← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

والأجود فأجرفت بضم الهمزة؛ يقال: أرجفت البعير؛ إذا قام من الإعياء، وأرجفه السير. قال الشيخ زكي الدين: والذي قاله المحدثون صحيح؛ لأنهما لغتان: أَرْجَف ورجف البعير، وأُرْجف؛ حكاه الزجاج وغيره. وقد حكى الماوردي عن القديم فيما إذا كان قد وجد الإشعار والتقليد: أنه لا تتوقف إباحة الأكل على أن يقول: أبحت لمن يأكل. وهذا إذا كان الهدي متطوعاً به، فلو كان منذوراًن فقد قيل: إنه لابد من الإباحة فيه أيضاً. وحكى الرافعي وجهاً في كتاب الحج: أنه لا يتوقف إباحة الأكل على أن يقول: "أبحت لمن يأكل"، وهو الذي يقتضي كلام الماوردي الذي حكيناه الجزم به، وهو الصحيح في "التهذيب"؛ لأنه بالنذر زال ملكه عنه، وصار للناس، والأول هو الذي أورده ابن الصباغ ثَمَّ؛ لأن له أن يخص به من شاء من الفقراء؛ فصار هذا كما قلنا في الزكاة: ليس للفقراء أن يأخذوها إلا بإذن صاحب المال، نعم: إذا قال ذلك: فمن سمعه، جاز له أن يأخذ، وأما من لم يسمع إذنه، فهل يجوز أن يأكل منه؟ فيه قولان: قال في "الإملاء": يحل له الأكل؛ اعتماداً على العلامة. وقال في "القديم" و"الأم": لا يحل. قال القاضي الحسين: ومن الأول خرج ابن سُريج جواز بيع المعاطاة. ثم المساكين الذين يباح لهم الأكل منهم أهل الركب، والقافلة وغيرهم، غير رفقته المختصين به والسائقين [للهدي معه؛ وأما رفقته المختصون به والسائقون] له، فهل يباح لهم الأكل؟ فيه وجهان في "الشامل"، و"تعليق" القاضي الحسين، وغيرهما: أحدهما: الجواز كغير الرفقاء، وبالقياس على ما لو وصل الهدي إلى المحل معيباً، ونحر فيه؛ بأنه يحل لهم الأكل جزماً، بل يحل للمهدي على الظاهر من المذهب؛ كما قاله الإمام، وكذا القاضي الحسين في كتاب الأضحية، وقاسه على ما لو بلغ المحل سليماً، ولم يحك الفوراني غيره فيما إذا قال: "جعلت هذا هدياً" وإن حكى وجهين فيما إذا قال: "لله علي أن أهدي هذا"، وقد ذكرنا طرفاً من ذلك في باب الأضحية.

стр. 3957

والثاني: المنع؛ بالقياس على المهدي، ويشهد له الحديث، والمعنى فيه: أنه يجوز أن تلحقهم التهمة في السعي في سبب عطبها؛ ليأكلوا منها قبل محلها، وهذا هو الصحيح في الرافعي، والمختار في "المرشد"، والمحكي في "النهاية" عن الشافعي لا غير. وهذا إذا كان الهدي واجباً بالنذر، أما إذا كان تطوعاً، فهو له، يفعل [فيه] ما شاء من بيع وأكل وغيرهما؛ صرح به الرافعي وأبو الطيب وغيرهما. وفي "الحاوي" في باب الهدي من كتاب الحج: أنه إذا كان تطوعاً، فعليه أن ينحره في موضعه، ويخلي بينه وبين المساكين، وليس له أن يأكل منه غنياً كان أو فقيراً، ولا أحد من أغنياء رفقته، وكذا فقراؤهم على مذهب الشافعي، وهذا ما أورده الفوراني كما سنذكره. [ثم] قال الماوردي: ومن أصحابنا من قال: يجوز الأكل؛ لفقراء الرفقة. فرع: لو لم ينحر ما عطب حتى مات مع تمكنه من ذبحه، ضمنه، ومن طريق الأولى إذا أتلفه، ويكون الضمان بأكثر الأمرين من قيمته وقت التعدي بعدم الذبح أو الإتلاف، أو هدياً مثله، ويجب تفريق ذلك على مساكين الحرم؛ كما قال ابن الصباغ؛ لأنه لا يتعذر نقله إليهم. وإن لم يتمكن من الذبح حتى تلف بآفة سماوية، فهل يضمنه؟ فيه وجهان في "الحاوي": أحدهما- وهو الأصح فيه، وبه جزم غيره-: لا؛ لأنه بعد النذر كالأمانة في يده، وكما لو نذر عتق عبد، فمات قبل عتقه، لا يضمنه. والثاني: يضمنه؛ لتعلق نذره بذمته بجهة باقية، وخالف نذر العتق للعبد؛ فإن الجهة المستحقة له فائتة. قال في باب الهدي: وعلى هذا لو كان قد نحره، فإن له أكله؛ وهذا الوجه لم يحك الفوراني سواه؛ فإنه قال: لو عطب الهدي في الطريق، فذبحه قبل أن يبلغ به مكة، نظر: فإن كان تطوعاً، لم يحل له ولا لمن معه من أصحابه أكله؛ لأنه متهم بأن يكون قد ندم على سوقه، فأحدث ما أتلفه؛ ليأكل ويأكلون.

стр. 3958

وإن كان واجباً، فله ولأصحابه أكله؛ لأن عليه بذله بالحرم، وإن عطب بعد أن بلغ مكة، أجزأه، وليس عليه غيره. والوجه الثاني: أنه يضمن كما قال الماوردي في باب النذر، وفيما يضمن ثلاثة أوجه: أحدها: المثل. والثاني: القيمة: والثالث: أكثر الأمرين من المثل أو القيمة. وما ذكرناه كله فيما إذا كان الهدي معيناً، فلو كان في الذمة بأن قال: "إن شفى الله مريضي، فلله علي أن أهدي شاة- مثلاً- إلى الحرم، فشفاه الله تعالى، ثم عين شاة عن نذره، فقال: "لله علي أن أهدي هذه الشاة عما في ذمتي"، فهل يتعين عليه ذبحها؟ فيه وجهان: المذكور في "الشامل" وغيره: التعيين، ويملكها الفقراء؛ وهكذا لو عين بدل الشاة بقرة أو بدنة، ملكها الفقراء، إلا أنها تكون مضمونة عليه في الصورتين، فإن هلكت عاد ما كان واجباً عليه إلى ذمته؛ كما قلنا في رجل كان له على رجل دين، فاشترى منه سلعة بالدين، وهلكت قبل القبض؛ إنه ينفسخ البيع، ويعود الدين إلى ذمته؛ ولذلك نقول فيما إذا عابت الشاة؛ بحيث لا تجزئ في الأضحية-: يعود الواجب إلى ذمته، وتعود المعيبة إلى ملكه. وحكى الغزالي وإمامه وجهاً آخر: أنه لا يعود الواجب إلى ذمته بالتلف أو التعييب. وحكى القاضي الحسين وجهاً آخر في كتاب الأضحية: أنه يجب ذبح البدل مع الأصل، [إلا أن يكون قال وقت الإيجاب]: "وهذا عن الواجب علي؛ أن يسلم إلى وقته"، والصحيح الأول. وفي هذه الصورة قال ابن الصباغ: إنه يلزمه إخراج ما نذره إن كان ما عينه مثله، وإن كان المعين أفضل منه، مثل: أن عين عن الشاة بقرة أو بدنة، فهل يجب عليه ما كان في ذمته، أو مثل ما عين؟ فيه وجهان حكاهما الماوردي قولين: أحدهما- قاله

стр. 3959

في الجديد- وهو الصحيح-: الأول؛ لأن حدوث العيب في الأول قد أبطل وجوبه؛ فسقط حكمه. ووجه القديم- وهو إيجاب مثل المعين-: أنه أوجب الفضل بتعيينه. قلت: وهذا ظاهر إذا قلنا: إن كل البقرة تقع واجباً فيما إذا خرج ذلك عن نذره بدون تعيين، أما إذا قلنا: إن الواجب منها السبع، ففيه نظر. وعن الشيخ أبي حامد: أنه إن حصل ذلك بتفريط الناذر، لزمه مثل الذي عين، وإن لم يفرط، ففيه الوجهان، والأصح الأول. وفي "الشامل" وجه فيما إذا عاب المعين: أنه يجب ذبحه مع ما في الذمة، وهو بعيد. ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون ما عينه قد وصل إلى الحرم أو لم يصل إليه. وحكى ابن الصباغ عن ابن الحداد: أنه إذا عاب بعد ما وصل إلى الحرم، أجزأه، لبلوغه المحل؛ وكذا قياس أصله فيما لو هلك؛ وهذا ما حكاه الإمام في كتاب الأضحية عن القفال؛ وكذا الرافعي في كتاب النذر عن فتاويه- أعني: القفال- حيث قال: لو نذر أن يهدي شاة، ثم عين واحدة، وذهب بها إلى مكة، فلما قدمها للذبح تعيبت- تجزئ، وبمثله لو نذر أن يضحي بشاة، ثم عين شاة لنذره، فلما قدمها للذبح، صارت معيبة- لا تجزئ. والفرق: أن الهدي ما يهدي إلى الحرم، وبالبلوغ إليه حصل الإهداء، والتضحية لا تحصل إلا بالذبح. قال ابن الصباغ: والأول أصح؛ لأنها عابت قبل الوصول إلى مستحقها؛ فأشبه ما لو عابت قبل ذلك، ووصولها إلى الغرض لا يسقط عنه الفرض. ولو لم يتلف المعين عما في الذمة، لكن ضل- فهو كما لو تلف، [لكن] إذا وجد الضال فما حكمه؟ قد قدمت الكلام فيه في الأضحية. وبعضهم قال: إن كان وجوده بعد الذبح والصرف، ذبح أيضاً. قال القاضي أبو الطيب: وتبين أن الأول لم يكن واجباً.

стр. 3960

قال ابن الصباغ: ويحتمل أن يقال: إنه واجب كما إذا لم يجد ما يتطهر به، فصلى، ثم وجد الطهارة. وإن كان بعد الذبح، وقبل صرف اللحم- كان اللحم له، ووجب ذبح الضالة. وفي "تعيق" القاضي الحسين: أنها إذا وجدت بعد الذبح، فهل يتملك الضالة أم لا؟ فيه وجهان، ووجه التملك: أنه أخرج بدلها. فرع: لو نتجت الشاة المعينة سخلة، ثم ماتت أو تعيبت، فما حكم السخلة؟ ذلك ينبني على أنها لو ولدت ولم تتعيب فلمن يكون الولد؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه للناذر؛ لأن ملك الفقراء لم يستقر فيه؛ ألا ترى أنه لو مات أو تعيب عاد ملكه. والثاني- وهو المنصوص-: أن حكمه حكم أمه؛ كولد المبيعة قبل القبض، يكون للمشتري وإن لم يستقر الملك؛ وعلى هذا؛ فإذا تلف الهدي، قال ابن الصباغ: فقياس المذهب أن يكون للفقراء؛ كما في ولد المبيعة إذا تلفت في يد البائع بعد ما ولدت. وفيه وجه آخر: أنه يعود ملكاً للناذر بعوده له. قال: ومن نذر صوم سنة بعينها، أي: مثل أن قال: "لله علي صوم سنة من غد" أو: "صوم سنة سبع وثمانين وستمائة"، وهو في سنة ست وثمانين- لم يقض أيام العيد والتشريق، أي: على الجديد؛ كما قال البندنيجي وغيره ورمضان؛ لأن هذه الأيام لو نذر صومها، لم ينعقد نذره، فإذا أطلق أولى ألا تدخل في نذره. وقد أفهمك قوله: "لم يقض .. " إلى آخره: أنه لا يصوم هذه الأيام عن النذر، وإلا لم يكن لذكر القضاء معنى، وقد صرح به الأصحاب، وقالوا: لو نوى بصوم رمضان النذر، لم ينعقد للنذر ولا لرمضان. قال: وإن كانت امرأة فحاضت، قضت أيام الحيض- أي: الواقعة في غير رمضان وايام العيد والتشريق- في أصح القولين؛ لأن الزمان زمان الصوم، وإنما أفطرت لمعنى فيها؛ فوجب عليها القضاء؛ كصوم رمضان. وقد وافق الشيخ في تصحيحه البندنيجي، وأبا الحسين بن القطان، وأبا علي الطبري، وقال ابن كج: إنه المشهور، وحكى في "البحر" طريقة قاطعة به.

стр. 3961

وعلى هذا قال الماوردي: فإن قيل: لو نذرت صوم أيام حيضها، لم يصح، ولم يلزمها القضاء، فهلا كان هذا كذلك؟ قيل: لأن إفرادها بالنذر يجعله معقوداً على معصية، ولا يجعله إذا دخل في العموم معقوداً على معصية. والقول الثاني: لا تقضي؛ لأن أيام الحيض لا تقبل إيقاع الصوم فيها؛ فلم تدخل في نذرها؛ كأيام العيد والتشريق ورمضان؛ وهذا ماصححه النواوي. فعلى هذا: لو أفطرت لمرض- وكذلك الرجل- فهل تقضي؟ أطلق البندنيجي وغيره حكاية وجهين فيه: والأظهر القضاء، وبه قطع القاضي أبو الطيب، وفرق بأن زمان الحيض لا يقبل الصوم، وليس كذلك زمان المرض، وبناهما الشيخ في "المهذب" تبعاً للماوردي- على أن الفطر بالمرض، هل يقطع التتابع إذا وجب الصوم متتابعاً: إما بالنذر، أو في الكفارة؟ وفيه وجهان مذكوران هنا في كتاب الظهار. فإن قلنا: يقطعه، لزم القضاء. وإن قلنا: لا يقطعه؛ كما لا يقطعه الحيض؛ فلا يلزمها قضاء أيام المرض؛ كأيام الحيض؛ وهذا ما اختاره في "المرشد". ولو أفطر لأجل السفر، قال الرافعي تبعاً للإمام: فالظاهر وجوب القضاء؛ لأنه

стр. 3962

يتعلق بمحض اختياره، وبه قال أبو الحسين، وهو المذكور في "الوجيز" و"تعليق" القاضي أبي الطيب. ومنهم من طرد الخلاف، وبه قال ابن كج. وفي "الحوي" حكاية الطريقين؛ لأنه قال: والفطر بالسفر هل يلحق بالفطر بالمرض أو بالفطر بغير عذر؟ فيه قولان. واعلم أن الأصحاب قالوا: إن صوم السنة المعينة بالنذر يجب متتابعاً؛ لانحصار ذلك في وقت معين، لا لأجل أن التتابع وصفه، وهذا كما قلنا في صيام رمضان: إنه يجب متتابعاً؛ لتعين وقته، لا لأن التتابع شرط فيه؛ حتى لو أفطر أياماً بغير عذر، عصى، وقضاها متفرقة أو متتابعة، والتتابع أولى. نعم: لو نذر صومها متتابعاً؛ ففي جعل التتابع شرطاً وجهان: الذي أورده العراقيون: أنه شرط؛ إذا أفطر فيها يوماً بغير عذر، لم يعتد له بما مضى. والمنسوب إلى القفال: أن ذكر التتابع مع تعيين السنة لغو، وهو ما أورده القاضي الحسين. وقال في "البحر": إنه غلط. فرع: هل يجوز تقديم الصوم المعين وقته بالنذر، على وقته، وتأخيره عنه من غير عذر؟ والمشهور لا. وحكى الإمام وجهاً عن طوائف من الأئمة- منهم الصيدلاني-: أنه يجوز تقديمه عليه وتأخيره عنه؛ قياساً على ما لو عين له مكاناً. وقال: إنه منقاس، وهو جار فيما لو نذر حجاً في سنة بعينها، أو صلاة في وقت مخصوص. وفي "الحاوي": أنه إذا عين للصلاة وقتاً- كيوم الخميس- فإن قصد به تفضيل ذلك الزمان، يجوز أن يصلي في يوم الأربعاء ويوم الجمعة؛ لأنه لا فضل ليوم الخميس. وإن قصد به أن يجعله وقتاً للنذر لا يجوز قبله. وإن كان لذلك الوقت الذي خصها به فضيلة على غيره: كليلة القدر، فقال: "لله علي أن أصلي ليلة القدر"- فلا تجزئه الصلاة في غيرها، ويلزمه أن يصليها في كل ليلة من ليالي العشر الأخير من رمضان؛ ليصادفها في إحدى لياليه؛ كما إذا نسي

стр. 3963

صلاة من الخمس، ولم يعرف عينها، فإن لم يصلها في ليالي العشر كلها، لم يقضها إلا في مثله. وقد فرع إبراهيم المروزي على الصحيح- وهو تعين الوقت- إذا نذر صوم يوم خميس، ولم يعين: أنه يصوم أي خميس شاء، ويخرج عن النذر، وإذا مضى خميس، استقر في ذمته، حتى يفدي عنه إذا مات قبل أن يصوم. ولو نذر صوم يوم من الأسبوع، والتبس عليه، قال الرافعي: ينبغي أن يصوم يوم الجمعة؛ فإنه آخر يوم في الأسبوع، فإن كان هو الذي عينه، فقد أتى بما التزم، وإن كان يوماً قببله كان صومه قضاء. قلت: ويجوز أن يقال: يلزم صوم جميع أيام الأسبوع؛ عملاً بما قاله الماوردي. ثم على الصحيح في التعين يجوز أن يوقع فيه صوماً آخر، وسواء فيه الفرض والتطوع والنذر؛ كما يدل [عليه] ما سنذكره من النص. وفي "التهذيب" وجه آخر: أنه لا ينعقد فيه صوم غيره؛ كما في أيام رمضان. أما إذا نذر صوم سنة، ولم يعينها، بل أطلق؛ فإنه يلزمه صوم اثني عشر شهراً، ولا يجب عليه أن يبتدر إلى الصوم، بل يستحب، وله أن يصومها يوماً يوماً، وشهراً شهراً، فإن صام بالأيام [لزمه ثلاثمائة وستون يوماً، وإن صامها شهراً شهراً] لزمه اثنا عشر شهراً. ثم إن صام ما بين الهلالين، حسب له شهراً، سواء كان كاملاً أو ناقصاً، ولو أفطر في شهر يوماً، قضاه إن كان كاملاً، وقضاه مع يوم آخر إن كان ناقصاً؛ لأن صومه فيه انقلب إلى الأيام، وهكذا نقول فيما إذا صام شوال، يلزمه يوم إن كان تاماً، ويومان إن كان ناقصاً، وفي ذي الحجة يلزمه أربعة أيام إن كان تاماًوخمسة إن كان ناقصاً؛ وهذا إذا قلنا: إنه يلزمه بدل صوم أيام العيد والتشريق ورمضان؛ كما هو المنقول في كتب العراقيين. أما إذا قلنا: إنه لا يلزمه بدل ذلك؛ كما قاله القاضي أبو الطيب من عند نفسه، ولم يورد القاضي الحسين سواه؛ قياساً على المسألة قبلها- فيظهر أن يقال: إذا كان شوال أو ذو الحجة تاماً أو ناقصاً فصامه، حسب له شهراً كاملاً. ووراء ما ذكرناه أوجه:

стр. 3964

أحدها: قال في "البحر": إن بعض أصحابنا قال: لو ابتدأ في هذه السنة التي ذكرناها من المحرم إلى المحرم، يقال: صام سنة، فالقياس: ألا يلزمه قضاء هذه الأيام، وإن كان ظاهر المذهب بخلافه؛ وهذا ما حكاه الإمام عن الصيدلاني [و] قال: إنه زلل وغفلة. وفي الرافعي- حكاية عنه- أنه قال: إذا صام من المحرم إلى المحرم، أو من آخر شهر إلى مثله- خرج عن نذره لأنه يقال: إنه صام سنة، ولا يلزمه قضاء رمضان وأيام الفطر. وعن ابن القطان: أنه إنما يخرج عن النذر بصوم ثلاثمائة وستين يوماً؛ لأن السنة تنكسر- لا محالة- بسبب رمضان وأيام الفطر، وإذا انكسرت، وجب أن يعتبر العدد؛ كما في الشهر إذا انكسر. وعلى كل حال فلا يلزم التتابع في صومها إلا أن يشترطه، فإذا اشترطه، فقال: "لله علي صوم سنة متتابعة"، لزمه، ولا يسقط عنه بدل أيام العيد والتشريق ورمضان [وأيام الحيض، بل يأتي به. وقال القاضي أبو الطيب: هذا عندي غلط، ولا يجب قضاء أيام العيد والتشريق ورمضان]؛ لأنه لا يمكنه أن يصوم سنة متتابعة لا يتخللها ذلك؛ فيكون بمنزلة السنة المعينة؛ وهذا حكاه المتولي مع الأول وجهين، وجعل أظهرهما ما ذكره القاضي. لكن المنصوص، والذي عليه أكثر الأصحاب مقابله؛ لأنه التزم صوم سنة، ولم يصم عما التزم سنة، ويخالف ما إذا كانت السنة معينة؛ لأن المعين في العقد لا يبدل بغيره، والمطلق إذا عيب قد يبدل، وشبه ذلك بأن المبيع إذا خرج معيباً لا يبدل، والمسلم فيه إذا سلمه فخرج معيباً، يبدل. ولو شرط التفريق، فيجوز له التفريق. وفي إجزاء صومها متتابعاً وجهان، في "الحاوي" وغيره. وقال الإمام: إنهما ينبنيان على اختلاف القول في أن التفريق في صوم التمتع بين الثلاثة والسبعة هل يجب إذا فاتت الثلاثة؟ ثم قال: والأولى عندنا تقريب الوجهين من الوجهين في أن الأوقات: هل تتعين

стр. 3965

للصيام إذا عيّنت؟ فإن قلنا: تتعي، لم يبعد حمل استحقاق التفريق عليه؛ كما لو قال: "لله علي صوم الأثانين"؛ فإنه يصومها على صفة التفريق؛ وهذا تكلف؛ فإن الذي يعين الأوقات مجرد قصده إلى معين، والذي يذكر التفريق، ليس تعين الأزمنة في باله وقصده؛ وللك كان الأصح أن التفريق لا يلزم، والأصح أن الأوقات تتعين إذا عينت. والذي اختاره ابن كج والبغوي وغيرهما وجوب التفريق، وقالوا: لو نذر صوم عشرة أيام متفرقة فصامها متتابعة، حُسِبَ له منها خمسة أيام. ولو شرط صوم هذه السنة، لم يتناول نذره إلا السنة الشرعية، وهي من المحرم إلى المحرم، فإن كان قد مضى منها شيء، لم يلزمه غير صوم الباقي، فإن كان فيه رمضان، لم يلزمه قضاؤه عن النذر، وكذا أيام العيد والتشريق، وكان فيقضاء أيام الحيض والمرض والسفر ما ذكرناه في نذر صوم سنة معينة، والله أعلم. قال: وإن نذر أن يصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان، لم يصح نذره في أحد القولين؛ لتعذر الوفاء به؛ لأنه إن قدم ليلاً فهو إنما نذر صوم اليوم، وإن كان قد أراد باليوم الوقت، فالليل لا يقبل الصوم، وإن قدم نهاراً فالنية لم توجد من الليل، ولا تجزئه نية من النهار؛ لخلو بعضه عنها. وأيضاً: فإن نذره تضمن نذر صوم زمان ماضٍ، وهو ما قبل القدوم، ونذر صوم ما مضى من الزمان لا يصح. دليله: ما لو قال: "لله علي صوم أمس اليوم الذي يقدم فيه فلان"؛ فإنه لا يصح قولاً واحداً، وإن كان لابن الصباغ احتمال في إجراء القولين فيه، وإذا كان صومه متعذراً، لم ينعقد النذر [به؛] كما لو نذر الحج في سنة معينة، ولم يبق من الوقت ما يتمكن من السير فيه لأدائه؛ فإنه لا ينعقد على ظاهر المذهب، وإن كان في لزوم كفارة اليمين بهذا النذر خلاف؛ كما تقدم مثله؛ وهذا القول مختار الشيخ أبي حامد. قال: ويصح في الآخر؛ لأنه نذر صوماً يمكنه فعله؛ لأنه إذا أخبر أنه يأتي في يوم، فنوى من ليلته، صح ذلك، وما أمكن صومه، صح نذره؛ كصوم غد [اليوم]

стр. 3966

الذي يقدم فيه فلان؛ فإنه يصح قولاً واحداً؛ وهذا ما صححه الماوردي، والقاضيان: أبو الطيب والروياني، والنواوي، وصاحب "المرشد"، وقال البندنيجي: إنه اختيار الشافعي، وكذا المزني، وأنه وجهه بأنه قد يجب الصوم في زمان لا يمكن فعله فيه؛ كالصبي يبلغ في أثناء اليوم؛ فيلزمه قضاؤه، وكذلك المغمى عليه. وعلى هذا قال الشيخ: فإن قدم في أثناء النهار، أي: أخبر بقدومه في أثناء النهار من الليل، نوى صومه، أي: من الليل، ويجزئه؛ لوجود شرط الصوم، وهو النية من الليل، وصحت اعتماداً على الظن؛ كصوم يوم الثلاثين من رمضان وقد وقع الشك في رؤية الهلال. وقد قاس بعضهم هذا على ما لو نوى الصبي الصوم من الليل، ثم بلغ في أثناء النهار؛ فإنه يجزئه صومه على ظاهر المذهب، وكذلك من شرع في صوم تطوع، ثم نذر إتمامه، فإنه يصح على ظاهر المذهب كما قال الرافعي، وادعى الإمام فيه الوفاق؛ ويلزمه إتمامه. والقائلون بالقول الأول منعوا صحة الصوم فيما إذا نوى من الليل وقد أخبر بالقدوم في الغد؛ لأمرين: أحدهما: أنه لم يقطع بالنية؛ لأن من المحتمل أن يقدم وألا يقدم، ومن شرط النية الجزم، وقد حكي هذا عن القفال، والقاضي الحسين نسبه إلى الشيخ أبي زيد. وقال الماوردي: إنه قياس قول ابن أبي هريرة، ويخالف ما لو نوى الصوم [في] ليلة الثلاثين من رمضان؛ لأن الظن الحاصل ثم من أن الأصل بقاء الشهر، لم يعارضه شيء، وهاهنا الظن الحاصل من الإخبار قد عارضه أن الأصل عدم القدوم. والثاني: أن ما يصومه من اليوم قبل القدوم يكون تطوعاً؛ فلا يجزئه عما وجب جميعه بالنذر؛ لأن قوله: "فعلي صوم ذلك اليوم" يقتضي [إيجاب] صوم جميعه؛ وبهذا خالفما لو نوى الصبي الصوم من الليل، ثم بلغ في أثناء النهار، وما إذا شرع في صوم تطوع، ثم نذر إتمامه؛ لأنه إنما وجب بالبلوغ والنذر البقية. وقد خص المتولي محل الخلاف في [صحة] صوم يوم القدوم إذا نواه من الليل بما إذا قلنا: إن نذره يقتضي إيجاب صوم جميع النهار.

стр. 3967

أما إذا قلنا: لا يقتضي إلا إيجاب الصوم من حين القدوم، لا ما مضى من اليوم قبله، فلا يصح وجهاً واحداً؛ لأن سبب الوجوب لم يوجد في أول النهار، حتى ينوي إيقاع الصةوم فيه عن الواجب، وما ذكره من الترتيب هو ما أورده العراقيون. وأما المراوزة، فقد اختلفوا في أصل القولين في صحة نذر يوم القدوم: فمنهم من قال: أصلهما [أنه] لو نذر صوم بعض [يوم، هل يصح نذره؟ وفيه قولان؛ أصحهما: أنه لا يصح؛ لأن صوم بعض] اليوم ليس بقربة؛ فعلى هذا لا يصح نذره في مسألة الكتاب. والثاني: أنه يصح، ويلزمه صوم يوم؛ لأنه يتضمنه؛ فعلى هذا يصح نذره في مسألة الكتاب. وعن الإمام: أنه لا يصح نذره في مسألة الكتاب على هذا أيضاً؛ لأنه التزم يوماً في بعض يوم، وذلك محال؛ فيلغو. وقد جعل المتولي انعقاد نذر بعض اليوم مبنياً على أن المتنفل إذا نوى الصوم نهاراً يكون صائماً من وقت النية، أو من ابتداء النهار؟ إن قلنا: من وقت النية، انعقد نذره، وإن قلنا: من ابتداء النهار- كما هو الأظهر- فوجهان: أحدهما: لا ينعقد؛ لما ذكرناه أولاً. والثاني: ينعقد؛ لأنه قد ورد الأمر بإمساك بقية النهار؛ كما فيحق من أصبح مفطراً يوم الشك، ثم بان أنه من رمضان. ومنهم من قال: أصلهما: ما إذا قدم زيد في خلال النهار، هل يستند النذر إلى أول النهار أم لا؟ [و] فيه قولان: فإن قلنا بالأول، لم يصح؛ لما ذكرناه. وإن قلنا بالثاني، صح. ومثل القولين في هذه الصورة يجري فيما لو قال لعبده: "أنت حر يوم قدوم فلان"، أو [قال] لزوجته: "أنت طالق يوم قدوم فلان"، فقدم في أثناء النهار، فهل يستند العتق والطلاق إلى أول اليوم أو إلى وقت قدومه. وتظهر فائدتهما فيما لو كان قد باع [العبد] المعلق عتقه في ذلك اليوم قبل القدوم، وانقضى الخيار قبل القدوم، أو أعتقه عن الكفارة فيه قبل القدوم، أو مات

стр. 3968

السيد فيه قبل القدوم، أو خالع زوجته فيه وكان الطلاق المعلق ثلاثاً أو قبل الدخول؛ فعلى الأول نتبين وقوع العتق، وبطلان البيع، وعدم الإجزاء عن الكفارة، والانتقال للوارث، وعدم صحة الخلع؛ وبه قال ابن الحداد. وعلى الثاني لا يقع العتق، ويصح البيع، ويجزئ عن الكفارة، ويصح الخلع. وقد بقي من التفريع على القول الثاني في مسألة الكتاب صور: منها- كما قال الشيخ-: وإن كان مفطراً، لزمه القضاء؛ كما لو نذر صوم يوم معين، ففاته؛ فإنه يجب عليه القضاء؛ قياساً على صوم رمضان. قال الرافعي: وكيف ذلك؟ أنقول: يلزمه بالنذر الصوم من أول اليوم؟ أو نقول: يلزمه من وقت القدوم؟ فيه وجهان، ويقال: قولان: أصحهما- وبه قال ابن الحداد – الأول. ووجه الثاني: أنه علق الالتزام بالقدوم، وبكونه في النهار، إلا أن صوم بعض اليوم لا يمكن؛ فيلزمه صوم يوم تام. قال في "التهذيب" وليس هذا كما إذا نذر صوم بعض يوم؛ حيث لا ينعقد نذره على ظاهر المذهب؛ لأنه نذر هاهنا صوم يوم، لكن شرط الوجوب حصل في البعض؛ فهو كما لو شرع في صوم تطوع، ثم نذر إتمامه، يلزمه على ظاهر المذهب، ويكون واجباً من حين نذر؛ كما في جزاء الصيد يصوم عن كل مُدِّ يوماً وإن فضل نصف مد يصوم يوماً تاماً، والواجب فيه نصف يوم. وعلى هذا الخلاف [خرج] ما لو نذر أن يعتكف اليوم الذي يقدم فيه فلان؛ فإنه لا خلاف في انعقاد نذره، ثم إن قدم ليلاً، لم يلزمه شيء، وإن قدم في أثناء النهار، لزمه اعتكاف باقيه، وهل يلزمه قضاء ما فات منه؟ إن قلنا بالأول لزمه، وإن قلنا بالثاني فلا؛ وهو ما ادعى في "المهذب" أنه المذهب، وقال فيما لو قدم فلان والناذر محبوس أو مريض: إنه يلزمه القضاء على المنصوص؛ خلافاً لأبي حامد وأبي علي الطبري. وقال الصيدلاني: إن قلنا بالأول، وقد قدم في أثناء النهار، اعتكف باقيه، أو يوماً مكانه؛ وهذا ما قاله؛ بناء على أن الزمان المعين للاعتكاف لا يتعين، والظاهر التعين.

стр. 3969

وقد حكى الإمام عن رواية شيخه: أن من أصحابنا من لم يوجب الاعتكاف في بقية النهار؛ تخريجاً من أن النهار إذا نذر اعتكافه لا يجوز تبعيضه بتفريق الساعات، وهو قد ذكر اليوم، واعتكاف يوم بعد قدومه غير ممكن إلا على نعت التقطع. ثم اعلم أن ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون إفطاره لعدم نية صدرت منه من الليل، وهو ممسك، أو لمباشرة ما يفطر به الصائم؛ لأنه مفطر في الصورتين شرعاً، وقد صرح القاضي أبو الطيب بذلك في حالة الإمساك، ومنه يظهر لك: أن مراد الشيخ بالمسألة الأولى ما ذكرناه، وإلا لكانت المسألتان واحدة. فإن قلت: هذا ظاهر فيما إذا كان قد باشر ما يفطر به الصائم على أن فيه شيئاً على بعد. أما إذا كان ممسكاً ولم ينو من الليل، فلم لا يُخَرَّج على الخلاف المشهور في أن النذر المطلق يحمل على أقل واجب في الشرع أو جائزه؟ فإن قلنا: يحمل على واجبه- كما اختاره العراقيون والروياني وغيرهم- فالأمر كذلك، وإن قلنا: على جائزه- كما هو الصحيح عند الإمام والغزالي- فينبني على أنه إذا قدم في أثناء النهار: هل يلزمه الصوم من أول النهار أو من حين القدوم؟ فإن قلنا بالأول، انبنى أيضاً على أن النية تنعطف على ما مضى في صوم التطوع أو لا تنعطف؟ فإن قلنا بالثاني، فالأمر كذلك، وإن قلنا بالانعطاف على ما مضى أو بعدمه؟ وقلنا: إن الوجوب يكون من حين القدوم؛ فينبغي أن ينوي صومه، ويجزئه، ولا يسمح له في تأخير ذلك؛ لتعين الوقت. قلت: قد أطلق الغزالي القول بأن الصوم المنذور هل يصح بنية من النهار؟ إن قلنا: مطلق النذر يحمل على الواجب الشرعي، لم يجزئه، وإلا أجزأه، وصحح الإجزاء. وقال الرافعي: إن هذا إذا نذر مطلق الصوم، أما إذا نذر صوم يوم أو أيام، فإن قلنا: إنه يسلك به مسلك جائز الشرع، انبنى على أصل آخر، وهو أن النية تنعطف على أول النهار كما هو الظاهر أو لا؟ فإن قلنا بالأول، أجزأه، وإلا فلا، وعزا هذا إلى الإمام.

стр. 3970

والذي رأيته في أوائل كتاب النذر من "النهاية" حكاية ذلك في الصورتين، وجزم في موضع آخر منه: أنه إذا قال: "لله علي صوم [يوم] " أنه لا يكفيه أن ينوي نهاراً وإن قلنا: المتطوع لو نوى نهاراً، انعطفت النية؛ ولأجل هذا ادعى في "البسيط"- كما قال مجلي- قطع الأصحاب بعدم الإجزاء. وقد حكى ابن يونس أن بعض الأصحاب قال: بإجزاء الصوم في مسألة الكتاب خاصة بنية من النهار، وأن على هذا يمكن حمل كلام الشيخ في المسألة السابقة. فرع: هل يجب على الناذر الإمساك في هذا النهار؛ تشبهاً بالصائمين؟ فيه طريقان: إحداهما- وهي التي أوردها الإمام والقاضي الحسين والماوردي- القطع بالمنع. قال الماوردي: لكن يستحب له الإمساك؛ كما لو قدم المسافر في يوم من رمضان، قد أفطر في أوله، استحببنا له أن يمسك في بقيته وإن لم يجب عليه الإمساك. وحكى الروياني ومجلي عن بعض المراوزة: أنا إن قلنا: يجب القضاء؛ وجب، وإلا فلا. وقال الغزالي: قد أطلق الأصحاب القول في هذا الفرع، وظني: أنه إنما يجب الإمساك إذا كان كان لم يأكل، فأما إذا كان قد أكل، فكيف يلزمه الإمساك وهو من خصائص رمضان؛ وهذا ما اقتضاه كلام أبي الطيب؛ فإنه قال: "إذا قدم نهاراً أو كان مفطراً، ولم يطعم ذلك اليوم- أمسك يومه وقضى". قال: وإن وافق ذلك رمضان، لم يقض؛ لأنه لو نذر صوم يوم من رمضان، لم ينعقد نذره؛ لتعينه للصوم عن رمضان، وعدم قبوله لغيره، وقد بينا أن النذر وقع فيه؛ فلم يصح، وإذا لم يصح، لم يلزمه القضاء؛ وهذا ما حكاه الماوردي، وألحق به ما إذا قدم وكان صائماً عن نذر تعين عليه فيه؛ لتقدم استحقاقه، وحكى وجهين في لزوم القضاء إذا وافق قدومه صيامه عن قضاء رمضان أو عن كفارة: أحدهما- وهو قول أبي إسحاق-: أنه يلزمه القضاء، ويستحب له مع ذلك أن يعيد يوماً آخر؛ لأجل الاعتداد بيوم القدوم عما نواه، واستحباب الإتيان بيوم آخر محكي عن الشافعي في غيره؟ لأنه صام يوماً مستحق الصوم؛ لكونه يوم القدوم، قال في

стр. 3971

"التهذيب": وفي هذا دليل على أنه إذا نذر صوم يوم بعينه، ثم صامه عن قضاء، أو [عن] نذر آخر: أنه ينعقد، ويقضي بدل هذا اليوم. والثاني- وهو قول ابن أبي هريرة-: أنه يستحب القضاء، ولا يجب، والله أعلم. قال: وإن وافق يوم عيد- أي: وما في معناه من أيام التشريق- قضاه في أصح القولين؛ لأن نذره قد انعقد على طاعة، وكان يجوز ألا يصادف يوم العيد ونحوه؛ فلزمه قضاؤه، لانعقاد النذر؛ وهذا نظير ما نص عليه الشافعي في كتاب الصيام فيما إذا نذر صوم يوم الاثنين أبداً، فوافق يوم الاثنين يوم عيد: أنه يلزمه قضاؤه. والقول الثاني: لا يلزمه القضاء؛ كما لو وافق ذلك رمضان؛ وهذا ما أورده البندنيجي حكاية عن النص في "الأم" لاغ ير، ولم يورد الرافعي سواه، وصححه ابن الصباغ والنواوي وغيرهما؛ كما سنذكره، وهو نظير ما نص عليه الشافعي- أيضاً- في النذر فيما إذا نذر صوم يوم الاثنين أبداً، وكان يوم الإثنين يوم عيد: أنه لا يلزمه القضاء؛ كما اختاره المزني، وصححه البندنيجي، واختاره في "المرشد". فإن قلت: ما ذكره من علة وجوب القضاء في هذه المسألة موجود فيما إذا وافق ذلك رمضان، وقد جزم الشيخ بعدمه فما الفرق؟ قلت: [قد] يتخيل بينهما فرق، وهو أن احتمال القدوم في يوم من شهر أغلب من احتمال وقوع يوم في يوم أو أربعة أيام؛ فلا يلحق أحدهما بالآخر؛ وهذا لا أثر له. وقد جعل البندنيجي عدم إيجاب القضاء فيما إذا وافق ذلك رمضان مقيساً على ما إذا وافق يوم عيد؛ وهذا يدل على عدم الفرق بينهما؛ فيكون القولان عند من يثبتهما في الجميع؛ ويدل على ذلك: أن الأصحاب قالوا: لو نذر أن يصوم يوم يقدم فلان أبداً، فقدم في يوم الإثنين، كان في صحة نذره يوم القدوم القولان، ويلزمه صوم كل إثنين بعد ذلك، إلا الأثانين الأربعة الواقعة في رمضان، ولو وقع فيه اثنين خامس، ففي وجوب قضائه قولان، كما لو وقع يوم عيد. ولو كان الناذر لصوم يوم القدوم امرأة، فصادف القدوم يوم حيضها أو نفاسها؛ ففي قضائه طريقان، حكاهما الروياني وغيره.

стр. 3972

قال الأكثرون- ومنهم أبو الطيب، وابن كج، وابن الصباغ، والإمام، والمتولي-: فيه قولان؛ كما في العيد. قال الرافعي: والمفهوم من كلام هؤلاء ترجيح [المنع. وقال الشيخ أبو حامد: الأصح من] القولين هاهنا لزوم القضاء، وفيما إذا وافق يوم العيد عدمه. وفرق بأن يوم العيد لا يصح صومه في حق كل الناس، وزمان الحيض يختص بها، وتبعه في ذلك البندنيجي والماوردي. وقال ابن الصباغ: هذا الفرق ضعيف، لأن الشرع حرم عليها صوم زمان الحيض كزمان العيد؛ ولهذا لو نذرت صوم الزمانين، لم ينعقد نذرها. وقال بعضهم: يجب القضاء هاهنا قولاً واحداً لأن النذر يسلك به مسلك واجب الشرع، وهو إذا فات بالحيض والنفاس يقضي. قال في "البحر": ومنهم من قال: إن قلنا بقضاء يوم العيد، فقضاء يوم الحيض أولى؛ وإن قلنا: لا يقضي يوم العيد؛ ففي قضاء يوم الحيض قولان؛ وهذه الطريقة يمكن أخذها مما قاله الشيخ في هذه المسألة، ومسألة ما إذا نذرت صوم سنة بعينها، والله أعلم. ومن المسائل المفرعة على القول بصحة نذر يوم القدوم: أنه لو قدم ليلاً، فلا يلزمه شيء، قال الشافعي: "وأحب أن يصوم من الغد؛ من أجل أنه قصد ذلك بنذره". ومنها: إذا قدم وكان صائماً عن تطوع، فالمشهور: أنه لا يجزئه عن نذره، ويقضيه، ويتخير في إتمامه، والفطر فيه، مع قولنا بأنه لا يجب الإمساك فيه إذا قدم وكان مفطراً. وفي "الحاوي" حكاية وجه آخر: أنه يلزمه إتمام صيامه؛ لأنه قد كان عند الله مستحقاً في نذره. وفي "التهذيب": أنا إن قلنا: إنه وجب عليه صوم جميع النهار، لا يجزئه عن النذر، ويجب عليه القضاء، ويستحب أن يمسك بقية النهار. وإن قلنا: إنما وجب عليه الصوم من حين القدوم، فهل يجب عليه القضاء إذا كان

стр. 3973

القدوم قبل الزوال؟ فيه وجهان، أصحهما: نعم. والثاني: لا يجب، وينوي أن يتمه عن النذر. وقال في "التتمة": إنا إذا قلنا: إنما وجب الصوم من حين القدوم، انبنى على أنه هل يجوز أن ينذر بعض يوم؟ إن قلنا: - يجوز؛ فينوي إذا قدم، ويكفيه ذلك، ويستحب أن يعيد يوماً كاملاً؛ للخروج من الخلاف. وإن قلنا: لا يجزئه؛ فلا شيء عليه، ويستحب أن يقضي. واعلم أن ما ذكرناه مفرع على الصحيح من المذهب: أنه إذا نذر صوم يوم بعينه: أنه يتعين صومه؛ حتى لا يجوز تقديم الصوم ولا تأخيره عنه مع القدرة، فإن أخر كان قضاء. أما إذا قلنا: إنه لا يتعين- كما تقدم ذكره- فقد يقال: إنه يصح النذر وجهاً واحداً. وإذا وافق قدومه رمضان، أو يوم عيد، أو وقت حيض: أنه يلزمه صيام يوم [واحد] وجهاً واحداً؛ كما لو قال: "لله علي صوم يوم إذا قدم فلان"، إلا أنه يلزم على ذلك- لو صح- أن يقال إذا نذر صوم يوم من رمضان أو يوم عيد: إنه ينعقد نذره بيوم، ولم أره، وقد يفرق بما ذكرناه عن الماوردي عند الكلام في لزوم قضاء أيام الحيض، وقد نذرت صوم سنة بعينها. فرع: لو نذر صوم الأثانين أبداً، وقلنا بالتعين، ووجب عليه صيام شهرين في الكفارة، فإن سبق النذر وجوب الشهرين، فالأولى أن يصوم الأثانين التي فيها عن كفارته، واذا فعل ذلك، فعليه أن يقضي كل إثنين كان فيها؛ كذا أطلقه الإمام. ويجيء فيه وجه آخر: أنه لا يصومها عن الكفارة، بل عن النذر؛ لأن صاحب "التهذيب" حكى وجهاً تقدم ذكره: أنه إذا عين يوماً بالنذر لا ينعقد فيه صوم آخر؛ كما في أيام رمضان. فإن قلت: هذا يلزم منه ألا يتصور أن يقع منه صوم عن الكفارة؛ لأن من شرطها التتابع، وصوم الأثانين المنذورة يقطع التتابع كرمضان. قلت: بل يتصور؛ لأن عدم التصور جاء من إلحاق الأثانين برمضان، وليس كذلك؛ لأن صوم الشهرين يتصور أن يقع في وقت لا يتخلله رمضان؛ فلذلك قطع التتابع،

стр. 3974

والشهران- والصورة هذه- لا يتصور إيقاعهما خاليين- من الأثانين؛ فكان إلحاق الأثانين بأيام الحيض أولى؛ لأن الحيض قد لا يقع فيهما، بخلاف الأثانين. وإن سبق وجوب الشهرين النذر، فإنه يصوم الشهرين عن كفارته، ويؤخر النذر. والمذهب- كما قال في "المهذب" والبندنيجي-: أنه يقضي كل إثنين فيهما. وقال الرافعي: إنه ينسب إلى رواية الربيع، وهو الأصح عند صاحب "التهذيب". قال في "المهذب": ومن أصحابنا من قال: لا يقضي ما كان في الشهرين؛ لأنه نذر صوم يوم قد استحق صيامه، فهو كأثانين رمضان؛ وهذا ما حكي عن رواية الربيع. قال في "البحر": وقد قيل: إنه المذهب، وهو الذي رجحه الإمام ومن تبعه، وكذا القاضيان: ابن كج وأبي الطيب؛ كما قال الرافعي. وقال البندنيجي: إنه سهو؛ فإن أثانين رمضان لا يصح صومها عن نذره؛ لأنه لا يصح في رمضان صوم غيره، وأثانين الشهرين يصح أن يصومها عن نذره؛ ولهذا قضاها. قال البندنيجي: وأصل هذا إذا نذر صوم يوم, وذلك اليوم مستحق صيامه لغيره، فإن كان مستحقاً لرمضان لم ينعقد نذره قولاً واحداً، وإن كان مستحقاً لغير رمضان: كالكفارة، والنذر السابق لهذا النذر، فهل ينعقد نذره [به] أم لا؟ على وجهين: المذهب: أنه ينعقد. وقد فهم من هذا أن محل الخلاف في النذر إذا لم يكن تعلق بوقت معين؛ كما في الكفارة؛ فإن الصوم الواجب فيها ليس له زمن معين، أما إذا تعين صوم يوم بالنذر، فقد قال في "التتمة": إن ذلك ينبني على أنه هل يجوز أن يصوم فيه عن قضاء أو نذر؟ [و] فيه خلاف سبق. فإن قلنا: يجوز، فهو كما لو تعين، وإن قلنا: لا يجوز، فحكمه حكم رمضان. قال الرافعي: وهذا ما رآه صاحب "التهذيب". قال: ومن نذر صلاة، أي: بأن قال: "إن شفى الله مريضي، فلله علي صلاة"، لزمه ركعتان في أصح القولين؛ لأن إيجاب الآدمي على نسفه كما تقدم فرع لإيجاب الله

стр. 3975

تعالى، وأقل ما أوجب الله – تعالى- من الصلاة فعل ركعتين، وهي صلاة الصبح، والصلاة في السفر، وإذا كان أقل الصلاة ركعتين كذلك هنا لا يجزئه أقل منهما؛ وهذا ما نقله المزني؛ ولأجله قال البندنيجي: إنه المذهب. قال: وركعة في القول الآخر؛ تنزيلاً على أقل جائز الشرع، وهو الوتر؛ قال- ﵇: "من أحبَّ أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بركعة فليفعل". ولأنا أجمعنا على أنه يثاب على الركعة الواحدة إذا سلم منها؛ لأنه يسمى: مصلياً؛ كما إذا صلى ركعتين؛ فوجب أن يخرج عن نذره بها؛ وهذا ما حكي عن رواية الربيع مع القول الأول. قال الرافعي: ويقال: إنه القديم. وقال الماوردي: إنه منفرد بنقله، وقد صححه الغزالي، وإليه ميل ابن الصباغ؛ فإنه قال: وما ذكره الأولون: يبطل بالصوم؛ فإن أقل ما وجب بالشرع صوم ثلاثة أيام، ولا يجب ذلك بمطلق النذر. والجمهور على ترجيح الأول؛ لأن حمل الشيء على نظيره أولى من حمله على غير نظيره، ونظير [إيجاب] الآدمي إيجاب الله تعالى؛ ولأن الوتر تابع للواجب، وإطلاق الصلاة ينصرف إلى الشرع الذي هو الواجب دون التابع. وأما قول ابن الصباغ: إن ذلك يبطل بالصوم .. إلى آخره فيظهر أن يقال في جوابه: بل أوجب أقل من ثلاثة أيام، وذلك يتصور في جزاء الصيد، اللهم إلا أن يريد أنه أقل صوم وجب بالشرع نصاً؛ فحينئذ يمنع هذا الجواب؛ على أن الماوردي قال لأجل ذلك: لو قيل: يلزمه ثلاثة أيام كان مذهباً، والمذهب أنه لا يلزمه إلا يوم واحد؛ لأنا لا ننظر إلى الواجب شرعاً، وإنما ننظر إلى اللفظ الشائع في الشرع. وقال الرافعي: إنه يجيء فيه وجه آخر: أنه يخرج عن نذره بإمساك بعض يوم؛ على أن النذر يحمل على أقل ما وجب من جنسه، وأن إمساك بعض اليوم صوم. وقد استنبط الأصحاب من القولين في مسألة الكتاب، ومن القولين الماضيين في أنه إذا نذر الهدي، وأطلق، ماذا يلزمه؟ أن مطلق النذر يحمل على أقل واجب في

стр. 3976

الشرع، أو على أقل جائز في الشرع؟ [فيه] قولان، والذي رجحه العراقيون والروياني وغيرهم- كما تقدم- الأول. قال الرافعي: ويدل عليه ما تقدم: أن الصحيح أنه لا يجوز أن يجمع بين فريضة ومنذورة، ولا بين منذورتين بتيمم واحد. والذي رجحه الإمام والغزالي: الثاني، ثم استدل له بأنه لو نذر أن يتصدق، خرج عن نذره بما يقع عليه الاسم، وإن كان من غير أموال الزكاة باتفاق الأصحاب. وقد يجاب عن ذلك بما ذكره الرافعي حيث قال: إن الأصحاب قالوا: لو نذر الصدقة، أجزأه ما يقع عليه الاسم ولو حبة؛ لأن ذلك القدر يحل شرعاً عند اختلاط المال، لكن هذا إنما يستمر على قولنا بتأثير الخلطة في النقود. ثم لك أن تقول: إذا حملنا المطلق على الواجب، فإنما نحمله على أقل واجب من ذلك الجنس، والأقل من الصدقة غير مضبوط جنساً وقدراً، بل صدقة الفطر أيضاً واجبة، وليس لها قيمة مضبوطة؛ فامتنع إجراء هذا القول في الصدقة، ويتعين اتباع اللفظ، والله أعلم. التفريع على القولين في مسألة الكتاب: إن قلنا بالأول، فلا يجوز أن يصلي الركعتين قاعداً إلا أن يعجز، ولا على الراحلة، وله أن يصلي أربع ركعات، بل لو نذر أن يصلي ركعتين، جاز له أن يصلي أربعاً، ويجزئه؛ كما قال في "التهذيب"؛ تفريعاً على هذا القول. وفي "التتمة" حكاية وجهين في إجزائها في الصورة الأخيرة من غير بناء. وقال الرافعي: إنه يمكن بناؤها على أن النذر يحمل على أقل واجب الشرع أو جائزه. وإن قلنا: بالقول الثاني، جاز أن يصلي الركعة قاعداً؛ كما صرح به البغوي، ويجوز فعلها على الراحلة، وحكى الرافعي في جواز القعود فيها وجهين. وقد خرج على القولين- أيضاً- ما إذا نذر أن يصلي أربع ركعات، فإن قلنا

стр. 3977

بالقول الأول، أمر بتشهدين، فإن ترك التشهد الأول، سجد للسهو، ولا [يجوز أن] يؤديها بتسليمتين. وإن قلنا بلاثاني، يخير بين أدائها بتسليمة واحدة أو بتسليمتين، وأداء ذلك بتسليمتين أفضل؛ وهذا ما صححه النواوي في "الروضة"، وقال: الفرق بينه وبين سائر المسائل المخرجة على هذا الأصل- وقوع الصلاة مثنى وزيادة. وقد فهم من حكاية الشيخ القولين: أنه لا يخرج عن نذره صلاة على القول الثاني بأقل من ركعة؛ لأن سجدة التلاوة والشكر وإن اعتبر فيها شروط الصلاة لا تسمى صلاة؛ وهذا كله عند الإطلاق، فلو قيد، فقال: "لله علي أن أصلي ركعة"، لم يلزمه غيرها، وكذا لو نذر أن يصلي قاعداً، لم يلزمه القيام، وإن قيدنا المنذور بواجب الشرع. وقال الإمام: إنه يجب تنزليهما على [الخلاف] فيما إذا أصبح [الشخص] ممسكاً عن المفطرات غير ناوٍ للصوم، فقال: "لله علي صوم هذا اليوم"، فإنه هل يلزمه الوفاء؟ على وقولين مأخوذين من تنزيل المنذور على واجب الشرع، فإن نزلناه عليه، لم

стр. 3978

يصح النذر كذلك، وإن نزلناه على ما يجوز في الشرع وإن لم يكن فرضاً، صح. ووجه الشبه: أن نذر الصوم نهاراً حيث يجوز التطوع بالصوم بالإضافة إلى الصوم الواجب شرعاً، بمثابة الركعة بالإضافة إلى أقل واجب في الصلاة. ولو نذر ركوعاً أو سجوداً أو تشهداً أو دون ركعة، فهل يلغو نذره أو يصح؟ فيه وجهان: اختيار الشيخ أبي محمد منهما في السجود الأول؛ لأن السجدة الواحدة من غير سبب ليست قربة على الرأي الظاهر. وعلى الثاني: قال الإمام: يجب عليه أن يأتي بما يأتي به الناذر للصلاة المطلقة، وفيه الخلاف السابق. وفي "التتمة" فيما إذا نذر دون ركعة: أنه يلزمه ركعة واحدة؛ إن أراد أن يأتي بالمنذور منفرداً؛ أو إن اقتدى بإمام بعد الرفع من الركوع في الأخيرة خرج عن نذره. وقال فيما إذا نذر الركوع: يلزمه، وفيما إذا نذر تشهداً: فإما أن يأتي بركعة ويتشهد بعدها، أو يكبر، ويسجد سجدة على طريقة من يقول: سجود التلاوة يقتضي التشهد. قال: ومن نذر عتق رقبة، أي: بأن قال: "إن قدم غائبي، فلله علي عتق رقبة"، أجزأه ما يقع عليه الاسم، أي: من صغير وكبير، سليم أو معيب، [مسلم] أو كافر؛ لأنه إذا أعتق ذلك، وقع عليه اسم رقبة حقيقة؛ فأجزأته؛ وهذا ظاهر ما نقله المزني في "المختصر"، وعليه جرى بعض الأصحاب، واختاره من المتأخرين المحاملي والمستظهري، وصاحب "المرشد"، والأكثرون؛ كما قال النواوي في "الروضة"، وقال: إنه الراجح في الدليل. وقيل: لا يجزئه إلا ما يجزئ في الكفارة؛ لأن مطلق كلام الآدمي محمول على ما تقرر في الشريعة، والذي قرره الشرع أن تكون الرقبة في الكفارة مؤمنة سليمة من العيوب؛ وهذا ما صححه القاضي أبو الطيب والداركي، وبه قال أبو إسحاق، واختار المزني، وحمل قول الشافعي: "فاي رقبة أعتق، أجزأه" على أنه أراد: أي رقبة أعتق مما تجزئ في الكفارة. وقد جعل البغوي الوجهين في هذه الصورة مبنيين على القولين في المسألة السابقة. فإن قلنا: يلزمه ركعتان، لم يجزئه إلا ما يجزئ في الكفارة، وإلا أجزأه ما وقع عليه الاسم.

стр. 3979

وقال ابن الصباغ: إن أصلهما ما إذا نذر هدياً، هل يلزمه من النعم، أو يجزئه أي شيء أهداه؟ وقال الماوردي: إن مسالة الصلاة والهدي أصلهما إن قلنا: يلزمه ركعتان، والجذع من الضأن، والثنية من المعز والإبل والبقر- لم يجزئه هنا إلا ما يجزئ في الكفارة. وإن قلنا: يلزمه ركعة وما يقع عليه اسم هدي، أجزأه [هنا] ما يقع عليه الاسم أيضاً. وكلام القاضي أبي الطيب والداركي يقتضي أنه لا يجزئه هنا إلا ما يجزئ في الكفارة وإن قلنا: إنه يجزئه من الهدي ما يقع عليه الاسم؛ لأنهما قالا: فإن قيل: هلاَّ قلتم: إنه يجزئه أن يعتق ما يقع عليه اسم الرقبة حقيقة؛ كما قلتم في الهدي- قلنا: له في الهدي قولان: أحدهما: لا يجزئه إلا شاة، وعلى هذا سقط السؤال. والقول الثاني: يجزئه ما يقع عليه اسم هدي؛ وعلى هذا فالفرق: أن هاهنا وقع عليه اسم الهدي بالشرع أيضاً؛ وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً﴾ الآية [المائدة: ٩٥]، وإذا قتل عصفوراً وما أشبهه لا يجب عليه شاة، وقد سمى ما يجب عليه به: هدياً؛ فلهذا قلنا: يجزئه ما يقع عليه الاسم، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإن الشرع ما ورد بوجوب رقبة إلا مؤمنة سليمة من العيوب. فرع: لو نذر اعتكافاً، قال في "التهذيب": خرج عن نذره بأقل ما يقع عليه الاسم، ولو ساعة، ويستحب أن يتمه يوماً. وقال الإمام: لست أجد لهذا أصلاً في واجبات الشرع؛ فلا وجه إلا القطع باتباع اللفظ، وتنزيله على أقل المراتب. وقد ذكرنا خلافاً في كتاب الاعتكاف في أن الحصول في المسجد مع النية- أي: من غير مكث: كالمرور- هل يكون اعتكافاً؟ فإن اكتفينا به، فهذا فيه تردد عندي؛ فإنا إن اتبعنا اللفظ، فالاعتكاف مشعر بالمكثف؛ فينبغي أن نوجب المكث تعلقاً باللفظ، ويحتمل أن يجعل الاعتكاف في لفظ الناذر لفظاً شرعياً: كالصلاة والصوم، ثم يكتفي فيه بما يصح في الشرع.

стр. 3980

قال: وهذا ما جزم بمثله [الإمام] عند الكلام في وجوب تبليغ الهدي إلى الحرم حيث قال: "إنا لا ننظر إلى الواجب شرعاً، وإنما ننظر إلى اللفظ الشائع في الشرع. ثم قوله: "لم أجد لهذا أصلاً في واجبات الشرع" فيه نظر؛ لأن الأصحاب حيث جزموا بصحة نذر الاعتكاف وإن اختلفوا في صحة النذر بما لم يجب بأصل الشرع، جعلوا أصله المكث بعرفة؛ وعلى هذا إذا حملنا النذر على واجب الشر ينبغي أن نكتفي بالعبور في المسجد مع النية؛ لأن ذلك يكفي في الوقوف بـ"عرفة" والله أعلم. وقد نجز شرح مسائل الباب، ولنختمه بفروع تتعلق به. إذا قال الشخص: "لله علي أن أعتق هذا العبد"، وكان ملك غيره، [فملكه يوماً- لا يلزمه عتقه؛ لقوله- ﵇: "لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم". ولو قال: "إن ملكت عبداً، فلله علي أن أعتقه"، فملك عبداً- لزمه عتقه. وإن قال: "عن ملكت هذا العبد، فلله علي أن أعتقه"، فملكه هل يلزمه عتقه؟ فيه وجهان في "تعليق" البندنيجي وغيره في كتاب الأضحية. ومثل ما ذكرناه في محل الجزم وجريان الخلاف، جار فيما لو قال لشاة الغير: "لله علي أن أضحي بها"، أو: "عن ملكت شاة، فلله علي أن أضحي بها"، أو: "إن ملكت هذه الشاة، فلله علي أن أضحي بها"؛ حكاه في "الحاوي"، و"البحر" في موضعه. وذكر القاضي الحسين فيه إذا نذر إعتاق جارية بعينها، فولدت، لزمه إعتاق الولد معها؛ لأنها استحقت العتق استحقاقاً لا يرد عليه النقض والإبطال، ولا يعود إلى ما كان؛ فأشبه أم الولد، وذلك أنه إذا ألزم ذمته إعتاق عبدٍ فللعبد أن يرافعه إلى الحاكم؛ حتى يجبره على الإعتاق، وأنه لو أعتق على مال، المذهب: أنه يعتق، ولا يثبت المال].

стр. 3981

بسم لله الرحمن الرحيم رب يسر ولا تعسر كتاب البيوع البيوع: جمع بيع. وهو في اللغة: إعطاء شيء في مقابلة شيء. وهو في الشرع: مقابلة الماء القابل للتصرف بالمال القابل للتصرف مع الإيجاب والقبول على الوجه المأذون فيه. وسمي البيع بيعا؛ لأن البائع يمد باعه إلى المشتري حالة العقد في العادة. وسمي صفقة أيضاً؛ لأن أحد المتبايعين يصفق يده على يد صاحبه حالة العقد. كذا حكاه القاضي الحسين وغيره. ورد ابن الخشاب الأول وقال: إنه غلط؛ لأن البيع من ذوات الياء تقول: باع يبيع بيعاً، [والباع من ذوات الواو تقول: بُعْتُ الشيء أَبُوعُه بَوْعاً. وإنما جمع الشيخ البيع] وإن كان اسم جنس؛ لاختلاف أنواعه؛ لأنه يقع على أضرب: بيع عين، وبيع دين، وبيع منفعة، وإن شئت قلت: بيع صحيح قولاً واحداً، وبيع فاسد قولاً واحداً، وبيع في صحته قولان. وكل واحد من المتعاقدين [فيه] يقال له: بائع وبيع ومشتر؛ قال الله تعالى ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [البقرة: ٤١]، وقال ﷺ : "المُتبَايِعَان بالخِيَار".

стр. 3982

وتقول العرب: بعت، بمعنى: بعت ملكي من غيري، وبعت بمعنى اشتريت، وقد جاء "شرى" بمعنى: باع أيضاً في قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠]، وقوله: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢]. والأصل في مشروعية البيع في الجملة قبل الإجماع من الكتاب: قوله تعالى: ﴿لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وخص الأكل بالذكر؛ لأنه أعم وجوه المصارف كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ [النساء: ١٠]، ولا يختص الوعيد بالأكل. وقرئ برفع ﴿تِجَارَةً﴾ [النساء: ٢٩] على أن "كان" تامة، تقديره "إلا أن تقع تجارة"، وبالنصب على أن "كان" ناقصة، و"إلا" استثناء من غير الجنس على الصحيح؛ لأن التجارة ليست من الباطل في شيء، وذلك جائز عند عامة العلماء إلا عند محمد بن الحسن. وقد جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَاثِيماً (٢٥) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً﴾ [الواقعة: ٢٥، ٢٦]. وقال أبو إسحاق: هو استثناء من الجنس؛ لأن قوله: ﴿لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]، يتناول الأكل بالتجارة وغير التجارة؛ لأنه قد يؤكل المال بالباطل بتجارة فاسدة، فقوله: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾ [النساء: ٢٩] استثناء من جنسها. وضعف [نسخ ذلك بآية النور وهي قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ إلى قوله ﴿أَشْتَاتاً﴾ [النور: ٦١]، كذا رواه أبو داود عن ابن عباس].

стр. 3983

[و] قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، والألف واللام في ﴿الْبَيْعَ﴾: إما أن تكون للعموم أو للعهد أو لتعريف الماهية وأياً ما كان فهي دالة على بيع ما، وهو المقصود هنا، والذي رجحه الشافعي، وصححه أصحابه: أن الآية عامة في كل بيع إلا ما خصه على لسان نبيه ﷺ ، أو كان في معنى المنهي عنه، وإن كان الشافعي قد قال: إن احتمال تناولها لكل بيع على العموم أشبه، ونقل عنه أيضاً أنه قال: إنها مجملة؛ لأن السنة وردت مفسرة لها. حكى هذا الخلاف القاضي الحسين وغيره. وحكى أيضاً أنا إذا قلنا: إنها عامة، أو قلنا: إنها مجملة، فهل كانت السنة المخصصة أو المبينة متأخرة عن الآية أو متقدمة عليها؟ فيه قولان. وإن فائدة الخلاف في الأصل تظهر في شيء واحد، وهو إذا وقع الاختلاف في مسألة من مسائل البيع أحلال هو أم حرام؟ إن قلنا: إن الآية عامة يجوز الاستدلال بها في المسألة وإلا فلا. وقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قال ابن عباس: المراد به السلم. ومن السنة ما روي أنه قيل: يا رسول الله: أي الكسب أطيب؟ فقال: "عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور" أي: لا غش فيه ولا خيانة.

стр. 3984

وما روى الترمذي عن قيس الجهني أنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتبايع في [السوق] وكنا ندعي السماسرة، فقال [لنا]: "يا معشر التجار إن الشيطان والإثم يحضران البيع فشوبوا بيعكم بالصدقة" وقال: إنه حسن صحيح. وغير ذلك من الأخبار التي تأتي في مواضعها إن شاء الله تعالى.

стр. 3985

باب ما يتم به البيع هذه ترجمة زائدة على ما في الباب؛ لأن أركان البيع على ما حكاه غيره- وإن كان في إطلاق ذلك مناقشة ثلاثة-: العاقد وهو ينظم البائع والمشتري، والمعقود عليه وهو ينظم الثمن والمثمن، وصيغة العقد [وهي تنظم] الإيجاب والقبول. والمذكور منها في هذا الباب: العاقد والصيغة، والثالث وهو المعقود عليه مذكور في الباب الثاني فكان هذا التبويب به أليق. والمناقشة التي أشرنا إليها أبداها الرافعي على قول الغزالي لابد منها؛ لوجود صورة العقد وهي أن المراد إن كان لابد من وجودها ليدخل صورة البيع في الوجود، فالزمان والمكان وكثير من الأمور بهذه المثابة فوجب أن تعد أركاناً. وإن كان المراد أنه لابد من حضورها في الذهن ليتصور البيع، فلا نسلم أن العاقد والمعقود عليه بهذه المثابة، وهذا؛ لأن البيع فعل من الأفعال، والفاعل لا يدخل في حقيقة الفعل. ألا ترى أنا إذا عددنا أركان الصلاة والحج لا نعد المصلي والحاج، وإن كانا في جملتهما، وكذلك مورد الفعل، بل الأشبه أن الصيغة أيضاً ليست جزءاً من حقيقة فعل البيع. وجوابها: أن المراد الأول وإنما لم يعد الزمان والمكان من الأركان؛ لأنه لا يعقل فعل من الأفعال بدونهما عقداً كان أو غير عقد، والعلم بذلك حاصل بالبديهة؛ فلذلك لم يذكرهما بخلاف ما ذكره فإنه لما اختلف فيه احتاج إلى ذكره؟

стр. 3986

تنبيه: المراد بالبيع المبوب عليه بيع الأعيان خاصة، يدل عليه قوله في باب السلم: "السلم صنف من البيع" ينعقد بجميع ألفاظ البيع إلى غير ذلك. [وقوله في باب الإجارة: وهي بيع المنافع بيع يصح ممن يصح منه البيع إلى غير ذلك] ولهذا التقرير فائدة تظهر لك من بعد. قال: [و] لا يصح البيع إلا من مطلق التصرف غير محجور عليه. المراد بهذا اللفظ: بيان أهلية العاقد للبيع والمانع القائم به. فقوله: "مطلق التصرف"، بيان الأهلية وهي تحصل بالبلوغ والعقل؛ لأن أهلية المعاملات عند الشافعي- ﵁ مستفادة من التكليف. فلا يصح بيع الصبي والمجنون سواء وافق الغبطة أو خالفها، أذن فيه الولي أو لم يأذن؛ لقوله ﷺ : "رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ" رواه الترمذي. ووجه الدلالة منه: أن البيع لو صح؛ لاستلزم المؤاخذة بالتمكين من التسليم والمطالبة بالعهدة، والحديث دال على نفي المؤاخذة. فإن قيل: لم لا يصح البيع ويكون الولي هو المخاطب بذلك كما يخاطب بإيفاء أروش الجنايات وتفرقة الزكوات؟ قلنا: أما المجنون فقد قام الإجماع على عدم صحة تصرفه لفسخه شرعاً وعرفاً.

стр. 3987

وأما الصبي فلأنا إنما أقمنا الولي مقامه فيما ذكر للضرورة ولا ضرورة بنا هنا ثم لا فرق في بيع الصبي بين أن يكون للاختبار أو غيره على الأصح؛ لإمكان اختباره بتقرير الثمن والمساومة والمماكسة المطلوبة في البيع. وفي الطريقتين حكاية وجه في صحة بيع الاختبار، واختاره ابن أبي عصرون في "المرشد"، هذا حكم بيعه. وسيأتي في قبول روايته وإسلامه ووصيته وتدبيره خلاف في مواضعه إن شاء الله تعالى. وقوله: "غير محجور عليه" بيان للمانع القائم بذات مطلق التصرف؛ ليخرج به بيع السفيه، وشراؤه بغير إذن وليه، فإنه لا يصح مع وجود الأهلية، لا في حق نفسه ولا في حق غيره، وكذا لو أذن له على الأصح في "التهذيب"، [وشرح ابن التلمساني] هذا ما ظهر لي، ورأيت لبعض من شرح هذا الكتاب أن [مراد] الشيخ بهذا اللفظ: الاحتراز عمن حجر عليه لحق غيره؛ كالراهن في العين المرهونة، والمفلس في الأعيان المحجور عليه فيها بدون الإذن، والعبد غير المأذون، وأضاف إلى ذلك بعضهم بيع الفضولي على القول الجديد. ولم يظهر لي صحة شيء من ذلك، لأن منع الراهن من التصرف في المرهون للحجر عليه في العين لا في ذاته. وقد احترز عنه الشيخ بقوله في الباب الثاني: "ولا يجوز فيما يبطل به حق آدمي"، فلو كان يدخل فيما احترز عنه هاهنا لم يحتج إلى ذكره ثم، ومنع المفلس من التصرف في الأعيان المحجور عليه فيها يضاهي منع الراهن، ثم لو قدرنا صحة ذلك لم يكن كلام الشيخ جامعاً للمقصود؛ لأنه نفى صحة البيع على الإطلاق عند عدم إطلاق التصرف، وعند وجوده ووجود الحجر. والراهن ليس ممنوعاً من البيع على الإطلاق فإنه يجوز له بيع غير الرهن وشراء ما أراد لنفسه ولمن يوكله وكذلك المفلس في غير الأعيان المحجور عليه فيها على الصحيح وهو الذي جزم به العراقيون. وأما العبد فمنعه من التصرف بالبيع لعدم الملك أو ضعفه والاحتراز عنه مذكور

стр. 3988

في الباب الثاني بقوله: "ولا يجوز بيع ما لا يملكه إلا بولاية أو نيابة" وشراؤه عند العراقيين [على ما] حكاه القاضي أبو الطيب في "كتاب التفليس" كشراء المفلس. ومقتضاه أن يكون الصحيح جوازه [وحينئذٍ] فلا يحسن الاحتراز عنه، نعم إن قلنا: إنه لا يجوز، كما صححه الرافعي وغيره، فيحسن الاحتراز عنه أيضاً، إن كان الشيخ يوافقه عليه، كما سنذكره عن بعض العراقيين. ولو قيل: هل يصح شراؤه للغير بإذن سيده؟ قلنا: بالإذن ارتفع عنه الحجر في ذلك التصرف. وأما بيع الفضولي فالمنع منه لعدم الملك. فإن قيل: احترز الشيخ- ﵁ عن مانع الحجر بما ذكرتموه، ولم يحترم عن مانع الإكراه بغير حق بلفظ الاختيار، فهلا ذكره كما فعل في "المهذب". قلنا: الموانع الأصل عدمها، وذلك يغني عن الاحتراز عنها، والمحوج إلى ذكر الاحتراز عن الحجر مخالفة أبي حنيفة في بيع الصبي؛ فإنه إذا جاز بيعه فبيع السفيه أولى فاحتاج إلى التنبيه عليه خشية أن يعتقد معتقد موافقته؛ لأجل أنه صحيح العبارة بخلاف الصغير. فرع: بيع المصادر هل ينعقد؟ فيه خلاف محكي في "الوسيط" في باب الأطعمة. وحكى ابن أبي الدم: أن القاضي أبا منصور ابن أخت الشيخ أبي نصر [سأل أبا نصر] عن هذه المسألة فقال: إن كان له مال غير الذي باعه صح البيع، وإن لم يكن له مال سوى الذي باعه فهل يصح البيع؟ فيه وجهان. فرع: رجل مجهول الحال لا تعرف حريته ولا رقه، هل تصح المعاملة معه أو لا؟ فيه قولان [في "التتمة" في باب العبد المأذون]. والأظهر: الجواز؛ لأن الأصل في الناس الحرية فيتمسك بالأصل. ووجه الثاني: بأن الأصل في حق كل إنسان الحجر وعدم ذلك التصرف، فل

стр. 3989

يجوز المعاملة معه حتى يعلم أنه من أهله، وهذه العلة تقتضي طرد هذا الوجه فيمن جهل رشده من طريق الأولى وهو [بعينه] كلام الشيخ حيث قال: "لا يصح إلا من مطلق التصرف غير محجور عليه" فمتى لم يتحقق وجود ذلك لا يصح هذا الإطلاق، ولم أر هذا لأحد. قال: ولا ينعقد [البيع] إلا بإيجاب وقبول [أي على وجه الجزم، سواء كان المعقود عليه من المحقرات أو غيرها كالجواري والدواب والدور؛ لقوله تعالى: ﴿لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: ٢٩]، وقوله ﷺ : "إنما البيع عن تراض"، والرضا أمر خفي لا يطلع عليه فوجب أن يناط الحكم بسبب ظاهر يدل عليه وهو الصيغة. وروى الخراسانيون، عن ابن سريج تخريج قول للشافعي: أنه يكتفي في المحقرات بالمعاطاة وبه أفتى القاضي الروياني وغيره على ما حكاه الرافعي؛ لأن المقصود الرضا والقرائن تعرف [حصوله]. وفي "البيان" أن ابن سريج حكاه عن الشافعي من غير أن يذكر لفظ التخريج. وفي "النهاية" في باب حبل الحبلة، أن ابن سريج ذكر قولين في المعاطاة مع القرائن في إرادة البيع هل يكون بيعاً؟ ولم يقيده بالمحقرات، وهو يوافق ما في "الوسيط" في كتاب "العارية" حيث قال: "ولهذا ذكر القاضي في المعاطاة في البيع وجهين؛ لأجل القرائن"، ومقتضى هذا الإطلاق [أن الخلاف] غير قاصر على المحقرات. وفي "التتمة": أنه حكي عن ابن سريج: أن كل ما جرت العادة فيه بالمعاطاة ويعدونه بيعاً فهو بيع، وما لم تجر العادة فيه بالمعاطاة كالجواري والدواب والعقار فلا يكون بيعاً. وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة: المعاطاة في بيع المحقرات، فأما في الأشياء النفيسة فلا بد من الإيجاب والقبول.

стр. 3990

ومقتضى هذا أن خلاف ابن سريج ليس قاصراً على المحقرات بل يجري في المحقرات وما فوقها مما جرت العادة فيه بالمعاطاة، ولا يجري فيما لم تجر العادة فيه بالمعاداة إذ لو لم يكن كذلك لقال عقيب ما حكاه عن ابن سريج: "وبه قال مالك وأبو حنيفة والذي يقتضيه كلام المتولي [و] هو الذي رجحه ابن الصباغ". والمقررون لكلام ابن سريج ذكروا لمستند تخريجه صوراً منها.: ما إذا دفع إلى غسال ثوبه وأمره بغسله ولم يذكر له أجرة، والغاسل ممن يعمل بالأجرة، فإنه يستحق الأجر على قول. ومنها: لو عطب الهدي قبل المحل، وغمس النعل الذي قلده بها في الدم وضرب بها على صفحة سنامه فإنه يجوز للمارين الأكل منه على أحد القولين. ومنها: لو قال لزوجته إن أعطيتني ألفاً فأنت طالق، فوضعته بين يديه، ولم تتلفظ بشيء فإنه يملكه على الصحيح. ومثلوا المحقرات بالباقة من البقل والرطل من الخبز، ومنهم من مثلها بما دون نصاب السرقة. قال الرافعي: والأشبه الرجوع فيه إلى العادة فما يعتاد فيه الاقتصار على المعاطاة بيعاً ففيه التخريج ولهذا قال صاحب "التتمة" عن التخريج ما جرت العادة فيه بالمعاطاة فهو بيع وما لا؛ كالدواب والجواري والعقار فلا. هذا آخر كلامه، وقد قدمت أن المفهوم من كلام صاحب "التتمة" أن بينهما فرقاً، فلا يحسن الاستشهاد به.

стр. 3991

فرع: حيث قلنا: إن بيع المعاطاة لا يصح، فما حكم ما جرت العادة فيه بالمعاطاة في الأخذ والعطاء؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه إباحة، وبه أجاب القاضي أبو الطيب وابن الصباغ حين سأله عما إذا أخذ بقطعة [ذهب] شيئاً، وأكله، ثم عاد يطالبه بالقطعة، هل له ذلك؟ [فقال: لا]، فقال ابن الصباغ: لو كان إباحة لكان له ذلك. قال القاضي: إنما أباح كل واحد منهما بسبب إباحة الآخر، قال ابن الصباغ: فهو إذن معاوضة. وأصحبهما: أن حكمه حكم المقبوض في سائر العقود الفاسدة وحكي عن الشيخ أبي حامد [أنه] قال: يسقط ذلك عن ذممهم بالتراضي. وهذا يشكل بسائر العقود الفاسدة. وحيث قلنا: بصحة بيع المعاطاة، فصورتها على ما حكاه مجلي: أن يتفقا على الثمن والمثمن، ثم يعطي المشتري الثمن للبائع ويعطي البائع السلعة للمشتري من غير أن يجري بينهما إيجاب وقبول. فرع آخر: إذا باع الأب أو الجد مال ابنه الصغير من نفسه، هل يفتقر إلى النطق بلفظ العقد أو يكفي فيه ذلك؟ فيه وجهان منقولان في كتاب "الحاوي" في كتاب الرهن فإن اعتبرنا الإتيان باللفظ به فهل يفتقر إلى القبول؟ فيه وجهان، فإن

стр. 3992

اعتبرناه- وهو مقتضى إطلاق الشيخ- فلا يكفي التوكيل على الأصح. فإن لم نعتبره وأراد أن يوكل وكيلاً واحداً في الإيجاب والقبول فهل يجوز؟ فيه وجهان مذكوران في "النهاية" في كتاب العارية. أما إذا حصل الإيجاب والقبول على وجه الهزل فهل ينعقد به البيع؟ قال القاضي حسين في باب البراءة [وفي فتاويه] يحتمل وجهين بناء على مسألة السر والعلانية في الصداق. فإن جعلنا المهر مهر السر ففي هذه المسألة لا ينعقد؛ لأنهما ما قصدا بذلك معاوضة حقيقية وإن قلنا: المهر مهر العلانية انعقد، ولا اعتبار بقصدهما، بل العبرة بالملفوظ. وفي بيع التلجئة: وهو أن يخاف واحد من السلطان فيجيء إلى صديق له ويقول: أبيعك ما لي منك على أن ترد علي البيع إذا أمنت من السلطان حتى أقول للسلطان: إني بعته. [وإذا بعتك] لا ينعقد البيع وهم يسمونه بيع أمانة، مثل هذا الخلاف [و] المذكور في "الشامل" الجزم بالصحة. قال: وهو أن يقول- أي البائع- بعتك أو ملكتك أي بكذا؛ لأن اسم البيع يقع على ذلك، قال: وما أشبهه أي مثل أن يقول: شريت منك هذا، وصارفتك في عقد الصرف ووليتك هذا العقد وأشركتك معي فيه نصفين، وغير ذلك مما هو في معناه، وهذا هو الإيجاب وضابطه فيما نحن فيه: كل لفظ يدل على التمليك بعوض بدلالة ظاهره وهذا هو المشهور. وفي لفظ التمليك حكاية وجه مروي في "الحاوي" أنه لا يصح به البيع وأنه الأصح؛ لأن التمليك حكم من أحكام البيع وموجبه فاحتاج إلى تقديم العقد ليكون التمليك يتعقبه؛ ولأنه يحتمل البيع ويحتمل الهبة على العوض فصار من جملة الألفاظ المجملة، وهذا التعليل منه مبني عل اعتقاده: أن البيع لا ينعقد من جهة البائع

стр. 3993

إلا بلفظ واحد وهو قوله: بعتك دون قوله: أبحتك هذا العبد بألف أو سلطتك عليه أو قد أوجبته لك أو جعلته لك وما أشبه ذلك. وهذا إن أراده مع وجود النية، وجعل القابل كالشاهد فهو خلاف الظاهر من المذهب على ما حكاه الرافعي وغيره، والأصح على ما حكاه الرافعي وغيره، والأصح على ما حكاه الغزالي في الشرط الخامس من شرائط المبيع. وإن أراد عند فقد النية فهو موافق للمذهب، ويكون توجيه الوجه القائل بالصحة في لفظ التمليك على هذا: إقامة ذكر العوض مقام النية، وله التفات على أن الخلع إذا جعلناه صريحاً في الطلاق فهل مأخذ الصراحة فيه ذكر العوض أو كثرة استعماله لإرادة الفراق؟ وفيه خلاف في موضعه فإن قلنا: مأخذ الصراحة فيه ذكر العوض فيكون لفظ التمليك صريحاً أيضاً لوجوده، وهو قصد كلام الشيخ وابن الصباغ حيث قرناه بلفظ البيع وهو ما صرح به المتولي. ويتجه جريانه في قوله: "خذه بكذا" أو: "جعلناه لك بكذا"، فيكون صورة الكناية التي أجرى فيها الخلاف ما إذا قال: "خذه"، ولم يذكر عوضاً، لكن نواه، وكذلك صورها مجلي فيما إذا قال: ملكتك ونوى العوض، وإن قلنا: مأخذ الصراحة، ثم كثرة الاستعمال فالكثرة لم توجد هاهنا [ولا نية] فلا ينعقد به البيع. قال: ويقول المشتري: قبلت- أي البيع- أو ابتعت وما أشبهه أي مثل قوله: "تملكت"، و"اشتريت"، و"أخذته"، وغير ذلك مما هو في معناه، وهذا هو القبول وضابطه: كل لفظ يدل على التملك.

стр. 3994

وفي "النهاية": أن القبول على الحقيقة ما لا يتأتى الابتداء به مثل قوله: "قبلت"، فأما ما يتأتى الابتداء به مثل قوله: "ابتعت"، وما بعده فذاك قائم مقام القبول. ولو قال: "قبلت"، ولم يقل "البيع"، صح على الأصح، وفيه وجه حكاه الرافعي في كتاب النكاح؛ أنه لا يصح كما في النكاح على قول. ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يقول البائع: "بعت"، فيقول المشتري: "اشتريت"، أو يقول المشتري: "اشتريت" أو "ابتعت"، ثم يقول البائع: "بعت"، ولا بين أن يتفق اللفظ كما ذكرناه أو يختل، مثل أن يقول: "بعتك"، فيقول: "ملكت"؛ لأن المعنى الواحد. ثم يشترط توافق الإيجاب مع القبول في العدد والنقد والحلول والأجل، وفيما إذا قال: "بعتك بألف"، فقال: اشتريت بألف وخمسمائة"، أو قال: "اشتريت منك بألف"، قال: "بعتك بخمسمائة"- وجه: أنه يصح حكاه في الأول الرافعي وفي الثاني الغزالي في الخلع. ويشترط أيضاً: ألا يطول الفصل بين الإيجاب والقبول، وألا يتخللهما كلام أجنبي عن العقد، فإن طال أو تخلل لم ينعقد، كذا حكاه الرافعي هنا، وحكى في كتاب النكاح عن أبي سعد الهروي أنه نقل عن العراقيين من أصحابنا الاكتفاء بوقوع القبول في مجلس الإيجاب، وقالوا: حكم نهاية المجلس حكم بدايته. وحكى في باب الاستثناء من كتاب الطلاق: أن الكلام اليسير لا يقطع الاتصال بين الإيجاب والقبول على الأصح. قلت: ويتجه جريان مثل ذلك هاهنا. ويشترط أيضاً: أن يكون الجواب ممن صدر معه الخطاب، فلو مات المشتري بعد

стр. 3995

الخطاب ووارثه حاضر، فَقَبِلَ، فالأصح أنه لا ينعقد. تنبيه: قول الشيخ في صدر الفصل: "وهو أن يقول: "بعتك" .. ". إلى آخره فيه دلالة ظاهرة على أن البيع لا ينعقد بالكتابة مع النية، لا في طرف الإيجاب ولا في طرف القبول؛ لأنها ليست بقول، وكذا لا ينعقد فيما إذا قال: بعت من فلان وأرسل إليه رسولاً، فأخبره بذلك وقبل؛ لانعدام الخطاب الذي اعتبره بقوله: "بعتك"، وهو ما جزم به القاضي الحسين في "كتاب الطلاق" وفي كل من الصورتين [خلاف] بين الأصحاب، لكن الخلاف في الكتابة مبني على أن الطلاق هل يقع بها أم لا؟ فإن لم نوقع الطلاق فالبيع أولى، وإن أوقعناه ففي البيع وجهان. وأصحهما في "تعليق" القاضي الحسين في "كتاب الطلاق": عدم الانعقاد. وفي "النهاية" في "كتاب الوكالة" أن الصحيح إقامة الكتابة في حال الغيبة مقام النطق في الحضرة وسيأتي في "كتاب الطلاق": حكاية وجه في أن نفس الكتابة بصريح الطلاق [صريح في الطلاق]، ويتجه جريان مثله هاهنا، إذا قلنا: ينعقد بالكتابة مع النية. إذا عرفت ذلك فهمت من كلام الشيخ أنه لا يرى انعقاد البيع بالكتابة؛ لأن الكتابة كناية، وقد بينا أنها تخرج من كلام الشيخ وأن الظاهر خلافه. قال: فإن قال المشتري: بعني فقال: بعتك انعقد البيع أي: من غير احتياج إلى أن يقول ثانياً: "ابتعت"؛ لأن المقصود وجود لفظ دال على الرضا بموجب العقد وقد حصل، فصح به كالنكاح. وفي "الوسيط" حكاية قول على ما حكاه في النكاح، ووجه على ما حكاه في البيع: أنه لا ينعقد. وقال في "الوجيز": إنه الأصح؛ لأن قوله: "بعني" مما يذكر لاستبانة الرغبة، فينوب عن قوله: "أتبيعني" ويخالف النكاح فإنه لا يجري مصافقة في الغالب، فتكون الرغبة معلومة من قبل فيتعين قوله زوجني استدعاء جزماً، والأول هو الراجح عند الجمهور والمجزوم به في "مجموع المحاملي" و"الشامل". وقال في "الوسيط": إنه أقيس، وعليه ينبني ما لو قال: بعني، فقال: قد فعلت ذلك،
следующие страницы →