Полный текст (9 685 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.
стр. 3886
أي: وهو ثلاثة أقوال؛ كما تقدم حكاية ذلك عنهم؛ ثالثها: التخيير؛ وهذه التي أوردها البغوي [ثم قال الغزالي- تبعاً لإمامه – وفيه نظر؛ فإن الميتة وطعام الغير] تقابل فيهما حق الله تعالى وحق الآدمي، وهاهنا الحق لله تعالى من الجانبين.
ومختار المزني في المسألة تناول الصيد، وماذا يأكل منه؟ فيه قولان كما في الميتة، وهما مذكوران فيما إذا لم يجد إلا الصيد.
والذي صححه النواوي، واختاره في "المرشد"- تبعاً لصاحب "البحر"- أكل الميتة، وقال: إن القاضي الطبري نقل أن الشافعي [صرح] في "ذبائح بني إسرائيل" بأنه يأكل الميتة، ويترك الصيد؛ فهو مذهبه، ولا حاجة إلى هذا التطويل.
وقد خص الماوردي الخلاف بما إذا لم تكن الميتة ميتة آدمي، فلو كانت قال: فلا يأكل إلا الصيد قولاً واحداً؛ وهذا كله إذا وجد الصيد حياً، أما إذا وجد لحم صيد وميتة، قال الغزالي: فلحم الصيد أولى؛ لأن المحذور حق الصيد في القتل، وتحريم اللحم على المحرم أهون من تحريم الميتة العام تحريمها.
وقال القاضي أبو الطيب: إنه ينظر: فإن كان قد ذكى الصيد حلال غيره، فلحمهُ كذلك، وحكمه كما لو وجد ميتة وطعام الغير.
وإن كان قد ذكاه محرم، فإن قلنا: إن ما ذبحه المحرم من الصيود حرام على غيره، تناول أيهما شاء؛ لأنهما قطعتا ميتة؛ وهذا ما صححه في "العدة".
ونقل ابن الصباغ عن القاضي أبي الطيب في كتاب الحج: أنه يأكل الصيد؟ لأنه مختلف في إباحته، وحكي هنا عن الشيخ أبي حامد أن أكل الميتة أولى، وهو ما أورده الماوردي، واختاره في "المرشد".
[ثم] قال القاضي وغيره: وإن قلنا: إنه مباح لغيره؛ فإنه يتناول اللحم، ويدع الميتة؛ لأن هذا اللحم طاهر ليس بملك لأحد؛ لأن المحرم إذا اصطاد، وذبح، لم يملكه بذلك؛ وهذا منه يفهم أن محل ذلك إذا وقع الصيد والذبح في حال الإحرام.
أما إذا وقع الصيد وهو حلال، والذبح في حال الإحرام، فالأمر كذلك؛ إن قلنا بزوال ملك المحرم أما إذا قلنا ببقائه، فلا.
وقد أشار إلى ذلك الماوردي بقوله: لو لم يجد إلا لحم صيد ذكاه محرم آخر،
стр. 3887
وقلنا: إنه لا يحرم عليه- فإنه يأكله.
وفي ضمان المضطر لقيمة ما أكله وجهان من اختلاف القولين: هل يستقر للمحرم عليه ملك أو لا؟
أحدهما: لا ضمان؛ إذا قيل: إن المحرم لم يملكه.
والثاني: يجب؛ إذا قيل: إنه ملكه.
ولو كان هو الذي ذبحه، فإن كان قبل إحرامه، فهو كما لو وجد ميتة وطعام نفسه.
وإن كان في حال إحرامه، قال البندنيجي: ففيه قولان، بناء على أن ذبحه يحرم على غيره أو يحل له؟ فإن قلنا: يحرم، فالميتة أولى، وإلا فالصيد أولى.
قال الإمام: ولا يجوز أن نقدر في تقديم الصيد على الميتة خلافاً؛ تفريعاً على هذا القول؛ لأن المحذور [ثم] الإقدام على محرم آخر وهو ذبح الصيد، وهو مفقود هنا.
وقال في "البحر" على طريقة ابن أبي هريرة: إن قلنا: إن ذبحه يصير كالميتة، فالميتة أولى، وإلا فقولان.
وقد حكى ابن الصباغ عن القاضي في هذه الصورة: أنا إن قلنا: يحرم الصيد على غير الذابح، تخير في أكل أيهما شاء.
وقال في "البحر": إن القفال ذكره قولاً ثالثاً.
فرعان:
أحدهما: إذا وجد المضطر صيداً، وطعام الغير، قال القاضي الحسين وصاحب "العدة" والبغوي: إن قلنا: لا يصير ميتة، فثلاثة أقوال:
أحدها: مال الغير؛ لأن في قتل الصيد هتك حرمة أولاً.
والثاني: الصيد أولاً؛ لأنه محض حق الله تعالى.
والثالث: هما سواء؛ فيتخير؛ وهذا ما أبداه الإمام احتمالاً بعد حكاية الوجهين الأولين.
أما إذا قلنا: يصير ميتة، فقد قال القاضي وصاحب "العدة": يتناول مال الغير.
وقال البغوي: هو كما لو وجد ميتة وطعام الغير، وهو الذي ذكره الإمام، وقضية ذلك أن يكون في المسألة على قولنا: إنه يصير كالميتة أو لا يصير؟ ثلاثة أقوال- أو
стр. 3888
أوجه كما حكاها الرافعي- فأي فائدة للتقسيم؟
ويظهر أن يقال: إن الأقوال الثلاثة فيما إذا قلنا: إنه ليس بميتة مفرعة على قولنا: إذا وجد ميتة وطعام الغير، [أنه يأكل طعام الغير،] أما إذا قلنا: يأكل الميتة؛ فلا يجيء إلا قول واحد: أنه يأكل الصيد.
الفرع الثاني: إذا وجد الصيد والميتة وطعام الغير، فمجموع ما قيل في المسألة سبعة أوجه، أوردها الإمام، واقتصر القاضي الحسين على أربعة منها، وكذلك البغوي؛ تفريعاً على أن ذبح المحرم لا يكون ميتة:
أحدها: طعام الغير، وهو الأضعف.
والثاني: الميتة.
والثالث: الصيد.
والرابع: يتخير بين الكل.
والخامس: [يتخير] بين الميتة وطعام الغير.
والسادس: يتخير بين الصيد وطعام الغير.
والسابع: يتخير بين الصيد والميتة.
قال البغوي: أما إذا قلنا: إنه كالميتة؛ فيصير كالمعدوم.
قال: ومن اضطر إلى شرب الخمر- أي: للتداوي، أو عطش- جاز له شربها؛ لأنه يدفع به الضرر عن نفسه؛ فجاز؛ كما لو غص بلقمة، ولم يجد غيرها؛ فإنه يسيغها؛ وهذا ما نسبه القاضي الحسين هنا إلى الداركي.
فإن قلت: قضية ما ذكرته من القياس: أن يجب شربها في الحالتين المذكورتين؛ لأن الأصل المقيس عليه كذلك؛ حتى قال الإمام: إن الوجه المذكور في أنه لا يجب أكل الميتة؛ لا يجري فيه لأنا وجهناه بالتردد في دفع الضرورة، وإساغة اللقمة معلومة.
[قلت]: أما وجوب شربها؛ لأجل التداوي؛ فلا سبيل إليه؛ لأنه لا يجب بالطاهرات؛ فضلاً عن المحرمات.
وأما شربها للعطش، فقد جزم الأصحاب بوجوبه في كتاب الحدود، وقالوا هاهنا:
стр. 3889
إن في وجوب شرب الماء النجس والبول للعطش قولين؛ كما في وجوب أكل الميتة؛ وذلك في الخمر من طريق الأولى.
وقيل: لا يجوز: أما التداوي؛ فلقوله ﷺ وقد سئل عن التداوي بالخمر فقال- "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم".
وقد خرج مسلم عن وائل بن حجر: أن طارق بن سويد سأل النبي ﷺ [عن الخمر فنهاه، ثم سأله فنهاه، فقال له: يا نبي الله إنها دواء، قال النبي ﷺ : "لا ولكنها داء".
وأما في العطش؛ فلأنها لا تدفعه، بل تزيده عطشاً عظيماً وإن فرض تسكينه في الحال؛ وقد يستدل للصورتين بعموم قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، وبأن استعمال قليلها يدعو إلى استعمال كثيرها، ولا يؤمن أن يتولد منها ما هو أضر؛ وبهذا خالفت البول والماء النجس؛ وهذا ما حكاه البندنيجي وابن الصباغ هنا، وفي كتاب الحدود عن النص، وأنه وجهه بأنها تزيد الجائع جوعاً، والعطشان عطشاً، ولا دواء فيها؛ [فإن النبي ﷺ ] قال: "الخمر داء وليس بدواء"، وقد اختاره ابن أبي هريرة، وهو الأظهر عند الشيخ أبي حامد والمحاملي وابن كج وغيرهم؛ وعلى ذلك جرى النواوي.
وعن "تعليق" الشيخ إبراهيم المروروزي حكاية مثله وجهاً في إساغة اللقمة [أيضاً، وإليه أشار في "الكافي" بقوله: "يجوز إساغة اللقمة] بها على الأصح".
وقيل: يجوز للتداوي؛ لأن النفع بها متوقع، والحديث محمول على أنه علم أن الشفاء لا يحصل بها؛ كما قاله الغزالي في كتاب الطهارة، أو معناه: ما فيه شفاؤكم فما حرم عليكم؛ كما تقدم.
ولا يجوز للعطش؛ لأنها لا ترده بل تزيده.
стр. 3890
[والعلة الجامعة:] أنها متعينة في الدواء و [غير] متعينة [في العطش]، وهذا ما نسبه الماوردي هنا إلى بعض البصريين من أصحابنا، وقال في "البحر": إنه اختيار القاضي أبي الطيب، وقال: إنه منصوص الشافعي، وما عداه خلاف مذهبه؛ ولأجل ذلك رجحه في كتاب الحدود.
وفي "الشامل" طريقة رابعة في المسألة: أنه يجوز للعطش؛ لأنها تروي في الحال، وذلك موثوق به، ولا يجوز للتداوي؛ لأن دفع العلة غير موثوق به؛ فإن الطبيب وإن تبحر لا يجزم بقضاء على مريض؛ ولذلك قال "أبقراط": "التجربة خطرة والقضاء عسر"، [ومراده- كما قال الإمام-: أن القضاء بماهية المرض، ثم بعلاج نافع عسر] مع استنادهما إلى التجربة.
وهذه الطريقة نسبها الماوردي إلى بعض البغداديين من أصحابنا، ولم يورد الغزالي هنا غيرها، وهو متبع للإمام؛ فإنه قال هاهنا: إن من انتهى بالعطش إلى الضرورة، فيتعاطى الخمر؛ فإنها تسكن العطش، ولا يكون استعماله في حكم العلاج، ومن قال: الخمر لا تسكن العطش، فليس على بصيرة، ولا يعد مثل هذا مذهباً، بل هو غلط ووهم، ومعاقر الخمر يجتزئ بها عن الماء.
وقال في كتاب "الحدود": يجوز الشرب؛ لدفع العطش في قول الأصحاب أجمعين، وقالوا: لا يجوز التداوي، وبلغنا عن آحاد من المتأخرين ينتسب بجوازه من غير تدوين في تصنيف، وإنما يترامزون به ترامز المتكاتمين، وقد حكاه في "الوسيط" في الباب الثاني في المياه النجسة.
وقد نسب في "البحر" القول بأن الخمر تروي ولا تعطش إلى بعض المخالفين، وأنه خطأ الشافعي في قوله: "إنها لا تروي بل تزيده عطشاً"، كما تقدم، وقال: ليس بعيب عليه؛ لأن مثله يجوز أن يخفي عليه؛ فإن تأثير الخمر في نفس الشارب.
قال الروياني: وهذا خطأ من المخالف، والشافعي أعرف بهذا منهم؛ فإنه وصف
стр. 3891
في كتاب الوصايا من الأمراض وأحكامها ما يدل على معرفته بالطب، واضطلاعه به.
وقال القاضي أبو الطيب: أني سألت عن هذا بعض من يعرف ذلك، فقال: الأمر على ما قاله الشافعي.
وفي "التهذيب" طريقة خامسة حالية للوجهين في جواز التداوي بها، وجازمة بمنع الشرب للعطش، ولم يورد غيرها، وهي المذكورة في "تعليق" القاضي الحسين في باب الصلاة بالنجاسة.
وفي "المرشد" طريقة سادسة: أنه لا يجوز للتداوي، ويجوز للعطش شرب الجديد منها دون العتيق، والاضطرار لشربها؛ لدفع الجوع كهو لدفع العطش.
وعن بعضهم: أنه لا يجوز لدفع الجوع، وإن جاز للعطش؛ لأنها تحرق كبد الجائع.
واستعمالها في المعجون كاستعمال المعجون الذي فيه لحم الحية والسرطان.
ثم اعلم أن محل الخلاف في التداوي مخصوص بالقليل الذي لا يسكر؛ كما ذكره ابن الصباغ والروياني والبغوي في كتاب الحدود.
لكن في "تعليق" القاضي الحسين: أنه لو احتاج إلى قطع عضو منه لأكله، فهل يجوز الشرب؛ ليزول عقله أم لا؟ فيه وجهان.
[وأيضاً: فإن محل الخلاف] مخصوص بما إذا قال مسلم خبير من أهل الطب: إن فيها دواء، ولا يوجد ما يقوم مقامها، وكذا في استعمال غيرها من النجاسات يشترط هذان الأمران.
وفي "تعليق" القاضي الحسين في باب حد الخمر: أنه يجب أن يشهد طبيبان مسلمان أن علته لا تذهب إلا بهذا، وخبرة المريض بذلك تقوم مقام ذلك.
ولو كان في استعمالها تعجيل الشفاء، ففي الجواز وجهان:
أولاهما: الجواز، وهو نظير ما نص عليه الشافعي في استعمال غيرها من النجاسات.
والقاضي الحسين في باب الصلاة بالنجاسة حكى الوجهين في جواز التداوي بالنجاسة؛ لتعجيل البرء، وقال: إنهما مخرجان من الوجهين من نظير المسألة في التميم.
стр. 3892
فرع: إذا وجد المضطر للشرب للعطش خمراً وبولاً، شرب البول؛ كما لو وجد بولاً وماء نجساً، شرب الماء النجس؛ لأنه أخف، وما الذي يشربه هل ما يرويه أو ما يسد رمقه؟ فيه قولان كما في أكل الميتة.
قال: ولا يحرم كسب الحجام، أي: سواء اكتسبه حر أو عبد؛ لما روى أبو داود عن ابن عباس قال: "احتجم رسول الله ﷺ وأعطى الحجام أجرته، ولو علمه خبيثاً لم يعطه، أخرجه البخاري.
وروى أبو داود عن أنس بن مالك أنه قال: "حجم أبو طيبة رسول الله ﷺ فأمر له بصاع من تمر، وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه"، أخرجه البخاري ومسلم.
قال جابر: وكان خراجه ثلاثة آصعٍ من تمرٍ في كل يوم، فخففوا عنه في كل يوم صاعاً.
ووجه الدلالة من ذلك ما قاله ابن عباس: أنه لو كان حراماً لما أعطاه؛ لأن كل موضع حرم الأخذ على الآخذ، حرم الدفع على المعطي؛ كأجرة المغني والنائحة.
ويستثنى من ذلك ما إذا دعت إليه ضرورة؛ كما إذا أعطى الشاعر شيئاً؛ ليذر هجوه، والظالم؛ كي لا يمنع حقه، أو لا يأخذ منه أكثر من الذي أعطاه؛ فإن في مثل ذلك يأثم الآخذ دون المعطي، وسنذكر ذلك في كتاب الأقضية.
فإن قيل: قد روى مسلم عن رافع بن خديج أن رسول الله ﷺ قال: "كسب
стр. 3893
الحجام خبيث، وثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث".
قيل: قد أنكر ابن عباس هذا بقوله السابق.
ولأنا نتأوله ونقول: أراد بالخبيث: الدناءة، فإنه كسب دنيء؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] [و] أراد [به] الدون الرديء ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
فإن قلت: قول على وابن عباس حكاية حال، لم يعينا فيها من حجمه ﷺ وأنس عينه؛ فيجوز أن يكون واحداً؛ وهو أبو طيبة، وإذا كان كذلك، فهو رقيق، والخصم وهو كما قال الإمام أحمد وغيره من أصحاب الحديث وأهل الظاهر- موافق على حل كسب الحجام للرقيق دون الحر؛ فلا حجة لكم فيما ذكرتم؛ لأن وقائع الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال، سقط بها الاستدلال.
قلت: يظهر أنه لأجل ذلك قال ابن خزيمة من أصحابنا بمثل مذهب الخصم؛ كما حكاه الموفق بن طاهر.
وجوابه على المنصوص الصحيح في المذهب ما قاله الماوردي: أنه لم يزل على هذا في عصر رسول الله ﷺ وخلفائه إلى وقتنا في سائر الأمصار يكتسبون بهذا، ولا ينكره منكر؛ فدل على انعقاد الإجماع به وارتفاع الخلاف فيه.
وقد روي عن ابن عباس أنه سئل عن كسب حجام له ماذا يصنع به؟ فقال: آكله.
ولأنه كسب يحل للعبد؛ فحل للحر؛ كسائر المكاسب.
قال: والأولى أن يتنزه الحر عن أكله، أي: سواء اكتسبه حر أو عبد؛ كما قاله البنددنيجي وغيره؛ لما روى أبو داود عن ابن محيصة عن أبيه أنه استأذن رسول الله ﷺ في أجرة الحجام؛ فنهاه [عنها] فلم [يزل] يسأله ويستأذنه حتى أمره أن
стр. 3894
أعلفه ناضحك ورقيقك، وقال الترمذي، إنه حديث حسن؛ فدل هذا على كراهته للحر دون التحريم، فإنه لو كان حراماً لما أمر بإطعامه الناضح والرقيق؛ لأن ما حرم أكله؛ لعدم ملكه، حرم التصرف فيه.
وقد اختلف الأصحاب في علة الكراهة على وجهين:
فمنهم من قال: لأجل مباشرة النجاسة؛ وروي أنه- ﵇ قال: "إن الله تعالى يحب معالي الأمور، ويكره سفاسفها"، وهذا ما أورده القاضي أبو الطيب والبندنيجي وغيرهم، وقالوا: إن ذلك يتعدى إلى كسب الكناس الذي يستخدم العذرة من الكنف، والقصاب، والزبال الذي يجمع العذرة ويوقدها في الحمام، والفاصد، والطبيب، والخرائجي.
وقال في "الوسيط": إنه لم يذهب إلى الكراهة في هذه الأشياء أحد وهذا من العجائب؛ لأن الإمام قد صرح بالكراهة فيها أيضاً.
وحكى الماوردي على هذا في كراهة كسب الفاصد وجهين، ونسب عدم الكراهة إلى ابن أبي هريرة؛ لأنه قلما يباشر النجاسة، وقد أقرن بعلم الطب، وهو الذي
стр. 3895
صححه النواوي في "الروضة" ولا يجري في كسب الختان؛ لأنه يزيد على الحجام بمباشرة العورة.
ومنهم من قال: لدناءة الحجام عند الناس، قاله الماوردي، وهذا هو الظاهر من مذهب الشافعي؛ لأنه جعل من المكاسب دنياً وحسناً، ولم يورد في "المذهب" و"التهذيب" سواه، وعلى هذا تتعدى الكراهة مع من ذكرنا ثم إلى المكاسب الدنيئة: كالسماك، والحلاق، والقيم في الحمام.
واختلف على هذا في كسب الحمامي على وجهين:
أحدهما: أنه دنيء؛ لأنه يشاهد العورات، ويكسب بجزاء [من غير] مقدر.
والثاني: لا يكره؛ لأنه لا يباشر عملاً، ويمكنه غض طرفه عن العورات، وأيضاً: فليس هو مكتسب بمباشرتها.
والدباغ يلحق عند الماوردي بالسماك؛ فيكون في كراهية كسبه وجهان.
و [يلحق] عند القاضي أبي الطيب وابن الصباغ والشيخ بالحجام.
والحائط يلحق عند صاحب "الإفصاح" بالحمامي، وصحح النواوي في "الروضة" عدم كراهية كسبه.
والصنائع الدنية محل الكلام فيها كتاب الشهادات، فليطلب منه، ولا يخفى تخريج صورها عن المأخذين في الكراهة هاهنا.
وقد قال الغزالي: لعل السبب في كراهة كسب الحجام والفاصد: أن الحجامة والفصد جرح يفسد البنية، وهو حرام في الأصل، وإنما يباح بتوهم المنفعة، وذلك مشكوك فيه، ويطرد هذا في أجرة من يقطع يداً متآكلة؛ لاستبقاء النفس، ولا يطرد في أجرة الجلاد الذي يقطع في السرقة.
قلت: [و] قد يقال: إن مساق ما ذكره يفهم كراهة نفس تعاطي الفصد والحجامة، وإن لم تكن بأجرة؛ لما ذكره، لكن القاضي الحسين قد صرح بأن ذلك مباح، وإنما الكراهة في أكل الأجرة.
أما العبد فلا يكره له أكله، سواء اكتسبه حر أو عبد؛ إذ لو كره، لكره للسادة إطعامه
стр. 3896
لهم، ولأن العبد دنيء فلا يشينه تعاطي ذلك؛ قال- ﵇: "يسعى بذمتهم أدناهم"، أي: عبيدهم؛ وهذا هو المذهب، ولم يذكر القاضي الحسين والبندنيجي سواه.
وقيل: يكره للعبد أيضاً، حكاه الماوردي، ونسبه إلى الأكثرين.
ومن قال به قال: المراد بـ"أدناهم" في الحديث الأدنى إلى دار الحرب.
ويكره-: أيضاً- كسب الصاغة؛ لأنهم قلما يحترزون عن الربا، وقد نسب في "البحر" هذا إلى بعض المراوزة، وهذا حكم خبيث الكسب مع عدم التحريم.
وأما خبيثه مع التحريم وطيبه فلنقتصر فيه على ما ذكره الماوردي؛ فإنه أحسن الترتيب فيه، فقال: أصول المكاسب المألوفة ثلاثة: زراعة، وتجارة، وصناعة؛ فينبيغ للمكتسب بها أن يختار لنفسه أطيبها: لقوله- تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] واختلف الناس في أطيبها.
فقال قوم: الزراعات، وهي عندي أشبه؛ لأن الإنسان فيها متوكل على الله- تعالى- في عطائه، مستسلم لقضائه.
وقال آخرون: التجارة أطيبها، وهو أشبه بمذهب الشافعي- ﵀ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، واقتداء بالصحابة- رضوان الله عليهم- في اكتسابهم [بها].
وقال آخرون: الصناعة، لاكتساب الإنسان فيها بكد يده، وروي أنه ﷺ قال: "من الذنوب ما لا يكفره صوم ولا صلاة، ولكن يكفره عرق الجبين في طلب الحرفة".
قال النواوي: وفي صحيح البخاري عن النبي ﷺ قال: "ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده".
стр. 3897
لكن الزراعة أفضلها؛ لعموم النفع بها للآدمي وغيره، وعموم الحاجة إليها.
قال الماوردي: "فأما الزراعة، فلا مدخل لها في تحريم ولا كراهة"، وهذا أدل شيء على أنها أطيب المكاسب.
وأما التجارة: فتنقسم ثلاثة أقسام: حلال وهي البيوع الصحيحة، وحرام وهي البيوع الفاسدة، ومكروه وهو الغش والتدليس.
وأما الصناعة فثلاثة أقسام: حلال وهي ما أبيح من الأعمال التي لا دنس فيها: كالكتابة، والنجارة، والبناء.
وحرام وهو ما حظر من الأعمال كالتصاوير والملاهي، ومكروه وهو ما ذكرناه من كسب الحجام ونحوه، والله أعلم.
стр. 3898
باب النذر
النذر: واحد النذور، وهو في اللغة: الوعد بخير أو شر؛ قال عنترة العبسي المشهور: [من الكامل].
الشاتمي عرضي ولم أشتمهما والناذرين إذا لقيتهما دمي
وفي الشرع- كما قال الماوردي-: الوعد بالخير دون الشر؛ قال النبي ﷺ : "لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم".
وهذا قريب من قول من حده بأنه التزام قربة غير لازمة بأصل الشرع.
وقد قيل: إنه التزام قربة مقصودة غير لازمة بأصل الشرع؛ ولهذا الاختلاف أثر يظهر لك من بعد.
ويقال: نذرت أنذر وأنذر؛ بكسر الذال وضمها.
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، وقوله ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه". أخرجه البخاري وغيره عن عائشة.
لكن هل هو مكروه أو قربة؟ الذي دل عليه ظاهر الخبر الأول؛ فإن البخاري ومسلم وغيرهما أخرجوا عن ابن عمر أنه قال: أخذ رسول الله ﷺ ينهى عن النذر، ويقول: "لا يرد شيئاً، وإنما يستخرج به من البخيل".
وفي "التتمة" في كتاب الوكالة: أن التوكيل بالنذر لا يجوز؛ لأن نفس النذر قربة؛ بدليل أنه لا يصح من الكافر على طريقة.
ويمكن أن يتوسط فيقال: الذي دل عليه ظاهر الخبر كراهة نذر المجازاة، وأما نذر التبرر وهو الذي لم يعلق على شيء؛ فيظهر أن يقال: إنه القربة؛ تمسكاً بما علل به
стр. 3899
القاضي الحسين صحته، وهو أن له فيه غرضاً صحيحاً، وهو أن يثاب على القربة إذا فعلها، لو لم تكن منذورة، فإذا نذرها صارت متجهة عليه، فإذا فعلها يثاب ثواب المفترض، وثواب الفترض يزيد على ثواب المتنفل بسبعين درجة.
وفي "الحاوي": أن الحديث يدل على أن ما ينتدبه الشخص من البر أفضل مما يلزمه بالنذر.
قال: ولا يصح النذر إلا من مسلم، لأنه معنى وضع لإيجاب القربة؛ فلم يصح من الكافر؛ كالإحرام بالحج.
قال: بالغ عاقل؛ للخبر المشهور، ولأنه إيجاب حق بالقول؛ فلم يصح من الصبي والمجنون؛ كضمان المال.
وقيل: يصح من الكافر [أي]: ويلزمه الوفاء به إذا أسلم؛ لما روى مسلم والبخاري عن عمر- وهو ابن الخطاب، ﵁[أنه] قال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية: أن أعتكف في المسجد الحرام ليلة، فقال له النبي ﷺ : "أوف بنذرك".
وقد وقع في الصحيح- أيضاً-: "أن أعتكف يوماً".
والمذهب الأول، والخبر محمول على الاستحباب؛ لأنه لا يحسن أن يترك بسبب الإسلام ما عزم عليه في الكفر من خصال الخير.
قال الشيخ مجلي: ويمكن بناء الخلاف على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟
قلت: وفي البناء نظر من وجهين:
أحدهما: أنه يتقضي أن يكون الصحيح الصحة؛ لأن الصحيح أنهم مخاطبون بها.
والثاني: أن القائل بأنهم مخاطبون بالفروع، قائل بعدم المخاطبة بالأداء بعد الإسلام.
стр. 3900
والقائل بصحة النذر هاهنا قائل بلزوم الوفاء بالنذر بعد الإسلام؛ عملاً بظاهر الخبر.
تنبيه: كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في صحة النذر من المسلم البالغ العاقل بين أن يكون محجوراً عليه؛ لسفه أو فلس أو رق، أو لا ولا شك في ذل كفي السفيه والمفلس؛ إذا كان المنذور غير مال: كالصلاة والصوم، وإن كان مالاً فلا يصح من السفيه، ويصح من المفلس؛ إذا كان في الذمة، ويؤديه بعد البراءة من حقوق الغرماء، وإن كان معيناً قال في "التتمة": فيبنى على أنه لو أعتق أو وهب: هل يصح تصرفه موقوفاً أم لا؟ فإن قلنا: يصح موقوفاً، فكذلك نذره، [وإلا فلا.
وقال فيما إذا نذر المفلس عتق المرهون إن قلنا بصحة عتقه صح نذره] وإلا فهو كما لو نذر عتق عبد غير مملوك، وسنذكره.
وأما العبد فيظهر أن يقال: صحة نذره في الذمة المال كضمانه، وفي العين التي يملكها على القول القديم لا يصح كالعتق والصدقة، ونذره للحج في انعقاده وجهان سبق ذكرهما؛ أصحهما الانعقاد كالسفيه.
وعلى هذا لو أتى به في حال الرق، فثلاثة أوجه؛ ثالثها: إن كان الأداء بإذن السيد أجزأه، وإلا فلا.
وغير الحج يشبه أن يكون كالحج في انعقاد النذر به.
قال: ولا يصح النذر إلا في قربة، أما صحته في القربة وعدم صحته في المعصية؛ فدليله خبر عائشة السابق.
وقد روى مسلم وغيره في حديث طويل أنه- ﵇ قال: "لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم".
وأما عدم صحته في المباح؛ فدليله ما روى أبو داود عن ابن عباس قال: بينما النبي ﷺ يخطب إذ هو برجل قائم في الشمس، فسأل عنه، قالوا: هذا أبو إسرائيل، نذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، قال: "مروه فليتكلم، وليقعد، وليتم صومه"، وأخرجه البخاري وغيره.
وأبو إسرائيل هذا اسمه: قيصر العامري، وليس من الصحابة من يشاركه في اسمه ولا كنيته.
стр. 3901
فإن قيل: قد روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، قال: "أوف بنذرك"، والضرب بالدف ليس بقربة، وقد أمرها بالوفاء به.
قيل: هو محمول على الإباحة دون الوجوب.
وقال في "البحر": إن الخطابي أجاب بأنه لما اتصل بإظهار الفرح بسلامة مقدم رسول الله ﷺ حين قدم المدينة من بعض غزواته، وكان مساءة للكفار، وإرغاماً للمنافقين صار فعلها كبعض القرب التي هي من نوافل الطاعات؛ ولهذا أبيح ضرب الدف، واستحب في النكاح؛ لما فيه من الإشارة بذكره، والخروج عن معنى السفاح.
وما ذكره الشيخ من عدم صحته بالمعصية هو المشهور، وقد رأيت في "تعليق" القاضي الحسين في كتاب الاعتكاف: أنه لو نذر أن يعتكف جنباً، فالأصح أنه ينعقد نذره.
وهل يخرج عن نذره قراءة القرآن إذا قرأ وهو جنب؟ الأصح: لا، ومقابله: نعم؛ كما يحنث إذا حلف لا يقرأ القرآن، فقرأه وهو جنب، وسيأتي في نذر صوم يوم العيد ونحوه خلاف.
تنبيهان:
أحدهما: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أن كل قربة غير لازمة بأصل الشرع، تلزم بالنذر؛ كما هو قضية حد النذر الأول، وعليه ينطبق قول القاضي الحسين: "عندي كل ما يتقرب بجنسه إلى الله تعالى فرضاً أو تطوعاً ينعقد نذره عليه؛ إذا لم يكن فيه إبطال رخصة: كنذر السلام على مسلم، أو عيادة مريض، أو شهود جنازة، أو زيارة قادم؛ إذا قصد بها التقرب".
ويوافقة قول الماوردي فيما إذا قال: "إن هلك فلان فلله علي أن أهب مالي من زيد": [إنه] ينظر: فإن كان فلان من أعداء الله، وزيد ممن يقصد بهبته الأجر والثواب- انعقد نذره. وإن لم يكن فلان من أعداء الله، وزيد ممن يقصد به التواصل والمحبة- لم ينعقد.
وكذا فيما إذا قال: "لله علي أن أتزوج"، فإنه ينظر: فإن قصد به غض الطرف،
стр. 3902
وتحصين الفرج- فإنه يكون قربة، قال: ويكون واجباً في أصح الوجهين يعني الآتيين فيما إذا نذر شيئاً، ولم يعلقه على شيء.
وإن قصد به الاستمتاع والتلذذ، كان مباحاً، لا يجب على الوجهين.
قال: ثم على قياس هذا في نظائره، يعني: كالأكل؛ إذا قصد به التقوية على العبادة، والنوم؛ إذا قصد به طرد الغفوة؛ حتى إذا نسك في جوف الليل، كان صاحي القلب، منتفض النفس؛ فيلزم بالنذر.
وقد ادعى الإمام في هاتين الصورتين ونظائرهما: أنه لا خلاف في عدم لزومهما بالنذر.
وحكى عن شيخه والمتقدمين: أنهم قالوا: إنما يلزم بالنذر ما له أصل في الوجوب الشرعي: كالصلاة، والصدقة، والحج ويوافقه قول القاضي الحسين.
ويحتمل أن يقال: كل ما له مثل في الشرع، فينعقد نذره، وإلا فلا، وأنه مستنبط من قول الشافعي فيما لو نذر المشي إلى المسجد الأقصى قال: لا ينعقد في قول، وفرق بينه وبين المسجد الحرام؛ وعلى هذا لا يلزم بالنذر عيادة المرضى، وزيارة القادمين، وإفشاء السلام على المؤمنين، وتجديد الوضوء؛ كما صرح بحكايته عن الشيخ أبي محمد، ويوافقة قول من حد النذر بأنه التزام قربة مقصودة غير لازمة بأصل الشرع؛ لأن العبادة المقصودة هي التي وضعت للتقرب بها، وعرف من الشارع الاهتمام بتكليف الخلق باتباعها عبادة، والأظهر الأول.
قال المتولي تبعاً للقاضي: والخلاف ينبني على أن مطلق النذر يحمل على أقل ما يتقرب به أو على أقل ما يجب في الشرع من جنس الملتزم، وسيأتي هذا الأصل، إن شاء الله تعالى.
ومما ذكرناه يظهر لك ما هو متفق عليه وما هو مختلف فيه، ولنذكر من ذلك نبذة:
فمن المتفق عليه: نذر الصلاة، والصدقة، والصوم، والحج، وكذا الاعتكاف.
قال الأصحاب: لأن له أصلاً ثابتاً في الشرع، وهو الوقوف بـ"عرفة"؛ لأنه لبث بمكان مخصوص.
وفيه نظر يظهر لك من كلام القاضي الذي سنذكره فيما إذا نذر شيئاً، ولم يعلقه على شيء.
стр. 3903
وقال الإمام: إن فروض الكفايات التي يحتاج في أدائها إلى بذل مال أو معاناة مشقة: كالجهاد، وتجهيز الموتى- من ذلك.
ثم قال: ولا أعرف خلافاً في لزوم الجهاد بالنذر كما حكيته عن صاحب التلخيص، وحكى الخلاف في لزوم الصلاة على الجنازة بالنذر، وكذا في الأمر بالمعروف، وما ليس فيه بذل مال وكبير مشقة من فروض الكفايات، والأظهر اللزوم.
لكن ما ادعاه في نذر الجهاد غير مسلم؛ فإن العبادي في "الرقم" حكى وجهاً عن القفال: أنه إذا نذر أن يجاهد لا يلزمه شيء.
وقد ادعى الغزالي في "الوسيط" في الباب الثاني في كيفية الجهاد من كتاب السير في المسألة الخامسة-: أنه الصحيح.
ومن المختلف فيه نذر تطويل القراءة، والركوع، والسجود في الفرائض، أو إقامة بعض الرواتب، أو أن يقرأ في صلاة الصبح سورة كذا، أو أن يصلي الفرائض بالجماعة، أو في المسجد- كما قاله في "الوسيط"- أو ألا يفطر في السفر في رمضان.
والمنسوب إلى عامة الأصحاب في الأخيرة، وبه جزم الغزالي-: أنه لا ينعقد نذره، وله أن يفطر إن شاء؛ لأن في إلزام ذلك إبطال رخصة الشرع.
والمختار عند البغوي وشيخه الصحة أيضاً، لكنه يشكل بما إذا وجب عليه كفارة يمين، فنذر تعيين إحدى الخصال؛ فإن القاضي جزم في كتاب الأيمان بعدم اللزوم؛ لأن فيه تغيير إيجاب الله تعالى.
وقد ألحق بنذر الصوم في السفر إتمام الصلاة في السفر؛ إذا قلنا: الإتمام أفضل، وما لو نذر أن يقوم في السنن ولا يقعد فيها، ويديم غسل الرجلين، ويستوعب الرأس بالمسح في الوضوء، ويغسل الأعضاء ثلاثُا ثلاثاً في الوضوء والغسل، وأن يسجد للتلاوة، أو الشكر عند ما يقتضي السجود.
وذكر الإمام على مساق وجه المنع: أنه إذا نذر المريض أن يقوم في الصلاة، ويتكلف المشقة- لم يلزمه الوفاء، وأنه لو نذر صوماً وشرط ألا يفطر بالمرض- لم يلزمه الوفاء.
стр. 3904
ومنه إذا نذر أن يتيمم، فالمذهب أنه لا ينعقد نذره؛ لأن التيمم يؤتى به عند الضرورة.
فرع: إذا نذر أن يصلي الظهر في جماعة، وصححنا نذره، فصلاها فرادى- قال القاضي أبو الطيب: لا يجب عليه أن يعيدها في جماعة [لأنه لما صلاها سقط عنه الفرض، وإذا سقط عنه الفرض، سقط النذر؛ وهذا بخلاف ما لو نذر أن يصلي ركعتين في جماعة]؛ فإنه يلزمه ذلك، فإن صلاهما وحده؛ فلا يجوز؛ لأن صلاة الجماعة تفضل على صلاة الواحد بخمس وعشرين درجة، وتحصيل ذلك ممكن.
وفي "التتمة" في المسألة الأولى: أنه يقضي الصلاة كما لو صلى الفرض منفرداً، ثم أدرك الجماعة، وأراد إدراك القضيلة؛ فإنه يستحب له قضاء الصلاة وهذا يظهر إذا قلنا إن الثانية هي الفرض.
التنبيه الثاني: المفهوم من عدم صحة النذر: إلغاؤه؛ حتى يصير وجوده كعدمه.
لكن القاضي الحسين حكى أنه لو قال: "إن دخلت الدار، [فلله علي عتق رقبة" يلزمه كفارة يمين، ولو قال: [نذرت لله] أن أدخل الدار"]، أوك "آكل هذا الطعام" فموجبه كفارة يمين؛ [قال- ﵇: "من نذر فسمى، فعليه ما سمى؛ ومن لم يسم؛ فعليه كفارة يمين".
وأشار البغوي إلى خلاف في ذلك بقوله: "لزمته كفارة يمين] على ظاهر المذهب"، وكذلك قال: إن ظاهر المذهب فيما إذا قال: "لله علي أن أصلي الظهر" أو: "أصوم رمضان" أو: "لا أشرب الخمر"، ونحو ذلك- أنه يمين حتى إذا لم يصل ولم يصم وشرب الخمر [تلزمه كفارة يمين، وهو قياس قول القاضي فيما إذا قال: "نذرت لله أن أشرب الخمر"] أن الظاهر أن عليه كفارة يمين.
قال: وقيل: لا يلزمه شيء؛ لأنه معصية؛ وهذا هو المشهور؛ كما قال المتولي، والذي عليه عامة الأصحاب من العراقيين وغيرهم؛ كما قال الرافعي، والمختار في "المرشد"، وقد نسب الأول إلى رواية الربيع واختيار البيهقي.
стр. 3905
وقد يستدل له بما روى الزهري عن أبي سلمة عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين". وقد أخرجه أبو داود وابن ماجه، لكن الترمذي قال: إنه لا يصح؛ لأن الزهري لم يسمع هذا الحديث من أبي سلمة.
وقال غيره: لم يسمعه الزهري من أبي سلمة، لكن سمعه من ابن أرقم، وهو متروك.
وعلى الخلاف يخرج ما إذا نذر ذبح ولده، أو نذرت المرأة صوم أيام حيضها، أو الصلاة فيها، ونذر صوم أيام العيدين والتشريق، ونحو ذلك.
نعم: لو نذر الصلاة في الأوقات المكروهة، فقد تقدم أن الكراهة [كراهة تحريم فيأتي فيه الخلاف مع وجه آخر حكاه الأصحاب: أنه ينعقد نذره على القضاء في غيرها] دون الوفاء به؛ وهذا هو المنقول.
стр. 3906
وقد رأى الإمام أن يلحق قوله: "نذرت لله أن أدخل الدار"، ونحوه بالكناية في اليمين، فرجع إلى نيته وقصده؛ فإن إلحاق ذلك بالأيمان مطلقاً لا وجه له، والخبر الأول فيه احتمال، وهو متردد بين الغلق والتبرر.
قال: ويصح النذر بالقول، مثل أن يقول: "لله علي كذا"، أو: "علي كذا"، أي: وإن لم يضفه إلى الله تعالى. [أما في الأولى فبالاتفاق، وأما في الثانية، فلأن القربة لا تكون إلا لله تعالى].
وحكى القاضي الحسين- ومن بعده- وجهاً آخر: أنه لا يكون نذراً، والأول هو الأصح في "النهاية"، وهما جاريان- كما قال مجلي- فيما إذا أتى بلفظ يقتضي إلزاماً؛ كقوله: "يلزمني"، أو: ["لازم لي"] أو: "ألزمت نفسي" أو: "أوجبت عليها"، ونحو ذلك.
قال الرافعي: وهو قريب من الخلاف في أنه: هل يجب في نية الصلاة والصوم الإضافة إلى الله تعالى؟
ومحل الخلاف- كما حكاه الإمام عن القاضي- فيما إذا كان النذر معلقاً على شيء، أما إذا قال: "علي عتق رقبة"، واقتصر على هذا، فلا يلزمه مذهباً واحداً.
قال الإمام: ولا وجه للقطع الذي ذكره؛ فإن النذر المطلق إذا جعلناه ملتزماً بمثابة النذر المعلق على الشرط عند وجوده، فإذا جرى الخلاف في النذر المعلق؛ وجب – لا محالة- إجراء مثله في النذر المطلق.
قال: وقيل: يصح بالنية وحدها؛ لأن اعتماد القربات على النية؛ قال ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى".
وهذا يشبه أن يكون من تخريج ابن سريج، وإن لم أقف عليه منقولاً؛ لأن الشافعي نص في الجديد على أن الصالح للأضحية والهدي لا يصير أضحية وهدياً بمجرد النية، بل لابد من القول وهو أن يقول: "جعلته أضحية"ـ، ونحوه كما تقدم، ووجهه بأن ذلك إزالة ملك على وجه القربة، يصح بالقول؛ فلم يصح بدونه مع القدرة عليه؛ كالوقف والعتق.
ونص في القديم- كما حكاه أبو الطيب- على أنه يصير كذلك إذا قلده وأشعره،
стр. 3907
ونوى أن يكون أضحية أو هدياً، وإن لم يوجد النطق؛ احتجاجاً بأنه- ﵇ "كان إذا بعث الهدي قلده وأشعره"، ولم يثبت أنه كان يقول: "هذه أضحيتي".
واختلف الأصحاب - تفريعاً على القديم-:
فقال الإصطخري بإجراء اللفظ على ظاهره.
وقال غيره: تصير هدياً وأضحية بالنية والذبح.
وقال ابن سريج: تصير هدياً وأضحية بالنية والذبح.
وقال ابن سريج: تصير هدياً وأضحية بمجرد النية؛ فلأجل هذا [قلنا] يشبه أن يكون القول بصحة النذر بمجرد النية من تخريج ابن سريج؛ لأنه لا فرق؛ ويؤيده أن الأصحاب جعلوا المذهب فيما إذا لم يعلق النذر على شيء الصحة؛ لأن الشافعي نص على أنه إذا قال: "لله علي أن أضحي" أنه يصح؛ فدل على أنه لا فرق؛ ومن هذا يظهر لك أن التخريج من القديم، والصحيح هو الجديد.
وأجاب الأصحاب بأن قوله- ﵇: "وإنما لكل امرئ ما نوى" يقتضي أن يكون ما نواه له لا عليه، ولو جعلناه بمجرد النية ملتزماً، لكان عليه لا له؛ فيكون بخلاف الخبر، وسوقه- ﵇[الهدي] يحتمل أنه كان تطوعاً، أو عن قضاء، وبتقدير أن يكون عن نذر، فلعله تلفظ، ولم ينقل، وقد ذكرت طرفاً من ذلك في باب الأضحية؛ فليطلب منه.
قال: ومن علق النذر على أمر يطلبه، أي: من الله تعالى: كشفاء المريض، وقدوم الغائب، أي: مثل أن قال: "إن شفى الله مريضي" أو: "قدم غائبي، فلله عليه أن أتصدق بكذا"، أو: "أن أحج"، ونحو ذلك- لزمه الوفاء به عند وجود الشرط؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧] وهه الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب الأنصاري؛ لأنه كان له مال بالشام خاف هلاكه، فنذر إن وصل إليه أن يتصدق منه، فلما قدم بخل به؛ كذا قاله الكلبي.
стр. 3908
وقال مقاتل: إن سبب نزولها فيه: أن مولى لعمر- وقيل: حميماً له- نذر: إن وصل إليه الدية أن يخرج حق الله تعالى منها، فلما وصلت إليه، بخل بحق الله تعالى، فلما بلغ ثعلبة ما نزل فيه، أتى رسول الله ﷺ وسأله أن يقبل صدقته، فقال: "إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك"، فحثا التراب على رأسه، وقبض رسول الله ﷺ ولم يقبض منه شيئاً، ثم أتى بعده أبا بكر، فلم يقبلها منه، ثم أتى عمر، فلم يقبلها منه، ثم أتى بعده عثمان- قال الماوردي-: فلم يقبلها منه، ومات فيأيامه.
وهذا من أشد وعيد وأعظم زجر في نقض العهود ومنع النذور، ويدل عليه من جهة السنة مع ما ذكرناه في صدر الباب: ما روى أبو داود والنسائي عن عبد الله بن عباس أن امرأة ركبت البحر، فنذرت إن نجاها الله- تعالى- أن تصوتم شهراً، فنجاها الله، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت ابنتها- أو أختها- إلى رسول الله ﷺ فأمرها أن تصوم عنها.
ومن هذا النوع ما إذا علق النذر على حصول مال له، أو ولد؛ لاشتراكهما في طلب مباح، وطرده القاضي الحسين في كل مباح.
قال الإمام في كتاب الأيمان: وكان شيخه يخصص النذر بما يظهر كونه مقصوداً، وحصوله على ندور، وقد وافقه طائفة من الأصحاب.
وحاصل الطريقة: أن التبرر لا يتحقق في النعم المعتادة، كما أنا لا نستحب سجود الشكر لها وإن كانت نعماً، وما ذكره القاضي أفقه، وأوقع، والمعتبر في سجود الشكر التعبد، ومن طريق الأولى إذا علقه على حصول طاعة، مثل أن يقول: "إن كفاني الله ظفر أعدائي بي"، أو: "رفع عني ما يقطعني عن الصلاة والصيام"، أو: "إن رزقني الله الحج" أو: "فتح على يدي بلاد أعدائه"- فله علي كذا.
стр. 3909
ولا فرق في لزوم الوفاء بالنذر في الصور التي ذكرناها بين أن يقول: "فلله علي كذا"، ويعين بعض ماله، أو يقول: "فلله علي أن أتصدق بمالي"، أو يقول: "فمالي صدقة"؛ حتى يلزمه التصدق بجميع ماله؛ الزكاة منه وغيره؛ كما في الوصية.
وقياس ما سنذكره عن القاضي أن يكون قوله: "فما لي صدقة" لغو، لكن الذي فهمته من كلامه في التعليق الأول، وهو الذي أورده الجمهور.
نعم: حكى الماوردي في أواخر كتاب الأيمان وجهين في التصدق [بجميع ما] يستر به عورته.
ولو كان المنذور الحج قال في "البحر": فلا يعتبر في وجوبه عليه الزاد والراحلة، وهل يعتبر وجودهما في وجوب أدائه؟ ظاهر المذهب أنه يعبتر.
وقال صاحب "الحاوي": فيه وجهان، حكاهما ابن أبي هريرة.
أحدهما: لا يعتبر؛ لأنه كان قادراً على استثنائه في نذره، وهو قول من لا يطرح [الغلبة] في الأيمان.
والثاني: يعتبر؛ كما قلنا في المشروع.
وهل يجب تعجيله على الفور؟ فيه وجهان.
وهل يجوز تعجيل المنذور قبل وجود الشرط؟ قال الرافعي في كتاب الأيمان: إنه يجوز، وإن [في] فتاوي القفال ما ينازع فيه.
وفصل المتولي ثم وهنا، فقال: إن كان المنذور مالاً جاز، وإن كان صوماً أو صلاة فوجهان:
ووجه الجواز: أن الصوم هاهنا أصل، فهو كالعتق في الكفالرة.
ومقابله، لم يحك الفوراني غيره.
فرع: لا يجوز تعليق النذر على مشيئة [زيد]، فإن علقه لم ينعقد، وإن شاء زيد؛ لأنه لم يوجد منه التزام جازم كما يليق بالقربات؛ كذا حكاه القاضي الحسين والماوردي.
وقال الإمام: هذا عندي خطأ؛ فإن تقديره: فإن شاء زيد، فلله علي [صوم فهو بمثابة ما لو قال: إن قدم فلله علي صوم أو غيره. ولا نزاع بينها في أنه لو قال: لله
стр. 3910
علي] أن أصوم – إن شاء الله تعالى- أنه لا يلزمه شيء بالنذر، نعم نقل الإمام في كتاب الاعكاف عن صاحب "التقريب" فيما لو قال الناذر: "لله علي أن أتصدق بعشرة دراهم إلا أن أحتاج قبل التصدق" واحتاج، هل يسقط واجب النذر؟ - أنه قال: المسألة محتملة.
وكذلك لو فرض في نذر الصلاة والصوم وغيرهما من القرب الملتزمة بالنذر، وطرد هذا فيما إذا قال: "لله علي شيء من ذلك إلا أن يبدو لي"، وزعم أن المسألة محتملة إذا بدا له.
نعم: ذكر شيخي أنه استثنى في هذه القربات ما يتعلق به غرض: كالافتقار في نذر الصدقة، أو ما يناظر هذا في كل قربة- فالاحتمال لائح، وأما إذا قال: "إلا أن يبدو لي"، فالأوجه إبطال هذا الاستثناء، وقد يتجه عندنا إفساد النذر في هذه الصورة.
قال: ومن نذر شيئاً، ولم يعلقه على شيء؛ أي: مثل أن قال: "لله علي أن أتصدق بمالي" أو: "أن أحج"، ونحو ذلك- فقد قيل: لا يصح؛ لأن أهل اللغة قالوا- كما حكاه ثعلب-: النذر هو وعد بشرط، ولم يوجد هاهنا شرط؛ فلم يوجد النذر الذي تقدمت النصوص على الوفاء به.
ولأن الحقوق على ضربين: حق لله تعالى، وحق للآدمي، ثم [ثبت أن] حق الآدمي إذا كان بعوض؛ لزم الوفاء به: كالبيع وغيره، وما لا يكون بعوض: كالهبة، لا يلزمه الوفاء به؛ [فكذلك حقوق الله تعالى ما لم يكن فيها عوض، لا يلزم أن يفي بها]. وتحريره قياساً: أنه إلزام حق من غير عوض؛ فلم يلزم بالقول؛ كالوصية، والهبة؛ وهذا قول أبي إسحاق، وأبي بكر الصيرفي، ونسبه المتولي إلى جماعة من الأصحاب، وحكاه القاضي الحسين [قولا]؛ أخذاً من قول الشافعي في هذا الموضع: "إن أعمال البر لا تكون إلا ما فرض الله أو تبرراً"، وفسر التبرر بما إذا قال: "إن شفى الله مريضي، فلله علي كذا".
قال: والمذهب أنه يصح؛ لعموم الأدلة السابقة، وما ذكر من أنه لا يسمى نذراً؛ إذا لم يعلق بشرط- ممنوع؛ لأن الله تعالى- قال حاكياً عن مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا
стр. 3911
فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾ [آل عمران: ٣٥] فأطلق نذرها، ولم يذكر تعليقه بشرط وجزاء؛ فدل على صحة التسمية بدون الشرط؛ وهذا ما ادعى البندنيجي: أنه المنصوص عليه في كتبه، ونسبه القاضي أبو الطيب وغيره إلى قول ابن سريج، والإصطخري، وابن أبي هريرة.
قال القاضي: وإنما كان كذلك؛ لأن الشافعي قد نص عليه، وقال: "إذا قال: "لله علي أن أضحي"، أو: "لله علي أن أعتكف"، يلزمه ذلك"، كذلك هاهنا.
وبالجملة: فالذي ذهب إليه الأكثرون من أصحابنا- كما قال القاضي الحسين-: الصحة.
وكذلك قال في "البحر" في آخر كتاب "الأيمان": إن الجمهور قطعوا بها وصحح هذه الطريقة.
قال القاضي: ومن قال بالأول، قال: إنما لزم الاعتكاف بالنذر؛ لأنه ليس له أصل في الوجوب ابتداء، وكان نذره له سبيلاً إلى إيجابه، ولا كذلك الصلاة والصوم والحج؛ وهذا منه يدل على أنه لا خلاف في لزوم الاعتكاف، وكذلك في الأضحية؛ [نظراً للعلة المذكورة.
وقد وافق البندنيجي على الجزم باللزوم في الأضحية، وحكى الخلاف في الاعتكاف، وكذلك حكاه فيه الماوردي أيضاً هاهنا، والإمام في كتاب الأضحية].
وقد ادعى القاضي الحسين في أواخر كتاب الأيمان: أنه لو كان له مريض، فشفاه الله تعالى، فقال: "لله على عتق رقبة؛ لما أنعم الله علي من شفاء مريضي" يلزمه الوفاء بالمنذور قولاً واحداً؛ كما لو علق العتق بشفائه.
وعنه أنه لو قال ابتداءً: "مالي صدقة"، أو: "في سبيل الله" أنه لغو؛ لأنه لم يأت
стр. 3912
بصيغة إلزام، وهو ما رآه الغزالي أظهر.
وقال في "التتمة": إن [كان] المفهوم من اللفظ في عرفهم معنى النذر أو نواه، فهو كما لو قال: "لله علي أن أتصدق بمالي" أو: "أنفقه في سبيل الله"، وإلا فلا حكم له.
وعن الشيخ أبي محمد ذكر طريقين:
أحدهما: حمل ما ذكره على النذر المطلق؛ فيكون فيه الخلاف السابق.
والثاني: أن ماله يصير بهذه اللفظة صدقة؛ كما لو قال: "جعلت هذه الشاة ضحية"، واستبعده الإمام، وقال فيما إذا قال: "إن دخلت الدار، فمالي صدقة": إنه لغو عند القاضي، وعلى طريقة شيخه يكون تعليق إيقاع في طريقة، ونذر لجاج [وغضب في طريقة].
والذي رأيته في "تعليق" القاضي: أنه يكون نذر لجاج وغضب حتى يلزمه أن يتصدق بجميع ماله حتى [ثياب بدنه] ونفقة يومه على قول.
قال: ومن نذر شيئاً على وجه اللجاج والغضب بأن قال: "إن كلمت فلاناً أي: أو: إن لم أكلمه"، أو: "إن دخلت الدار" أو: "إن لم أدخلها"، ونحو ذلك- فعلي كذا، فهو بالخيار عند وجود الشرط بين الوفاء بما نذر وبين كفارة يمين.
ووجهه: أنه إن اختار الوفاء، فهو الذي صرح بإلزامه؛ فلم يلزمه غيره؛ كما في النذر المعلق على أمر يطلبه؛ وعملاً بقوله- ﵇: "من نذر وسمى، فعليه ما سمى".
وإن اختار كفارة اليمين، فهي التي أوجبها ظاهر أدلة الشرع؛ قال الله ﵎: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وهذا حلف؛ لأنه يقال: حلفت بطلاق امرأتي، وبعتق عبدي لا فعلت كذا، وهو إجماع الصحابة.
روي أن رجلاً أتى عمر فقال: إني جعلت مالي في رتاج الكعبة إن كلمت أخي، فقال: إن الكعبة لغنية عن مالك، كلم أخاك، وكفر عن يمينك.
стр. 3913
وقد روي نحو هذا اللفظ عن عائشة وحفصة وأم سلمة وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة- ﵃ ولم يظهر لهم فيه مخالف.
وروى مسلم وغيره أن النبي ﷺ قال: "كفارة النذر كفارة يمين".
وباتفاق لا يكفر عن نذر التبرر وهو النوع الأول والثاني؛ فتعين أن يكون المراد به نذر الغلق وهو هذا، وسمي به؛ لأنه يغلق به على نفسه طريق الفعل أو الترك؛ كما سمي: نذر لجاج وغضب؛ لأنه إنما يقع غالباً في حالة الغضب.
ولأن هذا الفرع أخذ شبهاً من أصلين: من نذر المجازاة؛ لأنه التزام طاعة، ومن اليمين وهو منع نفسه من الفعل أو الترك، والفرع إذا أخذ شبهاً من أصلين لا يمكن الجمع بينهما، يجب أن يكون مخيراً في إلحاقه بأيهما شاء؛ وهذا ما حكاه الماوردي وابن الصباغ عن مذهب الشافعي [رحمه الله تعالى- ولم يورد القاضي أبو الطيب سواه، وبعضهم قطع به.
قال الرافعي] ومنهم من يقول: إنه غير منصوص عليه.
وقيل: إن نذر حجاً لزمه؛ لأنه لما لزم بالدخول فيه، كان أغلظ من غيره؛ فلزم بالنذر. ومن هذه العلة يظهر لك أن العمرة تلزم به على هذا؛ كما صرح به الأصحاب؛ وهذا أخذه الشيخ أبو حامد من قول الشافعي: "فيه قولان".
قال: وليس بشيء؛ لأن العتق أيضاً يلزمه إتمامه بالتقويم؛ فكان أغلظ من غيره، وهو لا يلزم بالنذر، وقول الشافعي: "فيه قولان"، أراد للفقهاء؛ لأن لهم في الصدقة ستة أقاويل حكاها، وليس لهم في الحج إلا قولان: إما التزامه، وإما التخيير بينه وبين التكفير، وإن كان مذهبه فيه التخيير.
قال البندنيجي: وهو الذي نص عليه، والذي حكاه المراوزة في المسألة ثلاثة أقوال:
стр. 3914
أحدها: قول التخيير، واختاره القاضي الحسين لنفسه، وقال: إن الشيخ- يعني: القفال- استنبطه مما إذا قال: "إن قربتك، فعلي صوم هذا الشهر"، فليس بمول يضيق عليه؛ لأنه لا يخاف من التزام شيء بعد المدة، وإنما هو حالف: إن قربها في خلال الشهر، صام بقية الشهر، أو كفر كفارة اليمين؛ فيصير على التخيير.
والثاني: أنه يلزمه الوفاء بما نذر؛ لعموم قوله ﷺ : "من نذر وسمى [فعليه ما سمى".
قال في "البحر": وهذا أخذ من قول الشافعي في الاعتكاف: "لو قال: إن فعلت] كذا وكذا، فعلي اعتكاف شهر" [وكان] قد فعل ذلك الشيء_ فعليه اعتكاف شهر.
والقائلون بالتخيير، قالوا: ما ذكره في الاعتكاف ليس بقول آخر في المسالة، بل هو أحد الشيئين المخير فيهما.
والثالث: أنه يلزمه كفارة يمين؛ لما ذكرناه من الأخبار والآثار، وقد ادعى الإمام والقاضي الحسين: أنه المنصوص، والصحيح، وبالتصحيح قال- أيضاً- البغوي، وإبراهيم المرورذي، والموفق بن طاهر، ومنهم من قطع به، ونفي ما عداه.
وحكى الصيدلاني وغيره عن القفال: أنه أنكر هذا القول، ولم يثبت في المسألة إلى قول التخيير وقول وجوب الوفاء بما نذر، لكن نقل بعضهم أنه سمع الحليمي يقول: إن الشافعي نص عليه، فلما قدم على القفال حكى له ذلك، فلم يصدقه، ثم عاد إلى الدرس في اليوم الثاني، فقال للناقل: أسهرتني البارحة، طالعت الكتب، فوجدت النص كما ذكرته عن الحليمي.
قال الرافعي: فلعل ما حكاه الصيدلاني وغيره كان قبل هذه الحكاية، وعلى هذا هل يجزئه الوفاء بما نذر عن الكفارة؟
قال الرافعي: فيه وجهان في شرح مختصر الجويني، والظاهر المنع.
وقد حكى الوجهين الإمام أيضاً، ثم قال: وقول الإجزاء زلل عظيم؛ فإنه قول التخيير بعينه؛ فلا معنى لاعتقاد مزيد في التفريع على قول التخيير.
وكلام الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ يقتضي أنه غيره؛ لأنهم بعد حكاية قول التخيير عن المذهب، قالوا: ومن أصحابنا من قال: الواجب عليه كفارة يمين، وله أن
стр. 3915
يسقطها بالوفاء بما نذر، وهو الأفضل.
قال ابن يونس: بشرط ألا يكون أقل من الكفارة؛ كما تقول فيمن ملك خمساً من الإبل: يلزمه شاة، وله إسقاطها بإخراج بعير.
قال الرافعي: وعلى القول بعدم الإجزاء إن كان الملتزم من جنس ما تتأدى به الكفارة، فالزيادة على قدر الكفاءة تقع تطوعاً، وإن كان المنذور عبداً لا يجزئ في الكفارة لا يجزئه عتقه عن النذر.
فروع:
أحدها: لو قال: "إن دخلت الدار، فلله علي نذر"، قال في "الحاوي" لزمته كفارة يمين؛ لأنها معلومة، وموجب النذر المطلق مجهول؛ فلم يجز أن يقع التخيير بين معلوم ومجهول، وهذا ما حكاه البغوي وغيره.
وقال القاضي الحسين: إنه المنصوص، وإن أصحابنا ذكروا وجهين.
وعندي أن ذلك مبني على أن موجب يمين المعلق ماذا؟ فإن قلنا: موجبها الكفارة، فعليه كفارة يمين، وإن قلنا: موجبها الوفاء، فيؤمر بتسمية شيء يتقرب به.
قال الرافعي حكاية عنه وعن غيره: وإن قلنا بالتخيير تخير [بين] ما ذكرناه وبين الكفارة.
الثاني: إذا قال: "إن فعلت كذا، فعلي كفارة يمين"، قالوا: [تلزمه] كفارة يمين بلا خلاف، وإن قال: "فلله علي يمين"، فالصحيح في "النهاية" أنه لغو؛ فإنه لم يأت بنذر ولا بصيغة يمين، وليست اليمين مما يلزمه في الذمة.
ومنهم من قال: عليه ما على الحالف إذا حنث.
قال الإمام: والوجه عندنا في هذه الطريقة أن يلحق هذا بالكنايات المحضة، ويرجع إلى نيته وقصده.
ولو قال: "نذرت لله أن أفعل كذا"، فإن نوى اليمين فهو يمين، وإن أطلق فوجهان، أوردهما الفوراني والبغوي.
الثالث: إذا قال في نذر اللجاج والغضب: "إن كلمت فلاناً، فلله علي حج وعتق وصدقة".
стр. 3916
قال الإمام: كان شيخي يتردد في ذلك، فربما كان يقول: إن فرعنا على قول الكفارة عددناها بتعدد الأجناس؛ وهذا أبداه في معرض الاحتمال، ثم استقر جوابه على اتحاد الكفارة، وهو الذي يجب القطع به؛ فإنا إذا لم نوجب الوفاء؛ فلا حاصل إلى النظر [إلى] الملتزم تعدد أو اتحد، بل التعويل على الالتزام فيما يصح التزامه، ثم يحاد عنه إلى الكفارة، وما قدمناه غير معتد به، ولا خلاف أنه لو ذكر حججاً لم تتعدد الكفارة.
الرابع: إذا قال: "إن دخلت البصرة"، أو: "إن رأيت زيداً، فمالي صدقة" أو: "علي حج"، ونحو ذلك- قال في "الحاوي": إنه ينظر: فإن أراد به الترجي لدخول البصرة ولقاء زيد، فهو معقود على فعل الله دون فعل نفسه، فهو نذر جزاء وتبرر؛ فيلزم الوفاء بنذره.
وإن أراد منع نفسه من دخول البصرة ورؤية زيد، فهي يمين عقدها على نذر؛ فيكون مخيراً فيها بين الوفاء والتكفير، ويجيء فيه الأقوال الباقية.
وهكذا الحكم فيما لو قال: "إن صليت فلله علي صوم يوم": إن أراد: إن وفقني الله للصلاة صمت، كان نذر مجازاة؛ فيلزمه الوفاء بما نذر. وإن قصد منع نفسه من الصلاة، كان نذر لجاج وغضب؛ فيجيء فيه الأقوال.
ولو قال: "لا صليت الظهر" لم يجيء فيه إلا نذر اللجاج.
ولو قال: "إن لم أَزْنِ، فلله علي صوم يوم": فإن قصد: إن عصمني الله من الزنا، فهو نذر مجازاة.
وإن قصد حث نفسه على الفعل، فهو نذر لجاج وغضب.
ولو قال: "إن زنيت، فلله علي كذا"، لم يتصور فيه إلا نذر اللجاج والغضب، [والله أعلم].
قال: ومن نذر الحج راكباً، فحج ماشياً، لزمه دم.
هذا الفصل ينظم حكمين:
أحدهما: صحة نذره في لزوم الركوب في الحج المنذور، وللأصحاب فيه خلاف مبني على أن الأفضل الحج راكباً أو ماشياً؟ وفيه قولان مشهوران حكاهما القاضي
стр. 3917
أبو الطيب وغيره [في باب المواقيت]:
أحدهما: أنه راكب أفضل؛ لأنه- ﵇ حج راكباً؛ وهذا ما ادعى النواوي في "الروضة" في كتاب الحج: أنه المذهب، ولم يحك في "المهذب" ثم غيره؛ فعلى هذا يلزمه الدم؛ كما صرح به الشيخ، وهو الحكم الثاني؛ لأنه قد ترفه بتركه مؤنة الركوب.
وفيه قول آخر: أنه لا يجزئه الحج ماشياً عن نذره؛ كما سنذكر مثله في المسألة الآتية؛ صرح به المتولي؛ حيث قال: إن الحكم في هذه المسألة تفريعاً على هذا كالحكم في تلك المسألة.
والقول الثاني: إن المشي أفضل؛ لقوله- ﵇ لعائشة- ﵂: "أجرك على قدر نصبك"، ولأن المشي إلى العبادة أفضل من الركوب إليها؛ ولهذا روي أنه- ﵇ لم يركب في عيد ولا جنازة قط؛ وهذا هو الصحيح في "التهذيب" وغيره، والمنصوص عليه في "المختصر"، ولم يورد القاضي أبو الطيب وابن الصباغ سواه هنا؛ فعلى هذا هو مخير بين المشي والركوب؛ كما قال المتولي، ولا يلزمه الدم؛ لأنه فعل الأفضل.
لكن القاضي أبا الطيب والبندنيجي جزما القول بلزوم الدم عند ترك الركوب.
وقال القاضي: إنه لو أكرى ما يركبه، واختار المشي، جاز؛ لأنه قد تكلف المؤنة التي شرطها.
وإيراد البغوي يقتضي: أن ما ذكره الشيخ هو المذهب أيضاً؛ لأنه الذي صدر به كلامه، ثم قال: وقال الشيخ: عندي لا دم عليه؛ لأن عدوله عن الطريق الأسبق؛ لزيادة الثواب؛ فلا دم عليه.
ووراء ما ذكرناه من القولين في أن الأفضل الركوب أو المشي؛ وجهان.
أحدهما: عن الصيدلاني أنهما سواء، وقد حكاه في "البحر" قولاً.
стр. 3918
قال الرافعي: وقد يوجه ذلك بتعارض المعنيين.
والثاني- عن ابن سريج-: التسوية بين الركوب والمشي ما لم يحرم، فإذا أحرم، فالمشي أفضل.
وقال في "الإحياء": ينبغي أن يفصل؛ فيقال: من سهل عليه المشي فالمشي في حقه أفضل؛ لأن الصوم للمسافر والمريض- ما لم يؤد إلى ضعف وسوء حال- أفضل.
قال: ومن نذر الحج ماشياً، أي: بأن قال: "إن شفى الله مريضي فلله علي أن أحج ماشياً" أو: "أمشي حاجاً" لزمه الحج؛ لما سبق من الأدلة.
قال: ماشياً، أي: تفريعاً على الصحيح في أن المشي إلى العبادة أفضل.
قال: من دويرة أهله، أي: يحرم بالحج، ويمشي من دويرة أهله؛ كما قاله المتولي والماوردي والعمراني في "الزوائد"؛ لأن إتمام الحج في الأصل يتعلق بذلك؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] قال عمر وعلي- ﵄: إتمامهما: أن تحرم بهما من دويرة أهلك.
وإذا كان كذلك فتأخيره إلى الميقات رخصة، فإذا نذر رجع إلى الأصل؛ وهذا قول أبي إسحاق؛ كما قال المتولي.
وقيل: من الميقات؛ لأن المطلق يحمل على ما عهد لزومه شرعاً، وهو الإحرام من الميقات؛ وهذا قول عامة الأصحاب؛ كما قال ابن يونس.
والوجهان متوافقان على أنه حيث يلزمه الإحرام يلزمه المشي، وحيث لا يلزمه الإحرام لا يلزمه المشي؛ فلا ينفك أحدهما عن الآخر.
وفي كلام المراوزة خلافه؛ فإن القاضي الحسين وغيره قالوا فيما إذا قال: "لله علي أن أحج ماشياً"، أو: "أمشي حاجاً"- في المسألة ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يلزمه المشي من مخرجه الذي يخرج منه.
والثاني: من مكان الإحرام؛ لأنه نذر الحج ماشياً، وإنما يصير شارعاً في الحج بالإحرام؛ وهذا ما صححه الرافعي، وقال: إن به قطع قاطعون، وردوا الخلاف إلى ما
стр. 3919
إذا نذر المشي إلى مكة، أو إلى بيت الله تعالى، وسيأتي القول فيه، إن شاء الله تعالى.
وعلى هذا جرى صاحب "البحر" والقاضي أبو الطيب.
والثالث: إن قال: "أمشي حاجاً" يمشي من مخرجه؛ لأن هذا يقتضي أن يمشي في القصد إلى الحج.
وإن قال: "أحج ماشياً" يمشي من مكان الإحرام؛ لأنه [لا] يحج قبل ذلك؛ وهذا ما أورده الفوراني، وقال الإمام: إنه ضعيف صادر عن الجهل بالعربةي، ومقتضى الألفاظ؛ فإنه لا فرق بين أن يقول القائل: "أمشي حاجاً" وبين قوله: "أحج ماشياً"، واللفظان جميعاً يقتضيان اقتران الحج [والمشي]، وما ذكروه من لزوم المشي من مخرجه قبل الإحرام مفرع على أنه لو صرح في نذره بالمشي من مخرجه، يلزمه كما [هو] وجه [حكاه الإمام ومن تبعه، ورآه الرافعي أقرب.
أما إذا قلنا بأنه لو صرح به لا يلزمه إلا من وقت الإحرام، كما هو وجه] آخر، فلا يلزمه المشي عند الإطلاق إلا من وقت الإحرام وجهاً واحداً.
وقد وجه عدم لزوم المشي من مخرجه عند التصريح بالتزامه بأن المشي قبل الإحرام [لا قربة فيه.
وقال الإمام: إن للخلاف التفاتاً على أن الأجير في الحج إذا مات في الطريق] هل يستحق شيئاً من الأجرة أم لا؟
والخلاف المذكور [جارٍ] فيما لو نذر العمرة ماشياً، من أي موضع يلزمه المشي؟ كما قاله الماوردي.
قال: ولا يجوز أن يترك المشي إلى أن يرمي في الحج؛ أي: جمرة العقبة؛ إذا جعله آخر التحللين، ويفرغ من العمرة، أي: إن كان المنذور عمرة؛ لأن بذلك يحصل الخروج من الإحرام بهما؛ وهذا ما أورده البندنيجي وابن الصباغ والبغوي، وهو المنصوص، وكذلك ادعى القاضي أبو الطيب: أنه المذهب.
وحكى مع القاضي الحسين والإمام وجهاً آخر: أنه يجوز له ترك المشي بالتحلل الأول في الحج؛ لأنه فارق اسم الحج المطلق؛ ولهذا يلبس، ويحلق، ويتطيب.
стр. 3920
وقال الروياني: إنه غلط، وجعله الغزالي الأظهر، ولا يظهر لهذا الوجه أثر في العمرة، فإنا إن قلنا: إن الحلق نسك، فلا يخرج من العمرة إلا به؛ فلا يركب حتى يأتي به.
وإن قلنا: إنه استباحة محظور، فقد خرج من العمرة بالطواف والسعي؛ فيجوز له أن يركب.
قال القاضي الحسين: والخلاف في المسألة أخذ من قول الشافعي: ولا يترك المشي إلى أن يحل له النساء:
فمنهم من قال: وطئاً؛ فعلى هذا لا يحل له الركوب إلى أن يتحلل التحلل الثاني.
ومنهم من قال: عقداً؛ فعلى هذا يمشي إلى أن يتحلل التحلل الأول؛ فإن العقد يحل له بذلك على أظهر القولين.
ولا خلاف في أنه لا يلزمه المشي لرمي الجمرات الثلاث في أيام التشريق.
[قال:] فإن حج راكباً من غير عذر، فقد أساء؛ لأنه ترك ما وجب عليه مع القرة، وعليه دم؛ لأنه أتى بأصل الحج؛ وترفه بترك صفة فيه؛ فلزمه الدم؛ كما لو تطيب؛ وهذا هو الجديد؛ كما قال المتولي.
وحكى القاضي الحسين والإمام قولاً نسبه المتولي إلى القديم: أنه لا يحسب له هذه الحجة عن نذره؛ لأنه نذر أن يحج ماشياً، وألزم المشي فيه، ولم يأت بما التزم.
قال القاضي والمتولي: وعلى هذا القول فرع الشافعي؛ فقال: لو مشى بعض الطريق، وركب في بعض؛ قضى، ومشى فيما ركب، وركب فيما مشى.
قال الإمام: ولا يتصور على مذهب الشافعي تطوعاً يسبق الحج الواجب إلا في هذه الصورة على هذا القول.
وقد حكى الغزالي –تفريعاً على الجديد وجهاً-: أنه لا يجب الدم.
قال: وإن حج راكباً؛ لعذر- أي: بأن عجز عن المشي- جاز، أي: الركوب؛ لما روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يهادي بين اثنين، فسأل عنه، فقالوا: نذر أن يمشي، فقال: إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه،
стр. 3921
وأمره أن يركب".
ورويا عن عقبة بن عامر قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله، فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله ﷺ فاستفتيت النبي ﷺ فقال: "لتمش ولتركب"؛ أي: لتمش ما قدرت، ولتركب إذا عجزت.
قال: وعليه دم في أصح القولين؛ لما روى أبو داود عن كريب عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أختي نذرت -يعني: أن تحج ماشية- فقال النبي ﷺ : "إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئاً؛ فلتحج راكبة، وتكفر عن يمينها".
стр. 3922
وعن عكرمة عن ابن عباس أن أختب عقبة بن عامر نذرت أن تمشي إلى بيت الل، فأمرها النبي ﷺ أن تركب وتهدي هدياً.
قال الإمام: وحديثها محمول على العجز، فإن المرأة لا تستقل بالمشي في غالب الأمر.
وأخت عقبة: هي [أم] حبان بنت عامر.
ولأن ما وجب بتركه [الدم] مع القدرة، وجب بتركه مع العجز؛ كسائر المناسك.
والقول الثاني: لا يلزمه شيء؛ كما لو عجز عن القيام في الصلاة التي نذر القيام فيها، فصلى قاعداً؛ فإنه لا يلزمه شيء؛ لأنه ليس من أبعاض الحج شرعاً؛ وهذا قال في "التتمة"، و"البحر": إنه المذهب؛ فإنه قال: وإذا ركب أراق دماً؛ احتياطاً من قبل أنه إذا لم يكن مسيئاً سقط.
والقائلون بالأول، فرقوا بين الصلاة والحج بما أشار إليه الشافعي، وهو أن الصلاة لا تصلح بالمال؛ بخلاف الحج.
وقد أشار المتولي إلى أن الخلاف في المسألة انبنى على أن من نذر أن يصوم متتابعاً، فأفطر بالمرض، هل ينقطع التتابع أم لا؟
أما إذا قلنا: إن الركوب أفضل من المشي، لم يلزمه المشي عيناً، وإذا ركب فلا دم عليه.
وقد جمع في "الحاوي" بين مسألة نذر الحج راكباً، ونذره ماشياً، وقال: فيهما ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يلزمه الركوب، ولا المشي؛ لأنه لما لم يجب واحد منهما بالشرع، لم يجب بالنذر، فله أن يركب إن شرط المشي، ويمشي إن شرط الركوب؛ لأنه- ﵇ خير أخت عقبة بن عامر في الركوب والمشي.
قلت: ولهذا الوجه مأخذان:
أحدهما: أنه لا يلزم بالنذر إلا ما له أصل في الوجوب؛ كما ذهب إليه الشيخ أبو محمد وغيره.
стр. 3923
والثاني: أن المشي مساوٍ للركوب في الأفضلية- كما تقدم- فلا جرم، خير بينهما.
الوجه الثاني: أنهما يجبان؛ لأن في المشي زيادة عمل، وفي الركوب زيادة نفقة، وكلاهما قربة.
والثالث- قال: وهو الأشبه-: إنه يلزم المشي دون الركوب؛ لأن في المشي مضشقة؛ فلزم لتغليظه، وفي الركوب ترفه؛ فلم يلزم لتخفيفه، وأداء الأخف بالأغلظ مجزئ دون العكس.
قال: وعلى الأول يلزمه أن يحرم بالحج من الميقات، وعلى الثاني من حين خروجه [من دويرة أهله.
وعلى الثالث: إن كان قد نذر الحج ماشياً فمن حين خروجه]، وإن كان قد نذره راكباً فمن الميقات.
وحيث قلنا: يلزم الركوب أو المشي، فترك أحدهما إلى الآخر، فهل يلزمه الجزاء؟
فيه ثلاثة أوجه؛ ثالثها: يلزمه إن ترك المشي إلى الركوب، ولا يلزمه إن ترك الركوب إلى المشي؛ وهذا إذا كان الركوب لغير عذر، فإن كان لعذر ففي وجوبه- والحالة هذه- إذا قلنا بوجوبه في الحالة الأولى. وجهان.
أحدها: يلزمه بدنة؛ قاله في "التتمة".
والثاني: فدية الحلق، وهو الصحيح في "التتمة".
والثالث- حكاه الماوردي مع الذي قبله-: أنه يلزمه فدية التمتع.
وقد ادعى القاضي أبو الطيب في أثناء كلامه في المسألة: أنا أجمعنا على [أن] البدنة لا تجب عليه.
واعلم أن ما ذكرناه في لزوم الركوب والمشي بالنذر إذا كان الحج منذوراً أيضاً.
أما لو نذر الركوب أو المشي في حجة الإسلام، فإن قلنا: لا يلزم عند نذره في
стр. 3924
الحج المنذور، فهاهنا أولى؛ وإن قلنا: يلزم [ثمّ] فهاهنا الوجهان المذكوران فيما لو نذر طول القراءة والركوع والسجود في الصلاة المفروضة؛ قاله الغزالي، وهما جاريان فيما لو نذر أن يحرم بالحج من شوال، والأظهر فيها- وهو اختيار صاحب "التهذيب"- اللزوم، وكذا لو نذر أن يحرم من بلد كذا.
فروع:
أحدها: إذا فاته الحج الذي نذره، ونذر المشي فيه بعد التلبس به، فقولان:
أحدهما: يمشي إلى أن يتحلل من الفائت؛ لأنه يأتي بهذه البقية بحكم الإحرام؛ وهذا هو المنصوص في "الأم"، والأصح عند القاضي الطبري والروياني.
والثاني: لا يلزمه المشي؛ لأن الفائت ليس هو الحج المنذور؛ بدليل أن الفرض لا يسقط به؛ وهذا أصح عند الشيخ أبي حامد والقفال والصيدلاني والقاضي الحسين وغيرهم.
[و] هل يعتد بمشيه في الفاسد؛ حتى يركب في القضاء حيث مشى؟ فيه وجهان في "الحاوي" وأظهرهما: أنه لا يعتد به.
والنص الذي حكيناه عن القديم يوافق مقابله.
وهل يجب القضاء على الفور؟ فيه وجهان إذا قلنا: إن الوفاء بالحج المنذور لا يجب على الفور؛ وهذا إذا كان الحج المنذور غير مخصوص بزمان معين، فإن كان قد عينه بأن قال: "إن شفى الله مريضي، فلله علي أن أحج في العام القابل"، فعليه أن يحج فيه، وفي جواز تقديمه عليه وجهان:
وجه الجواز: أنه يجوز تقديم حج الفرض قبل وجوبه.
والأصح في الرافعي مقابله.
стр. 3925
وإذا أحرم به ففاته؛ ففي وجوب قضائه قولان:
فإن قلنا: لا يلزمه، لزمه المشي فيه حتى يتحلل.
وإن قلنا: يلزمه القضاء؛ ففي مشيه فيه إلى أن يتحلل القولان السابقان فيما لو [لم] يعين وقت الحج، وأحرم به، وفاته.
ولو أخره عن الوقت المعين، فإن كان بغير عذر، لزمه قضاؤه؛ وإن كان بعذر، ففي لزوم القضاء القولان في الفوات، والله أعلم.
قال: ومن نذر المضي إلى مكة أو إلى الكعبة- أي: وأطلق- لزمه قصدها_ لأن الله تعالى أوجب قصد ذلك والإتيان إليه؛ فلزم بالنذر كسائر القرب.
قال: بحج أو عمرة؛ لأن مطلق كلام الناذرين محمول على ما ثبت له أصل في الشريعة؛ كمن نذر أن يصلي، تلزمه الصلاة المعهودة، وإن كانت الصلاة في اللغة الدعاء، والمعهود في الشريعة قصد مكة والكعبة بحج أو عمرة، فحمل نذره عليه؛ وهذا ما نص عليه الشافعي؛ كما قاله القاضي الحسين وغيره، وبه قال بعض المراوزة، كما حكاه القاضي.
ونقل عن بعضهم- وبه قال أبو علي بن أبي هريرة؛ كما قاله الماوردي-: أن هذا إذا قلنا: إن دخول مكة يقتضي الإحرام، أما إذا قلنا: لا يقتضيه؛ ففي انعقاد نذره قولان؛ كما إذا نذر المضي إلى مسجد رسول الله ﷺ أو المسجد الأقصى؛ وهذا ما أورده القاضي الحسين في كتاب الحج، وقال الصيدلاني وغيره: إن إيجاب الحج أو العمرة عليه مفرع على القول بأن مطلق النذر يحمل على الواجب شرعاً.
أما إذا قلنا: لا يحمل على الواجب شرعاً، انبنى على أن دخول مكة يقتضي إحراماً بحج أو عمرة أو لا؟
فإن قلنا: يقتضيه، فالأمر كذلك؛ وإن قلنا: لا يقتضيه، فهو كما لو نذر إتيان مسجد المدينة، أو المسجد الأقصى؛ فيكون في انعقاد نذره قولان.
فإن صححناه، قال القاضي الحسين [هنا:] خرج عن موجب نذره بركعتين يصليهما في البيت الحرام، وقال في كتاب الحج: إنه يكون مخيراً: إن شاء طاف بالبيت، وإن شاء صلى ركعتين.
следующие страницы →