← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

فرع: حيث قلنا: إن بيع المعاطاة لا يصح، فما حكم ما جرت العادة فيه بالمعاطاة في الأخذ والعطاء؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه إباحة، وبه أجاب القاضي أبو الطيب وابن الصباغ حين سأله عما إذا أخذ بقطعة [ذهب] شيئاً، وأكله، ثم عاد يطالبه بالقطعة، هل له ذلك؟ [فقال: لا]، فقال ابن الصباغ: لو كان إباحة لكان له ذلك. قال القاضي: إنما أباح كل واحد منهما بسبب إباحة الآخر، قال ابن الصباغ: فهو إذن معاوضة. وأصحبهما: أن حكمه حكم المقبوض في سائر العقود الفاسدة وحكي عن الشيخ أبي حامد [أنه] قال: يسقط ذلك عن ذممهم بالتراضي. وهذا يشكل بسائر العقود الفاسدة. وحيث قلنا: بصحة بيع المعاطاة، فصورتها على ما حكاه مجلي: أن يتفقا على الثمن والمثمن، ثم يعطي المشتري الثمن للبائع ويعطي البائع السلعة للمشتري من غير أن يجري بينهما إيجاب وقبول. فرع آخر: إذا باع الأب أو الجد مال ابنه الصغير من نفسه، هل يفتقر إلى النطق بلفظ العقد أو يكفي فيه ذلك؟ فيه وجهان منقولان في كتاب "الحاوي" في كتاب الرهن فإن اعتبرنا الإتيان باللفظ به فهل يفتقر إلى القبول؟ فيه وجهان، فإن

стр. 3992

اعتبرناه- وهو مقتضى إطلاق الشيخ- فلا يكفي التوكيل على الأصح. فإن لم نعتبره وأراد أن يوكل وكيلاً واحداً في الإيجاب والقبول فهل يجوز؟ فيه وجهان مذكوران في "النهاية" في كتاب العارية. أما إذا حصل الإيجاب والقبول على وجه الهزل فهل ينعقد به البيع؟ قال القاضي حسين في باب البراءة [وفي فتاويه] يحتمل وجهين بناء على مسألة السر والعلانية في الصداق. فإن جعلنا المهر مهر السر ففي هذه المسألة لا ينعقد؛ لأنهما ما قصدا بذلك معاوضة حقيقية وإن قلنا: المهر مهر العلانية انعقد، ولا اعتبار بقصدهما، بل العبرة بالملفوظ. وفي بيع التلجئة: وهو أن يخاف واحد من السلطان فيجيء إلى صديق له ويقول: أبيعك ما لي منك على أن ترد علي البيع إذا أمنت من السلطان حتى أقول للسلطان: إني بعته. [وإذا بعتك] لا ينعقد البيع وهم يسمونه بيع أمانة، مثل هذا الخلاف [و] المذكور في "الشامل" الجزم بالصحة. قال: وهو أن يقول- أي البائع- بعتك أو ملكتك أي بكذا؛ لأن اسم البيع يقع على ذلك، قال: وما أشبهه أي مثل أن يقول: شريت منك هذا، وصارفتك في عقد الصرف ووليتك هذا العقد وأشركتك معي فيه نصفين، وغير ذلك مما هو في معناه، وهذا هو الإيجاب وضابطه فيما نحن فيه: كل لفظ يدل على التمليك بعوض بدلالة ظاهره وهذا هو المشهور. وفي لفظ التمليك حكاية وجه مروي في "الحاوي" أنه لا يصح به البيع وأنه الأصح؛ لأن التمليك حكم من أحكام البيع وموجبه فاحتاج إلى تقديم العقد ليكون التمليك يتعقبه؛ ولأنه يحتمل البيع ويحتمل الهبة على العوض فصار من جملة الألفاظ المجملة، وهذا التعليل منه مبني عل اعتقاده: أن البيع لا ينعقد من جهة البائع

стр. 3993

إلا بلفظ واحد وهو قوله: بعتك دون قوله: أبحتك هذا العبد بألف أو سلطتك عليه أو قد أوجبته لك أو جعلته لك وما أشبه ذلك. وهذا إن أراده مع وجود النية، وجعل القابل كالشاهد فهو خلاف الظاهر من المذهب على ما حكاه الرافعي وغيره، والأصح على ما حكاه الرافعي وغيره، والأصح على ما حكاه الغزالي في الشرط الخامس من شرائط المبيع. وإن أراد عند فقد النية فهو موافق للمذهب، ويكون توجيه الوجه القائل بالصحة في لفظ التمليك على هذا: إقامة ذكر العوض مقام النية، وله التفات على أن الخلع إذا جعلناه صريحاً في الطلاق فهل مأخذ الصراحة فيه ذكر العوض أو كثرة استعماله لإرادة الفراق؟ وفيه خلاف في موضعه فإن قلنا: مأخذ الصراحة فيه ذكر العوض فيكون لفظ التمليك صريحاً أيضاً لوجوده، وهو قصد كلام الشيخ وابن الصباغ حيث قرناه بلفظ البيع وهو ما صرح به المتولي. ويتجه جريانه في قوله: "خذه بكذا" أو: "جعلناه لك بكذا"، فيكون صورة الكناية التي أجرى فيها الخلاف ما إذا قال: "خذه"، ولم يذكر عوضاً، لكن نواه، وكذلك صورها مجلي فيما إذا قال: ملكتك ونوى العوض، وإن قلنا: مأخذ الصراحة، ثم كثرة الاستعمال فالكثرة لم توجد هاهنا [ولا نية] فلا ينعقد به البيع. قال: ويقول المشتري: قبلت- أي البيع- أو ابتعت وما أشبهه أي مثل قوله: "تملكت"، و"اشتريت"، و"أخذته"، وغير ذلك مما هو في معناه، وهذا هو القبول وضابطه: كل لفظ يدل على التملك.

стр. 3994

وفي "النهاية": أن القبول على الحقيقة ما لا يتأتى الابتداء به مثل قوله: "قبلت"، فأما ما يتأتى الابتداء به مثل قوله: "ابتعت"، وما بعده فذاك قائم مقام القبول. ولو قال: "قبلت"، ولم يقل "البيع"، صح على الأصح، وفيه وجه حكاه الرافعي في كتاب النكاح؛ أنه لا يصح كما في النكاح على قول. ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يقول البائع: "بعت"، فيقول المشتري: "اشتريت"، أو يقول المشتري: "اشتريت" أو "ابتعت"، ثم يقول البائع: "بعت"، ولا بين أن يتفق اللفظ كما ذكرناه أو يختل، مثل أن يقول: "بعتك"، فيقول: "ملكت"؛ لأن المعنى الواحد. ثم يشترط توافق الإيجاب مع القبول في العدد والنقد والحلول والأجل، وفيما إذا قال: "بعتك بألف"، فقال: اشتريت بألف وخمسمائة"، أو قال: "اشتريت منك بألف"، قال: "بعتك بخمسمائة"- وجه: أنه يصح حكاه في الأول الرافعي وفي الثاني الغزالي في الخلع. ويشترط أيضاً: ألا يطول الفصل بين الإيجاب والقبول، وألا يتخللهما كلام أجنبي عن العقد، فإن طال أو تخلل لم ينعقد، كذا حكاه الرافعي هنا، وحكى في كتاب النكاح عن أبي سعد الهروي أنه نقل عن العراقيين من أصحابنا الاكتفاء بوقوع القبول في مجلس الإيجاب، وقالوا: حكم نهاية المجلس حكم بدايته. وحكى في باب الاستثناء من كتاب الطلاق: أن الكلام اليسير لا يقطع الاتصال بين الإيجاب والقبول على الأصح. قلت: ويتجه جريان مثل ذلك هاهنا. ويشترط أيضاً: أن يكون الجواب ممن صدر معه الخطاب، فلو مات المشتري بعد

стр. 3995

الخطاب ووارثه حاضر، فَقَبِلَ، فالأصح أنه لا ينعقد. تنبيه: قول الشيخ في صدر الفصل: "وهو أن يقول: "بعتك" .. ". إلى آخره فيه دلالة ظاهرة على أن البيع لا ينعقد بالكتابة مع النية، لا في طرف الإيجاب ولا في طرف القبول؛ لأنها ليست بقول، وكذا لا ينعقد فيما إذا قال: بعت من فلان وأرسل إليه رسولاً، فأخبره بذلك وقبل؛ لانعدام الخطاب الذي اعتبره بقوله: "بعتك"، وهو ما جزم به القاضي الحسين في "كتاب الطلاق" وفي كل من الصورتين [خلاف] بين الأصحاب، لكن الخلاف في الكتابة مبني على أن الطلاق هل يقع بها أم لا؟ فإن لم نوقع الطلاق فالبيع أولى، وإن أوقعناه ففي البيع وجهان. وأصحهما في "تعليق" القاضي الحسين في "كتاب الطلاق": عدم الانعقاد. وفي "النهاية" في "كتاب الوكالة" أن الصحيح إقامة الكتابة في حال الغيبة مقام النطق في الحضرة وسيأتي في "كتاب الطلاق": حكاية وجه في أن نفس الكتابة بصريح الطلاق [صريح في الطلاق]، ويتجه جريان مثله هاهنا، إذا قلنا: ينعقد بالكتابة مع النية. إذا عرفت ذلك فهمت من كلام الشيخ أنه لا يرى انعقاد البيع بالكتابة؛ لأن الكتابة كناية، وقد بينا أنها تخرج من كلام الشيخ وأن الظاهر خلافه. قال: فإن قال المشتري: بعني فقال: بعتك انعقد البيع أي: من غير احتياج إلى أن يقول ثانياً: "ابتعت"؛ لأن المقصود وجود لفظ دال على الرضا بموجب العقد وقد حصل، فصح به كالنكاح. وفي "الوسيط" حكاية قول على ما حكاه في النكاح، ووجه على ما حكاه في البيع: أنه لا ينعقد. وقال في "الوجيز": إنه الأصح؛ لأن قوله: "بعني" مما يذكر لاستبانة الرغبة، فينوب عن قوله: "أتبيعني" ويخالف النكاح فإنه لا يجري مصافقة في الغالب، فتكون الرغبة معلومة من قبل فيتعين قوله زوجني استدعاء جزماً، والأول هو الراجح عند الجمهور والمجزوم به في "مجموع المحاملي" و"الشامل". وقال في "الوسيط": إنه أقيس، وعليه ينبني ما لو قال: بعني، فقال: قد فعلت ذلك،

стр. 3996

أو نعم فإنه يصح، على ما حكاه الرافعي في كتاب النكاح. ولو قال: اشتر مني، ففي "التهذيب": أنه كما لو قال: بعني. وفي "الحاوي": أنه لا ينعقد به. والفرق: أن المشتري إنما يراد من جهته [القبول مجيباً] كقوله بعد قول البائع: "بعتك"-: "اشتريت"، أو الطلب مبتدئاً، كقوله ابتداء: "اشتريت منك"، ولفظ "بعني" موضوع للطلب، وقد وجد ما هو للطلب من جهته، والمطلوب من جهة البائع البدل مبتدئاً كقوله: بعتك والإيجاب مجيباً، كقوله بعد قول المشتري: اشتريت: بعتك. وقوله: اشتر مني، لم يوضع للبدل ولا للإيجاب فلم يحصل من جهته المطلوب منه. وبنى على ذلك: ما لو باع عبداً [بعبد] وعقد البيع بلفظ الأمر، فإن قال أحدهما:"بعني عبدك بعبدي"، فقال: "بعتك"، صح البيع، وإن قال: "اشتر مني عبدي هذا بعبدك هذا" لم يصح. فروع: لو قال البائع: بعتك بألف: أفقبلت؟ فقال: نعم، [أو قال: بعتك بألف، فقال: نعم] انعقد البيع حكاه الرافعي في كتاب النكاح. وفي "النهاية" في كتاب الإقررا أن قول المشتري: "نعم" لا يكون قبولاً.

стр. 3997

ولو قال: بعتك بألف إن شئت، فقال: شئت، لم ينعقد. وفي "التتمة" عند الكلام في نية الوضوء والتبرد، أنه يصح. ولو قال: اشتريت، فوجهان، أظهرهما، وهو اختيار القاضي الحسين وبه أجاب [القاضي] أبو الطيب، وابن الصباغ في كتاب الإقرار: أنه ينعقد. ولو قال الطالب: اشتريت منك هذا بألف إن شئت، فقال: بعته منك إن شئت. قال الإمام في كتاب "الإقرار": الذي يجب القطع به أنه لا ينعقد فإن الموجب علق الإيجاب بالمشيئة بعد سبق التعليق، والتعليق يقتضي وجود شيء بعده، فلو قال القائل مرة أخرى: اشتريت أو قبلت، قال: فالذي يظهر عندي أن البيع لا يصح على قياس القاضي أيضاً، فإنه يبعد حمل المشيئة على استدعاء القبول، وقد سبق فتعين حمله على المشيئة نفسها، وإذا حمل على ذلك كان تعليقاً محققا، والتعليق يبطل البيع.

стр. 3998

ولو قال المتوسط لبائع المتاع: بعت بكذا؟ فقال: نعم. أو بعت وقال للمشتري: اشتريت بكذا فقال: نعم أو اشتريت، فهل ينعقد البيع؟ فيه وجهان: المذكور منهما في "التتمة" وفي "النهاية" في كتاب "الإقرار" وفي "الوسيط": في كتاب الطلاق: [عدم] الانعقاد، وادعى القاضي الحسين في كتاب الوكالة: أنه ظاهر المذهب. [و] قال الرافعي: إن أظهرهما على ما دل عليه إيراد صاحب "التهذيب" والروياني: الانعقاد، وهو ما جزم به الماوردي. ولو فسخ البيع ثم قال البائع للمشتري: أقررتك على ما مضى، فقال: قبلت، هل يصح؟ فيه وجهان ذكرهما الغزالي في أواخر القراض. قال: وإذا انعقد [البيع] ثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا أو يتخايرا لما روى البخاري عن مالك عن نافع عن ابن عمر- ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه. اختر"، والمراد بالمتبايعين هاهنا: من صدر منهما البيع لا المتساومين؛

стр. 3999

لأنه قد جاء في بعض طرق الحديث من اشترى شيئاً فوجب له فهو بالخيار إلى أن يفارقه صاحبه و [المراد] بالتفرق: أن يتفرقا بالأبدان عن مجلسهما الذي تبايعا فيه لا في الأقوال على المذهب؛ لأنه جاء في بعض طرق الحديث أيضاً "ما لم يتفرقا عن مكانهما الذي تبايعا فيه" وروى عن ابن عمر أنه كان إذا باع بيعاً مشى أذرعاً، وهو راوي الحديث، وأعرف بتفسيره وقد قال ابن سلمة: وهو من أهل اللغة: العرب تقول: افترقا بالأقوال وتفرقا بالأجسام. وفي زوائد العمراني حكاية وجه عن الفروع: أن الخيار ينقطع إذا شرعا في أمر آخر، وأعرضا عن أمر العقد، وطال الفصل. والمذهب الأول لما ذكرناه. ثم الرجوع فيما يحصل به التفرق إلى العرف، فإن الشرع علق عليه حكماً، ولم يبينه ولا له لفظ يحصره من حيث اللغة، فيرجع فيه إلى العرف كالحرز في السرقة، ثم ذلك يختلف باختلاف الأماكن فإن كانا في دار صغيرة، أو سفينة صغيرة، فالتفرق أن يخرج أحدهما. ولو كانا قريبين من الباب فخرج أحدهما، ومشى خطوتين مثلاً، حصل التفرق أيضاً على الظاهر عند الإمام. وإن كانت الدار كبيرة فيصعد السطح، أو يدخل من صحنها إلى صفة أخرى، أو يخرج إلى دهليزها. وفي السفينة الكبيرة يصعد أحدهما إلى أعلاها، ويبقى الآخر في أسفلها وإن كانا في صحراء فالمعتبر أن يصير إلى مكان، لو أراد التخاطب لافتقر إلى رفع الصوت رفعاً يزيد على المعتاد. وضبط الشيخ في "المهذب" التفرق من غير [تعرض إلى ما] ذكرناه من الأحوال بأن: يتفرقا إلى موضع لو كلم أحدهما صاحبه على العادة لم يسمع كلامه. وحكى ابن الصباغ هذا الضابط عن الإصطخري.

стр. 4000

وفي الجيلي [أنه قيل:] إن ضابطه أن يبعد أحدهما عن الآخر عشرة أذرع. وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه إذا مشى أحدهما وتبعه الآخر وكان بينهما قدر ما بين الصفين لم يحصل التفرق، وإن كان أكثر من ذلك حصل التفرق، وهذا يشعر بأن انلتفرق يحصل بما إذا مشى أحدهما ولم يتبعه الآخر وكان بينهما أكثر مما بين الصفين ثم هو مفرع أيضاً على أنهما إذا اصطحبا إلى مجلس آخر أن الخيار لا ينقطع، وهو الصحيح أما إذا قلنا إنه ينقطع على ما حكاه العمراني في زوائده، فلا فرق أن يكون بينهما قدر ما بين الصفين أو أكثر. وهل يحصل ببناء جدار؟ أطلق بعضهم فيه وجهين، وأصحهما عدم الحصول، وهو المذكور في "الحاوي". وفصل بعضهم فقال: إن كان بجعل أحدهما بغير إذن الثاني فهو كما لو هرب، وإن كان الجاعل غيرهما فهو كما لو حمل أحدهما، ومساق كلامه يقتضي أنه إذا كان بإذنهما أنه يحصل. ثم ما ذكرنا أن التفريق يحصل به فذاك إذا كان في حال العقل والاختيار، وسواء فيه حالة الذكر والنسيان، وأما إذا فارق أحدهما المجلس في حال جنونه فهل يحصل به التفرق؟ يبني على أن الجنون هل يقطع الخيار أم لا؟ والمذهب: [أنه] لا يقطع، وادعى الإمام فيه الاتفاق، فيقوم وليه [فيه] مقامه، ويفعل ما فيه المصلحة. وفيه وجه مخرج من الموت: أنه ينقطع. فإن فرعنا عليه لم يحتج إلى التفرق، وإن فرعنا على المذهب، قال الإمام: فيه احتمال يلاحظ إخراج أحد المتعاقدين عن مجلس العقد، ويجوز أن يقال: لا يحصل؛ لأن التصرف انقلب إلى الولي، ويعارضه أنه لو كان كذلك لكان الجنون كالموت. ولو أكره أحدهما على الخروج وترك التخاير بأن سد فاه فهل ينقطع خياره؟ فيه وجهان.

стр. 4001

أصحهما: لا ينقطع، وهو المذكور في "الشامل" وادعى المحاملي فيه نفي الخلاف. وإن لم يسد فاه بل أكره على الخروج فقط، ففيه طريقان: أحدهما القطع بانقطاع خياره. والثاني: طرد الوجهين. وهذا ما يوجد في طريق العراق، والمذهب منهما على ما حكاه المحاملي، والبندنيجي بقاؤه فإن قلنا: يبطل خيار المكره فيبطل خيار الباقي. وإن قلنا: لا يبطل خيار المكره فله التصرف بالفسخ والإجازة. وإذا وجد التمكين: فهل يكون على الفور؟ فيه خلاف. فإن قلنا: بعدم الفورية وكان مستقراً في المجلس امتد الخيار امتداد المجلس، وإن كان ماشياً انتهى الخيار بمفارقته مكان التمكن وهل يبطل خيار الباقي؟ ننظر: فإن ضبط حتى لا يساوق المخرج، فلا يبطل خياره إذ تحقق الإكراه في حقه كما تحقق في حق المكره، وإن كان يمكنه أن يساوقه فلم يفعل فذاك منه بمثابة إجازته للعقد مع دوام المجلس، وفيه خلاف سيأتي. ثم لا فرق عند الغزالي بين أن يحمل مكرهاً [ويخرج]، وبين أن يكره حتى يخرج بنفسه؛ لأن هذا حكم منوط بصورة المفارقة. وجزم في "التهذيب" بأنهما إذا حملا أو أحدهما والآخر لا يمكنه أن يتبعه لا يبطل خيارهما، وإن أكرها حتى تفرقا بأنفسهما، فهل يبطل خيارهما؟ فيه الخلاف المذكور من قبل ولو هرب أحدهما ولم يتبعه الآخر لزم العقد عند ابن الصباغ. وفي الرافعي: أن هذا فيما إذا أمكنه أن يتابعه أما إذا لم يتمكن من المتابعة ففي "التهذيب": أنه يبطل خيار الهارب دون الآخر. وعلى الأول: هل يعصي الهارب؟ نقل ابن التلمساني أن بعض أصحابنا قال: بعصيانه لإبطاله على صاحبه حقاً لازماً. ولا فرق في دوام الخيار ببقاء المجلس بين أن تزيد مدة المقام على ثلاثة أيام أو لا تزيد.

стр. 4002

وفي "الوسيط"، حكاية وجه لطيف: أنه ينقضي بثلاثة أيام. فروع: أحدها: إذا تبايعا في موضع لو انتهى إليه أحدهما بطل الخيار، هل يثبت فيه الخيار؟ قال الإمام: يحتمل أن يقال لا خيار؛ لأن التفرق الطارئ قاطع للخيار، فالمقارن يمنع ثبوته، ويحتمل أن يقال: يثبت ما داما في موضعهما، وهذا ما أورده المتولي ثم قال: إذا فارق أحدهما موضعه بطل خياره، وهل يبطل خيار الآخر أو يدوم إلى أن يفارق مكانه؟ فيه احتمالان. الثاني: إذا مات أحد المتعاقدين قبل التفرق فالنص أنه ينتقل إلى وارثه، والنص فيما إذا مات المكاتب أن العقد يجب، فمن الأصحاب من خرجهما على قولين: وأصحهما: أنه يثبت للوارث والسيد. وبعضهم قطع بهذا القول. وبعضهم أقر النصين، وفرق بأن الوارث خليفة الموروث فيقوم مقامه، والسيد ليس خليفة للمكاتب وإنما يأخذ ما يأخذه بحق الملك. وحكم العبد المأذون إذا باع أو اشترى ثم مات حكم المكاتب. ثم حيث قلنا: إن الخيار لا يثبت للوارث، فلا يثبت للحي أيضاً على ما حكاه الإمام، وفي "التهذيب": أنه لا يسقط حتى يفارق ذلك المجلس. وحيث أثبتناه للوارث، فإن كان حاضراً بالمجلس امتد الخيار حتى يتفرق هو والعاقد الآخر، أو يتخايرا. وكذا إذا كانوا جماعة، ولا ينقطع الخيار بمفارقة بعضهم على الأصح، وهو ما حكاه ابن الصباغ بخلاف ما إذا فسخ أحدهم، فإنه ينفسخ العقد في حق الكل على الأصح؛ كما لو فسخ المورث العقد في بعض المبيع [وأجاز في بعض]. ولو اختار بعضهم فسخ البيع في نصيبه وبعضهم الإجازة في نصيبه، قال مجلي: لم يكن لهم ذلك وجهاً واحداً. وفي "الحاوي": حكاية وجه أنه يجوز لكل واحد منهم أن ينفرد برد حصته دون

стр. 4003

شركائه؛ لأنه يرد جميع ما استحقه بالعقد فصاروا في حكم المشترين صفقة واحدة. وإن كان غائباً ثبت له الخيار إذا وصل الخبر إليه على الأصح. وفي "الشامل": أنه حكى عن بعض أصحابنا أنه قال: يثبت له الخيار إذا نظر إلى السلعة ليعرف الحظ في الفسخ أو الإجازة. وفي "التتمة" حكاية وجه آخر: أنه إنما يثبت إذا اجتمع مع العاقد في مجلس واحد ثم هو على الفور أو يتقيد بمفارقة موضعه، أو يحتاج أن يصير إلى موضع يتعذر عليه سماع المخاطبة على الاعتياد فيه خلاف. ولو كان الوارث أكثر من واحد، قال في "التتمة": إن قلنا: في حق الواحد يثبت له الخيار في مجلس مشاهدة المبيع، فإذا اجتمعوا في مجلس ثبت لهم الخيار، وإن قلنا: خياره إذا حضر مع العاقد في مجلس فهاهنا خيارهم إذا اجتمعوا معه في مجلس وأما الحي فيدوم خياره إلى أن ينقطع خيار الوارث، وقيل: لا يتصرف قبل بلوغ الخبر إلى الوارث وقيل: يتأخر خياره إلى أن يجتمع مع الوارث في مجلس، حكاه المتولي مع وجه آخر أنه يدوم ما دام في مجلسه، فإذا قام بطل وفي شرح ابن التلمساني: حكاية وجه آخر: أنه يكون على الفور، فإن فسخ انفسخ وإلا لزم. الثالث: الوكيل في البيع إذا عقد بحضرة الموكل، فالخيار يتعلق بالوكيل، وينتهي بمفارقته، قال الإمام: ويجب القطع بأنه لا ينفذ فسخ الموكل وإجازته، فإنه لا تعلق له بالمجلس وكذا قاله في "الوسيط"، وزاد عليه أن الموكل إذا كان في المجلس وحجر على الوكيل في الخيار. فإن قلنا: عليه الامتثال رجع حقيقة الخيار للموكل، وإن قلنا: لا يمتثل فإنه من لوازم السبب السابق كان بعيداً أيضاً. وفيه تأمل للناظر، وفي هذه العبارة قلق؛ لأنها توهم تردداً في امتثال الوكيل أمر الموكل، وليس كذلك، بل المراد استشكال ما قاله الأصحاب من ثبوت الخيار للوكيل دون الموكل؛ ولأنه لو حجر على وكيله في الفسخ والإجازة، فإما أن يجب على الوكيل الامتثال أو لا، إن أوجبناه رجع الخيار إلى الموكل حتى إذا أمره بالفسخ فسخ، وإذا أمره بالإجازة أجاز، وإن لم نوجبه كان بعيداً عن حقائق الوكالات، فإنها

стр. 4004

مبنية على وجوب الامتثال ومتابعة الموكلين فيما يرونه من زيادة أو نقصان، فكيف يخالف أمره هاهنا ولا يتابعه على ما يعتقده مصلحة، والمصير إلى هذا فيه نظر فليتأمل ولأجل ذلك، حكى بعض الأصحاب أن الاعتبار بمجلس الموكل، على ما حكاه الرافعي وسأذكر في أواخر باب اللقطة عن الماوردي ما يقتضي الجزم بثبوت الخيار للموكل. فإن فرعنا على المذهب فمات الوكيل قبل التفرق، هل ينتقل الخيار إلى الموكل؟ المذهب أنه لا ينتقل. وفيه وجه ألا يقوم مقامه؛ لأن المجلس تعلق بالوكيل، وليس الموكل وارثاً له، كذا قاله ابن الصباغ. قال: وهو أن يقولا: اخترنا إمضاء البيع؛ لأن التخاير تفاعل كالتخاصم والتضارب وذلك لابد فيه من اثنين وقد يستعمل حيث لا تعدد، كقولك: طارقت النعل، وهذا متعذر هنا؛ لأن المقصود بالخيار دفع الغبن فلو اكتفي باختيار أحدهما الإمضاء في لزوم العقد لم يعجز الغابن عن المبادرة إلى الإمضاء وذلك يسقط ثمرة الخيار. على أن فيه وجهاً حكاه [المتولي وأشار إليه] الإمام عند الكلام في الإكراه على التفرق أنه يكتفي بقول أحدهما: اخترت [حتى يسقط خيار الآخر؛ لأن المخير ينقطع خياره بقوله: اخترت] إمضاء العقد وخيار المجلس لا يتبعض في الثبوت فلا يتبعض في السقوط. وهذا التعليل يمكن أن يعكس فيقال: لا ينقطع خيار الساكت؛ لأنه لم يجر منه ما يدل على الرضا؛ فوجب أن يبقى خيار المتكلم أيضاً؛ لأن خيار المجلس لا يتبعض في الثبوت فلا يتبعض في السقوط. وقد حكاه الإمام وجهاً أيضاً، فتحصل من مجموع النقلين ثلاثة أوجه: ثالثها: ينقطع خيار المتكلم دون الساكت وهو الأصح.

стр. 4005

ويقوم مقام قولهما: اخترنا إمضاء البيع قولهما: اخترنا العقد أو ألزمناه أو تخايرنا وإشارتهما بذلك إذا كانا أخرسين، والإشارة مفهمة. وكذا لو قالا: قطعنا الخيار أو رفعناه، ولو قالا: أبطلنا الخيار أو أفسدناه ففيه وجهان عن روايه الشيخ أبي محمد. ولو قال أحدهما لصاحبه: اختر، فقال: اخترت. قام مقام قولهما: اخترنا إمضاء العقد، أما إذا سكت فلا ينقطع خياره، وينقطع خيار القائل على الأصح في "التهذيب" وغيره، وهو ظاهر المذهب في "الشامل". واعلم أنه يوجد في بعض النسخ أصلاً، وبعضها ملحقاً في تفسير التخاير: وهو أن يقولا: اخترنا إمضاء البيع أو فسخه. وهذه الزيادة غير صحيحة من جهة النقل والفقه؛ أما النقل فلأن الموجود في النسخ العتق وما عليه خط المصنف منها ويوجبه [ابن الخل] ما اقتصرت على ذكره أولاً من غير ذكر الفسخ. وأما الفقه: فقد اتفق الأصحاب على أن الفسخ ينفذ إذا صدر من أحدهما، ولو اعتبر فيه توافقهما لم يعجز الغابن عن عدم الموافقة حتى يلزم العقد وتبطل فائدة الخيار. وما نقل عن الشيخ يقتضي اعتباره؛ لأنه معطوف على قوله: اخترنا إمضاء البيع، والمعطوف شريك المعطوف عليه، فيكون تقديره: أو اخترنا فسخه. وأجاب عن ذلك الحموي؛ لاعتقاده صحة ذلك وتوهمه كمن أثبت هذه الزيادة، أن الشيخ أراد بيان الحالة التي ينقطع فيها الخيار مع بقاء العقد ومع فسخه، فقال: مراد الشيخ بقوله: "أو فسخه" بطريق البدل إما بأن يفسخ البائع أو المشتري بطريق الصلاحية لكل واحد منهما ولم يرد بطريق الاستقلال؛ ولهذا لو زاد مع قوله: "اخترنا فسخه": "بطريق البدل" لكان جائز الاستعمال بطريق المجاز. وما قاله صدر كلام الشيخ يأباه، وهو قوله: "أو يتخايرا"، وقد ذكرنا أن التخاير

стр. 4006

تفاعل لابد فيه من اثنين. والأقرب في الجواب- إن صح هذا أن الشيخ لم يرد بقوله: "اخترنا إمضاء البيع أو فسخه أن يقع منهما هذا القول على هذا النسق، لاتفاق الأصحاب على أن ذلك ليس بشرط، بل المراد: أن يقول أحدهما لصاحبه: اختر إمضاء العقد أو فسخه، فيقول الآخر: اخترت إمضاء العقد أو فسخه، كما ذكره في "المهذب"، ويكون الأول بتفويضه للآخر الإمضاء والفسخ، كأنه قائلاً عند نطق الآخر بالإمضاء: أمضيت، وعند نطقه بالفسخ: فسخت؛ لرضاه بما يقوله، فالقول صادر من أحدهما بالصريح ومن الآخر في ضمن تخييره لصاحبه. لكن الصحيح ما ذكرته أولاً فلا حاجة إلى هذا التعسف وما توهمه من توهمه كما ذكرته فغير صحيح؛ لأن قوله: "ما لم يتفرقا" بيان لانتهاء مدة الخيار مع بقاء ما أوجبه، وهو العقد فليكن المراد بالتخاير مثل ذلك، ولهذا حسن الإتيان بـ"أو" وإلا فكل واحد يعلم أن الشيء إذا رفع أصله الذي شرط وجوده بقاؤه لا يبقى، والله أعلم. تنبيه: كلام الشيخ يقتضي [ثبوت] هذا الخيار في كل بيع صدر من متعاقدين، سواء كان المبيع ممن يعتق على المشتري لقرابته أو لشرائه لنفسه، أو لشهادته بعتقه ولم تسمع شهادته لمانع إذا جعلناه بيعاً، [أولاً] ايعتق عليه، وسواء كان المبيع حاضراً أو لا يبقى، كالجمد في شدة الحر، ويقتضي عدم الثبوت فيما إذا كان العاقد واحداً، وفي كل من ذلك خلاف في الطرق لا غنى عن ذكره. فنقول: إذا اشترى قريبه الذي يعتق عليه صح شراؤه بالاتفاق وهل يثبت فيه الخيار؟ الذي ذهب إليه الأكثرون أنه يثبت للبائع، وفي ثبوته للمشتري خلاف مبني على أقوال الملك. فإذا قلنا: إن الملك للبائع أو موقوف ثبت له أيضاً، وإن قلنا: إنه للمشتري لم يثبت على الصحيح.

стр. 4007

وفي "الحاوي": حكاية وجه أنه يثبت أيضاً. وقال صاحب "التهذيب": يحتمل أن يثبت له إذا قلنا: إنه لا يعتق إلا بانقضاء الخيار، وهو ظاهر المذهب. ثم متى يحكم بالعتق؟ الحكم فيه كالحكم فيما إذا أعتق المشتري العبد المشتري في زمن الخيار ووسنذكره؛ كذا قاله [ابن الحداد] وابن الصباغ. والذي حكاه الإمام والفوارني وتابعهما الغزالي: أنه لا يثبت للمشتري على المذهب المشهور، وأن الأودني قال: بثبوته. وزاد الإمام في الحكاية عنه: أن المشتري لو فسخ في المجلس انفسخ، ولو أعتقه أو ألزم العقد كما لو اشترى عبداً لا يعتق عليه وتمسك [في ذلك] بعموم قوله ﷺ "المتبايعان بالخيار"، وبقوله ﷺ كما خرجه مسلم وغيره: "لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه". وقال: هذا ظاهر في إثبات إنشاء إعتاق بعد العقد، وأنا إذا قلنا: بأنه لا خيار للمشتري، فلا خيار للبائع أيضاً. وحكى في كتاب الإقرار: أن العراقيين ذكروا وجهاً بعيداً أنه يثبت له دون

стр. 4008

المشتري، ومساق ما حكاه عن الأودني: أن العتق لا يحصل إلا بإنشائه إياه. وإن قلنا: إن الملك له. وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن الأودني استدل بالحديث على أن الملك في زمان الخيار للبائع إذا كان الخيار للمشتري وحده وأنه إذا أعتقه يصح؛ لأنا لو قلنا: الملك للمشتري لم يصح عتقه؛ لأنه يعتق عليه بنفس الملك ومساق هذا يقتضي أن الخيار إذا انقضى حصل العتق عند الأودني من غير إنشاء إعتاق. والله أعلم. وإذا اشترى العبد نفسه صح الشراء على الأصح، وهل يثبت فيه الخيار؟ قال القاضي الحسين في التعليق: حكمه حكم البيع. وفيه وجه: أنه لا يثبت، كما لو أعتقه على مال، وهذا ما حكاه في "الإبانة"، والإمام في باب الإقرار. وقال في كتاب الكتابة: الوجه تنزيل ذلك منزلة ما لو اشترى الإنسان من يعتق عليه حتى يخرج الكلام في أن خيار المجلس هل يثبت؟ وهل يقع فيه شرط الخيار؟ وحكي أن الشيخ أبا علي حكى عن الأصحاب أنهم خرجوا عتق العبد على ما إذا اشترى الإنسان عبداً ثم أعتقه في زمان الخيار. وإذا شهد بعتق عبد ثم اشتراه صح العقد في الظاهر؟ لكن هل هو بيع أو فداء؟ أو بيع من جانب البائع فداء من جانب المشتري؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها: ثالثها، وأضعفها ثانيها، فإن جعلناه بيعاً من الجانبين ثبت للبائع والمشتري الخيار. وإن جعلناه بيعاً من جانب البائع ثبت له دون المشتري، وإن جعلناه فداء من الجانبين فلا خيار لواحد منهما، كذا حكاه الرافعي، وحكى الإمام عن القاضي الجزم بأن الخيار لا يثبت للمشتري، وإن أثبتناه في شراء القريب؛ لأن العقد على القريب يتضمن ملكاً ثم يترتب على حصول الملك العتق وليس كذلك ما نحن فيه، فإنا لا نقضي بحصول الملك للمشتري أصلاً، وإذا لم يثبت الخيار للمشتري، فهل يثبت للبائع؟ فيه وجهان.

стр. 4009

وإذا اشترى ما لم يره وصححناه فهل يثبت فيه الخيار؟ فيه وجهان: فإن قلنا: يثبت، ففي وقته أربعة أوجه: أحدها: وقت الرؤية، وهو أبعدها، والثاني: وقت العقد، وهو أصحها، والثالث: يثبت وقت العقد للبائع وحده، قال الإمام: وهو أمثل من الأول، والرابع: يثبت للبائع وحده [وقت] الرؤية. وإذا اشترى الجمد في شدة الحر، ففي ثبوت الخيار فيه وجهان يقربان من الوجهين في ثبوته في إجارة العين. وإذا اشترى من ولده الصغير لنفسه شيئاً أو بالعكس صح، وهل يثبت فيه الخيار؟ فيه وجهان: المذكور منهما في "الشامل" و"التهذيب": الثبوت، ثم بماذا ينقطع؟ فيه وجهان: أصحهما في "التهذيب" ولم يذكر في "الشامل" سواه: أنه ينقطع بمفارقته مجلس العقد، ونسبه الماوردي إلى أبي إسحاق، والثاني لا ينقطع إلا بالفسخ أو الإجازة، قال الماوردي: وهو الذي عليه جمهور الأصحاب ويجري فيه الوجه الذي حكيناه من قبل أن نهايته ثلاثة أيام. فروع: إذا جاء المتعاقدان معاً، فقال أحدهما: تفرقنا بعد البيع فلزم، وأنكر الثاني وأراد الفسخ، فالقول قوله مع يمينه. ولو اتفقا على التفرق، وقال أحدهما: فسخت قبله، وأنكر الآخر، فالقول قول املنكر مع يمينه، وعن صاحب "التقريب": أن القول قول من يدعى الفسخ. وهما مذكوران في تعليق أبي الطيب في باب التحالف عن رواية أبي علي في الإفصاح، والذي صححه الماوردي منهما في باب الربا الثاني. ولو توافقا على عدم التفرق وتنازعا هكذا، ففي "التهذيب" أن دعوى مدعي الفسخ فسخ بالشرع. قال: وإن تبايعا على ألا خيار لهما يعني خيار المجلس- لم يصح العقد؛

стр. 4010

لأنه خيار ثابت، فإذا شرطا نفيه فقد شرطا ما ينافي مقتضى العقد، فأبطله كشرط عدم التسليم وهذا هو الأصح في "التهذيب"، والرافعي، وبه جزم بعضهم. قال: [و] قيل: يصح، ولا خيار لهما، لقوله ﷺ : "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار" فاستثنى بيع الخيار، وهو استثناء من إثبات فيكون نفياً، ويكون التقدير: إلا بيعاً شرط فيه نفي الخيار؛ ولأن فيه نوع غرر، [لأنه يمنع] مقصود العقد، والشرع أثبته رفقاً بالمتعاقدين، فإذا أسقطاه سقط؛ لأن الحق لهما ولا يعدوهما، وهذا ما نص عليه البويطي في القديم. ومن قال بالأول، أول الحديث بما قال الشافعي: أنه أظهر التأويلين، وهو أنه أراد بيعا قطع فيه الخيار وقد فسره في الحديث الآخر، وهو قوله: "أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر"، وأجاب عن قولهم: إنه غرر، بأنه: مقتضى العقد فيثبت كيف كان. قال: وقيل: يصح؛ لما قلناه، ويثبت لهما الخيار؛ لأنه خيار ثبت بعد تمام البيع، فلا يجوز إسقاطه قبل تمام البيع كخيار الشفيع. واحترزنا بقولنا: بعد تمام البيع، من خيارهما بعد الإيجاب وقبل القبول، والقائل بسقوط الخيار يمكن أن يفرق بينه وبين الشفعة بأن الشرط إنما يؤثر على الأصح إذا اقترن بالعقد، وإذا اقترن بالعقد فقد وجد بعد سبب الوجوب فأقمناه مقام الوجوب، وفي مسألة الشفعة وجد إسقاط الحق قبل ثبوته وسبب ثبوته، فلم يوجد ما يمكن أن يسند المنع إليه. ونظير هذه المسألة: ما إذا وقع البيع بشرط البراءة من العيوب، أو بشرط نفي خيار الرؤية، إذا صححنا بيع ما لم ير، لكن القول بالفساد في نفي خيار الرؤية قطع به الأكثرون. فرع: لو قال لعبده: إن بعتك فأنت حر، فباعه بشرط أن لا خيار بينهما، فهل يعتق؟ بناه الأصحاب على الأقوال المتقدمة.

стр. 4011

فإن قلنا: إن البيع باطل، لم يعتق وكذا إن قلنا: إنه يصح ولا خيار، وإن قلنا: بثبوت الخيار عتق؛ لأنه لو نجز عتقه في خيار المجلس نفذ، فكذلك إذا وجدت الصفة فيه. قلت: وفي حصول العتق، إذاقلنا: بأن الملك للمشتري نظر لباحث؛ لأنا حيث حكمنا بنفوذ عتقه المنجز في زمن الخيار، قدرناه بالعتق فاسخاً للعقد قبيله، وأن العتق وقع في ملكه ضرورة توقف صحته على وقوعه في الملك، وفي مسألة التعليق لم يصدر منه بعد العقد ما يقتضي الفسخ ولا ما يتضمنه، والتعليق لا يصلح متضمناً للفسخ؛ لكونه صدر قبل البيع، والفسخ لا يقبل التعليق والله أعلم. [وجوابه ما قاله القاضي حسين في كتاب الزكاة: حيث حكى نفوذ العتق عن نص الشافعي، وكذلك غيره: أنا نسلم أن الفسخ لا يقبل التعليق قصداً، لكن نقول: قد يقبله ضمناً كالإبراء. فأما ما لا يقبل التعليق قصداً ويقبله ضمناً، وذلك فيما إذا علق عتق المكاتب فأما [ما] يضمنه الإبراء عن النجوم عند وجود الصفة حتى يبيعه إكسابه ولو لم يضمنه الإبراء لكان عتقه غير واقع عنها، فلا يستتبع الإكساب. وهذا الجواب فيه نظر أيضاً: لأنه في مسألتنا علق الشيء قبل ملكه له، وقاعدتنا: أن من لا يملك الشيء لا يملك تعليقه. وفي مسألة الإبراء: التعليق وجد بعد الملك له. ومما يشابه مسألة الكتابة: إذا أسلم الزوج على أكثر من أربع، فقال: من دخلت الدار فهي طالق فدخلت واحدة، طلقت، وكان ذلك اختياراً للزوجية فيها. ولو قال: من دخلت الدار فهي مختارة، لم يصح، فظهر أنه يغتفر في التعليق الضمني ولا يغتفر في المقصود والله أعلم]. قال: وإن تبايعا بشرط الخيار إلى ثلاثة أيام فما دونها جاز. الأصل في صحة شرط الخيار للمتعاقدين: الإجماع، وفي جوازه ثلاثة أيام ما روى مسلم وأبو داود عن محمد بن يحيى بن حبان قال: كان جدي قد بلغ مائة وثلاثين سنة، وما زال يخدع،

стр. 4012

فقال له رسول الله ﷺ : "من بايعته فقل: لا خلابة وأنت بالخيار ثلاثاً". وزاد البخاري في تاريخه بعد قوله: "فقل: لا خلابة، وأنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال". وحكى الإمام: أن سبب ضعفه ما أصابه من شجة في رأسه مأمومة. وكان قد ثقل لسانه لأجل الشجة فكان يقول لا خدابة.

стр. 4013

وما روي عن عمر- ﵁ أنه قال: ما أجد لكم أوسع مما جعل رسول الله ﷺ لحبان بن منقذ جعل له عهدة ثلاثة أيام، إن رضي أخذ وإن سخط ترك. وغير ذلك من الأحاديث المذكورة في كتب الفقهاء. وإذا ثبت جواز شرط الثلاث، فما دونها أولى؛ لأن فيه تخفيفاً للغرر. وأما الزيادة على الثلاث فلا يجوز اشتراطها؛ لأن ما حد في الشرع بحد فلا بد أن يفيد المنع من الزيادة أو النقصان، ولما لم يفد هذا الحد المنع من النقصان وجب أن يمنع الزيادة. ولأن الخيار غرر جوز شرطه ثلاثة أيام؛ لأنها مدة قريبة والحاجة تدعو إليها في الغالب بخلاف ما فوقها. ولأن الخيار مخالف لوضع البيع في منع نقل الملك أو لزومه فثبوته حائد عن الوضع فتعين التوقيف فيه، وقد ورد الخبر في إثبات الثلاث فلا مزيد عليها، ولو شرط زيادة عليها بطل العقد. ويقوم مقام قولهما: "شرطنا خيار الثلاث" قولهما: "لا خلابة"، إذا كانا عالمين بمعناها، وهو اشتراط الخيار ثلاثة أيام وإن كانا جاهلين لم يثبت الخيار، وإن علم البائع دون المشتري ففيه وجهان، عن ابن القطان. قال مجلي: ويتخرج الوجهان أيضاً إذا كان المشتري عالماً والبائع جاهلاً، وفيما إذا كانا جاهلين [أو أحدهما] وعلى ذلك جرى ابن التلمساني فقال: إن كانا عالمين بمعناها ثبت، وإن كانا جاهلين أو أحدهما فوجهان، وهذا منه فيه نظر: لأنه فسر قوله: "لا خلابة" بمعنى: لا خديعة، وإذا كان هذا معناه لم يلزم من قوله: "لا خلابة" اشتراط الثلاث، وإن كانا عالمين بمعناها؛ إذ لا يلزم من عدم الغبن والخديعة اشتراط الثلاث. واعلم أن لصحة اشتراط ما دون الثلاث شرطين: أحدهما: أن يقيده بمدة معلومة فلو لم يقيد بل قال: يكون لنا الخيار وقتا من

стр. 4014

النهار أو [وقتاً] من الليل، أو لا ينتهي إلى ثلاثة أيام لم يصح. والعلم تارة يحصل بأن يقال: إلى طلوع الشمس، أو إلى وقت طلوعها من الغد، وإلى غروب الشمس، أو إلى وقت غروبها من الغد. وخالف الزبيري وقال: التقييد بطلوع الشمس لا يصح. وتارة بأن يقال: إلى يوم أو ساعة فيصح وإن أطلق؛ لأنه يحمل على اليوم الذي هو فيه كما لو حلف [أنه] لا يكلمه شهراً، ثم ينظر: إن كان العقد نصف النهار ثبت له الخيار إلى أن ينتصف النهار من الغد، والليل يدخل في حكم النهار للضرورة، وإن كان العقد بالليل فلابد أن يشترط الخيار في بقية الليل، كذا قاله في "التتمة" وفيه نظر، من حيث إنه جعل اليوم محمولاً على اليوم الذي هو فيه، وفي نظيره من الإجارة لا يصح، ولم يظهر لي فرق بينهما.

стр. 4015

الشرط الثاني: أن يكون متوالياً، فلو قال: على أن يكون لنا الخيار اليوم وبعد غد ويكون العقد لازماً في الغد لم يصح وكذا لو شرطا الخيار [في الغد دون اليوم؛ لأن العقد بعد لزومه لا ينقلب جائزاً بالشرط ولهذا لو شرطا الخيار] ثلاثة أيام ثم أسقط الخيار في اليوم الأول سقط الكل. ولصحة شرط خيار الثلاث شرط ثالث غير اتصالها بالعقد أو بلزومه، وهو: أن يكون المبيع مما لا يفسد فيها، فلو كان مما يفسد فيها، فهل يصح العقد ويباع عند الإشراف على الفساد أو يبطل العقد؟ فيه وجهان محكيان في البيان عن الفقيه زيد بن عبد الله. قلت: ويتجه أن يكونا مفرعين على القول بأن خيار المجلس يثبت فيه، وأما إذا قلنا: لا يثبت فيه فخيار الشرط أولى لضعفه، بسبب افتقاره للشرط، وإذا لم يثبت بطل العقد؛ لأنه شرط فاسد انضم إليه. قال: إلا في الصرف وبيع الطعام بالطعام؛ لأن الشرع اعتبر في ذلك التقابض، ليتمكن من التصرف فيه، وينقطع العلق، والخيار يمنع التصرف ويبقي علقه، فهو مناقض لموضوع الشرع، ولأن ذلك لا يقبل الأجل لما فيه من الغرر، والخيار أحق أن يكون غرراً من الأجل؛ لأنه يمنع الملك أو لزومه فهو أولى بألا يحتمل. وفي "النهاية": أن الخيار في الحقيقة تأجيل لنقل الملك أو تأجيل لزومه. والمراد بالصرف: تبايع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة أو أحدهما بالآخر. قال النووي: وسمي بذلك لصرفه عن مقتضى باقي البيوع، وقيل: لصيرفه، وهو صوته في كفه الميزان، وقال الماوردي: لأن الشرع أوجب على كل واحد مصارفة صاحبه، أي: مصافقته. تنبيه: قال ابن يونس: واعلم أن هاهنا موضعين آخرين لابد من استثنائهما: السلم، وكل شراء يستعقب العتاقة، فإنه لا يثبت فيه خيار الشرط، ولا خيار المجلس على المذهب الصحيح ووافقه ابن التلمساني على ذلك، وزاد موضعاً ثالثاً وهو: المعاوضة على ما في الذمة حيث يجوز الاعتياض عنه. وما قالاه غير محتاج إليه؛ لأن السلم بيع دين، وكذا المعاوضة على ما في الذمة؛

стр. 4016

وقد بينا في أول الباب أن المراد بالبيع المبوب عليه: بيع الأعيان. وشراء القريب قد بينا أن خيار المجلس ثابت فيه عند الجمهور كما فصلناه. وخيار الشرط عندهم [كذلك] كما أشار إليه الرافعي بقوله: "والقول الجملي في خيار الشرط: أنه مع خيار المجلس متلازمان في الأغلب، فإن أردت التفصيل فراجع ما سبق في خيار المجلس، وما قاله مطرد في كل ما يسمى: بيعاً، وقد صرح القاضي الحسين بثبوته جزماً في كتابه الوصية عند الكلام فيما إذا أوصى له بقريبه، وقلنا: إنه يملك بالموت. [تنبيه] آخر: إطلاق الشيخ القول بجواز اشتراط خيار الثلاث فما دونها من غير أن يعين من يثبت له فيه إشعار بجواز اشتراطه لهما ولأحدهما، كما حكاه غيره، ومنه يستنبط جواز اشتراطه لأحدهما ثلاثة أيام وللآخر دونها؛ لأنه إذا جاز أن ينفرد أحدهما به فانفراداه ببعضه أولى ويجوز اشتراطه لغيرهما سواء كان ذلك الغير العبد المبيع أو غيره كما جزم به الإمام، وادعى اتفاق الأصحاب [عليه]؛ إذ لو لم يكن كذلك لكان مطلقاً للفظ في موضع لابد فيه من التصفيل، ومما يؤيد ذلك: أن خيار المجلس لما كان مختصاً بالمتعاقدين ولا يجوز انفراد أحدهما به ابتداء، قال فيه: وإذا انعقد البيع ثبت لهما الخيار. وفي طريقة العراق- على ما حكاه في "المهذب" و"الشامل"، وطريق المراوزة على ما حكاه البغوي والمتولي- حكاية قول فيما إذا شرط لغير المتعاقدين أنه يبطل العقد. وعلى المذهب: هل يثبت الخيار لمن اشترطه للأجنبي مع الأجنبي؟ فيه قولان: أصحهما: أنه لا يثبت اقتصاراً على الشرط. والثاني: يثبت لمعنيين. أحدهما: أن شرط الخيار للأجنبي يشعر بإثباته لنفسه من طريق الأولى. والثاني: أنه يستحيل ثبوت الخيار لغير المتعاقدين إلا على سبيل النيابة. وعليهما يخرج ما لو شرطا الخيار لأجنبي دونهما، فعلى الأول يختص به.

стр. 4017

وعلى الثاني: يبطل، ثم حيث حكمنا بثبوته لهما فلا يتوقف اختيار أحدهما الفسخ والإجازة على أمر الآخر، ولو أجاز أحدهما وفسخ الآخر، كان الفسخ أولى، وحيث حكمنا بثبوته للثالث خاصة، فإذا مات الوكيل في زمن الخيار ثبت للموكل على الأصح في "التهذيب" وهو قريب مما حكيناه في خيار المجلس. فروع: [الأول] إذا اشترى شيئاً على أن يؤامر فلاناً فيأتي بما يأمره [به]، المنقول عن نصه في "الإملاء": أنه يجوز، وليس له الرد حتى يقول استأمرته فأمرني بالفسخ، فمن الأصحاب من قال: لا يفسخ إلا بالإذن وفاءً بالشرط، ومنهم من قال: [يجوز] بغير إذنه، وحمل النص على مراعاة الصدق وذلك فيما إذا قيد المؤامرة بالثلاث فما دونها، وقيل: يحمل على الإطلاق كما في خيار الرؤية. [الثاني] الوكيل بالبيع أو الشراء يجوز أن يشترط الخيار بإذن موكله، ولمن يثبت عند الإطلاق؟ فيه ثلاثة أوجه: ثالثها لهما، ولا يجوز أن يشترطه بغير إذن موكله لغيره ويجوز أن يشترطه لموكله على الأصح. وفي اشتراطه لنفسه وجهان. وفي "النهاية" في كتاب الوكالة حكاية وجه: أنه يجوز أن يشترطه لغير موكله من بائع أو مشتر. ثم حيث أثبتناه له لم يفعل إلا ما فيه الحظ للموكل؛ لأنه مؤتمن، بخلاف الأجنبي المشروط له الخيار فإنه لا يلزمه رعاية الحظ. قال الرافعي: ولناظر أن يجعل شرط الخيار له ائتماناً، وهذا أظهر إذا جعلناه نائباً عن الشارط. الثالث إذا باعه على أنه إن لم ينقد الثمن في ثلاثة أيام، فلا بيع بينهما، أو باع على أنه إن رد الثمن في ثلاثة أيام فلا بيع بينهما، فهذا شرط فاسد، وعن أبي إسحاق

стр. 4018

المروزي: أنه يصح العقد، والمذكور في الصورة الأولى شرط الخيار للمشتري، وفي الثانية شرطه للبائع. وإذا شرط الخيار في أحد العينين على الإبهام لم يصح وإن كانت معينة ففي الصحة قولا تفريق الصفقة في الحكم ولا فرق عند الشيخ أبي حامد فيجريان القولين بين أن يكون قد قدر ثمن كل عين منهما أو أطلق. وقال صاحب التلخيص: إن كان ثمن كل عين مقدراً صح وقلته تخريجاً قال العمراني في الزوائد: فمن أصحابنا من وافقه ومنهم من وافق أبا حامد. وعلى قول الصحة إذا أجاز البيع في الذي شرط الخيار فيه أخذهما بالثمن، وإن لم يجزه جاز البيع في الآخر وأخذه بقسطه من الثمن، كذا قاله أبو الطيب في تعليقه. [الرابع]: إذا مات أحد المتعاقدين في مدة الخيار، انتقلت بقية المدة لوارثه، فإن كان غائباً وتصرمت بقية المدة قبل اطلاعه ففي "الحاوي": أنه يسقط الخيار ويلزم العقد. وفي "الشامل" وغيره: أنه لا يسقط ولكن هل يثبت له على الفور، أو بقدر ما بقي من المدة؟ فيه خلاف. ولو ارتد في مدة الخيار ومات حكى الرافعي في كتاب الشفعة: أن للإمام الرد. قال: ويعتبر ابتداء المدة- أي: في خيار الشرط- من حين العقد؛ لأنه خيار ثبت بالشرط والشرط وجد في العقد؛ ولأن زمان التفرق مجهول، ووجهه الشيخ وغيره من العراقيين: بأن مدة الخيار [مدة] ملحقة بالعقد فكانت من حين العقد كالأجل، وقاسوا على الأجل؛ لأن الشافعي نص فيه على ذلك؛ كما قاله ابن الحداد. واحترزوا بقولهم: "ملحقة بالعقد"، من الاستبراء فإن ابتداء مدته من حين القبض على وجه، ومن حين اللزوم على وجه. ووجه مشابهة الخيار الأجل: أن كلا منهما مانع من المطالبة وهو مماثل له في هذا المعنى، وقد اجتمعا، فكذلك خيار اشلرط [مع] خيار المجلس.

стр. 4019

أو لأن الخيار في الحقيقة تأجيل لنقل الملك أو للزومه، والأجل تأجيل للمطالبة، وقد اجتمع أحد التأجيلين مع خيار المجلس فكذلك الآخر، وهذا هو الصحيح في الخيار والأجل. وفي طريق المراوزة حكاية وجه في الأجل، أن ابتداءه من حين انقطاع خيار المجلس. قال الإمام: ومن قال به فقياسه يقتضي أن يقول: إذا اشترط في البيع خيار ثلاثة أيام وأجل الثمن أن يكون ابتداء الأجل من انقضاء خيار الشرط [لأنه عنده في معناه ولا سبيل إلى الجمع بين المتماثلين هكذا حكاه هاهنا، وحكى في آخر باب الشرط [الذي يفسد البيع وجهين في أنه يثبت من وقت انقضاء خيار المجلس، أو من وقت انقضاء خيار الشرط]. ثم قال: والوجه القطع بأن ابتداء الأجل من انقضاء الخيار المشروط على الوجه الذي عليه نفرع، فإن الأجل أحق بمجانسة خيار الشرط منه بمجانسة خيار المجلس، والمجانسة تؤثر في منع الجمع. قال: وقيل من حين التفرق، أي: أو التخاير؛ لأن الجمع بين خيارين متماثلين في وقت واحد لاغ لا معنى له، وكل شرط لم يتضمن فائدة: لغو، هكذا حكاه الإمام. وعبر عنه الغزالي: بأن اجتماع خيارين متماثلين في وقت واحد لا يعقل. والمراد بالمتماثلين: أنهما: [خيار الشرط والمجلس]؛ ولأن الشارط إنما يبغي الإثبات لنفسه في وقت يقتضي العقد لزومه، وهذا ميل النص إليه أكثر، كما قاله الإمام في آخر باب الشرط الذي يفسد البيع، وقاله الماوردي أيضاً ثم إنه ظاهر [مذهب الشافعي]، وكذا أبو الطيب في "شرح الفروع"، وقال: إن لفظه ولو اشترط الخيار في البيع أكثر من ثلاثة بعد التفرق فسد البيع. وللقائل الأول أن يجيب عن الأولى: بأن الخيار واحد، لكن له جهتان: المجلس والشرط، وذلك لا تعدد فيه، كما أنه يثبت بجهة الخلف والعيب معاً. وعن الثانية بأن تنزيل الشرط على ما ذكرتموه يورث الجهالة؛ لأنو قت انقطاع خيار المجلس [مجهول فإن قيل: هذا جهل من أحد طرفي الخيار، وذلك غير ممنوع بدليل خيار المجلس فإن انتهاءه غير معلوم.

стр. 4020

قلنا: الفرق من جهتين: أحدهما: أن ما ذكرتموه يؤدي إلى تثكير الجهالة. والثاني: أن خيار المجلس] ثابت بالشرع فهو أقوى، فلا يقاس عليه الأضعف. التفريع: إن قلنا، بالقول الأول، وهو ما ذهب إليه ابن الحداد، فلو اصطحبا حتى مضت مدة خيار الشرط، وبقي خيار المجلس، فإن أسقطا أحد الخيارين لم يسقط الآخر، ولو قالا: ألزمنا العقد وأسقطنا الخيار مطلقاً سقطا، ولو شرطا الاحتساب من وقت التفرق بطل الشرط والعقد، وحكى صاحب "التقريب" وجهاً: أن الشرط لا يبطل، وضعفه الإمام، وقال: لا أصل له. وإن قلنا: بالقول الثاني، وهو طريقة أبي إسحاق المروزي، على ما هو محكي في "شرح الفروع"، فلو قالا: أسقطنا الخيارين، أو قطعناهما انقطع خيار المجلس، وهل ينقطع خيار الشرط؟ فيه وجهان: حكاهما الإمام، وفي "التهذيب" تصوير محلهما بما إذا أوجب أحدهما البيع في المجلس. ووجه عدم السقوط: أنه غير ثابت بعد. ولو شرطا الاحتساب من حين العقد ففيه وجهان، حكاهما ابن الحداد عن أبي إسحاق أصحهما عند العراقيين الصحة، وهما مبنيان عند الشيخ أبي علي، وصاحب "التقريب" على العلتين، فعلى الأولى، لا يصح العقد؛ لأن الجمع غير ممكن، ولا سبيل إلى إسقاط خيار المجلس لقوته، وإذا لم يسقط كان حقيقة الشرط ترجع إلى اشتراط ما يبقى من الثلاث من حين التفرق، وذلك مجهول مبطل، وعلى الثانية يصح مع الشرط؛ لأن التصريح يبين أنه لم يرد بالشرط ما بعد التفرق. وقد حكى ذلك الإمام والغزالي، والبناء ظاهر على عبارة الغزالي. وأما على عبارة الإمام ففيه نظر، من حيث إنه إذا كان الشرط لا يتضمن فائدة، وقد

стр. 4021

ألغي فكيف يفسد به العقد، إذ العقد إنما يفسد بالشرط [الفاسد] الذي يتأثر به العقد ويبقى علقه. [على] ما سيأتي. وقد أبدى الإمام ذلك احتمالاً في عدم الإبطال، في آخر باب الشرط الذي يفسد البيع، وقال الماوردي فيه أيضاً: يجب أن يكون الخلاف مخرجاً من اختلاف الوجهين في البيع، إذا شرط فيه نفي خيار المجلس؛ لأنهما إذا شرطا خيار الثلاث من وقت العقد، فقد أسقطا خيار المجلس. فرع: لو شرطا الخيار بعد العقد وقبل التفرق، وقلنا: بثبوته على ما سنذكره- إن شاء الله تعالى- في باب المرابحة فالحكم على الوجه الثاني لا يختلف، وعلى الأول يكون الاحتساب من وقت الشرط لا من وقت العقد. قال: وينتقل المبيع إلى المشتري بنفس العقد في أحد الأقوال. هذا مستنبط من نص الشافعي- ﵁ فيما إذا باع عبداً بشرط الخيار، ثم أعتقه في زمان الخيار، حيث قال: ينفذ عتقه، ويعود إلى ملكه، فلولا أنه يزول عن ملكه، وإلا لما قال: إنه يعود؛ لأن العود إنما يكون بعد الزوال، كذا قاله القاضي الحسين. وقال الماوردي: إنه نص عليه في زكاة الفطر. ووجهه: قوله ﷺ : "من باع عبداً وله مال، فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع"، وجه الدلالة منه: أنه جعل المال للمبتاع بالشرط وحده، ولأن البيع قد تم بالإيجاب والقبول، فثبوت الخيار فيه لا يمنع الملك كخيار العيب؛ لأن البيع موضوع لنقل الملك، فلو استأجر عنه لكان في معنى تعليق العقد على أمر مجهول، وهو زوال الخيار. ووجهه الشيخ في "المهذب" وغيره: بأنه عقد معاوضة، فانتقل الملك فيه بنفس العقد كالنكاح، وفيه نظر؛ لأن الخلاف في نقل الملك جاء لأجل الخيار، والنكاح لا خيار فيه، فنظيره إن تبايعا على أن لا خيار مجلس بينهما، وصححنا العقد، فإن الملك

стр. 4022

فيه ينتقل بنفس العقد وجهاً واحداً، وعلى هذا يكون الملك في الثمن للبائع. فائدة: هل نقول [على] هذا القول حصل الملك مع آخر اللفظ أو مترتباً بعده؟ فيه خلاف حكاه الغزالي في ضمن ضابط. ذكره في كتاب الطهارة، عند قوله: أعتق عبدك عني. قال: وبانقضاء الخيار في الثاني: هذا مستنبط من نص الشافعي فيما إذا باع جارية بشرط الخيار، وكانت حاملاً فوضعت [فإنه قال]: يلزم المشتري الاستبراء، ولو كان الملك فيها للمشتري؛ لحصل الاستبراء بالولادة. ووجهه ما روى مسلم [والبخاري] أنه ﷺ قال: "كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا، إلا بيع الخيار". وجه الدلالة منه: أن البيع ليس منفياً بالاتفاق، فيتعين أن يكون المنفي حكماً من أحكامه، وأقربها لنفي الذات نفي الملك، ولأنه إيجاب غير لازم مع سلامة المعقود عليه، فلم ينتقل الملك ما لم يلزم، كعقد الهبة، وعلى هذا يكون الثمن للمشتري. قال: وموقوف في القول الثالث، فإن تم البيع بينهما حكمنا بأنه انقتل بنفس العقد، وإن لم يتم حكمنا بأنه لم ينتقل هذا مستبنط من نص الشافعي، حيث قال: لو اشترى زوجته بشرط الخيار، لا يحل له وطؤها في زمن الخيار، لأنه لا يدري أيطأ زوجته أو مملوكته. ووجهه أن ما يدل على انتقال الملك قد عارضه ما يدل على بقائه، وليس لأحدهما رجحان على الآخر فيقفان، ولأن البيع سبب الزوال، [إلا أن] شرط الخيار يشعر بأنه لم يرض بالزوال جزماً، فوجب أن يتربص وينتظر عاقبة الأمور، كذا قاله الرافعي. ومقتضى هذا التعليل أن يكون محل هذا القول خيار الشرط، دون خيار المجلس،

стр. 4023

وليس كذلك بل الأقوال تجري فيه أيضاً، وعلى هذا القول يكون الثمن أيضاً موقوفاً. ثم الأقوال تجري عند العراقيين فيما إذا كان الخيار لهما أو لأحدهما، وكذلك حكى الفوراني في إبانته. ورواه طريقة أخرى للمراوزة، أن محلها: إذا كان الخيار لهما، أما إذا كان لأحدهما فهو المالك للمبيع. ومنهم من نفي الخلاف في المسألة، وقال: إن كان الخيار للبائع وحده فالمبيع على ملكه، وإن كان للمشتري وحده فالمبيع منتقل إليه، وإن كان لهما فالملك في المبيع موقوف، وهذه الطريقة اختارها القاضي الروياني في الحلية. ثم إذا جرت الأقوال، فما الأظهر منها؟ الذي رجحه الشيخ أبو حامد ومن نحا نحوه القول الأول، وبه قال الإمام ورجح آخرون قول الوقف، وبه قال البغوي، واختاره ابن عصرون في "المرشد". وذهب بعض المحققين على ما حكاه الإمام هنا، وفي كتاب الإقرار، واختاره الفوراني أن الخيار إن كان للمشتري وحده فالأصح انتقال الملك إليه، وإن كان للبائع وحده فالأصح بقاء الملك في المبيع [له]، وإن كان الخيار لهما فالأصح قول الوقف. وتظهر فائدة الخلاف في مسائل. منها: إذا اكتسب المبيع شيئاً في زمن الخيار لمن يكون؟ ينظر إن تم البيع وقلنا: إن الملك للمشتري أو موقوف [فهو له]. وإن قلنا: إنه للبائع، فوجهان: الجمهور على أنه له، وعن أبي علي الطبري: أنه للمشتري؛ لأن سبب ملكه موجود أولا، وقد استقر عليه آخراً، فيكتفي به. وإن فسخ، فإن قلنا: الملك للبائع، أو موقوف فهو له، وإن قلنا: إنه للمشتري فوجهان: أصحهما أنه له. وبنى صاحب "التتمة" الوجهين على أن الفسخ رفع العقد من حينه، أو من أصله، وفيه خلاف حكاه، فإن قلنا: بالأول فهو للمشتري، وإن قلنا بالثاني فهو للبائع. قلت: يتجه أن يكون هذا الخلاف مبنياً على الخلاف المتقدم، فإن قلنا ثم: إنه يكون للمشتري فيكون هنا للبائع، وإن قلنا ثم: يكون للبائع، فهاهنا، هل يكون

стр. 4024

للمشتري؟ فيه الخلاف، بناء على أن الفسخ يرفع العقد من أصله أو من حينه. وفي معنى الكسب اللبن، والبيض والثمرة المؤبرة، ومهر الجارية إذا وطئت بالشبهة، وكذا الولد إن فرض حصوله، وانفصاله في زمان الخيار لامتداد المجلس، أما إذا كان مختبئاً حالة البيع، وانفصل في زمن الخيار، فإن قلنا: لا يأخذ قسطاً من الثمن فهو كالكسب، وإن قلنا: إنه يأخذ قسطاً منه وهو الصحيح فهو لمن استقر له الملك. وحيث حكمنا بأن الولد للمشتري، هل يكون مضموناً على البائع حتى يسلمه؟ فيه وجهان مخرجان من اختلاف قوليه في نماء الصداق، هل يكون مضموناً على الزوج؟ كذا حكاه الماوردي وأجراه في الكسب والثمرة، وفي "تعليق" القاضي الحسين في باب بيع الطعام: الجزم بأنه يكون أمانة في يده، وحيث حكمنا بأن الولد للبائع وانفسخ العقد، قيل: يكون مضموناً على المشتري. قلت: ويتجه أن يكون ضمانه مخرجاً على أنه يضمن الأم إذا تلفت في يده، كما في ولد العارية، وسنذكره. ومنها: نفقة المبيع على من تجب؟

стр. 4025

قال الجيلي: إن قلنا: بانتقاله إلى المشتري فعليه، وإن قلنا: ببقائه على ملك البائع فعليه، وإن قلنا: بالوقف فعليهما، ويجبر كل منهما صاحبه على النفقة، والحاكم يجبرهما إذا امتنعا أو يفسخان، وهو موافق لما ذكر في زكاة الفطر، وكان يتجه أن يكون الحكم في النفقة كالحكم في الكسب، ويجعل الغنم في مقابلة الغرم. ويعضد بما حكاه الرافعي في نفقة العبد الموصى به بعد موت الموصى، وقبل القبول والرد: من أن حكمها حكم الكسب، وإن كان في "الوسيط": أنها مع الفطرة على الموصى له إذا قبل على كل قول، وعلى الوارث إن رد على كل قول، ولا يعود فيها الوجه المذكور في الزيادات، وإن كان يحتمل أن يقال: الغرم في مقابلة الغنم، لكن إدخال شيء في الملك قهراً أهون من إلزام مؤنته قهراً، وهذا لا يجيء مثله هاهنا؛ لأنه هو المتسبب للإلزام بالعدق. ومنها: إذا اشترى زوجته هل يحل له وطؤها في زمن الخيار؟ إن قلنا: إن الملك للبائع حل له وإن قلنا: [إنه للمشتري] لم يحل له؛ لأنه ملك ضعيف، وكذا إن قلنا: إنه موقوف؛ لأنه لا يدري أيطأ زوجته فيحل، أو مملوكته بملك ضعيف فلا يحل، هكذا قاله الغزالي في حل إشكال النص في باب الإقرار. وحكى الرافعي هنا: أنه ليس له الوطء من غير بناء، ثم قال: وفيه وجه آخر، لم يزد على ذلك، وما ذكره الغزالي أحسن. ومقتضاه: أنا إذا قلنا: بأن الملك للمشتري أن النكاح ينفسخ به مع ضعفه، وقد صرح بذلك فيما إذا أوصى له بزوجته، فقال: إن قلنا: إنه يملك انفسخ النكاح، وإن كان ضعيفاً وموضع الكلام في هذا "باب ما يحرم من النكاح" فليطلب منه. ومنها: لو طلقها في زمن الخيار ثلاثاً، فإن تم البيع، وقلنا: إن الملك له أو موقوف [لم يقع]. وإن قلنا: [إن الملك للبائع ففي وقوع الطلاق وجهان، وإن فسخ وقع إن قلنا: لا ملك له أو موقوف، وإن قلنا:] إنه ملك بنفس العقد ففي وقوع الطلاق وجهان.

стр. 4026

[ومنها: لو كان المبيع جارية وحاضت بعد العقد، وقبل انقضاء الخيار، فإن قلنا: إن الملك للبائع لم يعتد بهذه الحيضة عن الاستبراء، وإن قلنا: إنه للمشتري أو موقوف، ففي الاعتداد بها وجهان] ظاهر النص منهما على ما هو محكي في كتاب الاستبراء أنه لا يعتد بها أيضاً؛ لأن الفرج في زمن الخيار محظور عليه، وينبغي أن يقع الاستبراء في زمن الإباحة وحكم الولادة في زمان الخيار لولد الزنا كالحيض، قاله الماوردي. وفي مجموع المحاملي الجزم بالاعتداد بذلك: إذا قلنا: بأن الملك للمشتري أو موقوف، وكان الخيار له وحده، والجزم بعدم الحصول إذا كان للبائع أو لهما. قال: ولا يملك المشتري التصرف في المبيع حتى ينقطع خيار البائع، ويقبض المبيع. اعلم أن الألف واللام في "التصرف" إن استعملهما الشيخ لإرادة العموم حتى يتناول المنع كل تصرف، كان ذلك منه اختياراً لغير الصحيح من المذهب في بعض الصور؛ لأنه عنى ملك التصرف بانقطاع خيار البائع وقبض المبيع، ومن التصرفات ما لم يتوقف على القبض على الصحيح، كما ستعرفه من بعد، ومنها أيضاً ما ينفذ في زمن الخيار وهو العتق- على ما سنبينه- ونفوذه دليل على ملكه له. وقد يجاب عن هذا، بأن نفوذ الشيء لا يدل على ملكه، ألا ترى أن أحد الشريكين إذا وطئ الجارية المشتركة نفذ حكم وطئه في ثبوت الاستيلاد وغيره، وإن كان لا يملك الوطء. وعلى تقدير التسليم فالمراد نفي ملك تصرف ينفذ حكمه في الحال، من غير أن ينتظر أمراً آخر، والعتق ليس كذلك. وإن استعملهما لإرادة حقيقة الجنس، لزم منه ما ذكرناه أيضاً، لأنه نفي المطلق، ونفى المطلق يقتضي نفي الجميع. وإن استعملهما لإرادة المعهود، وهو البيع المتقدم ذكره كان ماشياً على قاعدة

стр. 4027

المذهب، غير أن كلامه لا يكون شاملاً لكل تصرف هو ممنوع منه قبل وجود ما ذكره، وذلك أسهل من مخالفة المذهب. فنوجهه ونقول: توقف ملك التصرف المذكور على انقضاء الخيار ظاهر، إن قلنا: لا يملك [إلا به، وإن قلنا: إنه يملك بنفس العقد فهو ملك ضعيف معرض للسقوط، فوجب ألا يملك] التصرف فيه [لضعفه] كملكه [للمكاتب]، وإن قلنا: إن ملكه موقوف]، فلأنه إذا لم يملكه مع القول بأن الملك له في الحال لضعفه، فلأن لا يملكه وهو يجهل حصول الملك له كان أولى. وأما توقفه على قبض المبيع فوجهه ما روى الإمام أحمد عن حكيم بن حزام أنه قال: قلت يا رسول الله: إني ابتاع بيوعاً، فما الذي يحل لي منها؟ وما الذي يحرم؟ فقال: إذا ابتعت بيعاً فلا تبعه حتى تقبضه. [وفي رواية أخرى، أخرجها الترمذي وأبو داود]: "لا تبع ما ليس عندك". وروى أبو داود عن زيد بن ثابت، قال: نهي رسول الله ﷺ أن تباع السلع حيث تباع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم. وروى البيهقي بسنده عن ابن عباس أنه ﷺ كتب إلى عتاب بن أسيد، وكان قد

стр. 4028

ولاه مكة: "انههم عن بيع ما لم يقبضوا، وربح ما لم يضمنوا". واختلف الأصحاب في تعليل المنع بماذا؟ على وجهين: نذكرهما مع ما يظهر من فائدتهما في الباب الثاني، إن شاء الله تعالى. وفي "المهذب" وغيره وراء ما ذكرناه حكاية وجهين آخرين: أحدهما: أنه إن باع بإذن البائع صح إن قلنا: إن الملك له؛ لأن المنع من التصرف لحق البائع فزال بإذنه، وكذلك حكاه في "الشامل" أيضاً وقال: إن العقد يلزم على الوجهين جميعاً. وقياس ما سنذكره من الخلاف في أن التصرف المردود، هل يبطل الخيار أن يجري هاهنا؟ وهذا الوجه لم يحك الفوراني سواه، لكنه لم يفرعه على قول الملك، بل أطلق القول به، وكذلك حكاه الرافعي مع الأول من غير تفريع على قول الملك وصححه، وبه جزم الماوردي أيضاً. والثاني عن الإصطخري: أن البيع يصح إن قلنا: إن الملك له، وإن لم يأذن له البائع، وللبائع الخيار فإن فسخ بطل تصرف المشتري. ووجهه بأن تصرفه صادف ملكه الذي ثبت فيه للغير حق الانتزاع، فأشبه ما إذا اشترى شقصاً في شفعة فباعه. والذي يقتضيه إيراد الشيخ ترجيح عدم الصحة، وإن أذن فيه البائع، فإنه علق ملك التصرف على القبض، وعلى انقطاع الخيار، وبالإذن له في البيع لا يظهر أنه ينقطع خياره، كما لا يبطل حق الوثيقة في الرهن بإذن المرتهن للراهن في البيع ما لم يوجد البيع. وإذا لم ينقطع الخيار فالملك غير تام؛ فلذلك لم يصح البيع، ويخالف الرهن فإنه يصح بيعه؛ لأن الملك فيه تام، وإنما امتنع التصرف لمحض حق المرتهن وقد أذن، وقد يقال: إن الإذن في البيع يبطل الخيار، لأنه يسقط بمثل ذلك في قول أحدهما

стр. 4029

للآخر: اختر، فيقوم الإذن مقام قوله: اختر. والفرق بين المشتري هاهنا وبين مشتري الشقص المشفوع: أن الشفيع لا يرفع ملك المشتري، وإنما يقرره ويقطعه، وذلك يدل على قوته؛ فلذلك صح تصرفه، وإن لم يأذن والبائع هاهنا إذا أخذ المبيع رفع ملك المشتري إما من أصله أو من حينه على اختلاف الطريقتين، وذلك يدل على ضعفه فانقطع الإلحاق. واعلم أن تعميم الشيخ المنع يدل على أنه لا فرق عنده في التصرف قبل انقضاء الخيار، وقبل القبض بين أن يكون مع البائع أو غيره، والمشهور فيما إذا باعه من البائع في زمن الخيار صحة البيع، وهو اختيار ابن سريج؛ لأن صدوره منهما رضا بلزوم الأول كما لو تخايرا. وقال الماوردي في أواخر باب الربا: هذا غير صحيح؛ لأن العقد الأول لم يستقر بالافتراق ولا بالتخاير، وما ذكر من التعليل فغلط، والفرق بينه وبين التخاير: أنهما إذا اختارا الإمضاء فقد رضي كل واحد منهما بإقرار ملك صاحبه على ما انتقل إليه، فاستقر بذلك الملك. وإذا اتفقا على البيع الثاني فكل واحد منهما لم يرض باستقرار ملك [صاحبه على ما انتقل إليه، فلم يستقر بذلك الملك، فكان حكم التخاير والبيع مختلفاً، فلم يجز أن يكون في لزوم العقد متفقاً]. وعن صاحب "التقريب": أنه مبني على أن الخيار هل يمنع انتقال الملك؟ إن قلنا: يمنع لا يصح. وحكى الإمام عن شيخه الخلاف في صحة البيع أيضاً. ووجه المنع بأن المشتري لا يجوز له الانفراد بالبيع، فإذا ابتدأ بالإيجاب بطل، والقبول يترتب عليه. ثم قال: وما ذكره يقتضي تردداً في صحة بيع المرهون من المرتهن من غير تقديم فك الرهن، والذي أقطع به نقلاً جواز البيع. وفي "الوسيط" عند الكلام في التولية: حكاية خلاف فيما إذا باع المبيع من البائع

стр. 4030

قبل القبض هل يصح؟ وحكاه البندنيجي في باب [بيع الطعام]، وفي الرافعي: أن الصحيح: عدم الصحة. وفي "تعليق" القاضي الحسين وغيره كلام سنذكره [في الباب الثاني] إن شاء الله تعالى. ولا غنى بنا عن ذكر ما قاله الأصحاب في التصرف من الهبة والعتق، وغيرهما قبل انقضاء الخيار فنقول: الهبة والوقف ملحقان بالبيع فيما ذكرناه، على ما حكاه ابن الصباغ وغيره. وفي "الحاوي": إلحاق الوقف والتدبير بالعتق، وحكاية خلاف في الكتابة هل تلحق بالبيع أو بالعتق؟ وأما العتق إذا صدر منه بغير إذن البائع فقد بناه العراقيون عند الإجازة، والرد على أقوال الملك فقالوا: إن تم العقد نفذ إن قلنا: إن الملك له [أو موقوف، وكذا إن قلنا: لا ملك له، وإن فسخ وقلنا: لا ملك له أو موقوف لم ينفذ، وكذا إن قلنا: إن الملك له] على المذهب. وعن ابن سريج أنه ينفذ إذا كان موسراً دون ما إذا كان معسراً كعتق المرهون. وحكى الرافعي: أن من الأصحاب من أطلق الحكاية عنه بنفوذه من غير تقييد باليسار. فإن قلنا: يعتق، فهل يرجع البائع بالثمن أو بالقيمة؟ فيه وجهان، عن ابن سريج أيضاً، وإن كان العتق قد صدر بإذن البائع نفذ، ولم يحكوا فيه خلافاً، وكان يتجه أن يخرج على اقوال الملك والممكن في توجيهه أن يقال: البائع بالإذن له [فيه] مبطلاً لخيار نفسه، كما هو مبطل له بقوله له اختر على المذهب، وإذا كان كذلك فقد انفرد المشتري بالخيار، فينفذ عتقه كما لو كان الخيار له وحده ابتداء، فإنه ينفذ عتقه على ما سيأتي. ولكن يلزم على هذا إن كان هذا هو المأخذ أن يصح بيعه أيضاً إذا أذن له فيه جزماً، كما حكيناه عن الفوراني، وقد حكينا عنهم إجراء خلاف فيه.
следующие страницы →