القرآن بلغتهم نزل، وهم المخاطبون به؛ وعلى هذا فطبائع العرب- أيضاً- مختلفة؛ لاختلاف الأزمنة والأمكنة في الشدة والرخاء؛ فلا يمكن إناطة الحكم في الحل والتحريم باستطابة جميعهم [الشيء واستخباثه] بل المرجع في ذلك إلى من كان في عصر النبي ﷺ ؛ كما قاله القاضي الحسين وجماعة، كما قاله الرافعي، وأبدى لنفسه احتمالاً في عدم اختصاصهم بذلك، وأنه يرجع في كل زمان إلى العرب الموجودين فيه، وقوَّاه بحكايةٍ رواها عن أبي عاصم العبادي عن الأستاذ أبي طاهر الزيادي عن أبي الحسن الماسرجسي. وعلى كل حال فيشترط فيمن يرجع إليهم [في ذلك] أن يكونوا متصفين وراء ما ذكرناه بصفات: إحداها: أن يكونوا قريبين من البلاد والأرياف؛ كما قال القاضي أبو الطيب وغيره، دون المقيمين في المواضع المنقطعة وأهل البادية؛ لأن أولئك يأكلون كل ما وجدوا، حتى روي أن بعضهم سأل أعرابياً فقال: ما تأكلون؟ قالوا: نأكل كل ما دبَّ ودرج إلا أم حبين، فقال الرجل: لِيَهْنِ أمَّ حبينٍ العافيةُ. الثانية: أن يكونوا ذوي طباعٍ سليمة. الثالثة: أن تكون الاستطابة في حال الرفاهية؛ حتى يأكلوا ذلك عادة، دون حالة القحط. الرابعة: أن تكون الاستطابة والاستخباث من الأكثر؛ لأن من الأشياء ما أباحها

стр. 3846

بعضهم شاذاً: كالحيات ونحوها، إلا أن أكثرهم استخبثها، ومنها ما يستقذره الواحد منهم، وهو حلال عند عامتهم؛ كما فعل النبي ﷺ في الضب، فإن افترقوا فريقين على السواء، قال الماوردي والقاضي الحسين والعبادي: رجح بقريش، فإن اختلف قريش أو لم يحكموا بشيء، رجع إلى شبيه الحيوان، والشبه تارة يكون في الصورة، وتارة في طبع الحيوان من السلامة والعدوان، وأخرى في طعم اللحم، فإن تساوى الشبهان، أو لم يجد ما يشبهه، فوجهان: أحدهما- عن أبي إسحاق والطبري، وظاهر المذهب كما قال في "العدة"، وإليه ميل الشافعي كما قال الإمام-: أنه حلال؛ لما روى أبو داود عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء، ويتركون أشياء، فبعث الله تعالى نبيه ﷺ ، وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو. وتلا قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥]. [والوجه] الثاني- قاله بعض أصحابنا-: أنه حرام؛ لأن الحيوان في الأصل محرم إلا ما دَلَّ عليه الدليل؛ فإذا لم يرد فيه دليل فهو باق على التحريم، وهذا ما رجحه ابن كج. وبنى الماوردي الوجهين على اختلاف أصحابنا في أن أصول الأشياء قبل ورود الشرع هل هي على الإباحة أو على الحظر؟ فعلى الأول يحل ما تكافأ اختلافهم فيه. وعلى الثاني يحرم. وهذا حكم باقي بلاد العرب، أما ما لم يكن فيها بل في بلاد العجم، اعتبر فيه حكمه في أقرب بلاد العرب عند من جمع الأوصاف السالفة، فإن اتفقوا على شيء عمل به، وإن اختلفوا مع التساوي، ولا شبيه له، ففي "تعليق القاضي أبي الطيب" وغيره وجهان؛ كما سبق. وفي "الحاوي": أنه يعتبر فيه حكمه في أقرب الشرائع للإسلام، وهي النصرانية، فإن اختلفوا فيه، فعلى ما ذكرناه من الوجهين. وهذا منه يدل على أن ما هو محرم في

стр. 3847

شريعة غيرنا يحرم علينا عند إشكال الحال. وقد قال الغزالي: فيه قولان بناهما الموفق بن طاهر على أن شرع من قبلنا إذا ثبت بالكتاب أو السنة أو بقول عدلين ممن أسلم منهم، وهو يعرف المبدل من غيره- هل يكون شرعاً لنا؟ وفيه اختلاف الأصوليين. وقول الشيخ: "من الحشرات" قد يفهم أن المراد به إخراج ما تستخبثه العرب من غير الحشرات؛ فإنه لا يحرم، وليس كذلك؛ بل الآخر حرام- كما ستعرفه- لعموم الآية، وإنما أتى به؛ لأنه لما ذكر حل اليربوع والقنفذ والوبر وابن عرس والضب وذلك من الحشرات- لأن الحشرات بفتح الحاء والشين: صغار دواب الأرض، وقيل: صغار دوابها وهوامها- فقد يظن ظان أن ما ذكره الشيخ تمثيلُ، وأن جميع الحشرات يحل أكلها؛ كما صار إليه الإمام مالك؛ تمسكاً- مع الآية- بما روى أبو داود عن ملقام بن تَلِبِّ عن أبيه قال: صحبت النبي ﷺ فلم أسمع لحشرة الأرض تحريماً، فصرح [الشيخ] بالتحريم؛ [لنفي هذا التوهم]، أو لاستكمال بيان حكمها، أو لينبه على أن ما ذكر إباحته أولاً من الطيبات حتى يكون دليله على الجميع واحداً، وهو قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. [تنبيه] آخر: الحية للذكر والأنثى، والعقرب والعقربة والعقرباء، كله للأنثى، والذكر: عقربان، بضم العين والراء. الوزغ: بفتح الواو والزاي، واحدها: وزغة، وتجمع على: أوزاغ، ووزغان. سام أبرص: بتشديد الميم، قال أهل اللغة: هو كبار الوزغ. الخنفساء: بضم الخاء ممدودة، والفاء مضمومة ومفتوحة، والفتح أفصح وأشهر، قال الجوهري: ويقال: خنفس وخنفسة. الزنبور: بضم الزاي. الذباب: جمعه في القلة: أذِبَّة، والكثرة: ذِبَّان: بكسر الذال؛ كغراب وأغربة

стр. 3848

وغربان، سمي ذباباً؛ لحركته واضطرابه؛ قاله الواحدي عن الزجاجي. وقال غيره: لأنه يُذَبُّ، أي: يُدْفَعُ. الجعلان: بكسر الجيم، جمع: جُعَل، بضمها، وفتح العين. وحمار قبان: دويبة معروفة. قال: وكذلك لا يؤكل ما يتقوى بنابه: كالأسد، والفهد، والنمر، والدب، والذئب، والفيل، والقرد، والتمساح، والزرافة، وابن آوى؛ لما روى أبو داود عن أبي ثعلبة الخشني أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع.

стр. 3849

وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما. قال القاضي الحسين وغيره: وفي نصه- ﵇ في الحديث السابق على قتل الكلب دلالة على دخول الأسد والفهد والنمر، ونحوه فيه. ثم ما المعنى الذي لأجله حُرِّم ذو الناب؟ المعزيُّ إلى الشافعي- ﵁ كونه يعدو بنابه على الحيوان، طالباً غير مطلوب. وإلى أبي إسحاق: كون عيشته بنابه، ومعناه: أنه لا يأكل إلا من فريسته، ولا جرم لم يكن الضبع ونحوه مما تقدم محرماً؛ لانتفاء المعنيين [المذكورين] فيه. ثم ما ذكره الشيخ في الفيل والقرد والتمساح هو المشهور. وعن أبي عاصم العبادي: أن أبا عبد الله البوشنجي من أصحابنا اختار حل الفيل كمذهب مالك- ﵀ لأنه لا يعدو من الفيلة إلا الفحل المغتلم كالإبل. وفي "تعليق البندنيجي": أن بعض أهل العلم حكى عن الشافعي أن القرد مأكول، ولا يعرف له، ولا ذُكِرَ في كتبه. وفي التمساح وجه: أنه مباح الأكل، وهو يؤخذ من قول الشيخ الذي سنذكره من بعد. وما ذكره في ابن آوى هو ما رجحه أبو علي الطبري والقاضي الحسين والروياني والبغوي وصاحب "المرشد". وادعى الإمام قطع المراوزة [به]؛ لأنه مستخبث من جنس الكلاب، وله ناب يعدو به على الطيور، ويأكل النجاسات. قال القاضي الحسين: ومن أصحابنا من قال: يؤكل كالثعلب، وهو ظاهر كلام

стр. 3850

الشافعي- ﵁ لأن له ناباً ضعيفاً، وعلى ذلك ينطبق قول الشيخ أبي حامد: إنه الأشبه بالمذهب؛ لأن الذي علل به الشافعي تحريم ذي الناب مفقود فيه، نعم: ما علل به أبو إسحاق موجود فيه؛ فالتحريم جارٍ على أصله، وقد صرح بذلك الماوردي، [وهذان] الوجهان جاريان في الدَّلَق، وقد دَلَّ كلام الشيخ، على أن الزرافة مما يتقوى بنابه، وليس كذلك؛ ولأجله قال الفراء [في] فتاويه بحلها؛ كالثعلب، وقرأ بعضهم ما في الكتاب بالقاف، وقال: إنها حيوان غير الذي يسمى بالزرافة، وهو يتقوى بنابه، والله أعلم. تنبيه: النَّمر: بفتح النون، وكسر الميم، ويجوز إسكان الميم مع فتح النون وكسرها كنظائره، والزرافة: بفتح الزاي وضمها؛ حكاهما الجوهري وغيره، ولم يذكر ابن مكي غير الفتح، وجعل الضم من لحن العوام، [وليس] كما قال. قال: ويؤكل من الطيور: النعامة، والديك، والدجاج، والبط، والإوز، والحمام، والعصفور، وما أشبهها؛ لأنها من الطيبات؛ فاندرجت تحت قوله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] وقد قضت الصحابة أن في النعامة بدنة على المحرم. وقال أبو موسى الأشعري: "رأيته- ﵇ يأكل الدجاج"، رواه البخاري. وروي عنه- ﵇ أنه قال: "مَنْ أَشَارَ بِقَتْلِ عُصْفُورٍ فَمَا فَوْقَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا

стр. 3851

إلاَّ سَأَلَهُ اللهُ عَنْهَا"، قيل: وما حقها؟ قال: "يَذْبَحُهَا، فَيْأَكُلُهَا، وَلاَ يَقْطَعُ رَاسَهَا وَيَطْرَحُهَا". وفي معنى ما ذكره الشيخ: الحُبَارى، وقد وردت السنة بإباحتها كالحمام، والفرق بينه وبين الحمام تقدم في باب كفارة الإحرام. وطير الماء مباح، وفي الأبلق منه وجه أنه لا يحل، وهو الأصح عند البغوي، وبه أجاب أبو عاصم العبادي؛ لأنه يطعم الخبائث. والذي مال إليه الشيخ أبو محمد: الحِلُّ، وهو الأظهر عند الغزالي. وقال الصيمري: الأظهر من طير الماء لا يؤكل كما نقله في "البحر"؛ لخبث لحمه. والجراد يؤكل؛ لما روى أبو داود عن أبي يعفور قال: "سمعت ابن أبي أوفى، وسألته عن الجراد، فقال: غزوت مع رسول الله ﷺ ست- أو سبع- غزوات، فكنا نأكله". وأخرجه البخاري. وهل يجوز أكل العقعق والببغاء والطاوس؟ فيه وجهان، أصحهما التحريم. وفي الهدهد والخطاف ما تقدم. قال القاضي الحسين: والأصل عند الشافعي- ﵁ أن كل طير يقتات الطاهر، ولا يكون نهاشاً، فهو طاهر حلال، ويوافقه قول الشيخ أبي عاصم العبادي: إن النهاش حرام كالسباع التي تنهش. واللقاط حلال إلا ما استثناه النص، وما تقوت الطاهرات حلال إلا ما استثناه النص، وما تقوت النجس حرام. تنبيه: النعامة: بفتح النون، والنعام اسم جنس؛ كحمامةٍ وحمام، قال الجوهري:

стр. 3852

والنعامة تذكر وتؤنث. الديك: ذكر الدجاج، وجمعه: ديوك، ودِيَكة. الدجاج: بفتح الدال وكسرها، والفتح أفصح باتفاقهم، الواحد: دجاجة، تقع على الذكر والأنثى، وجمع المصنف بين الديك والدجاج هو من باب ذكر العام بعد الخاص، وهو جائز؛ كما سبق تقريره وأمثلته [في باب كفارة الإحرام]. البط: اسم جنس، واحدته: بطة، للذكر والأنثى، وهو من الإوز الذي لا ينهض طائراً بجناحه. الإوز: بكسر الهمزة وفتح الواو [وهو] [اسم] جنس، الواحدة: إوزة، وقد جمعوه: إوزين. العصفور: بضم العين، والأنثى: عصفورة، والعصافير أنواع كثيرة تعرف بشكلها وإن اختلفت ألوانها: كالنغر والبلبل. ويقال: إن أهل المدينة يسمون البلبل: النُّغر. وفيه وجه: أنه لا يحل. والحُمَّرة من جملة أنواعها، [وحكى العبادي أن منهم من حرمها؛ لأنها تنهش. والعبدان من جملة أنواعها]. وعن رواية صاحب "التقريب" وجه: أنه حرام، والأظهر حله، وهو الذي أورده صاحب "التهذيب"؛ لأنه لقاط ويتقوت بالطاهر. والزرزور أدخله الغزالي- تبعاً لإمامه- والقاضي الحسين في اسم العصفور، وجزم بحله، وفي "تعليق البندنيجي" الجزم بتحريمه. قال: ولا يؤكل ما يصطاد بالمخلب: كالنسر، والصقر، والشاهين، والبازي، والحدأة؛ لما روى أبو داود عن ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: "نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطيور".

стр. 3853

وأخرجه مسلم. وأيضاً: فالحدأة قد أباح النبي ﷺ قتلها كما تقدم في الحديث، وذلك يدل على تحريمها كما تقدم، وإذا ثبت ذلك فيها، ففي الصقور والبازي ونحوه أولى؛ لأن مخلب الحدأة أضعف من مخالب ذلك؛ فإنها إنما تسلب لحماً أو تظفر بفأرة. وقد ألحق الأصحاب بالحدأة: البُغاثة؛ لأنها ذات مخلب ضعيف، وهي طائر أبيض بطيء الطيران، أصغر من الحدأة، وكذا الصّرد ملحق بها على الأصح؛ لأنه ذو مخلب يصطاد العصافير، والوجه الآخر الذي تقدم ذكره فيه أخذ من نص الشافعي- ﵁ في القديم- كما قال البندنيجي- على إيجاب الجزاء فيه. والرَّخَمة حرام بخبث غذائها. وقد روي عن ابن عباس- ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن أكل الرخمة. تنبيه: المخلب: بكسر الميم، [وهو] للطائر والسباع كالظفر للإنسان. النسر: بفتح النون، جمعه في القلة: أنسر، وفي الكثرة: نسور، وقد عده الشيخ من ذوات المخالب، كما عده الماوردي والبندنيجي وغيرهما منها. لكن ابن الصباغ وشيخه القاضي أبا الطيب والقاضي الحسين عدوه مما لا مخلب له، وعللوا التحريم بأنه من المستخبثات كالرخمة.

стр. 3854

الشاهين: قال الجواليقي: هو فارسي معرب، ويقال فيه: سودانق وشودنبق، [وسودنبق]- بالسين المهملة والمعجمة- وسودق وسودانق وسودونوق- بالعجمية- قال أبو علي: أصله: سادانك، أي: نصف درهم. قال: وأحسبه يراد بذلك قيمته، أو أنه كنصف البازي. البازي: فيه ثلاث لغات: الفصيحة المشهورة: البازي مخففة، والثانية: باز؛ حكاها الجوهري وآخرون، والثالثة: بازيّ- بتشديد الياء- حكاها ابن مكي، وهي غريبة أنكرها الأكثرون. قال أبو حاتم السجستاني: البازي والباز مذكر لا اختلاف فيه. ونقل عن أبي زيد أنه يقال للبزاة والشاهين وغيرهما مما يصيد: صقور، واحدها: صقر، والأنثى: صقرة. وقد ينكر على الشيخ- ﵀ كونه جعل الصقر قسماً للبازي والشاهين مع أنه يتناولهما وغيرهما. [و] يجاب عنه بأنه ذكر العام ثم الخاص، وهو جائز كما سبق. الحدأة: بكسر الحاء وفتح الدال وبعدها همزة على وزن: عنبة، والجماعة: حِدَأ، كعنب. قال: ولا ما يأكل الجيف: كالغراب الأبقع، والغراب الأسود الكبير، لأنه مستخبث؛ فحرم للآية. وقد روى أبو داود عن سالم عن أبيه قال: سألت النبي ﷺ عما يقتل المحرم من الدواب، فقال: "خَمْسُ لاَ جُنَاحَ فِي قَتْلِهِنَّ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْعَقْرَبُ، وَالْفَارَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ".

стр. 3855

وفي "الوسيط": أن العراقيين ترددوا في الغراب الأسود الكبير. وقد حكى الرافعي التردد وجهين، وصحح التحريم، وهو ما ادعى القاضي الحسين نفي خلافه. وجمع الغراب: غِرْبان، وأَغْرِبة، وأَغْرُب، وغَرَابِين، وغُرْب. قال: وأما غراب الزرع، الذي يسمى: الزاغ، ويكون محمر المنقار والرجلين، والغداف، أي: بضم الغين المعجمة، وتخفيف الدال المهملة، وهو الصغير الجثة، الرمادي اللون- فقد قيل: إنهما يؤكلان؛ لأنهما يلتقطان الحب؛ فأشبها الفواخت- ويخالفان الغراب الأبقع والأسود الكبير؛ فإنهما يأكلان الجيف؛ وهذا ما أورده القاضي أبو الطيب، واختاره في "المرشد"، وصححه النواوي في غراب الزرع. وقيل: لا يؤكلان؛ لإطلاق اسم الغراب عليهما؛ فدخلا في الخبر السابق، وهذا
следующие страницы →