Полный текст (9 685 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.
стр. 4131
وفيه وجه: أنه ينفسخ.
وإن كان يوجد في البلد إلا أنه عزيز.
فإن قلنا: يجوز الاستبدال صح، فإن وجد فذاك وإلا تبادلا.
وإن قلنا: لا، لم يصح.
ولو كان القدر الذي جرى به التعامل موجوداً ثم انقطع، إن جوزنا الاستبدال تبادلاً، وإلا فهو كانقطاع المسلم فيه.
قال: فإن باعه بثمن معين – أي: لم يكن في الذمة – لم يره، فعلى قولين أي: قولي بيع الأعيان الغائبة وقد تقدم الكلام عليهما.
فرع: إذا أبطل السلطان ذلك النقد الذي وقع العقد عليه إما بالتعيين أو لكونه غالب نقد البلد وقد أطلقا العقد، لم يكن للبائع إلا ذاك النقد.
وفيه وجه: أنه مخير إن شاء أجاز العقد بذلك النقد وإن شاء فسخه، كما لو تعيب المبيع قبل القبض.
قال: ولا يجوز البيع بثمن إلى أجل مجهول؛ لأن الأجل يقابل بقسط من الثمن؛ لأنه يزيد بزيادة الأجل وينقص بنقصانه، وإذا كان مجهولاً جهل ما يقابله، والمجهول إذا أضيف إلى معلوم أكسبه الجهالة؛ فبطل كذلك.
قال: كالبيع إلى العطاء أي: عطاء السلطان حقوق المرتزقة؛ لأنه مختلف ويتقدم تارة، ويتأخر تارة أخرى.
ولو قال: إلى وقت العطاء وكان معلوماً؛ جاز؛ لانتفاء العلة.
قال: وبيع حبل الحبلة في قول الشافعي، أي: في تأويل الشافعي؛ لقول ابن عمر: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع حبل الحبلة"، كما رواه مالك عن نافع عنه.
стр. 4132
قال: وهو أن يبيع بثمن إلى أن تحمل هذه الناقة وتلد ويحمل ولدها، قيل: صوابه: إلى أن تلد [ويلد] ولدهما أن الكل فاسد، لكن هكذا روي، وما قاله الشيخ، هو ما رواه مسلم عن ابن عمر فلا مؤاخذة واختار الشافعي هذا التأويل؛ لأنه تأويل ابن عمر، وهو راوي الحديث، وكان أفهم بمقصوده ﵊.
تنبيه: "حبل الحبلة" الباء مفتوحة فيهما، وحكى إسكانها في الأولى وغلط راويه، والحبلة هنا جمع حابل؛ كظالم وظلمة.
قال الأخفش: امرأة حابل ونساء حبلة، وقيل: إنها فيها للمبالغة.
والحبل مختص بالآدميات، ويقال لغيرهن: حمل.
قال أبو عبيد: لا يقال لشيء من الحيوان: حبل إلا ما جاء في هذا الحديث.
قال: ولا يجوز تعليق البيع على شرط كبيع المنابذة، وهو أن يقول: إذا نبذت إليك الثوب أي: ألقيته إليك، كما قيل في قوله تعالى: - فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٨]، وقوله - فَنَبَذُوهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
قال: فقد وجب البيع، وكبيع الملامسة، وهو أن يقول: إذا لمسته فقد وجب البيع. الأصل في ذلك ما روى الشافعي بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نهى عن [بيع] الملامسة والمنابذة.
وعن أبي سعيد الخدري "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيعتين ولبستين ... ".
أما البيعتان: فالملامسة والمنابذة، وأما اللبستان: فاشتمال الصماء، والاحتباء في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء.
والمعنى في ذلك ما فيه من الغرر.
стр. 4133
وصورة المنابذة على ما حكاه الشافعي في "المختصر" أن يقول: أنبذ ثوبي [إليك] وتنبذ ثوبك إليَّ، على أن كل واحد بالآخر.
أو يقول: أنبذ إليك ثوبي بعشرة؛ فيكون النبذ بيعاً، فعلى هذا يكون معنى قول الشيخ: فقد وجب البيع أي انعقد.
ووجه بطلانه اختلال الصيغة.
قال الأئمة: ويجيء فيه الخلاف المذكور في المعاطاة، فإن المنابذة مع قرينة البيع هي المعاطاة بعينها.
وقيل: صورتها: أن يأتي أحدهما بثوب مطوي أو في ظلمة، ويقول: بعتك هذا بكذا، بشرط أني إذا نبذته إليك قام ذلك مقام نظرك، ولا خيار لك إذا رأيته، والعلة في بطلانه: إذا منع بيع الغائب [فبطلانه ظاهر]، وإن جوز فاشتراط قيام النبذ مقام النظر.
قال الإمام: ويتطرق إلى هذا احتمال من جهة، أن من اشترى شيئاً على شرط نفي [خيار] الرؤية ففي صحة الشرط خلاف، ولا يمتنع أن يكون هذا على ذلك الاختلاف، وبهذا الاحتمال أجاب أبو سعيد المتولي.
ومثل هذين القولين مذكور في الملامسة لكن المنقول فيها على ما حكاه الرافعي عن "المختصر" الاثني، وفيها تكلم الإمام والمتولي بما ذكرناه.
ويحتاج كلام الشيخ – إن حمل على التأويل الثاني – إلى إضمار في الابتداء، وتقديره: ولا يجوز تعليق لوزم البيع على شرط، لكن يعكر عليه المثال الثالث، فإنه يصير غير ملائم لهما، فتعين أن الشيخ اختار التأويل الأول.
قال: وكبيع حبل الحبلة في قول أبي عبيدة أي: القاسم بن سلام – في تأويله حديث ابن عمر، وهو أن يقول: إذا ولدت هذه الناقة وولد ولدها؛ فقد بعتك الولد، ووجه فساده أنه بيع ما ليس بمملوك ولا معلوم ولا مقصور على تسليمه.
تنبيه: اقتصر الشيخ من الأمثلة في تعليق البيع على الشرط بما ذكره، لأن فيه دلالة على ما عداه؛ من جهة أنه إذا امتنع انعقاد البيع [صيغة التعليق مع وجود ما يدل على
стр. 4134
الرضا وهو النبذ منها أو اللمس، فمع عدم ما يدل على الرضا عند انعقاد العقد]؛ كالتعليق على قدوم زيد أو طلوع الشمس – أولى.
قال: فإن جمع في البيع بين حر وعبد أو بين عبده وعبد غيره أي: ولم يفصل الثمن عليهما؛ ففيه قولان:
هذه المسألة هي قاعدة تفريق الصفقة، وعليها تتفرع مسائل كثيرة في الأبواب، وقد ذكرنا في أول كتاب البيع لم يسم العقد صفقة؟
[فأحد القولين أن العقد باطل] العقد فيهما، وله تعليلان نقلهما انب كج عن الشافعي فيما إذا باع عبده وعبد غيره عزاهما إلى الأصحاب.
أحدهما: أن الثمن المسمى يتوزع عليهام باعتبار القيمة، ولا يدري حصة كلٍّ منهما عند العقد، فيكون الثمن مجهولاً ويصير كما لو قال: بعتك عبدي هذا بما يخصه من الألف لو وزع عليه وعلى عبد فلان.
والثاني: أن اللفظة واحدة لا يتأتى تبعيضها، فإما أن يغلب حكم الحرام الحلال أو بالعكس، والأول أولى؛ لما روي عن ابن عباس: أنه قال: "ما اجتمع الحرام والحلال إلا غلب الحرام الحلال".
ولأن تصحيح العقد في الحرام ممتنع، وإبطاله في الحلال غير ممتنع، فكان كما لو باع درهماً بدرهمين.
وعلى العلتين لا يجيء هاذ القول فيما إذا ميز ثمن الحلال منهما.
قال الماوردي: لأن تمييز الثمن يجعلهما كالعقدين.
وفي "التتمة": أنا إذا عللنا بالجمع بين الحلال والحرام فسد أيضاً.
وفي "التهذيب": أن المشتري إن قبل مفصلاً مثل أن قال: قبلت هذا بكذا، وهذا بكذا كما فصل البائع – صح، وإن قال: قبلتهما والتفريع على هذا القول؛ فقد قبل، لا يجوز الجمع في القبول، والمذهب جوازه؛ لأن القبول مرتب على الإيجاب والإيجاب يقع متفرقاً فيقع القبول كذلك.
قال: والثاني: يصح في الذي يملك؛ لأنه لو كان الجمع بينهما يوجب حمل
стр. 4135
أحدهما على الآخر: لم يكن حمل الصحة على البطلان بأولى من العكس؛ فوجب أن يسقط اعتبار أحدهما بالآخر لتكافؤ الأمرين، ويحمل كل منهما على مقتضاه في الحالين، ولأن كل واحد منهما لو أفرد العقد عليه لخالف حكمه حكم صاحبه؛ فوجب إذا جمع بينهما أن يختلفا أيضاً، كالمشتري صفقة عبد، أو شقصاً فيه الشفعة، وهذا القول هو الصحيح عند القاضي أبو الطيب، قال: وبه أفتى، وصححه غيره أيضاً، واختاره الغزالي في موضعين من "الوسيط" في الإقالة وفي باب المصراة.
وأجاب القاضي عن جهالة الثمن، بإنا على قول نخيره بين أن يختار بكل الثمن، أوي فسخ؛ فلا جهالة إذن.
أو على القول الآخر نقول: العقد وقع على ثمن معلوم في الابتداء وإنما سقط بعضه لمعنى في العقد فصار كما إذا رجع بأرش العيب فإن الثمن ما بقي وليس بمعلوم في العقد، ومع هذا فالبيع صحيح بما بقي.
قلت: ويؤيد ذلك ما سنذكره في المرابحة عند حط الزيادة.
وعن الثاني: بأن الذي بطل العقد فيه غير متميز عما صح العقد فيه بأن كُلاًّ منهما لو أفرد لصح العقد به، فليس أحدهما بالبطلان بأولى من الآخر؛ فأبطل العقد فيهما، وهاهنا الحرام ممتاز عن الحلال، فاختص الفساد به.
وحكى الإمام طريقة في المسألة الأولى جازمة بعدم الصحة، وهي التي صححها الشيخ أبو محمد في السلسلة.
ويجري الخلاف فيما إذا باع خمراً وخَلاًّ وخنزيراً وشاة وميتة ومزكاة، وكذا إذا باع معلوماً ومجهولاً إن قلنا يجيز بكل الثمن، وإن قلنا يجيز بقسطه من الثمن؛ فلا يجوز وجهاً واحداً.
وحكى الرافعي على هذا وجهاً: انه يصح ويثبت له الخيار، فإن أجاز لزمه جميع الثمن.
стр. 4136
وحكى الإمام الخلاف في مسألة الخمر والخنزير والميتة مرتباً على الخلاف في مسألة الحر وأولى بالبطلان؛ لأن فيه تقدير عين لم يرد العقد عليها.
ويظهر لاختلاف علتي الفساد فوائد بعضها مذكور في الباب، وبعضها غير مذكور.
فمنه: إذا باع ملكه وملك غيره، وكان مما يتقسط الثمن عليهما بالأجزاء؛ كالعبد الواحد، والصبرة من الطعام، فعلى الأولى: يصح العقد في المملوك، وعلى الثانية، لا.
وهذا الطريق هو الصحيح، ويؤيده نص الشافعي في جريان القولين يما إذا باع الثمار قبل إخراج الزكاة، والثمار مما يتقسط الثمن عليها بالأجزاء، ومن الأصحاب من قطع بالقول الأول.
ومنه إذا زوج أمته وأمة غيره أو مسلمة ومجوسية، فعلى الأولى يصح فيما يحل، وهو الذي رجحه الإمام، وسنذكره في كتاب النكاح مع ما يتفرع عليه من المسائل فليطلبْ ثَمَّ، وعلى الثانية يبطل.
ومحل القولين في الأصل عند الشيخ أبي محمد ما إذا كانا جاهلين بحقيقة الحال. أما إذا علما فإنه يبطل وجهاً واحداً، والجمهور على خلافه.
قال: وللمشتري الخيار، أي: إذا كان جاهلاً بالحال لتبعيض الصفقة عليه، قال: إن شاء فسخ العقد، وإن شاء أمضاه فيما يصح بقسطه من الثمن في أحد القولين؛ لأنهما جعلا الثمن في مقابلة الحلال والحرام؛ فلم يجز أن يجعل في مقابلة الحلال وحده؛ لأنه غير ما تضمنه بذل البائع وقبول المشتري، وهذا هوا لصحيح، وعليه يقوَّم الحر عبداً، وهل يثبت للبائع الخيار إذا أجيز العقد؟ فيه وجهان أصحهما: عند المحاملي والإمام وغيرهما: أنه لا يثبت لكن مع علمه بالحال.
قال: وبجميع الثمن في القول الآخر؛ لأن العقد إنما يتوجه نحو ما يجوز بيعه، فكان الآخر كالمعدوم، ولأن المبيع قد ذهب بعضه، فأثبت للمشتري [الخيار] بني أخذه بجملة الثمن أو فسخ العقد كما في العيب، فعلى هذا لا خيار للبائع.
وقيل في مسألة الحر: الخلاف مرتب على الخلاف في مسألة العبدين، وأولى بأن
стр. 4137
يجيز بكل الثمن، حكاه القاضي الحسين.
أما إذا كان عالماً بالحال، قال الرافعي: فلا خيار له وفيما يلزمه من الثمن القولان.
ومنهم من قطع بأنه يلزمه جميع الثمن؛ لأنه التزمه عالماً بأن بعض المذكور لا يقبل العقد.
قلت: والجزم بأنه لا خيار له فيه نظر؛ فإن الإمام حكى فيما إذا اشترى عشرين درهماً بدينار، وأقبض الدينار، وقبض [من] الدراهم تسعة عشر، وتفرقا – انفسخ العقد في الدرهم وما يقابله، وفي الباقي: قولاً تفريق الصفقة.
فإن قلنا: لاينفسخ، فهل يثبت للمشتري الخيار؟ فيه ثلاثة أوجه:
وجه الثبوت ظاهر، ووجه عدمه: أنه الذي ينتفي في هذا التبعيض؛ إذ المسألة مفروضة إذا تفرقا على خيار. والثالث: إن علما أن العقد ينفسخ في الباقي وتفرقا عن قصد فلا خيار، وإلا ثبت، ويتجه أني جيء مثل ذلك هاهنا.
ولو كان المبيع خمراً وخلاًّ، أو خنزيراً وشاة، أو ميتة ومذكاة، وصححنا العقد، فكم يلزم المشتري من الثمن عند لزوم العقد؟ فيه طريقان:
أحدهما: القطع بتمام الثمن، وهو ما حكاه الماوردي، ويحكي عن صاحب التلخيص.
وأصحهما: طرد القولين، تقوم عند من يرى لها قيمة، وهو الأصح عند الغزالي وقيل: تقدر الخمر خلاًّ، وهو المحكي أيضاً فيما إذا أسلم الزوجان وقد جرى القبض في بعض المهر الفاسد مع الوجه الآتي.
وقيل: تقدر عصيراً، وهو المحكي في الصداق في "الوسيط" وغيره.
والخنزير يقدر شاة، وقيل: بقرة، وهو ما حكاه في "التهذيب" هاهنا، والذي أورده الإمام في نكاح المشركات، والميتة تقدر مذكاة وتقوَّم.
فرع: لو كان يملك من عبد نصفه، فقال لرجل: بعتك نصف هذا العبد، فهل ينزل على نصفه الذي يملكه أو ينزل على النصف منه شائعاً؟ فيه وجهان محكيان في "الوسيط" في العتق في السراية.
стр. 4138
فإن حملناه على الإشاعة من جميعه بطل العقد في ربعه، وفي الربع الباقي قولاً تفريق الصفقة.
وأجرى الغزالي الخلاف في الأصل فيما لو أقر بنصفه، ثم قال: وقال أبو حنيفة: ينزل البيع على نصفه الخاص، والإقرار يشيع؛ لأن الإنسان قد يخبر عما في يد الغير ولا يبيع مال الغير، وهذا يتجه فليجعل وجهاً في مذهبنا.
وهذا الذي ذكره يخرج من كلام الإمام في كتاب الشركة؛ فإنه حكى الخلاف في مسألة البيع ثم قال: ولو أقر بأن لفلان في هذا العبد نصفه، فإن لم ننزل مطلق البيع على نصفه، فالإقرار أولى، وإن نزلناه في البيع على نصفه، ففي الإقرار يخرج على وجهين:
أصحهما: أنه يشيع؛ خلاف البيع وفرق بما أشار إليه الغزالي.
قال: فإن جمع بينهما فيما لا عوض فيه كالرهن والهبة، أي: مثل أن يرهن عبده وعبد غيره، أو يهب عبده وعبد غيره، فقد قيل: يصح فيما يحل قولاً واحداً؛ نظراً إلى العلة الأولى.
قال الإمام: وهذا فيه فضل نظر؛ فإن الدَّين وإن لم يكن عوضاً عن الرهن، فرهن الدين بالشيء المجهول لا يصح على الأصح – كما سيأتي- وما قاله يحتاج إلى تأمل.
[قال:] وقيل على قولين؛ نظراً إلى العلة الثانية.
قال: وإن جمع بين حلالين، [ثم تلف] أحدهما قبل القبض- أي: والآخر في يد البائع – لم يبطل في الآخر؛ لانتفاء العلتين حالة العقد.
وقيل: على قولين، وهو قول أبي إسحاق المروزي؛ لأن الفساد الطارئ قبل
стр. 4139
القبض حكمه حكم الفساد المقارن للعقد، كما في العيب والهلاك.
والمذهب في "الحاوي" في باب الربا، وفي "التهذيب"، والذي عليه أكثر الأصحاب- الأول؛ قياساً على النكاح، فإنه لو جمع بين أجنبية ومَحْرَمٍ في العقد، كان في صحة نكاح الأجنبية القولان، ولو تزوج أجنبيتين ثم انفسخ نكاح إحداهما بردة أو غيرها لم ينفسخ نكاح الأخرى فعلى هذا يثبت له الخيار.
فإن أجاز فكم يلزمه من الثمن؟ قال الشيخ أبو حامد: يأخذه بالحصة قولاً واحداً.
وحكى أبو الطيب في تعليقه فيه القولين السابقين، وأنا إن قلنا: يجيز بكل الثمن فلا خيار للبائع، وإلا فوجهان.
قال الإمام: ولا اتجاه للقول بأنه يجيز بكل الثمن، ولولا اشتهاره في النقل لما ذكرناه، ثم [قال:] قال الأئمة: القولان هاهنا مرتبان على القولين في المسألة السابقة، فإن قلنا ثم: يجيز بالقسط، فهاهنا أولى، وإلا فقولان.
أما إذا كان الآخر في يد المشتري وهو قائم، فقد حكى الإمام القولين مرتبين على الصورة الأولى، وأولى بعدم الانفساخ؛ لتأكد العقد في العبد المقبوض بانتقال الضمان فيه إلى المشتري.
ولو تلف في يد المشتري قبل الآخر في يد البائع، فقولان مرتبان على القولين في الصورة قبلها، وأولى بعدم الانفساخ، وهذه الصورة تناظر ما سيأتي، فيما إذا تلفت العين المستأجرة في أثناء المدة، هل ينفسخ في المدة التي استوفى المنفعة فيها؟
فإن قلنا: بتفريق الصفقة، فهل يثبت له الخيار في فسخ العقد في العبد الذي تلف في يده، وكذلك في نظيره من مدة الإجارة؟ فيه قولان في "تعليق" القاضي الحسين.
وأصحهما: أنه لا يثبت، بخلاف ما لو كان العبد المقبوض باقياً، إما في يده أو في يد البائع؛ لأن ملك العب بالتلف قد استقر قراره، وكذلك المنفعة المستوفاة، كذا قال.
فرع: إذا باع في مرض موته عبداً يساوي ثلاثين بعشرة، ولا مال له غيره، فرد البيع في بعض المبيع، فما حكم الباقي؟ فيه طريقان:
أحدهما: القطع بصحة البيع؛ لأنه نفذ في الكل ظاهراً، والرد في البعض تدارك حادث، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب".
стр. 4140
ووجهه: بأن المحاباة في المرض وصية، والوصية تقبل من الغرر مالا يقبله غيرها.
وأظهرهما عند الأكثرين: أنه على قولي تفريق الصفقة.
فإن قلنا بصحة العقد في الباقي، ففي كيفيته قولان أو وجهان:
أحدهما: أن البيع يصح في القدر الذي يحتمله الثلث، والقدر الذي يوازي الثمن بجميع الثمن، ويبطل في الباقي فيصح في مثالنا البيع في ثلثي العبد بالعشرة ويبقى مع الوارث ثلث العبد وقيمته عشرة، والثمن وهو عشرة وذلك مثلاً المحاباة وهي عشرة: وإلى ترجيح هذا مال ابن الحداد والأكثرون.
وقيل: إنه المنصوص عليه.
والثاني: أنه إذا ارتد البيع في بعض المبيع، وجب أن يرتد إلى المشتري ما يقابله من الثمن. فعلى هذا تدور المسألة؛ لأن ما ينفذ فيه البيع يخرج من التركة، وما يقابله من الثمن يدخل فيها، ومعلوم أن ما ينفذ فيه البيع يزيد بزيادة التركة، وينقص بنقصها، فيزيد المبيع بحسب زيادة [التركة، وتزيد التركة بحسب زيادة المقابل الداخل، [ويزيد المقابل الداخل] بحسب زيادة] المبيع وهذا دور، ويتوصل إلى معرفة المقصود منه بطرق نذكر أسهلها وهو أن ينظر إلى ثلث المال وينسبه إلى قدر المحاباة، ويجيز البيع في المبيع بمثل نسبة الثلث من المحاباة.
فنقول في هذه المسألة: ثلث المال عشرة، والمحاباة عشرون، والعشرة نصف العشرين، يصح البيع في نصف العبد وقيمته خمسة عشر بنصف الثمن وهو خمسة، كأنه اشترى سدسه بخمسة، وثلثه وصية له ويبقى مع الورثة نصف العبد وقيمته خمسة عشر، والثمن خمسة فالمبلغ عشرون وذلك مثلاً المحاباة، وقد ذهب إلى ترجيح هذا القول أكثر الحُسَّابِ، وابن القاص، وابن اللبان، وتابعهم إمام الحرمين، وادعى أنه اختيار ابن سريج.
قال الرافعي: لكن في هذه الدعوى نظر؛ فإن الأستاذ أبا منصور وغيره نسبوا الأول إلى اختيار ابن سريج.
ولو باع المريض قفيز حنطة بقفيز حنطة، وكان [قفيز المريض] يساوي عشرين،
стр. 4141
وقفيز الصحيح يساوي عشرة ومات المريض ولا مال له غيره، ورد الورثة المحاباة، وقلنا بجواز تفريق الصفقة، فإن قلنا بالقول الأول فالبيع باطل فيهما بلا خلاف؛ لأن مقتضاه صحة البيع في قدر الثلث، وهو ستة وثلثان، وفي قدر الذي يقابله من قفيز الصحيح وهو نصفه؛ فيكون خمسة أسداس قفيز في مقابلة قفيز، وذلك ربا.
وإن قلنا بالثاني صح البيع في ثلثي قفيز المريض بثلثي قفيز الصحيح وبطل في الباقي، وبهذا قطع قاطعون كي لا يبطل غرض الميت من الوصية؛ وهو الأصح في "التهذيب".
وعلى كل حال، فللمشتري الخيار في فسخ البيع، ولا خيار للورثة في إبطال البيع، وما حكى عن صاحب التلخيص من حكاية قول آخر: [أن] للورثة الخيار في فسخ البيع، وقول: أنه لا خيار للمشتري، فقد نوقش فيه. والله أعلم.
قال: فإن جمع بين عقدين مختلفي الحكم كالبيع والإجارة، أي: مثل أن قال: بعتك هذا العبد وأجرتك هذه الدار سنة بكذا، واختلاف الحكم فيها: أن التأقيت في الإجارة شرط وهو مبطل في البيع، ويجوز التصرف فيها مع تعرضها للانفساخ بعد قبض العين، والبيع بخلافها.
قال: والبيع والصرف، أي: بأن يقول: بعتك هذا العبد وهذا الدينار بهذه الدراهم.
فالصرف: بيع الدينار بما يقابله من الدراهم، والبيع: بيع العبد بما يقابله من الدراهم، واختلاف حكمهما: أن الصرف يبطل بالتفرق قبل التقابض، بخلاف البيع، ولو باع بذهب في هذه الصورة كانت من صور مد عجوة.
قال: والبيع والنكاح، [أي: مثل أن يقول: زوجتك ابنتي وبعتك عبدها هذا [بمائة] وله تزويجها وبيع عبدها، أو: زوجتك جاريتي – إن كان ممن يحل له نكاح الأمة – وبعتك عبدي هذا بكذا.
وفي الجيل: تصويرها بما إذا قال: تزوجت ابنتك واشتريت منك عبدك بألف درهم.
стр. 4142
وكذلك صورها البندنيجي أيضاً، وفيه نظر لأن هذا من باب ما إذا باع عبده وعبد غيره بثمن واحد، واختلاف الحكم فيما ذكرناه أن النكاح لا يفسد بفساد مقابله، بخلاف البيع.
قال: والبيع والكتابة، أي: مثل أني قول: كاتبتك وبعتك هذه الدار بألف، تؤديها في نجمين، واختلاف الحكم فيهما: أن المكاتب بسبيل من فسخ الكتابة متى شاء بخلاف البيع.
قال: ففيه قولان:
أحدهما: يبطل العقد يهما؛ لأن حصة كل واحد من العقدين من الثمن مجهولة حالة العقد، لا تعرف إلا بالتقسيط بعده؛ ولأن اختلاف الأحكام يغلب على الظن وقوع الانفساخ في أحدهما، وذلك يجر جهلاً إلى العوض فأبطل العقد.
قال: والثاني: يصح ويقسط الثمن عليهما على قدر قيمتهما، [أي]: إن قُدِّر التلف، وفي النكاح على مهر المثل؛ لأنها ما اشتملت على ما يمتنع إفراده بالعقد، والصفقة متحدة في نفسها فلا حاجة إلى تقدير توزيع في الابتداء حتى يفضي إلى جهالة، فأِبه ما إذا اشترى شقصاً مشفوعاً وسيفاً؛ فإن ما فيهما من اختلاف الحكم لا يمنع صحة العقد، وهذا هو الأصح.
وفرق الإمام بينهما بأن مقصود العقد في الشقص والسيف لا يختلف فيما يتعلق بالفسخ والتنفيذ، وصورة القولين تتلقى من اختلاف يتعلق بالفسخ والإجازة بسبب أنه قدر إذا سبق الفسخ إلى شيء اعتاض ما يبقى في مقابلة الباقي.
ورجع هذا إشكال إلى وضع العقد، والشفيع إذا أخذ الشقص فهو مقرر للعقد، وإن كان [ينشأ بينه] وبين المشتري توزيع فهذا لا ينعطف إلى العقد فسخاً في البعض.
نعم، لو اشترى شقصاً مشفوعاً وسيفاً، ثم المشتري باعهما فهو يلتحق بصورة القولين.
وحكى عن القاضي الحسين في التعليق، والصورة هذه إبداء وجهين في ثبوت
стр. 4143
الخيار للمشتري إذا لم يعلم الشفيع بالبيع الأول وكان المشتري جاهلاً بالحال.
وأظهرهما: أنه لا يثبت.
والثاني: أنه يثبت له لتبعيض الصفقة عليه ولانتزاع الشقص منه.
ويجري القولان يما لو جمع بين بيع وسلم، ويما لو باع صاع حنطة ودرهماً بصاع شعير ودنانير، ووجه الاختلاف فيهما: أن الطعام يقع مقابلاً بما في الجانب الآخر من شعير وذهب، وبيع الطعام بالنقد لا يشترط فيه التقابض وبالشعير يشترط.
واعلم أن قول الفساد فيما إذا جمع بين البيع والنكاح مقصور على البيع والصداق، أما النكاح فصحيح، قال الرافعي: بلا خلاف وكذلك غيره بناء على أن النكاح لا يفسد بفساد الصداق.
وحكى الغزالي الخلاف في فساد النكاح في كتاب الصداق، ونسبه الإمام إلى بعض المصنفين ثم قال: والوجه القطع بصحة النكاح.
وإنما أخذ هذا من تردد الأصحاب: فيما إذا جمع نكاح مستحلة ومحرمة في عقد، فإنه نقل قول في فساد المستحلة مشهور على ضعفه، وقول الصحة في الكتابة والبيع لا يرجع إلى البيع فإنه باطل قولاً واحداً على ما حكاه الرافعي وغيره، لصدور أحد شقيه قبل تمام عقد الكتابة، وإنما يرجع إلى الكتابة، لكن قد اقترن بها عقد فاسد فتخرج صحتها أيضاً على هذا القول على تفريق الصفقة فإن جوزت صحت وإلا فلا.
وحكى البندنيجي في صحة البيع مع الكتابة طريقين صرح بهما الغزالي في كتاب الرهن والجمهور في كتاب الكتابة].
أحدهما: ما ذكرناه.
والثاني: طرد القولين في الجميع.
стр. 4144
وفي المجموع للمحاملي أن القول بصحة البيع محكيٍّ عن الشافعي.
وفي "تعليق" القاضي الحسين تشبيه الطريقين بالطريقين المذكورين فيما إذا قال: اشتريت منك هذا الزرع على أن عليك حصاده بدرهم، فإن منهم من جزم ببطلان الإجارة لما ذكرناه من العلة.
ومنهم من طرد القولين في صحتها، وهوا لذي اختاره ابن الصباغ، وحكى الرافعي في مسألة الزرع طريقة قاطعة بفساد العقدين وصححها.
وهذه الطريقة قال القاضي الحسين: لا تجيء فيما إذا قال: اشتريت منك هذا الزرع، واستأجرتك على حصاده بدرهم بل في ذلك الطريقان الأولان؛ لأن في الإتيان بلفظ الشرط تغيير لمقتضى العقد، وهو وجوب الحصاد على المشتري.
فرع: لو اشترى حطباً على ظهر بهيمة مطلقاً، فيصح العقد، ويسلم إليه في موضعه، أو لا يصح حتى يشترط تسليمه إليه في موضع؛ لأن العادة تقتضي حمله إلى داره؟
حكى المتولي في ذلك وجهين.
أما إذا شرط حمله إلى بيته، فإن كان مجهولاً بطل، وإن كان معلوماً خرج على ما ذكرناه في مسألة الزرع، صرح به القاضي الحسين.
ولو اشترى رطبة بشرط القطع على أن يرسل فيها دابته بطل العقد، قاله العبادي في فتاويه.
فائدة: الصفقة تتعدد بتفصيل الثمن قطعاً، كما [إذا] قال: بعتك هذا بكذا، وأجرتك هذا بكذا، وقبل المشتري كذلك، وليست هذه الصورة مما يجري فيها القولان، وكذلك لو جمع المشتري في القبول، فقال: قبلت فيهما على المذهب؛ لأن القبول يترتب على الإيجاب.
وقيل: إذا لم يجز تفريق الصفقة لم يجز الجمع في القبول.
وتتعدد أيضاً بتعدد البائع وإن اتحد المشتري، كما إذا باع اثنان عبداً من واحد
стр. 4145
صفقة واحدة، ومقتضى هذا أنهما إذا أوجبا العقد له على عبد بألف بأن قالا: بعناك هذا العبد بألف، كما صور القاضي الحسين، فَقبِلَ نصيب أحدهما وهو النصف بخمسمائة – أنه يصح، وهو ما حكاه الإمام في "باب الخراج بالضمان"، وادعى أنه لاخلاف فيه، وقد حكى القاضي الحسين في التعليق فيه وجهين.
وهل تتعدد بتعدد المشتري، مثل أن يشتري اثنان عبداً من واحد؟ فيه قولان:
أصحهما: نعم، كما في طرف البائع، وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب والبندنيجي في باب الخراج بالضمان.
والثاني: لا، فعلى الأول: لو باع اثنان من اثنين عبداً؛ فقبل أحدهما نصيب أحد البائعين بنسبته من الثمن ففي صحته وجهان، صرح بهما القاضي الحسين وغيره.
وقال الإمام في "باب الخراج بالضمان": وأظهرهما في النقل أن ذلك ممتنع، وأظهرهما في القياس التصحيح.
وهل تتعدد بتعدد الوكيل؟ فيه أربعة أوجه:
أحدها: النظر إلى العاقد، وبهذا أجاب ابن الحداد، وهو الأصح عند الشيخ أبي علي والأكثرين.
والثاني- وبه قال أبو زيد والخضري -: أن الاعتبار بالمعقود عليه، وهذا أصح عند الغزالي.
والثالث – ويحكي عن أبي إسحاق -: أن الاعتبار في طرف البيع بالمعقود له، وفي طرف الشراء بالعاقد، والفرق: أن العقد يتم في جانب الشراء بالمباشر دون المعقود له؛ ألا ترى أن المعقود له لو أنكر كون المباشر مأذوناً له وقع العقد عن المباشر، وفي جانب البيع لايتم بالمباشر حتى لو أنكر المعقود له الإذن بطل.
قال الإمام: وهذا الفرق فيما إذا كان التوكيل بالشراء في الذمة، أما إذا وكله بشراء عبد بثوب له معين فهو كالوكيل بالبيع.
والرابع – ذكره المتولي -: أن الاعتبار في جانب الشراء بالوكيل، وبالبيع بهما جميعاً فأيهما تعدد؛ تعدد العقد.
وثمرة هذا الخلاف تظهر في الأبواب – إن شاء الله تعالى -.
стр. 4146
قال: وإن جمع بيعتين في بيعة واحدة بأن قال في أحد التأولين – أي: اللذين ذكرهما الشافعي فيما رواه بسنده عن أبي هريرة – ﵄ – أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة – بأن قال: بعتك هذا العبد بعشرة على أن تبيعني دارك بمائة.
بطل البيع للخبر؛ ولأنه سلف في عقد فلا يصح الشرط، وإذا سقط الشرط وجب أن يضاف إلى السلعة من الثمن ما سقط بإزاء الشرط وذلك مجهول فيصير الثمن مجهولاً.
فعلى هذا لو وقع البيع الثاني بالثمن الذي عيناه نظر: إن علما فساد الأول صح الثاني، وإن جهلا صحته، قد حكى الإمام هاهنا والقاضي الحسين في التعليق أن البيع صحيح.
قال القاضي: إلا أن يعلق انعقاد أحدهما بانعقاد الآخر، وجعل الإيجاب في أحدهما إيجاباً في الآخر، كما يفعل في نكاح الشغار فيقول: بعتك هذا العبد على أن تبيعني دارك؛ فإن وجب لك عبدي وجب لي دارك، يمتنع العقدان.
وهذه الزيادة حكاها أبو داود عن الشافعي من تتمة هذا التأويل، والذي حكاه الإمام هاهنا قد عزاه إلى شيخه في باب ما يفسد الرهن، وإن كان المشتري يعتقد أن الوفاء به واجب، ثم قال: وقياس ما قاله القاضي أن البيع على اعتقاد الوجوب فاسد مردود، وهذا ما جزم [به] المتولي والبغوي.
وقد تعرض الغزالي لهذا الخلاف في الرهن.
وقول الفساد يدانيه ما حكاه الإمام متصلاً بباب نفقة الأقارب فيما إذا وهب المشتري الدلال شيئاً على اعتقاد انه يستحقه عليه، فإن له الرجوع كما حكاه الصيدلاني عن القفال إذ الأجرة على الذي أمره.
стр. 4147
قال: أو قال في التأويل الآخر: بعتك عشرة نقداً أو بعشرين نسيئة، بطل البيع للخبر، ولأنا الثمن مجهول؛ أنه لا يدري أنه عشرة نقداً أو عشرون نسيئة، ولأنه لم يجزم الإيجاب بل تردد، والتردد في الإيجاب مانع من صحته، وهذه المسألة قريبة الشبه بما إذا قال: بعتك عبداً من هذه الثلاثة أعبد ولك خيار التعيين، وقد ادعى الإمام فساد البيع فيها بالإجماع.
وفي "الحاوي" أن الإمام مالكاً قال بصحة البيع، وقد حكينا عن أبي حنيفة مثله في مسألة بيع الصبرة، وأنه قول قديم للشافعي.
قال: وإن فرق بين الجارية وولدها – [أي: المملوكة له بالبيع]، قبل سبع سنين، بطل البيع، والأصل فيه ما روى أبو داود عن علي – كرم الله وجهه – أنه فرق بين جارية وولدها، فنهاه النبي ﷺ عن ذلك، وردَّ البيع.
وروى الترمذي عن [أبي أيوب قال: سمعت] رسول الله ﷺ يقول: "من فرق بين والدة وولدها، فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة"، وقال: إنه حديث حسن غريب.
وبالتسليم يحصل التفريق المحرم؛ فيكون ممنوعاً شرعاً، والممنوع شرعاً كالممنوع حِساً، وقوله – ﵇: "لا تولَّه والدة بولدها"، وذلك يحصل
стр. 4148
بالبيع؛ فكان منهيًّا عنه.
قال الجوهري: الوله: ذهاب العقل والتحير؛ من شدة الوجد.
وهذا هو الجديد، [وبه قال البغداديون والإصطخري]، ولا فرق فيه بين أن ترضى الأم بالتفرقة أم لا، كما صرح به الماوردي في السير.
وفي الرافعي فيه أيضاً حكاية وجه عن ابن القطان، والقاضي الطبري: أنه يرتفع التحريم بالرضا [به فيصح].
وروى الإمام والقاضي الحسين في كتاب الرهن عن القديم قولاً أن البيع يصح، وأن النهي محمول على التنزيه، ونسب الماوردي هذا في كتاب السير إلى البصريين، وقال: إنهما لا يقران على التفرقة فإن تراضى المتبايعان على ضم أحدهما إلى الآخر تم البيع الأول، وإن تمانعا فسخ البيع الأول.
وعن كتاب ابن كج أنه يقال للبائع: إما أن تتطوع بتسليم الآخر، أو يفسخ البيع، فإن تطوع بالتسليم، وامتنع المشتري من القبول فسخ.
ومحل القولين على ما حكاه أبو الفرج البزاز فيما إذا كان التفريق بعد سقي الولد اللبأ، فأما قبله فلا يصح جزماً؛ لأنه تَسَبُّب إلى هلاك الولد.
وزاد الماوردي على سقي اللبأ أن يجد مرضعة ترضعه تمام الرضاع على ما حكاه في كتاب الرهن في أثناء فصل منه.
والوالد في معنى الوالدة [على المذهب في "التتمة"، و"الشامل"، وغيرهما في كتاب "السير"؛ خلافاً لابن سريج.
стр. 4149
وقال الغزالي هاهنا: الظاهر أن الوالد في معنى الوالدة]، ولا يتعدى إلى غيرهما من الأقارب، وفي الجدة احتمال.
وقال في كتاب السير: الجدة عند عدم الأم في معناها، أي: إذا كان لها حق في الحضانة، كما قاله الماوردي، ولو بيع مع الجدة عند وجود الأم، فهل يسقط التحريم؟ فيه قولان، ولا خلاف أنه يباع مع الأم دون الجدة.
والأب هل يلحق بالأم في تحريم التفريق؟ فيه قولان: فإن ألحقناه بها فهل يتعدى إلى سائر المحارم؟ فيه قولان.
وقد يستدل لقول المنع في الأب بما روى أبو داود عن أبي موسى أنه – ﵇ –قال: "ملعون من فرق بني الوالد وولده، وبين الأخ وأخيه".
وفي "الحاوي"، فيما إذا كان مجتمعاً مع أجداده وجداته من قبل أبيه ثلاثة أوجه
أحدها: يجوز التفريق.
والثاني: لا يجوز، وسواء في هذا الأنثى والذكر.
إذا قيل بتحريم التفرقة بينه وبين [الأب.
والثالث: يجوز التفرقة بينه وبين] الجد، ولا يجوز بينه وبين الجدة.
قال: ويما بعد ذلك إلى البلوغ قولان:
أحدهما: لا يجوز؛ لما روى الدارقطني عن عبادة بن الصامت قال: نهى رسول الله ﷺ أن يفرق بين الأم وولدها، فقيل: يا رسول الله، إلى متى؟ قال: "حتى يبلغ الغلام، وتحيض الجارية".
وهذا ما جزم به القاضي الحسين في الرهن.
стр. 4150
وأظهرهما – وهو الذي نقله المزني، وجزم به الماوردي في كتاب الصداق وابن الصباغ في الرهن، وجعله الإمام في السير المذهب – الجواز؛ لأنه – حينئذ – يستغني عن التعهد والحضانة، فأشبه البالغ، فإنه يجوز أن يفرق بينه وبينها لكن مع كراهة.
والحديث في إسناده عبد الله بن عمرو بن حسان، قال عبد الحق: وهو ضعيف الحديث.
وحكم الهبة والوصية وكل جهة مملكة حكم البيع فيما ذكرناه، صرح به الإمام في كتاب السير.
وفي الرافعي الجزم بالوصية بالجواز، موجهاً ذلك بأن الموت لعله يكون بعد انقضاء زمان التحريم.
وفي فتاوى الغزالي [إلحاق] التفرقة بالسفر بالتفرقة بالبيع، وأنه لا يجوز التفرقة بين الزوجة وولدها، بخلاف الحرة المطلقة.
وفي "التتمة": أن الوصية بالحمل دون الأم أو بالأم دون الحمل هل تصح أم لا؟
فعلى هذين القولين، [أي] المذكورين في الأصل، وإنما قلنا ذلك؛ لأنه لو أراد أن يفرق بين الأم والولد الطفل بالوصية، لا يجوز في أحد القولين كما لا يجوز في البيع.
قلت: وكان يتجه أن يقال: إن قلنا: إن الملك يحصل بالموت فيجوز؛ لأنه قهري كما في الرد بالعيب، وإن قلنا: لا يحصل به، فلا يصح، وذلك مستمد مما سنذكره عن المتولي في الوصية للكافر بالعبد المسلم، ولا يحرم التفريق بالعتق، وفي الرد بالعيب اختلاف للأصحاب.
والمذهب الجواز، وفي "تعليق" البندنيجي وأبي الطيب في كتاب السير الجزم بمقابله.
وقال: إن ذلك يجعل بمنزلة العيب الحادث عند المشتري.
وحُكي عن الشيخ أنه لا اشترى جارية وولدها الصغير ثم تفاسخا البيع في أحدهما جاز، ولو كانت الأم رقيقة والولد حرًّا وبالعكس؛ فلا منع من بيع الرقيق، ذكره المتولي.
стр. 4151
وفرق الماوردي بين ما إذا كان الولد رقيقاً أو حُرًّا بفرقين:
أحدهما: أنه إذا كان رقيقاً أمكن بيعه معها، ولا كذلك إذا كان حرًّا.
والثاني: أنه إذا كان مملوكاً فحضانته للأم فإذا فرق بينهما سقطت الحضانة، وليس كلك إذا كان حرًّا، فليس فيه إبطال لحقها، حكى ذلك في كتاب الرهن.
وحكم الولد المجنون حكم الولد الذي له دون سبع سنين، صرح به القاضي الحسين في كتاب السير، وأن امتناع التفريق ينتهي بإفاقته.
فرعان:
أحدهما: لو باع بعض الولد مع جملة الأم في عقد واحد، لم يصح، أشار إليه ابن الصباغ في كتاب الصداق، وعلله صاحب "الإكمال على ما فيه التنبيه من الإجمال" بأن ذلك يؤدي إلى التفرقة بينها وبين الولد في بعض الزمان.
الثاني: التفرقة بين البهيمة وولدها بعد استغنائه عن اللبن جائز، وعن الصيمري حكاية وجه فيه.
قال: وإن باع شاة إلا يدها، أو جارية إلا حملها، أو جارية حاملاً بحُرٍّ، بطل البيع؛ لما روى مسلم أن النبي ﷺ نهى عن الثنيا، وقد تقدم ذكر هذا الحديث مع تفسير الثنيا.
ومحل الكلام في بيع الشاة دون يدها إذا كانت حية، أما إذا كانت مذكاة فإن كان المقطع معلوماً كالأكارع جاز، صرح به القاضي الحسين في التعليق عند الكلام في بيع الثمار.
ولا فرق في الحمل بين أن يكون لمالك الأم، ويستثنيه باللفظ [أو لا]، كما إذا أوصى له به، ويكون استثناءً بالشرع إذا علم المشتري الحال.
وحكى الغزالي فيما إذا استثنى الحمل عن البيع – وجهين:
أحدهما: الصحة؛ كما لو كان الولد حرًّا فإن بيع الأم صحيح على الظاهر.
قال في "التتمة": وهذه الطريقة على قولنا: إن الحمل لا يعلم [أظهر]؛ لأنها معلومة مقدور على تسليمها، والحمل تابع لها، فلا يجوز [أن] يتغير الحكم
стр. 4152
فيها بسبب البائع.
وحكى القاضي الحسين في التعليق أن مالك الجارية الحامل إذا باعها من مالك الحمل؛ صح على وجه.
فرع: لو وكل [مالك الحمل] مالك الأم في بيعه، أو وكَّل مالك الأم مالك الحمل في بيعها، فباعهما دفعة واحدة، لم يصح، قاله المتولي.
فائدة: اختلف نقل الإمام والغزالي ﵄ في صحة بيع الأمة الحامل بالحر في مواضع أذكرها لك بالنص.
قال الإمام قبيل باب النهي عن بيع وسلف: إن الأصح صحة العقد، وأبعد بعض أصحابنا، فذكر وجهاً في منع بيعها إلى أن تلد، وكذلك إذا كان الحمل بالوصية لزيد وكانت الجارية لعمرو، فإذا باع مالك الجارية الجارية؛ فهو كما لو فرض البيع وهي حامل بولد حر، وهذه مادة ما حكيناه عن الغزالي من قبل، وفيما حكاه في كتاب الرهن فإنه قال: إذا وطئ الراهن الجارية المرهونة، وقلنا: لا ينفذ الاستيلاد، فإن بيعت وفي بطنها الولد الحر صح.
وفيه وجه: أنه يبطل، وإن كان ما نقله الإمام في هذا الموضع يخالف ذلك؛ فإنه قال: إذا حل الحق وهي حامل فالذي نقله الأئمة قطع القول بأنه يمتنع بيعها لإمكان اشتمال رحمها على الولد الحر، وقد قدمت في هذا خلافاً في كتاب البيع ونزلته منزلة ما إذا باع جارية حاملاً بولد مملوك، واستثنى حملها، ولكن المذهب المنع، كما ذكره الأصحاب، وإن كان تجويز البيع منقاساً.
وقد نحا الغزالي: هذا النحو في كتاب النكاح حيث قال فيما إذا وطئ الأب جارية الابن وأحبلها أما إذا قلنا: لا يحصل الاستيلاد؛ فلا يجوز بيع الجارية وهي حامل بولد حر، وفي كتاب السير حيث قال فيما إذا وطئ جارية من المغنم؛ إذا لم ينفذ الاستيلاد، وعتق الولد، فهذه حامل بحرٍّ، والأصح منع بيعها.
والذي حكاه الرافعي عن اختيارهما الأول، فتأمل ذلك.
ثم في كلام الإمام في الرهن مناقشة فإنه قال: إنه ألحق بيع الجارية الحامل بالحرّ ببيع الأمة التي استثنى حملها، والأمر كما حكاه في البيع على العكس، والله أعلم.
стр. 4153
فرع: لو باع شاة لبوناً واستثنى لبنها؛ ففي صحة البيع وجهان، حكاهما الفريقان، وأصحهما: أنه لا يجوز كما لو استثنى الحمل في بيع الجارية، والبيض في بيع الدجاج، والكُسَبْ في بيع السمسم، والحب في بيع القطن.
والفرق على الوجه الثناي أنه يقدر على تسليم المبيع حالة العقد، بخلاف تلك الصور، لكن فيه مانع آخر: وهو اختلاط اللبن بما يتجدد، ولو لم يستثن اللبن دخل في العقد.
قال في "التتمة": ومقابله قسط من الثمن.
قال القاضي أبو الطيب في تعيقه قولاً واحداً.
وفي "الوسيط" في باب بيع المصراة أنه لا يقابله قسط من الثمن على رأي.
قال: وإن باع جارية حاملا ًوشرط حملها ففيه قولان، [أي] مبنيان على أن الحمل هل يعرف فيعامل معاملة المعلوم أم لا؟ وفيه خلاف.
فإن قلنا بالأول – وهو الأصح -: صح البيع؛ كما لو شرط في العبد أنه كاتب، فإن ظهر أنها غير حامل ثبت له الخيار.
وإن قلنا بالثاني: بطل البيع، كما لو شرط معها شيئاً مجهولاً، وهذا ظاهر النص في كتاب الصرف؛ فإنه قال: ولا خير في أن يبيع الرجل الدابة ويشترط عقاقها، وأراد به إذا شرط حملها، والعَقُوق: الحامل، والعَقَاق: الحمل.
وقيل: القولان في غير الآدمي من الحيوانات، أما في الآدمي فيصح قولاً واحداً؛ لأن الحمل فيها عيب، فإذا أخلف انتفى عنها العيب؛ فيصير كما لو شرط أنها سارقة فخرجت غير سارقة.
وقيل: لا يصح فيما إذا شرط الحمل قولاً واحداً.
ولو شرط كون الشاة المبيعة لبوناً؛ صح العقد عند العراقيين وجهاً واحداً.
وحكى الإمام في ذلك طريقين:
أحدهما: ما صار إليه العراقيون.
والثاني: طرد القولين وكذا فيما لو شرط حشو الجبة.
ومنهم: من جزم فيها بالصحة، وأجرى القولين فيما عداها.
стр. 4154
وهذا فيما إذا لم يصرح ببيع الحمل واللبن والحشو، أما إذا قال: بعتك هذه الجارية وحملها، أو هذه الشاة وما في ضرعها، أو هذه الجبة وما فيها من الحشو؛ ففيه خلاف.
وجزم بعضهم بالصحة في الجبة؛ لأن الحشو داخل في مسمى الجبة، فذكره ذكر ما دخل في اللفظ، ولا يضر التنصيص عليه، والحمل غير داخل في مسمى الجارية، فذكره ذكر شيء مجهول مع معلوم.
وإذا قلنا بالبطلان في حشو الجبة؛ ففي بيع الظهارة والبطانة قولاً تفريق الصفقة، وفي كلام الإمام تعرض إلى إجراء مثل هذا الخلاف في الجارية والشاة.
وبيض الطير كحمل الجارية والدابة في جميع ذلك.
فرع: لو شرط أن الشاة تضع [لرأس] الشهر ونحوه، لم يصح البيع قولاً واحداً، وكذا لو شرط أنها تدر في كل يوم كذا رطلاً من اللبن لم يصح البيع.
وفي زوائد العمراني حكاية وجه في الثانية في باب المصراة.
قال: وإن باع عبداً مسلماً من كافر، بطل البيع في أصح القولين؛ لقوله تعالى: - وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٤١]، ولأن الرق ذل؛ فلا يصح إثباته للكافر على المسلم، كما لا ينكح الكافر المسلمة، وهذا نصه في "الإملاء".
قال: ويصح في الآخر، ويؤمر بإزالة الملك فيه: أما صحة البيع؛ فلأن من صح يبعه للعبد صح شراؤه –أصله المسلم -، ولأن إسلام العبد لا يمنع من بقاء ملكه عليه؛ فلا يمنع من دخوله في ملكه بالشراء – أصله المسلم – ولأنه سبب يملك به العبد الكافر فملك به العبد المسلم؛ كالإرث.
وأما كونه يؤمر بإزالة الملك فيه؛ فلأن به يحصل دفع الذل عنه، وهذا نصه في "الأم"، وأكثر الكتب على ما حكاه القاضي الحسين.
والقولان يجريان فيما لو وهب له أو أوصى [له به].
وقال في "التتمة": هذا إذا قلنا: إن الملك في الوصية يحصل [بالقبول، أما إذا قلنا:] يحصل بالموت؛ ثبت بلا خلاف كالإرث.
стр. 4155
وحكى في الزوائد في كتاب الجزية عن الطبري: أنا إذا لم نصحح البيع؛ ففي صحة الوصية وجهان:
أحدهما: أن الحكم كذلك، ولا يؤثر إسلام الموصى له بعد ذلك، وإن كان قبل الموت.
والثاني: إن أسلم قبل الموت صح، وإلا فلا.
وحكى في "الحاوي" في باب عقد الذمة في صحة الوصية به – ثلاثة أوجه.
ثالثها: إن أسلم الموصى له قبل القبول ملك العبد وإلا فلا.
وعلى كلا الوجهين لا يجوز بيعه من كافر، صرح به الشاشي في "الحلية"، ويحكي عند الكلام في جواز نكاح الأمة.
ويتفرع على القولين مسائل:
فعلى الأول لو اشترى من يعتق عليه؛ ففي صحته وجهان:
أحدهما: لا يصح، كما لو لم يعتق عليه.
والثاني: يصح، وهو الأصح.
قال القاضي أبو الطيب: كما لو قال لمسلم: أعتق عبدك عن كفارتي؛ فأعتقه دخل في ملكه، وعتق، وهذا لا أعلم فيه خلافاً بين أصحابنا، فكذلك هاهنا.
وحكى الإمام وغيره جريان الخلاف في هذه الصورة، لكن مرتباً على الأول، وأولى بالصحة؛ لأن الملك لا يجري فيه إلا ضمناً مقدراً.
وشراء الأب بيع على حقيقة البياعات يبطله التعليق بالإغرار ويفسد بفساد العوض، حتى إذا فسد فلا عتق، وهذا يشعر بأن الملك مقصود فيه والعتق بعده.
واستدعاء العتق يقبل التعليق، ولو ذكر عوضاً فاسداً نفذ العتق، ورجع إلى بدل آخر على قياس فساد البدل في الخلع، فاقتضى ذلك ترتيباً.
ولو شهد بحرية عبد مسلم ثم اشتراه، فالخلاف مرتب على الصورة الأولى، وأولى بالبطلان؛ لأن العتق وإن حكم به فهو ظاهر غير محقق، بخلاف صورة القريب فإنه واقع تحقيقاً.
стр. 4156
ولو اشتراه بشرط العتق، وصححناه، فمن الأصحاب من خرجه على الوجهين في شراء القريب، ومنهم من جزم بالبطلان، وفرق بأن القريب يعتق عقيب الشراء، وهاهنا العتق موقوف على اختياره.
واستئجار الكافر المسلم - ينظر فيه، إن ورد العقد على الذمة صح وإن ورد على العين، قال القاضي أبو الطيب: من أصحابنا من قال فيه قولان؛ كالشراء.
ومنهم من قال: يصح، وهذا أظهر عند الرافعي؛ لأن الإجارة لا تقيد ملك الرقبة، ولا تسلط عليه تسليطاً تاماًّ بل [و] هو في يد نفسه إن كان حرًّا، أو في يد مولاه إن كان عبداً.
وعلى هذا هل يؤمر بإزالة ملكه عن المنافع؟ فيه وجهان.
جواب الشيخ أبي حامد، والقاضي أبي الطيب في أواخر كتاب عقد الذمة منهما: نعم، فلو لم يفعله فقياس ما تقدم أن يؤجر عليه.
وفي "الحاوي" في كتاب الإجارة: أن الحاكم يفسخها عله، وفيه كتاب الذمة بعد حكاية القولين في صحة الإجارة، والصحيح عندي أن يعتبر حال الإجارة، فإن كانت معقودة على عمل يعمله الأجير في يد نفسه لا في يد المستأجر ويتصرف فيه على موجب عقده لا على رأي مستأجره؛ كالخياطة، والصباغة؛ صحت الإجارة.
وإن كانت معقودة على تصرف الأجير في يد المستأجر [عن أمره] كالخدمة لم يجز [وجزم بأنا] إذا صححنا الإجارة عن الخدمة ونحوها بأنه يؤمر بإزالة الملك، وفيما إذا كانت الإجارة على ما يعمله في يد نفسه بعدم الإجازة.
وفي جواز ارتهان الكافر العبد المسلم خلاف.
قال الرافعي: ولا خلاف في جواز إعارته وإيداعه، وسيأتي الكلام فيه في
стр. 4157
العارية - إن شاء الله تعالى -.
وإذا باع الكافر عبداً مسلماً – كان قد أسلم في يده – بثوب، ثم وجد في الثوب عيباً، هل له رده واسترداد العبد؟
حكى الغزالي وإمامه فيه وجهين.
وفي "التهذيب" و"التتمة": أن له رد الثوب لا محالة، وفي استرداده العبد وجهان: أظهرهما ما ذكره الغزالي أن له استرداده، وعلى مقابله يصير كالهالك.
ولو وجد المشتري بالعبد عيباً والصورة هذه فأراد رده واسترداد الثوب، فعن الشيخ أبي محمد طرد الخلاف؛ لأنه كما لا يجوز للكافر تملك المسلم، لا يجوز للمسلم تمليك الكافر [إياه].
فإذا منع من الرد رجع إلى الأرش.
وعن غيره القطع بالجواز.
ولو تقابلا، فإن قلنا: الإقالة بيع لم يصح على القول الذي عليه التفريع. وإن قلنا: إنها فسخ فوجهان.
ولو اشترى عبداً كافراً ثم أسلم قبل القبض؛ فهل يبطل العقد؟ فيه وجهان إذا كان البائع مسلماً، فلو كان كافراً فقد أبدى الإمام فيه تردداً، وحكاه الغزالي خلافاً مرتباً وأولى بعدم الانفساخ؛ لأنه كيفما انقلب انقلب إلى كافر.
ولو توكل الكافر عن المسلم في شرائه، قال القاضي أبو الطيب: لا يصح، كما لا يجوز أن يتوكل عن المسلم في التزويج، ولا يكون المحرم وكيلاً في شراء الصيد وعقد النكاح.
وقال ابن الصباغ: هذا عندي ليس بشيء؛ لأن الفاسق لا يجوز أن يكون وليًّا في النكاح، ويجوز أن [يكون وكيلاً في القبول].
قال مجلي: وهذا لا يلزم القاضي؛ لأنه لم يقصد الجمع بين البيع والنكاح حتى يفرق بينهما، وإنما قصد أن من لا يكون أهلاً للعقد لنفسه لا يصح أن يكون وكيلاً فيه لغيره.
стр. 4158
نعم، لو كان الإلزام أن الفاسق يجوز أن يكون وكيلاً في ولاية النكاح، ولا تصح ولايته؛ للزم إن سلمه القاضي.
والذي حكاه الغزالي أن الوكيل في الشراء صح، وإن أضمر فوجهان مبنيان على تعلق العهدة بالوكيل، وبناهما الرافعي على أن الملك بيع للوكيل ثم ينتقل عنه للموكل، أو يقع للموكل ابتداءً.
فإن قلنا بالأول لم يصح، وإن قلنا بالثاني صح.
قلت: ولو خرج خلاف في صحة البيع مع القول بأن الملك يحصل للوكيل أو لا، مما إذا اشترى من يعتق عليه – لم يبعد من حيث إن الملك مختلف فيهما غير مستقر، ويجوز أن يفرق بما للشارع في العتق من التشوف.
وإطلاق الغزالي وغيره القول بالصحة عند التصريح بالسفارة مصور بما إذا قال: اشتريت لزيد، فقال: بعتك. أو قال: بعتك، فقال: اشتريت لزيد [وصححنا مثل هذا العقد.
أما إذا قلنا بعدم الانعقاد فيما إذا قال: بعتك، فقال: اشتريت لزيد] على ما حكاه المتولي والبغوي عند الكلام الذي ينعقد به النكاح وجهاً: فلا يصح أيضاً، وقد أشار إلى ذلك الإمام بقوله: إذا صححنا البيع بصيغة السفارة.
ولو توكل المسلم عن الكافر في شراء العبد المسلم، لم يصح التوكيل، فإذا تعاطى العقد نفذ على الوكيل ولا يتعداه إلى الموكل، كذا صرح به الإمام، وهو محمول على ما إذا لم يصرح بالسفارة.
والمرتد، هل يجري فيما ذكرناه من الأحكام مجرى المسلم؟ فيه وجهان بناهما القاضي الحسين والإمام على القولين في أنه هل يقتل بالذمي؟
التفريع على القول الثاني، هل يمكن من قبضه؟ فيه وجهان جاريان فيما لو أسلم العبد بعد الشراء وقبل القبض وقلنا بعدم [انفساخ العقد]، أحدهما: يقبضه بنفسه، والثاني: ينصَّب الحاكم من يقبضه وهو الأظهر.
قال الإمام على هذا القول: ولا يخفى أنه يتخير في فسخ البيع؛ فإن ما جرى من التعذر طارئاً لا ينقص عن إباق العبد قبل القبض.
стр. 4159
وإذا امتنع الكافر من إزالة الملك [عنه] بيع عليه بثمن مثله، فلو لم يجد من يشتريه بثمن مثله صبرنا إلى الوجود، وأحلنا بينه وبين السيد، ثم لا يعطله بل يستكسبه، ونفقته واجبة على سيد الكافر.
والحكم في أن الكتابة هل تكتفي بدلاً عن زوال الملك بالبيع والهبة والإعتاق؟ فيه خلاف نذكره – إن شاء الله تعالى- في كتاب العتق مع ما يتعلق به.
فرع: هل يمنع الكافر من شراء المصحف وكتب الحديث؟ الذي نص عليه الشافعي في كتاب الجزية كما حكاه الأصحاب [المنع] ثم قال الأئمة هاهنا: إن منعنا الكافر من شراء العبد المسلم فكذلك هاهنا، وإلا فوجهان؛ لأن العبد يدفع الذل عن نفسه.
والكتب التي فيها آثار السلف ملحقة بالمصحف عند العراقيين، [وكذا التي فيها حكايات الصالحين كما حكاه الإمام في كتاب الهدنة، وقال: لست أراه كذلك وجهاً].
وامتنع الماوردي في "الحاوي" من إلحاق كتب الحديث والفقه بالمصحف.
وقال: إن بيعها منه صحيح [لا محالة]، وجزم في كتاب عقد الذمة بطريقة المنع في المصحف لأجل تحريم مسه.
وقال في كتب الحديث: إن كان المذكور فيها سيرته وصفته جاز ابتياعهم لها، وإن كان فيها كلامه من أمره ونهيه وأحكامه ففي البيع وجهان، وظاهر نص الشافعي إلحاق كتب الحديث بالمصحف.
ثم إذا صح البيع يما ذكرناه، فهل يؤمر بإزالة الملك [عنها]؟ فيه وجهان، ورهن هذه الأشياء مرتب على جواز بيعها كما تقدم في العبد.
فرع آخر: بيع المصحف من المسلم ليس بمكروه وكذلك كتب الحديث.
وعن الصيمري: أن بيع المصحف مكروه، قال: وقد قيل: إن الثمن يتوجه إلى
стр. 4160
الدفتين لا إلى كلام الله – تعالى – وقد قيل: إنه بدل عن أجرة النسخ.
قال: وإن باع العصير ممن يتخذ الخمر أو السلاح ممن يعصي الله –تعالى- به أي مثل قاطع الطريق [والمتغلب] واللص، ولم يتحقق أنهما يفعلان بالمبيع ما هو محرم كما صرح به سائر الأئمة.
[قال]: أو باع ماله ممن أكثر ماله حرام [أي]: ولم يتحقق أن الذي وقع عليه العقد من الثمن حلال أو حرام [قال] كره؛ لأنه لا يأمن من الإعانة على المعصية أو أخذ الحرام، وقد قال- ﵇: "الحلال بين الحرام بين و [بين ذلك أمور] متشابهات" وسأضرب لكم في ذلك مثلاً – إن شاء الله تعالى – "وإن حمى الله – تعالى- محارمه، وإن من يرعى حول الحمى يوشك أن يخالط الحمى" وإنما لا يحرم؛ لأنه قد لا يفعل الحرام، أو يكون [ما أعطاه] من الحلال.
قال: ولم يبطل البيع لما ذكرناه من العلة، أما إذا تحقق أنه يتخذ من العصير الخمر أو يعصي الله تعالى بالسلاح فإنه يحرم؛ لقوله تعالى: - وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢].
ولكن يصح البيع أيضاً؛ لأن ذلك [المعنى في] غير المعقود عليه؛ فلم يمنع الصحة؛ كالبيع وقت النداء.
وفي الرافعي حكاية وجه أنه لا يحرم بيع العصير مع تحقق اتخاذ الخمر [منه، وهو ما حكاه المحاملي في اللباب].
ومن هذا القبيل بيع السلاح من أهل الحرب؛ فإن فيه تقوية أعداء الله.
وفي "الحاوي" حكاية وجه أنه لا يصح بيعه منهم، وهو الظاهر في "النهاية" وبه جزم الرافعي.
стр. 4161
وعلى القول بالصحة يفسخ عليهم كما في شراء الكافر المسلم، صرح به الماوردي.
وبيع الجارية ممن يتخذها للغناء، [والغلام ممن اشتهر باللياطة] كمبيع العصير ممن يتخذ الخمر صرح به ابن عصرون في "المرشد"، وكذا بيع الخشب ممن يستعمله في الملاهي، كما قاله المحاملي [في اللباب].
وأما إذا باع ماله ممن أكثر ماله حرام، وتحقق أن ما وقع عليه العقد من ماله حرام لم ينعقد البيع، ولو تحقق أنه حلال لم يكره.
فإن قيل: إذا لم يتحقق أنه حرام ولا حلال وغلب على الظن] أن ما وقع به العقد حرام، فهلا خرجتم ذلك على غلبة الظن في النجاسة والطهارة؟!
قال الإمام: قلنا: لأنا صادفنا أصلاً مرجوعاً إليه في الإملاك وهو اليد فاعتمدناه، ولم نجد في النجاسة والطهارة أصلاً يعارض غلبة الظن إلا الطهارة.
فروع:
بيع الحديد [من أهل] الحرب صحيح، وبيع السلاح من أهل الذمة جائز، وكذا رهنه منهم صرح به الإمام في كتاب الرهن، واستشهد له بأنه ﵇: مات ودرعه مرهون عند أبي شحمة اليهودي.
وحكى في "التتمة" وجهاً في عدم صحة بيعه منهم، ورهن السلاح من أهل الحرب إذا منع بيعه منهم، فيه وجهان محكيان في "النهاية" في الرهن.
وبيع الشطرنج مكروه، كما أن لعبه مكروه، حكاه القاضي الحسين قبل باب السلف.
قال: وإن شرط في البيع شرطاً يقتضيه العقد كالتسليم، وسقى الثمرة، وتنقيتها إلى - أوان الجداد وأما شبه ذلك أي: مثل خيار المجلس، والرد بالعيب، وضمان الدرك على البائع، وغير ذلك لم يفسد العقد؛ لأنه تأكيد لمقتضاه.
стр. 4162
تنبيه: الجداد بكسر الجيم وفتحها بالدال المهملة وبالمعجمة [أيضاً] وكذلك الحصاد [والقطاف] والصرام كله بالوجهين.
قال الجوهري: فكان الفعال والفعال مطردين في كل ما كان فيه معنى وقت الفعل.
قال: وإن شرط ما فيه مصلحة للعاقد كخيار الثلاث أي فيما يجوز شرطه [فيه] والأجل أي المعلوم فيما في الذمة – والرهن والضمين – [أي إذا عين الراهن والضامن، وكذا من يوضع الرهن تحت يده على أحد الوجهين].
قال: لم يفسد العقد أي؛ ويجب الوفاء بالشرط.
أما اعتبار ذلك في خيار الثلاث فلحديث حبان بن منقذ.
وأما في الأجل فلقوله تعالى: - إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
ورُوي أنه – ﵇ – قال: " [و] من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم"، والسلم نوع من البيع.
وروى مسلم عن عائشة – ﵂ – أن رسول الله ﷺ اشترى من يهودي طعاماً نسيئة فأعطاه درعاً رهنا.
стр. 4163
ورُوي أنه ﵇ أمر عبد الله بن عمر أن يجهز جيشاً، وأمره أن يبتاع ظهراً إلى خروج المصدق.
وأما في الرهن فلقوله تعالى: - فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وأما في الضمين: فبالقاس على الرهن لما اشتركا فيه من الحاجة إلى التوثيق، ويلتحق بهما اشتراط الإشهاد، قال الله تعالى: - وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
أما شرط الأجل المجهول [فمبطل للعقد]، كما تقدم.
وكذا شرطه في المبيع [المعين] أو الثمن المعين، مثل أن يقول: اشتريت منك بهذا الدينار على أن أسلمه لك في وقت كذا؛ لأن الأجل رفق أثبت لتحصيل الحق في المدة والمعين حاصل.
ولو أجل شيئاً بألف سنة. قال الروياني: بطل العقد؛ للعلم بأنه لا يبقى إلى هذه المدة، ويسقط الأجل بالموت، كما لو أجر ثوباً ألف سنة.
فعلى هذا يشترط في صحة الأجل مع كونه معلوماً فيما في الذمة احتمال بقائه إلى المدة المضروبة ويقوم مقام تعيين الرهن والضامن، وصف الرهن بصفات المسلم فيه، ومعرفة الضامن بالنسب. ولا يكفي فيه أن يقول: رجل موسر ثقة.
قال الرافعي: ولو قال قائل: الاكتفاء بالصفة أولى من الاكتفاء بمشاهدة من لا يعرف حاله؛ لم يكن مبعداً.
وفي كتاب القاضي ابن كج: أنه لا حاجة إلى تعيين الضامن، وإذا أطلق أقام من شاء ضميناً، ولا يشترط في الإشهاد التعيين على أصح الوجهين، وهو الذي ادعى الإمام القطع به، ورد الخلاف إلى أنه لو عين الشهود هل يتعينون أم لا؟
والصحيح في الاستقصاء" كما حكاه في كتاب الرهن عدم تعينهم.
فإن قلنا بتعينهم فامتنعوا من الشهادة ثبت للشارط الخيار.
وإن قلنا: لا يتعينون.
قال الإمام في كتاب الرهن: ينبغي أن يشهد من يعرف منهم في الصفات
стр. 4164
المقصودة في الشهادة؛ حتى لا يكتفي بإشهاد أقوام يظهر انحطاطهم عنهم، والعلم عند الله تعالى. ولا يبطل العقد بهذا الشرط.
واعلم أن كلام الشيخ يقتضي الاسترسال في جواز اشتراط ما فيه مصلحة للعاقد على هذا النحو، وليس يماثل ذلك الاشتراط الإشهاد، وقد ذكرناه، ويؤكده قول الإمام في كتاب الرهن.
ومن الأصول المعتمدة في البياعات أن العقد إذا كان له مقتضى عند الإطلاق فلا يجوز تغييره في نقيض إطلاقه بما لا يقع فيه ولا مصلحة تتعلق [به،] [فأما الشرط الذي يتعلق] بمصلحة العقد فلا يجوز الاسترسال في تجويزه بل يتبع فيه توقيف الشارع؛ كالخيار وما في معناه؛ فإن هذه الأشياء في المعاملان؛ كالرخص في العبادات.
قال: وإن شرط العتق في العبد لم يفسد [العقد ويلزم] الشرط، ووجهه ما رُوي عن عائشة – ﵂ – أنها قالت: جاءت بريرة، فقالت: إني كاتبت على تسع أواق، في كل سنة أوقية؛ فأعينيني، قالت عائشة: إن أحب أهلك أن أعدها لهم عدًّا وأعتقك فعلت، ويكون ولاؤك لي. فذهبت بريرة إلى أهلها؛ فأبوا ذلك عليها، فقالت إني قد عرضت عليهم أبوا ألا يكون لهم الولاء، فسمع بذلك النبي ﷺ فسألني، فأخبرته، فقال::خذيها وأعتقيها واشترطي لهم الولاء؛ فإن الولاء لمن أعتق"، قالت عائشة: فقام رسول الله ﷺ فخطب ثم قال: "أما بعد، فما بال رجال منكم يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله – – فأيما شرط كان ليس في كتاب الله فهو باطل، وإنكان مائة شرط فقضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، ما بال رجال منكم يقول أحدهم: أعتق [يا] فلان، والولاء لي، إنما الولاء لمن أعتق" هكذا أخرجه
стр. 4165
البخاري، وروى مسلم معناه.
وجه الدلالة منه: أن بيع بريرة كان بشرط العتق بدليل اشتراط الولاء، فصحح النبي ﷺ البيع مع اشتراطه، وأبطل أن يكون الولاء لغير المعتقة.
ولأنه لو قال له: أعتق عبدك عني بألف صح البيع ونفذ العتق، وإن لم يستقر للباذل على العبد ملك؛ فما استقر بالعقد ملكه وشرط عليه عتقه أولى أن يصح.
وقيل: إن الشرط باطل، ويبطل به العقد؛ لعموم نهيه – ﵇ – عن بيع وشرط؛ ولأنه شرط ينافي [مقتضى] العقد فأبطله؛ كما لو باع بشرط ألا يسلم.
وقيل: يبطل الشرط دون العقد، رواه أبو ثور عن الشافعي.
قال الماوردي: وليس يعرف [له]، ولا يحفظ عنه إلا من جهته، وأصح الأقوال الأول.
ومحلها إذا أطلق الشرط، أو قال: بشرط أن تعتقه عن نفسك، أما إذا قال: بشرط أن تعتقه عني فهو لاغ.
قال: فإن امتنع عن العتق – أي على قولنا بصحة الشرط – أجبر عليه، [وقيل]: لا يجبر، بل البائع بالخيار بني الفسخ والإمضاء.
هذا الخلاف مبني على أن العتق حق لله تعالى، كالملتزم بالنذر، أو حق للبائع لأن اشتراطه يدل على تعلق غرضه به، وينزل لأجله جزءاً من الثمن، فيه وجهان: أظهرهما: الأول.
فإن قلنا: [به] أجبر عليه، وهو قول أبي سعيد الإصطخري، والأصح.
وفي كيفية إجباره احتمالان للإمام:
أحدهما: يكون الحكم فيه كالمولى، وهو المذكور في "التتمة" و"تعليق" القاضي الحسين.
والثاني: لا طريق سوى الحبس حتى يعتق.
وإن قلنا: إنه حق للبائع فلا يجبر، كما في شرط الرهن والكفيل، وهذا ما اختاره ابن عصرون.
стр. 4166
وفي "النهاية" أنا إذا قلنا: إن العتق حق للبائع وامتنع، فهل يجبر عليه؟
ذكر صاحب "التقريب" فيه قولين.
وإذا قلنا بالقول الذي حكاه أبو ثور؛ فلا يجبر على عتقه، ولكن هل يثبت للبائع الخيار عند امتناعه من العتق؟ فيه وجهان:
أحدهما – وهو قول البغداديين -: لا خيار له؛ لفساد الشرط.
والثاني – وهو قول البصريين -: له الخيار؛ لأن فساد الشرط يمتنع من لزومه، ولا يمنع من استحقاق الخيار به، كما لو شرط في البيع رهناً لم يلزم، وأوجب خيار البائع.
فروع:
هل للبائع المطالبة بالعتق، على قولنا: إنه حق له فنعم، وإن قلنا: إنه حق لله تعالى؛ فكذلك على أصح الوجهين.
وهل يسقط بإسقاط البائع؟ إن قلنا: إنه حق لله تعالى، فلا، وإن قلنا: إنه حق له سقط على ظاهر المذهب عند الإمام، وهو ما حكاه القاضي الحسين في التعليق، كما لو شرط الرهن والكفيل ثم عفا عنه.
قال الإمام: وفي كلام شيخي رمز إلى خلاف هذا؛ يعني: في الرهن والكيل كحق الأجل.
ولو باع العبد بشرط العتق أيضاً، لم يصح في أصح الوجهين؛ لأن العتق مستحق عليه، فليس له نقله إلى غيره، وهل يجزئ إيلاد الجارية عن الإعتاق؟ فيه وجهان: أصحهما: لا، بل عليه أن يعتقها.
وفي "حلية الشاشي" و"الشامل"، حكاية وجه أنه لا يجزئ عتقها [عن] الشرط؛ لأنها صارت مستحقة العتق بالإحبال، وعلى هذا تكون بمثابة الغائبة بالموت، فتجري فيها الأوجه، كما سنذكر.
ولو جنى هذا العبد قبل اتفاق العتق، فهل يسلم ليباع في الجناية؟
قال المارودي: إن قلنا بإجباره على عتقه؛ وجب فداه كأم الولد.
ولو قتل العبد قبل العتق كانت قيمته للمشتري، ولا يكلف صرفها إلى عبد آخر ليعتقه.
стр. 4167
ولو مات قبل اتفاق العتق؛ فخمسة أوجه:
أظهرها: ليس للبائع إلا الثمن.
والثاني: يسخ العقد ويرجع إلى القيمة.
والثالث: له الثمن وما بين قيمته مع الشرط وقيمته من غير الشرط، فإذا كان الثمن عشرة وقيمته مع الشرط اثني عشر وبدون الشرط خمسة عشر؛ لزمه ثلاثة عشر. ولم يزد الماوردي على هذه الأوجه.
وقال: إنها تجري على قول الإجبار وعدمه.
والرابع: له الثمن وما يقابل الشرط من نسبة الثمن؛ فيجب له في مثالنا اثنا عشر وحكى الإمام هذا الوجه -و [لو] ضرب له مثالاً يقتضي مخالفة ما ذكرناه في الحكم، فإنه قال: لو كان مع الشرط يساوي مائة، وبونه يساوي مائة وخمسين، فالتفاوت بالثلث، فيعود عبد ضبط ذلك، ويقول: الثمن تسعون، وقد بان أن نسبة التفاوت [بثلثي] الجملة، فكأنه أخذ ثمن ثلثي العبد، وإذا كان ثمن ثلثي العبد تسعين فثمن الجملة مائة وخمسة وثلاثون، فيغرم خمسة وأربعين، ومقتضى هذا في مثالنا أن يكون ما قبضه أربعة أخماس الثمن، وإذا كان ثمن أربعة أخماسه عشرة؛ يكون ثمن جميعه اثني عشر ونصفاً؛ فيغرم درهمين ونصفاً.
والخامس- وهو الذي صححه ابن عصرون -:أنه يثبت له الخيار بين الفسخ والرجوع إلى القيمة وبين الإمضاء. والاقتصار على الثمن، وهذان الوجهان لم يحك القاضي أبو الطيب في تعليقه سواهما، وفحوى كلامه: أنهما جاريان على قول الإجبار وعدمه. فإنه قال: هلا قلتم مع بقاء العبد وقد امتنع المشتري من العتق أنه يرجع بذلك، يعني بما يقابل الشرط؟!
فالجواب: أنه هناك يمكن إجباره على العتق فأجبرناه عليه في أحد الوجهين، ويمكن رده فخيرناه في الوجه الآخر. وهاهنا قد [تعذر] الإجبار؛ لأن الميت لا يصح إعتاقه، وتعذر التخيير؛ لأنه لا يمكن رده فجعلنا له الرجوع بالنقص، كما يرجع
стр. 4168
بالأرش إذا تعذر الرد بالعيب.
وقال الرافعي: هذه الوجوه مفرعة على أن العتق حق للبائع أو هي مطردة سواء قلنا: إنها للبائع أو لله تعالى، فيه رأيان للإمام؛ أظهرهما: الثاني.
وقيل: إن قلنا: إن الحق لله - تعالى - لم يلزمه شيء؛ وهو الوجه الأول.
وإن قلنا: إنه حق للبائع جرى ما عدا الأول من الأوجه، حكى ذلك ابن التلمساني.
فروع:
لو اشترى عبداً بشرط أن يدبره أو يعتقه بعد شهر - مثلاً - أو يكاتبه، أو داراً بشرط أن يقفها، ففي هذه الشروط وجهان:
أصحهما: أنها ليست كشرط العتق، بل يبطل البيع بها. وعليه يدل قول الشيخ من بعد.
واختيار ابن عصرون صحة البيع بشرط العتق بعد شهر.
وفرق القاضي الحسين بين البيع بشرط العتق وبين البيع بشرط الكتابة أو الاستيلاد، بأن المشتري لا يقدر عليهما بنفسه ويقدر على العتق منفرداً به، وليس لهما من القوة ما للصريح.
وبأن عقد البيع لا يقتضيهما بحال، بخلاف العتق؛ فإن عقد البيع قد يقتضيه، كما إذا اشترى من يعتق عليه.
ولو باع عبداً بشرط العتق على أن يكون الولاء للبائع؛ ففيه قولان:
أحدهما: أنه يبطل العقد، وهو الذي عليه الجمهور.
والثاني: أنه يصح، وهو ما رُوي عن حكاية الإصطخري أو تخريجه لحديث بريرة؛ فإنه ﵇ لا يأذن في باطل، وعلى هذا فهل يثبت الشرط؟ المحكي عن الأصحاب الذي [لا] يكاد يوجد غيره أنه لا يثبت كما حكاه الرافعي. وقال الإمام: إنه فاسد، وحكى وجهاً أنه يثبت الولاء للبائع من غير تقدير الملك،
стр. 4169
كما إذا باع عبداً لنفسه بمال، فإذا اشترى نفسه عتق، وسبيل العتق أنه ملك نفسه، فاستحال أن يكون مملوكاً لنفسه ومالكاً، ثم إذا حصل العتق فالولاء للسيد، وهذا ما حكاه الغزالي في الوجيز.
ولو جرى البيع بشرط الولاء دون شرط العتق بأن قال: بعتكه بشرط أن يكون الولاء [لي] إن أعتقته يوماً من الدهر فقد ذكر في "التتمة": أن العقد هاهنا باطل بلا خلاف.
وقال في كتاب الخلع: المشهور من المذهب فساد العقد، وهذا يشعر بخلاف.
ولو باع العبد بشرط أن يبيعه بشرط العتق، فالصحيح على ما حكاه الرافعي في كفارة الظهار – البطلان.
وعن أبي الحسين تخريجه على وجهين، ولو اشترى أباه أو ابنه بشرط أن يعتقه، فعن القاضي الحسين أن العقد باطل؛ لتعذر الوفاء بهذا الشرط، فإنه يعتق عليه قبل أن يعتقه، ويظهر على رأي الأودني أن يصح.
فائدة: استشكل بعضهم إذنه ﷺ في اشتراط الولاء، ومنعه منه بعد ذلك.
وأجيب بأن قوله – ﵇: "اشترطي لهم" المراد به: عليهم، كما في قوله تعالى: - وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧].
стр. 4170
[وقيل] معناه: اشترطي أو لا تشترطي فهو لاغ لا يضر شرطه ولا تركه.
وقيل: أذن فيه ثم منعه ليكون أقطع لعادتهم، كما رُوي أنهم كانوا لا يرون جواز الإحرام بالعمرة في أشهر الحج، فأمرهم – ﵇ – بالإحرام بالحج في أشهر الحج فأحرموا به ثم أمرهم بفسخ الإحرام بالحج بالعمرة، للمبالغة في رجوعهم عما كانوا يعتقدون منعه.
وعلى هذا التأويل يكون هذا الشرط خاصاً في بيع بريرة لا غير، واختاره العمراني.
وقيل: إن قوله "واشترطي لهم الولاء" غير محفوظ في الحديث، وإنما رويت هذه الزيادة من طريق هشام بن عروة، ولم يتابع عليها، كذا حكاه البغوي، وكذا الماوردي في باب الكتابة ونسبه إلى الشافعي نفسه.
وحُكي عن بعض أصحابنا أنه – ﵇ – أذن في ذلك حين جوازه ثم ورد بعده [نسخ] فأظهر نسخه بفسخه.
وحكى عن [ابن أبي هريرة أنه قال: قوله] – ﵇ – اشترى واشترطي لهم الولاء خارج مخرج الوعيد والتهديد لا مخرج الإذن والجواز، كما في قوله تعالى: - فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
وحكى عن أبي علي الطبري: أنه قال: قوله "اشترطي لهم الولاء" أي: اشترطي لهم العتق، فعبر عن العتق بالولاء لحدوثه عنه واستحقاقه به.
وفي الذخائر أن بعض الناس قال: إنما وقع البيع على نجوم كتابتها، والصحيح [أنها ابتاعت] رقبتها، وعلى هذا قد يشكل مذهبنا؛ لأن بريرة كانت مكاتبة.
[والجديد] أنه لا يصح بيع المكاتب.
وأجيب عن ذلك: بأن بريرة كانت الساعية في ابتياع عائشة- ﵂ – ومثل ذلك مبطل للكتابة – كما ستعرفه في بابها – أو لأن بريرة أظهرت العجز فعجزها أهلها، وفسخوا العقد بإقدامهم على بيعها، والفسخ يحصل بالبيع أو يحتمل ذلك، وهي قضية عين.
следующие страницы →