← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

وفي "النهاية" أنا إذا قلنا: إن العتق حق للبائع وامتنع، فهل يجبر عليه؟ ذكر صاحب "التقريب" فيه قولين. وإذا قلنا بالقول الذي حكاه أبو ثور؛ فلا يجبر على عتقه، ولكن هل يثبت للبائع الخيار عند امتناعه من العتق؟ فيه وجهان: أحدهما – وهو قول البغداديين -: لا خيار له؛ لفساد الشرط. والثاني – وهو قول البصريين -: له الخيار؛ لأن فساد الشرط يمتنع من لزومه، ولا يمنع من استحقاق الخيار به، كما لو شرط في البيع رهناً لم يلزم، وأوجب خيار البائع. فروع: هل للبائع المطالبة بالعتق، على قولنا: إنه حق له فنعم، وإن قلنا: إنه حق لله تعالى؛ فكذلك على أصح الوجهين. وهل يسقط بإسقاط البائع؟ إن قلنا: إنه حق لله تعالى، فلا، وإن قلنا: إنه حق له سقط على ظاهر المذهب عند الإمام، وهو ما حكاه القاضي الحسين في التعليق، كما لو شرط الرهن والكفيل ثم عفا عنه. قال الإمام: وفي كلام شيخي رمز إلى خلاف هذا؛ يعني: في الرهن والكيل كحق الأجل. ولو باع العبد بشرط العتق أيضاً، لم يصح في أصح الوجهين؛ لأن العتق مستحق عليه، فليس له نقله إلى غيره، وهل يجزئ إيلاد الجارية عن الإعتاق؟ فيه وجهان: أصحهما: لا، بل عليه أن يعتقها. وفي "حلية الشاشي" و"الشامل"، حكاية وجه أنه لا يجزئ عتقها [عن] الشرط؛ لأنها صارت مستحقة العتق بالإحبال، وعلى هذا تكون بمثابة الغائبة بالموت، فتجري فيها الأوجه، كما سنذكر. ولو جنى هذا العبد قبل اتفاق العتق، فهل يسلم ليباع في الجناية؟ قال المارودي: إن قلنا بإجباره على عتقه؛ وجب فداه كأم الولد. ولو قتل العبد قبل العتق كانت قيمته للمشتري، ولا يكلف صرفها إلى عبد آخر ليعتقه.

стр. 4167

ولو مات قبل اتفاق العتق؛ فخمسة أوجه: أظهرها: ليس للبائع إلا الثمن. والثاني: يسخ العقد ويرجع إلى القيمة. والثالث: له الثمن وما بين قيمته مع الشرط وقيمته من غير الشرط، فإذا كان الثمن عشرة وقيمته مع الشرط اثني عشر وبدون الشرط خمسة عشر؛ لزمه ثلاثة عشر. ولم يزد الماوردي على هذه الأوجه. وقال: إنها تجري على قول الإجبار وعدمه. والرابع: له الثمن وما يقابل الشرط من نسبة الثمن؛ فيجب له في مثالنا اثنا عشر وحكى الإمام هذا الوجه -و [لو] ضرب له مثالاً يقتضي مخالفة ما ذكرناه في الحكم، فإنه قال: لو كان مع الشرط يساوي مائة، وبونه يساوي مائة وخمسين، فالتفاوت بالثلث، فيعود عبد ضبط ذلك، ويقول: الثمن تسعون، وقد بان أن نسبة التفاوت [بثلثي] الجملة، فكأنه أخذ ثمن ثلثي العبد، وإذا كان ثمن ثلثي العبد تسعين فثمن الجملة مائة وخمسة وثلاثون، فيغرم خمسة وأربعين، ومقتضى هذا في مثالنا أن يكون ما قبضه أربعة أخماس الثمن، وإذا كان ثمن أربعة أخماسه عشرة؛ يكون ثمن جميعه اثني عشر ونصفاً؛ فيغرم درهمين ونصفاً. والخامس- وهو الذي صححه ابن عصرون -:أنه يثبت له الخيار بين الفسخ والرجوع إلى القيمة وبين الإمضاء. والاقتصار على الثمن، وهذان الوجهان لم يحك القاضي أبو الطيب في تعليقه سواهما، وفحوى كلامه: أنهما جاريان على قول الإجبار وعدمه. فإنه قال: هلا قلتم مع بقاء العبد وقد امتنع المشتري من العتق أنه يرجع بذلك، يعني بما يقابل الشرط؟! فالجواب: أنه هناك يمكن إجباره على العتق فأجبرناه عليه في أحد الوجهين، ويمكن رده فخيرناه في الوجه الآخر. وهاهنا قد [تعذر] الإجبار؛ لأن الميت لا يصح إعتاقه، وتعذر التخيير؛ لأنه لا يمكن رده فجعلنا له الرجوع بالنقص، كما يرجع

стр. 4168

بالأرش إذا تعذر الرد بالعيب. وقال الرافعي: هذه الوجوه مفرعة على أن العتق حق للبائع أو هي مطردة سواء قلنا: إنها للبائع أو لله تعالى، فيه رأيان للإمام؛ أظهرهما: الثاني. وقيل: إن قلنا: إن الحق لله - تعالى - لم يلزمه شيء؛ وهو الوجه الأول. وإن قلنا: إنه حق للبائع جرى ما عدا الأول من الأوجه، حكى ذلك ابن التلمساني. فروع: لو اشترى عبداً بشرط أن يدبره أو يعتقه بعد شهر - مثلاً - أو يكاتبه، أو داراً بشرط أن يقفها، ففي هذه الشروط وجهان: أصحهما: أنها ليست كشرط العتق، بل يبطل البيع بها. وعليه يدل قول الشيخ من بعد. واختيار ابن عصرون صحة البيع بشرط العتق بعد شهر. وفرق القاضي الحسين بين البيع بشرط العتق وبين البيع بشرط الكتابة أو الاستيلاد، بأن المشتري لا يقدر عليهما بنفسه ويقدر على العتق منفرداً به، وليس لهما من القوة ما للصريح. وبأن عقد البيع لا يقتضيهما بحال، بخلاف العتق؛ فإن عقد البيع قد يقتضيه، كما إذا اشترى من يعتق عليه. ولو باع عبداً بشرط العتق على أن يكون الولاء للبائع؛ ففيه قولان: أحدهما: أنه يبطل العقد، وهو الذي عليه الجمهور. والثاني: أنه يصح، وهو ما رُوي عن حكاية الإصطخري أو تخريجه لحديث بريرة؛ فإنه ﵇ لا يأذن في باطل، وعلى هذا فهل يثبت الشرط؟ المحكي عن الأصحاب الذي [لا] يكاد يوجد غيره أنه لا يثبت كما حكاه الرافعي. وقال الإمام: إنه فاسد، وحكى وجهاً أنه يثبت الولاء للبائع من غير تقدير الملك،

стр. 4169

كما إذا باع عبداً لنفسه بمال، فإذا اشترى نفسه عتق، وسبيل العتق أنه ملك نفسه، فاستحال أن يكون مملوكاً لنفسه ومالكاً، ثم إذا حصل العتق فالولاء للسيد، وهذا ما حكاه الغزالي في الوجيز. ولو جرى البيع بشرط الولاء دون شرط العتق بأن قال: بعتكه بشرط أن يكون الولاء [لي] إن أعتقته يوماً من الدهر فقد ذكر في "التتمة": أن العقد هاهنا باطل بلا خلاف. وقال في كتاب الخلع: المشهور من المذهب فساد العقد، وهذا يشعر بخلاف. ولو باع العبد بشرط أن يبيعه بشرط العتق، فالصحيح على ما حكاه الرافعي في كفارة الظهار – البطلان. وعن أبي الحسين تخريجه على وجهين، ولو اشترى أباه أو ابنه بشرط أن يعتقه، فعن القاضي الحسين أن العقد باطل؛ لتعذر الوفاء بهذا الشرط، فإنه يعتق عليه قبل أن يعتقه، ويظهر على رأي الأودني أن يصح. فائدة: استشكل بعضهم إذنه ﷺ في اشتراط الولاء، ومنعه منه بعد ذلك. وأجيب بأن قوله – ﵇: "اشترطي لهم" المراد به: عليهم، كما في قوله تعالى: - وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧].

стр. 4170

[وقيل] معناه: اشترطي أو لا تشترطي فهو لاغ لا يضر شرطه ولا تركه. وقيل: أذن فيه ثم منعه ليكون أقطع لعادتهم، كما رُوي أنهم كانوا لا يرون جواز الإحرام بالعمرة في أشهر الحج، فأمرهم – ﵇ – بالإحرام بالحج في أشهر الحج فأحرموا به ثم أمرهم بفسخ الإحرام بالحج بالعمرة، للمبالغة في رجوعهم عما كانوا يعتقدون منعه. وعلى هذا التأويل يكون هذا الشرط خاصاً في بيع بريرة لا غير، واختاره العمراني. وقيل: إن قوله "واشترطي لهم الولاء" غير محفوظ في الحديث، وإنما رويت هذه الزيادة من طريق هشام بن عروة، ولم يتابع عليها، كذا حكاه البغوي، وكذا الماوردي في باب الكتابة ونسبه إلى الشافعي نفسه. وحُكي عن بعض أصحابنا أنه – ﵇ – أذن في ذلك حين جوازه ثم ورد بعده [نسخ] فأظهر نسخه بفسخه. وحكى عن [ابن أبي هريرة أنه قال: قوله] – ﵇ – اشترى واشترطي لهم الولاء خارج مخرج الوعيد والتهديد لا مخرج الإذن والجواز، كما في قوله تعالى: - فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. وحكى عن أبي علي الطبري: أنه قال: قوله "اشترطي لهم الولاء" أي: اشترطي لهم العتق، فعبر عن العتق بالولاء لحدوثه عنه واستحقاقه به. وفي الذخائر أن بعض الناس قال: إنما وقع البيع على نجوم كتابتها، والصحيح [أنها ابتاعت] رقبتها، وعلى هذا قد يشكل مذهبنا؛ لأن بريرة كانت مكاتبة. [والجديد] أنه لا يصح بيع المكاتب. وأجيب عن ذلك: بأن بريرة كانت الساعية في ابتياع عائشة- ﵂ – ومثل ذلك مبطل للكتابة – كما ستعرفه في بابها – أو لأن بريرة أظهرت العجز فعجزها أهلها، وفسخوا العقد بإقدامهم على بيعها، والفسخ يحصل بالبيع أو يحتمل ذلك، وهي قضية عين.

стр. 4171

قال: وإن شرط ما [سوى ذلك مما] ينافي موجب البيع – أي: مقتضاه – وهي بفتح الجيم. قال: وليس فيه مصلحة؛ كبيع الدابة بشرط أن يركبها، [وكبيع] الدار بشرط أن يسكنها شهراً – أي البائع لم يصح العقد لقوله ﷺ : "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" وهذه الشروط ليست في كتاب الله فتكون باطلة. وإذا بطلت صار الثمن مجهولاً؛ لأن الشرط يقتضي زيادة في الثمن مرة ونقصانه [مرة] أخرى، فإذا بطل بطل ما يقابله، وذلك يؤدي إلى الجهالة بالثمن، ولما روى عبد الحق مسنداً من طريقين: أنه ﷺ نهى عن بيع وشرط، فظاهره يقتضي فساد المنهي عنه؛ ولأن ذلك يتضمن اشتراط عدم التسليم فبطل – كما لو صرح به. وحكى عن صاحب "التقريب"، وأبي علي، وأبي ثور نصًّا غريباً عن الشافعي أن البيع لا يفسد بالشرائط الفاسدة، بل يلغو الشرط ويصح العقد كما في النكاح. وحكى المراوزة فيما إذا استثنى منفعة الدار مدة معلومة لنفسه – أنه يصح البيع على رأي، كما يصح بيع الدار المستأجرة على رأي؛ ولأنه – ﵇: ابتاع بعيراً من جابر بأربعة دنانير وقال: لك ظهره حتى تأتي المدينة. والمذهب فساد البيع بالشرط الفاسد بخلاف النكاح؛ لأن الشرط فيه يسقط

стр. 4172

المسمى، ويوجب مهر المثل، ولا قائل بمثله في البيع؛ فانقطع الإلحاق. والفرق بين ما نحن فيه وبين بيع الدار المستأجرة أن المنافع ملك له، وقد تضمن العقد خروجها عنه إلى المشتري فلا يصح شرطها له؛ لأنه يخالف مقتضى العقد بخلاف المستأجر؛ ولأن في هذا الشرط منعاً من التسليم إلى المشتري ولا يجوز، ويفارق المستأجر فإن المنافع مستحقة بعقد سابق، وصار ذلك مثل الدار المبيعة إذا كانت مشحونة بالأمتعة فإنها تحتاج إلى مدة في تفريغها، ولو استثنى [مثل] تلك المدة بطل العقد، وهذا يحسن أن يفرق به بين ما نحن فيه وبين ما لو باع نخلاً وعليها طلع غير مؤبر، فاستثناه لنفسه؛ إذ ليس فيه تأخير للتسليم. وأجيب عن حديث جابر بجوابين: أحدهما: أنه شرط بعد العقد. قال القاضي أبو الطيب: ويدل عليه أنه جاء في بعض ألفاظه: "فلما نقد الثمن شرطت حملاني إلى المدينة". والثاني: لم يكن ذلك مع جابر بيعاً مقصوداً لرواية سالم بن أبي الجعد: أن النبي ﷺ أعطاه الثمن ورد عليه الجمل، وقال: "أتراني إنما ماكستُكَ لآخذ جملك؟ خذ جملك ودراهمك، فهما لك". فدل على أنه – ﵇ – إنما أراد منفعته لا مبايعته. من هذا القبيل ما إذا باع شجرة يابسة بشرط التبقية أو الثمار بعد بدو الصلاح بشرط [القطع وقت] الجداد. وألحق المتولي بهذا القسم ما إذا شرط أن يصلي النوافل أو يصوم شهراً غير رمضان أو يصلي الفرائض في أول الوقت وجزم بالبطلان. وفي حلية الشاشي: أن أصحابنا قالوا: الشرط الفاسد لا يؤثر في العقد، إلا إذا كان فيه غرض فأما [ما] لا غرض فيه؛ كقوله: بعتك على أن تدخل الدار أو تقف في

стр. 4173

الشمس أو تصلي النفل، أو تأكل كذا، وأبدى احتمالاً في البطلان مما إذا أوصى بثلث ماله لزيد وللحمار، فإنه على وجه يعطي نصف الثلث؛ لجعلنا الإضافة إلى ما لا غرض فيه؛ كالإضافة إلى ما فيه غرض. وقريب مما حكاه أولاً ما جزم به الإمام والغزالي فيما إذا باعه بشرط ألا يطعمه إلا الهريسة، ولا يلبسه إلا الحرير - أنه يصح. وكذلك فيما إذا شرط الكيل أو الوزن بشيء معين. وإلى هذا يرشد قول الشيخ؛ كبيع الدابة بشرط أن يركبها، وبيع الدار بشرط أن يسكنها شهراً، فصار المثال هو المبين للمراد بالقاعدة. وهذه الشروط ليست موافقة لمثاليه، وقد حكى الغزالي في كتاب السلم في بطلان البيع بفساد شرط الكيل والوزن وجهاً آخر. فرع: إذا حذف الشرط المفسد في زمن الخيار لا يؤثر ذلك في الصحة، ورأي صاحب "التقريب" وجهان: إن حذف الأصل المذكور، يصير العقد صحيحاً، وأجراه بعضهم في خيار الشرط. والأظهر أنه لا يجري، وأجراه بعضهم في سائر المفسدات. قال الإمام: والأصح: لا؛ لأن بين الأجل والمجلس مناسبة لا توجد في غيره، وهي المنع من المطالبة بالثمن، كذا حكاه الرافعي في كتاب السلم، ولو شرط في المجلس شرطاً فاسداً فسد العقد، صرح به القاضي [الحسين]. قال: ولم يملك فيه المبيع أراد الشيخ بهذه الزيادة التنبيه على إبطال مذهب أبي حنيفة يما إذا قبضه؛ فإن عنده أنه يملكه ملكاً ضعيفاً، وللبائع انتزاعه منه متى شاء بجميع زوائده، ولو تلف أو زال ملكه عنه ضمنه بالقيمة مع موافقته على أنه لا يملكه قبل القبض، وعندنا لا فرق في عد الملك بين ما قبل القبض وما بعده. ووجهه ما رُوي أنه ﵇ قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا؛ فهو رد"؛

стр. 4174

ولأنه قبض في بيع فاسد فلم يحصل الملك به؛ كالمحرم إذا اشترى صيداً وقبضه، وكذا إذا كان الثمن دماً أو ميتة. قال: فإن قبضه المبتاع وجب رده أي على مالكه، ولا يملك التصرف فيه خلافاً له، أما أنه يجب رده فلقوله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى ترد"، وأما أنه لا ينفذ تصرفه [فيه] فلأنه تصرف فيما للبائع فيه سلطان؛ فلم ينفذ كما في [البيع قبل القبض]. وفي قول الشيخ: "وجب رده" ما يعرفك أن مؤنة الرد على المشتري؛ لأن من وجب عليه رد شيء كانت مؤنة الرد عليه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون قد دفع الثمن وأفلس البائع أو لا، وقد ذكرنا من قبل أن له حبسه إلى أن يقبض الثمن على النص، وهو ما حكاه ابن كج عن الإصطخري والمذهب خلافه. قال: فإن هلك عنده ضمنه بقيمهت أكثر ما كانت من حين القبض إلى حين التلف؛ لأنه ما من حالة تعرض فيها قيمة إلا وهو مخاطب فيها بالرد، فإذا لم يرد فقد فوت الرد فلزمه بدله كالغاصب. واعلم أن ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في غُرم القيمة بين أن يكون المبيع من ذوات الأمثال أو القيم، وهو ما حكيناه في الباب قبل هذا الباب عن الماوردي، والذي حكاه غيره أن ذلك فيما إذا كان من ذوات القيم، أما إذا كان من ذوات الأمثال فالواجب المثل.

стр. 4175

قال: فإن حدثت فيها زيادة كالسمن وغيره –أي: مثل تعلُّم صنعة – ضمنها؛ لأنها حدثت على ملك البائع وفاتت تحت يده فضمنها كالعين. ومراد الشيخ بهذه المسألة ما إذا كانت العين باقية وردها بعد زوال الزيادة كما صرح به أبو الطيب وابن الصباغ في كتاب الغصب. قال: وقيل لا يضمن القيمة إلا من حين القبض؛ لأنها التي دخل على أن يضمنها، ولا يضمن الزيادة – أي: الحادثة في يده من سمن وغيره لعدم إلزامه ذلك بالعقد فأشبه المستعير، وهذا القول حكاه المراوزة ولم أره في شيء من كتب العراقيين إلا في "الحاوي" في كتاب الغصب، فإنه ذكره في موضعين منه، والمذكور في غير "الحاوي" بدله أنه لا يضمن القيمة إلا من حين التلف، ولا يضمن الزيادة كما حكاه الإمام عن العراقيين وهو الموجود في النسخ العتق، ويوجبه ابن الخل ونسبه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ في كتاب الغصب إلى ابن أبي هريرة. وحكى البندنيجي عِوَضَهُ في كتاب الغصب: أن المشتري لا يضمن الزيادة وإذا تلفت العين بزيادتها كان عليه قيمتها أكثر ما كانت من حين القبض إلى حين التلف بعد حذف ما زاد في قيمتها لأجل السمن، ولم أره في [غير] تعليقه. وبه يتحصل في المسألة أربعة أقاويل، وكلها – ما عدا الرابع – يجري كما حكاه الإمام في كل ضامن غير متعد ولا متصرف في غصب، فإذا ضمن المستام قيمة ما تلف تحت يده؛ فالقول في القيمة المعتبرة كما ذكرناه. ولا يضمن إلا ما [قصد شراءه] حتى لو قبض العين ليشتري نصفها لم يضمن إلا بدل نصها، كما صرح به المتولي قبل الفصل الخامس في كيفية القبض. قال: والمذهب الأول لأنها عين تضمن أجزاؤها المستحقة بالاستعمال؛ فأشبهت العين المغصوبة وبهذا فارق المستعير؛ فإنه لا يضمن الأجزاء المستحقة بالاستعمال على الصحيح، وما قيل من أنه دخل على أنه لا يضمن الزيادة – يبطل باستحقاق

стр. 4176

الأجرة، مع أنه دخل على أنه لا يضمنها. قال: وإن كان لمثله أجرة لزمه أجرة المثل؛ لأن العين مضمونة عليه؛ لثبوت يده عليها، لا بحق منفعتها. قال الرافعي وغيره: ولا فرق في ذلك بين أن ينتفع به أو تفوت المنفعة تحت يده. وقال القاضي الحسين في كتاب الغصب: وكذا الإمام، هذا إذا قلنا: إنه يضمن ضمان المغصوب. أما إذا قلنا: بغيره فلا يضمنها إلا إذا استوفاها، وعلى هذا الخلاف يخرج ضمان الولد المنفصل وطرد الخلاف المذكور في ضمان المستام أجرة المدة التي فاتت المنافع فيها تحت يده. والولد الحادث في يده، وما قالاه موافق لما قاله الغزالي في منافع الصداق إذا فاتت تحت يد الزوج، وقلنا: إنه مضمون ضمان يد [أنه] لا يضمن بدلها إلا أن يستوفيها. فرع: لو أنفق على المبيع مدة لم يرجع على البائع إن كان عالماً بالفساد وإن كان جاهلاً فوجهان. فائدة: إن كان لمثله أجرة وأوجبناها مع أكثر الأمرين من القيمة، فهل يندرج ما يقابل الأجزاء المستحقة بالاستعمال في الأجرة أم لا؟ فيه خلاف يأتي مشروحاً في نظر المسألة من كتاب الغصب إن شاء الله تعالى. قال: وإن كانت - أي: العين المبيعة -جارية فوطئها؛ لزمه المهر لاستمتاعه بملك الغير مع قيام الشبهة، وهذا إذا كانت الأمة جاهلة بفساد البيع، أما لو كانت عالمة فذلك ينبني عليه أنه لو كان عالماً بفساد البيع، هل يجب عليه الحد؟ والمشهور أنه لا يجب فيما إذا كان الفساد بالشرط، كما هو مسألة الكتاب؛ لأن أبا حنيفة يرى أن الملك ينتقل إليه كما قدمنا حكايته، فيكون ذلك شبهة في درء الحد، كما في النكاح بلا ولي، ونكاح المتعة، ويجيء فيه وجه الصيرفي. وقال الإمام: يجوز أن يقال: يجب الحد؛ لأن أبا حنيفة لا يبيح الوطء، وإن كان

стр. 4177

يثبت الملك بخلاف الوطء في النكاح بلا ولي، فإن الخالف فيه يبيح الوطء. فإن قلنا بالمشهور وجب المهر أيضاً. وإن قلنا بما أبداه الإمام فقد قال: يكون بمثابة الجارية المغصوبة إذا وطئت من غير استكراه، وسيأتي الكلام فيها. ولو كان سبب ساد البيع لكونه عقداً على ميتة أو دم، فمن علم من الجارية أو المشتري بفساد البيع وجب عليه الحد؛ لأن أبا حنيفة لم يخالف في ذلك، ثم المهر الواجب مهر ثيب إذا كانت ثيباً، وهر بكر إن كانت بكراً. فإن قيل: كيف يجب المهر وقد أذن في الوطء بالبيع؟ قيل: الوطء لا يباح بالإذن – بل بالملك – ولا ملك؛ ولأن الوطء ليس معقوداً عليه؛ بدليل أنه يملك بالابتياع من لا يحل له وطؤها. قال: وأرش البكارة إن كانت بكراً؛ لأنه أتلف ذلك الجزء، [و] وجوب مهر البكر؛ لأنه استمتع ببكر، فالأرش في مقابلة إزالة عين، والمهر في مقابلة استيفاء منفعة، فلما اختلف سببهما لم يمتنع وجوبهما. وفي الرافعي في باب الرد بالعيب، وابن يونس في كتاب الديات حكاية وجه: أنه يجب مهر بكر، ويدخل فيه أرش البكارة. وصححه الرافعي، وإن كان قد جزم هاهنا بما ذكرناه أولاً، كما رجحه ابن عصرون. وقيل: يجب عليه مهر ثيب وأرش البكارة. قال: فإن أولدها فالولد حر للشبهة ولا ولاء عليه، فإنه لم يمسه رق ولم ينله عتق. قال: ويلزمه قيمته؛ لأنه أحال بينه وبين ملكه. قال: يوم الولادة؛ لأنه وقت الحيلولة، ولا يمكن تقويمه قبل ذلك. [و] قال الرافعي: وتستقر عليه القيمة بخلاف ما لو اشترى جارية واستولدها فخرجت مستحقة بغرم قيمة الولد ويرجع على البائع؛ لأنه غرَّه ثم.

стр. 4178

وفي "النهاية": أن البائع إن كان عالماً بفساد العقد فهو في صورة الغار، والغار يغرم للمغرور قيمة الولد إذا غرمها، فلا معنى لإثبات قيمة الولد له، فإنه لو غرمه لرجع على من [غره]، والمغروم له في هذا التقدير هو الغار بعينه، وإن كان البائع لا يدري فساد العقد؛ ففي المسألة احتمال ظاهر من حيث إنه لم يعتمد تغرير أجنبي ينتقل ذلك سبباً لانقلاب الضمان عليه، [وقد رمز المحققون إلى هذا التردد]. وفي "تعليق" القاضي الحسين إبداء ما ذكره الإمام أولى – وطرده في المهر أيضاً إذا قلنا: إن المغرور يرجع به على الغار، ثم قال: ويمكن أن يفرق بين ما نحن فيه وبين المغرور بأن هناك الغاصب غره بسلامة الأولاد، فلأجل غروره قلنا: له أن يرجع عليه، وهاهنا البائع ما غره بل هو غر نفسه؛ إذ كان يمكنه الوقوف والاطلاع عليه بخلاف ذلك. قال: وإن وضعته ميتاً- أي: من غير جناية جان – لم تلزمه قيمته؛ لانتفاء الحيلولة بعد الانفصال وانتفاء إمكان التقويم قبله؛ لأنا نشك في حياته فلا توجب قيمته بالشك مع كونه ليس بمفوت روحه، بخلاف الجاني على البطن الذي تصير جنايته سبباً لتفويت الروح، أو منها من الانسلال؛ فإن ظاهر الحال يقتضي أن ذلك حصل بضربه وجنايته، وهذا مما ادعى الإمام فيه نفي الخلاف، وأجراه في الضمان الذي يتعلق بمحال الغرور. وقال فيما لو غصب جارية فعلقت بمولود من سفاح وانفصل الولد ميتاً فالمذهب أنه لا ضمان أيضاً، وفيه شيء بعيد، [وكذلك ولد] الصيد في حق المحرم. وفي المذهب في كتاب الغصب في الصورة الأولى: أن الشافعي قال: عليه ضمان قيمته يوم وضعته ميتاً، وقال أبو إسحاق: لا تجب قيمته. والفرق على الأول بينه وبين ما لو كان جاهلاً بالتحريم فإنه لا يضمن وجهاً واحداً. ما حكاه العمراني عن المحاملي أن الولد في صورة الجهل ينعقد حرًّا، والحر لا تثبت عليه اليد فلا يضمن بها، وإنما يضمن بالحيلولة ولم تحصل، وفي صورة العلم

стр. 4179

الولد ينعقد رقيقاً، وقد تثبت يد الغاصب عليه حال كونه حملاً، فإذا تلف لزمه ضمانه. وهذا الفرق بعينه يجيء هاهنا، أما إذا ألقته ميتاً بجناية جان وجبت الغرة على عاقلة الجاني، وعلى المشتري أقل المرين من قيمة الولد يوم الولادة لو كان حيًّا والغرة، ويطالب به المالك من شاء من الجاني والمشتري. وفي مجموع المحاملي: أن المشتري لا شيء عليه؛ لأن المشتري لم يخرج حيًّا، فلم تحصل الحيلولة [والمشهور أنه] يكون للسيد أقل الأمرين – كما ذكرناه – وهذا ما اقتصر الأئمة على ذكره هاهنا، وقالوا في نكاح الغرور: إن الأمة المغرور بنكاحها إذا أتت بولد ميت فهو حر، ولا قيمة على المغرور، فلو ألقته بجناية جان وجب على الجاني غره. وفيما يجب على المغرور وجهان، اختيار القاضي منهما: أنه يغرم عشر قيمة الأم؛ لأنه يغرم للسيد ما فوته عليه، ولولا ما حصل [للمشتري] من تفويت رقه بالحرية؛ لمي كن للسيد إلا عشر قيمة الأم، فرجع به على المغرور. والوجه الثاني: قال الإمام – وهو المشهور وعليه جمهور الأصحاب -: أنه يغرم أقل الأمرين من قيمة الغرة وعشر قيمة الأم، فإن كان عشر قيمة الأم أقل غرمه؛ لأنه واجب الجنين الرقيق. وإن كانت الغرة أقل لم يلزم المغرور إلا قيمة الغرة؛ لأن سبب تغريم المغرور ما وجب له على الجاني من الغرة؛ إذ لو انفصل ميتاً من غير جناية فلا ضمان. قال الإمام: وهذا ليس على وجهه، فإنا إذا اخترنا الوجه الأول فتعويلنا فيه أنه جرى في الجنين حالة، لولا الغرور لكان يسلم للمولى عشر قيمة الأم، فقد صار المغرور سبباً في تفويت ذلك. ثم إذا قلنا: يغرم المغرور للسيد أقل الأمرين؛ فإنه لا يغرم له ما لم يسلم له الغرة، وإن سلكنا المسلك الآخر غرمنا المغرور عشر قيمة الأم في الحال، ولم ننتظر حصول الغرة له، فعلى هذا لو كان للجنين وارث سوى الأب ولا يتصور معه إلا أم الأم، فإذا للجدة السدس والباقي للأب، فإن أوجبنا على المغرور الأقل فنعتبر الأقل من عشر قيمة الأم وخمسة أسداس [من] الغرة،

стр. 4180

فإن السدس الذي للجدة، غير محسوب على الأب. وحكى في كتاب الغصب عن القاضي: أن الواطئ لو مات وخلف أبا فضرب ضارب بعد موته الجارية، فأجهضت الجنين ميتاً فالغرة مصروفة إلى الجد، ويجب عليه ضمان الجنين للمالك ما كان يجب على الأب لو كان حيًّا. ثم قال القاضي: لو كان مع الأب جدة وارثة للسدس من الغرة ينظر إلى خمسة أسداس الغرة وإلى عشر قيمة الأم، ويجعل كأن السدس المصروف إلى الجدة غير ثابت. قال الإمام: ولا شك أن إخراج السدس عن الاعتبار يقتضي قياسه إخراج الجد عن الضمان ويفوز بالغرة إرثاً. وإذا رأينا [أنه لا ضمان] فيحتمل أن يحيط الضمان أو يعلقه بتركة الغاصب، والظاهر إتباع الضمان الغرة فطرده في السدس المصروف إلى الجدة أيضاً، هذا آخر كلامه، ولا يخفى عليك مناقضة ما حكاه عن القاضي ثانياً لما حكاه عنه أولاً. وعلى كل حال فيتجه جريان مثل ذلك في مسألتنا. ويعضده أن المحاملي [في المجموع] قال: إن حكم الغاصب إذا وطئ الجارية المغصوبة حكم ما ذكرناه سواء إلا في مسألتين: أحدهما: أن الغاصب إذا وطئ مع العلم بالتحريم فعليه الحد وولده مملوك، وليس كذلك هنا، ويضاف إلى ذلك مسألة أخرى، وهي إذا ملكها بعد ذلك لم تصر أم ولد في الغصب، وهنا قولان. قال: وإن ماتت الأمة من الولادة – أي: في يد البائع بعد تسلمها –لزمه قيمتها؛ لأنه المتسبب إلى الحمل المفضي إلى الطلق، لكن هل يجب ذلك في ماله أو على عاقلته؟ فيه قولان يأتيان في الجنايات، وأي قيمة تعتبر؟ حكى الإمام عن العراقيين فيما يلزم الراهن إذا ماتت الأمة المرهونة بسبب إحباله ثلاثة أوجه: أحدها: أقصى القيم من يوم الإحبال إلى يوم الموت كالغاصب.

стр. 4181

والثاني: يوم الإحبال. والثالث - وهو اختيار ابن أبي هريرة -: أنه يجب قيمة يوم الوضع، فإن التلف تحقق يومئذ، وما تقدم غير موثوق به. قلت: ويتجه أن يجيء منها هاهنا الوجه الأول والأخير، وأما الوجه الآخر وهو اعتبار قيمة يوم الإحبال [فيحتمل أن تجيء أيضاً، ويحتمل أن يكون عوضه أنه يجب أقصى القيمة من يوم الإحبال] إلى يوم الرد، والله تعالى أعلم. فإن قيل: لو علقت الحرة من وطء شبهة ثم ماتت من الطلق لم يجب عليه ديتها. فهلا قلتم هنا مثله؟ قال المحاملي: قلنا: لنا في تلك المسألة قولان: أحدهما: أن الدية تجب، فعلى هذا سقط السؤال. والثاني: لا تجب. والفرق أن ضمان الأمة أوسع من ضمان الحرة؛ ألا تراها تضمن باليد والحرة لا تضمن باليد، والذي رجحه الإمام [في كتاب الرهن الأول. ويجري القولان في الحرة فيما إذا وطئت بالزنا مستكرهة، على ما حكاه الإمام] هاهنا، وكذلك ابن الصباغ، والقاضي أبو الطيب، وأضافوا إلى الفرق الأول أنه غير محكوم بأنه منه وغير ملحق به فلا ينسب التلف إليه، ولأجل هذا جزم في "النهاية" في كتاب الرهن بعدم وجوب الضمان، وعزاه إلى الأصحاب وطرده في الأمة وإن قدرت مضبوطة. فروع: نختم بها الباب: فيما إذا اشترى أمة شراء فاسداً فوطئها فحملت منه -: ولو لم تمُت من الولادة ولكن نقصت قيمتها. قال الأصحاب: يجب عليه الأرش. وفي "النهاية" في كتاب الصداق: أنه لو أصدق زوجته جارية حاملاً وولدت في يد الزوجة وانتقصت قيمتها بالولادة- أنه يجب بناء هذا على أن المبيع إذا خرج في يد البائع ثم سرت الجراحة في يد المشتري، وقد ظهر اختلاف الأصحاب في ذلك؛

стр. 4182

فمنهم من جعل السراية من ضمان البائع؛ لأن سببها الجراحة فعلى هذا نقصان الولادة من ضمان الزوج، وإن حدث في يدها. ومن أصحابنا من قال: نقصان السراية من ضمان المشتري؛ لأنه حدث في يده فعلى هذا نقصان الولادة من ضمانها. قلت: و [قد] يتجه أن يجري مثل ذلك هاهنا، وفيما إذا ماتت من الطلق، وما يتخيل بينهما من فرق فهو مندفع بما حكاه العمراني عن الطبري فيما إذا وطئ الغاصب الجارية المغصوبة فحملت منه ثم ردها وماتت من الولادة – أن في ضمانه لها وجهين، وغاية الأمر هنا أن تلحق بالغاصب. لو حصلت زوائد من المبيع منفصلة في يده فضمانها مبني على الأقوال في كيفية الضمان، فإن قلنا بالمذهب ضمنها، وألا فلا. لو قال: بعتك بلا ثمن لا ينعقد بيعاً، وهل ينعقد هبة؟ فيه قولان: يرجع حاصلها

стр. 4183

إلى أن الاعتبار باللفظ أو بالمعنى، فإن راعينا الأول أبطلنا، والأصح: هبة، ولهذا نظائر تأتي في مواضعها إن شاء الله تعالى. فإن قلنا: لا ينعقد هبة، ففي ضمان العين وجهان، ولو قال: بعتك ولم يذكر ثمناً لم ينعقد بيعاً ولا هبة، ويضمن العين، وقيل بطرد الوجهين، صرح به الإمام. لو كان لرجل نصف دار فباعها بنصفها الآخر، هل يصح؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه لا يصح؛ فيه وجهان: أحدهما: أنه لا يصح؛ إذ لا فائدة فيه، وهذا ما صححه الإمام في كتاب الصلح، ولم يحك سواه. والثاني: وهو الصحيح في الرافعي: أنه يصح؛ لاجتماع الشرائط المرعية في العقد. وله فوائد؛ منها: لو ملك أحدهما ذلك بالهبة من ابنه انقطع عنه ولاية الرجوع. ومنها: لو ملكه بالشراء ثم اطلع بعد هذا التصرف على عيب لم يملك الرد على بائعه. ومنها: لو ملكته صداقاً وطلقها الزوج قبل الدخول لم يمكن من الرجوع فيه، ولو باع الثلث من الدار بنصفها، حكى الإمام عن صاحب "التقريب" في الموضع الذي ذكرناه – الصحة ثم قال: وهذا عندي كلام ملتبس لا أصل له، والوجه القطع بالفساد.

стр. 4184

باب الربا "الربا" مقصور، وهو من: ربا يربو، فيكتب بالألف، وقد كتبت في المصحف بالواو، فأنت مخير إذن في كَتُبِهِ بالألف، والواو، والياء، قال أهل الغلة: "والرَّماء بالميم والمد: الربا، والرُّبية - بالضم والتخفيف -: لغة في "الربا"، وأصل "الربا" في اللغة: الزيادة، قال تعالى: - فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥] أي: زادت ونمت. وقال تعالى: - يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] أي: يضاعف ما يريد منها؛ ومنه قولهم: ربا الشيء: إذا زاد، ومنه قولهم: أربى فلان على فلان: إذا زاد عليه، وقولهم للمرتفع من الأرض: ربوة؛ لزيادته على ما جاوره. وهو في الشرع: الزيادة في الذهب، والفضة، وسائر المطعومات. وينقسم إلى ثلاثة أنواع: ربا الفضل: وهو زيادة أحد العوضين على الآخر في القدر إذا كانا من جنس واحد. ربا النسيئة: وهو أن يبيع مالاً بمالٍ نسيئة، سواء كان من جنسه أو من [جنس

стр. 4185

غيره] – على ما سنذكره من بعد – وسُمِّي به لاختصاص أحد العوضين بزيادة الحلول. والثالث: ربا اليد، وهو أن يقبض أحد العوضين دون الآخر. وزاد في "التتمة" رابعاً: وهو ربا القرض، وبشرط جرِّ منفعة، قال ابن عمر: "كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعةً، فَهُوَ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الرِّبَا". والأصل في تحريمه – قبل الإجماع – من الكتاب آيات: منها: - وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله تعالى: - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨] وهي آخر آية نزلت في القرآن. ومن السنة أخبار منها: ما روى الترمذي عن ابن مسعود أنه قال: "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَشَاهِدَهُ وَكَاتِبَهُ". وروى مسلم عن جابر نحوه، وزاد: وقال: "هُمْ سَوَاءٌ". وروى عن النبي ﷺ أنه عدَّ من الكبائر أكل الربا. وقد قيل: إن الله تعالى ما أحلّ الربا [ولا الزنى] في شريعة قط، وهو معنى قوله

стр. 4186

تعالى: - وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء:١٦١] يعني: في الكتب السالفة. وقد اختلف أصحابنا فيما جاء به الكتاب من تحريم الربا: هل هو مجمَل فسّرته السُّنَّة؟ أو يتناول معهود الجاهلية من ربا النسيئة وطلب الفضل بزيادة الأجل؟ على وجهين، والأخير اختيار أبي حامد المروزي. قال: "ولا يحرم الربا إلاَّ في الذهب والفضة والمأكول والمشروب". أمَّا التحريم في هذه الأشياء فالأصل فيه ما روى الشافعي بإسناده عن مسلم بن يسار ورجل آخر عن عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: "لا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلاَ الوَرِقَ بالوَرِقِ، وَلاَ البُرَّ بالبُرِّ، وَلاَ الشَّعِيرَ بِالشَّعِير، وَلاَ التَّمْرَ بالتَّمر، وَلاَ المِلْحَ بالمِلْح، إِلاَّ سَواءً بسَوَاءٍ، عَيْناً بِعَين، يَداً بيَدٍ، وَلَكن بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ، وَالوَرِقَ بِالذَّهَبِ، وَالبُرَّ بِالشَّعِيرِ، وَالشَّعِيرَ بِالبُرِّ، وَالتَّمْرَ بِالْمِلْحِ، وَالْمِلْحَ بِالتَّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ". قال: ونقص أحدهما: "التمر" أو "الملح"، وزاد الآخر: "فَمَنْ زَادَ، أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى" [انتهى]؛ فثبت التحريم في هذه الستة بالنص، وقسنا ما عدا الأربعة من المطعومات والمشروبات عليها؛ لما اشتركوا فيه من الطعم؛ إذ هو العلة فيها على ما سنذكره. وصار القاضي أبو الطيب في تعليقه إلى أن عموم الألف واللام في قوله – ﵇: "لاَ تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ" متعينٍ القياس؛ لأنه عمم الحكم في كل مطعوم لفظاً. واختاره الإمام في الأساليب. وأمَّا عدم تحريم الربا فيما عدا ذلك فهو ثابت فيما إذا اختلف الجنس بإجماع الأئمة – كما حكاه المحاملي – وإذا اتحد الجنس فقد قال أبو حنيفة بتحريم النَّساء من أي جنس كان. ودليلنا عليه: ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أجهز جشاً وليس عندنا ظهر، فابتعت البعير بالبعيرين وبالأبعرة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 4187

إلى خروج المُصَدِّقِ" خرَّج أبو داود معناه. وروى أن عليَّ بن أبي طالب باع جملاً يُدعى "عصيفراً" بعشرين بعيراً إلى أجل. ولم يعرف لهما مخالف؛ فكان إجماعاً. وأما من جهة القياس؛ فلأنهما عوضان، لا يحرم التفاضل في كل واحد منهما؛ فلا يحرم فيهام النَّساء؛ كما لو باع ثوباً من قطن بثوب من إبريسم، أو ثوباً هروياً بثوب مروي إلى أجل. ثم الرجل الآخر الذي روى عنه الشافعي، قال بعض الشارحين: "هو عبد الله بن

стр. 4188

عبيد الله بن هرمز". وفي "الحاوي" أنه الأشعث الصنعَانيّ، وقد اختلف في قوله: "فمن زاد أو استزاد" على وجهين: أحدهما: أن هذا شكٌ [آخرُ] من الشافعي. والثاني: أن النبي ﷺ تلفظ بهما جميعاً، وأراد بقوله: "زاد": أعطى الزيادة، و [بقوله]: "استزاد": أخذ الزيادة [أو طلبها]. قال: "فأمَّا الذهب والفضة فإنه يحرم فيهما الربا لعلة واحدة وهي أنهما قيم الأشياء" أراد الشيخ بذلك التنبيه على مذهب أبي حنيفة وأحمد؛ فإن عندهما العلة فيهما كونهما موزونين من جنس واحد، فعدياها إلى الرصاص، والنحاس، والحديد، والقطن، والصوف، والكتان، وجميع ما يوزن في العادة. ووجه ما ذكرناه: أن الذهب والفضة يجوز إسلامهما في جميع الموزونات، فلو كانت العلة فيهما وفي سائر الموزونات واحدة لم يجز إسلامهما في ذلك؛ لأن كل شيئين جمعتهما علة واحدة في الربا لا يجوز إسلام أحدهما في الآخر [كإسلام] الذهب [في الفضة] والعكس؛ والبر في الشعير والعكس؛ فدلّ على أن غيرهما لم يشاركهما في العلة. واعلم أن القاضي أبا الطيب [اعترض على من جعل العلة في الذهب والفضة كونهما قيم الأشياء وقيم المتلفات، بأن غير المضروب من الذهب والفضة ليس بقيمة للأشياء، ولا ثمناً لها، والربا يجري فيهما، والعبارة الصحيحة: كونهما جنس الأثمان غالباً، وكأنه أراد بقوله: "غالباً" الاحتراز عن الفلوس إذا راجعت؛ فإنه لا ربا فيها عند العراقيين، وقد أجرى الغزالي فيها وجهاً. قال: "وأمَّا المأكول والمشروب إنه يحرم فيهما الربا لعلة واحدة، وهو أنَّه مطعوم"، والدليل عليه: ما روى معمر بن عبد الله: "أن النبي ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ إلاَّ مثلاً بمثلٍ"، فعلق المنع على الطعام، وهو اسم مشتق، وتعليق الحكم

стр. 4189

على الاسم المشتق يدلُّ على التعليل [بما فيه من الاشتقاق] كقوله تعالى: - الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢]- وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨]- إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] فإنه يدل على تعليل الجلد بالزنى، والقطع بالسرقة، والتثبُّت لأجل الفسق، كذلك هاهنا [يدل على التعليل بالطعم]؛ ولأن الحكم يوجد بوجود هذه العلة، ويزول بزوالها؛ ولذلك فإن الحبَّ يجري فيه الربا وهو مأكول، فإذا زرع صار قصيلاً غير مطعوم لم يكن فيه ربا، فإذا أَعْقَدَ الحبُّ فيه صار مطعوماً؛ فجرى فيه الربا، والدوران يفيد العِلِّية. فإن قيل: لا نسلم أنه مشتق، ولا نسلم الاكتفاء في التعليل بمجرد التعليق على المشتق بدون المناسبة، وما ذكرتموه من الدوران فذلك لكونه مكيلاً في حال كونه حبًّا، فإذا صار قصيلاً لم يكن مكيلاً، فإذا انعقد الحبُّ صار مكيلاً فاندفع ما ذكرتموه. قيل: أمَّا الاشتقاق فظاهر؛ فإنه يصح إطلاقه على كل مستطعم، بدليل قوله تعالى: - كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: ٩٣] يعني: كل مطعوم. وقوله: - فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس: ٢٤] ثم فسره بقوله: - فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً *وَعِنَباً) [عبس: ٢٧، ٢٨] إلى غير ذلك، وقوله: - وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] أي: ذبائحهم، وقال –﵇ – في "ماء زمزم": "إِنَّهُ طَعَامُ طُعْمٍ وَشِفَاءُ سُقْمٍ"، وقالت عائشة: "مَكَثْنَا دَهْراً مَا لَنَا طَعَامٌ إِلاَّ الأسْوَدَانِ التَّمْرُ والماءُ". وأمَّا اشتراط المناسبة في الوصف المشتق المعلق عليه الحكم، فالجمهور على أن المناسب ليست بشرط، ومن زعم أنها شرط – كما صار إليه الإمام – فيجاب بأن وجه المناسبة حاصل؛ لأن الله تعالى قال: - وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] والعبادة متوقفة على البقاء، والبقاء متوقف على ما جعله الله سبباً له، وهو بتناول المأكول والمشروب، وفي تضييق باب الاتجار فيهما إظهار شرفهما

стр. 4190

وتيسرهما، وهذا المعنى جارٍ في كل مطعوم، وهو جار في جوهري الأثمان اللذيْن يتوصل بهما إلى ذلك غالباً، وإلى سائر الحاجات، وهذا مناسبَ اقترن الحكم به؛ فيغلب على الظن أنه العلة، ولا يقال: "وجب أن يختص بالأقوات لشدة الحاجة إليها؛ لأنه – ﵇ – نصَّ على أصناف مختلفة المقاصد، مع الاشتراك في أنها مطعومة؛ فدلّ على التعليل بالقدر المشترك فيها، فنصَّ على البر والشعير، والمقصود منهما القوت، فأُلحق بهما ما في معناهما كالأرز والذرة وغيرهما، ونصّ على التمر، والمقصود منه التأدُّم والتفكه، وقد يؤكل قوتاً؛ فالتحق به ما في معناه وهو الزبيب والبر وغيرهما، ونص على الملح، والمقصود منه الإصلاح؛ فالتحق به كلُّ ما يحتاج إليه من المطعومات للتداوي [والإصلاح]. وأمَّا قولهم: "إن الحبَّ إذا عقد صار مكيلاً فممنوع؛ لأنه ما دام في سنبله فليس بمكيل، وإنما يقف كيله على يبسه وحصاده ودَوْسه، وتلك صفة ليست بموجودة في الحال؛ فتقرر ما ذكرناه، وهو المذهب الجديد. وفي القديم أن العلة مع الطعم التقدير في الجنس بالكيل أو الوزن؛ فلا يجري الربا فيما لا يوزن ولا يكال من المطعومان: كالسفرجل، والرمان، والبيض، والجوز، والأترج، والنارنج، وغير ذلك، ولو جفف منه شيء على ندور وجرى فيه الوزن، فكذلك الحكم عند القفال على ما حكاه الإمام – والد الإمام – قال الإمام: والظاهر (بخلاف هذا)، وقد أفسد القديم بما روى "أنه – ﵇ – نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ إلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ" ولم يفرق بين المطعوم المكيل والموزون والمعدود؛ فهو على عمومه، وعن القديم احترز الشيخ بقوله: "لعلة واحدة"، [وبقوله:] "وهو أنه مطعوم" عما حكى عن الأودني من أصحابنا أن العلةَ الجنسيّةُ لا غير، حتى لا يجوز بيع مال بجنسه متفاضلاً. وقد اختلف الأصحاب على الجديد في مسائل، وهي: الماء، والأدهان المطيبة، وبزر الجزر، والبصل، والفجر، والسلجم، وكذا القرطم، وكذا حب الكتان ودهنه

стр. 4191

- إن قلنا بجريانه في حبه – ودهن السمك – وصغار السمك – إن قلنا: يحل تناوله – والزعفران، قال مجل: ولا أعر بجريانه في الزعفران وجهاً إلا كونه يطيب به الطعام، فيلتحق بالملح، وهذا يلزم عليه غيره من الطيب كالمسك والكافور وغيرهما، وقد أجرى الخلاف أيضاً في ماء الورد، والسقمونيا، والصمغ، والزنجبيل، والمصطكي، والطين الذي يؤكل تفكهاً وسفهاً، كالطين الخراساني دون الأرمني، والمختوم؛ فإنه دواء، فيجري فيه الربا وجهاً واحداً. وقيل بجريان الخلاف فيه أيضاً، حكاه ابن التلمساني. ويجري – أيضاً – في كل ما لم يكن أصله مأكولاً من الأدهان، وهو في نفسه مأكول كدهن الخروع وحب القرع، كما حكاه الماوردي، واختيار ابن [أبي] عصرون جريان الربا في الأدهان المطيبة ودهن السمك وبزر الكتان وغيره، وأنه لا يجري في الماء والطين الذي يؤكل سفهاً، والصحيح عند غيره جريان الربا في الماء إذا قلنا بصحة بيعه والزعفران والسقمونيا والمصطحي، والسمك الصغير، وأنه لا يجري في [دهن البزر. وحكى الإمام عن العراقيين القطع به، وكذلك لا يجري في] ودك السمك المعدِّ للاستصباح وطلي السفن، ثم قال: "ويظهر في هذا جعله مال ربا؛ فإنه جزء من السمك"، ورجح في السمك الصغير القول بعدم جريان الربا فيه؛ لأنه لا يعد للأكل. ولا نزاع في أنه يجري فيما عدا هذه الأشياء من الفواكه والحبوب والبقول والتوابل، وفيما يؤكل نادراً كالبلوط، وفيما لا يؤكل إلا مع غيره، قال في "التتمة": "ولا يجري في أطراف قضبان الكرم وإن كان يؤكل"، وكذلك لا يجري فيما هو مأكول للبهائم كالحشيش والتبن وغيرهما، ولو كان مما يأكله الآدميون والبهائم فالمعتبر فيه أغلب الحالين من أكل الآدميين والبهائم. ولو استوت حالتاه فكان اكل البهائم له كأكل الآدميين، قال الماوردي: قد اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما – وهو الصحيح -:جريان الربا فيه. والثاني: لا ربا فيه؛ لأن الصفة لم تخلص.

стр. 4192

قال: فمتى باع شيئاً من ذلك بجنسه حرم فيه التفاضل"؛ لقوله ﵇: "سَوَاءً بِسَوَاءٍ". وأمَّا قوله ﵇:"إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ" فقد قال الشافعيُّ: "إنه جواب من النبي ﷺ لسائل سأله عن التفاضل في جنسين مختلفين، فنقل الراوي جوابه ﵇ -وأغفل سؤال السائل. قال: "والنَّساء"؛ لقوله ﵇ عَيْناً بِعَيْنٍ، والمعنى: بالعين الحاضرة، ويلزم ذلك الحلول؛ لأن النَّساء هو الأجل، والأجل إنما يثبت إذا كان في الذمة، والعين ليست في الذمة، وكل معين لا أجل فيه فيلزم من اشتراط التعيين والحضور نفي الأجل - وهو الحلول - ومما يدلُّ على ذلك قوله ﵇ في إبدال الدراهم بالدنانير وبالعكس: "لاَبَاسَ إِذَا تَفَرَّقْتُمَا وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا شَيْء" والأجل يبقى

стр. 4193

عُلْقةً بعد التفرق، والنساء – بالمد – التأجيل. قال: "والتفرق قبل التقابض"؛ لقوله – ﵇: "يَداً بِيَدٍ"، ولا فرق بين النقدين بين المصوغ منهما وغير المصوغ، ولا بين التبر وغيره، ويدل عليه قوله – ﵇: "الذَّهبُ بِالذَّهَبِ تِبْرُهَا وَعَْنُهَا، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا". أخرجه أبو داود عن عبادة. وروى الشافعي في القديم عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء [بن يسار] أن معاوية باع سقاية من ذهب أو وَرِقٍ بأكثر من وزنها، فاقل أبو الدرداء: "سمعت النبي ﷺ نَهَى عَنْ مِثْلِ هَذَا، إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ"، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا أَرَى بِهَذَا بَاساً، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ هَذَا؟! أُخْبِرُهُ عَنْ النَّبي ﷺ وَيُخْبِرُنِي عَنْ رَايِهِّ، قدم على عمر فأخبره بذلك، فَكَتَب عُمَرُ إلَى مُعَاوِيَةَ: "ألا لاَ تَبِعْ ذَلِكَ إِلاَّ وَزْناً بِوَزْنٍ مِثْلاً بِمِثْلٍ". ولا فرق – فيما ذكرنا – بين أن يكون العقد وارداً على العين أو الذمة، وإن كان ظاهر الخبر قد يمنع إذا ورد العقد على ما في الذمة؛ لأنهما [إذا] عينا في المجلس صار عيناً بعين، كما إذا تقابضا في المجلس كان يداً بيد. وفي "الرافعي" في كتاب "السلَم" حكاية وجه: أنه لا يجوز بيع الطعام بالطعام في الذمة، ويقوم مقامَ قبض العاقد قبضُ وكيله بحضرته في المجلس، وكذا وارثه إن قلنا: إن خيار المجلس لا يبطل بالموت، دون ما إذا فارق الموكل المجلس قبل القبض، أو قلنا: ببطلان خيار المجلس بالموت؛ فإنه يبطل العقد. قاله الإمام في آخر "الوكالة" والماوردي هنا. ولو أحال أحدهما على صاحبه بما وجب له عليه، فإن قبض في المجلس جاز، إن قلنا إن الحوالة استيفاء؛ لأنها ليست باستيفاء حقيقة. قاله الماوردي وغيره.

стр. 4194

والتخاير قبل التقابض هل يقوم مقام التفرق؟ فيه وجهان: أصحهما – وهو ما حكاه في "المهذب" -: نعم؛ فيفسد العقد. والثاني – وهو اختيار ابن سريج، وما حكاه الماوردي -: لا؛ فيصح العقد، ولا يلزم، ويكون وجود التخاير كعدمه. وقال الشيخ أبو محمد: هل يبطل الخيار؟ فيه وجهان، فإن بطل بطل العقد، وإلا فلا. فرع: لو ادعى أحدهما التفرق قبل التقابض، وأنكره الآخر، قال الماوردي: القول قول من ينكر القبض، ويكون الصرف باطلاً. وفي "المرشد" – في باب اختلاف المتبايعين -: إن كان ما باعه كل منهما في يد صاحبه، فالقول قول من يدعي حصول القبض، وكذا لو كان المالان في يد أمين، أو في يد موضع التبايع. ويعضد ذلك ما حكاه ابن الصباغ في "السلم" فيما إذا اختلفا في قبض رأس المال قبل التفرق أو بعده، أن القول قول من يدعي الصحة، ولم يحك سواه، وطرده فيما إذا كان في يد المسلم، وادعى المسلم إليه أنه أوعه إياه أو غصبه. قال: وإذا باع من غير جنسه، فإن كان مما يحرم فيهما الربا بعلة واحدة: كالذهب والفضة، والحنطة والشعير، جاز فيهما التفاضل، وحرم فيهما النَّساء والتفرقُ قبل التقابض؛ لقوله – ﵇: "إذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ يَداً بِيَدٍ"، وفي لفظ: "إذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافْ"، [فشرط التقابض]، وهو يستلزم الحلول. وقد روى أبو بكر النيسابوري في "الزيادات" عن عبادة أيضاً عن النبي ﷺ قال: "الشَّعِيرُ بِالشََّعِيرٍ كَيْلاً بِكَيْلٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فقَدْ أَرْبَى".

стр. 4195

ولا بأس ببيع الشعير بالبر والشعير، أكثرهما يداً بيدٍ. وفي هذا الحديث دليلٌ على من ادّعى أن الشعير والقمح جنس واحد. قال: "وإن لم يحرم فيهما الربا لعلة واحدة كالذهب والحنطة، والفضة والشعير، جاز فيهما التفاضل والنَّساء والتفرق قبل التقابض". قال في "المهذب": لإجماع الأمة على جواز إسلام الذهب والفضة في غيرهما من المكيلات والموزونات. وقد تقدم في صدر الباب ذكر الدليل على عدم جريان الربا فيما عدا ما ذكر. قال: وكل شيئين جمعهما [اسم خاص]؛ كالتمر المعقلي والبرنيّ، وكذا الحنطة الصعيدية والبحرية، والزبيب الأبيض والأسود، والمشمش، وغير ذلك. [قال:] "فهم جنس واحد" أي: فيحرم فيهما التفاضل والنساء والتفرق قبل التقابض؛ لعموم قوله – ﵇ – في حديث عبادة: "وَلا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ، وَلا الْبُرَّ بِالْبُرِّ"، وكل منهما طلق عليه اسم التمر والبر، ولما روى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: "جاء بلال بتمر برني، فقال له رسول الله ﷺ :"مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ " فقال بلال: "تمرٌ كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع لمطعم النبي ﷺ فقال رسول الله عند ذلك: "أَوَّه عَيْنُ الرِّبَا، لاَ تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشَترِيَ التَّمْرَ فَبِعْهُ بِبَيْعٍ آخَرَ ثَمَّ اشْتَرِ بهِ"، وقال في آخر: "لاَ تَفْعَلُوا وَلَكِنْ مِثْلاً بِمِثْلٍ، أَوْ بِيعُوا هَذَا وَاشْتََرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هذَاَ". وكذلك المُرّان والعَلس.

стр. 4196

قال الشيخ: هو صنفٌ من الحنطة، والسلت جنس برأسه ليس بحنطة ولا شعير، والتمر الهندي جنس برأسه. وقال ابن القطان: إنه من جنس التمر، وليس بشيء. واحترز الشيخ بالاسم الخاص عن أن يجمعهما اسم عام كالفاكهة المقولة على التفاح والسفرجل وغيرهما، والحب القول على الحنطة والشعير والسلت. وزاد في "المهذب" إلى ذلك أن يكون من أصل الخلقة؛ ليحترز به من الأَدِقَّة والأدهان، فإن الاسم يتحد بتفريق الأجزاء أو العصير. قيل: ولا حاجة إلى زيادة هذا القيد كما أسقطه في "التتمة"؛ فإن الاسم الخاص فيها لا يكون إلا مع الإضافة كقوله: "دقيق بر، ودهن سمسم" ونحو ذلك. تنبيه: المَعْقِلي – بفتح الميم وإسكان العين المهملة – نوع من التمر معروف بالعراق منسوب إلى معقل بن يسار الصَّحَابي، وإليه يُنسب نهر معقل بالبصرة. والبرني: ضرب من التمر أصفر مدوَّر، واحدته: برنيَّة –قال صاحب "المحكم": "وهو أجود التمر". وقد قال الشيخ في باب "السلم": "إن المعقلي أفضل". قيل: وليس الأمر كذلك. قال: "وما لا يجمعهما اسم خاص – كالحنطة والشعير، واللحم والشحم، والآلبة والكبد – فهما جنسان"، أي: فلا يحرم فيهام التفاضل؛ لقوله – ﵇ – في حديث عبادة: "فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَجْنَاسُ" – وروى: هذه الأصناف – فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَداً بيَدٍ" فذكر ستة أشياء، وحرم فيها التفاضل إذا باع كل شيء بما يوافقه في الاسم، وأباح فيها التفاضل إذا باعه بما يخالفه في الاسم، وسماه اختلاف الجنسين، وهو موجود فيما ذكرناه؛ فعلى هذا: الشحم جنس، والكبد جنس، وكذا أبعاض الحيوان، وهل هو من سائر الحيوان جنس واحد أو أجناس؟ فيه قولان كما سيأتي في اللحوم. وحكى الشاشي في "الحلية" وجهاً في أن الآلية من اللحم، وهو احتمال أبداه الإمام.

стр. 4197

وحكى الماوردي وجهين في أن الألية مع [ما] حمله الظهر صنف من الشحم أم لا؟ أحدهما: أنهما مع الشحم صنف. والثاني: أنهما أصناف مختلفة غير الشحم. وحكى المراوزة في أبعاض الحيوان طريقين: أحدهما: أنا إن قلنا: إن اللحوم أجناس، فهذه أولى؛ لاختلاف أسمائها وصفاتها، وإن قلنا: إنها جنس واحد، فوجهان. والثاني – عن القفال-: أنا إن جعلنا اللحوم جنساً واحداً، فهذه الأشياء مجانسة لها، وإن جعلناها أجناساً فوجهان؛ لاتحاد الحيوان، فصار كشحم الظهر وبطنه، وعلى المذهب: القلبُ ملحق عند العراقيين بالكبد، وعند المراوزة باللحم والجلد، وشحم الظهر مع شحم البطن جنسان، وسنام البعير معهما جنس آخر، والرأس والأكارع من جنس اللحمن وفي الأكارع عند الإمام احتمال، والله أعلم. قال: "وفي اللُّحْمان والألبان قولان، أصحهما: أنهما أجناس؛ فيباع لحم البقر بلحم الغنم متفاضلاً"؛ لأنها فروع لأصول هي أجناس؛ فوجب أن تكون الفروع أجناساً كالأدِقَّةِ والأدهان؛ فإن دقيق الحنطة جنسٌ، ودقيق الشعير جنسٌ، ودقيق الأرز جنسٌ، لأن الحبوب التي هي أصولها أجناس، وكذلك الأدهان أجناس؛ لأن أصولها من السمسم واللوز والجوز أجناس، ولم يعتبر اشتراكها في الاسم بعد ذلك؛ فكذلك اللحمان والألبان. قال: "والثاني: أنهما جنس واحد"؛ لأنها اشتركت في الاسم الخاص في حال حدوث الربا فيها؛ لأن الجميع يُسمى لحماً ولبناً، وإنما يتميز بالإضافة، يقال: لحم بقر، ولحم إبل، ولبن بقر، ولبن إبل؛ كما يقال:"تمر" في الجميع، ثم يتميز بالإضافة فيقال: "تمر معقلي، وتمر برني، وتمرٌ طبرزدي". وقد حُكي طرد هذا القول أيضاً في الأدقة عن رواية حرملة، وخرجه أبو علي بن أبي هريرة في الأدهان أيضاً.

стр. 4198

وحكى ابن الصباغ طرده في الحلول. قال الماورديُّ؛: وذهب سائر أصحابنا إلى فساد تخريج ابن أبي هريرة، والفرق بين التمر وبين اللحمان والألبان: أن الطلع شيءٌ واحدٌ، وبعضهم جزم في الألبان بالقول الأول؛ جرياً على ظاهر النص. وفرق بينهما وبين اللحوم بأن الأصول التي حصل اللبن فيها باقية بحالها، وهي مختلفة؛ فَيُدَامُ حكمها على الفروع، بخلاف أصول اللحم. وفي "الحاوي": أن القول الآخر فيه نصَّ عليه في القديم. التفريع: إن قلنا: "إنها جنس [واحد] فلا فرق بين لحوم الحيوانات البرية أَهْلِيِّها ووَحْشِيِّها، وكذا ألبانها، وكذا لحوم البحريات جنسٌ واحد، وفي لحوم البحريات مع البريات وجهان: أحدهما – وبه قال أبو علي الطبري، والشيخ أبو حامد -: أنهما جنسان. والثاني: أنهما جنس واحد؛ لشمول الاسم – وهو اختيار القاضي أبي الطيب وابن الصباغ، وهوا لذي أورده في "التهذيب" -. وإن جعلناها أجناساً فحيوان البر مع حيوان البحر جنسان، ثم الأهليات من حيوان البر جنس، والوحشيات جنس، ثم لكل واحد من القسمين أجناس، فلحوم الإبل وألبانها على اختلاف أنواعها جنس، ولحوم البقر والجواميس وغيرها وألبانها جنس، ولحوم الغنم وألبانها ضَانها ومعزها جنسٌ، والبقر الوحشي جنسٌ، وفي الظبي مع الإبل تردد للشيخ أبي محمد، واستقر جوابه على أنها كالضأن والمعز، وقد صرح المتولي بحكاية [ذلك] وجهين عن الأصحاب، وأن وجه إلحاقهما [بالغنم] أنهما يقربان منها، والتفاوت الذي بين الظبي والمعز ليس بأكثر من التفاوت الذي بين المعز والضأن، والصحيح أنهما لا يلحقان بالغنم – كما في الزكاة – والطيور والعصافير على اختلاف أنواعها جنس، والبُطُوط جنس. وعن الربيع: أن الحمام وكل ما عَبَ وهدر جنس، فيدخل فيه القُمري، والدّبسي، والفاخت، وهو اختيار الإمام والبغوي وجماعة، واستبعده العراقيون، وجعلوا كل

стр. 4199

واحد منهما جنساً برأسه. والسُّموك من حيوان البحر جنسٌ، وفي غنم الماء وبقره وغيرهما مع السموك هكذا، وفي بعضها مع بعض قولان؛ أصحهما: أنها أجناس كحيوان البر. وهل الجراد من جنس اللحوم؟ فيه وجهان: فإن قلنا: نعم فهو من البريات أو البحريات؟ [فيه] وجهان. فروع: دهن الورد والبنفسج والبانِ جنس [واحد]؛ لأن أصلها الشيرج، وإنما اكتسبت الروائح المجاورة لهذه الأشياء – قاله الماوردي وغيره-. وزيت الفجل مغاير لزيت الزيتون؛ فهما جنسان. وقال بعض الأصحاب: إنهما كالألبان. ولا يصح؛ لأن اشتراكهما في الاسم ليس اشتراكاً في أول دخولهما في الربا، بخلاف الألبان. وعسل القصب والنحل، وعصير العنب والرطب أجناس، وكذا دبس العنب والرطب جنسان. وفي "الرافعي" ما يقتضي جريان وجه في أن عصير العنب مع عصير الرطب جنس واحد، وفي عصير العنب مع خَلِّهِ وجهان، أظهرهما: أنهما جنسان. والسكر والنبات جنس واحد، وفي السكر والفانيذ وهجان، واستبعد الإمام قول من اقل: إنهما جنس واحد، وأمَّا السكر الأحمر الذي هو عَكَرُ السكر الأبيض – وهو من قصبه – ففيه مع الأبيض تردد؛ من حيث إنه يخالف صفته مخالفة ظاهرة. قال [الإمام]: ولعل الأظهر أنه منجنسه. وبيض الطيور أجناسٌ إن جعلنا اللحوم أجناساً، وإن جعلناها جنساً واحداً فهي أجناسٌ أيضاً في أصح الوجهين. والبقول كالهندبا والنعنع وغيرها أجناس إذا قلنا بجريان الربا فيها، وفي القثاء مع الخيار وجهان، وفي البطيخ المعروف مع الهندي وجهان. تنبيه: اللُّحمان – بضم اللام – جمع: لحم، وتجمع أيضاً على: لُحُوم،

стр. 4200

ولِحَام؛ كصَحْب وصِحاب. قال: وإن اصطرف رجلان وتقابضا، ثم وجد أحدهما بما أخذ عيباً، أي: لا يخرجه عن الجنس، كالدراهم الخشنة، والصفرة في الذهب وغير ذلك. قال: فإن وقع العقد على العين وردَّه انفسخ البيع ولم يجز أخذ البدل، أي: إلاَّ بعقد جديد؛ لأن الدراهم والدنانير عندنا تتعين إذا ورد العقد عليهما؛ ولا يجوز للبائع إبدالهما قبل القبض؛ كما في الصاع من الحنطة، والثوب والعبد إذا ورد العقد على عينه، وهذه الأشياء لو تلفت أو رُدَّت بعيب قبل التفرق أو بعده انفسخ العقد، ولم يجز أخذ البدل؛ فكذلك الدنانير والدراهم، وإنما قلنا: إن الدراهم والدنانير يتعينان بالتعيين كقوله ﵇ في حديث عبادة: "عَيْناً بِعَيْنٍ"، وذلك يدل على أنهما يتعينان، ولو كانا لا يتعينان لما كان عيناً بعين، ولأنه عوض يتعين بالقبض؛ فجاز أن يتعين بالعقد أصله إذا عين ما ذكرناه، ومن قال بأنهما لا يتعينان بالتعين ويجوز للبائع إبدالهما، وإذا تلف لا ينفسخ العقد - وهو أبو حنيفة - متمسكاً فيه بأنه لا غرض في أعيانهما، وإنما الغرض في ماليتهما؛ فكان كتعين الميزان - فقد ناقض مذهبه في تعيينهما في الغصب، والوديعة، وهو يبطل بما [علل به]، على أنَّا نقول: قد يكون له فيهما غرض بأن نعلم أنهما من كسب حلال، ولا نعلم ذلك في غيرهما، ونقول: ما قاله يبطل أيضاً؛ بما إذا أورد العقد على صاع من صبرة، وتلف جميعها. إذا فهم ذلك عرف فائدة قول الشيخ: "ولم يجز أخذ البدل"، ولا فرق فيما ذكرناه من تعيين الدراهم بين أن يكون في عقد الصرف أو غيره. قال: "وإن كان على عوض في الذمة"، أي: بشرطه إمَّا بالوصف أو بالإطلاق، ولم يكن ثم نقد غير واحد، أو نقود وأحدها أغلب - "جاز أن يردّ ويطالب بالبدل قبل التفرق؛ لأن العقد وقع على ما في الذمة صحيحاً لا عيب فيه، فإذا قبض معيباً كان له أن يطالبه بما في ذمته مما تناوله العقد؛ كما إذا قبض المسلم فيه ثم وجد به عيباً، ويخالف ما إذا ورد العقد على عينه؛ فإنه لا يملك المطالبة بالبدل؛ لأن العقد غير متناول له؛ فلا يجوز المطالبة بما لم يتناوله العقد. قال: "و [فيما] بعد التفرق قولان:

стр. 4201

أحدهما: يرد، [ويطالب بالبدل] "؛ لأنه يجوز الإبدال فيه "قبل التفرق"؛ فوجب أن يجوز بعده إذا لم ينفسخ العقد بالتفرق؛ قياساً على المسلم فيه؛ فإن للمسلم إبداله إذا وجد به عيباً، سواء فارق مجلس القبض أو لم يفارقه، وهذا هو الأصح في الرافعي وغيره، لكن بشرط قبض البدل قبل التفرق من مجلس الرد. "والثاني: أنه بالخيار إن شاء رضي به، وإن شاء ردّه، فإذا ردّ انفسخ البيع"؛ لأنّا لو جوزنا إبداله، لكان قبضه بعد التفرق من مجلس العقد، ولا يجوز قبض العوض في الصرف بعد التفرق [من مجلس العقد] ويخالف المسلم فيه؛ لأن قبضه لا يختص بالمجلس، وفي أي موضع قبض جاز، وبنى الإمام هذا الخلاف في كتاب "الكتابة" على أنْ الدين إذا قبض ناقصاً عن وصفه، وكان المقبوض من جنسه متى يملك؟ هل يملك بالقبض أو بالقبض مع الرضا؟ [و] فيه قولان: فإن قلنا: [إنه] يملك بالقبض صح إبداله، وإن قلنا: لا يملك إلاَّ بالرضا، فلا يجوز إبداله. قلت: ومقتضى هذا البناء: أن يجري الخلاف فيما إذا رضي به بعد التفرق، ولأن الملك حصل بعد التفرق ولم أره، ولا يقال: إنا بالرد نتبين قول عدم الملك، أمَّا إذا جاز فلا يجيء هذا القول، بل يستمر الملك، وقد أشار الإمام إلى ذلك بقوله من قبل: "فإن رضي استمر الملك؛ لأنّا نقول: قد حكى من بعد أن الخيار بسبب هذا النقض هل هو على الفور؟ ينبني على الخلاف، فإن قلنا: لا يملك بالقبض ما لم يرض، فلا شك أن معنى الفور لا يتحقق، بل الملك موقوف على الرضا متى كان، وهذا يدلُّ على أن جريان الخلاف، وإن لم يجر بعد سخ. فرع: لو كان العيب ببعض المعقود عليه وأثبتنا الخيار فيه: فإن رده بجملته فلا كلام، وإن أراد أن يرد المعيب خاصة فهل له ذلك؟ فيه قولاَ تفريقِ الصفقة: فإن جوزنا ذلك فهل بقسطه من مقابله أو بكل المقابل؟ فيه قولان في "تعليق" القاضي أبي الطيب، وهذا إذا أورد الصرف على ذهب وفضة. أمَّا إذا كان ذهباً بذهب، أو فضة بفضة- قال القاضي أبو الطيب: بطل العقد وجهاً واحداً؛ لكونه من قاعدة "مد عجوة"؛ كالدينار الصحيح والدينار القراضة

стр. 4202

بدينارين صحيحين أو قراضة. أمَّا إذا كان العيب يخرجه عن الجنس، بأن وجده رصاصاً أو نحاساً، فإن كان في الكل بطل العقد في الكل إذا ورد على العين، كما نصّ عليه الشافعيُّ في كتاب "الصرف". وقال أبو علي في "الإفصاح": من أصحابنا من قال: البيع صحيحٌ ويخيّر فيهن ويجري هذا فيما إذا قال: بعتك هذه، فخرجت حماراً، وهذه نوع من البغال تشبه الحمير يكون بـ "طبرستان". وفيما إذا باع ثوباً على أنّه قز، فخرج كتاناً؛ لأن الكتان الخام يشبه القز، وهذا الجوهر على أنه عقيق، فإذا هو بخلاف ما شرط. ولو قال: بعتك هذا الحيوان، وهو حمار، أو هذا الشخص، وهو عبد، فإذا هو فرسٌ [أو جارية] – فإن كان المشتري عالماً بالحال انعقد البيع، وإن كان جاهلاً فهل ينعقد؟ فيه الخلاف، كذا قاله القاضي الحسين قبيل باب "بيع البراءة"، ويتجه طرد هذا التفصيل فيما ذكرناه. وإن كان العيب في البعض بطل العقد فيه على النص، وفي الباقي قولاَ تفريقِ الصفقة، فإن قلنا: تفرق، أخذ الباقي بحصته من الثمن. قال الماوردي: قولاً واحداً. وفي "تعليق" أبي الطيب تخريجه على التفصيل والخلاف السابق. قال البندنيجي: فإن قلنا: إنه يأخذ السليم بكل الثمن، [لم يكن له رد المعيب وإمساك الصحيح، وإنما يقال له: إمَّا أن ترد الكل أو تمسك الكل، وأمَّا أن تمسك البعض بكل الثمن] فهذا سفه لا يقبل منك. وفي [كلام القاضي والماوردي أيضاً إشارة إلى ذلك]. فائدة: كلام القاضي أبي الطيب [في "تعليقه"] مصرح بأن من حصل له البدل المعيب فيما إذا ورد العقد على ما في الذمة، واطلع على العيب بعد التفرق – يثبت له الخيار بين أخذه ورده واسترجاع ثمنه، وهل له المطالبة بالبدل؟ فيه الخلاف، وإلى ذلك

стр. 4203

يرشد قول الشيخ: "جاز أن يرد ويطالبه بالبدل قبل التفرق، وبعد التفرق قولان"؛ وكان ينبغي إذا قلنا بجواز أخذ البدل ألاَّ يثبت له الخيار في رده واسترجاع الثمن؛ لأن المعقود عليه باقٍ في الذمة؛ كما في المسلم فيه إذا ردّ بسبب العيب. وهذا قد صرح به المتولين وابن التلمساني في "شرحه"، لكن يشكل على بناء الإمام؛ فإنا إنما جوزنا الإبدال بناء على أنه ملك بالقبض، ومتى ملك المعيب بالقبض امتنع أن يكون حقه باقياً في الذمة. فرع: إذا ورد الصرف على ما في الذمة، ثم عين في المجلس بالقبض - فهل يكون كالمعين في حال العقد؟ في نظيره في رأس مال السلم خلافٌ، ويتجه جريانه هاهنا، فإن جري فمن ثمرته أنه إذا ردّ العقد هل يجب على القابض ردّ ما أخذ أو يجوز له ردّ بدله؟ فيه خلاف، وأنه إذا باع ما له في ذمة زيد من نقد لزيد بعوض موصوف في الذمة، وعينه في المجلس، فهل يكفي أم لابد من قبضه؟ إن قلنا: إنه كالمعين في العقد، خرج على القولين في اشتراط القبض، وإلا فلابد من القبض، لكن يلزم على هذا التقرير أنه إذا وجد به عيباً وردّه في المجلس لا يجوز له أخذ البدل على وجهٍ؛ كما إذا ورد العقد على عينه، ولم أره. [فرع] آخر: إذا طلع على العيب بعد التلف، وكان العوضان من جنس واحد - لم يكن له الرجوع بالأرش؛ لأنه يؤدي إلى التفاضل، ولكن يفسخ العقد، ويرد مثل التالف إن كان خالصاً، أو قيمته إن كان بَهْرَجاً، ويسترجع الثمن، وهذا ما أجاب به الماوردي والبندنيجي هنا وابن الصباغ والمتولي في مسألة الحلي إذا وجد به عيباً، وقد ذُكِرَ فيه وجه آخر: أنه يجوز أخذ الأرش، وهو الذي صححه في "التهذيب"، وهل يعتبر من جنس المعيب، أو بغير جنسه؟ فيه خلاف مذكور، ومثله يجري هاهنا؛ إذ لا يظهر بينهما فرق، ولو كانا من جنسين كالذهب بالفضة، فهل له أن يرجع بالأرش؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ اعتباراً بعيوب سائر المبيعات التالفة. قال الماوردي: "وهذا أقيس"؛ فعلى هذا يرجع بأرش الدينار من الدراهم، وبأرش الدراهم من المذهّب، ويتجه أن يجيء فيه الوجه الآخر - الذي تقدمت حكايته-.

стр. 4204

والوجه الثاني – وهو قول الشيوخ من أصحابنا البصريين، والجمهور من غيرهم -: لا يجوز له الرجوع بالأرش؛ لأن الصرف أضيق حكماً من سائر البيوعات، فلم يتسع لدخول الأرش فيه؛ لأن الأرش يعتبر بالأثمان؛ فلم يجز أن يكون الأرش داخلاً في الأثمان، فعلى هذا ينفسخ العقد، ويرجع عليه بمثل التالف أو قيمته إن كان بهرجاً، وقد ورد العقد على عينه، وإن ورد على الذمة ثم قبض في المجلس: فيرد بدله إن كان له مثل، أو قيمته إن كان بهرجاً، وهل له أن يأخذ بدله؟ فيه القولان السابقان، كذا حكاه الماوردي، وفي بعضه تناقض؛ لما حكيناه عنه في الباب الأول من كتاب البيوع، ولا يخفى أن جميع ما ذكرناه في الصرف يجري مثله فيما إذا باع ما يحرم فيه الربا بعلة الطعم [بما يحرم فيه الربا بعلة الطعم]. قال: "وما حرم فيه التفاضل، فإن كان ما يكال لم يجز بيع بعضه ببعض حتى يتساويا في الكيل"، أي: في علم المتعاقدين حالة العقد، ولا يكفي تساويهما في الوزن، وإن كان أحصر لما روى أبو داود عن النبي ﷺ أنه قال- في حديث عبادة -: "البُرّْ بالْبُرِّ مُدَّيْنِ بِمُدَّيْنِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مُدَّيْنِ بِمُدَّيْنِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ مُدَّيْنِ بِمُدَّيْنِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مُدَّيْنِ بِمُدَّيْنِ، فَمَنْ زَادَ أو ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى". وروى أنه ﷺ قال: "لاَ تضبِيعُوا الْبُرَّ بالْبُرِّ إِلاَّ كَيْلاً بِكَيْلٍ يَداً بِيَدٍ"، نصاً على التساوي بالكيل؛ فاقتضى ألا يعتبر التساوي فيه بالوزن؛ لأنه قد يخالف ما أمر به من الكيل. نعم، ولو علم تساوي صنف في الكيل والوزن هل يجوز بيع بعضه ببعض وزناً؟ [فيه وجهان محكيّان في "الحاوي". وحكى عن الفوراني أنه جوز بيع ما يكال وزناً] دون عكسه، والذي كان يكال على عهد رسول الله ﷺ الحبوب والأدهان، والألبان، والتمر والزبيب والملح. وحكى أصحابنا فيه إذا كان قِطَعاً كباراً وجهين: أحدهما: يُدق ويكال. والثاني: يوزن. وهو الأظهر. وفي كلام الإمام ما يدل على أن اللبن الخاثر يجوز كيله ووزنه، وألحق الأصحاب

стр. 4205

العصير بما يكال، وكذا السمن والعسل عند أبي إسحاق، على ما حكاه الرافعيُّ عنه في السمن، والقاضي أبو الطيب وغيره في العسل. وفي "الزوائد": أن أبا إسحاق قال في العسل: "إنه يباع كيلاً، بخلاف السمن" والمنصوص أنهما يوزنان، وتوسط صاحب "التهذيب" [في السمن] فقال: "إن كان ذائباً كان مما يكال، وإلاَّ فمما يوزن. وقال الماوردي:"إن كان ذائباً فلا يباع إلا كيلاً، وإن كان جامداً فوجهان: أحدهما: لا يجوز بيع بعضه ببعض؛ لأن أصله الكيل، وهو متعذر. والثاني: يجوز وزناً". قال: "فإن كان في أحدهما قليل تراب جاز"؛ لأنه يتخلل في المكيال، فلا يظهر أثره، وكذلك قليل التبن. أمَّا ما يظهر له أثر في المكيال ككثير التراب والتبن، أو كان المخالط قصيلاً –وهو عقد التبن – أو زُواناً – وهو حب أسود قريب من خلقة الشعير – لم يجز؛ للعلم برجحان المقابل، ولو باع القمح بالقمح، وفي أحدهما قليل شعير لا يقصد مثله، أو شعيراً بشعير، وفيهما أو أحدهما قليل قمح لا يقصد مثله – لم يضر. قال: "وإن كان مما يوزن لم يجز بيع بعضه ببعض حتى يتساويا في الوزن"،أي في علم المتعاقدين حالة العقد؛ لما روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْناً بِوَزْنٍ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَالْفِضَّةُ وَزْناً بِوَزْنٍ مِثْلاً بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَهُوَ رِباً"، ولما ذكرناه من المعنى. واستدل الماوردي وغيره على اعتبار الكيل فيما يكال بالحجاز في عصره ﷺ ، وإن كان يوزن في سائر البلاد، والوزن فيما يوزن بالحجاز في عصره – ﵇ – وإن كان يكال في سائر البلاد – بما روى طاوس عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالْوَزْنُ وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةَ"، وليس هذا القول
следующие страницы →