← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

وإن كان من لبن أو آجر جاز، هكذا أطلقه في التلخيص، وهو محمول عند الأئمة على ما إذا جعل النهاية [شق نصف من الآجر واللبن دون أن يجعل القطع نصف سمكها]. وفي "النهاية": أن الحكم في الخشبة كالحكم في الثوب، فإن كان القطع ينقصها لم يجز، وإلا فوجهان. قال الرافعي: وفي تجويز البيع إذا كان من لبن أو آجر إشكال- وإن [جعل] النهاية ما ذكره – من وجهين: أحدهما: إن كان موضع الشق قطعة واحدة من طين أو غيره، فالفصل الوارد عليه وارد على ما هو قطعة واحدة. والثاني: يثبت أنه ليس كذلك رفع بعض الجدار ينقص قيمة الباقي، وإن لم يكن قطعة واحدة فيفسد البيع؛ ولهذا قالوا: لو باع جذعاً في بناء لم يصح؛ لأن الهدم يورث النقاصن، فأي فرق بين الجذع والآجر، وكذا لو باع فصاً في خاتم. وذكر بعض الشارحين للمفتاح في تفاريع هذه المسألة: أنه لو باع داراً إلا بيتاً في صدرها لا يلي شارعاً ولا ملكاً له، على أنه لا ممر له في المبيع لا يصح. انتهى. وحكى القاضي الحسني مع هذا وجهاً آخر أنه يصح. ومحلهما إذا لم يمكنه إيجاد ممر، أما إذا أمكنه صح. ولو لم ينف الممر، ففي الرافعي أنه يستحق الممر، وفي "تعليق" القاضي الحسين في استحقاقه الممر في المبيع وجهان. قال: ولا يجوز بيع المعدوم أي: كالثمرة التي لم تخلق؛ لنهيه – ﵇ – عن بيع الغرر، وقوله ﷺ : "لا يحل بيع ما ليس عندك" كما خرجه الترمذي. وقال: إنه حديث حسن صحيح. قال: ولا بيع العربون. وصورته على ما قال القتبي: أن يشتري سلعة، ويدفع درهماً أو ديناراً على أنه إن تم البيع كان المدفوع من الثمن، وإن لم يتم ورد السلعة؛ كان ذلك للبائع.

стр. 4097

ووجه فساده: نهيه- ﵇ – عن بيع الغرر، وروي أنه – ﵇: "نهى عن بيع المُسْكان" وهو بعي العربون، وجمعه مساكين، كما جمعوا العربان على عرابين؛ ولأن معنى القمار قد تضمنه. ويقال في هذا أيضاً: أَرْبون، وأُرْبان، وُعرْبان، وعَرَبون، وعُرْبون، وبذلك تكمل فيه ست لغات، وهو أعجمي عُرِّب، واللغة العالية عربون بالفتح، وأصله في اللغة التسليف والتقديم. وبعضهم استدل على بطلان هذا البيع بما روي [عن] عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ "نهى عن بيع العربان" وهو منقطع عند أبي داود. وفي سنده ابن لهيعة. وما رُوي أنه – ﵇ – سئل عن العربان فأحله، وأن زيد بن أسلم راويه سئل عنه [فقال]: هو الرجل يشتري السلعة، فيقول: إن أخذتها، وألا رددتها ورددت معها درهماً – هو مرسل، وفي إسناده الأسلمي. قال: ولا يجوز بيع ما يجهل قدره كبيع الصبرة إلا قفيزاً منها، أي: وهي مجهولة [لهما]؛ لما روى مسلم أن النبي ﷺ نهى عن المحاقلة، والمزابنة، [والمعاومة] والمخابرة، وعن الثنيا، ورخص في العرايا.

стр. 4098

وقال النسائي: "وعن الثنيا إلا أن تعلم". قال المحاملي: والثنيا: أن يبيع شيئاً ويستثني بعضه؛ ولأن الصبرة ليست معلومة بكيل ولا وزن، وإنما التعويل في إعلامها على العيان، فإذا استثنى منها مقداراً اختل به ضبط العيان، فلا يشار إلى شيء منها [إلا] وللصاع المستثنى منه نصيب، وذلك يكسب المبيع جهالة لا تحتمل. كذا وجه الإمام المنع فيما إذا باع ثمرة البستان إلا مُدَّا منها، وقال: إن المنع متفق عليه في كتبه الجديدة والقديمة، وأن بيع الصبرة إلا قفيزاً منها مثله. أما إذا كانت الصبرة معلومة لهما؛ فالبيع صحيح، والاستثناء ثابت، ولا حاجة إلى ذكر أمداد الصبرة لفظاً. وكذا يجوز بيع الصبرة إلا ربعها أو جزءاً معلوماً منها وإن كانت مجهولة. ومن طريق الأولى إذا باع جميع الصبرة وهي مجهولة. ولكن هل يكره؟ فيه قولان في "الشامل" وغيره. وعكس هذه المسألة، لو قال: بعتك صاعاً من هذه الصبرة وكانت معلومة الصيعان، كعشرة مثلاً؛ صح العقد؛ لأنه قد وجد مورداً يمكن الإشارة إليه، لكن ينزل

стр. 4099

العقد على الإشاعة، ويكون المبيع منها العشر، حتى لو تلف منها صاع بطل العقد في عشر المبيع، وفي باقيه تفريق الصفقة. أو [ينزل العقد] على واحد منها على الإبهام، وللبائع التعيين. ولو تلف إلا صاعاً بقى العقد [فيه]، وفيه وجهان، اختيار القفال منهما على ما حكاه الإمام الأول، وهو الذي عليه الجمهور، كما حكاه الرافعي، وبه جزم في الوجيز. ولو كانت مجهولة الصيعان، ففي صحة البيع وجهان، بناهما الإمام على الخلاف فيما إذا كانت معلومة الصيعان. فإن نزل العقد على صاع منها صح هاهنا كذلك، وإن نزل على الإشاعة بطل هاهنا؛ لأنه بيع جزء مجهول. قال الإمام: واستدل القفال عليه بما لا مدفع له فقال: لو قسمت الصبرة أمداداً وميزت، ثم قال مالكها: بعتك مدًّا منها فالبيع باطل، ولا فرق بين أن تتميز كذلك وبين أن تجمع، ولا بين بيع شيء مجهول القدر مضبوطاً بالعيان يستثني منه مقدور وبين بيع مقدر مضاف إلى مجهول القدر مضبوط بالعيان، وهذا معنى قول الغزالي: "فأي فرق بين استثناء المعلوم من المجهول، واستثناء المجهول من المعلوم والإبهام يعمهما؟ "؟! وفي الفرق غموض. وقد ذكر في "تعليق" القاضي الحسين فرق بين ما أورده القفال أولاً وبين هذه المسألةُ وهو أن الصيعان إذا فرقت تتفاوت في الكيل؛ لأنه ربما كان أحدهما أكثر من غيره لو كيل ثانياً، ولم يوجد هذا المعنى في مسألتنا، وهذه المادة مأخوذة مما ذكرناه فيما إذا اشترى طعاماً مكايلة فقبضه، ثم باعه مكايلة، لابد من كيله ثانياً؛ لهذا المعنى. وفي شرح التنبيه لابن التلمساني فرق بين ما أورده القفال ثانياً وبين مسألتنا وهو أن المبيع في مسألة الصاع معلوم القدر، والمبيع فيما استشهد به مجهول القدر، فإنه مع تقدير الإخراج لا تبقى البقية المنسوبة إلى المشاهدة والتخمين إذا كان المبيع هو الجملة إلا صاعاً، فانحسمت طرق التعريف من الإشاعة بالجزئية والمشاهدة، وقد كان القفال إذا سئل عن هذه المسألة يفتي بالوجه الأول ويقول: المستفتي يستفتي

стр. 4100

عن مذهب الشافعي لا عما عندي. واعلم أن بناء الإمام قد يظهر أنه مناقض، فإن ظاهر المذهب على ما حكاه عند الكلام في "بيع ذراع من الدار" والأصح على ما حكاه في كتاب القراض وغيره أيضاً صحة البيع، حتى قال في "التهذيب": لو لم يبق إلا صاع سلم إليه، وما حكى عن الجمهور تنزيل العقد في حالة العلم على الإشاعة، ومقتضاه أن يكون الراجح عدم الصحة، لكن سبيل تصحيحه أن يقال: إنهم ينزلون العقد على الإشاعة إذا أمكن. وإذا لم يمكن فهو منزل على صاع منها؛ لاستواء الغرض، وهذا مصرح به في "تعليق" القاضي الحسين، وإليه أشار الرافعي أيضاً. وبنى الغزالي الخلاف في هذه المسألة على مأخذ فساد البيع فيما إذا قال: بعتك عبداً من هذه الأعبد الثلاثة، هل هو الغرر الذي فيه مع سهولة الاجتناب عنه، أو لأن العقد لابد له من مورد يتأثر به كما في النكاح؟ فعلى الأول يصح هاهنا إذ لا غرر؛ لتساوي أجزاء الصبرة بخلاف العبيد، وإن تساوت قيمها؛ لأن أعيانها مقصودة. وعلى الثاني يبطل، وهو الأصح عنده. وقد حكى في "التتمة" عن القديم قولاً مثل مذهب أبي حنيفة أن البيع يصح في مسألة العبيد إذا قال: بعتك أحد عبيدي أو عبيدي الثلاثة على أن تختار من شئت في ثلاثة أيام فما دونها، وعلى هذا لا يمكن البناء، والمذهب بطلان البيع. وفساد القديم يظهر بعدم اطراده في الثياب وغيرها من الدواب والأعيان، فإن أبا حنيفة لم يطرد قوله كما حكاه أصحابنا فيها، ولا فيما زاد على الثلاثة أبعد. ولو لم يملك من الأعبد الثلاثة إلا واحداً فقال: بعتك عبدي منها، وهو غير معروف، ففي "التهذيب" الجزم بالبطلان، وفي "التتمة" تخريجه على بيع الغائب مع مشاهدة جميعهم. فرع: لو قال: بعتك صاعاً من هذه الصبرة ونصف الباقي بعده – لم يصح؛ لأن الباقي يبقى مجهولاً، قاله القاضي الحسين. وأبدى الإمام فيه في كتاب القراض احتمالاً من حيث إن بيع الصاع وحده مع

стр. 4101

جهالة الصبرة صحيح، فَذِكْرُ بعضها بعد أخذ الصاع [منها] كذكر نصفها من غير أخذ نصف الصاع. ولو قال: بعتك نصف الصبرة وصاعاً من النصف الآخر، لم يصح. قال القاضي الحسين في كتاب المساقاة: لأنه لم يصر المبيع من الصبرة معلوماً بالجزئية. قال الإمام: وهذا التفريع إنما يحسن إذا لم نجوِّز بيع صاع من صبرة مجهولة الصِّيعان، فإن جوزناه فبيع النصف من الصبرة المجهولة جائز، وبيع صاع من النصف الباقي، كصبرة مجهولة بيع صاع منها. آخر: بيع القز وفيه الدود يجوز جزافاً، وبالوزن لا. تنبيه: الصبرة: واحد الصُّبَر، وهي الكومة المجموعة من الطعام، وسميت صبرة؛ لإفراغ بعضها على بعض. والقفيز: مكيال سعته ثمانية مكاكيك، والمكوك: صاع ونصف، والعرق: ستة عشر رطلاً. والإردب، قال الإمام: مكيال من مكاييل مصر، واللفظ من لغة أهله. وقيل: إنه يسع أربعة وعشرين صاعاً، قاله في باب الشروط التي تفسد البيع. والنووي أطلق حكاية ذلك. والقّنْقَل: نصف أردب، والكُر: سِتُّون قفيزاً. قال: ولا يجوز بيع ما يجهل صفته. هذا الكلام فيه إشارة إلى علة المنع، ووراءها أمور نذكرها. قال: كالحمل في البطن، أي: إذا أفرد بالعقد؛ لنهيه- ﵇ – عن بيع الغرر وعن بيع المجر، والمجر – بميم مفتوحة وجيم ساكنة وراء مهملة -: هو شراء ما في الأرحام، وعن بيع الملاقيح والمضامين، والملاقيح: ما في البطون من

стр. 4102

الأجنة، والواحد منها: ملقوحة، والمضامين: ما في أصلاب الفحول، ولأنه غير مقدور على تسليمه، ويجهل قدره هل هو واحد أو أكثر؟ ولا فرق في ذلك بين أن يبيعه من مالك الأم أو من غيره. أما إذا بيع مع أمه بان قال: بعتك الجارية وحَمْلها بكذا فهل يصح؟ فيه وجهان محكيان في "تعليق" القاضي الحسين، وبناهما المتولي على أن الحمل هل يقابله قسط من الثمن عند الإطلاق أم لا؟ فإن قلنا: لا يقابله، بطل. وإن قلنا: يقابله، فالمذهب أن العقد صحيح، وقوله: "وحملها" تصريح بمقتضى العقد. وهكذا الحكم فيما إذا قال: بعتك الجبة وحشوها. ولا خلاف أنه إذا باع الأم من غير تعرض لذكر الحمل في اندراجه [إذا لم يكن] بقيةً من حمل وضعت بعضه، لكن هل يقابله قسط من الثمن أم لا؟ فيه وجهان ينبنيان على أن الحمل هل يعرف أم لا؟ والصحيح أنه يعرف. وإذا كانت الأم ثمناً أو صداقاً أو أجرة أو بدلاً في خلع أو صلح فحكمه في التبعية كما إذا بيعت، وهذا إذا وقع البيع بالاختيار. أما إذا وقع لا عَنْ رضا المالك البيع المحتوم في حق المرتهن، ففي تبعيته للأم قولان جاريان فيما لو انتقل الملك عن الأم قهراً بفسخ العقد وقد حدث في ملك المنتقل عنه، ويستوي فيه الرد بالعيب، وبسبب الإفلاس، والرجوع في الهبة، وهل تستتبعه الأم في العقود الاختيارية الخالية عن المعاوضة كالرهن والهبة؟ فيه قولان، والجديد في الهبة: أنه لا يتبع. وحكم الثمرة غير المؤبرة حكم الحمل فيما ذكرناه، صرح به الإمام في باب الخراج بالضمان، والماوردي فيا لثمرة أيضاً في باب ثمرة الحائط.

стр. 4103

أما إذا كان الولد المجنن بقية حمل وضعت بعضه في يد البائع ثم وضعت باقيه في يد المشتري، قال الإمام في آخر "النهاية": ظاهر نص الشافعي أن الولدين للبائع، وهو خلاف القياس. قال الشيخ أبو علي: كان الخضري يحكي قولين في المسألة: أحدهما: ما نسبناه إلى النص. والثاني - ما رأيناه الصواب، لا يجوز غيره -: أن الثاني للمشتري. ثم إذا حكمنا بأن الحمل للبائع فيجب أن يحكم بفساد البيع في الأم على ظاهر المذهب. قلت: وهذا الخلاف كالخلاف في استتباع ما أُبّرَ ما ولم يطل وسنذكره إن شاء الله تعالى. قال: واللبن في الضرع، لما روى ابن عباس أن النبي ﷺ نهى عن بيع اللبن في الضرع، ولأنه مجهول القدر، فإن الضرع قد يكون ثخيناً فيكون اللبن قليلاً، وقد يكون رقيقاً فيكون اللبن كثيراً؛ ولأنه يتجدد شيئاً فشيئاً إذا أخذ في الحلب، وما يحدث ليس مبيعاً، فلا يتأتى التسليم. ولا فرق في ذلك بين أن يعين قدراً من اللبن أو [لا] على الصحيح من المذهب؛ لأن وجود القدر المذكور في الضرع لا يتحقق. وفي توجيه القاضي الحسين [له] أنه قيل: إن ما في الضرع يكون دماً، ثم ينقلب بالحلاب لبناً بجريانه على عروق الضرع. وفيه وجه: أنه يصح، إذا رأى منه أنموذجاً، وقال للطالب: بعتك من هذا اللبن الذي في الضرع مُدًّا مثلاً. قال الإمام: وهذا يحتاج إلى فضل نظر، فإن باع مقداراً لا يتأتى حلبه إلا ويتزايد اللبن مع حلبه، فلا ينفع أبداً الأنموذج، فإن المانع قائم. وذكر الوجهين مطلقاً يشير إلى أن المحذور حيث لا أنموذج، وعدم الرؤية، أو عدم الإحاطة بالصفات.

стр. 4104

ومن سلك هذا المسلك يلزمه التخريج على بيع الغائب، وكان شيخي يتأنق في التصور ويقول: إذا ابتدر حلبه واللبن على كمال درَّته، لم يظهر اختلاط شيء به له قدر وبه مبالاة، وإن فرض شيء على بعد- فمثله محتمل، كما إذا باع جزءاً من قرط. فإذا قل مقدار المبيع وتصور بالصورة التي ذكرناها، وفرض أبداً الأنموذج فينقدح ذكر خلاف هاهنا. ومن حقيقة هذا أن الخلاف إذا رُدَّ إلى تقليل المقدار، فلا حاجة إلى ذكر الأنموذج في التخريج على الخلاف. وحاصل القول: أنه إذا ظهر الزائد والاختلاط، امتنع البيع قولاً واحداً، وإن قل المقدار، فمن أصحابنا من يرى إلحاق هذا ببيع الغائب. ومنهم من حسم الباب وراء إلحاق القليل بالكثير؛ فإنه لا ضابط للقدر الذي يقال فيه: إنه مبيع خالص غير مختلط، وهذا ما حكاه المتولي. ولما تأمل الغزالي كلام الإمام قال: وغلط الفوراني إذ ذكر في الأنموذج وجهين، وصور محل الخلاف فيما إذا قبض على قدر من الضرع و [أحمك] شَدَّهُ. قال والمسك في الفأرة [أي]: قبل الفتق، كما صرح به المحاملي، والإمام؛ لأن بقاءه في غير الفأرة ممكن؛ فلم يصح بيعه مع استتاره بها، والجهل بقدره كالدر في الصدف. وحكى الإمام عن صاحب "التقريب" وغيره عن ابن سريج: أنه قال: يصح بيعه؛ لأن بقاءه فيها من مصلحته؛ لأنها تحفظ رطوبته ورائحته، فكان بمنزلة الجوز واللوز في قشره. وقال الإمام: الوجه عندنا تخريج البيع على بيع الغائب؛ فإن بيع المسك في فأرته مع فأرته لا يزيد على بيع الثوب في الكم، فإن كان ما ذكره الأصحاب جواباً على منع بيع الغائب فصحيح. وإن قطعوا بالفساد، وفرقوا بينه وبين الغائب، فهذا لا سبيل إليه.

стр. 4105

والتخريج على بيع الغائب هو المذكور في "تعليق" القاضي الحسين فيما إذا باع المسك دون الفأرة، وصحة البيع مع الفأرة، وهو مفرع على القول بطهارة الفأرة، وهو الصحيح، أما إذا قيل بنجاستها جاء في ذلك الخلاف في تفريق الصفقة، وسنذكره. ولو كان راس الفأرة مفتوحاً، وقد رأى المسك فيها، فقد صرح الماوردي بصحة بيعه جزافاً وبالوزن، وفصل المتولي، فقال: إن لم يتفاوت ثخنها، ورأى جوانبها، صح، وإلا فلا. وقال الإمام: الحكم في ذلك ما إذا باع السمن مع ظرفه، والذي ذكره بعض المحققين فيه مثل ما قاله المتولي في الفأرة، وخرجه أبو حامد على بيع الغائب، وأن الأوجه القطع بالفساد. قال الإمام: وهذا الذي ذكره صحيح لا شك فيه. فرع: بيع اللحم في الجلد قبل السلخ، لا يصح على الأصح. وقيل: يتخرج على بيع الغائب، وهكذا الحكم فيما إذا بيعا معاً. وبيع القطن بعد التشقق في جوزه لا يصح – وإن كان على الأرض – عند أبي حامد. وفي جواز بيع الجوهر لمن لا يعرف الجوهر من الزجاج وجهان. تنبيه: فأرة المسك مهموزة، كفأرة الحيوان، ويجوز ترك الهمز. وقال الجوهري: ليست مهموزة وهي تنفصل عن الظبية خلقة، وحشوها السك، وذلك مخصوص بذلك الجنس، وهي على موضع السرة منها، والرب – تعالى – يربي في كل سنة فأرة، وينميها وتبقى ملتحمة ثم تستشعر بأطرافها قمثفاً فتحتك الظبية بالصَّرار والمواضع الخشنة فتسقط الفأرة. كذا قاله الإمام. قال: وبيع ذراع من الدار أي: غير معين، وهما لا يعلمان ذرعان الدار؛ لأنه لا يمكن حمله على الإشاعة للجهل بالنسبة، ولا على ذراع غير معين لاختلاف أجزائها، وذلك غرر، بخلاف بيع صاع من صبرة مجهولة، حيث صححنا العقد على ظاهر المذهب؛ لأنها متساوية الأجزاء، فأمكن تنزيل العقد على صاع لا بعينه.

стр. 4106

أما لو علما ذرعان الدار، فالبيع صحيح، وينزل على الإشاعة. قال الإمام: إلا أن يعني بالذراع معيناً، لا على تأويل الإشاعة، فلا يصح العقد حينئذ. ولو اختلف البائع والمشتري، فقال المشتري: أردت جزءاً شائعاً فيها. وقال البائع: بل أردت ذراعاً معيناً لا على مذهب الإشاعة، بل نحوت بذكر الذراع نحو قول القائل: بعت شاة من القطيع – فهذا فيه احتمال عندنا: يجوز أن يقال: الظاهر حمله على الإشاعة. ويجوز أن يقال: يقبل قول البائع؛ فإن اللفظ الصريح في الإشاعة الجزء المنسوب إلى الكل كالنصف والربع. وحكى [عند الكلام] في بيع صاع من الصبرة وجهاً: أن البيع لا يصح وإن لم يجر اختلاف، وهو بناء على أن مأخذ الصحة فيما إذا باع صاعاً من عشرة آصع أن العقد يرد على صاع لا بعينه، ولا يخفى أنه إذا باع ذراعاً معيناً منها أنه يصح، وكذا ما فوقه ذا عين الابتداء والانتهاء، ولو عين الابتداء في طول العرض دون الانتهاء فأصح الوجهين في "الشامل" وغيره: الصحة، وفي "الحاوي": الأصح البطلان. ولو وقف في وسط الأرض، [وقال]: بعتك عشرة أذرع ابتداؤها من موقفي لم يصح. ولو خط في وسط الأرض دائرة وباعها، صح البيع إذا عين له ممراًّ، فلو أطلق استحقاق ممر، ولم يعينه، بطل، [ولو لم] يشترطا ممراًّ وأطلقا العقد فهل يقتضي الإطلاق ثبوت ممر؟ فيه وجهان: فإن قلنا: يقتضيه – وهو المذهب؛ كما قال القاضي الحسين – صح، وثبت له حق الاختيار من كل جانب كما كان للبائع، وكذا إذا قال: بعتكها بحقوقها. وإن قلنا: لا يقتضيه، ففي صحة البيع وجهان، كما لو صرح بنفي الممر: أصحهما في "النهاية" – وبه جزم القاضي الحسين – البطلان. والغزالي رجح وجه الصحة، والأكثرون على خلافه.

стр. 4107

وهذا كله إذا لم تكن متاخمة للشارع، [أما إذا كانت متاخمة للشارع]، أو لملك المشتري، فعند الإطلاق لا يثبت له حق الممر. وفي "تعليق" القاضي الحسين: حكاية وجهين [فيه]، في باب الوقت الذي يحل فيه بيع الثمار وحكاهما أيضاً، فيما إذا باع داراً مطلقاً، وكان ظهرها مما يلي الشارع أو ملك المشتري، هل له الاستطراق في الممر المعروف بالدار أم لا؟ ويجب أن يفتح لها باباً في "كتاب الشفعة". وعند إدخال الحقوق في البيع إذا كانت الأرض متاخمة لملكه يكون الحكم ما لو لم تكن متاخمة لملكه عند الإمام، وأجرى الإمام هذا الفصل كله فيما إذا باع بيتاً من دار ولم يتعرض لإدخال حق الممر في العقد. فرع: إذا عين خطين، وقال: بعتك من هذا الخط إلى هذا الخط، لم يدخل الخطان في البيع، حكاه القاضي الحسين في التعليق. قال: وفي بيع الأعيان التي لم يرها المشتري قولان: أصحهما: أنه لا يجوز؛ لنهيه ﵇ عن بيع الغرر، وعن بيع غائب بناجز، ولم يفصل بين صرف وغيره فهو على عمومه؛ ولأنها عين لم يرها من ابتاعها، غُبن فلم يصح بيعها؛ قياساً على الثوب في الغبن، وهذا أحد قولي الجديد الذي نص عليه في "الأم" و"البويطي" و"الرسالة" والسنن، وهو اختيار المزني والربيع والبويطي. قال: والثاني: أنه يجوز إذا وصفها [أي]: بأن يقول: بعتك العبد التركي الذي في بيتي، أو الفرس العربي الذي في إصطبلي، وما أشبه ذلك إذا لم يكن ثم غيره. ووجهه: عموم قوله تعالى: - وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وما روى الدارقطني: أن النبي ﷺ قال: "من اشترى شيئاً لم يره فهو بالخيار إذا رآه". وفي رواية: "إن شاء أخذه وإن شاء تركه"؛ ولأن عثمان بن عفان وطلحة تناقلا

стр. 4108

دارين إحداهما بالبصرة، والأخرى بالكوفة، فقيل لعثمان: إن غبنت؟ فقال: لا أبالي؛ لأني بعت ما لم أره فلي الخيار إذا رأيتها، وقيل لطلحة، فقال: إن لي الخيار؛ لأني اشتريت ما لم أره – فترافعا إلى جبير بن مطعم، فقضى بالخيار لطلحة. وقد رُوي أن عبد الله بن عمر اشترى أرضاً لم يرها. وعبد الرحمن بن عوف اشترى إبلاً لم يرها ولم يخالف هؤلاء الخمسة أحد فكان إجماعاً. وقيل: يشترط مع ما ذكرناه ذكر معظم الصفات، وضبطه البغوي بما يوصف به المدعي عند القاضي، وفي "التتمة": عد هذا وجهاً آخر. وقيل: يشترط استيعاب جميع صفات السلم. وقال الماوردي: إنه ليس بشرط باتفاق الأصحاب. وحُكي عن البصريين أنه إذا استوعب ذلك بطل؛ لأنه يخرج عن بيوع الأعيان، ويصير من بيوع السلم، والسلم في الأعيان لا يجوز.

стр. 4109

وحكى الإمام وجهاً: أن ذكر الجنس لا يشترط، فيكفي أن يقول: بعتك ما في كمي. وعن أصحاب القفال أنه يشترط ذكر الجنس دون النوع. والمذهب الأول. ولو كان المبيع عقاراً فلابد من ذكر البلد الذي هو فيه، وفي ذكر البقعة وجهان. تقدم ذكرهما، ويشترط فيه ذكر الحدود ولا يُكتفى باثنين منها. وهل يُكتفى بذكر ثلاثة. نظر: إن لم يحصل بها [التمييز]، لم يكف؛ وألا كفى على الأصح؛ حكاه الماوردي، وفي إيراده ما يشعر بأن هذا لا يختص ببيع الغائب. قال: ويثبت للمشتري الخيار إذا رآها؛ للحديث، ولقضية عثمان، وهل يوصف العقد قبل الرؤية بالتمام؟ فيه وجهان: اختيار أبي إسحاق: أن العقد ليس بتامِّ، حتى لو مات أحدهما، أو جن، أو حجر

стр. 4110

عليه بفلس - بطل العقد، ولا يقوم الوارث [فيه] مقام الموروث، ولكل واحد منهما أن يفسخ العقد قبل الرؤية. واختيار ابن أبي هريرة: أنه تام فلا يبطل بالموت والجنون والحجر. ومن ثمرة [هذا] الخلاف أن الخيار الثابت عند الرؤية يكون عند أبي إسحاق خيار مجلس، وهو أصح عند المحاملي وغيره، وعند أبي علي بن أبي هريرة خيار عيب فيكون على الفور، وهو أصح عند الإمام، وهذا تمام القول القديم وأحد قولي الجديد الذي نص عليه في الصرف، والصلح، والمزارعة، والصداق، والأمالي، وبه قال جمهور أصحابنا، على ما حكاه الماوردي، وصححه البغوي. والقائلون بالأول خصصوا الآية إن سلم عمومها بما ذكر من الأدلة. وقالوا: الحديث راويه عمرو بن أمية الكردي وهو يضع الأحاديث كما نقله الحفاظ، وغيره رواه مرسلاً، وعلى تقدير صحته فهو محمول على شراء ما رآه قبل العقد فإنه يثبت له الخيار إذا رآه، وقد تغير. و [أجابوا] عن قضية عثمان وغيرها بأن عمر مخالف فلا إجماع. ومحل القولين بالاتفاق: ما إذا كانت العين غائبة كما صورناه، أما إذا كانت حاضرة، فباعها على شرط خيار الرؤية كثوب في سفط، أو مطوي يبيعه ن غير أن يراه المشتري- فقد حكى المحاملي: أن الحكم كذلك، وإليه أشار البندنيجي. وقال الماوردي: قد اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: أنه كبيع العين الغائبة على قولين. والوجه الثاني: أنه لا يجوز قولاً واحداً، وهو قول أكثر أصحابنا، وإليه أشار أبو إسحاق وابن أبي هريرة؛ لأن الحاضر مقدور على رؤيته، فارتفعت الضرورة، بخلاف الغائب. تنبيه: احترز الشيخ بقوله: "الأعيان" عن السلم. وبقوله: "لم يرها المشتري"، عن بيع الأعيان التي لم يرها البائع، وقد رآها المشتري.

стр. 4111

ويتصور ذلك بأن يكون قد اشتراها وكيله، أو ورثها، ثم وصفت له، فوصفها للمشتري؛ فإن فيها لأصحابنا – على ما حكاه ابن الصباغ والبندنيجي – طريقين: أحدهما: الجزم بالبطلان. والثاني: طرد القولين، و [هي التي] صححها ابن الصباغ، وطرد القولين فيها لو لم يرياها جميعاً. وحكى المحاملي الطريقين هكذا فيما إذا لم يرياها جميعاً. أما إذا لم يرها البائع خاصة، فأحد الطريقين القطع بالصحة. والثاني: إجراء القولين، وقال: إنهما مأخوذان من الطريقين فيما إذا لم يرياها جميعاً. فإن قلنا بإجراء القولين فيها، فلم يجعل لعدم رؤية البائع أثراً في [إبطال البيع]، فيصح عند رؤية المشتري وجهاً واحداً. والمراوزة قالوا: فيه قولان مرتبان على عدم رؤية المشتري، وأولى بالبطلان. قال الغزالي: والأصح – أي: وإن ثبت الخلاف -: البطلان في الشراء والبيع جميعاً. و [احترز الشيخ] بقوله: "إذا وصفها" عما إذا لم توصف: أما مع إمكان ذلك، فإنه لا يصح عندهم – كما ذكرناه – أو مع عدمه كما ذكر من الحمل في البطن ونظائره. وكذا بيع الجزر والشلجم والبصل والفجل في الأرض قبل قلعه عند أكثر أصحابنا. وبعضهم خرج ذلك على بيع الغائب.

стр. 4112

ومحله: إذا لم يظهر منه شيء أما إذا ظهر بعضه [من الأرض] صح بيعه، كما إذا رأى ظاهر الصبرة، صرح به القاضي الحسين في تعليقه. و [احترز] بقوله: "ويثبت للمشتري الخيار إذا رآها" عما قبل الرؤية، فإنه لا يثبت له مجموع خيار الإجازة والفسخ على الأصح، لمفهوم الحديث. وفيه وجه: أنه يثبت، حكاه الإمام. والذي حكاه ابن الصباغ وغيره: أنه إن أراد الفسخ نفذ، وإن أراد الإجازة فلا. وإطلاق الشيخ هذا اللفظ يعرفك أيضاً أنه لا فرق بين أن يجده دون ماوصف له، [أو موافقاً له، وهو المذهب. وفيه وجه – حكاه المحاملي، والبندنيجي، وابن الصباغ -: أنه لا خيار له إذا وجده كما وصف] على قول اعتبار معظم الصفات أو صفات السلم. وفي ابن يونس: تخصيصه بما إذا اعتبرنا صفات السلم وهو الأشبه؛ لأنه لم يبق بعد ذلك وصف تختلف به الأغراض فيشابه المسلم فيه إذا أحضره على الصفة. أما إذا اكتفينا بمعظم الصفات، [فينبغي أن يثبت له؛ لأنه قد بقي من الصفات ما تتعلق به الأغراض. وأيضاً: فإن القائل بالاكتفاء بمعظم الصفات] فرق بينه وبين السلم بأن الخيار يثبت فيه عند الرؤية، فيندفع ما يحذر منه، بخلاف السلم، كما حكاه المحاملي، ويقتضي هذا تصحيح ما أشرنا إليه. ويعرفك أيضاً أنه لا فرق بين أن يشترط ثبوت الخيار عند الرؤية، [أو لا]، وهو المشهور. [و] في كتاب ابن كج أن أبا الحسين حكى عن بعض أصحابنا أنه لابد من اشتراط خيار الرؤية. وفي "الحاوي": أن بيع الغائب بغير شرط خيار الرؤية باطل، لا يختلف فيه المذهب.

стр. 4113

وقد يفهم من ذلك: أنه الوجه الذي حكاه أبو الحسني، والذي فهمته منه إرادة ذكر ما هو شرط في هذا العقد على هذا القول. وسكوت الشيخ عن جانب البائع يعرفك أنه لا خيار له عند الرؤية، وهو الأصح من الوجهين في "الشامل"، والمذهب عند المحاملي، وبه قال ابن أبي هريرة. وفيه وجه: أنه يثبت له أيضاً، [وهو قول أبي إسحاق؛ لأن عنده أن بالرؤية يثبت له [خيار المجلس]، كما ذكرناه من قبل. وخيار المجلس يشترك فيه المتبايعان. وهذا الخلاف فيما إذا كان البائع [قد رأى المبيع]، أما إذا لم يره، وصححنا العقد، فهو كالمشتري، ويكون ظهور زيادة عما وصفه مثل ظهور النقص عند عدم رؤية المشتري، صرح به الماوردي والمحاملي وغيرهما. وروى عن القفال: أنه لا خيار له أصلاً، وهو الأصح عند الإمام؛ لأن جانبه بعيد عن إثبات الخيار، وكذلك إذا ظن أن المبيع معيب فإذا هو سليم، لا خيار له، وإن استضر به. وفي هذه الصورة وجه: أنه يثبت أيضاً، وأبطل الغزالي علة القفال بخيار المجلس والشرط فإن البائع يساوي المشتري فيهما، وهذا من جنسهما. فروع: أحدها: هل يصح شراء الأعمى مع القول بصحة بيع الغائب وشرائه؟ فيه وجهان: أظهرهما- عند الرافعي والقاضي الحسين -: أنه لا يصح. وهو الذي يظهر من كلام الشيخ حيث جعل من تمام القول الذي عليه التفريع ثبوت الخيار عند رؤيته، وقد تعذر فأشبه ما لو شرط نفي خيار الرؤية. والثاني: أنه يجوز، ويقوم وصف غيره له مقام رؤيته، كما تقوم الإشارة من

стр. 4114

الأخرس مقام النطق، وهذا أصح عند المحاملي. وقد ينبني الخلاف على [أن] استقصاء الأوصاف على وجه يفيد الإحاطة بجميع المقاصد، هل يقوم مقام الرؤية حتى ينعقد البيع بعده بيع حاضر؟ وفيه خلاف في الجديد في الطريقين، وبعضهم أثبته وجهين، وبعضهم قولين. وأصحهما: المنع من حيث إن الرؤية تحيط بمقاصد لا تحيطها العبارة وقد بناه الأصحاب على أن البصير إذا صححنا منه شراء ما لم يره هل يصح منه التوكيل في الرؤية [والإجازة والفسخ؟ فيه وجهان: أظهرهما: الجواز، كما يصح تفويض الأمر إليه في خيار العيب والخلف، فإن صححنا التوكيل صح البيع على القول الذي عليه التفريع، وألا بطل. هكذا حكاه الرافعي. وفي الحلية للشاشي: أن الشيخ أبا حامد حكى وجهين في صحة التوكيل في خيار الرؤية [وأن أصحهما أنه لا يصح، وعلى مقابله: هل يقوم الوكيل مقام الموكل في الفسخ والإجازة؟ فيه وجهان: أصحهما: أنه يقوم مقامه في ذلك. والثاني: لا يقوم وإنما يحكي ما يراه، ثم قال: وهذا التوكيل في الرؤية] لا معنى له. وفي "النهاية" في كتاب الرهن: أنا إذا شرطنا في صحة قبض ما رهنه منه – وهو في يده – مُضِيَّه إليه، ورؤيته، فوكل وكيلاً حتى يراه ويخبره به، هل يكفي؟ فيه [وجهان]: أصحهما: أن التوكيل في ذلك كاف كأصل القبض، وهذا يعضد هذا الوجه، ولا يقال: إن المقصود ثم أن يعلم بقاؤه أم لا؛ لأن هذا مفرع على القول باشتراط الرؤية مع العلم ببقاء العين. وعلى القول بعدم صحة شراء الأعمى، لو اشترى شيئاً لم يره – وهو بصير – فعمي قبل الرؤية، بطل العقد، وقيل: لا يبطل، حكاه المتولي.

стр. 4115

ولا نزاع في أن للأعمى أن يؤجر نفسه ويشتريها، ويقبل الكتابة، [ويكاتب عبده]. وقال في "التتمة": على المذهب، يعني في الكتاب [للعبد]، وسلمه أيضاً صحيح إذا كان يعرف الصفات قبل العمى، ويوكل من يقبض له. وفي صحة قبضه بنفسه وجهان: أصحهما: المنع. وإن كان لا يعرف الصفات، فوجهان: أصحهما – عند العراقيين – [وبه أجاب في "الوجيز" -: الصحة. وعند المزني، وابن سريج، وابن خيران، وابن أبي هريرة: البطلان، واختاره البغوي، والمتولي. وهذا إذا كان رأس المال في الذمة [وعين في المجلس]. أما لو كان عيناً فهو كبيع العين. الثاني: للبائع أن يمتنع من قبض الثمن، ومن تسليم المبيع قبل الرؤية حكاه الرافعي في كتاب الشفعة، وهو يؤخذ مما تقدم. الثالث: لو باع ثوباً قد رأى نصفه دون نصفه الآخر، فالذي ذهب إليه أكثر أصحابنا البصريين وغيرهم أنه لا يصح؛ لاختلاف الحكم، وعدم الضرورة، بخلاف العين الغائبة بجملتها. ومنهم من قال: إنه يجوز كالعين الغائبة، وهو ما حكاه البندنيجي عن المنصوص، وصححه ابن الصباغ. فرع: لو وكل إنسان وكيلاً حتى يشهد شيئا ًويشتريه بعد المعاينة، صح الشراء للموكل؛ فإنه استعان بمعاينة الوكيل وأحلها محل معاينة نفسه، وأجرى التوكيل فيها؛ فصح ذلك كما يصح التوكيل بأصل الشراء؛ هكذا لفظ الإمام متصلاً بـ"باب بيع حبل الحبلة"، فافهم منه ما تفهمه. قال: وإن رآها قبل العقد [وهي مما لا يتغير – أي: غالباً في تلك المدة التي بين الرؤية والعقد] وهو ذاكر لأوصافها –جاز بيعها، أي: على القولين جميعاً؛

стр. 4116

لحصول المقصود بالرؤية السابقة. وقال أبو القاسم بن بشار الأنماطي من أصحابنا: لا يصح حتى يشاهدها حال البيع. وحكى الشيخ أبو علي عن الإصطخري: أنه تناظر مع بعض من يذهب عن الأنماطي، وكان يلزمه المسائل وهو يلتزمها؛ حتى قال له: لو عاين ضيعة وارتضاها ثم ولاها ظهره فاشتراها، فهل يصح؟ فتوقف، وأن الإصخري قال: لو ارتكبه لكان خارقاً للإجماع. قال الإمام: وما أرى الأنماطي يسمح بهذا، ويحتمل أن يكتفي بكون المبيع بمرأى منه حالة العقد وإن كان لا يلاحظه، وبالجملة فإن مذهبه فاسد. أما إذا كان غير ذاكر لأوصافها، أو كانت مما يعلم تغيرُّها في مثل تلك المدة المتخللة بين الرؤية والعقد، فلا أثر لهذه الرؤية. وإن كان بين الرؤية والعقد ما يحتمل فيه التلف، ويحتمل البقاء، وكذا ما يحتمل التغير ويحتمل البقاء، فوجهان: المذهب منهما – عند المحاملي، وابن الصباغ، والبندنيجي -: الصحة، وهو الأصح عند الماوردي أيضاً في الثانية، وفي الأولى: الأصح البطلان. واعلم أن الرؤية المصححة للعقد أن يرى من المبيع مقاصده لا كل جزء وذلك يختلف باختلاف المبيع؛ فالدار يشترط أن يرىمنها البيوت، والسقوف، والجدران داخلاً وخارجاً، والمستحم، والبالوعة. والستان يرى منه الأشجار، والجدران، ومسايل الماء. وفي اشتراط رؤية طريق الدار ومجرى الماء الذي تدور به الرحى وجهان: والعبد يرى وجهه وأطرافه، ولا يجوز النظر لعورته. وفي اشتراط رؤية باقي بدنه وجهان: أظهرهما – وهو المذكور في "التهذيب" -: أنه لابد [منه]. وفي الجارية وجوه: أحدها: أنها كالعبد.

стр. 4117

والثاني: يشترط رؤية ما يبدو عند المهنة. والثالث: يكفي رؤية الوجه والكفين، وفي رؤية الشعر وجهان: أصحهما في "التهذيب" الاشتراط وبه جزم أبو الطيب في باب الخراج بالضمان. وفي "الحاوي": الأصح عدم الاشتراط. [ولا يشترط رؤية اللسان، والأسنان على الأصح. والدواب يرى منها مقدمها ومؤخرها وقوائمها، وتحت السرج، والإكاف، والجل. وعن بعض الأصحاب أنه لابد أن يجري الفرس بين يديه؛ ليعرف سيره]. والثوب المطويّ لابد من نشره. قال الإمام: ويحتمل عندي جواز بيع الثياب التي لا تنشر بالكلية إلا عند القطع؛ لما في نشرها من التنقيص، ويلتحق بالجوز واللوز؛ فإنه لا يعتبر كسرها لرؤية القلوب مع أنها معظم المقصود، ثم إذا نشرت فما كان منها صفيقاً كالديباج المنقش، فلابد من رؤية كلا وجهيه وفي معناه البسط والزَّلاليْ، وما كان رقيقاً لا يختلف وجهاه كالكرباس يكفي رؤية أحد وجهيه على أصح الوجهين؛ وهو ما جزم به في "الحاوي" في باب الرد بالعيب حيث قال: إن الثوب إذا نشر صح الشراء، إن كان مطويًّا على طاقين؛ ليرى جميع الثوب من جانبيه، وإن كان مطوياًّ على أكثر، لم يحص إلا أن يكون على خيار الرؤية. ولا يجوز بيع الثياب التَّوّرِيَّة في المسوح على القول باشتراط الرؤية.

стр. 4118

والمصحف والكتب، لابد من تقليب الأوراق، ورؤية جميعها. والفُقَّاع، ذكر أبو الحسن العبادي: أنه يفتح رأسه وينظر فيه بقدر الإمكان. وفي الإحياء أطلق المسامحة به. والمتماثلات؛ كالحنطة، والشعير يكفي فيها رؤية ظاهر الصبرة على الصحيح، ونقل قول عن رواية الصعلوكي – وبعضهم ينسبه إليه نفسه -: أنه لابد من تقليبها؛ ليعر باطنها. وعلى الأول لو خالف باطنها ظاهرها خرج على قولي بيع الغائب عند الشيخ أبي محمد، وكذا لو بان تحت الصبرة دكة. وأبدى الإمام في الأولى احتمالاً وقال في الثانية لا وجه لما قاله شيخي، والذي حكاه العراقيون في الصورتين ثبوت الخيار. [والجوز] واللوز والتمر في هذا المعنى ملحق بالحنطة، وكذا الدقيق. وألحق الماوردي الدقيق بالقطن إذا رؤي أعلاه في العِدْل وفيه وجهان: أحدهما: أنه يكفي. والثاني: لابد من رؤية جميعه والأشبه عند الصميري أنه كالقَوْصَرة من التمر إذا لتصقت حباته، والأصح فيه الاكتفاء برؤية اعلاه. ولو رأى من المثل أنموذجاً، وقال: بعتك من هذا النوع كذا لم يصح، وإن قال: بعتك من الحنطة التي في البيت وهذا أنموذج منها، فإن لم يدخل الأنموذج في البيع فالأصح أنه لا يكفي، وإن أدخل فالأصح الاكتفاء.

стр. 4119

والصحيح أن رؤية الأنموذج لا تقوم مقام الوصف في السلم، واستقصاء الوصف هل يقوم قام الرؤية؟ فيه خلاف تقدم. وإذا اكتفينا به فظهر عند الرؤية نقصانه عما وصف؛ تبين بطلان العقد. قال الإمام: ولا يكفي رؤية ظاهر صبرة البطيخ والرمان ونحوهما، وكذا أعلى ما في الظروف من العنب والخوخ ونحوهما، بخلاف المائعات، ولا يكفي رؤية المبيع من وراء حائل لا مصلحة له فيه؛ كالزجاج، بخلاف ما له فيه مصلحة كالماء على الأرض، [فإنها تكفي] معه، ولا يشترط مع ما ذكرناه من الرؤية الذوق في المذوق، والشم في المشموم، على الأصح، وهو ما ادعى الغزالي فيه الوفاق. وفي "التتمة" والبحر حكاية وجه في اشتراط ذلكن واشتراط اللمس في الملموس من الثياب، ونحوها.

стр. 4120

قال: فإن رآها وقد نقصت ثبت له الخيار؛ لحصول العيب. وحكى المراوزة وجها، أنا نتبين بطلان العقد؛ لتبين انتفاء المعرفة، والجمهور على الأول. قال الإمام: وليس المعنى بتغيره بعيب؛ فإن خيار العيب لا يختص بهذه الصورة. ولكن الظاهر عندي أن يقال: كل تغيير لو فرض خلفاً في صفة مشروطة تعلق به الخيار، فإذا اتفق بين الرؤية والعقد أثبت الخيار، ويمكن أن يقال: كل تغير تخرج به الرؤية عن كونها مفيدة لمعرفة وإحاطة فهو مثبت للخيار. قال: واختلفا في النقصان- أي: عن الحالة التي وقعت فيها الرؤية – فالقول قول المشتري، [لأنا نريد انتزاع الثمن من يده، فلا ينزع منه إلا بقوله، وهذا نصه في كتاب الصرف. وحكى الغزالي عن صاحب "التقريب" – [وهو الأصح]-: أن القول قول البائع؛ لأن الأصل عدم التغير واستمرار العقد. قلت: ولو وفصل مفصل فقال: إما أن يكون الاختلاف في نقص من أصل الخلقة، أو في نقص حدث بعد أن كان كاملاً، فإن كان الأول بأن ادعى البائع أنه كذا وجد، ولم يحدث فيه نقص فيظهر أن القول قوله، وإن كان الثاني بأن ادعى البائع أنه كان كاملاً أو أن هذا النقص حدث قبل الرؤية، وأنه رآه ناقصاً كما هو الآن، فالذي يظهر أن القول قول المشتري؛ عملاً بالأصل في الموضعين، كما لو وقع مثل هذا الاختلاف في عيب المغصوب بعد تلفه؛ فإن الحكم كما ذكرناه على الأصح، وسنذكر – إن شاء الله تعالى – الفرق بين هذه المسألة ومسألة العيب الذي يمكن حدوثه في موضعها.

стр. 4121

ويجري مثل هذا الخلاف المنقول عن الأصحاب في مسألة الكتاب فيما إذا صححنا بيع الغائب، وادعى البائع أن المشتري رأى المبيع قبل العقد فلا خيار له، وأنكر المشتري، فالأظهر عند أبي الحسن العبادي أن القول قول المشتري أيضاً أما إذا لم يصححه؛ ففي فتاوى الغزالي أن القول قول البائع. قال الرافعي: ولا ينفك هذا عن الخلاف، وقد صرح به ابن أبي الدم الحموي في أدب القضاء. قال: ولا يجوز البيع بثمن مجهول القدر؛ لنهيه – ﵇ – عن بيع الغرر. قال: كبيع السلعة برقمها أي: بما يكتب عليها؛ لأنه يجهل كم قدره، وجنسه، وصفته. وفي "التتمة" حكاية وجهين آخرين: أحدهما: أنه يجوز. والثاني: الفرق بين أن تزول الجهالة في المجلس؛ فيصح، أو لا؛ فلا يصح.

стр. 4122

وهذا حكاه في المرابحة، وعزاه الرافعي لغيره. قال: وكبيع السلعة بألف مثقال ذهب وفضة؛ لأن قدر كل واحد منهما مجهول، وقد أُورِدَ على ذلك أنه لم لا يحمل على التشطير، إذا قلنا: إن البيع يصح بالكناية، كما لو قال: قارضتك على أن الربح بيننا؛ فإنه ينزل على الشطر في وجه؟ ولو قال: أشركتك معي في العقد؛ فإنه يصح أيضاً، على وجه، وينزل على الشطر وكذا لو استأجر أرضاً ليزرعها ويغرسها؛ صح على وجهٍ وينزل على الشطر كما حكاه في الأشراف. وفي الإقرار لو قال: هذا الشيء لزيد وعمرو، وفي الوقف لو قال: وقفت هذا على زيد وعمرو، وكذا في الوصية؛ فإنه ينزل على الشطر، فهلا كان هاهنا مثل ذلك. وقد حكى الرافعي فيما إذا قال: بعتك بألف صحاح ومكسرة – وجهين: أظهرهما: البطلان، ثم قال: ويشبه أن يكون هذا الوجه جارياً فيما ذكرناه. فروع: [أحدها] لو قال: بعتك بما باع به فلان فرسه. قال المراوزة: إن كان ذلك معلوماً لهما صح، وإن لم يعلماه أو أحدهما لم يصح. وفي "التتمة" حكاية وجه: أنه يصح. وحكى الرافعي في الفصل الثالث من الوصايا في المسائل الحسابية، أنهما إذا كانا يعلمان ثمن الفرس خلافاً في صحة البيع، وأن اختيار العراقيين والبغوي عدم الصحة، واختيار الإمام، والروياني وغيرهما الصحة. ومادة الخلاف عند العراقيين ما إذا قال: أوصيت له بنصيب ابني هل يحمل على النصيب نفسه؛ فتبطل الوصية، أو على مثله؛ فتصح. لو قال: بعتك هذا الثوب بدينار إلا درهماً؛ فإن جهلا أو أحدهما قيمة الدينار في الحال لم يصح، وإن علما قيمته صح، على ما حكاه الجمهور.

стр. 4123

وفي "الحاوي" حكاية وجه: أنه لا يصح، وأنه الأصح. ويتجه أن يجيء فيما إذا جهلا ذلك – الوجهان المذكوران من قبل في مسألة الرقم. [الفرع الثاني] لو قال: بعتك بمائة درهم من صرف عشرين بدينار لم يصح، وإن كان [من] صرف البلد عشرين درهماً بدينار، حكاه الماوردي والقاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، ثم قال: وكذلك ما يفعلونه الآن، لا يسمون الدراهم، وإنما يبيعون بالدنانير، ويكون [كل] قدر معلوم من الدراهم عندهم ديناراً؛ فإن هذا لا يصح؛ لأن الدراهم [لا يعبر بها عن] الدنانير، لا حقيقة ولا مجازاً، مع أن البيع لا يجوز بالكناية حكاه في باب الربا. [الفرع الثالث] لو قال: بعتك هذه العين بالدراهم، فهل يحمل على ثلاثة حتى يصح البيع؟ فيه وجهان في "تعليق" القاضي الحسين في كتاب الإقرار. قال: فإن باعه قطيعاً كل شاة بدرهم، أو صبرة كل قفيز منها بدرهم جاز، وإن لم يعلم مبلغ الثمن في حال العقد؛ لأن الجهل ينتفي بالعلم [بالتفصيل، كما ينتفي بالعلم] بالجملة، كما إذا باعه بثمن معين جزافاً. وهكذا الحكم فيما لو قال: بعتك هذه الأرض أو هذا الثوب كل ذراع بدرهم. وحكى الماوردي عن البغداديين من أصحابنا: أن البيع لا يصح في الأرض، إذا كانا لا يعلمان قدر ذرعانها، وأنهم لم يطردوه في الثوب، بل حكموا فيه بالصحة، وطرده أبو إسحاق في جميع الصور على ما حكاه ابن كج، وأبداه في البحر في كتاب الإجارة في مسألة الصبرة احتمالاً عن [ابن] أبي هريرة. وحكى مجلي وجهاً في عدم صحة البيع بصبرة من الدراهم مجهولة القدر في باب السلم. ولو قال: بعتك هذه الرزمة، كل ثوب بدرهم على أن فيها عشرة أثواب، وقد شاهد كل ثوب منها، فإن خرجت تسعة؛ صح العقد، ولزمه تسعة دراهم، ولو خرجت أحد عشر، قال الماوردي: بطل العقد في الجميع قولاً واحداً، بخلاف الأرض والثوب

стр. 4124

الواحد إذا باعه مذارعة، فإن في صحة البيع قولين؛ لأن الثياب قد تختلف، وليس يمكن أن يكون الثوب الزائد مشاعاً في جميعها، وما زاد في الثوب الواحد والأرض مقارب لباقيه فأمكن أن يكون مشاعاً في جميعه. ولو قال: بعتك من هذه الصبرة كل صاع بدرهم لم يصح في شيء منها. وقال ابن سريج: إنه يصح في صاع منها، كما صار إليه فيما إذا قال: آجرتك كل شهر بدرهم، وحكاه الإمام عن صاحب "التقريب". وفي "النهاية" في كتاب الإجارة: أن الشيخ أبا محمد كان يقول: إذا قال: بعتك كل صاع من هذه الصبرة بدرهم؛ فالمبيع جميع الصبرة، كما لو قال: بعتك الصبرة كل صاع بدرهم. ولو قال: بعتك هذه الصبرة بعشرة دراهم كل صاع بدرهم، نظر: إن خرجت عشرة آصع صح، وإلا فقولان: أصحهما في "التهذيب": البطلان. وعلى مقابله إن خرجت تسعة فله الخيار، فإن أجاز فبكل الثمن، أو بقسطه؟ فيه وجهان، وإن خرجت أحد عشر، فلمن يكون الزائد؟ فيه وجهان: أظهرهما: أنه للمشتري، فعلى هذا لا خيار له. وفي البائع وجهان: أصحهما: ثبوت الخيار له. ولو قال: بعتك هذه الصبرة كل صاع بدرهم على أن أزيدك صاعاً، فإن لم يكن الصاع معلوماً لهما بطل وإن كان معلوماً نظر: إن أراد هبته فسد العقد، وإن أراد إدخاله في العقد وكانت الصبرة معلومة الصيعان صح، فإن كانت عشرة مثلا ًفمعناه: صاعاً وعشراً بدرهم. وحكى الإمام عن رواية صاحب "التقريب" وجها – وأنه مال إليه: أنه لا يصح؛ لأن العبارة لا تبنى على ذلك إلا على بُعْدٍ في المَحْمَل؛ فضاهى اللغز. وإن كانت مجهولة الصيعان لم يصح؛ لأنه لا يدري أشترى صاعاً وعشراً أو صاعاً وتسعاً أو ما يتردد معه فيكون الثمن مجهول الجملة مجهول التفصيل. وإن أطلق العقد؛ فهل يحمل على الهبة أو على إرادة إدخاله في البيع؟ فيه

стр. 4125

وجهان في "الحاوي". فإن قيل: إذا تردد اللفظ بين احتمالات، فكيف يصح العقد بمجرد إرادة صورة الصحة؟ قال الغزالي: هذا يلتفت على الأصح في انعقاد البيع بالكنايات. وفي بعض نسخ "الوسيط":تصوير المسألة بما إذا قال: بعتك هذه الصبرة بعشرة على ان أزيدك صاعاً، والصواب تصويرها كما ذكرناه كما هو موجود في شروح "المختصر". ولو قال: بعتك هذا السمن وظرفه كل رطل بدرهم. قال الداركي: يصح العقد واختاره ابن الصباغ، والمذهب أنه لا صح إلا أن يكون ذلك معلوماً لهما. فائدة: التعامل بالدراهم المغشوشة، هل يجوز وإن لم يكن قدر النقرة معلوماً؟ فيه وجهان في "الوسيط" في زكاة النقدين. وفي كتاب الخلع منه تقييد وجه الجواز بما إذا كانت المعاملة على أعيانها، وأن الصحيح أنه يقبل تيسيراً لمُقِرِّيها إذا غَلَبَتْ في المعاملة، وصحح الإمام في كتاب الخلع وجه [منع] التعامل بها. والصحيح في "تعليق" القاضي الحسين في باب بيع الطعام قبل أن يستوفي: أن التعامل بالدراهم المطرفية جائز في العين والذمة، وهي مركبة من أشياء لا يعرف قدر كل واحد منها. وفي "التتمة" حكاية وجه ثالث – نسبه إلى اختيار القاضي الحسين -: أن الغش إن كان مغلوباً صح، وإن كان غالباً [فلا]. قال الرافعي: وربما نقل العراقيون الوجهين على الإطلاق، يريد فيما إذا كان قدر النقرة معلوماً أو مجهولاً. والمذكور في "تعليق" القاضي أبي الطيب في باب الربا: أن الغش إن لم يكن له قيمة بأن يكون مستهلكاً كالزرنيخية والنوراتية؛ فإنه لا يتحصل منه شيء عند

стр. 4126

إدخالها النار؛ فيجوز شراء السلع بها لا يختلف أصحابنا في ذلك، وإن كانت له قيمة مثل الرصاص والنحاس، فهل يجوز شراء السلع بها؟ فيه وجهان: أصحهما: الصحة. وعلى هذا لو اشترى بها ذهباً؛ ففي صحة العقد قولاً تفريق الصفقة في الحكم. ومعنى الدراهم الزرنيخية والنوراتية: أن تؤخذ النورة والزرنيخ فتجعل مثل الدراهم وتطلي بالفضة، كذا قاله المحاملي. وقال الماوردي في كتاب الزكاة: لو كان قدرُ الفضة معلوماً قد اشتهر عند الخاص والعام؛ بحيث لا ينقص ولا يختلف؛ فالمعاملة بها جائزة على العين وفي الذمة، وإن كان مجهولاً والغش فيه نظر: فإن كان الغش في باطنها والفضة ظاهرة غير ممتزجة، [فلا تجوز المعاملة بها في الذمة]، ولا في العين، وإن كان غير متميز كما ذكرناه؛ جازت المعاملة بها. وعلى كل [حال] فلو أتلفها متلف لم يلزمه مثلها، ولزمه رد قيمتها بالذهب،

стр. 4127

وحكم الذهب المغشوش حكم الورق المغشوش. قال: فإن كان لرجلين عبدان، لكل واحد منهما عبد، فباعاهما بثمن واحد ولم يعلم كل واحد منهما ما له، أي: ما يقابل عبده من الثمن؛ بطل العقد في أحد القولين، وهو الذي نص عليه؛ لأن الصفقة تتعدد بتعدد البائع وقد جهل كل منهما ما يختص به من الثمن؛ فبطل، كما لو قال: بعتك هذا العبد بما يخصه من الألف لو وزع عليه وعلى عبد فلان، وقد ادعى الإمام في باب تفريق الصفقة الإجماع على بطلانه، [وهذا ما صححه ابن الصباغ في كتاب الشركة]. قال: وصح في الآخر: ويقسط الثمن عليهما على قدر قيمتهما؛ لأن جميع الثمن معلوم، ويمكن التوصل منه إلى معرفة ما يقابل كل واحد منهما بواسطة التقويم، وهذا القول مأخوذ من نصه فيما إذا كاتب عبدين على عوض واحد أنه يصح. قال الرافعي في كتاب الصداق: ويمكن أخذ القولين من القولين اللذين نص عليهما فيما لو تزوج امرأتين وخالعهما على عوض واحد. وهذه طريقة ابن سريج، ووراءها طرق: أحدها: القطع بفساد البيع، وإثبات قولين في الكتابة وبهذا قال أبو إسحاق كما حكاه صاحب البحر في كتاب الشركة، وكذا أبوسعيد الإصطخري وقال: [إن ابن سريج] خرق الإجماع، وفرق بأن البيع معاوضة محضة وتأثير فساد العوض والجهل به في البيع أشد من تأثيرهما في العقود الثلاثة؛ لأن البيع يلغو بفساد العوض والجهل به، والنكاح والبينونة لا يتأثران بذلك، والكتابة - وإن فسدت - لا تلغو بل إذا أدى المسمى عتق بموجب التعليق. قال ابن الصباغ: وما ذكره من خرق الإجماع فليس كذلك؛ لأن أبا حنيفة وغيره يُجوِّز ذلك. الثاني: إثبات القولين في البيع، والقطع بصحة الكتابة؛ لما فيها من شائبة العتق؛ ولهذا جوزت على خلاف الدليل؛ ولأن المالك للعوض واحد، والصادر منه لفظ واحد؛ فصار كما لو باع عبدين من واحد. والثالث: القطع بفساد البيع وتصحيح الكتابة جرياً على ظاهر النصين، وتخصيص

стр. 4128

القولين بالنكاح والخلع، والفرق بائن. وأقرب الطرق في البيع على ما حكاه الرافعي ما قال به ابن سريج، والأصح من القولين البطلان. وفي الجيلي: أن الأصح مقابله، ويجري الخلاف فيما لو استأجر رجل دارين من رجلين غير مشتركين، بينهما صفقة واحدة بأجرة واحدة، وفيما لو باع رجل عبدين من رجلين لكل منهما عبد بثمن واحد، وفي نظائر ذلك. أما إذا كان العبدان مشتركين بينهما على الإشاعة فباعاهما بثمن واحد – صح العقد وجهاً واحداً، وعنه احترز الشيخ بقوله: "لكل واحد منهما عبد"، ولا يشارك أحدهما صاحبه فيما قبضه لنفسه من الثمن؛ لأنه ليس بوكيل للآخر. قال ابن الصباغ في باب الشركة: ويفارق أحد الشريكين في مال الشركة؛ لأن كل واحد منهما وكيل لصاحبه. وقد يظهر من قول الشيخ: "ولم يعلم كل واحد منهما ما له" الاحتراز عما إذا علم التوزيع قبل العقد أنه يصح لانتفاء المحذور، وعليه يدل كلامه وكلام غيره فيما إذا اشترى الوكيل المأذون له في شراء شاة بدينار؛ فاشترى شاتين تساوي كل واحدة منهما ديناراً، حيث قالوا: إن الشاتين للموكل على رأي [أو للوكيل] شاة بنصف دينار. ولم يخرج احد صحة هذا العقد على الخلاف الذي ذكره الشيخ هاهنا ويجوز أن يكون احترز به عما إذا فصل الثمن قالا: بعناك هذين العبدين بمائة، ستون لهذا وأربعون لهذا، لكن قد يقال: ليس الثمن في هذه الصورة واحداً بل ثمنين. ثم صورة المسألة أن يأذن أحدهما لصاحبه في بيع عبده بما رآه من الثمن أو مع عبده بمائة، أو يوكل وكيلاً لذلك، أو يوجبا العقد بأنفسهما، وصورته أن يقول المشتري: اشتريت منكما هذين العبدين بمائة؛ فيقول كل منهما: بعتك. قلت: وقد يلاحظ فيما عدا هذه الصورة اتحاد الصفقة وتعددها بالنسبة إلى الوكيل – كما سنذكره – فإذا قلنا: إنها متحدة امتنع التصوير بما عدا الأخيرة. قال: ولا يجوز البيع بثمن مجهول الصفة كالبيع بثمن مطلق؛ أي: في الذمة، [في موضع] ليس فيه نقد متعارف أي: بل استوى رواج نقوده؛ لأنه عوض في البيع فلا

стр. 4129

يجوز ثبوته في الذمة مع الجهل بصفته، كالمسلم فيه. أما إذا غلب نقد منها أو لم يكن سوى نقد واحد، حمل العقد عليه، وإن كان دراهم مغشوشة إذا جوزنا التعامل بها إلا أن يعين غيره، وهكذا الحكم في صفته من صحة وتكسير. ولو غلب من جنس العروض نوع، فهل ينصرف الذكر إليه عند الإطلاق؟ فيه وجهان: المذكور منهما في "تعليق" القاضي أبي الطيب في باب الربا، والمحكي عن أبي إسحاق، وهو المذهب في "التتمة": أنه ينصرف إليه. والفلوس إذا راجعت رواج النقود؛ فالصحيح على ما حكاه الغزالي: أنها كالعروض، ومقتضى هذا أن يجيء فيها الوجهان عند الإطلاق. وقد جزم الرافعي بتنزيل العقد عليها، ثم إذا نزل العقد عليها لا يحتاج إلى ضبطها بالوزن، بل يجوز بالعدد، وإن كان في الذمة صرح به القاضي حسين في باب بيع الطعام قبل أن يستوفي. وكما يعتبر النقد الغالب في إطلاق المعاملات، كذلك يعتبر في تقويم المتلفات، فلو تساوت في الرواج؛ عين القاضي واحداً للتقويم. قلت: وقد حكى في زكاة العروض أن رأس المال إذا كان عرضاً فاستوت نقود البلد في الرواج، والمال يبلغ بكل منها نصاباً – أن التقويم يكون بنقد أقرب البلاد إليها على وجه؛ والمال يبلغ بكل منها نصاباً – أن التقويم يكون بنقد أقرب البلاد إليها على وجه؛ لأنها لما استوت صارت كالمعدومة، ويتجه جريان هذا الوجه هاهنا. فروع: [إذا اشترى من رجل ثوباً بنصف دينار؛ لزمه شق دينار، ولا يلزمه من دينار

стр. 4130

صحيح] وكذا إذا اشترى منه ثوباً آخر بنصف دينار لزمه نصف دينار آخر مكسور ولا يلزمه دينار صحيح، وإن شرط في البيع الثاني: أن يعطيه ديناراً صحيحاً غير الأول والثاني نظر: إن كان البيع الأول [قد لزم لم يصح الثاني وإن كان الأول] لم يلزم بطل العقدان، قاله أبو الطيب في التعليق. ولو ابتاع ثوباً بنصف دينار ثم ابتاع آخر بنصف دينار على أن له عليه ديناراً كان البيع الأول والثاني جائزين؛ لأن المقترن بالثاني لا ينافيه؛ قاله الماوردي. ولو باعه بألف درهم من نقد سوق كذا فإن كان مختلفاً لم يصح، وإن كان غير مختلف فوجهان: أظهرهما: الصحة؛ قاله الماوردي أيضاً في باب الربا. ولو باعه بدينار صحيح فجاءه بصحيحين، وزنهما دينار فعليه القبول، فإن جاء بصحيح وزنه دينار ونصف، قال في "التتمة": عليه قبوله، والزيادة أمانة في يده. قال الرافعي: والحق أنه لا يلزم القبول: لما في الشركة من الضرر، وقد ذكر صاحب البيان نحواً من هذا. ولو باع بنصف دينار صحيح وشرط أن يكون مدوراً؛ جاز، إن كان يعم وجوده. ولو باع بنقد قد انقطع من أيدي الناس؛ فهو باطل، وإن كان لا يوجد في البلد ويوج في غيرها، فإن كان الثمن حالاً أو مؤجلاً إلى مدة لا يمكن نقله فيها؛ فهو باطل أيضاً. وإن كان مؤجلاً إلى مدة يمكن نقله؛ صح، ثم إن حل الأجل وقد أحضره فذاك، وألا [فينبني على أن الاستبدال على الثمن، هل يجوز؟ إن قلنا: [لا؛ فهو كما لو انقطع المسلم فيه. وإن قلنا: نعم]، فيستبدل وإلا انفسخ العقد.

стр. 4131

وفيه وجه: أنه ينفسخ. وإن كان يوجد في البلد إلا أنه عزيز. فإن قلنا: يجوز الاستبدال صح، فإن وجد فذاك وإلا تبادلا. وإن قلنا: لا، لم يصح. ولو كان القدر الذي جرى به التعامل موجوداً ثم انقطع، إن جوزنا الاستبدال تبادلاً، وإلا فهو كانقطاع المسلم فيه. قال: فإن باعه بثمن معين – أي: لم يكن في الذمة – لم يره، فعلى قولين أي: قولي بيع الأعيان الغائبة وقد تقدم الكلام عليهما. فرع: إذا أبطل السلطان ذلك النقد الذي وقع العقد عليه إما بالتعيين أو لكونه غالب نقد البلد وقد أطلقا العقد، لم يكن للبائع إلا ذاك النقد. وفيه وجه: أنه مخير إن شاء أجاز العقد بذلك النقد وإن شاء فسخه، كما لو تعيب المبيع قبل القبض. قال: ولا يجوز البيع بثمن إلى أجل مجهول؛ لأن الأجل يقابل بقسط من الثمن؛ لأنه يزيد بزيادة الأجل وينقص بنقصانه، وإذا كان مجهولاً جهل ما يقابله، والمجهول إذا أضيف إلى معلوم أكسبه الجهالة؛ فبطل كذلك. قال: كالبيع إلى العطاء أي: عطاء السلطان حقوق المرتزقة؛ لأنه مختلف ويتقدم تارة، ويتأخر تارة أخرى. ولو قال: إلى وقت العطاء وكان معلوماً؛ جاز؛ لانتفاء العلة. قال: وبيع حبل الحبلة في قول الشافعي، أي: في تأويل الشافعي؛ لقول ابن عمر: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع حبل الحبلة"، كما رواه مالك عن نافع عنه.

стр. 4132

قال: وهو أن يبيع بثمن إلى أن تحمل هذه الناقة وتلد ويحمل ولدها، قيل: صوابه: إلى أن تلد [ويلد] ولدهما أن الكل فاسد، لكن هكذا روي، وما قاله الشيخ، هو ما رواه مسلم عن ابن عمر فلا مؤاخذة واختار الشافعي هذا التأويل؛ لأنه تأويل ابن عمر، وهو راوي الحديث، وكان أفهم بمقصوده ﵊. تنبيه: "حبل الحبلة" الباء مفتوحة فيهما، وحكى إسكانها في الأولى وغلط راويه، والحبلة هنا جمع حابل؛ كظالم وظلمة. قال الأخفش: امرأة حابل ونساء حبلة، وقيل: إنها فيها للمبالغة. والحبل مختص بالآدميات، ويقال لغيرهن: حمل. قال أبو عبيد: لا يقال لشيء من الحيوان: حبل إلا ما جاء في هذا الحديث. قال: ولا يجوز تعليق البيع على شرط كبيع المنابذة، وهو أن يقول: إذا نبذت إليك الثوب أي: ألقيته إليك، كما قيل في قوله تعالى: - فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٨]، وقوله - فَنَبَذُوهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. قال: فقد وجب البيع، وكبيع الملامسة، وهو أن يقول: إذا لمسته فقد وجب البيع. الأصل في ذلك ما روى الشافعي بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نهى عن [بيع] الملامسة والمنابذة. وعن أبي سعيد الخدري "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيعتين ولبستين ... ". أما البيعتان: فالملامسة والمنابذة، وأما اللبستان: فاشتمال الصماء، والاحتباء في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء. والمعنى في ذلك ما فيه من الغرر.

стр. 4133

وصورة المنابذة على ما حكاه الشافعي في "المختصر" أن يقول: أنبذ ثوبي [إليك] وتنبذ ثوبك إليَّ، على أن كل واحد بالآخر. أو يقول: أنبذ إليك ثوبي بعشرة؛ فيكون النبذ بيعاً، فعلى هذا يكون معنى قول الشيخ: فقد وجب البيع أي انعقد. ووجه بطلانه اختلال الصيغة. قال الأئمة: ويجيء فيه الخلاف المذكور في المعاطاة، فإن المنابذة مع قرينة البيع هي المعاطاة بعينها. وقيل: صورتها: أن يأتي أحدهما بثوب مطوي أو في ظلمة، ويقول: بعتك هذا بكذا، بشرط أني إذا نبذته إليك قام ذلك مقام نظرك، ولا خيار لك إذا رأيته، والعلة في بطلانه: إذا منع بيع الغائب [فبطلانه ظاهر]، وإن جوز فاشتراط قيام النبذ مقام النظر. قال الإمام: ويتطرق إلى هذا احتمال من جهة، أن من اشترى شيئاً على شرط نفي [خيار] الرؤية ففي صحة الشرط خلاف، ولا يمتنع أن يكون هذا على ذلك الاختلاف، وبهذا الاحتمال أجاب أبو سعيد المتولي. ومثل هذين القولين مذكور في الملامسة لكن المنقول فيها على ما حكاه الرافعي عن "المختصر" الاثني، وفيها تكلم الإمام والمتولي بما ذكرناه. ويحتاج كلام الشيخ – إن حمل على التأويل الثاني – إلى إضمار في الابتداء، وتقديره: ولا يجوز تعليق لوزم البيع على شرط، لكن يعكر عليه المثال الثالث، فإنه يصير غير ملائم لهما، فتعين أن الشيخ اختار التأويل الأول. قال: وكبيع حبل الحبلة في قول أبي عبيدة أي: القاسم بن سلام – في تأويله حديث ابن عمر، وهو أن يقول: إذا ولدت هذه الناقة وولد ولدها؛ فقد بعتك الولد، ووجه فساده أنه بيع ما ليس بمملوك ولا معلوم ولا مقصور على تسليمه. تنبيه: اقتصر الشيخ من الأمثلة في تعليق البيع على الشرط بما ذكره، لأن فيه دلالة على ما عداه؛ من جهة أنه إذا امتنع انعقاد البيع [صيغة التعليق مع وجود ما يدل على

стр. 4134

الرضا وهو النبذ منها أو اللمس، فمع عدم ما يدل على الرضا عند انعقاد العقد]؛ كالتعليق على قدوم زيد أو طلوع الشمس – أولى. قال: فإن جمع في البيع بين حر وعبد أو بين عبده وعبد غيره أي: ولم يفصل الثمن عليهما؛ ففيه قولان: هذه المسألة هي قاعدة تفريق الصفقة، وعليها تتفرع مسائل كثيرة في الأبواب، وقد ذكرنا في أول كتاب البيع لم يسم العقد صفقة؟ [فأحد القولين أن العقد باطل] العقد فيهما، وله تعليلان نقلهما انب كج عن الشافعي فيما إذا باع عبده وعبد غيره عزاهما إلى الأصحاب. أحدهما: أن الثمن المسمى يتوزع عليهام باعتبار القيمة، ولا يدري حصة كلٍّ منهما عند العقد، فيكون الثمن مجهولاً ويصير كما لو قال: بعتك عبدي هذا بما يخصه من الألف لو وزع عليه وعلى عبد فلان. والثاني: أن اللفظة واحدة لا يتأتى تبعيضها، فإما أن يغلب حكم الحرام الحلال أو بالعكس، والأول أولى؛ لما روي عن ابن عباس: أنه قال: "ما اجتمع الحرام والحلال إلا غلب الحرام الحلال". ولأن تصحيح العقد في الحرام ممتنع، وإبطاله في الحلال غير ممتنع، فكان كما لو باع درهماً بدرهمين. وعلى العلتين لا يجيء هاذ القول فيما إذا ميز ثمن الحلال منهما. قال الماوردي: لأن تمييز الثمن يجعلهما كالعقدين. وفي "التتمة": أنا إذا عللنا بالجمع بين الحلال والحرام فسد أيضاً. وفي "التهذيب": أن المشتري إن قبل مفصلاً مثل أن قال: قبلت هذا بكذا، وهذا بكذا كما فصل البائع – صح، وإن قال: قبلتهما والتفريع على هذا القول؛ فقد قبل، لا يجوز الجمع في القبول، والمذهب جوازه؛ لأن القبول مرتب على الإيجاب والإيجاب يقع متفرقاً فيقع القبول كذلك. قال: والثاني: يصح في الذي يملك؛ لأنه لو كان الجمع بينهما يوجب حمل

стр. 4135

أحدهما على الآخر: لم يكن حمل الصحة على البطلان بأولى من العكس؛ فوجب أن يسقط اعتبار أحدهما بالآخر لتكافؤ الأمرين، ويحمل كل منهما على مقتضاه في الحالين، ولأن كل واحد منهما لو أفرد العقد عليه لخالف حكمه حكم صاحبه؛ فوجب إذا جمع بينهما أن يختلفا أيضاً، كالمشتري صفقة عبد، أو شقصاً فيه الشفعة، وهذا القول هو الصحيح عند القاضي أبو الطيب، قال: وبه أفتى، وصححه غيره أيضاً، واختاره الغزالي في موضعين من "الوسيط" في الإقالة وفي باب المصراة. وأجاب القاضي عن جهالة الثمن، بإنا على قول نخيره بين أن يختار بكل الثمن، أوي فسخ؛ فلا جهالة إذن. أو على القول الآخر نقول: العقد وقع على ثمن معلوم في الابتداء وإنما سقط بعضه لمعنى في العقد فصار كما إذا رجع بأرش العيب فإن الثمن ما بقي وليس بمعلوم في العقد، ومع هذا فالبيع صحيح بما بقي. قلت: ويؤيد ذلك ما سنذكره في المرابحة عند حط الزيادة. وعن الثاني: بأن الذي بطل العقد فيه غير متميز عما صح العقد فيه بأن كُلاًّ منهما لو أفرد لصح العقد به، فليس أحدهما بالبطلان بأولى من الآخر؛ فأبطل العقد فيهما، وهاهنا الحرام ممتاز عن الحلال، فاختص الفساد به. وحكى الإمام طريقة في المسألة الأولى جازمة بعدم الصحة، وهي التي صححها الشيخ أبو محمد في السلسلة. ويجري الخلاف فيما إذا باع خمراً وخَلاًّ وخنزيراً وشاة وميتة ومزكاة، وكذا إذا باع معلوماً ومجهولاً إن قلنا يجيز بكل الثمن، وإن قلنا يجيز بقسطه من الثمن؛ فلا يجوز وجهاً واحداً. وحكى الرافعي على هذا وجهاً: انه يصح ويثبت له الخيار، فإن أجاز لزمه جميع الثمن.
следующие страницы →