Полный текст (9 685 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.
стр. 4201
أحدهما: يرد، [ويطالب بالبدل] "؛ لأنه يجوز الإبدال فيه "قبل التفرق"؛ فوجب أن يجوز بعده إذا لم ينفسخ العقد بالتفرق؛ قياساً على المسلم فيه؛ فإن للمسلم إبداله إذا وجد به عيباً، سواء فارق مجلس القبض أو لم يفارقه، وهذا هو الأصح في الرافعي وغيره، لكن بشرط قبض البدل قبل التفرق من مجلس الرد.
"والثاني: أنه بالخيار إن شاء رضي به، وإن شاء ردّه، فإذا ردّ انفسخ البيع"؛ لأنّا لو جوزنا إبداله، لكان قبضه بعد التفرق من مجلس العقد، ولا يجوز قبض العوض في الصرف بعد التفرق [من مجلس العقد] ويخالف المسلم فيه؛ لأن قبضه لا يختص بالمجلس، وفي أي موضع قبض جاز، وبنى الإمام هذا الخلاف في كتاب "الكتابة" على أنْ الدين إذا قبض ناقصاً عن وصفه، وكان المقبوض من جنسه متى يملك؟ هل يملك بالقبض أو بالقبض مع الرضا؟ [و] فيه قولان: فإن قلنا: [إنه] يملك بالقبض صح إبداله، وإن قلنا: لا يملك إلاَّ بالرضا، فلا يجوز إبداله.
قلت: ومقتضى هذا البناء: أن يجري الخلاف فيما إذا رضي به بعد التفرق، ولأن الملك حصل بعد التفرق ولم أره، ولا يقال: إنا بالرد نتبين قول عدم الملك، أمَّا إذا جاز فلا يجيء هذا القول، بل يستمر الملك، وقد أشار الإمام إلى ذلك بقوله من قبل: "فإن رضي استمر الملك؛ لأنّا نقول: قد حكى من بعد أن الخيار بسبب هذا النقض هل هو على الفور؟ ينبني على الخلاف، فإن قلنا: لا يملك بالقبض ما لم يرض، فلا شك أن معنى الفور لا يتحقق، بل الملك موقوف على الرضا متى كان، وهذا يدلُّ على أن جريان الخلاف، وإن لم يجر بعد سخ.
فرع: لو كان العيب ببعض المعقود عليه وأثبتنا الخيار فيه: فإن رده بجملته فلا كلام، وإن أراد أن يرد المعيب خاصة فهل له ذلك؟ فيه قولاَ تفريقِ الصفقة: فإن جوزنا ذلك فهل بقسطه من مقابله أو بكل المقابل؟ فيه قولان في "تعليق" القاضي أبي الطيب، وهذا إذا أورد الصرف على ذهب وفضة.
أمَّا إذا كان ذهباً بذهب، أو فضة بفضة- قال القاضي أبو الطيب: بطل العقد وجهاً واحداً؛ لكونه من قاعدة "مد عجوة"؛ كالدينار الصحيح والدينار القراضة
стр. 4202
بدينارين صحيحين أو قراضة.
أمَّا إذا كان العيب يخرجه عن الجنس، بأن وجده رصاصاً أو نحاساً، فإن كان في الكل بطل العقد في الكل إذا ورد على العين، كما نصّ عليه الشافعيُّ في كتاب "الصرف".
وقال أبو علي في "الإفصاح": من أصحابنا من قال: البيع صحيحٌ ويخيّر فيهن ويجري هذا فيما إذا قال: بعتك هذه، فخرجت حماراً، وهذه نوع من البغال تشبه الحمير يكون بـ "طبرستان".
وفيما إذا باع ثوباً على أنّه قز، فخرج كتاناً؛ لأن الكتان الخام يشبه القز، وهذا الجوهر على أنه عقيق، فإذا هو بخلاف ما شرط.
ولو قال: بعتك هذا الحيوان، وهو حمار، أو هذا الشخص، وهو عبد، فإذا هو فرسٌ [أو جارية] – فإن كان المشتري عالماً بالحال انعقد البيع، وإن كان جاهلاً فهل ينعقد؟ فيه الخلاف، كذا قاله القاضي الحسين قبيل باب "بيع البراءة"، ويتجه طرد هذا التفصيل فيما ذكرناه.
وإن كان العيب في البعض بطل العقد فيه على النص، وفي الباقي قولاَ تفريقِ الصفقة، فإن قلنا: تفرق، أخذ الباقي بحصته من الثمن.
قال الماوردي: قولاً واحداً.
وفي "تعليق" أبي الطيب تخريجه على التفصيل والخلاف السابق.
قال البندنيجي: فإن قلنا: إنه يأخذ السليم بكل الثمن، [لم يكن له رد المعيب وإمساك الصحيح، وإنما يقال له: إمَّا أن ترد الكل أو تمسك الكل، وأمَّا أن تمسك البعض بكل الثمن] فهذا سفه لا يقبل منك.
وفي [كلام القاضي والماوردي أيضاً إشارة إلى ذلك].
فائدة: كلام القاضي أبي الطيب [في "تعليقه"] مصرح بأن من حصل له البدل المعيب فيما إذا ورد العقد على ما في الذمة، واطلع على العيب بعد التفرق – يثبت له الخيار بين أخذه ورده واسترجاع ثمنه، وهل له المطالبة بالبدل؟ فيه الخلاف، وإلى ذلك
стр. 4203
يرشد قول الشيخ: "جاز أن يرد ويطالبه بالبدل قبل التفرق، وبعد التفرق قولان"؛ وكان ينبغي إذا قلنا بجواز أخذ البدل ألاَّ يثبت له الخيار في رده واسترجاع الثمن؛ لأن المعقود عليه باقٍ في الذمة؛ كما في المسلم فيه إذا ردّ بسبب العيب.
وهذا قد صرح به المتولين وابن التلمساني في "شرحه"، لكن يشكل على بناء الإمام؛ فإنا إنما جوزنا الإبدال بناء على أنه ملك بالقبض، ومتى ملك المعيب بالقبض امتنع أن يكون حقه باقياً في الذمة.
فرع: إذا ورد الصرف على ما في الذمة، ثم عين في المجلس بالقبض - فهل يكون كالمعين في حال العقد؟ في نظيره في رأس مال السلم خلافٌ، ويتجه جريانه هاهنا، فإن جري فمن ثمرته أنه إذا ردّ العقد هل يجب على القابض ردّ ما أخذ أو يجوز له ردّ بدله؟ فيه خلاف، وأنه إذا باع ما له في ذمة زيد من نقد لزيد بعوض موصوف في الذمة، وعينه في المجلس، فهل يكفي أم لابد من قبضه؟
إن قلنا: إنه كالمعين في العقد، خرج على القولين في اشتراط القبض، وإلا فلابد من القبض، لكن يلزم على هذا التقرير أنه إذا وجد به عيباً وردّه في المجلس لا يجوز له أخذ البدل على وجهٍ؛ كما إذا ورد العقد على عينه، ولم أره.
[فرع] آخر: إذا طلع على العيب بعد التلف، وكان العوضان من جنس واحد - لم يكن له الرجوع بالأرش؛ لأنه يؤدي إلى التفاضل، ولكن يفسخ العقد، ويرد مثل التالف إن كان خالصاً، أو قيمته إن كان بَهْرَجاً، ويسترجع الثمن، وهذا ما أجاب به الماوردي والبندنيجي هنا وابن الصباغ والمتولي في مسألة الحلي إذا وجد به عيباً، وقد ذُكِرَ فيه وجه آخر: أنه يجوز أخذ الأرش، وهو الذي صححه في "التهذيب"، وهل يعتبر من جنس المعيب، أو بغير جنسه؟ فيه خلاف مذكور، ومثله يجري هاهنا؛ إذ لا يظهر بينهما فرق، ولو كانا من جنسين كالذهب بالفضة، فهل له أن يرجع بالأرش؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ اعتباراً بعيوب سائر المبيعات التالفة. قال الماوردي: "وهذا أقيس"؛ فعلى هذا يرجع بأرش الدينار من الدراهم، وبأرش الدراهم من المذهّب، ويتجه أن يجيء فيه الوجه الآخر - الذي تقدمت حكايته-.
стр. 4204
والوجه الثاني – وهو قول الشيوخ من أصحابنا البصريين، والجمهور من غيرهم -: لا يجوز له الرجوع بالأرش؛ لأن الصرف أضيق حكماً من سائر البيوعات، فلم يتسع لدخول الأرش فيه؛ لأن الأرش يعتبر بالأثمان؛ فلم يجز أن يكون الأرش داخلاً في الأثمان، فعلى هذا ينفسخ العقد، ويرجع عليه بمثل التالف أو قيمته إن كان بهرجاً، وقد ورد العقد على عينه، وإن ورد على الذمة ثم قبض في المجلس: فيرد بدله إن كان له مثل، أو قيمته إن كان بهرجاً، وهل له أن يأخذ بدله؟ فيه القولان السابقان، كذا حكاه الماوردي، وفي بعضه تناقض؛ لما حكيناه عنه في الباب الأول من كتاب البيوع، ولا يخفى أن جميع ما ذكرناه في الصرف يجري مثله فيما إذا باع ما يحرم فيه الربا بعلة الطعم [بما يحرم فيه الربا بعلة الطعم].
قال: "وما حرم فيه التفاضل، فإن كان ما يكال لم يجز بيع بعضه ببعض حتى يتساويا في الكيل"، أي: في علم المتعاقدين حالة العقد، ولا يكفي تساويهما في الوزن، وإن كان أحصر لما روى أبو داود عن النبي ﷺ أنه قال- في حديث عبادة -: "البُرّْ بالْبُرِّ مُدَّيْنِ بِمُدَّيْنِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مُدَّيْنِ بِمُدَّيْنِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ مُدَّيْنِ بِمُدَّيْنِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مُدَّيْنِ بِمُدَّيْنِ، فَمَنْ زَادَ أو ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى".
وروى أنه ﷺ قال: "لاَ تضبِيعُوا الْبُرَّ بالْبُرِّ إِلاَّ كَيْلاً بِكَيْلٍ يَداً بِيَدٍ"، نصاً على التساوي بالكيل؛ فاقتضى ألا يعتبر التساوي فيه بالوزن؛ لأنه قد يخالف ما أمر به من الكيل. نعم، ولو علم تساوي صنف في الكيل والوزن هل يجوز بيع بعضه ببعض وزناً؟ [فيه وجهان محكيّان في "الحاوي".
وحكى عن الفوراني أنه جوز بيع ما يكال وزناً] دون عكسه، والذي كان يكال على عهد رسول الله ﷺ الحبوب والأدهان، والألبان، والتمر والزبيب والملح.
وحكى أصحابنا فيه إذا كان قِطَعاً كباراً وجهين:
أحدهما: يُدق ويكال.
والثاني: يوزن. وهو الأظهر.
وفي كلام الإمام ما يدل على أن اللبن الخاثر يجوز كيله ووزنه، وألحق الأصحاب
стр. 4205
العصير بما يكال، وكذا السمن والعسل عند أبي إسحاق، على ما حكاه الرافعيُّ عنه في السمن، والقاضي أبو الطيب وغيره في العسل.
وفي "الزوائد": أن أبا إسحاق قال في العسل: "إنه يباع كيلاً، بخلاف السمن" والمنصوص أنهما يوزنان، وتوسط صاحب "التهذيب" [في السمن] فقال: "إن كان ذائباً كان مما يكال، وإلاَّ فمما يوزن.
وقال الماوردي:"إن كان ذائباً فلا يباع إلا كيلاً، وإن كان جامداً فوجهان:
أحدهما: لا يجوز بيع بعضه ببعض؛ لأن أصله الكيل، وهو متعذر.
والثاني: يجوز وزناً".
قال: "فإن كان في أحدهما قليل تراب جاز"؛ لأنه يتخلل في المكيال، فلا يظهر أثره، وكذلك قليل التبن.
أمَّا ما يظهر له أثر في المكيال ككثير التراب والتبن، أو كان المخالط قصيلاً –وهو عقد التبن – أو زُواناً – وهو حب أسود قريب من خلقة الشعير – لم يجز؛ للعلم برجحان المقابل، ولو باع القمح بالقمح، وفي أحدهما قليل شعير لا يقصد مثله، أو شعيراً بشعير، وفيهما أو أحدهما قليل قمح لا يقصد مثله – لم يضر.
قال: "وإن كان مما يوزن لم يجز بيع بعضه ببعض حتى يتساويا في الوزن"،أي في علم المتعاقدين حالة العقد؛ لما روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْناً بِوَزْنٍ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَالْفِضَّةُ وَزْناً بِوَزْنٍ مِثْلاً بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَهُوَ رِباً"، ولما ذكرناه من المعنى.
واستدل الماوردي وغيره على اعتبار الكيل فيما يكال بالحجاز في عصره ﷺ ، وإن كان يوزن في سائر البلاد، والوزن فيما يوزن بالحجاز في عصره – ﵇ – وإن كان يكال في سائر البلاد – بما روى طاوس عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالْوَزْنُ وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةَ"، وليس هذا القول
стр. 4206
إخباراً بانفراد أهل المدينة بالمكيال ومكة بالميزان؛ لأن مكيال غير المدينة، وميزان غير مكة يجوز التبايع به، واعتبار التماثل فيه؛ فعلم أن مراده عادة أهل المدينة فيما يكيلونه، وعادة أهل مكة فيما يزنونه.
وفي "النهاية" أنه يجوز أن يكون معنى الحديث: أن ما تعلق [بالوزن] من النُّصُب وأقدار الديات وغيرها فالاعتبار فيها بوزن مكة، وما تعلق بالكيل في زكاة الفطر والكفارات فالمعتبر ما يغلب في المدينة، وليس في الحديث تعرض لأمر الربا، واستدل المحاملي على ذلك بأن الشرع ورد باعتبار المماثلة والمساواة في البيع، ولم يبين الجهة التي يعتبر فيها التساوي، ولابد فيها من تحديد، ولا حدّ لها في اللغة ولا في الشرع؛ فرجع في تحديده إلى العرف والعادة، وأَوْلى العادات بالاعتبار العادةُ التي كانت في زمنه ﵇.
قال:"فإن كان في أحدهما قليل تراب لم يجز؛ لأن التراب يظهر في الوزن؛ فلا يعسر الاحتراز عنه في الموزونات، وصور الماوردي المسألة: بما إذا باع ما يوزن من الورق والذهب بعضه ببعض، وفيهما أو في أحدهما يسيرٌ من التراب.
فرع: إذا اتخذ مكيالاً لم يعهد في عصره ﷺ ، وكان يجري التماثلُ به - قال الإمام: الوجه القطع بجواز رعاية التماثل به؛ كما قطع أصحابنا بجواز بيع الدراهم بالدراهم إذا علمنا بالتساوي في كفتي الميزان، أمَّا إذا لم يجر العرف باستعماله بأن باع مِلْء قصعة بملئها ففيه تردد للقفال، والظاهر الجواز.
والوزن بالماء يتأتى بأن توضع دراهم في طرف، وتلقى على الماء، وينظر إلى مقدار غوصه، ثم يفعل مثل ذلك بمقابله، قال الإمام: ولكن الظاهر أنه لا يكتفي به؛ فإنه ليس وزناً شرعيًّا ولا عرفيًّا.
[فرع] آخر: لو قال: بعتك هذه الصُّبْرة على أن تكون كل صاع بصاع، وهما لا
стр. 4207
يعرفان القدر، وتقابضا في المجلس جزافاً، ثم كالا بعد التفرق: فن خرجتا متفاوتتين فالزيادة لا تدخل في العقد، [وهل يصح العقد] [في القدر] المتساوي؛ فيه وجهان، [ووجه المنع: أن الكيل في بي المكايلة من تمام التسليم ولم يوجدا، ولأنهما ماثلا الصبرة بالصبرة، وهما متفاوتتان، وعلى العلة يخرج ما لو خرجتا متساويتين؛ فيكون فيهما وجهان].
ولو قال: بعتك الصبرة بالصبرة على أن يكون الصاع بالصاع، وكالا في المجلس – فإن خرجتا متساويتين صح، وإلاَّ فوجهان:
أحدهما: أن البيع صحيح. ويقال لمن نقصت صبرته: أترضى بقدر صبرتك، وإلاَّ فُسخ العقد، ولا يقال لمن زادت صبرته: سلم الزيادة، وهذا ما اختاره ابن [أبي عصرون].
والثاني – وهو المذهب في "تعليق" البندنيجي -: أن العقد باطل.
قال: وإن كان مما لا يكال ولا يوزن، أي: بل العادة فيه أن يعد كالقثاء والبطيخ في بعض البلاد، والسفرجل والأترج، والجوز والبيض وأجناس ذلك – "ففيه قولان"، أي: تفريعاً على القول الجديد، وهو جريان الربا فيها:
"أحدهما: لا يجوز بيع بعضه ببعض"؛ لأنه لا سبيل إلى تجويز البيع عدداً؛ فإن فيه تساهلاً – لا يحتمل مثله في باب الربا –والوزن والكيل فيه غير معتاد في عصره – ﵇ – وبعده، ولا يمكن إلحاقه بالمكيل ولا بالموزون؛ لأن القشر والرطوبة يمنعان العلم بالتساوي – الذي هو شرط العقد – فامتنع بيع بعضه ببعض، وهذا هوا لأصح عند الإمام وظاهر المذهب.
قال: "والثاني: يجوز إذا تساويا في الوزن"؛ لأن بقاء البيض والجوز والرمان في قشره من مصلحته، والقثاء والبطيخ والسفرجل هذه حالة كمالها؛ فلم يمنع ذلك صحة البيع، كبيع التمر بالتمر وفيه النواة، واللبن باللبن مع ما فيه من الرطوبة، واعتبر الوزن فيها؛ لأنه أحصر.
ويجري هذا الخلاف في الخضراوات مثل الجزر والفجل وغيرهما، والمنع فيها
стр. 4208
منصوص عليه في "الأم"، وفي الجوز واللوز – حكاه ابن كجٍّ عن الشافعيّ، وألحق الرافعي البيض بهما، ورجح الجواز، وجعل المعيار في البيض الوزن، وكذلك في الجَوْز دون اللَّوز، وجزم المتولي في البيض والجوز إذا كانا صحيحين بجواز بيع بعضه ببعض، وبالمنع فيما إذا كان مكسوراً، أو البعض صحيحاً.
والمذكور في "الحاوي" في مسألة بيع الدجاجة وفي بطنها بيضٌ: أن بيع البيض بالبيض لا يجوز على قوله الجديد، وهو ما حكى الإمام في أواخر الباب بعد حكايته الخلاف الذي ذكرناه أولاً؛ لاتفاق الطرق عليه، وعلى منع بيع الجوز بالجوز.
وحكى قول الجواز وجهاً منسوباً إلى رواية صاحب "التقريب".
أمَّا ما يكال ويوزن في غير الحجاز، ولا يكال ولا يزن فيه وجهلنا الحال فيه – فيجوز بيع بعضه ببعض وجهاً واحداً، ولكن ما المعتبر فيه؟ [هل] الكيل أو الوزن؟ الذي حكاه العراقيون وجهان:
أحدهما: أنه يعتبر بالبلد التي فيها البيع؛ فإنه أقرب إليه.
والثاني: أنه يعتبر بأشبه الأشياء به في الحجاز: فإن كان يشبه مكيلاً لم يجز إلاَّ كيلاً، وإن كان يشبه موزوناً لم يجز إلاَّ وزناً، واختاره في "المرشد"، كما اعتبر ذلك في جزاء الصيد والحيوان الذي لا يعرف أن العرب تستطيبه أو تستحبه، فعلى هذا لو كان شبيهاً بهما فأيهما المعتبر؟ فيه وجهان حكاهما البندنيجي.
وزاد الشيخ أبو حامد في الأصل وجهاً ثالثاً، وقد حاكه ابن الصباغ والقاضي أبو الطيب بدل الوجه الأول: أنه يعتبر فيه عرف أهل الوقت في أغلب البلاد، وهو ما حكاه الماوردي، ولم يحكه غيره، ثم قال: وإن لم يكن للناس فيه عرف غالب، وكانت عادتهم تستوي في كيله ووزنه – فقد اختلف أصحابنا فيه على أربعة مذاهب:
أحدها: يباع وزناً؛ لأنه أحصر.
والثاني: كيلاً؛ لأن الكيل في المأكول نصٍّ.
والثالث: يعتبر بأشبه الأشياء به.
والرابع: أنه مخير بين الكيل والوزن.
وفي "التتمة": أنَّه إن كان أكبر جرماً من التمر، فالاعتبار فيه بالوزن، وإن كان مثله،
стр. 4209
أو أصغر منه ففيه الوجهان المذكوران أولاً في "الحاوي".
وزاد الإمام عليهما وجه اعتبار العرف الغالب في موضع المعاملة، وعن شيخه وجه التخيير، واستبعده وقال: "لم أره لغيره".
وحكى عن شيخه وعن الصَّيْدلاني وجهاً آخر: أنه يتعين أن يتقدر بما يتقدر به أصله، ثم قال: "ولو منع مانع أصل البيع لاستبهام طريق التماثل لكان أقرب مما ذكرنا، ولكن لا قائل به من الأصحاب".
واعلم أن بعض الشارحين لهذا الكتاب قال: يمكن حمل كلام المصنف على القولين في أنَّ ما لا يكال ولا يُوزن هل يجري فيه الربا كما ذكرنا من قبل؟ وهذا لايعطيه كلام الشيخ؛ لأمرين:
أحدهما: أنه حكى قولاً في منع البيع مطلقاً، وذلك لا يُوجد في هذه الصورة.
الثاني: أنه قسم ما حرم فيه الربا إلى ثلاثة أقسام هذا ثالثها؛ فلا يحسن أن يكون الخلاف الذي ذكره في أنه هل يجري فيه الربا أم لا، والله أعلم.
قال: "وما حرم فيه التفاضل لا يجوز بيع حَبِّه بدقيقه"؛ لأن دقيق الحنطة مثلاً قمح تفرقت أجزاؤه، فهما جنس واحد كالدراهم المكسَّرة والصِّحاح، ولا يمكن اعتبار التساوي [بالوزن؛ لأن أصله الكيل، ولا يمكن اعتبار التساوي فيه بالكيل؛ لأن النظر إلى التساوي] في حال الكمال، كما أشار إليه – ﵇ – بقوله: "أَيْنْقُضُ الرُّطَبُ إِذّا جَفَّ؟ " ورتب المنع – عليه كما سنذكره – وحالة الكمال كونه قمحاً؛
стр. 4210
لأنه يُدخر كذلك، ويفسده إذا كان دقيقاً، والطحن يحدث بينهما تفاوتاً في الكيل، بحيث يعلم التفاضل بينهما، وذلك ممنوعٌ بالنصِّ؛ فيتعين القول بعدم الصحة، وهذه العلة تعلل جملة المسائل الآتية من هذا النوع وما يقرب منه؛ فيستغني عن إعادتها.
وحكى أبو الطيب بن سلمة وابن الوكيل عن رواية الكرابيسي عن الشافعي قولاً: "أنه يجوز بيع الحنطة بدقيقها كيلاً بكيل"، وجعل الإمام منقول الكرابيسي: أن الدقيق مع الحنطة جنسان، حتى يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً.
قال الرافعيُّ: "ويشبه أن يكون منفرداً بهذه الرواية".
قلت: قد وافقه عليها الماوردي، وحكى أنه مذهب أبي ثور؛ فلا انفراد.
وحكى الإمام أيضاً عن رواية ابن مقلاص أن الشافعيَّ جعل السويق مخالفاً لجنس الحنطة؛ لأنه يخالفها في المعنى، والدقيق مجانس للحنطة؛ فإنه حنطة متفرقة الأجزاء، والحنطة دقيق مكسَّر.
قال الإمام: وعلى هذا الخبر يخالف الحنطة، ويجب أن يخالف السويق الدقيق، والمذهب المشهور الذي نصَّ عليه في عامة كتبه: الأول.
ونفى بعضهم أن يكون ما ُحكي عن الكرابيسي منقولاً عن الشافعيّ؛ فنه لم يقل سوى: "قال أبو عبد الله، وأبو عبد الله يحتمل مالكاً، ويحتمل أحمدَ؛ فإنهما مخالفان في ذلك.
وعلى هذا فلا يجوز بيع الحنطة بشيء مما يُتخذ منها كالسويق، والخبز، والنّشا، ولا بما فيه شيءٌ مما يتخذ منها كالمصل؛ ففيه الدقيق والفالوذج وفيه النشا.
واعلم أن السويق الذي أطلقه العلماء هاهنا يكون على ضربين- كما حكاه القاضي أبو الطيب -:
أحدهما: نقيع، وهو أن يُبل بالماء، ثم يُنشر حتى يجفَّ، ثم يقلى ويجرش.
والثاني: مطبوخ، وهو أن يطبخ ثم يجفف، ثم يُقلى ويجرش.
وذلك غير ما نفهمه في بلادنا منه، وإذا كان كذلك فالمنع فيه يتأكد بدخول النار فيه.
стр. 4211
قال: "ولا بيع دقيقه بدقيقه": أمَّا وزناً فَلِمَا قررناه، وأمَّا كيلاً فللجهل بالتماثل في حال الكمال، ولأن أحدهما قد يكون أنعم فينبسط في المكيال أكثر من الخشن، ويخالف بي الحنطة الصغيرة الحبة بالحنطة الكبيرة الحبة؛ فإنَّ أجزاء الحب ثَمَّ مجتمعة.
وحكى البويطي، والمزني في "المنثور"، وحرملة قولاً: "أنَّه يجوز [بيع الدقيق بالدقيق كيلاً، وإن امتنع] بيع الحنطة بالدقيق؛ كما يجوز بيع الدهن بالدهن، وإن امتنع بيعه بالسمسم؛ فعلى هذا: لا يجوز بيع ما يتخذ من القمح بما يُتخذ منه.
وحكى الشيخ أبو حامد والعراقيون قولاً عن رواية حرملة: أنَّه يجوز بيع الخبز اليابس المدقوق بمثله؛ لإمكان كيله وادخاره.
ورواه الشيخ أبو عاصم العبَّاديُّ وغيره عن رواية ابن مقلاص، واختاره ابن أبي عصرون، ورواه الماورديُّ وجهاً ثم قال: "ولولاه مشهوراً من قول أصحابنا لكان إغفاله أولى؛ لمخالفته النصَّ، [ومنافاته المذهب] ".
وبالجملة، فكل قول حكيناه غير ما حكاه الشيخ، قال الإمام: اتفق أئمة المذهب على أنه غير معدو من متن المذهب، وإنما هو من ترددات جرت في القديم، وهي مرجوع عنها.
وحكم السمسم وغيره من الحبوب التي يتخذ منها الأدهان مع طحينتها، وطحينتها مع طحينتها حكم الدقيق، [وكذا الحنطة] التي ينحَّى قشرها بالدق والتهريس بعد البل – حكم الدقيق. وأبدى الإمام فيها احتمالاً.
فرع: الحنطة المسوسة، أطلق الأئمة القول بجواز بيعها بعضاً ببعض، وقال الإمام: لعل ذلك قبل أن تتآكل، فأمَّا إذا تآكلت وخلت أجوافها ففيها نظرٌ عندنا، والقياس: القطعُ بالمنع كالحنطة المقلية بمثلها، والحنطة المبلولة بمثلها؛ لما في ذلك من التجافي في المكيال، الحكم في الحنطة المبلولة بعد الجفاف المنعُ أيضاً.
قال: [ولا] مطبوخِهِ بمطبوخِهِ كاللحم المشوي، والدبس، والقُطارة، عسل القصب، والقند، والسكر، والفانيذ، وكل ما تعقد النار أجزاءه مثل عصير الرمان،
стр. 4212
والتفاح، والسفرجل؛ للجهل بالمماثلة، فإن النار قد تؤثر في أحدهما أكثر من الآخر، أمَّا ما دخلته النار للتمييز فلا يمتنع بيع بعضه ببعض كالذهب والفضة، وكذا السمن وعسل النحل إذا ميَّز منه الشمع بالنار، وظنَّ بعض الأصحاب أنَّ النار تعقد أجزاءه فمنع من بيع بعضه ببعض، كما امتنع بيع بعض الزيت ببعض، والذي عليه سائر الأصحاب الأوَّلُ، لكن بشرط ألاَّ ينقص من أجزائه شيءٌ، فإن نقص منع، حتى لو أغلى العسلَ المصفى على النار، امتنع بيع بعضه ببعض، وقد حكى الغزالي وغيره من العراقيين في القند، والسكر، والفانيذ واللِّبَأ وجهاً: أنه يجوز بيع بعض ببعض؛ لأنَّ لتأثير النار فيه غاية يعرفها أهل البصر، وهذا جعله البندنيجي [ظاهر المذهب في السكر].
وقال الماوردي: "السكر والفانيذ إن أُلقي فيهما دقيق أو غيره فلا يجوز بيع بعضه ببعض، وإلاَّ فينظر: إن أدخلت النار فيهما لتصفيتهما وتمييزهما من غيرهما جاز بيع بعضه ببعض، وإن أدخلت لاجتماع أجزائه وانعقادها فلا.
وكذلك دبس التمر ورُبُّ الفواكه، وقد أُلحق بهذا النوع مصل أقط.
فرع: العسل المصفى بالشمس يجوز بيع بعضه ببعض.
وذهب بعض أصحابنا إلى أنه إن صُفي بها في البلاد المعتدلة الحر لا يجوز بيعه بما صُفي بها في البلاد الشديدة الحر، قال مجلي: "وليس بشيءٍ".
قال: "ولا مطبوخِهِ بنِيِئِه".
النَّيء مكسور [النون] مخفف الياء بهمزة ممدودة.
قال: "ولا أصله بعصيره": كبيع العنب، والرطب، والسفرجل، والتفاح، والرمان بعصيره، وكذا بيع اللبن بالمصل، جعل الرافعيُّ المنع معللاً بدخول النار فيه، واختلاطه بالدقيق، ويجوز بيع العصير بالعصير، خلافاً للقاضي الحسين، ويجوز بيع خل العنب بعضه ببعض، إذا لم يكن فيه ماء، ولا يجوز بيع خل التمر بمثله، وكذا خل الزبيب بمثله؛ لأن الماء إما ربوي أو يجهل قدره فيهما، وهل يجوز بيع خل الزيت بخل التمر؟ فيه وجهان:
стр. 4213
إن قلنا: إن الماء ربوي، امتنع، وإلا فلا، وهذا إذا قلنا: إن الخلول أجناسٌ.
أمَّا إذا قلنا: جنسٌ واحدٌ – كما خرجه [أبو] علي بن أبي هريرة قولاً – امتنع وجهاً واحداً.
ولا يجوز بيع الطحينة بالطحينة، وكذا لا يجوز بيع كسب الشيرج بمثله، وجوَّز أبو علي بن أبي هريرة بيع الكسب بالكسب وزناً، ووجه المنع: أن أصله الكيل، وفيه ماء وملح؛ فهو من قبيل ما يذكر من بعد. قاله الماوردي.
قال: "ولا خالصه بمشُوبه" أي: مثل الدراهم الخالصة بالمغشوشة والحنطة السالمة من الفصل والزُّوان بما فيه قصل أو زوان، والسمن بالزبد الذي فيه المخيض، وكلما لا يقصد المخالط فيه دون ما إذا كان المخالط مقصوداً؛ كبيع عسل النحل بشمعه بمثله؛ فإن المنع منه مأخوذٌ من قاعدة "مد عَجْوَة" لا من هذه القاعدة.
تنبيه: "المَشُوب" – بفتح الميم، وضم الشين -: المخلوط بغيره.
قال: "ولا مشوبه بمشوبه" أي: مثل العلس في قشرته أو قشره بمثله، أو بالحنطة، أو الأرز في شرته بمثله، دون ما إذا كان في قشره الأحمر على رأي أكثر أصحابنا، كما حكاه الماوردي، وكجميع ما ذكرناه من قبل.
وفي الجيلي عن "البحر": أن الصحيح جواز بيع الأرز بالأرز في قشرته العليا؛ لأن صلاحه فيها، وكذا الباقلاء في قشرته، ويلتحق بهذا القسم بيع الزبد بالزبد؛ إذ لا يخلو أحدهما عن قليل مخيض، وفيه وجهٌ: "أنَّه يجوز، وبه قال ابن أبي هريرة، وهو أصح عند الماوردي؛ لأنَّ ما فيه من بقايا اللبن يسيرٌ غيرُ مقصود، وهذا يليق بمذهب أبي إسحاق؛ حيث اعتبر فيه الكيل.
قال الرافعيُّ: "وعلى الأوَّل لا يجوز بيع الزبد بالسمن"، وهذا يفهم جواز بيعه به على الثاني، وليس كذلك.
ومن هذا القسم دهن البنفسج، والورد، ودهن الزيت، وهو دهن الياسمين إذا طُرح ذلك فيه بعد العصر، أمَّا إذا طيب الحب به، ثُمَّ أُزيل عنه وعصر فلا أثر لذلك.
وألحق أبو إسحاق بهذا القسم الشيرج بالشيرج؛ لما فيه من الملح والماء، وردّ الأصحاب عليه بأنَّ ذلك يخرج مع الكُسْب، وكذا ألحق به بيع اللحم باللحم وفيهما
стр. 4214
العظم، ووافقه على ذلك المعظم.
وقال الإصطخري: "إن ذلك لا يضر كالنوى"، وهو ما حكاه الماوردي، والقاضي أبو الطيب في "تعليقه" في مسألة "بيع العسل بالعسل"؛ فعلى هذا يجوز بيع لحم الفخذ بالجنب، ولا نظر إلى تفاوت أقدار العظام؛ كَمَا لاَ نظر لتفاوت النوى.
وألحق الماورديُّ باللحم الذي فيه العظم اللحم الذي عليه الجلد الرقيق كجلود الجِداء والدجاج، وحكى فيه الوجهين، وقال: "أمَّا الجلد الغليظ الذي لا يؤكل معه فممتنع بيعه باللحم، وبيع السمك المملوح بمثله ممتنع، وإن كان من سمكة واحدة".
فرع: لو نزع النوى من التمر فهل يجوز بيع بعضه ببعض؟ فيه وجهان، أصحهما المنع، وهو ما حكاه الماوردي في مسألة "بيع العسل بالعسل".
والمشمش والخوخ، منهم من ألحقهما بالتمرن فخرج بيعهما منزُوعَي النوى على الوجهين، ومنهم من ألحقهما باللحم؛ فجوز عند النزع، وأجرى الخلاف في صحة البيع مع البقاء.
قال: "ولا رَطْبه برطبه" أي: إذا كانت له حالة جفاف كالرُّطَب بالرطب، والبُسْر بالبسر، والبلح بالبلح، والعنب بالعنب، والحِصْرَم بالحصرم على الأرض، والخبز بالخبز، وجعل الغزالي المنع في الخبز من قاعدة مد عجوة"؛ لما فيه من الماء والملح، ومقتضى ذلك: أنه لا يجوز بيع بعضه ببعض بعد جفافه ودقه كما حكيناه من قبل، وهو ما نصَّ عليه الشافعيُّ في الصرف، وفي "شرح التلخيص" للقفال: [أن] بيع الرطب بالرطب – وكلاهما على وجه الأرض – يخرج على الخلاف فيما إذا كانا على رءوس النخل.
[وقد ألحق بعض الأصحاب بهذا القسم بيع اللحم الرطب باللحم الرطب، وجعل حاله كحاله إذا قُدِّد، ومنع البيع قبلها]، وبعضهم حكى فيه قولين، ومحلهما إذا لم يكن مملوحاً، أمَّا ما ليس له حالة جفاف، فإن كان كاللبن جاز بيع بعضه ببعض في حال رطوبته، ولا فرق فيه بين الحليب والذي تغير طعمه وحمض، إذا لم يكن فيه ماء، ولا بين أن يكون أحدهما حليباً والآخر حامضاً؛ فإنه يجوز، قال القاضي أبو الطيب: "كما يجوز بيع تمر طيب بتمر غير طيب وقد حمض، وحنطة طيبة بحنطة
стр. 4215
تغير طعمها وعفنت".
ومال المتولي إلى منع بيع الحامض بالحامض؛ لأنه ليس على حالة الادخار، ولا على حالة كمال المنفعة؛ فليكن كبيع الدقيق بالدقيق.
وإن كان كالرُّطب الذي لا يُتْمِر، والعنب الذي لا يجيء منه زبيب، فهل يجوز بيع بعضه ببعض؟ ففيه القولان اللذان تقدم ذكرهما في الخضراوات، والمنصوص عليه منها في "الأم" قول المنع، وبه جزم بعضهم، واختيار ابن سريج- كما حكاه الماوردي -: الجواز.
وما تجفف على بذور كالخوخ والمشمش ونحوهما، هل يجوز بيع بعضه ببعض؟ حكى المراوزة فيه ثلاثة أوجه، ثالثها: المنع رطباً ويابساً، وبالمنع أجاب القاضي أبو الطيب في الخوخ في حالة الرطوبة، وهو الأصح في الجميع عند غيره.
قال الإمام: "ولم يجوِّز أحد من الأئمة بيعه رطباً ويمنع منه جافاً. نعم، حكى ذلك في الرطب الذي إذا جفف، لم يبق فيه انتفاع [يحتف به]؛ فتجتمع فيه أربعة أوجه: هذا، والأوجه الثلاثة المنقولة في المشمش والخوخ.
فرع: الجبن إذا يبس هل يجوز بيع بعضه ببعض؟ فيه قولان:
أحدهما - رواه حرملة -: أنه يجوز وزناً، وبه قال أبو إسحاق.
والثاني - رواه الربيع، وهو الصحيح -: أنه لا يجوز. واختلف في تعليله، فقال ابن سريج: ["لأن أصله الكيل، وهو فيه متعذر"، وقال غيره: "لأن فيه إنفحة"، فعلى قول ابن سريج] لو دق حتى أمكن كيله يجوز، وعلى قول غيره لا، حكاه في "الحاوي".
قال: ولا رطبه بيابسه" كبيع الرطب، أو البسر، [أو البلح] بالتمر والعنب أو الحصرم بالزبيب.
وقد استدل لذلك بما روى الدارقطني بسنده عن ابن عمر قال: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَن بَيْعِ الرُّطَبِ بِالْيَابِسِ وفي سنده موسى وهو ضعيف [ورجل
стр. 4216
صالح]، والذي رواه الشافعي عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ سئل عن الرطب بالتمر، فقال: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ؟ " قيل: نعم، قال: فَلاَ إِذَنْ:".
وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية خلاف فيما إذا باع الرطب على الأرض بالتمر، وفي "الحاوي" أن بيع الطلع بالتمر هل يجوز؟ فيه ثلاثة أوجه، أصحها: ثالثها: وهو الجواز لطلع الفُحَّال دون طلع الإناث.
قال: "إلا في العرايا، وهو بيع الرطب على رءوس النخل بالتمر على وجه الأرض، والعنب في الكرم بالزبيب على وجه الأرض فيما دون خمسة أوسق خَرْصاً".
стр. 4217
العرايا: جمع عَرِيَّة، والعَرِيَّة في اللغة: ما تفرد بذاته، وتميز عن غيره، وسمي ساحل البحر: العراء؛ لأنه قد خلا من النبات، وتميز عن غيره من الأرض؛ فكأن [بيع] العرايا في النخل والكرم أن يفرد عما سواه بالبيع أو الهبة أو الأكل حتى يصير مميزاً من الجملة.
وهي "فعيلة" بمعنى "فاعلة".
وقيل: بمعنى "مفعولة"، والمراد بها عند الشافعي ما ذكره.
والأصل في جواز ذلك: ما روي مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ رخص في بيع العرايا بخرصها دون خمسة أوسق، أو في خمسة. وذلك يشمل الرطب والعنب.
ويدلُّ على جوازه فيهما أيضاً: ما روى عن زيد بن ثابت أن النبي ﷺ رَخَّص في العرايا.
والعرايا بيع الرطب بالتمرن والعنب بالزبيب، وهذا قول البصريين من أصحابنا، وذهب ابن أبي هريرة وطائفة من البغداديين إلى أن النص ورد في النخل، والكرم مقيسٌ عليه، وقد يستدل لهم بما روى الترمذي عن زيد بن ثابت أنَّ رجالاً [محتاجين] من الأنصار شكوا إلى النبي ﷺ أن الرطب يأتي؛ فرخص لهم رسول الله ﷺ أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي كان بأيديهم.
стр. 4218
[وعلى هذا يعرض إشكال في جوازه؛ لأنّ مسلماً روى عن ابن عمر أنه – ﵇ – نهى عن المزاينة والمزابنة: بيع ثمر النخل بالتمر كيلاً، وبيع الزبيب بالعنب كيلاً، وعن كل تمر بخرصه، وهذا نص، والقياس في الرخص لا يجوز.
وجوابه: أن الصحيح من مذهب الشافعيّ جواز القياس في الرخص إذا عقل المعنى، وهو هنا معقول.
فإن قلت: قياس قوله: إن القياس في الرخص لا يجوز مطلقاً، أن يمتنع هاهنا بيع العنب بالعنب بناء على ما نحن فيه.
قلت: لعل الشافعي حيث كان يقول بذلك كان يقول: إن قول الصحابي حجةٌ، والصحابي فقد فسر الجواز العرية بالرطب والعنب، فلا جرم لم يختلف قوله في جواز بيع العنب بالعنب، والله أعلم].
قال: "وفي خمسة أوسق – قولان".
فأحد القولين: أنه يجوز، وهو المنصوص عليه في "الأم" والأظهر عند الغزالي؛ لما روي الشافعيُّ بسنده عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه "نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ"، والمزابنة: بيع التمر بالتمر، إلاَّ أنه أرخص في العرايا، وهذا الإطلاق يقتضي تعميم الجواز، لكنه خصّ فيما فوق الخمسة أوسق بالاتفاق؛ فبقي على إطلاقه فيما عداه.
стр. 4219
وفي الجيلي حكاية وجه فيما زاد على خمسة أوسق: أنه يجوز.
والثاني – وهو المنصوص عليه في "الصرف"، والأظهر عند الجمهور -: أنه لا يجوز؛ لما روى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "لاَ صَدَقَةَ فِي الْعَرِيَّة". والخمسة نصاب تجب فيها الصدقة؛ فلم يجز أن تكون من جملة العرية. كذا استدل الماوردي؛ ولأن النهي عن المزابنة معلوم محقق، والرخصة في قدر الخمسة أوسق مشكوك فيها من داود بن الحصين الراوي عن أبي هريرة؛ فرجعنا إلى الأصل.
وفي "تعليق" القاضي الحسين أنّ الشيخ كان يقول: "القولان في الخمسة أوسق حقيقتها أن تحريم المزابنة كان والنهي عنها ورد أوَّلاً واستقر، ثم وردت رخصة العرية، أو ورداً مقرونين معاً، وكان فيه احتمالان:
أحدهما – وهو الأظهر -: أن يكون ورد النهي أوَّلاً واستقر التحريم، ثم وردت رخصة [العرية، وسبب تعليق القول فيه شك الراوي؛ فعلى هذا لا يجوز البيع للشك في الرخصة] وتيقن التحريم.
والثاني: أن يكونا وردا معاً؛ فعلى هذا يجوز لوقوع الشك في قدر المحرم.
وهذا إذا ورد عليها العقد مع واحد، فإن عقدها مع رجلين، فيجوز فيما دون العشرة، ولا يجوز فيما فوق العشرة، وفي العشرة القولان، ول واشترى الواحد من رجلين أكثر من خمسة أوسق في عقد واحد وأقل من عشرة، فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنّ ذلك في حكم عقدين، فيصير كما لو اشترى من كل منهما في عقد دون خمسة أوسق؛ فإنه لا نزاع في جوازه، وهذا هو الأصح، ولم يحك الماوردي سواه.
والثاني – وهو اختيار صاحب "التلخيص" -: المنع؛ نظراً إلى كونه دخل في ملكه في الوقت الواحد أكثر من خمسة أوسق.
"تنبيه": إطلاق الشيخ جواز بيع العرايا من غير أن يفرق بين الغني والفقير يعرفك أنه لا فرق بينهما، وهو المذهب؛ لإطلاق الخبر، وفي الغني قول – ذكره في "لإملاء" و"اختلاف الحديث"، واختاره المزني -: أنه لا يجوز [له]؛ لخبر زيد،
стр. 4220
ومن قال بالأوّل قال: هذه حكمة شرعية.
ثم قد يعم الحكم كما في الرَّمل والاضطباع في الطواف وغيرهما.
والمراد بـ"الخمسة أوسق" أن يكون الرطب المبيع إذا جفف بلغ خمسة أوسق، لا أن يكون في حال رطوبته خمسة أوسق.
قال الماوردي: ويكفي في التخريص واحد؛ لأنه قائم مقام الكيل، والكيل يكفي فيه واحد؛ فكذلك هذا، بخلافه في الزكاة على أحد الوجهين؛ فإنه لابد من اثنين.
ثم إطلاق الأئمة "ما دون خمسة أوسق" يشعر بأنه يكفي ما ينطلق عليه الاسم، ويؤيده قول الماوردي: "إنه يكفي نقصان ربع مد".
قلت: وكان لا يبعد أن يتخرج هذا على أن الخمسة أوسق في الزكاة تحديد أم تقريب؟ وفي ذلك خلاف، فإن قلنا: إنها تحديد، كفى في النقص عنها ما ينطلق عليه الاسم، وإن قلنا: إنها تقريب، فقد حكى مجلي عن العراقيين: أنه لا يضر نقصان خمسة أرطال، وعلى هذا فينبغي أن يكون النقص أكثر من خمسة أرطال، خصوصاً إذا عللنا بحديث أبي سعيد الخدري، والله أعلم.
ولا يخفى أن اشتراط التقابض شرط في هذا العقد، وهو في الرطب على رءوس النخل التخلية.
وقول الشيخ: إلاَّ في العرايا، وهو بيع الرطب على رءوس النخل فيه مناقشة؛ فإنه جزم بتحريم بيع الرطب باليابس إلاَّ في العرايا، وفسرها بما ذكر، وذلك يقتضي عدم جواز بيع ما سوى الرطب، وليس كذلك، بل حكم البسر الذي بدا صلاحه في هذا المعنى حكم الرطب، صرح به الماورديُّ، وكذا يجوز بيع الرطب على الأرض بالتمر؛ بناءً على أن الخرص أصلٌ، كما حكاه الإمام.
وهذا قد يجاب عنه: بأن الشيخ يرى عدم الصحة؛ اقتصاراً على مورد النص، كما حكاه الإمام أيضاً، وادعى المحاملي نفي الخلاف فيه.
واعلم أنه لابد مع ما ذكرناه [من] ملاحظة ما قيل فيما إذا باع ما تعلق للفقراء به حقٌّ، ومحله [في] كتاب الزكاة.
стр. 4221
فروع:
بيع الرطب على رءوس النخل أو في الأرض بالرطب على رءوس النخل هل يجوز؟ فيه أربعة أوجه:
أحدها – وهو الذي قاله الماورديُّ: "إنه مذهب الشافعي".
وبه قال أبو سعيد الإصطخري -: أنه لا يجوز.
والثاني –وبه قال أبو علي بن خيران -:أنه يجوز، لكن الرطب الذي على رءوس النخل يخرص، والذي على الأرض يكال.
والثاث – وبه قال أبو إسحاق المروزي -: إن اختلف النوعان جاز، وإلاَّ فلا.
وحكى الماوردي وأبو حامد عنه: أنه لا يجوز بيع رطب على رءوس النخل برطب على الأرض، وأما بيع رطب على رءوس النخل: برطب على رؤوس النخل، فإن كانا نوعاً واحداً لم يجز، وإن كانا نوعين جاز.
والرابع – وبه قال أبو علي بن أبي هريرة -: يجوز بيع الرطب على الأرض بالرطب على رءوس النخل، وكذلك يجوز بيعه بما على رءوس النخل [أيضاً] إن كانا من نوعين، ولا يجوز إذا كانا من نوع واحد.
[الفرع] الثاني: إذا جفف الرطب [المبيع،] وظهرت زيادة على قدر الخرص – نظر: إن كان قدر ما يقع بين الكيلين لم يضر، وإن كان أكثر فالعقد باطل.
وفيه وجه: أنه يصح من الكثير بقدر القليل، ولمشتري الكثير الخيار.
والثالث: إذا باع بأكثر من خمسة أوسق بطل العقد.
قال الماوردي: "فإن قيل: هلا أبطلتموه فيما زاد على الخمسة، وجوزتموه في الخمسة" أي: بناءً على تفريق الصقة؟
قيل: لأنه بالزيادة على الخمسة قد صار مزابنة، والمزابنة كلها فاسدة.
قال: وفيما سوى الرطب والعنب من الثمار".
أي: التي تجفف كالمشمش والخوخ ونحوهما إذا منعنا بيع الرطب منها بالرطب "قولان":
أصحهما، وهو الذي ادّعى الماوردي أنه مذهب الشافعي -: أنه لا يجوز؛ لأنها
стр. 4222
متفرقة مستورة بالأوراق؛ فلا يتأتي الخرص فيها، وثمرة النخل والكرم متدلية ظاهرة.
والقول الثاني - وهو ما أخذ من قول الشافعي في البيوع [الكبير من "الأم"]: ولو قال قائل: بجواز التحري فيها كان مذهباً -: أنه يجوز بالقياس على الكرم والنخل.
قال الماورديُّ: وامتنع بعضهم من تخريج القولين؛ لمباينتها النخل والكرم بما ذكرناه، ووجوب الزكاة، وحصول الاقتيتات.
قال: "وما حرم فيه الربا لا يباع الجنس الواحد بعضه ببعض، ومع أحد العوضين جنس آخر يخالفه في القيمة كمد عجوة ودرهم [مدَّيْ عجوة].
الأصل في تقرير هذه القاعدة: ما روى مسلم عن فضالة بن عبيد أنه قال: "أُتِيَ رسول الله ﷺ عام خيبر بقلادة فيها خرز مغلَّفة بذهب ابتاعها رجل بسبعة دنانير أو بتسعة، فقال ﵇: "لاَ، حَتَّى يُمَيِّز بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا"، فقال: إنما أردت الحجارة، فقال ﵇: "لاَ، حَتَّى يُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا" قال فضالة: فرده حتى ميز بينهما.
وعنه قال: اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر ديناراً، فيها ذهب وخرز ففصلتها، فوجدت فيها أكثر من اثني عشر ديناراً، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "لاَ تُبَاعُ حَتَّى
стр. 4223
تُفْصَل" زاد الدارقطني: قال: إنما أردت الحجارة، قال: "لاَ حَتَّى تُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا".
وفي رواية لأبي داود::"إِنَّمَا أَرَدْتُ التِّجَارَةَ"، وزاد: قال: ردّه حتى ميز بينهما.
وقد ورد حديث فضالة بألفاظ مختلفة، وما ذكرناه أوَّلاً هو عين المسألة.
والمعنى فيه: أن قضية العقد إذا اشتمل أحد طرفيه على حالين مختلفين وزع ما في الطرف الآخر عليهما باعتبار القيمة، يشهد لذلك مسألة: الشقص، والسيف، وتلف أحد العبدين قبل القبض، ورده بالعيب، وبيعه مرابحة، وإذا كان كذلك اقتضى التفاضل أو الجهل بالتماثل، وكل منهما مانع من صحة العقد.
ومثال ذلك: أن المد الذي مع الدراهم إذا كانت قيمته درهمين مثلاً، فيكون ثلثي ما في هذا الطرف، فيقابله ثلثا المدين من الطرف الآخر؛ فيصير كأنه باع مداً بمد وثلث؛ ولذلك إذا كانت قيمته نصف رهم مثلاً فهو ثلث ما في [هذا] الطرف فيقابله ثلث المدين من الطرف الآخر؛ فيكون كأنه قابل مدًّا بثلثي مُد.
وفي هاتين الصورتين حصلت المفاضلة، وإذا كانت قيمته درهماً فلا مفاضلة؛ لأن مقابله من الطرف الآخر مد، لكن التقويم حدس وتخمين قد يكون صواباً وقد يكون خطأً، وذلك هو الجهل بالمماثلة المعتبرة في مال الربا؛ فإنه راعى فيها اليقين، وهذه الحالة كلام الشيخ يفهم الصحة فيها، ولم أعثر فيه على نقل يوافقه، ثم هذه الطريقة مطردة فيما إذا باع مدًّا ودرهماً بدرهمين، لكن التفاضل أو الجهل بالتماثل يجيء من طرف الدراهم فيما إذا باع صاع حنطة وصاع شعير بصاعين من حنطة أو من شعير، وفيما إذا باع مد عجوة وثوباً بمدي عجوة، وغير ذلك، وفيما إذا باع مد عجوة ودرهماً بمد عجوة ودرهم؛ فإن قيمة الدين متى كانت متفاوتة حصل التفاضل، ومتى كانت متساوية حصل الجهل بالتماثل على النحو الذي ذكرناه؛ لأن غاية الأمر أن يكون المدان من نخلة واحدة، والدرهمان من صحكة [واحدة، وذلك قد يختلف أيضاً، وذهب بعض أصحابنا إلى أن المدين إذا كانا من نخلة واحدة، والدرهمين من صكة واحدة] أنه يجوز، وإليه ذهب القاضي أبو الطيب في "تعليقه"، وحكى عن القاضي
стр. 4224
الحسين أيضاً، وقال الروياني في "البحر": إنه المذهب، وغلط من قال غيره. وقد أفهم أن عنه احترز الشيخ بقوله: "يخالفه في القيمة"؛ فإن مقتضاه في صورة الكتاب: أن الأمداد إذا كانت من نخلة واحدة أن العقد يصح، وأنت إذا تأملت ما ذكر علمت أنّ هذا ليس مقتضاه.
وحكى المتولي في مسألة الكتاب أن العقد يبطل في المد المضموم إلى الدرهم، وفيما يقابله من المدين، وفي الدرهم وفيما يقابله من المدين قولاً تفريقِ الصفقة، وعلى قياس هذا فيما لو باعهما بدرهمين يبطل العقد في الدرهم وما يقابله من الدرهمين، [وفي المد وما يقابله من الدرهمين] القولان.
فإن قيل في أصل المسألة - ما أبداه الإمام اعتراضاً -: العقد لا يقتضي في وضعه توزيعاً مفصلاً، بل مقتضاه مقابلة الجملة بالجملة، أو مقابلة الجزء الشائع مما في أحد الشقين بمثله مما في الشق الآخر، بأن يقال: ثلث ومدُّ، وثلث درهم يقابل ثلثي المدين، ولا ضرورة إلى تكلف توزيع يؤدي إلى التفاضل، وإنما يصار إلى التوزيع المفصل في مسألة الشفعة لضرورة الشفعة؛ فالوجه التعليل بعدم تحقق المماثلة فإنا تعبدنا بالمماثلة تحقيقاً.
قيل في جوابه: أليس قد ثبت أن التوزيع المفصّل في مسألة الشفعة يثبت للضرورة، ولولا كونه قضية العقد لكان ضم السيف إلى الشقص من الأسباب الدافعة لها؛ فإنها قد تندفع بأسباب وعوارض، وأيضاً فإنه لا ضرورة في مسألة المرابحة، وقد جاز توزيع الثمن عليهما بالقيمة.
تنبيه: العجوة نوع من التمر، قال الجَوْهَرِيُّ: "وهو من أجود تمر المدينة، ونخلها يسمى لِينةً".
قال الأزهري: "والصيحاني الذي يحمل من المدينة من العجوة".
واعلم أن عبارة الغزالي في ضبط هذه القاعدة قد نوقش فيها من حيث إنه قال: "إن الصفقة مهما اشتملت على مال الربا من الجانبين، واختلف الجنس من الجانبين، أو من أحدهما فالعقد باطل"، وليس كذلك؛ فإن الصفقة إذا اشتملت على ذهب
стр. 4225
وفضة في جانب، وحنطة وشعير في جانب، أو على حنطة وشعير في جانب، وتمر في جانب، أو تمر وملح – كان ذلك جائزاً.
وطريق الجواب عنه: أنه أراد مال ربا الفضل؛ لقرينة السياق.
قال: ولا يباع نوعان مختلفا القيمة من جنس واحد بنوع واحد منه متفق القيمة كدينار قاساني ودينار سابوري بقاسانيَّيْنِ أو بسابوريَّبْن، وكدينار صحيح ودينار قراضة بدينارين صحيحين أو بدينارين قراضة؛ لما قررناه من مقتضى التوزيع؛ فإنه يفضي في هذين المثالين إلى تحقُّق المفاضلة.
وفي "البيان" و"الإبانة" حكاية وجه عن بعض أصحابنا موافق لمذهب أحمد: أنه يجوز في هذين المثالين، ولا يضر اختلاف النوع والصفة، كما في بيع التبر بالمصوغ، والجيدين بالرديئين، ووافقهما صاحب "التقريب" في بيع الصحاح أو المكسرة بالصحاح أو المكسرة، وجعل صاحب الصحاح مسامحاً بصفة الصحة؛ استدلالاً بأنَّ الناس لم يزالوا يبتاعون الدراهم بالدراهم، والدنانير وبالدنانير، وهي تشتمل على الصحاح والمكسرة، واختلاف الأنواع، ولم يتكلفوا تمييز بعضها عن بعض، وأجرى الفوراني الخلاف فيما إذا باع [ديناراً صحيحاً وديناراً مكسوراً بدينار صحيح وبدينار مكسور، وفيما إذا باع] رديئاًوجيداً برديء وجيد، وفيما إذا باع صيحانيًّا وبرنيًّا بصيحانيين أو برنيين، أبو بصيحاني وبرني، والمذهب الأول.
ومن هذا القبيل مسألة المراطلة، وهي إذا باع مائة دينار عتق ومائة دينار مروانية بمائتي دينار وسط؛ فإنه لا يصح العقد، كما نص عليه الشافعي.
قال الإمام: "وقياسي يقتضي القطع بصحة العقد، ولم أر أحداً من الأئمة يشير إلى خلاف فيها، وهو رأي رأيته، وهو خارج عن مذهب الشافعيّ وأصحابه وصاحب "التقريب"؛ حيث جعل صفة الصحة مسامحاً بها احترز عن هذه المسألة؛ لأن معنى المسامحة لا يتحقق فيها؛ لمقابلة الجيد والرديء بالوسط، وإذا لم يتحقق اقتضى العقد من الشقين طلب المغابنة، وهو يقتضي التوزيع المفضي إلى التفاضل لا محالة، وإلى هذا المعنى أشار الغزالي بقوله: "وكان إمام الحرمين يخالف المذهب في مسألة المراطلة، ويبطل التعليل بالتوزيع – أي فيها وفي غيرها – ويعلل [بالجهل
стр. 4226
بالمماثلة]، وذلك يجري عند اختلاف الجنس، أي التعليل بالجهل بالمماثلة، أمَّا في هذه المسألة فلا؛ لأن المماثلة معلومة.
تنبيه: تقييد الشيخ المسألة باختلاف القيمة في النوعين، وكذلك ابن الصباغ – يظهر منه أن النوعين لو اتفقت قيمتهما صح العقد، وقد نظر أنه مستمد مما ذكرناه أولاً عن اختيار أبي الطيب، فإنه جعل وجه الصحة ثمَّ لكونه علم القيمة قبل العقد، وذلك بعينه موجود هنا، وأنه يظهر أن يجيء فيه قول عدم الصحة أيضاً، بل من طريق الأوْلى؛ لأن ثمر النخلة واحدة والصكة واحدة، وهنا النوعان مختلفان، وإن استوت قيمتهما فهي حدس، وفيه ما ذكرته، وتقييده النوع الأخير بكونه متفق القيمة؛ لدفع توهم يعرض من كونه قيد النوعين بالاختلاف، وألا فلا فرق بين أن يكون متفق القيمة أو مختلفها.
آخر: القاساني والسابوري – بسين مهملة فيهما – منسوبان إلى بلدين في العجم، و"قاسان" في لسان العجم "كاسان"، وهو قريب من "سَمَرْقَنْد"، والسابور معروف، ويقال له في لسان العجم:"نيسابور".
القُراضة: - بضم القاف – قطع الذهب والفضة.
وقوله: "قراضة" منصوب.
فروع:
لو باع صاعاً من رديءٍ وجيد، وكانا مخلوطين بمثله، أو بجيد، أو رديء – جاز؛ لأن التوزيع إنما يكون عند تمييز أحد العوضين عن الآخر، أمَّا إذا لم يتميز فهو كما لو باع صاعاً وسطاً بجيد أو ردئ، قاله الرافعي:
ولو ميز الصغار من الكبار [نوع واحد من التمر، فباع صاعاً من الصغار، وصاعاً من الكبار،] بصاع من الكبار وصاع من الصغار – كان كما لو باع مد عجوة ودرهماً بمد عجوة ودرهم، والدرهمان من صحكة واحدة، والمدان من نخلة واحدة.
وإذا لم يميز بين الصغار والكبار، ولكن أراد أن يبيع صاعين بصاعين – فلا شك أنه قد اشتمل كل عوض على الصغار والكبار، وقد اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: إذا كان بين أحد العوضين تفاوت، فلا يصح العقد، وإن لم يكن
стр. 4227
متميزاً، وهذا اختيار القاضي الحسين.
ومنهم من قال: ينظر في ذلك: فإن كانت الصغار ظاهرة فيما بين الكبار؛ بحيث يبين ذلك للناظر من غير تأمل، فلا يصح العقد، وإن لم يكن ظاهراً صح، وصار كما لو باع أرضاً [فيها] معدن ذهب بذهب إن كان المعدن ظاهراً لم يصح، وإن كان غير ظاهر صح.
وتظهر فائدة الاختلاف في الأصل فيما لو باع صاعين بدرهمين، ثم خرج أحد الصاعين مستحقاًّ – أنه لا يستحق درهماً بإزائه، وإنما سترد ما يقابله باعتبار القيمة، كذا حكاه ابن التلمساني في "شرحه".
وفي "التهذيب" حكاية وه فيما إذا ظهر في الأرض معدن ذهب، وقد باعها بالذهب: أنه لا يصح؛ كما لو باع بقرة بلبن بقرة، وكانت البقرة لبوناً؛ فإنه لا يصح إذا باع داراً مموهة بالذهب: فإن تحصل منه شيءٌ بالعرض على النار حرم، وإلاّ فيجوز.
قال: "ولا يجوز بيع اللبن" – أي: لبن شاة، أو ما يعمل منه – "بشاة في ضرعها لبن" أي: مقصود؛ لأن اللبن في الضرع يأخذ قسطاً من الثمن بدليل أنه – ﵇ – أوجب في مقابلته في المصراة عند الرد صاعاً من التمر، وإذا أخذ قسطاً من الثمن كان من صور "مد عجوة".
وفي "الجيلي" حكاية وجه: أنه يجوز، ويمكن أن يكون مأخذه ما حكاه الغزالي في المصراة: أن اللبن في الضرع لا يقابله قسط من الثمن على رأي.
أما إذا كان اللبن لبن بقرة مثلاً، فإن قلنا: إن الألبان جنس واحد، فكذلك الحكم.
وإن قلنا: إنه أجناسٌ، وفرعنا على المذهب – فيتخرج على قوليْ تفريقِ الصفقة في الحكم؛ لأن ما يقابل اللبن الذي في الضرع من اللبن الذي في الإناء يشترط فيه التقابض، [وما يقابل الشاة من اللبن الذي في الإناء لا يشترط فيه التقابض].
ولو باع شاة في ضرعها لبن بشاة في ضرعها لبن لم يصح، خلافاً لأبي الطيب بن سلمة؛ فإنه جوز ذلك، كما في بيع السمسم [بالسمسم] وسلم الحكم في بيع اللبن بالشاة، وشبهه ببيع الدهن بالسمسم.
стр. 4228
وفي "الوسيط" نسبة المنع في بيع الشاة وفي ضرعها لبن بمثلها إلى أبي الطيب بن سلمة، والصحيح عنه ما حكيناه، كما هو في "البسيط" و"الشامل" وغيرهما.
ولو باع داراً فيها بئر ماءٍ، وفيه الماء بمثلها، وقلنا: إنه يملك في البئر كما يملك إذا وضع في الإناء – كما ذهب إليه بعض أصحابنا، على ما حكاه الماوردي، وهو المنصوص في القديم، وحرملة، كما حكاه غيره – وأدخلا الماء في العقد، وكان معلوماً لهما، وله قيمة:
فإن قلنا: إن الماء غير ربوي، صح العقد.
وإن قلنا يجريان الربا فيه، لم يجز، قال الماوردي: "إلاَّ أن يكون مِلْحاً فيجوز؛ لأن الماء المِلْح غير مشروب، ولا ربا فيه".
وفي "الشامل": حكاية خلاف أبي الطيب بن سلمة فيه، وهو ما جزم به البغوي، وجعله تبعاً للدار، وهذا يدلُّ على أنه يندرج تحت مطلق البيع، وقد صرح به الغزالي وجهاً كالثمار غير المؤبرة، واختاره ابن أبي عصرون.
أمَّا إذا لم يدخلا الماء في العقد فهو باقٍ على ملك البائع إذا كانت له قيمته، قاله الشيخ والمتولي، فعلى هذا لا يصح العقد؛ لاختلاط المبيع بغيره,
وإذا قلنا: إنه لا يملك إلاَّ بالأخذ والإجارة، وإنما له حقُّ منع الغير من التصرف فيه، كما ذهب إليه جمهور الأصحاب، وهو ظاهر مذهب الشافعيّ في "الحاوي" – فهذا الحق قد انتقل إلى المشتري، والعقد صحيح.
فرع: لو باع دجاجة فيها بيض بيض، فإن قلنا: إن الحمل لا يقابله قسط من الثمن، لم يصح [البيع]؛ لأن بيع البيض بالبيض لا يجوز على الجديد، قاله الماورديُّ، والموجود في "تعليق" أبي الطيب الجزم بعدم الصحة من غير بناء.
قال: "ولا يجوز بيع اللحم بحيوان مأكول" أي: سواء كان من جنس اللحم، أو لا من جنسه، خلافاً للمزني.
стр. 4229
لنا: ما روى أبو داود عن سعيد بن المسيب "أنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ اللحْمِ بِالْحَيَوَانِ"، وهو عامُّ، يشمل ما هو من جنسه وغير جنسه.
فإن قيل: هذا مرسلٌ؛ فلا حجة فيه.
قيل: قد أسنده الترمذي عن رواية زيد بن سلمة الساعدي، والبزار عن رواية ابن عمر، لكن لفظه: " ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَان بِاللَّحْمِ"، على أنَّ الشافعيَّ رأي في القديم الاستدلال بمراسيله؛ لأنه قيل: إنه لم يرسل حديثاً قط [إلاَّ] يوجد من طريق غيره مسنداً، أو لأن رجاله الذين أخذ عنهم هم أكابر الصحابة، وليس كغيره الذي يأخذ عمن وجد، أو لأنها سُيِّرت فكانت مأخوذة عن أبي هريرة، وكان يرسلها؛ لما قد عرفه الناس من الأنس بينهما والوُصْلة؛ فإن سعيداً كان صهر أبي هريرة على ابنته؛ فصار إرساله كإسناده عن أبي هريرة.
وفي الجديد سوّى بين مراسيله ومراسيل غيره في عدم الاستدلال بها، إلاَّ أن
стр. 4230
يوافقها أحد سبعة أشياء: إمَّا قياس، أو قول صحابي، أو فعله، وإمَّا أن يكون قول الأكثرين، وإمَّا أن يُنشر في الناس من غير دفاع له، وإمَّا أن يعمل به أهل العصر، وإمَّا ألاَّ توجد دلالة سِواه، وقد اتصل بهذا الخبر:
الأثر، وهو ما روي [عن] ابن عباس أن جزراً نحرت على عهد أبي بكر، فجاء رجل بعناق فقال: أعطوني جزءاً بهذا العناق، فقال أبو بكر: "لا يصلح هذا"، وكان قول أبي بكر مع انتشاره في الناس، وعدم معارض له.
والقياس؛ فإنه نوع فيه ربا بيع بأصله الذي فيه مثله؛ فوجب ألاَّ يجوز؛ كما إذا باع شيرجا بسمسم، والزيت بالزيتون، والشيرج والزيت مثل ما في السمسم والزيتون، أو أقل منه.
وحكى القاضي أبو الطيب والبندنيجي: أنَّا إذا قلنا: إن اللُّحْمان أجناسٌ، فباع لحم البقر بشاة – جاز على قولن وجعله الإمام أقيس، والصحيح الأول، ووجهه مجلي: بأنه لا خلاف أن الحيوان أجناسٌ، وإنما الخلاف فيما إذا صارت لحماً، وشملها اسم اللحم، وبه جزم البغوي، والمحاملي، والماوردي وحكى في جواز بيع اللحم بالسمك الحيّ وجهين، ووجه الجواز: أن حيَّ السمك في حكم مَيْتته، بخلاف الحيوان، وقال القاضي أبو الطيب: إن قلنا: إن السمك من جنس سائر اللحوم، لم يجز، وإلاَّ فقولان.
قال:"وفي بيعه بحيوان غير مأكول"- أي: كالعَيْر والحمار ونحوهما – قولان: أحدهما – وهو الأصح أيضاً والمنصوص في أكثر الكتب -: أنه لا يجوز؛ لعموم الخبر. قال الماوردي: وبهذا قال من أصحابنا من زعم أن دليل المسألة اتباع السنة.
والثاني: أنه يجوز، واختاره ابن أبي عصرون؛ لأنه حيوان ليس فيه لحم مأكول حتى يكون من باب بيع الشيء بأصله. قال الماوردي: وبهذا قال من أصحابنا من زعم أن دليل المسألة اتباع القياس.
وعلى المأخذين يخرج ما لو باع الشحم أو الكلية، أوالطَّحال بالحيوان: فمن راعى اتباع السنة جوّز، ومن راعى القياس منع.
وعلى الوجهين يجوز بيع الحيوان بالجلد والعظم [؛ لأن الجلد والعظم] مما
стр. 4231
لا ربا فيه بخلاف اللحم، وكذا بيع البيض بالدجاج، واللبن بالحيوان.
وأجرى الرافعيُّ الخلاف في بيع الجلد بالحيوان إذا لم يكن مدبوغاً.
فروع تتعلق بالباب:
إذا كان بين شخصين من مال الربا ما يحرم بيع بعضه ببعضه، وأرادا قسمته – فذاك ينبني على أن القسمة إفراز حق أو بيع؟ فعلى الأول يجوز، وعلى الثاني – وهو المشهور – لا يجوز قسمته، ولكن الطريق في انفصال الشركة: أن يجعلا ذلك حصتين متميزتين، ثم يبيع أحدهما حقه من إحدى الحصتين على شريكه بدينار، ويبتاع حقه من الحصة الأخرى بدينار؛ فيصير لكل منهما حصة كاملة، ولكل منهما على الآخر دينار فيتقاصَّان الدينار بالدينار، ويكون هذا بيعاً يجري عليه جميع أحكام البيوع المشاعة.
وإن كان مما لا يحرم بيع بعضه ببعض.
فإن قلنا: إن القسمة بيع، روعي في ذلك شرائط المبيع، إلا أنه لا يشترط في القبض التحويل.
والفرق: أن المبيع مضمون على بائعه باليد؛ فاعتبر في قبضه التحول لترتفع اليد فيسقط الضمان، وليس في القسمة ضمان يسقط بالقبض، وإنما هي موضوعة للإجارة، وبالكيل يحصل ذلك، ويثبت فيه ما يثبت في البيع إلاَّ خيار المجلس؛ فإنه لا يثبت، ومن طريق الأوْلى خيار الشرط؛ لأن ذلك شرع لدفع الغَبِينة ولا غَبِينة.
وإن قلنا: إنها إفراز حق، جاز لهما أن يقتسما كلَّ جنس بينهما كيف شاءا، كيلاً ووزناً وجزافاً؛ فإن كان ذلك مما يختلف لم يجز لأحدهما أن ينفرد بأخذ شيء بحصته، وإن كان مما تتماثل أجزاؤه كالحبوب والأدهان جاز أن ينفرد أحدهما بأخذ حصته عن إذن شريكه، وهل يجوز من غير إذنه؟ فيه وجهان، وجه الجواز: أنه لو استأذنه لم يكن له أن يمنعه؛ فجاز إذا استوفى قدر حقه ألا يستأذنه، قاله الماوردي.
وفي "الشامل": "أنَّا إذا قلنا: إن القسمة بيع، واقتسم الشريكان بأنفسهما – ثبت فهيا الخياران، وكذا إذا كان فيها ردّ.
وحكى الغزالي في ثبوت خيار المجلس عند عدم الرد وجهين، وأن خيار الشرط لا يثبت – على الأصح – ما يشترط فيه التقابض إذا اشترى أحدهما بما وجب له منه
стр. 4232
شيئاً آخر في المجلس قبل قبضه لم يصح، وإن قبض من صاحبه دراهم على وجه القرض ووفاها له في الثمن في المجلس، ففيه خلاف ينبني على أن القرض متى يملك؟
فإن قيل: بالتصرف، فلا يصح هاهنا، ولو قبض كل واحد منهما ما وجب له قبضه، ثم أودعه الآخر قبل التفرق، جاز ولم يبطل العقد، صرح بمثله الرافعي في رأس مال السلم. ولو أبرأ أحدهما صاحبه مما له عليه قبل التفرق كانت البراءة باطلة؛ لأنه إبراء مما لم يستقر ملكه عليه، قاله الماوردي.
ولو كان العقد ورد على معين فوهبه منه، فإن كان قبل قبضه لم يصح، وإن كان بعده فوجهان.
стр. 4233
باب بيع الأصول والثمار
عني بـ"الأصول": الأرضين والأشجار والثمار.
قال الجَوْهَرِيُّ: "واحدة الثِّمَار والثَّمَرِ: ثَمَرة، وجمع الثَّمَرِ: ثمار، كجبل وجبال، وجمع الثمار.
قال الفراء: "ثُمُر؛ ككتاب وكُتُب، وجمع الثُّمُر: أثمار؛ كعُنُق وأعناق".
قال: "إذا باع أرضاً وفيها بناءٌ أو غراس، دخل البناء والغراس في البيع؛ لأنهما من الثابتات فيها التي تراد للبقاء فتلحقها كما تلحق في الشفعة، ولأن البناء يجري مجرى أجزاء الأرض، وهذا نصه هاهنا، وبه قال أبو إسحاق وأبو علي بن أبي هريرة وجمهور أصحابنا، وصححه أبو الطيب، واختاره ابن أبي عصرون، وقد نصّ في الرهن على أنهما لا يدخلان فيه، فألحق أبو العباس به البيع، وجزم فيهما بعدم الدخول كما لا تدخل الثمرة المؤبرة في البيع، وحمل النص في البيع على ما إذا قال: بعتك الأرض بحقوقها، وهذا ما صححه الإمام والغزالي، وطرده فيما إذا قال: بحقوقها، وهو القياس؛ لأنَّ ذلك إن كان من حقوقها اندرج عند الإطلاق، وإن لم يكن من حقوقها فلا يدخل بذكر الحقوق.
وذهب أبو الطب بن سلمة وأبو حفص بن الوكيل إلى تخريج قول من كل من المسألتين إلى الأخرى، وجعلهما على قولين للوفاء بما ذكرنا من الدليلين، وهذا ما صححه الشاشي في "حليته"، ومن جرى على ظاهر النصين فرق بوجهين:
أحدهما: أن عقد البيع يزيل الملك؛ فجاز أن يكون ما اتصل بالمبيع تبعاً له، لقوته، وعقد الرهن يضعف عن إزالة الملك؛ فلم يتبعه ما لم يسمَّ لضعفه، وهذا قد ضعفه ابن أبي عصرون بأن موجب الإطلاقات لا يختلف بقوة العقد وضعفه.
والثاني: أنه لما كان ما يحدث في المبيع للمشتري جاز أن يكون ما اتصل به من قبل [له]، ولما كان ما يحدث من الرهن لا يدخل في الرهن، اقتضى أن يكون ما
стр. 4234
تقدم [الرهن] أولى ألاَّ يدخل فيه، وعلى هذا يندرج في البيع أيضاً ما كان متصلاً بالأرض من أساس، سواء كان من آجر، أو حجارة، أو تراب، وكذا تلال التراب التي تسمى بـ"البصرة" حبالاً، والسواقي التي تشرب الأرض منها، (وأنهارها) وعين الماء التي فيها، وهل يملك الماء الذي فيها؟ فيه من الخلاف والتفصيل ما حكيناه في الباب قبله، كذا حكاه الماوردي.
وفي "الرافعي": أنه لا يدخل فيه شرب الأرض من القناة والنهر المملوكين، إلا أن يشترط أو يقول: بحقوقها، وحكى أبو عاصم العبادي وجهاً: أنه لا يكفي ذكر الحقوق، وكذا لا يدخل مسيل الماء في بيع الأرض، وحكم المعدن الجاري حكم الماء.
وقيل: إن الموجود للبائع دون ما يحدثن والمعدن الجامد كمعدن الذهب والفضة مملوك لمالك الأرض، فيندرج في البيع؛ لأنه من أجزائها. وهل يملك دولاب الماء؟ فيه ثلاثة أوجه حكاها الماوردي، الثالث: إن كان صغيراً يمكن نقله صحيحاً على حاله من غير مشقة لم يدخل، وإلاَّ دخل.
ولو كان فيها رحا [للماء دخل] في البيع بيت الرحا وبناؤه، وأمَّا أحجاره فيها ثلاثة أوجه حكاها الماوردي، الثالث: يدخل فيه الأسفل دون الأعلى، ولا خلاف في اندراج الأسفل من حجري الرحا إذا كان المبيع باسم الطاحون، وكذا الأعلى على الأظهر.
ولفظ "الساحة" و"العَرْصة" و"البقعة" فيما ذكرناه كلفظ "الأرض".
ولا خلاف في أنه إذا قال: بعتك هذا الباغ أو البستان أو الحائط، دخل فيه الأرض والأشجار والحيطان، ومجاير الماء، وإن كان فيه بناء فعلى الخلاف.
стр. 4235
ولو قال: بعتك هذا الكرم، دخل العريش على الأصح.
ولو قال: بعتك هذه القرية، دخل فيه الأبنية والحصن الذي يحوطها، وفيما يحويه من الشجر الخلافُ، واختيار الإمام والغزالي الدخول.
ولا تدخل المزارع، وفي "النهاية": أنها تدخل.
ولو قال: بحقوقها، قال في "المهذب" و"الشامل": دخلت الأشجار دون المزارع. وحكى ابن كَجٍّ أنها تدخل.
ولو قال: بعتك هذه الدار، دخل فيها الأرض، والبناء، والأبواب المركبة، والحلق، والسلاسل المسمَّرة، والقفل، وكذا المفتاح على الأصح، وفي معناه كل منفصل لا يمكن الانتفاع به إلا بمتصل كالزرائب وغطاء التنُّور، وما لا تستغني السفينة عنه مما هو منفصل إذا بيعت، وتدخل الدرج المبنية وإن كانت من ألواح، وكذا حمام الدار إن كان لا يستقل دون الدار، وإن استقل فهو في بيع الدار كالبناء في بيع الأرض وما فيها من شجر هل يدخل؟ فيه الخلاف السابق في دخوله في بيع الأرض.
وحكى الإمام وجهاً ثالثاً فارقاً بين أن يكثر بحيث يجوز تسمية الدار بستاناً فلا يدخل، وبين ألا يكون كذلك فيدخل
وهذا أعدل عند الغزالي.
والساباط المتصل [بالدار] على حائط من حدودها هل يدخل في بيع الدار؟ فيه ثلاثة أوجه.
ثالثها من تخريج أبي الفياض: إن كانت رءوس الأجذاع من الطرفين مطروحة على حائط لهذه الدار، دخل في البيع، وإن كان من أحد الطرفين لم يدخل.
قال: "فإن كان له حمل" أي: للغراس الداخل في البيع كما سنذكره عن النص، ويكون هذا الحكم فيما إذا وقع عليه العقد منفرداً من طريق الأولى.
قال: "فإن كان ثمرة تنشقق كالنخل"، أي: والكرسف الحجازي والبصري الذي
стр. 4236
يبقى سنين كثيرة.
قال: أو نَوْراً يتفتح"، كالورد والياسمين، "فإن كان قد ظهر ذلك أو بعضه"، أي: ظهر ما في كون الطلع منه، والورد من كمامه، والياسمين من الشجر؛ إذ لا كمام له.
قال:"فالجميع للبائع، وإن لم يظهر منه شيء فهو للمشتري".
الأصل في كون ثمرة النخل إذا تشققت تكون للبائع، وإن لم تشقق تكون للمشتري ما روى البخاري ومسلم أن النبي ﷺ : "مَنْ بَاعَ نَخْلاً قَدْ أُبَّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ".
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وذلك يدلُّ بمنطوقه على أن ما أُبِّر يكون للبائع، وبمفهومه على أن ما لم يؤبر يكون للمشتري، وأيضاً فإن النص على التأبير إمَّا أن يراد به التنبيه على غيره أو التمييز من غيره، ولا جائز أن يراد به التنبيه؛ لأن حكم ما لم يؤبر أخفى من حكم ما قد أبر، والتنبيه ما يقصد به بيان الأخفى؛ ليدلّ على حكم الأزهر؛ فتعين أن المراد به التمييز من غيره، وأن الحكم مختصًّ به. وذلك يفيد ما ادعيناه، ولأنه نماء مستجن في أصله؛ فوجب إذا لم يظهر أن يكون في البيع تبعاً لأصله؛ كالحمل في البطن واللبن في الضرع.
فإن قيل: التأبير هو التلقيح، والتلقيح أن يشقق طلع الإناث، ويوضع فيه شيء من طلع الفحول؛ ليشتد برائحته ويقوى فلا يلحقه الفساد على ما جرت به العادة، وصحت فيه التجربة، وأنتم لا تعتبرون ذلك، بل اعتبرتم نفس الظهور في وقته سواء كان [ذلك] بنفسه، أو بفعل فاعل.
قلنا: قد يحصل ذلك عند الظهر من الرياح؛ فأغنى عن الوضع فيه، وأيضاً فإن التأبير إنما اعتبر؛ لأن الثمرة تظهر به وبالتشقق، وقد حصل هذا المعنى؛ فقام مقام
стр. 4237
التأبير، وأمَّا جعل ما لم يتشقق تابعاً لما يشقق، فالأصل فيه أيضاً الحديث؛ فإنه ﵇ لم يفصل بين أن يكون التأبير في جميعه أو في بعضه، ولأن في اعتبار التأبير في كل نخلة مشقة، وفي تبعيض الثمرة بين البائع والمشتري اختلاف وسوء مشاركة، فجعل ما لم يؤبر تابعاً لما أبر في دخوله في البيع؛ لأنه قد استقر في الشرع أن يكون الباطن تبعاً للظاهر دون العكس، كما في أساس الحائط، ورءوس الأجذاع، فإذا ثبت ذلك في النخل قيس ما في معناه، والورد والياسمين وما في معناهما عليه؛ بجامع ما اشتركوا فيه من الكمون والظهور.
وذكر ابن الصباغ أن الشيخ أبا حامد ذكر أن الورد يكون للبائع وإن لم يتفتح، وأنَّه ظاهر كلام الشافعيّ، ثم قال: "والأول أقيس".
وفي "التهذيب": أن ما لم يظهر من الورد لا يتبع الظاهر، وإن كان على شجرة واحدة؛ لأنه يؤمن فيه المحذور؛ فإنه يجمع أولاً فأولاً.
فرع: لو أُبِّر بعض النخل، وأورد العقد على ما لم يؤبر - نُظر: إن كانا من حائطين لم تكن الثمرة للبائع وإن كانا متجاورين؛ لانتفاء المعنى المشترك وهو المخالطة، وإن كانا من حائط واحد؛ فوجهان حكاهما الماورديّ وغيره، أصحهما: أنه لا يتبع.
وفي "الرافعي" حكاية وجه: "أنه يتبع في الحائطين أيضاً إذا قلنا: إنه يتبع في الحائط الواحد، وهذا كله إذا اتحد مالك المجموع، أمَّا لو اختلف فالخلاف مرتبٌ على ما إذا اتحد المالك وأولى بالبطلان، حكاه الرافعيُّ في "بدو الصلاح".
قال: "وقيل: إن ثمرة الفُحَّال للبائع بكل حالٍ"، أي: سواء تشقق الطلع أوْ لا، قال الماوردي: "وهو الأصح"، والفرق بينه وبين ثمرة الإناث أن طلع الإناث لا يوجد إلاَّ بعد إباره وتناهيه بسراً أو رطباً، وطلع الفحال يوجد قبل إباره، ويكون حال تناهيه طلعاً.
قال: "وهو خلاف النصّ" أي: نص الشافعي.
ووجه النص ما ذكرناه من مفهوم الحديث وغيره، وما ذكر في الفرق - من أن طلع الفحال حال تناهيه أن يكون طلع طلعاً - ممنوع؛ لأن المقصود من طلع الفُحَّالِ الكُشُّ لتلقيح الإناث، وذلك لم يوجد بعد؛ فهو كطلع الإناث.
تنبيه: إطلاق الشيخ القول بأن ما لم يظهر تابعٌ لما ظهر يعرفك أنه لا فرق في ذلك بين أن يكونا من نوع واحد أو نوعين، كما هو الصحيح في "تعليق" أبي الطيب،
стр. 4238
والمذهبُ في "الحلية" و"والتهذيب"، وخصّ أبو علي بن خيران ذلك بما إذا اتحد النوع، وقال عند اختلافه: "كل نوع معتبر بنفسه، وأنه لا فرق بين أن يكون الذي ظهر طلع الإناث، أو طلع الفحال على النص".
أمَّا إذا قلت: إن ثمرة الفحال للبائع بكل حال، فلا أثر لظهوره قبل الإناث، وتكون ثمرة الإناث للمشتري. قاله القاضي أبو الطيب.
وفي "الحاوي" حكاية وجه: أنها أيضاً تكون للبائع، وطرده فيما إذا ظهر طلع الفحال ولم يتشقق وقلنا: إنه للبائع، أي: ثمرة الإناث تكون للبائع وإن لم تشقق، وجعله الإمام كالوجه المذكور في استتباع النوع النوع، والأصح في "الحاوي": الأول، وأنَّه لا فرق بين أن يكون التابع قد طلع قبل العقد أو بعده، كما ذهب إليه الشيخ أبو حامد، متمسكاً بأنه لمَّا كان ما لم يظهر تباً لما قد ظهر حذراً من سوء المشاركة، وجب أن يكون ما لم يطلع تبعاً لما قد أطلع، وهو الذي صححه الرافعيُّ.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: "يشترط في التبعية أن يكون التابع قد طلع".
قال الماوردي: "وهذا أصح".
والفرق: أن ما لم يؤبر يصح عليه العقد، ويلزم فيه الشرط؛ فجاز أن يصير تبعاً لما قد أُبر في العقد، وما لم يطلع لا يصح عليه العقد، ولا يلزم فيه الشرط؛ فلم يجعل تبعاً لما قد استثناه العقد.
آخر:
لفظة "أبرت" في الحديث، قال الأزهري: يقال بالتخفيف والتشديد.
وقال الجوهريُّ: بالتخفيف.
النَّور – بفتح النون – قال الأزهري: يطلق على أيّ لون كان.
وقيل: النور ما كان أبيض، والزهر ما كان أصفر.
الفُحَّال – بضم الفاء وتشديد الحاء – ذكر النخل، جمعه: فحاحيل.
قال جمهور أهل اللغة: ولا يُقال: [فَحْل]، وجوَّز جماعة منهم أن يقال في المفرد: "فَحْل" وفي الجمع: "فُحُول"، وكذلك استعمله الشافعيُّ والغزالي، ومما حكاه الجوهريُّ: أنه لا يقال "فُحَّال" في غير الفحل.
стр. 4239
فرعان:
أحدهما: لو تلف الطلع في يد البائع سقط عن المشتري حصته من الثمن إذا اختار الإمساك على الصحيح من المذهب؛ لأن الطلع موجود حقيقة، ويجوز بيعه على الصحيح، خلافاً لأبي إسحاق.
قال المتولي: ومن أصحابنا من بناه على القولين في أن الحمل هل يقابله قسط من الثمن، وليس بصحيح.
الثاني: لو شقق طلع النخل نظر: إن كان في إبانه فهو كما لو تشقق بنفسه، وإلا لا أثر له، وحيث حكمنا بكون الطلع للبائع لتأبيره فَجِرْم الكِمَام للمشتري؛ فإنه يترك على النخل، حكاه الإمام عن شيخه.
قال: "وإن كان ثمرة بارزة؛ كالتين والعنب، أو في كمام لا يزال [عنه] إلا عند الأكل؛ كالرمان والرانج فهو للبائع" أي: إذا كان موجوداً حال العقد، أمَّا في الأوليين وشبههما فلأنه ظاهر؛ فكان كالطلع المؤبر، وأمَّا في الأخريين وشبههما من الموز؛ فلأن قشر ذلك حافظ لمنفعته، فبقاؤه عليه من مصلحته؛ لأنه إذا تشقق قشره فسد، فكان القشر بمنزلة نفس الثمرة فظهوره بمنزلة ظهور ثمار سائر الأشجار.
كذا قاله المحاملي.
وفيه ما يفهم أن الكلام في الرمان إذا ظهر من الجلنار فهو الذي يقتضيه القياس، ويعضده ان الماوردي والمتولي ألحقاه بالمشمش والخوخ، ولو ظهر بعض ذلك بعد العقد لم يتبع الظاهر، قاله البغوي، وقال المتولي في التين بلا خلاف، ويدل عليه ما سنذكره من كلام الشيخ.
واعلم أن كلام الشيخ مصرح بأن العنب لا نَوْر عليه، وأنه ملتحق بالتين، وهو ظاهر النص الذي سنذكره.
وقال الشيخ أبو حامد: "عندي أن له ورداً ثم ينعقد".
وفي "الحاوي": أنه نوعان: منه ما يُوَرِّد ثم ينعقد، ومنه ما يبدو حبًّا منعقداً، فالثاني ملتحق بالتين، والأول ملتحق بالمشمش، وعلى ذلك ينبغي أن يحمل ظاهر النص،
стр. 4240
وكلام الشيخ أبي حامد، وقد ألحق الشيخ في "المهذب" وغيره الرانج بالجوز وما في معناه، وهو مخالف لما ذكره هنا.
قال العمراني وغيره: ووجه الجمع بين قوليه أنه يخرج في قشرين، وقد يتشقق عنه الأعلى؛ فيبقى في قشر واحد، فيكون كالرمان، وإذا لم يتشقق فهو كالجوز.
وهذا الجواب فيه نظرٌ؛ لأن الكلام في هذه الأشياء في حال انعقادها على الأشجار، ولا يمكن أن يكون الرانج في حال انعقاده على قشرين حالهما كذلك، بل الأقرب في الجواب ما حكاه النواوي أنه نوعان: نوع ذو قشر، وعليه يحمل كلام الشيخ هنا، ونوع ذو قشرين، وعليه يحمل كلامه في "المهذب".
تنبيه: الكمام- بكسر الكاف -: أوعية طلع النخل، والمراد به هنا أوعية ما ذكره.
قال الجَوْهَرِيُّ: "وواحد الكمام: كِمّ – بكسر الكاف – وكِمَامة، والجمع كِمَامٌ وأَكِمَّة، وأَكْمَام، وأكاميم".
الرانج – بكسر النون -: الجوز الهندي.
وقال النواوي: ورأيته في نسخة من "المحكم" مضبوطاً بفتح النون، والمشهور كسرها.
قال: "وإن كنا ثمرة في قشرين: كالجوز، واللوز، فهو كالتبن والرمان على المنصوص"، أي: في "الأم"؛ فإنه [قال]: إذا باع أرضاً فيها شجر رمان، وجوز، ولوز، ورانج وغيره مما دونه حائل لا يزال عنه إلاَّ في وقت الحاجة إلى أكله؛ فهو في معنى ما تخرج ثمرته بارزة. صرح بهذه الحكاية المحاملي، وهذا ما وعدنا بحكايته في أول الباب وبعده.
ووجهه: أن ذلك يخرج من الشجرة كما يخرج التين، وقشره لا يتشقق عما في جوفه فألحق به.
قال: "وقيل: هو كثمرة النخل قبل التأبير" أي: فيكون للمشتري؛ لأنه لا يترك في القشر الأعلى كما لا يترك الثمرة في الطلع.
واعلم أن إطلاق الشيخ حكاية هذا القول قد يفهم منه أن الثمرة تكون للمشتري بكل حال، سواء تشقق عنها القشر الأعلى أو لم يتشقق؛ لكونه ألحقه بالثمرة قبل
следующие страницы →