← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

وأمره أن يركب". ورويا عن عقبة بن عامر قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله، فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله ﷺ فاستفتيت النبي ﷺ فقال: "لتمش ولتركب"؛ أي: لتمش ما قدرت، ولتركب إذا عجزت. قال: وعليه دم في أصح القولين؛ لما روى أبو داود عن كريب عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أختي نذرت -يعني: أن تحج ماشية- فقال النبي ﷺ : "إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئاً؛ فلتحج راكبة، وتكفر عن يمينها".

стр. 3922

وعن عكرمة عن ابن عباس أن أختب عقبة بن عامر نذرت أن تمشي إلى بيت الل، فأمرها النبي ﷺ أن تركب وتهدي هدياً. قال الإمام: وحديثها محمول على العجز، فإن المرأة لا تستقل بالمشي في غالب الأمر. وأخت عقبة: هي [أم] حبان بنت عامر. ولأن ما وجب بتركه [الدم] مع القدرة، وجب بتركه مع العجز؛ كسائر المناسك. والقول الثاني: لا يلزمه شيء؛ كما لو عجز عن القيام في الصلاة التي نذر القيام فيها، فصلى قاعداً؛ فإنه لا يلزمه شيء؛ لأنه ليس من أبعاض الحج شرعاً؛ وهذا قال في "التتمة"، و"البحر": إنه المذهب؛ فإنه قال: وإذا ركب أراق دماً؛ احتياطاً من قبل أنه إذا لم يكن مسيئاً سقط. والقائلون بالأول، فرقوا بين الصلاة والحج بما أشار إليه الشافعي، وهو أن الصلاة لا تصلح بالمال؛ بخلاف الحج. وقد أشار المتولي إلى أن الخلاف في المسألة انبنى على أن من نذر أن يصوم متتابعاً، فأفطر بالمرض، هل ينقطع التتابع أم لا؟ أما إذا قلنا: إن الركوب أفضل من المشي، لم يلزمه المشي عيناً، وإذا ركب فلا دم عليه. وقد جمع في "الحاوي" بين مسألة نذر الحج راكباً، ونذره ماشياً، وقال: فيهما ثلاثة أوجه: أحدها: لا يلزمه الركوب، ولا المشي؛ لأنه لما لم يجب واحد منهما بالشرع، لم يجب بالنذر، فله أن يركب إن شرط المشي، ويمشي إن شرط الركوب؛ لأنه- ﵇ خير أخت عقبة بن عامر في الركوب والمشي. قلت: ولهذا الوجه مأخذان: أحدهما: أنه لا يلزم بالنذر إلا ما له أصل في الوجوب؛ كما ذهب إليه الشيخ أبو محمد وغيره.

стр. 3923

والثاني: أن المشي مساوٍ للركوب في الأفضلية- كما تقدم- فلا جرم، خير بينهما. الوجه الثاني: أنهما يجبان؛ لأن في المشي زيادة عمل، وفي الركوب زيادة نفقة، وكلاهما قربة. والثالث- قال: وهو الأشبه-: إنه يلزم المشي دون الركوب؛ لأن في المشي مضشقة؛ فلزم لتغليظه، وفي الركوب ترفه؛ فلم يلزم لتخفيفه، وأداء الأخف بالأغلظ مجزئ دون العكس. قال: وعلى الأول يلزمه أن يحرم بالحج من الميقات، وعلى الثاني من حين خروجه [من دويرة أهله. وعلى الثالث: إن كان قد نذر الحج ماشياً فمن حين خروجه]، وإن كان قد نذره راكباً فمن الميقات. وحيث قلنا: يلزم الركوب أو المشي، فترك أحدهما إلى الآخر، فهل يلزمه الجزاء؟ فيه ثلاثة أوجه؛ ثالثها: يلزمه إن ترك المشي إلى الركوب، ولا يلزمه إن ترك الركوب إلى المشي؛ وهذا إذا كان الركوب لغير عذر، فإن كان لعذر ففي وجوبه- والحالة هذه- إذا قلنا بوجوبه في الحالة الأولى. وجهان. أحدها: يلزمه بدنة؛ قاله في "التتمة". والثاني: فدية الحلق، وهو الصحيح في "التتمة". والثالث- حكاه الماوردي مع الذي قبله-: أنه يلزمه فدية التمتع. وقد ادعى القاضي أبو الطيب في أثناء كلامه في المسألة: أنا أجمعنا على [أن] البدنة لا تجب عليه. واعلم أن ما ذكرناه في لزوم الركوب والمشي بالنذر إذا كان الحج منذوراً أيضاً. أما لو نذر الركوب أو المشي في حجة الإسلام، فإن قلنا: لا يلزم عند نذره في

стр. 3924

الحج المنذور، فهاهنا أولى؛ وإن قلنا: يلزم [ثمّ] فهاهنا الوجهان المذكوران فيما لو نذر طول القراءة والركوع والسجود في الصلاة المفروضة؛ قاله الغزالي، وهما جاريان فيما لو نذر أن يحرم بالحج من شوال، والأظهر فيها- وهو اختيار صاحب "التهذيب"- اللزوم، وكذا لو نذر أن يحرم من بلد كذا. فروع: أحدها: إذا فاته الحج الذي نذره، ونذر المشي فيه بعد التلبس به، فقولان: أحدهما: يمشي إلى أن يتحلل من الفائت؛ لأنه يأتي بهذه البقية بحكم الإحرام؛ وهذا هو المنصوص في "الأم"، والأصح عند القاضي الطبري والروياني. والثاني: لا يلزمه المشي؛ لأن الفائت ليس هو الحج المنذور؛ بدليل أن الفرض لا يسقط به؛ وهذا أصح عند الشيخ أبي حامد والقفال والصيدلاني والقاضي الحسين وغيرهم. [و] هل يعتد بمشيه في الفاسد؛ حتى يركب في القضاء حيث مشى؟ فيه وجهان في "الحاوي" وأظهرهما: أنه لا يعتد به. والنص الذي حكيناه عن القديم يوافق مقابله. وهل يجب القضاء على الفور؟ فيه وجهان إذا قلنا: إن الوفاء بالحج المنذور لا يجب على الفور؛ وهذا إذا كان الحج المنذور غير مخصوص بزمان معين، فإن كان قد عينه بأن قال: "إن شفى الله مريضي، فلله علي أن أحج في العام القابل"، فعليه أن يحج فيه، وفي جواز تقديمه عليه وجهان: وجه الجواز: أنه يجوز تقديم حج الفرض قبل وجوبه. والأصح في الرافعي مقابله.

стр. 3925

وإذا أحرم به ففاته؛ ففي وجوب قضائه قولان: فإن قلنا: لا يلزمه، لزمه المشي فيه حتى يتحلل. وإن قلنا: يلزمه القضاء؛ ففي مشيه فيه إلى أن يتحلل القولان السابقان فيما لو [لم] يعين وقت الحج، وأحرم به، وفاته. ولو أخره عن الوقت المعين، فإن كان بغير عذر، لزمه قضاؤه؛ وإن كان بعذر، ففي لزوم القضاء القولان في الفوات، والله أعلم. قال: ومن نذر المضي إلى مكة أو إلى الكعبة- أي: وأطلق- لزمه قصدها_ لأن الله تعالى أوجب قصد ذلك والإتيان إليه؛ فلزم بالنذر كسائر القرب. قال: بحج أو عمرة؛ لأن مطلق كلام الناذرين محمول على ما ثبت له أصل في الشريعة؛ كمن نذر أن يصلي، تلزمه الصلاة المعهودة، وإن كانت الصلاة في اللغة الدعاء، والمعهود في الشريعة قصد مكة والكعبة بحج أو عمرة، فحمل نذره عليه؛ وهذا ما نص عليه الشافعي؛ كما قاله القاضي الحسين وغيره، وبه قال بعض المراوزة، كما حكاه القاضي. ونقل عن بعضهم- وبه قال أبو علي بن أبي هريرة؛ كما قاله الماوردي-: أن هذا إذا قلنا: إن دخول مكة يقتضي الإحرام، أما إذا قلنا: لا يقتضيه؛ ففي انعقاد نذره قولان؛ كما إذا نذر المضي إلى مسجد رسول الله ﷺ أو المسجد الأقصى؛ وهذا ما أورده القاضي الحسين في كتاب الحج، وقال الصيدلاني وغيره: إن إيجاب الحج أو العمرة عليه مفرع على القول بأن مطلق النذر يحمل على الواجب شرعاً. أما إذا قلنا: لا يحمل على الواجب شرعاً، انبنى على أن دخول مكة يقتضي إحراماً بحج أو عمرة أو لا؟ فإن قلنا: يقتضيه، فالأمر كذلك؛ وإن قلنا: لا يقتضيه، فهو كما لو نذر إتيان مسجد المدينة، أو المسجد الأقصى؛ فيكون في انعقاد نذره قولان. فإن صححناه، قال القاضي الحسين [هنا:] خرج عن موجب نذره بركعتين يصليهما في البيت الحرام، وقال في كتاب الحج: إنه يكون مخيراً: إن شاء طاف بالبيت، وإن شاء صلى ركعتين.

стр. 3926

وقال الرافعي: إنه يكون التفريع عليه كالتفريع على القول بانعقاد نذره بإتيان مسجد المدينة والمسجد الأقصى كما سنذكره، إلا أن من قال ثم: إنه يتعين عليه الاعتكاف [فيه]؛ لاختصاص الاعتكاف بالمسجد- قال بدله هاهنا: إنه يتعين عليه الحج أو العمرة؛ فإنهما يختصان بالحرم؛ وقد صرح به الإمام- أيضاً- ثم قال: ولو ذكر ذاكر الطواف المحرم، لم يعد. قلت: وهذا ما حكيته عن القاضي. والمخير ثَمَّ، يخير هاهنا بين النسك والاعتكاف والطواف والصلاة؛ وعلى ما حكاه الماوردي؛ ينضم إلى ذلك الصوم. وقد قال الماوردي: إن ما ذكره أبو علي من التخريج في الأصل الذي انبنى عليه هذا التفريع وإن كان محتملاً؛ فإنما يستعمل مع عدم النص، وقد نص الشافعي على وجوب إحرامه في النذر بحج أو عمرة؛ فلم يجز العدول عنه إلى تخريج ما يخالفه. والفرق بينه وبين سائر البقاع- كما ذكرنا- بخلاف غيره؛ وهذا الخلاف يجري فيما لو قال: لله علي أن أمضي إلى الصفا والمروة أو منى أو مسجد الخيف، أو إلى أي بقعة كانت من الحرم، بخلاف ما لو نذر المضي إلى مر الظهران، أو إلى الميقات، أو إلى عرفات، أو إلى أي موضع كان من الحل؛ فإنه لا يلزمه شيء. وقال الماوردي: لو قيل: ينعقد النذر في نذره المضي إلى عرفات، كان مذهباً، ويكون المنعقد بنذره الحج دون العمرة؛ لاختصاص عرفة بالحج؛ وهذا لأن قصده عرفة يجب بالشرع- فوجب بالنذر. ولا يطرد هذا في الميقات؛ لأنه لا يلزمه قصده شرعاً؛ لانعقاد الإحرام قبله وبعده. وحكى الإمام عن القاضي: أنه تردد جوابه في المسألة: فقال مرة: إنه يلزمه الحج؛ إذا أطلق إتيان عرفة، وهذا موافق لاحتمال الماوردي. وقال مرة: إن خطر له شهود عرفة في يوم عرفة، لزمه؛ كما لو نذر المضي إلى بيت الله الحرام. وإذا كان هذا مع خطور ذلك بباله؛ فمع تصريحه به في نذره بأن يقول: "لله علي

стр. 3927

أن آتي عرفة في يوم عرفة" أولى، وهو ما أورده القاضي في تعليقه. وقد نسب الرافعي القول بلزوم الحج عند التصريح في النذر بإتيان عرفة في يوم عرفة إلى ابن أبي هريرة، وأن في "التتمة" تقييده بما إذا قال: "يوم عرفة بعد الزوال"، والصحيح الأول، وهو الذي قطع به أئمتنا في الطرق. أما إذا قصد بنذره المضي إلى الكعبة، أو إلى مكة للحج أو العمرة، لزمه ما قصده بلا خلاف، بل لو قصد بنذره إتيان عرفة للحج لزمه؛ كما قاله الإمام. ولو قال: "لله علي أن أمضي إلى بيت الله الحرام، لا حاجاً، ولا معتمراً"- قال الأصحاب: ففي انعقاد نذره وجهان، أصلهما- كما قال البندنيجي تبعاً للشيخ أبي حامد- أن من نذر المشي إلى مسجد المدينة، أو المسجد الأقصى، هل ينعقد نذره أم لا؟ لأنه يأتيه لا حاجاً ولا معتمراً؛ كذلك هاهنا غير أن هاهنا متى [قلنا:] ينعقد نذره، لزمه أن يمضي بالنسك. قال ابن الصباغ: وليس يستقيم هذا البناء؛ لأن من يقول هاهنا: ينعقد نذره، يقول: يلغو قلوه: "لا حاجاً ولا معتمراً"، فلا يكون نذره خالياً من النسك. قلت: وما ذكره ابن الصباغ من الاعتراض إنما جاء لاعتقاده أن القائل بانعقاد النذر ولزوم الحج أو العمرة إنما صار إليه؛ لاعتقاده أن من نذر المضي إلى بيت الله الحرام، وأطلق- يلزمه الحج أو العمرة من غير بناء على شيء؛ كما هو الصحيح؛ فذلك إلغاء قوله: "لا حاجاً ولا معتمراً" كما وجهه القاضي أبو الطيب. ويجوز أن يكون هذا القائل إنما صار إلى ذلك؛ تفريعاً على أن دخول مكة يجوز بغير إحرام، وأن مطلق النذر يحمل على جائز الشرع، وأن من نذر المضي إلى مسجد المدينة أو المسجد الأقصى، يصح نذره، ويلزمه الاعتكاف فيه؛ لاختصاص الاعتكاف بالمسجد، ولم يتبع ظاهر النص في لزوم الحج والعمرة بمطلق نذر المضي إلى بيت الله الحرام، بل اتبع مذهب ابن أبي هريرة؛ فإن قضيةذلك صحة نذره، والتزامه الحج أو العمرة- كما تقدم- بناء على ألأصل المذكور؛ فلعل الشيخ اطلع على ذلك وحينئذ يندفع الاعتراض. وقد سلك الماوردي وغيره في المسألة طريقاً آخر، فقال في انعقاد نذره وجهين؛

стр. 3928

فإن صححناه، فهل يلغى الشرط أو يصح؟ فيه وجهان، فإن قلنا: يصح؛ لاتصاله بالنذر، فثلاثة أوجه: أحدها: يلزمه أن يصلي ركعتين هنالك؛ وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب. والثاني: أنه يلزمه أن يضم إلى قصد البيت عبادة من صلاة أو طواف أو صيام أو اعتكاف؛ ليصير القصد طاعة إذا اقترن بطاعة. والثالث: لا يلزمه ذلك؛ لأن قصد البيت طاعة، ومشاهدته قربة؛ وبذلك يحصل في المسألة خمسة أوجه: النذر باطل، النذر صحيح والشرط باطل، النذر والشرط باطل، النذر والشرط صحيحان وعليه فعل ركعتين، النذر والشرط صحيحان وعليه فعل عبادة، هما صحيحان وليس عليه غير القصد، والله أعلم. فرع: إذا قلنا: يلزمه المضي إلى مكة بحج أو عمرة، فهل يلزمه المشي؟ ينظر: إن كان قد صرح بالمشي، لزمه بناء على الصحيح في أنه إذا كان قد صرح بالمشي، لزمه؛ بناء على الصحيح في أنه إذا نذر الحج ماشياً يلزمه، ويكون ابتداؤه من دويرة أهله، وهل يلزمه الإحرام بالحج أو العمرة من دويرة أهله أو من الميقات؟ فيه وجهان. أحدهما: من دويرة أهله- أيضاً- لأنه لا قربة في المشي دون الإحرام؛ وهذا قول صاحب "الإفصاح"، وبعضهم ينسبه إلى أبي إسحاق. والثاني- وهو المشهور عن أبي إسحاق-: أنه يلزمه المشي من دويرة أهله، ويحرم من الميقات. قال في "البحر": فلا يختلف أصحابنا في وجوب المشي من دويرة أهله، واختلفوا في وقت الإحرام منها، والذي عليه عامة الأًحاب- وهو الصحيح؛ كما قال- الثاني، وما ذكره من الجزم بلزوم المشي من دويرة أهله، هو ما أورده الماوردي؛ لكن في "تعليق" البندنيجي: أنه إذا نذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام، كان عليه أن يأتيه ماشياً، ومن أين عليه أن يمشي؟ فيه وجهان [بناء] على الإحرام. ومن أين يلزمه أن يحرم؟ على وجهين: قال أبو إسحاق: من دويرة أهله؛ فعلى هذا يمشي من الميقات.

стр. 3929

والثاني- وهو المذهب-: وفي آخر مشيه ثلاثة أوجه حكاها [الماوردي]: أحدها: إذا وصل مكة أو الكعبة؛ بلفظ نذره. والثاني: إذا طاف بالبيت طواف القدوم؛ اعتباراً بأول قربة. والثالث: إذا أحل إحلاله الثاني: اعتباراً بكمال نسكه. ويجيء وجه رابع: إذا أحل التحلل الأول؛ كما ذكرنا مثله فيما إذا نذر الحج ماشياً. وإن لم يصرح بالمشي، بل اقتصر على لفظ المضي والذهاب، فعن "العدة": أنه يتعين عليه المشي أيضاً. والمذكور في "تعليق" القاضي أبي الطيب و"الحاوي" و"البحر": أنه يتخير بين الركوب والمشي؛ لأنه لم يذكر المشي. قال: وإن نذر المشي إلى بيت الله تعالى، ولم يقل: الحرام، أي: ولا نواه- لم يلزمه المشي على ظاهر المذهب، أي: المنصوص في "الأم"؛ كما قاله البندنيجي؛ لأن المساجد كلها بيوت الله- تعالى- وهذا ما صححه الإمام والرافعي وغيرهما. وقيل: يلزمه؛ لأن إطلاق البيت ينصرف إليه دون غيره؛ وهذا ما نقله المزني، واختاره في"المرشد". أما إذا نوى بيت الله الحرام، فهو كما لو صرح به. قال: وإن نذر المشي إلى مسجد رسول الله ﷺ أو إلى المسجد الأقصى- لزمه ذلك في أحد القولين؛ لأنه مسجد تشد الرحال إليه؛ كما نطق به الخبر الذي سنذكره، فلزم المشي إليه؛ كالمسجد الحرام؛ وهذا ما نص عليه في "البويطي"، وصرح أبو الطيب بأنه القديم، واختاره أبو إسحاق؛ كما قال في "البحر". والقول الآخر: لا يلزمه المشي؛ لما روى جابر أن رجلاً قال يوم الفتح: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين، فقال رسول الله ﷺ : "شأنك إذاً".

стр. 3930

ولأنه مسجد لا يلزم قصده بالنسك، ولا يضمن صيده؛ فأشبه سائر المساجد؛ وهذا ما نص عليه في "الأم"، ونقله المزني؛ ولأجل ذلك قال القاضي أبو الطيب: إنه الجديد، وأجاب به عامة أصحابنا؛ كما قال في "البحر". وقد أجاب من قال بالأول عن الحديث، بأن قوله- ﵇ "صل هاهنا"، أراد: في المسجد الحرام، وهو أفضل؛ فلا حجة فيه. قال في "البحر": وهذا التأويل خطأ؛ لأنه روي أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ : إني نذرت أن أصلي ركعتين في مسجد إيلاء- وهو المسجد الأقصى- فقال له رسول الله ﷺ : "صل في بيتك"، فأعاد السؤال، فقال: "أنت أعلم". التفريع: إن قلنا بالأول، فهل يلزمه إذا بلغ إليه ضم عبادة أم لا؟ فيه وجهان في "الحاوي"، وشرح الشيخ أبي علي: أحدهما: لا؛ لأنه لم يلزمه بنذره سواه، ويكون النذر مقصوراً على التبرك بقصده، والمشاهدة له. وقد اعترض الإمام على هذا، فقال: الصائر إليه ماذا يقول لو أتى باب المسجد وانصرف؟ إن قال: يكفيه ذلك، فقد أبعد؛ لأنه لا قربة فيه، بل هو قريب من العبث. وإن قال: يدخل المسجد، والدخول من غير اعتكاف وعبادة لا قربة فيه، بل نهي عن طروق المساجد لا لحاجة، والثاني- وهو الصحيح في الرافعي-: أنه يلزمه أن يضم إليه عبادة أخرى؛ وعلى هذا فماذا يلزمه من العبادة؟ فيه أوجه: أحدها: الصلاة؛ لأنه- ﵇ ميز المسجدين عن سائر المساجد بالصلاة، فقال: "صلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة في غيره، وصلاة في مسجد إيلاء تعدل ألف صلاة في غيره، وصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة في غيره"، وإذا كان التمييز بالصلاة، وجب أن يضم إلى الإتيان الصلاة؛ وعلى هذا يلزمه أن يأتي بركعتين؛ كما قاله القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم، وأبداه الإمام احتمالاً لنفسه، بعد أن قال: "والذي أراه: أنه لا يجب ركعتان قولاً واحداً، بل يكفي ركعة؛ لأن الصلاة غير مقصودة بالنذر في هذا الموضع".

стр. 3931

وهل يكفي أن يصلي هناك فريضة، أم لابد من صلاة زائدة؟ فيه وجهان حكاهما ابن كج عن أبي الحسين؛ بناء على الوجهين فيما لو نذر أن يعتكف شهراً بصوم، هل يجزئه أن يعتكف رمضان؟ والثاني: أنها الاعتكاف؛ فيلزمه أن يعتكف فيه ولو ساعة؛ لأن الاعتكاف أخص القرب بالمسجد، والصلاة لا تختص به. والثالث: أنه يتخير بينهما، قال الرافعي: وهو أشبه، والمذكور في "العدة"، وكذا في "التهذيب". وقال في مسجد المدينة: إنه يتخير بين أن يصلي فيه، أو يعتكف، أو يزور قبر رسول الله ﷺ . والاعتكاف بالزيارة هو المنقول عن الشيخ أبي علي. وتوقف فيه الإمام من جهة أن الزيارة لا تتعلق بالمسجد وتعظيمه. قال: وقياسه: أنه لو تصدق في المسجد أو صام يوماً كفاه، ثم قال: ويجوز أن يقال: الزيارة تنفصل عما ذكرناه؛ لوكن المرور في رقعة المسجد؛ فهو مختص من هذا الوجه. والرابع- حكاه في "الحاوي"-: أنه يتخير بين أن يصلي فيه، أو يعتكف، أو يصوم، والاعتكاف بالصوم، [و] يظهر أن يكون مفرعاً على أنه لو نذر الصوم في المسجد الحرام، يلزمه كالصلاة؛ كما نقل عن صاحب التلخيص. وقال الشيخ أبو زيد: إنه محتمل وإن كان بعيداً؛ لأن الحرم يختص بأشياء. والأصح: أنه لا يلزمه؛ لأن المكان لا حظ له فيه؛ ألا ترى أن الصوم الذي يجب بدلاً عن الهدي لا يختص بالحرم، وإن كان مبدله يختص به. وإن قلنا بالقول الثاني، لم يلزمه شيء؛ وعلى القولين يتخرج- أيضاً؛ كما قال القاضي أبو الطيب وغيره من العراقيين والماوردي- ما إذا قال: "لله علي أن آتي بيت المقدس" أو: "مسجد المدينة وأصلي فيه ركعتين"، فإن قلنا بالأول، لزمه أن يمضي

стр. 3932

إليه، ويصلي فيه ركعتين. وإن قلنا بالثاني، فإنه لا يلزمه المضي، ويصلي ركعتين في أي المواضع شاء. وقد حكى الإمام عن العراقيين وراء هذه الطريقة طريقة أخرى قاطعة بأنه تلزمه الصلاة فيه، وهي التي حكاها عن المراوزة لا غير؛ قياساً على ما لو نذر صلاة ركعتين في البيت الحرام؛ بجامع ما اشتركوا فيه من زيادة الأجر؛ قال ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة في غيره"؛ وهذه الطريقة هي المختارة في "المرشد". وقال الإمام- تفريعاً عليها-: إنه لو نذر الصلاة في مسجد المدينة، فهل تجزئه في المسجد الأقصى، وبالعكس؟ وجهان: المختار منهما في "المرشد": الإجزاء؛ كما لو صلاها في المسجد الحرام؛ فإنه يخرج عن موجب نذره؛ كما قال القاضي الحسين، وغيره نسب ذلك في كتاب الاعتكاف إلى نصه في البويطي. وقال الإمام: إنه يجزئ على الصحيح، وفيه شيء؛ أخذاً من الإلزام. قلت: ويتجه أن يكون في المسألة وجه ثالث فارق بين أن تكون المسافة بين المسجدين من مكانه متساوية في المشقة والرفق فتجزئه الصلاة في أحدهما عن الآخر، وبين أن تكون متفاوتة؛ فلا يجزئه الأخف عن الأثقل؛ أخذاً من قول الأصحاب فيما إذا نذر الجهاد في جهة، هل تتعين أو له أن يجاهد في جهة أخرى؟ وفيه ثلاثة أوجه، حكاها الإمام: أحدها: أنها تتعين، وهو مذهب صاحب التلخيص، ولم يحك في "البحر" غيره. والثاني: لا تتعين، ويخرج الناذر عن عهدة النذر بجهاد وإن قرب وسهل، وهو قول الشيخ أبي زيد. والثالث- وإليه ميل الشيخ أبي علي-: أن تلك الجهة لا تتعين، ولكن يخرج الناذر عن موجب نذره بالجهاد فيها أو في مثلها في المسافة والسهولة؛ كما قلنا في الميقات. وقد حكى ابن الصباغ وغيره في كتاب الاعتكاف عن النص في "البويطي": أنه إذا صلى في مسجد المدينة ما نذر صلاته في المسجد الأقصى، أجزأه، ولو انعكس الأمر لم يجزئه، ولم يورد الفوراني [والقاضي الحسين] سواه.

стр. 3933

ووجه ذلك: بأن مسجد المدينة أفضل من المسجد الأقصى؛ ولأجل ذلك صححه النواوي في "الروضة". ولا خلاف في أنه لو نذر صلاة ركعتين في المسجد الحرام، لا يجزئه فعلهما في غيره من المسجدين، ومن طريق الأولى: ألا يجزئه فعلهما في سائر المساجد. لكني [رأيت فيما] وقفت عليه من "تعليق" القاضي أبي الطيب: أنه لو نذر أن يصلي ركعتين في الكعبة، فإن قلنا: إنه ينعقد نذره، يلزمه المضي، وصلاة ركعتين فيه وإن قلنا: لا ينعقد نذره؛ فإنه يلزمه صلاة ركعتين في أي موضع شاء؛ وهذا لم أره في غيره، نعم: حكى مجلي عن المراوزة قولاً: أنه إذا نذر الاعتكاف في المسجد الحرام، لا يتعين عليه الاعتكاف فيه؛ وهذا يقوى بما ذكره القاضي. وقد قال القاضي: إن على القولين في مسألة الكتاب يخرج ما إذا نذر أن يمشي إلى قبر رسول الله ﷺ يعني: في لزوم المضي إلى مسجده ﷺ وفعل ما يجب عليه إذا نذر المضي إليه. وقد رأى ابن كج فيما إذا نذر أن يزور قبر النبي ﷺ : أنه يلزمه الوفاء به وجهاً واحداً، وأنه إذا نذر زيارة قبر غيره؛ ففي لزوم ذلك له عندي وجهان. فرع: إذا قلنا يلزم المضي إلى أحد المسجدين، فهل يجب عليه المشي إذا كانت صيغته: "لله علي أن أمشي"؟ قال في "التهذيب": إن قلنا فيما إذا نذر الحج ماشياً: يلزمه المشي من دويرة أهله، لزمه هاهنا، وإن قلنا: لا يلزمه المشي ثم، أو يلزمه من الميقات، فلا يلزمه هاهنا، وله أن يركب. وقال في "الحاوي": في لزوم المشي له وجهان: أحدهما: لا يجب، ويكون لفظ المشي محمولاً على القصد، فإن مشى أو ركب جاز، والمشي الذي صرح به أفضل. والثاني: أنه يجب، وهو الأظهر عند غيره؛ اعتباراً بصريح لفظه؛ وعلى هذا لو ركب؛ ففي إجزائه وجهان: أحدهما: لا يجزئه؛ إذا قيل: إن نذره مقصور على الوصول إليه؛ لأنه يصير المشي هو العبادة المقصودة، [و] عليه إعادة قصده إليه ماشياً.

стр. 3934

والثاني: يجزئه إذا قيل: إنه يلزمه بقصده فعل عبادة فيه؛ لأنه يصير المقصود بالنذر فعل العبادة فيه، ولا يلزمه أن يجبر ترك المشي بفدية، كما قيل في المضي إلى الحرم؛ لاختصاص الفدية بجبران الحج دون غيره من العبادات. قال: وإن نذر المشي إلى ما سواهما من المساجد، لم يلزمه المشي؛ لما روى مسلم والبخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجدي هذا، ومسجد الأقصى"؛ فبين ﷺ أن قصد غير المساجد الثلاثة لا قربة فيه مقصودة، وما لا يكون قربة وعبادة مقصودة، لا يلزم بالنذر، وما ذكره الشيخ مما لم يختلف فيه الأصحاب. قال الماوردي: ويخالف ما إذا نذر المضي إلى المسجد الأقصى ومسجد المدينة على أحد القولين؛ لأنهما كانا مقصودين في الشرع بعبادة واجبة.

стр. 3935

أما المسجد الأقصى، فقد كان في صدر الإسلام قبلة يصلى إليها، وأما مسجد المدينة فقد كان مقصوداً بوجوب الهجرة إليه؛ ففارقا ما عداهما من سائر مساجد الأمصار في حكم الشرع؛ ففارقاهما- أيضاً- في حكم النذر، وعلى هذا فرعان: أحدهما: هل يكره شد الرحال لغير المساجد الثلاثة؟ قال الإمام: كان شيخي يفتي بالمنع من شدها إليه، وربما كان يقول: يكره، وربما كان يقول: يحرم بعدما تظاهر النهي. وقال الشيخ أبو علي: لا يحرم، ولا يكره، والمقصود من الحديث بيان أن القربة المقصودة في قصد المساجد الثلاثة، وما عداها ليس في قصد أعيانها قربة؛ وهذا حسن لا يصح عندي غيره. الثاني: إذا نذر الصلاة في مسجد غير الثلاثة، انعقد نذره بالصلاة، ولم يتعين عليه الصلاة في المسجد الذي عينه في نذره، بل له أن يفعلها في بيته، وكذا في سوقه. قال ابن الصباغ: بخلاف ما لو نذر صوم يوم، فإنه يتعين صوم ذلك اليوم؛ لأن النذر مردود إلى أصل الشرع، وقد وجب الصوم في زمان بعينه، لا يجوز له في غيره؛ فكذلك إذا نذره، وليس كذلك الصلاة؛ فإنها لم تختص بمكان بعينه فيما وجب ابتداءً؛ كذلك النذر. فإن قلت: هذا الفرق يبطل بالاعتكاف؛ فإنه لو نذر الاعتكاف في مسجد، تعين؛ كما قاله القاضي الحسين جزماً، والفوراني وغيره وجهاً. قلت: المنقول في "الشامل" وغيره عدم تعين الاعتكاف- أيضاً- كما نقله في كتاب الاعتكاف، وهو قضية ما في "الحاوي"؛ حيث قال: "إذا نذر الاعتكاف في أحد المسجدين، وقلنا: لا يلزمه المضي إليه كغيره من المساجد، كان له أن يعتكف في أي مسجد شاء، وقد قال ذلك ابن الصباغ أيضاً، لكن الرافعي ادعى أن الصحيح في هذه الصورة اللزوم، وإن كان الصحيح عدم لزوم المضي إليهما.

стр. 3936

ثم على تقدير تسليم الحكم، فنقول: الشرع لما أوجب الصلاة، ولم يعين لها موضعاً، دل على أنه لم ينظر إليه؛ فلا يعتبر في النذر- أيضاً- والاعتكاف حيث شرعه خصه بمكان وهو المسجد؛ فجاز أن يخصه الناذر أيضاً؛ وهذا قد أشار إليه القاضي الحسين والفوراني، ثم وراء ما ذكرناه وجوه: أحدها: أنه إذا نذر أن يصلي ركعتين في مسجد، تعين عليه الصلاة فيه؛ حكاه في "الذخائر"، ونسبه القاضي أبو الطيب إلى قول أبي العباس بن القاص، [ثم قال: وسمعت أبا عبد الله الحسين يقول: هذا ليس بصحيح عن أبي العباس]. والثاني- حكاه مجلي أيضاً-: أن من أصحابنا من قال: إذا نذر الصلاة في الجامع تعين عليه. والثالث- حكاه في "البحر"-: أنه إذا نذر الصلاة في الجامع، له أن يصلي في مسجد وإن لم يكن جامعاً؛ وهذا يمكن أن يكون أخذ من قول القاضي الحسين؛ فإنه قال فيما إذا نذر الصلاة في الجامع، كان في خروجه عن موجب النذر بالصلاة في السوق إشكال؛ لأن الصلاة في الجامع أفضل من الصلاة في وسط السوق، ولو نذر أن يصلي ركعتين يقرأ في إحداهما سورة البقرة، وفي الأخرى آل عمران- لزمه ذلك؛ لأن طول القيام أفضل؛ فكذا هاهنا الصلاة في المسجد أفضل، والصحيح الأول، وما ادعاه القاضي من لزوم قراءة البقرة وآل عمران، لا يسلم عن النزاع؛ فإن في "النهاية" في كتاب الاعتكاف حكاية الخلاف فيها عن القفال؛ كالخلاف فيما لو نذر أن يعتكف صائماً؛ وعلى هذا لو نذر صلاة ركعتين في مسجد [في] الحرم: كمسجد الخيف، فهل يتعين عليه صلاتهما فيه؟

стр. 3937

قال الماوردي: ينظر: فإن كان من أهل مكة، لم يلزمه بهذا النذر أكثر من صلاة ركعتين؛ لأنه في الحرم الذي حرمته مشتركة، وعليه ينطبق قول الشيخ أبي محمد: إنه إذا نذر صلاة في الكعبة، فصلى في أطراف المسجد الحرام؛ خرج عن النذر، وأن الزيادة التي رويت في الحديث السابق: أن النبي ﷺ قال: "وصلاة في الكعبة [تعدل] مائة ألف صلاة في المسجد الحرام" لم يصححها الأثبات. وإن كان من أهل الحل، لزمه هذا النذر؛ كمن نذر المشي إلى الحرم، وفيما ينعقد [به] نذره وجهان: أحدهما: بما نذر من الصلاة في الحرم؛ إذا قيل: إنه يجوز له دخول الحرم بغير إحرام، وفي تعيين الصلاة في مسجد الخيف وجهان: أحدهما: لا تتعين، ويجوز أن يصليها في أي موضع شاء من الحرم؛ لأن حرمة جميع الحرم واحدة، والثاني: يتعين عليه فعلها في مسجد الخيف ولا تجزئه في غيره؛ اعتباراً بصريح نذره. والوجه الثاني في الأصل: أنه يلزمه بانعقاد نذره أن يحرم بحج أو عمرة؛ إذا قيل: [إنه] لا يجوز دخول الحرم إلا بإحرام؛ وعلى هذا في التزامه ما عقد نذره من الصلاة وجهان: أحدهما: لا يلزمه الصلاة؛ لأن الشرع قد نقل نذره إلى ما هو أعظم منه؛ فلم يجمع عليه بين بدل ومبدل. والثاني: أن فعل الصلاة لا يسقط؛ لأنه ملتزم لها بنذره، وملتزم للإحرام بالدخول؛ فلم يجمع عليه بين بدل ومبدل. قال: ومن نذر النحر بمكة؛ أي: بأن قال: "لله علي أن أنحر هذه الشاة أو البدنة بمكة" مقتصراً على ذلك- لزمه النحر بها؛ لأن النحر في الحرم قربة. قال القاضي الحسين: ولا يختص بيوم النحر، بل له أن ينحر في جميع الأوقات؛

стр. 3938

كدماء الجبرانات؛ وعليه ينطبق قول أبي الطيب: إن النحر قربة، وهو في الحرم في غير أيام النحر بمنزلة النحر في أيام النحر في غيره من البلاد. قال: وتفرقة اللحم على أهل الحرم- أي: من المساكين- كما قاله البندنيجي وغيره؛ لأن كل منحور في الحرم وقع نحره واجباً بالشرع، يجب تفرقته على من ذكرنا؛ فحمل مطلق كلام الناذر عليه؛ وهذا ما ادعى البندنيجي، وكذا ابن الصباغ: أنه المذهب. وحكى وجهاً آخر: أنه يلزمه النحر بها، وتفرقة اللحم حيث شاء؛ لأن النحر بها قربة، فإذا نذر لزم، ولم يلزم به ما لم يسمه في نذره؛ وهذا الخلاف لم يورد الأكثرون في المسألة غيره؛ كما أنهم لم يوردوا غيره فيما إذا قال: "لله علي أن أضحي بمكة". وبعضهم اقتصر في مسألة الكتاب على إيراد ما ذكره الشيخ، ومنهم القاضي أبو الطيب في التعليق، لكنه صور المسألة بما إذا نذر ذبح هدي في الحرم، والجمهور صوروها كما ذكر الشيخ، وعليها ينطبق لفظ المزني في "المختصر". وحكى الإمام فيها: أن بعض أصحابنا قال: لا يلزمه بهذا اللفظ شيء؛ فإنه لم يذكر الملتزم بعبارة معتبرة بالقربة، وإنما تثبت القربة بما هو عبارة عنها؛ وهذا ما حكاه القاضي الحسين بدلاً عن الوجه قبلة. ووجهه: بأن النحر مقصود، وتفرقة اللحم مقصودة، فإذا نذر أحدهما، لم يلزمه الآخر؛ وهذا ضعيف؛ لأن الذبح في الحرم إنما كان قربة حتى يكون اللحم مصروفاً إلى أهله، وإلا فلا إرب في اتخاذ الحرم مجازر ومذابح وهذا الوجه لا يجري فيما إذا قال: "لله علي أن أضحي بمكة"؛ لأن لفظ التضحية مصرح بالقربة؛ وكذا فيما إذا أتى بلفظ يدل على القربة؛ كما اقتضاه كلام الإمام. ولا خلاف في أنه إذا نذر النحر بمكة، وتفرقة اللحم على أهلها: أنه يلزمه النحر وتفرقة اللحم على أهل الحرم، فلو دفع إليهم ما نذر ذبحه حياً، لم يجزه. ولو نحر في غير الحرم، وفرق في الحرم، أو نحر في الحرم، وفرق على غير أهل الحرم- لم يجزه أيضاً، وكان مضموناً عليه. قال الماوردي: ولو طبخ اللحم، لم يجز، فإذا دفعه إليهم مطبوخاً، ضمن ما بين

стр. 3939

قيمته نيئاً ومطبوخاً؛ إن كان الطبخ قد نقص منه. ولو نذر النحر بالحرم، وتفرقة اللحم على غير أهله. قال الرافعي: وفَّى بما التزمه. وفي "الحاوي" أنه قد صار معيناً لمساكين غير الحرم؛ فلا يجوز أن يفرقه في مساكين الحرم، وفي وجوب نحره في الحرم قولان حكاهما ابن أبي هريرة: أحدهما: يجب نحره فيه؛ لانعقاد نذره مع اختصاص الحرم بقربة النحر. والثاني: لا يجب النحر فيه؛ اعتباراً بمستحقي لحمه، ويستحب له النحر بالحرم؛ إن وصل إليهم اللحم طرياً، ولا يستحب؛ إن لم يصل إليهم طرياً. ولو نذر النحر في غير الحرم، وتفرقة اللحم في مكة- قال في "التتمة": فالذبح خارج الحرم لا قربة فيه؛ فيذبح حيث شاء، ويلزمه تفرقة اللحم في الحرم، وكأنه نذر أن يهدي إلى "مكة" لحماً، وفيه شيء، سأذكره من بعد. فرع: إذا قال: "لله علي أن أذبح بأفضل البلاد"، فهو كما لو نذر النحر بـ"مكة"؛ لأنها أفضل البلاد؛ قاله في"المرشد" و"التهذيب". تنبيه: في قول الشيخ: "ومن نذر النحر بمكة، لزمه النحر بها، وتفرقة اللحم على أهل الحرم" ما يعرفك أن لفظ [مكة] في هذا المقام قائم مقام لفظ الحرم؛ لأن الحرمة شاملة لجملته، وإلا لما جاز صرف اللحم لمن هو خارج مكة من أهل الحرم، ومنه يؤخذ أنه لو نحر خارج مكة في الحرم جاز؛ لقوله- ﵇ وهو بمنى: "هذا المنحر". قال: ومن نذر [النحر] والتفرقة في بلد آخر، لزمه، أي: النحر بها، والتفرقة على أهلها؛ كما لو نذر النحر بمكة، وتفرقة اللحم على أهلها. قال في "الحاوي": ويصرف ذلك إلى الفقراء والمساكين، دون [الأغنياء]

стр. 3940

لاختصاصهم بالقرب، [وجاز أن يصرف في ستة أصناف من مستحقي الزكاة، وهم: الفقراء، والمساكين، والرقاب]، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل. وقيل: لا يلزمه النحر بها وإن دخل في نذره؛ لأنه ليس للذبح في غير الحرم قربة، بخلاف مكة؛ فإن النحر بها قربة؛ لاختصاصها بنحر الهدايا، نعم: يستحب له النحر بها، ويلزمه تفرقة اللحم على مساكين تلك البلد؛ وهذا ما أورده أبو الطيب، وكذا البغوي وشيخه وجماعة؛ كما قال الرافعي؛ حيث قالوا: لو أراد الذبح بالقرب منها، ونقل اللحم غضاً طرياً، [جاز]. قال الماوردي: وقد توافق الوجهان على تعين مساكين تلك البلد للتفرقة، وهو ما حكاه الرافعي عن الأكثرين، وهما جاريان فيما لو نذر التضحية ببلد معين غير الحرم، وصرح في نذره بتفرقة اللحم على أهلها. وسلك الإمام طريقاً آخر، فقال: في تعينهم قولان مأخوذان من تفرقة الصدقة ونقلها، فإن لم نجوز نقل الصدقة، لم يجز التفرقة في غيره؛ لعرف الشرع ونذره. وإن جوزنا نقل الصدقة ففي جواوز صرف اللحم لغير من في البلد المعينة وجهان: وجه الجواز: أن المنذور يلحق بحقوق الله تعالى، وليس لمن تلزمه حقوق الله تعالى تحكم فيها، ولأنه لا قربة في تخصيص أهل بلد غير الحرم بالصدقة؛ فكان ذكره لغواً، ويخالف الحرم؛ فإن للقرب فيه مزية على غيره، وهو مختص بالهدايا. قال: وتعين الفقراء فيما إذا قال: "لله علي أن أتصدق على زيد هذا" وكان فقيرا، يخرج على تعين أهل البلد، والمعزي إلى فتاوي القفال تعينه؛ حتى لو لم يقبل، لا يلزم الناذر شيء، وهل له مطالبة الناذر بعد وجود ما علق عليه النذر؟ في الرافعي: [أنه] يحتمل أن يقال: نعم [كما] لو نذر إعتاق عبدٍ معين؛ إن شفى الله مريضه، فشفاه الله؛ فإن له المطالبة بالإعتاق؛ كما لو وجبت الزكاة، والمستحقون في البلد محصورون، لهم المطالبة. ثم مهما أبطلنا تقييده، فقد يخطر للفقيه: أن النذر يبطل، ويعارضه أن الشرط يبطل، والقربة تثبت.

стр. 3941

ويجوز أن يقال: لا يثبت النذر، لا لفساده بفساد شرط مقترن به، ولكن لأن ما التزمه لم يلزمه، وهو لم يلتزم إلا التصدق على أهل البلد التي عينها، أو على زيد. ثم إذا قلنا: لا يتعين أهل تلك البلد للتفرقة، فلا يتعين [البلد] لإراقة الدم. وإن قلنا: يتعينون، فهل يتعين البلد للإراقة؟ فيه وجهان: أحدهما: يتعين. والثاني: لا، حتى لو أراق الدم بالقرب، ونقل اللحم غضاً طرياً- جاز. قال: وإن نذر النحر وحده، أي: في بلد آخر بأن قال: "لله علي أن أنحر هذه الشاة- أو هذه البدنة- بالبصرة مثلاً"، فقد قيل: يلزمه النحر والتفرقة؛ لأن النحر على وجه القربة لا يكون إلا بالتفرقة، فإذا نذر النحر تضمن التفرقة؛ فصار كما لو نذرها. وقد روي أن رجلاً نذر أن ينحر إبلاً في موضع سماه، فقال رسول الله ﷺ : "هل كان فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ " قال: لا، قال: "هل كان فيه عيد من أعيادهم؟ " فقال: لا، فقال رسول الله ﷺ : "أوف بنذرك". وعلى هذا يجيء ما ذكرناه في الصورة السابقة، صرح به الرافعي؛ وهذا الطريق يشهد له ظاهر لفظ المزني، وقد اختاره أبو إسحاق وصاحب "المرشد" وغيره؛ كما سنذكره. وقيل: لا يلزمه أي شيء، بل يلغو نذره؛ لأن النحر وحده في غير الحرم لا قربة فيه، وهو لم يلتزم التفرقة؛ فلم تلزمه؛ وهذا ما نص عليه في "الأم"، وصححه النواوي؛ تبعاً للرافعي والروياني وغيرهم، وهو قول المعتبرين؛ كما قال الإمام، ونسبوا المزني إلى الغلط في النقل. وقال القاضي أبو الطيب: إنه ليس بصحيح؛ لأن ما ليس بواجب إذا لم يمكن الوصول إلى الواجب إلا به صار ذلك الشيء واجباً؛ كما نقول في غسل الوجه، والسعي إلى الجمعة، وغير ذلك. وحكى الماوردي في هذه الصورة ثلاثة أوجه:

стр. 3942

أحدها: أنه يلزمه النحر بالبصرة [وتفرقة اللحم على أهلها]؛ اعتباراً بالنذر والعرف. والثاني: يلزمه تفرقة اللحم بالبصرة، ويجوز له النحر في غيرها؛ اعتباراً بالعرف دون النذر، لأنه لا فضيلة في تعينها بالنذر. والثالث: يلزمه النحر بالبصرة، وله تفرقة اللحم حيث شاء؛ اعتباراً بالنذر دون العرف. وإنما لم يجيء هذا الوجه في المسألة قبل هذه في الكتاب؛ لأن صاحب هذا الوجه متبع لصيغة النذر، وصيغة نذره فيها مصرحة بلزوم النحر والتفرقة بها؛ فيشبه أن يكون هو القائل فيها بلزوم النحر والتفرقة بها، نعم: يظهر مجيئه فيما لو نذر النحر خارج الحرم، وتفرقة اللحم في الحرم؛ نظراً لنذره. فإن قلت: لو صح ذلك، لامتنع أن يجزئه الذبح في الحرم مع أنه أفضل من الذبح في غيره. قلت: لا يمتنع ذلك؛ لأن من نذر صلاة في المسجد الأقصى أو مسجد المدينة، وقلنا بصحة النذر، وتعين ما نذره، إذا صلى في المسجد الحرام، أجزأه؛ لزيادة الفضيلة؛ كما تقدم؛ فكذلك نقول هاهنا. ثم الوجهان المذكوران في الكتاب في الصورة الأخيرة جاريان- كما صرح الرافعي وغيره- فيما إذا قال: "لله علي أن أنحر هذه الشاة، أو هذه البدنة"، ولم يتعرض للتفرقة، ولا لكون النحر في موضع معين بلفظه ولا بنيته، وأصحهما: عدم اللزوم أيضاً، نعم: لو قال: "لله علي أن أذبح هذه الشاة، وأفرق لحمها"، ولم يعين له موضعاً- لزمه الذبح، والتفرقة جزماً، وهل يتعين موضعه للتفرقة، أم يستحب، وله الصرف في أي موضع شاء؟ قال الماوردي: فيه قولان مبنيان على اختلاف قولي الشافعي في زكاة المال، هل يكون صرفها في بلد المال مستحقاً أو مستحباً؟ وفيه قولان: فإن قلنا بالأول، لزمه التفرقة على مساكين بلده، وهل يلزمه الذبح بها؟ فيه وجهان، ولا يخفى أن الوجهين في مسألة الكتاب مفرعان على المذهب فيما لو نذر

стр. 3943

النحر بمكة: أنه يلزمه النحر والتفرقة [بها]. أما من قال: لا يلزمه ثم، فهو هاهنا جازم بعدم الوجوب. فرع: لو قال: "لله علي أن أضحي بنيسابور"، ولم يتعرض لتفرقة اللحم بها، وفرعنا على أنه لو قيد النذر بالتفرقة بتلك البلد، لوجب الوفاء بموجب تقييده، فهل يتضمن إضافة التضحية تفرقة اللحم على التخصيص؟ قال بعض أصحابنا: تضمن ذلك تخصيص أهل البلدة بالتفرقة؛ وعلى هذا هل تتعين البقعة للتضحية وإراقة الدم؟ على ما ذكرنا من الوجهين. قال الإمام: فإن قيل: كيف يثبت التضمن، ولم يثبت اللفظ المصرح به؟ يعني: كيف يثبت تعين أهلها بالتضمن، ولم يثبت تعين البلدة للنحر، وقد عينها؟ قلنا: لأن تفرقة اللحم على أهل بقعة مستندة إلى أصل في الشريعة، والتضحية في غير الحرم لا أصل لها، ومن خصص التضحية بها فلا محمل لتخصيصها إلا ابتغاء طراوة اللحم إذا فرق. فإن صور مصور إخراجاً ونقلاً على القرب، أجبنا عنه بقاعدة الحسم في أمثال ذلك. وقال بعضهم: لا يتعين أهل البقعة، والله أعلم. قال: ومن نذر أن يهدي شيئاً معيناً إلى الحرم، أي: مثل أن قال: "لله علي أن أهدي هذا إلى الحرم؛ إن شفى الله مريضي" فشفاه الله، أو قال: "لله علي أن أهدي هذا" وقلنا: يلزمه ذلك على أصح الوجهين. قال: نقله إليه؛ إن كان مما ينقل، أي: كالأثمان، والمتاع، والحيوان؛ لتخصيصه الحرم بذلك، وتعلق القربة به. قال القاضي الحسين: ومؤنة النقل عليه، وكذا علفه إلى أن يصل إن كان حيواناً؛ كما قاله الماوردي أيضاً؛ وهذا بخلاف ما لو قال: "جعلت هذا هدياً إلى الكعبة"، لا يلزمه المؤنة، بل يباع منه شيء بقدر المؤنة؛ قاله الفوراني وغيره، وفي "البحر" نسبة هذا إلى القفال. قال الرافعي: وقد أطلق مطلقون: أن المؤن في ماله، فإن لم يكن له مال بيع منه ما

стр. 3944

يكفي المؤنة، ثم إذا حصل المنذور في الحرم، نظر فيه: فإن كان حيواناً يجزئ في الأضحية، وجب على الناذر ذبحه، وتفرقته على فقراء الحرم ومساكينه، لكن هل يجب الذبح في الحرم؟ فيه وجهان: أصحهما: الوجوب. والثاني: لا يجب؛ إذا أمكن نقل اللحم إليه غضاً طرياً، وقد تقدم مثلهما. وإن كان لا يجزئ في الأضحية؛ لكونه من غير النعم، لم يلزمه الذبح، ولكن يتصدق به حياً؛ فإن الذبح ينقصه، وليس فيه قربة فلو ذبحه، قال في "البحر": تصدق باللحم، وغرم ما نقص بالذبح. وفي "التتمة" وجه آخر: أنه يلزمه الذبح. وإن كان من النعم، ولكنه لا يجزئ في الأضحية؛ لعيب فيه، فهل يكون كالسابق حتى لا ينحر بل يتصدق به حياً على الأصح، أو يلزمه النحر؟ فيه تردد للأصحاب: والظاهر في الرافعي منع الذبح. ولو كان المنذور غير حيوان، تصدق به على فقراء الحرم ومساكينه عند إطلاق النذر. وفي الرافعي حكاية وجه عن رواية ابن كج: أنهم لا يتعينون. والمشهور: التعين. ومن طريق الأولى إذا صرح في نذره بالصدقة عليهم أو نواها، لكن هل يجوز صرف ذلك لذوي القربى؟ فيه وجهان في "الحاوي". أحدهما: لا؛ لوجوبه؛ كالزكوات، والكفارات. والثاني: نعم؛ لأنه تطوع بنذره؛ فأشبه تطوع الصدقات. قال الإمام: وفي بعض التصانيف: أنه إذا أطلق نذر هدي الثوب إلى الحرم، وكان صالحاً للستر، حمل مطلق نذره على ستر الكعبة، وهذا كلام سخيف، لا أصل له، ولا اعتداد به. وفي "البحر": أن بعض أصحابنا بـ"خراسان" قال عند الإطلاق- والمنذور هدية ثوب أو طيب-: إنه يتخير الناذر بين أن يصرف ذلك للفقراء، وبين أن يستر به الكعبة،

стр. 3945

أو يطيبها به، وهو غلط. ولا خلاف في أنه لو نوى ذلك [بنذره] لزمه، وهو ما نص عليه الشافعي؛ لأن ذلك من جملة القربات، وفي اعتبار الناس ذلك في العصر الخالية وعدم النكير من علماء الشريعة ما يوضح ذلك. قال الإمام: وفي بعض ألفاظ الرسول- ﵇ ما يدل عليه؛ فإنه قال: "إن لهذا البيت ستراً". ولو كان قد نوى بما نذر هديه: أن يخص به الكعبة؛ فلا يصرف للمساكين أيضاً، ثم إن كان ثوباً، كساها به، وجعله ستراً عليها، وإن كان طيباً، جعله طيباً لها، وإن كان شمعاً أشعله فيها، وإن كان دهناً، جعله لمصابيحها، وإن كان من صنوف المتاع الذي لا يستعمل في الكعبة، باعه، وصرف ثمنه في مصالحها؛ قاله الماوردي. قال: وإن لم يمكن نقله، أي: كالأرض، والدار، وكذا حجر الرحا ونحوه – كما قاله القاضي الحسين وغيره- باعه، ونقل ثمنه؛ لأن العين لما تعذر نقلها، كان النذر في الحقيقة متعلقاً ببدلها، لا بعينها وقد روي أن ابن عمر- ﵁ سئل عن امرأة نذرت أن تهدي داراً، فقال: تبيعها وتتصدق بثمنها على مساكين الحرم. فلو أراد الناذر ألا يبيع ذلك، ويدفع قيمته، قال في "الحاوي": ففيه وجهان مخرجان من اختلاف قول الشافعي في العبد الجاني، هل يفتديه السيد بقيمته أو بثمنه؟ على قولين: أحدهما: يفتديه بقيمته؛ فعلى هذا يجوز للناذر أن يصرف قيمته إليهم وإن لم يبعه. والقول الثاني: أن عليه أن يبيع العبد الجاني؛ لجواز ابتياعه بأكثر من قيمته؛ فعلى هذا يلزمه بيعه؛ لجواز أن يرغب فيه من يشتريه بأكثر من قيمته. ولو أراد أن يأخذه بالثمن المبذول جاز. وما ذكره الشيخ من البيع في هذه الحالة هو المذهب في "تعليق" القاضي أبي الطيب. وقال: إنه سمع الماسرجسي يقول: سئل ابن مهران عن هذه المسألة، فقال: يؤجر، وتنقل الأجرة، فأخطأ ثم رجع عن ذلك؛ لأن الأجرة ليست بدلاً عن العين، وإنما هي

стр. 3946

بدل المنفعة، ولا شك في أن منفعة ذلك قبل البيع تصرف حيث يصرف ثمن العين، وكذا الثمرة الحادثة بعد لزوم الوفاء بالنذر، والكلام في المصرف كما تقدم. واعلم أن [المفهوم] من كلام الشيخ منع بيع ما يمكن نقله، وهو الذي أورده الإمام؛ حكاية عن الأئمة، وقال: إنه قياس المذهب، لتعلق لفظ الإهداء بعينه، وإمكان التصدق به، ولو فرض عسر التصدق بعينه، وعدم تأتي جمع المساكين وتسليم العين إليهم فهذا بمثابة ما لو فرض ذلك في الزكاة؛ فلا يعدل عن العين. وفي "الحاوي" فيما إذا كان المنذور مما لا يمكن تعميم نفعه إذا فرقه على المساكين، وقد تعينوا للصرف: كاللؤلؤ، والجواهر، والثوب الواحد، وكذا الطيب، والصيدلة- باعه، وفرق ثمنه عليهم، لكن هل يباع في الحرم بعد النقل أو في موضع النذر؟ يظهر أن يقال: إن كانت قيمته في الموضعين سواء، يخير فيه، وإن كانت قيمته في بلد النذر أكبر، باعه فيها، وإن كانت في الحرم أكثر تعين النقل والبيع فيه. وهل له إمساكه لنفسه بالقيمة؟ فيه الوجهان السابقان؛ صرح بهما الماوردي. فرع: لو قال: "لله علي أن أهدي هذا"، ولم يقل: "إلى الحرم"، ولا نية له، فهل ينزل منزلة قوله: "لله علي أن أجعل هذا هدياً"؛ حتى يصح، ويجب نقله إلى الحرم؛ إن كان مما ينقل، أو ثمنه، أو لا يصح؟ قال الماوردي: فيه وجهان؛ لأنه تعارض فيه عرف الشرع: وهو أن يكون هدياً، وعرف اللفظ: وهو أن يكون هدية بين المتواصلين. قال: وإن نذر الهدي، وأطلق، أي: مثل أن قال: "لله علي أن أهدي الهدي"، ولم يسم شيئاً- لزمه الجذع من الضأن أو الثني من المعز أو الإبل أو البقر؛ لأن مطلق كلام الناذر يحمل على معهود الشرع؛ بدليل ما لو نذر الصلاة؛ فإنه يلزمه الصلاة الشرعية دون اللغوية، والهدي المعهود فيه ما ذكرناه؛ فحمل إطلاقه عليه، وقد تقدم بيان سن الجذع من الضأن، والثني مما سواه، ويعتبر مع ذلك سلامته من العيوب المانعة من الإجزاء في الأضحية، ويجب على الناذر والحالة هذه تبليغ الهدي إلى الحرم؛ لأن الهدي المطلق هو الذي محله؛ قال الله تعالى: ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]؛ قاله في "الشامل" وغيره، وللقاضي الحسين احتمال فيه؛ بناء

стр. 3947

على أن مطلق النذر ينزل على جائز الشرع. واعلم: أن ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا يجزئه إخراج سبع ثنية من الإبل والبقر؛ لأنه حصر اللازم في جذعة من الضأن، وثنية من المعز والبقر والإبل. وقد قال ابن الصباغ وغيره: إن الهدي على ضربين: أعلى، وأدنى؛ فالأعلى: البقرة والبدنة، والأدنى: شاة أو سبع بقرة أو بدنة، فمن وجب عليه هدي، فهو مخير بين أن يهدي الأعلى وبين أن يهدي الأدنى، فإن أهدى الأعلى، فهل يكون واجباً كله أو سبعه؟ فيه وجهان. وأبلغ من ذلك ما حكاه القاضي الحسين فيما إذا نذر هدياً، وسمى شاة: أنه يجزئه أن يعطي سبع بدنة أو بقرة، ويأخذ ستة أسباعها لحماً لنفسه. ولو أخرج كل البدنة عن الشاة، فما الواجب [منها؟] فيه الوجهان. قال: وإن نذر أن يهدي، أي: مثل أن قال: "لله علي أن أهدي"، أو: "أن أهدي هدياً" كما ذكره البندنيجي وصاحب "البحر"، ولم يكن له نية- لزمه ما ذكرناه في أحد القولين؛ لأنه عند الإطلاق ينصرف إليه عرفاً؛ وهذا ما نص عليه في "الأم"؛ كما قال الماوردي، وهو الجديد. والصحيح عند النواوي وفي "الحاوي" حكاية وجه آخر- تفريعاً على أنه يتعين عليه بدنة أو بقرة أو شاة-: أنه لا يعتبر السن المعتبر في الضحايا، وكذا السلامة من العيوب. قال: وما يقع عليه الاسم في القول الآخر، أي: ولو لم يميزه أو ينصه؛ عملاً بإطلاق لفظه؛ فإن الهدي يقع على ذلك كله؛ قال الله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ إلى قوله: ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [البقرة: ٩٥]، فسمى بدل العصفور الذي قتله وغيره هدياً. ولأنه مشتق من الهدية، وهي تقع على القليل والكثير، وهذا ما نص عليه في "الإملاء" من الحج والأيمان والنذر. وفي "الحاوي" حكاية وجه آخر تفريعاً على هذا القول-: أنه لا يجزئه إلا ما يجوز أن يكون ثمناً لمبيع حتى لا تجزئه التمرة؛ فإنها لا تكون ثمناً ولا مبيعاً.

стр. 3948

قال: وقائله يقول ما ذكره الشافعي من إجزاء التمرة، قاله على سبيل المبالغة. ثم على هذا القول، فالفرق بين هذه المسألة والتي قبلها: أن هناك قد أدخل الألف واللام في لفظه، وهما يدخلان لجنس أو معهود، فلما لم ينصرفا إلى عموم الجنس، انصرفا إلى معهود الشرع، وهو الضحايا، وهاهنا نكرة، والمنكر يقع على القليل والكثير، وهذا الفرق قاله الشيخ أبو حامد ومن تبعه؛ لاعتقادهم أن المسألة الأولى لا خلاف فيها؛ كما حكاه القاضي الحسين ومجلي. وقال في "الحاوي": إن سائر أصحابنا ذهبوا إلى استواء الحكم في الصورتين. أما إذا كانت له نية بأن قال: "لله علي أن أهدي هدياً"، ونوى بهيمة، أو جدياً، أو رضيعاً- فقد قال في [الأم كما حكاه] في "البحر": إنه يجزئ كما لو نذر أن يهدي شاة عرجاء، أو عوراء، وما لا يجزئ في الأضحية. قال الشافعي: لأن [كل] هذا هدي؛ ألا ترى إلى قوله- تعالى-: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً﴾ [المائدة: ٩٥]، [وقد يقتل صغيراً، أو أعرج، أو أعور، ويجزئه مثله]. وقد فرع الأصحاب على القولين في مسألة الكتاب فرعين: أحدهما: قال ابن الصباغ: إذا قال: "لله عليه أن أهدي بدنة، أو بقرة، أو شاة"، فإن قلنا: إنه إذا أطلق، لزمه ما يجزئ في الهدي، وجب عليه بدنة، أو بقرة تجزئ. وإن قلنا: يجزئه أي شيء أخرجه، أجزأه أي بدنة كانت، أو أي بقرة كانت. وفي "النهاية" حكاية الخلاف المذكور عن العراقيين فيما إذا قال: "لله علي أن أضحي ببعير أو شاة أو بقرة"، فقال: إن الذي ذهب إليه المحققون أن مطلق ذلك محمول على الذي يجزئ في الأضحية. وذكر العراقيون هذا ووجهاً آخر، وهو أن اللفظ يتنزل على الاسم، ولا يشترط السن، ولا السلامة. نعم: لا يجزئ الحوار ولا الفصيل، ولا يقبل الفحل، والمذكور البقرة، كما لا يقبل السخلة، والمذكور الشاة. قلت: وهذا فيه نظر؛ لأن التضحية تسمية شرعية مخصوصة بنوع خاص؛ فينبغي أن يحمل نذره عليه جزماً؛ إذ لا معهود لها في العرف غير ذلك، ولا في اللغة حتى

стр. 3949

يعارض المألو شرعاً، ويقع الترجيح، وليس كقوله: "أهدي"؛ لأن ذلك يصدق لغة على الهدية، نعم: الخلاف المشهور فيما إذا قال: "لله علي أن أضحي بشاة عرجاء أو عجفاء أو بفصيل"، فهل يلزمه ذبحه، أو ذبح غيره، أو لا يلزمه شيء؟ وفيه ثلاثة أوجه أحدها: لا يلزمه شيء. والثاني: يلزمه ما التزمه، ولا يلزمه غيره، وهو الذي يقتضي نظم الغزالي في كتاب الأضحية ترجيحه. والثالث: يلزمه صحيحه، والسن الذي يجزئ. الفرع الثاني: قال الإمام: هل يجب على الناذر تبليغ ما لزمه بهذا النذر الحرم؟ إن قلنا بالقول الأول، فالذي ذهب إليه الأكثرون الوجوب؛ وهذا ما حكاه ابن الصباغ وغيره في باب الهدي من كتاب الحج. وفي كلام بعض الأصحاب ما يشير إلى أنه لا [يجب] تبليغ المنذور الحرم على هذا القول ما لم يصرح به؛ فإن دماء الجبرانات هي الواجبة شرعاً ولا يجب تبليغها الحرم. قال الإمام: وهذا وهم؛ فإنا لا ننظر إلى الواجب شرعاً، وإنما ننظر إلى اللفظ الشائع في الشرع، والهدي ظاهر في ألفاظ الشرع في اقتضاء التبليغ إلى "مكة". وإن قلنا بالقول الثاني، قال ابن الصباغ: فهل يتعين تفريقه على فقراء الحرم ومساكينه، أم له صرفه في أي موضع شاء؟ فيه وجهان: أصحهما في "الحاوي" الأول. وقال الإمام: قطع الأصحاب بأنه لا يجب تبليغه "مكة"، وكان شيخي في دروسه يقطع بأنه يجب تبليغه مكة؛ وهذا تناقض؛ فإنا إذا لم نعتبر جنس النعم في الهدي؛ فلأن لا يتعين التبليغ- وهو تابع – أولى؛ فلا اعتداد بهذا. قال: وإن نذر بدنة في الذمة؛ أي: ولم ينو بذلك أن تكون من الإبل ولا غيره، بل أطلق- لزمه ما نذر، أي: وهو البدنة من الإبل؛ لأنه المفهوم من اللفظ، والحيوان يثبت في الذمة؛ فاندرج تحت قوله ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه".

стр. 3950

قال: فإن أعوزه الإبل، أخرج بقرة؛ وإن أعوزه البقر، أخرج سبعاً من الغنم؛ لأن ذلك يقوم مقام البدنة في الشرع؛ فحمل النذر عليه عند العجز؛ وهذا هو المنصوص، والذي صححه القاضي الحسين وغيره، وقال به عامة الأصحاب؛ كما قال في "البحر"؛ وعلى هذا لو عدم الجميع لم يجز أن يعدل إلى الإطعام وإن كان في الشرع بدل منها؛ لانتفاء اسم البدنة عنه، ونحن نراعي في النذر عرف الشرع مع وجود الاسم إما حقيقة أو مجازاً؛ لتكون معانيها تبعاً لها، وإن كانت في الشرع تبعاً لمعانيها؛ ألا ترى أنه لو نذر عتق عبد فعدمه، لم يعدل عنه إلى الصيام وإن كان بدلاً من العتق في الكفارات. وقيل: هو مخير بين الثلاثة؛ لأن الشرع أقام البقرة والسبع من الغنم مقام البدنة؛ فجاز أن يتخير فيها، ولأن إطلاق الناذر يحمل على معهود الشرع، والبدنة المعهودة في الشرع تكون من الإبل، وتكون من البقر، وتكون سبعاً من الغنم؛ قال الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦]، والمراد به هذا- كما قال القاضي الحسين- فخير فيه. والإمام والقاضي الماوردي استدلا بالآية على أن إطلاق البدنة منطلق على الإبل لا غير. قال القاضي أبو الطيب وغيره من العراقيين: وأصل هذين الوجهين ما إذا فسد حجه؛ فإنه يجب عليه بدنة، وهل تكون مرتبة أو مخيراً فيها؟ على وجهين؛ كذا في مسألتنا. قال الطبري في "العدة": وهذا إذا قلنا: إن مطلق النذر يحمل على المعهود في الشرع، فأما إذا قلنا بالقول الآخر؛ فلا تجزئ فيه البقرة، ولا السبع من الغنم؛ لأن اسم البدنة من جهة اللسان غير واقع على هذين الجنسين. وعلى هذا يبقى في ذمته إلى أن يقدر. وما ذكره في منازعة تظهر لك كما ذكرناه في باب كفارات الإحرام.

стр. 3951

فرع: هل يجزئ في البدنة والبقرة والسبع من الغنم ما يقع عليه الاسم، أو يراعى في ذلك شروط الأضاحي في السن والسلامة من العيوب؟ فيه وجهان في "الحاوي"، وهما محكيان في "النهاية" عن العراقيين، والمنصوص في "المختصر" منهما الثاني، وقال: إنه يجزئ فيها الخصي، قال في "المرشد": لأن لحمه أرطب، وأوفر. ولا فرق في إجزاء الإبل بين الذكر والأنثى. أما إذا قصد بالبدنة البدنة من الإبل، لم يجز الوجه الثاني جزماً؛ كما صرح به من المراوزة الفوراني، ومن العراقيين البندنيجي وأبو الطيب وابن الصباغ؛ تبعاً للشيخ أبي حامد، بل يتعين إخراج البدنة من الإبل عند القدرة. قال في "البحر": وقيل هذا إذا كان مراده: ألا يتقرب إلا بالبدنة دون البقر والغنم، وهو ضعيف. وعلى الأول إذا عجز عن البدنة، هل يجوز له العدول عنها إلى شيء آخر، أم تبقى في ذمته إلى أن يجدها؟ فيه وجان حكاهما البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما: أحدهما: الإبل تبقى في ذمته إلى أن يجدها؛ لأن نذره تعين فيها؛ فأشبه ما لو نذر عتق عبد فتعذر، لا يجوز أن يعدل إلى الصيام وإن كان الشرع قد عدل إليه في الكفارات. والثاني- وهو المنصوص، والصحيح في المذهب، ولم يحك القاضي أبو الطيب سواه-: أنه يجوز؛ لأنه وإن عينها، فإنما تعين هدياً شرعياً، والهدي الشرعي له بدل؛ فعلى هذا ما الذي يعدل إليه؟ أطلق البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما القول بأنه يعدل إلى البقر، وسكتوا عن العدول إلى الشاة، وهو ما في "المختصر". وقال في "البحر": إن أصحابنا قالوا: إنه يتخير بين البقر والغنم، وهو ظاهر كلام الإمام. وفي "الحاوي"، و"تعليق" أبي الطيب، وكتاب ابن كج، و"التتمة": أن يتنقل إلى البقر، فإن عجز عن البقر انتقل إلى الغنم، وعلى كل حال فإذا عدل إلى بقرة في هذه الحالة، فهل يعتبر أن تكون قيمتها قيمة البدنة؟ فيه وجهان في "الحاوي":

стр. 3952

أحدهما: لا يعتبر، وكذلك إذا عدل إلى الغنم؛ لأنه يعدل إلى ذلك على وجه البدل؛ فلا فرق بين قليل القيمة وكثيرها. والثاني: يعتبر وهو ظاهر النص في "المختصر"؛ فإنه قال: "وإن كانت ثنية من الإبل، لم يجزه من البقر إلا بقيمتها"، وهو المختار في "المرشد"، وبه جزم القاضي أبو الطيب، فعلى هذا يعدل إلى البقرة بأكثر الأمرين من البقرة أو قيمة البدنة، فإن كانت قيمة البقرة أكثر أخرجهأ، وإن كانت قيمة البدنة أكثر صرفها فيما أمكن من البقر، ولو في عشر بقرات، فإن لم يمكن صرف ذلك إلا في بقرة وفضلت فضلة، فماذا يفعل بالفضلة؟ فيه الخلاف المذكور في نظير المسألة من الأضحية، قاله البندنيجي وغيره، والمعزى إلى تعليق الشيخ أبي حامد: [أنه] يتصدق بالفاضل و [المعزى] إلى "التتمة" المشاركة إذا عدل إلى السبع من الغنم، فقياس قول من يقول بالتخيير بين البقر والغنم: أن يكون الحكم كما تقدم في البقرة، و [هو] في "النهاية" كذلك. وذكر عن صاحب "التقريب" تفريعاً على اعتبار القيمة- الذي اعتقد ضعفه- أنه لو أخرج خمساً من الغنم تعدل قيمتها بدنة، فهل يقبل؟ فعلى وجهين، وكذلك إن تصور هذا في شاة واحدة. قال الإمام: والمصير إلى أن الخمس والشاة الواحدة تجزئ عن بدنة، فيه بعد عظيم عن القاعدة، ولولا عظم قدر الحاكي ما استجزت ذكر هذا. وقد حكى الرافعي الوجهين عن رواية ابن كج؛ فإنه نسب الوجه الآخر إلى الشيخ أبي الحسن السبوري، وهو شيخ من أصحابنا في زمن أبي إسحاق وابن خيران؛ ونسب مقابله إلى أبي الطيب بن سلمة، وهو الأظهر. ومن قال بالترتيب بين البقرة والشاة- ومنهم الماوردي- قال في القيمة المعتبرة في الشاة ثلاثة أوجه: أحدها: أكثر الأمرين من قيمة البدنة وسبع من الغنم. [والثاني: أكثر الأمرين من قيمة البقرة وسبع من الغنم].

стр. 3953

والثالث: أكثر الثلاثة من قيمة البدنة، ومن قيمة [البقرة] ومن قيمة [السبع من الغنم؛ لأن البدنة أصل البقرة، والبقرة أصل الغنم؛ فاعتبروا أغلظها]. وحكى الفوراني عن القفال: أنه لا يجوز الإتيان بغير الإبل؛ إذا قال: بدنة، سواء قيده أو لم يقيده، وسواء كانت الإبل موجودة أو معدومة. قال في "البحر": وهو القياس، ولكنه خلاف النص. وقد حكى الإمام في المسألة طريقين من غير تفصيل بين أن يطلق لفظ البدنة أو يقيده بالبدنة من الإبل: أحدهما: أنه يجزئه البقر والغنم عند العجز، وعند القدرة، قولان. والثاني: لا يجزئ عند القدرة، وعند العجز، قولان. ويجيء من مجموع ذلك ثلاثة أقوال؛ كما أشار إليها، لكنه فرض الكلام فيما إذا كان قد قال: "لله علي أن أضحي ببدنة"، ولا يظهر فرق، والله أعلم. قال: ويستحب لمن أهدى شيئاً من البدن أن يشعرها بحديدة فيصفحة سنامها الأيمن، وأن يقلدها خرب القرب ونحوها من الخيوط المفتولة والجلود؛ لما روى أبو داود عن ابن عباس "أن النبي ﷺ صلى الظهر بذي الحليفة؛ ثم دعا ببدنة، فأشعرها من صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم عنها، [وقلدها بنعلين. وفي رواية: "ثم سلت الدم بيده"، وفي رواية: "سلت الدم عنها] بأصبعه"، وأخرجه مسلم. وروى أبو داود عن المسور بن مخرمة ومروان أنهما قالا: "خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية، فلما كان بذي الحليفة، قلد الهدي، وأشعره، وأحرم"، أخرجه البخاري. وروى أبو داود عن عائشة أنها قالت: "كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ ". والإشعار: هو أن يجرحها بمبضع حاد أو نحوه حتى يسيل الدم، وأصله: العلامة،

стр. 3954

سمي هذا: إشعاراً؛ لأنه علامة الهدي، وكل شيء أعلمته علامة، فقد أشعرته. قال النواوي: وقوله: "صفحة سنامها الأيمن" الصواب: اليمنى. قلت: والشيخ تابع في ذلك لفظ الخبر، وتقديره: في صفحة سنامها من الجانب الأيمن. وخُرَب القرب: هو بضم الخاء المعجمة، وفتح الراء، وهي عراها، أحدها بضم الخاء: كركبة، وركب. وقد أفهم سياق كلام الشيخ: أن الإشعار يكون قبل التقليد؛ كما جاء في الخبر الأول، وهو الذي قاله أكثر الأصحاب؛ عملاً بالخبر. لكن الذي حكاه ابن الصلاح عن الشافعي: أنه قدم التقليد على الإشعار، وهو الذي يقتضيه نظم الخبر الثاني. قال ابن الصلاح: وقد صح ذلك عن ابن عمر- ﵄ من فعله. قال: ويقلد البقر والغنم، ولا يشعرها؛ لإمكان ظهور العلامة بالتقليد دون الإشعار. وقد استدل لتقليد الغنم بما رواه أبو داود بإسناده عن عائشة "أن النبي ﷺ أهدى غنمه مقلدة"، وأخرجه البخاري ومسلم. قال النواوي في"الصحيح": والصواب أنه يسن في البقرة المهداة الإشعار كالإبل؛ وهذا ما نص عليه في "المختصر"، ولم يورد ابن الصباغ وغيره فيما وقفت عليه غيره؛ ولأجل ذلك يوجد في بعض النسخ: "ويستحب لمن أهدى شيئاً من البدن أو البقر أن يشعرها"، وعليها جرى ابن يونس وابن كج، لكن قد يعكر عليه قوله من بعد: "في صفحة سنامها"، فإن البقر الذي بعدها لا سنام لها. ثم ظاهر كلام الشيخ التسوية بين الإبل والبقر والغنم في التقليد بخرب القرب. والمنقول عن الشافعي أن ذلك سنة في الغنم خاصة، ووجهه الأصحاب بأنه يضعف عن حمل النعال، فأما الإبل والبقر، فالسنة عند الشافعي كما نص عليه في

стр. 3955

"المختصر" تقليدها بالنعال؛ كما يشهد به الخبر. واستحب أصحابنا أن يكون لها قيمة، ويتصدق بها إذا ذبح الهدي. قال: فإن عطب منها شيء قبل المحل، أي: قبل وقت الذبح، وهو بكسر الحاء [كما قال النواوي، ويجوز أن يقرأ بالفتح، ويكون المراد به: مكان الذبح، وهو الحرم، وعليه يدل سياق الكلام في التفريع؛ حيث قالوا: لا يأكل منها فقراء الرفقة، كما سيأتي ذلك وغيره، إن شاء الله تعالى. قال:] نحره، وغمس نعله في دمه، أي: النعل الذي في عنقه الذي تقدم ذكره، قال النواوي: وإنما ذكره [وإن] لم يسبق له ذكر؛ لأنه معلوم- وضرب [به] صفحته، وخلى بينه وبين المساكين، أي: بأن يقول: أبحته للفقراء والمساكين؛ لما روى أبو داود عن ناجية الأسلمي أن رسول الله ﷺ بعث معه بهدي ثم قال: "إن عطب فانحره، ثم ضع نعله فيدمه، ثم خل بينه وبين المساكين"، وقال الترمذي: إنه حسن صحيح. وروى أبو داود عن ابن عباس قال: بعث رسول الله ﷺ فلاناً الأسلمي، وبعث معه بثمان عشرة بدنة، فقال: أرأيت إن أرجف على شيء منها؟ قال: "تنحرها، ثم تضع نعلها في دمها، ثم اضرب بها على صفحتها، ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك". وفي رواية: "اجعله على صفحتها" مكان "اضربها"، وأخرجه مسلم، ولفظه: "فأرجفت عليه في الطريق بفتح الهمزة، وعن الخطابي أن هكذا يقوله المحدثون،

стр. 3956

والأجود فأجرفت بضم الهمزة؛ يقال: أرجفت البعير؛ إذا قام من الإعياء، وأرجفه السير. قال الشيخ زكي الدين: والذي قاله المحدثون صحيح؛ لأنهما لغتان: أَرْجَف ورجف البعير، وأُرْجف؛ حكاه الزجاج وغيره. وقد حكى الماوردي عن القديم فيما إذا كان قد وجد الإشعار والتقليد: أنه لا تتوقف إباحة الأكل على أن يقول: أبحت لمن يأكل. وهذا إذا كان الهدي متطوعاً به، فلو كان منذوراًن فقد قيل: إنه لابد من الإباحة فيه أيضاً. وحكى الرافعي وجهاً في كتاب الحج: أنه لا يتوقف إباحة الأكل على أن يقول: "أبحت لمن يأكل"، وهو الذي يقتضي كلام الماوردي الذي حكيناه الجزم به، وهو الصحيح في "التهذيب"؛ لأنه بالنذر زال ملكه عنه، وصار للناس، والأول هو الذي أورده ابن الصباغ ثَمَّ؛ لأن له أن يخص به من شاء من الفقراء؛ فصار هذا كما قلنا في الزكاة: ليس للفقراء أن يأخذوها إلا بإذن صاحب المال، نعم: إذا قال ذلك: فمن سمعه، جاز له أن يأخذ، وأما من لم يسمع إذنه، فهل يجوز أن يأكل منه؟ فيه قولان: قال في "الإملاء": يحل له الأكل؛ اعتماداً على العلامة. وقال في "القديم" و"الأم": لا يحل. قال القاضي الحسين: ومن الأول خرج ابن سُريج جواز بيع المعاطاة. ثم المساكين الذين يباح لهم الأكل منهم أهل الركب، والقافلة وغيرهم، غير رفقته المختصين به والسائقين [للهدي معه؛ وأما رفقته المختصون به والسائقون] له، فهل يباح لهم الأكل؟ فيه وجهان في "الشامل"، و"تعليق" القاضي الحسين، وغيرهما: أحدهما: الجواز كغير الرفقاء، وبالقياس على ما لو وصل الهدي إلى المحل معيباً، ونحر فيه؛ بأنه يحل لهم الأكل جزماً، بل يحل للمهدي على الظاهر من المذهب؛ كما قاله الإمام، وكذا القاضي الحسين في كتاب الأضحية، وقاسه على ما لو بلغ المحل سليماً، ولم يحك الفوراني غيره فيما إذا قال: "جعلت هذا هدياً" وإن حكى وجهين فيما إذا قال: "لله علي أن أهدي هذا"، وقد ذكرنا طرفاً من ذلك في باب الأضحية.

стр. 3957

والثاني: المنع؛ بالقياس على المهدي، ويشهد له الحديث، والمعنى فيه: أنه يجوز أن تلحقهم التهمة في السعي في سبب عطبها؛ ليأكلوا منها قبل محلها، وهذا هو الصحيح في الرافعي، والمختار في "المرشد"، والمحكي في "النهاية" عن الشافعي لا غير. وهذا إذا كان الهدي واجباً بالنذر، أما إذا كان تطوعاً، فهو له، يفعل [فيه] ما شاء من بيع وأكل وغيرهما؛ صرح به الرافعي وأبو الطيب وغيرهما. وفي "الحاوي" في باب الهدي من كتاب الحج: أنه إذا كان تطوعاً، فعليه أن ينحره في موضعه، ويخلي بينه وبين المساكين، وليس له أن يأكل منه غنياً كان أو فقيراً، ولا أحد من أغنياء رفقته، وكذا فقراؤهم على مذهب الشافعي، وهذا ما أورده الفوراني كما سنذكره. [ثم] قال الماوردي: ومن أصحابنا من قال: يجوز الأكل؛ لفقراء الرفقة. فرع: لو لم ينحر ما عطب حتى مات مع تمكنه من ذبحه، ضمنه، ومن طريق الأولى إذا أتلفه، ويكون الضمان بأكثر الأمرين من قيمته وقت التعدي بعدم الذبح أو الإتلاف، أو هدياً مثله، ويجب تفريق ذلك على مساكين الحرم؛ كما قال ابن الصباغ؛ لأنه لا يتعذر نقله إليهم. وإن لم يتمكن من الذبح حتى تلف بآفة سماوية، فهل يضمنه؟ فيه وجهان في "الحاوي": أحدهما- وهو الأصح فيه، وبه جزم غيره-: لا؛ لأنه بعد النذر كالأمانة في يده، وكما لو نذر عتق عبد، فمات قبل عتقه، لا يضمنه. والثاني: يضمنه؛ لتعلق نذره بذمته بجهة باقية، وخالف نذر العتق للعبد؛ فإن الجهة المستحقة له فائتة. قال في باب الهدي: وعلى هذا لو كان قد نحره، فإن له أكله؛ وهذا الوجه لم يحك الفوراني سواه؛ فإنه قال: لو عطب الهدي في الطريق، فذبحه قبل أن يبلغ به مكة، نظر: فإن كان تطوعاً، لم يحل له ولا لمن معه من أصحابه أكله؛ لأنه متهم بأن يكون قد ندم على سوقه، فأحدث ما أتلفه؛ ليأكل ويأكلون.

стр. 3958

وإن كان واجباً، فله ولأصحابه أكله؛ لأن عليه بذله بالحرم، وإن عطب بعد أن بلغ مكة، أجزأه، وليس عليه غيره. والوجه الثاني: أنه يضمن كما قال الماوردي في باب النذر، وفيما يضمن ثلاثة أوجه: أحدها: المثل. والثاني: القيمة: والثالث: أكثر الأمرين من المثل أو القيمة. وما ذكرناه كله فيما إذا كان الهدي معيناً، فلو كان في الذمة بأن قال: "إن شفى الله مريضي، فلله علي أن أهدي شاة- مثلاً- إلى الحرم، فشفاه الله تعالى، ثم عين شاة عن نذره، فقال: "لله علي أن أهدي هذه الشاة عما في ذمتي"، فهل يتعين عليه ذبحها؟ فيه وجهان: المذكور في "الشامل" وغيره: التعيين، ويملكها الفقراء؛ وهكذا لو عين بدل الشاة بقرة أو بدنة، ملكها الفقراء، إلا أنها تكون مضمونة عليه في الصورتين، فإن هلكت عاد ما كان واجباً عليه إلى ذمته؛ كما قلنا في رجل كان له على رجل دين، فاشترى منه سلعة بالدين، وهلكت قبل القبض؛ إنه ينفسخ البيع، ويعود الدين إلى ذمته؛ ولذلك نقول فيما إذا عابت الشاة؛ بحيث لا تجزئ في الأضحية-: يعود الواجب إلى ذمته، وتعود المعيبة إلى ملكه. وحكى الغزالي وإمامه وجهاً آخر: أنه لا يعود الواجب إلى ذمته بالتلف أو التعييب. وحكى القاضي الحسين وجهاً آخر في كتاب الأضحية: أنه يجب ذبح البدل مع الأصل، [إلا أن يكون قال وقت الإيجاب]: "وهذا عن الواجب علي؛ أن يسلم إلى وقته"، والصحيح الأول. وفي هذه الصورة قال ابن الصباغ: إنه يلزمه إخراج ما نذره إن كان ما عينه مثله، وإن كان المعين أفضل منه، مثل: أن عين عن الشاة بقرة أو بدنة، فهل يجب عليه ما كان في ذمته، أو مثل ما عين؟ فيه وجهان حكاهما الماوردي قولين: أحدهما- قاله

стр. 3959

في الجديد- وهو الصحيح-: الأول؛ لأن حدوث العيب في الأول قد أبطل وجوبه؛ فسقط حكمه. ووجه القديم- وهو إيجاب مثل المعين-: أنه أوجب الفضل بتعيينه. قلت: وهذا ظاهر إذا قلنا: إن كل البقرة تقع واجباً فيما إذا خرج ذلك عن نذره بدون تعيين، أما إذا قلنا: إن الواجب منها السبع، ففيه نظر. وعن الشيخ أبي حامد: أنه إن حصل ذلك بتفريط الناذر، لزمه مثل الذي عين، وإن لم يفرط، ففيه الوجهان، والأصح الأول. وفي "الشامل" وجه فيما إذا عاب المعين: أنه يجب ذبحه مع ما في الذمة، وهو بعيد. ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون ما عينه قد وصل إلى الحرم أو لم يصل إليه. وحكى ابن الصباغ عن ابن الحداد: أنه إذا عاب بعد ما وصل إلى الحرم، أجزأه، لبلوغه المحل؛ وكذا قياس أصله فيما لو هلك؛ وهذا ما حكاه الإمام في كتاب الأضحية عن القفال؛ وكذا الرافعي في كتاب النذر عن فتاويه- أعني: القفال- حيث قال: لو نذر أن يهدي شاة، ثم عين واحدة، وذهب بها إلى مكة، فلما قدمها للذبح تعيبت- تجزئ، وبمثله لو نذر أن يضحي بشاة، ثم عين شاة لنذره، فلما قدمها للذبح، صارت معيبة- لا تجزئ. والفرق: أن الهدي ما يهدي إلى الحرم، وبالبلوغ إليه حصل الإهداء، والتضحية لا تحصل إلا بالذبح. قال ابن الصباغ: والأول أصح؛ لأنها عابت قبل الوصول إلى مستحقها؛ فأشبه ما لو عابت قبل ذلك، ووصولها إلى الغرض لا يسقط عنه الفرض. ولو لم يتلف المعين عما في الذمة، لكن ضل- فهو كما لو تلف، [لكن] إذا وجد الضال فما حكمه؟ قد قدمت الكلام فيه في الأضحية. وبعضهم قال: إن كان وجوده بعد الذبح والصرف، ذبح أيضاً. قال القاضي أبو الطيب: وتبين أن الأول لم يكن واجباً.

стр. 3960

قال ابن الصباغ: ويحتمل أن يقال: إنه واجب كما إذا لم يجد ما يتطهر به، فصلى، ثم وجد الطهارة. وإن كان بعد الذبح، وقبل صرف اللحم- كان اللحم له، ووجب ذبح الضالة. وفي "تعيق" القاضي الحسين: أنها إذا وجدت بعد الذبح، فهل يتملك الضالة أم لا؟ فيه وجهان، ووجه التملك: أنه أخرج بدلها. فرع: لو نتجت الشاة المعينة سخلة، ثم ماتت أو تعيبت، فما حكم السخلة؟ ذلك ينبني على أنها لو ولدت ولم تتعيب فلمن يكون الولد؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه للناذر؛ لأن ملك الفقراء لم يستقر فيه؛ ألا ترى أنه لو مات أو تعيب عاد ملكه. والثاني- وهو المنصوص-: أن حكمه حكم أمه؛ كولد المبيعة قبل القبض، يكون للمشتري وإن لم يستقر الملك؛ وعلى هذا؛ فإذا تلف الهدي، قال ابن الصباغ: فقياس المذهب أن يكون للفقراء؛ كما في ولد المبيعة إذا تلفت في يد البائع بعد ما ولدت. وفيه وجه آخر: أنه يعود ملكاً للناذر بعوده له. قال: ومن نذر صوم سنة بعينها، أي: مثل أن قال: "لله علي صوم سنة من غد" أو: "صوم سنة سبع وثمانين وستمائة"، وهو في سنة ست وثمانين- لم يقض أيام العيد والتشريق، أي: على الجديد؛ كما قال البندنيجي وغيره ورمضان؛ لأن هذه الأيام لو نذر صومها، لم ينعقد نذره، فإذا أطلق أولى ألا تدخل في نذره. وقد أفهمك قوله: "لم يقض .. " إلى آخره: أنه لا يصوم هذه الأيام عن النذر، وإلا لم يكن لذكر القضاء معنى، وقد صرح به الأصحاب، وقالوا: لو نوى بصوم رمضان النذر، لم ينعقد للنذر ولا لرمضان. قال: وإن كانت امرأة فحاضت، قضت أيام الحيض- أي: الواقعة في غير رمضان وايام العيد والتشريق- في أصح القولين؛ لأن الزمان زمان الصوم، وإنما أفطرت لمعنى فيها؛ فوجب عليها القضاء؛ كصوم رمضان. وقد وافق الشيخ في تصحيحه البندنيجي، وأبا الحسين بن القطان، وأبا علي الطبري، وقال ابن كج: إنه المشهور، وحكى في "البحر" طريقة قاطعة به.
следующие страницы →