← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

عنها، فهل يحلف المرتهن؟ فيه قولان كما إذا نكل المفلس والوارث هل يحلف الغرماء؟ قال: وإن حصل من عين الرهن فائدة لم تكن حالة العقد كالولد، والثمرة فهو خارج عن الرهن؛ لما روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُوناً، وَلَبَنُ الدَّرُّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُوناً، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ". وعن قاسم بن أصبغ عن سعيد بن المسيب [وأبي سلمة] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لاَ يُغْلَقُ الرَّهْنُ، الرَّهْنُ لِمَنْ رُهِنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ"

стр. 4517

وقد روي مرسلاً عن سعيد، ورفع عنه في هذا الإسناد وغيره، قال عبد الحق: ورفعه صحيح.

стр. 4518

ولأن الرهن عقد لا يزيل الملك عن الرقبة فلم يسر إلى الولد، [كالثمرة، والإجارة]. وفي النهاية: حكاية وجه أن الاعتبار فيما يتبع المرهون في دخوله في الرهن، وما لا يتبعه بحالة القبض، فيلزم منه أن الثمرة إذا حدثت بعد العقد وقبل القبض يكون في دخولها في الرهن الخلاف السابق، وكذا فيما ذكرناه [معه] من قبل وهو غير

стр. 4519

سديد، وله أن ينزي على الحيوان لطلب الولد، إن كان محل المال قبل ظهور الحمل، أو يلد قبل حلول الدين، وإن كان يحل بعد ظهور الحمل وقبل الولادة، فإن قلنا: الحمل لا يعرف جاز أيضاً لأنها تباع معه، وإن قلنا: يعرف وهو الصحيح لم يجز؛ لأنه لا يمكن بيعها دون الحمل، والحمل غير مرهون ولا يجوز مثل ذلك في الأمة؛ لأن الحمل فيها نقص. نعم، لو اتفق أنها حملت، ودعت الحاجة إلى بيعها، فإن قلنا: [الحمل] لا يعلم بيعت، وكان كالوصف، وإن قلنا يعلم لم يكن مرهوناً، وتعذر بيعها، كذا قاله الأصحاب. وقد يعترض على قولهم بجواز الإنزاء، إذا كان الدين يحل بعد ظهور الحمل، من حيث إن الأظهر من الوجهين، كما حكاه الرافعي في "كتاب الصداق": أن الحمل في البهيمة نقص. وحكى عن بعضهم في الموانع من الرد بالعيب: إطلاق القول بأن الحمل الحادث نقص؛ لأنه في الحيوان المأكول ينقص اللحم وفي غير المأكول يخل بالحمل، وإذا كان كذلك وجب أن يمنع منه؟ وقد يجاب عن ذلك: بأن هذا القول مفرع على أن الحمل لا يعرف، وإذا لم يعرف لا يحسن أن يقول: إنه عيب قبل معرفته، وقد اختلف الأصحاب فيما إذا رهن نخلاً، ثم أطلعت – على طريقين: أحدهما: أن بيعها مع الطلع على قولين كما ذكرنا في الحمل. والثاني: القطع بأن الطلع غير مرهون فيباع النخل، وستثنى الطلع. والجريد الحادث بعد الرهن، حكمه حكم الثمرة. قال: وما يلزم [على] الرهن من مؤنة أي: مثل النفقة والعلف وسقي الأشجار ومؤنة الجذاذ وكراء اصطبل والبيت الذي يحفظ فيه وكذا نقله إلى المرتهن، أو إلى من يوضع تحت يده فهو على الراهن؛ للخبر الذي ذكرناه، وقد روى البخاري أيضاً

стр. 4520

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونَا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبْ بِنَفَقَتِهِ إِذَ كَانَ مَرْهُوناً، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ". ثم ما المراد بكونها على الراهن؟ فيه وجهان: أصحهما – وهو مذهب العراقيين- أنه يجب عليه أن يقوم بها من غير المرهون؛ استيفاء لوثيقة الرهن. والثاني: ويحكي عن الشيخ أبي محمد وغيره: أنه لا يجبر عند الامتناع لكن يبيع القاضي جزءاً من المرهون بحسب الحاجة، إلا أن يعلم أن النفقة تأكل المرهون قبل حلول الحق، فيلحق بما يفسد قبل الأجل فيباع، ويجعل ثمنه رهناً وهذا ما حكاه الغزالي عن قول المراوزة معبراً عنه بأن الإنفاق على الحيوان لا يلزمه إلا لحق الله تعالى، فإنه لم يرهن منه إلا ذاك، وضعف الرافعي هذا الوجه، بأن ذلك يفضي إلى إجراء الخلاف المذكور في رهن ما يتسارع إليه الفساد؛ إذ الاحتياج إلى هذه المؤنات محقق وهو بعيد، وعلى الأصح إذا لم يكن للراهن شيء أو لم يكن حاضراً باع الحاكم جزءاً من المرهون، وأكرى به بيتاً يحفظ فيه الرهن، وكذلك يفعل في مؤنة السقي والجذاذ والتجفيف، كذا حكاه الرافعي. وفي تعليق [القاضي] أبي الطيب أن الحكم كذلك فيما إذا لم يكن له مال، أما إذا كان غائباً فإن الحاكم يكري من ماله، فإن لم يجد مالاً أكرى من الثمرة، فإن قال المرتهن: أنا أعطي مقدار الأجرة من مالي، وأرجع عليه بها، وكذا لو قال ذلك فيما إذا لم يكن له مال، وأذن له الحاكم في الإنفاق، جاز، وإن لم يجد حاكماً أو أنفق بهذا الغرض، وأشهد؛ ففي الرجوع عليه وجهان؛ بناء على القولين في هرب الجمال. وأما المؤنات الدائرة فقد قال الرافعي: يشبه أن يقال: يحكمها حكم ما لو هرب الجمال، وترك الجمال المكراة أو عجز عن الإنفاق عليها، وهذا إذا لم يكن المرهون ماشية، أما إذا كان ماشية فللراهن أن يرعاها بالنهار ويأوي بالليل إلى الموضوعة على

стр. 4521

يده، وإن أراد الراهن أن ينتجع بها، فإن كان في موضع مخصب يكفي الماشية؛ لم يكن له الانتجاع، وإن أجدبت الأرض، ولم يكن فيها ما يكفي الماشية بحيث [أن] تتماسك، كان له أن ينتجع بها، وليس للمرتهن منعه. لكن يوضع على يد عدل تأوي إليه، وإن لم ينتجع الراهن وانتجع المرتهن؛ كان له ذلك، ولا يمنعه الراهن منه، وإن أرادا جميعاً النجعة إلى موضعين، فالمتبع الراهن، [قاله أبو الطيب،] وجعلت على يد عدل. أما المؤنات التي تتعلق بالمداواة؛ كالقصد والحجامة وتوديج الدابة، وتبزيغها، والتغريب، والمعالجة بالأدوية والمراهم فلا تجب عليه؛ [وأجرى المتولي الوجهين السابقين في المداواة،]. ومعنى التوديج: فتح الودجين؛ حتى يسيل الدم، وهو في الدابة بمنزلة الفصد من الآدميين. وأما التبزيغ فهو فتح الرَّهْصة. والماء إذا نزل في الحافر. يقال: بزغ البيطار الرهصة، وأصله من الشق؛ ولهذا يقال بزغت الشمس إذا طلعت. ومعنى التغريب: أن يشرط أشعار الدابة شرطاً خفيفاً لا يضر بالعصب، ثم يعالج وأشعار الدابة فوق الحافر؛ كذا حكاه أبو الطيب. ولا نزاع في أن للراهن فعل ذلك، إذا كان بحيث لا يخاف منه غائلة. وإن كان يخاف؛ فعن أبي إسحاق أن للمرتهن المنع منه، وقال أبو علي الطبري: لا منع منه، ويكتفي بأن الغالب منه السلامة واختاره القاضي أبو الطيب، وقد أجرى الخلاف في قطع اليد المتآكلة إذا كان في قطعها وتركها خطر، فإن كان الخطر في الترك دون القطع فله القطع، وليس له قطع سلعة وإصبع لا خطر في تركها، إذا خيف منه ضرر وإن كان الغالب السلامة ففيه الخلاف، وله أن يختن العبد والأمة في وقت اعتدال الهواء إن كان يندمل قبل حلول الأجل، وإن لم يندمل وكان فيه نقص لم يجز، وكذا لو كان به عارض يخاف معه من الختان.

стр. 4522

فرع: مؤنة رد المرهون بعد فكاكه على من تكون؟ فيه وجهان في الحاوي. أحدهما: على الراهن. والثاني: على المرتهن. قال: والرهن أمانة في يد المرتهن فإن هلك أي من غير تفريط لم يسقط من الدين شيء وجهه قوله تعالى: - وَلَمْ تجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فجعل الرهن بدلاً من الكاتب، والإبدال في غالب أحكامها في حكم ميدلاتها؛ كالصيام في الكفارة والتيمم في الطهارة؛ لما كان أصلها واجباً لذلك كانا واجبين، وإذا وجب أن يكون حكم البدل حكم المبدل وجب أن يكون حكم الرهن حكم الكتاب، وتلف الكتاب لا يسقط الدين فكذلك الرهن، وما روى معمر وابن أبي ذئب وإسحاق بن راشد وابن أبي أنيسة، عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يُغْلَقُ الرَّهْنُ، الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ؛ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ". وجه الدلالة: قوله: من صاحبه، يعني: من ضمان صاحبه، فإنه لا يصح حمله على أنه من ملك صاحبه؛ لأن حرف التمليك هوا للام، فلو أراد الملك لقال الرهن لصاحبه. ولفظة من تستعمل في الضمان. وأيضاً قوله: [له] غنمه وعليه غرمه. فالغنم: الزيادة والنماء، والغرم: العطب والنقص. ومن جهة المعنى: أنه وثيقة في دين ليس بعوض فيه، فوجب ألا يسقط بتلفه؛ كالضامن والشاهد. وفيه احتراز من تلف المبيع في يد البائع، وإذا ثبت لنا في هذه الصورة أنه غير مضمون [مع أن المرتهن قبض العين لغرض نفسه] فهو إذا كان في يد العدل من طريق الأولى. وحكم ثمن المرهون إذا ضاع في يد العدل بعد أن باعه بالإذن، حكم تلف المرهون، وحكم المرهون بعد زوال الرهن في يد المرتهن في كونه غير مضمون

стр. 4523

كما قبل زواله. وقال ابن الصباغ: [ينبغي أن] يكون بعد الإبراء [في الغنيمة]، كمن طير الريح ثوباً إلى داره؛ حتى يعلم الراهن به أو يرده؛ لأنه لم يرض بيده إلا على سبيل الوثيقة، [بخلاف ما إذا علم؛ لأنه قد يرضى بتركه عنده]. فرع: إذا خرج الرهن مستحقاً، وقد تلف في يد المرتهن، فهل للمالك مطالبته ببدله؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم، وعلى هذا إذا غرم هل يرجع على الراهن؟ فيه وجهان: أظهرهما: نعم، وقد قطع المراوزة بالمطالبة والرجوع، وهذا الخلاف يجري في المستأجر من الغاصب والمودع منه، والمضارب والوكيل في بيعه. قال: فإن اختلفا في رده فالقول قول الراهن؛ لأن يد المرتهن على العين لغرض نفسه وهو متمكن من إقامة البينة على ما ادعاه، فلم يقبل قوله كالمستعير وهكذا الحكم عند العراقيين في دعوى المستأجر رد العين، واختلفوا في الوكيل بجُعل، وعامل القراض والأجير المشترك إذا لم يضمنه، إذا ادعى الرد على وجهين، [لأن يد هؤلاء نيابة عن المالك، وإنما تعلق لهم بها حق فلذلك جرى الخلاف. وقال] ابن الصباغ وغيره: [و] الفرق بين هؤلاء والمرتهن أنه قبض العين للانتفاع بها بخلاف هؤلاء؛ لان الانتفاع بالأجرة لا بالعين، ومذهب المراوزة قبول قول المرتهن في دعوى الرد، وطردوه في كل يد هي أمانة في حق من صدر منه إثبات اليد كالرهن والإجارة والوكيل بالجُعل. وفي الوسيط في كتاب الوكالة: أن العراقيين ذكروا في كل ذلك وجهين.

стр. 4524

ولو اختلف الراهن والمرتهن في تلف الرهن فالقول قول المرتهن، [توافق عليه المراوزة والعراقيون كما حكاه ابن الصباغ وغيره؛] لأنه لا يتعلق بالاختيار، فلا يساعده فيه البينة فكان القول قوله [فيه] لدفع الضرر، وإيراد الغزالي في الوسيط وغيره يوهم أن العراقيين خالفوا في ذلك وألحقوه بدعوى الرد، ومستنده فيه ما قاله الإمام أن القياس يقتضي أن ينزل دعوى التلف منزلة دعوى الرد في كل تفصيل، والله أعلم. ولنختم الباب مسائل تتعلق به، وقد وعدنا من قبل بذكرها فمنها: إذا سلم الراهن الرهن للمرتهن ووكله في بيعه عند المحل، كانت الوكالة فاسدة، ولو باعه لم يصح بيعه؛ لأنه توكيل فيما ينافيه الغرضان، فلم يصح كما لو وكل وكيله في بيع شيء من نفسه، وينافي الغرض أن الراهن يريد الزيادة في الثمن، والمهل على البيع؛ حتى لا تفوته الزيادة والمرتهن يريد تعجيل الحق وإنجاز البيع، ويفارق غير المرتهن فإن حق المرتهن لا يتعين فيه، وهذا ما يقتضيه نص الشافعي فإنه قال: لو شرط للمرتهن إذا حل الحق أن يبيعه لم يجز له أن يبيع لنفسه إلا بأن يحضر رب الرهن. فإن قيل: ألستم ذكرتم في الوكالات الفاسدة أن بيع الوكيل يصح فيها فلم لا يصح البيع هنا؟ قيل: الفرق بينهما أن الوكالة الفاسدة من حيث فساد عوضها لا تمنع ذلك الإذن في البيع، والإذن المجرد يصح معه البيع، وهاهنا الفساد من ناحية الإذن، فانتفى ما يصحح البيع، ثم هذا إذا لم يكن الراهن حاضراً، [أما إذا كان حاضراً]، فقد انتفت التهمة فيصح البيع وهذا ظاهر نص الشافعي. ومن أصحابنا من قال: لا يصح بيعه؛ لأنه يكون وكيلاً فيما يتعلق بحق نفسه. قال ابن الصباغ: والأول أصح، هذا ما حكاه العراقيون وجزم الإمام في النهاية بصحة بيع المرتهن إذا قال له الراهن: بع الرهن [لي] واقبض الثمن لي، ثم استوفه لنفسك، وحكى في صحة استيفائه لنفسه إذا حدد وزنه وجهين:

стр. 4525

أما إذا لم يحدده فلا يحصل القبض، وليس كما لو رهن الوديعة عند المودع؛ لأن الاستيفاء إنما يصح بناء على إذن الراهن ولفظه في الإذن: ثم استوف منه حقك، وهذا تصريح بإحداث أمر. ولو قال: بعه لي واستوف الثمن لي ثم أمسكه لنفسك؛ فالظاهر أيضاً أنه لابد من فعل في القبض. ومن أصحابنا من أقام الإمساك على قول صحة [القبض] مقام الاستيفاء، وإذا لم نصححه ولم يوجد منه سوى مجرد نية الاستيفاء، فلا يدخل في ضمانه انتهى. وحمل ما قاله العراقيون من فساد الإذن والبيع وحكوه عن النص على ما إذا قال بعه لنفسك فباع، وان القاضي وافقهم على اختيار ذلك؛ لأنه لا يتصور أن يبيع الإنسان مال الغير لنفسه. [وحكى عن صاحب التقريب رواية قول، وأنه ارتضاه لنفسه] أن البيع صحيح. وحكى فيما إذا قال: بعه، ولم يقل: لي ولا: لنفسك، في أنه على أيهما يحمل؟ وجهين، والقائلون بالمنع عللوه بعلتين: أحداهما: أن البيع بعد حلول الدين مستحق للمرتهن، فإذا أقرن به الإذن المطلق حمل عليه، فكأنه قال بعه لنفسك. والثانية: ما حكيناها عن العراقيين من قبل، وعليهما يخرج ما إذا كان المرتهن حاضراً البيع أو أذن في البيع بثمن معين، أو كان الدين مؤجلاً، فإن عللنا بالأول بطل في الأولى والثانية وصح في الثالثة إذ لا استحقاق، وإن عللنا بالثانية صح في الأولى والثانية. وبطل في الثالثة. ومنها: أن الراهن والمرتهن لو أذنا للعدل في بيع الرهن ثم عزلاه عنه امتنع عليه البيع وانفسخت الوكالة، وكذا لو فسخ الراهن الوكالة انفسخت، وهل للمرتهن فسخ الوكالة؟ قال المحاملي: ظاهر كلام الشافعي يدل على أن فسخه يصح؛ لأنه قال [في

стр. 4526

المختصر] ما لم يفسخا أو أحدهما. وقال أبو إسحاق: لا يصح من المرتهن فسخ الوكالة؛ لأن العدل ليس بوكيله، وإنما هو وكيل الراهن، وقول الشافعي: "ما لم يفسخا أو أحدهما" تعني: أن العدل يجوز له البيع ما لم يمنع الراهن أو المرتهن من ذلك، وهذا ما رجحه القاضي أبو الطيب في تعليقه، ونسب الأول إلى قول بعض الأصحاب، وقال: إنه ليس بصحيح؛ لأن العدل ليس بوكيل للمرتهن بالإجماع، وهذا يدل على أن الخلاف في [أن] الوكالة من جهة الراهن هل ترتفع بعزل المرتهن حتى يفتقر الراهن إلى تجديد وكالته إذا أريد بيعه، وقد صرح به الإمام. وفي الحاوي: أن الذي عليه الجمهور من أصحابنا، وهو قول البصريين أن الوكالة ارتفعت، وما حكى عن أبي إسحاق لا يتحصل منه شيء وبعضه يناقض بعضاً؛ لأن الوكالة إنما هي إذن بالبيع فإذا منعه برجوع المرتهن عن البيع فقد زال موجب الوكالة. وهذا صريح الشيخ إلا أن وكالة الراهن [لا] تنفسخ برجوع المرتهن كما لا تنفسخ وكالة المرتهن برجوع الراهن. انتهى. وهذا منه يدل على أن وكالة الراهن لاترتفع على القولين معاً، وهوا لذي يقتضيه إيراد الغزالي في الوسيط فإنه قال: لو رجع أحدهما عن الإذن امتنع عليه البيع، ورجوع الراهن عزل فإنه الموكل، وإذن المرتهن شرط وليس بتوكيل، ولذلك لو عاد المرتهن، واذن بعد رجوعه جاز، ولم يجب تجديد التوكيل من الراهن. ثم قال: ومساق هذا الكلام من الأصحاب مشعر بأنه لو عزله الراهن، ثم عاد ووكله افتقر إلى تجديد الإذن، وعليه يلزم لو قبل به ألاَّ يعتد بإذنه، للعدل قبل توكيل الراهن فلبؤخر عنه، ويلزم عليه الحكم ببطلان رضا المرأة في التوكيل بالنكاح قبل توكيل الولي، وكل ذلك محتمل، ووجه المساهلة إقامة دوام الإذن مقام الابتداء تعلقاً بعمومه فإنه إن لم يعمل في الحال فليقدر مضافاً إلى وقت التوكيل، وإذا احتملت الوكالة التأقيت والتعليق كان الإذن أولى بالاحتمال. قلت: ووجه إشعار كلام الأصحاب بما ذكره أنهم لما استدلوا على أن إذن

стр. 4527

المرتهن شرط وليس بتوكيل، بأنه لو عاد وأذن جاز، ولم يجب تجديد التوكيل، اقتضى أن الراهن لو عاد بعد عزله ووكل، افتقر المرتهن إلى تجديد الإذن وإلا لم يحسن الاستدلال، وما قاله من الإلزامين: الأول منهما صحيح؛ لأن زوال توكيل الراهن لما أبطل إذن المرتهن بعد الحكم [بصحة الراهن، لما أبطل إذن المرتهن بعد الحكم] بصحته بعدم التوكيل أولى أن يمنع؛ لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء. وأما الثاني: فسياق كلام الأصحاب يقتضي خلافه من حيث إن رضا المرأة بالتوكيل إذا اعتبرناه كرضا المرتهن ببيع العدل؛ [لأن المرأة لا يصح توكيلها في النكاح] ولما كان إذن المرتهن شرطاً في صحة بيع العدل، ويفتقر إلى تقدمه على البيع، لزم أن يكون إذن المرأة بالتوكيل شرطاً في صحة التوكيل ومتقدماً عليه. نعم، لو كان إذن المرتهن شرطاً في صحة توكيل الراهن لا في بيع العدل، وقد اقتضى مساق كلامهم ما ذكر، لزم منه ألا يعتد برضا المرأة بالتوكيل قبله؛ لأنه حينئذ يكون الوزان وحيث هو منتف انتفى الإلزام. وقوله: ووجه المساهلة، يعني: مساهلة الأصحاب في رضا المرأة بالتوكيل متقدماً عليه، وإن كان مخالفاً لمساق كلامهم إلى آخره – جواب على اعتقاده صحة الإلزام، وقد يثبت أنه مساق كلامهم، فلا مساهلة. ويؤيد ما ادعيت أن الغزالي عنها بقوله من بعد: فليقدر مضافاً إلى وقت التوكيل، وهذا ما حضرني من البحث في ذلك وكان شيخي السيد الشريف عماد الدين العباسي –﵀ – يستشكل كلام الغزالي في هذا، وكتب لي ورقة بخطه فيما وقع له منه، وسأذكر صورة المكتوب فيها ثم أبدي ما ظهر لي عليه، وصورته: الذي زعم الشيخ أنه مساق كلام الأصحاب ليس مساقاً لكلامهم، ووقع الغلط في هذا الفرع في ثلاث عشرة كلمة، وهأنا أرسمها بالحمرة بين الأسطر ليتبينه الناظر، وأكتب بالحمرة المسألة التي ذكرها الإمام، أعني الوجه الذي نقله الإمام عن

стр. 4528

الأصحاب؛ إذ كان الشيخ أراد أن يفرع عليه لكن كان الأمر أشبه عليه، فعكس الصواب في تفريعه عليه، ونقل حكم إذن المرتهن إلى توكيل الراهن بالعكس. فأقول بعد أن أعلمك أن المكتتب بالسواد هو نفس كلام الشيخ، والمكتتب بالحمرة فوق الكلمات بعد مسألة الأصحاب هو صوابه. قال: فروع أربعة: الأول: أنه لو رجع أحدهما عن الإذن امتنع البيع ورجوع الراهن عزل، فإنه الموكل، وإذن المرتهن شرط وليس بتوكيل، ولذلك لو عاد المرتهن وأذن بعد رجوعه جاز، ولم يجب تجديد التوكيل من الراهن. وذهب بعض الأصحاب إلى أن رجوع المرتهن يوجب رفع الوكالة، ومساق هذا الكلام من الأصحاب مشعر بأنه لو: رجع المرتهن وأذن الراهن التوكيل. عزل الراهن، ثم عاد ووكل – افتقر المرتهن إلى تجديد الإذن، وعليه يلزم لو قيل به أنه لا يعتد بإذنه؛ للعدل قبل توكيل الراهن؛ فليؤخر عنه، ويلزم عليه الحكم ببطلان رضا المرأة بالتوكيل في النكاح قبل توكيل الولي، وكل ذلك محتمل، ووجه المساهلة: إقامة دوام الإذن مقام الابتداء؛ تعلقاً بعمومه، وأنه إن لم يعمل في الحال فليقدر مضافاً إلى وقت التوكيل. هذا آخر ترتيبه، والذي وقع لي عليه، أن هذا الوجه الذي بني الشيخ عليه هذا الكلام نسبه الإمام إلى بعض الضعفة، فكيف يمكن إلزام الأصحاب بمقتضاه؟ ثم لو صححناه؛ لم يكن مساقه مشعراً بما ذكره بل مصرحاً به؛ لأن الوكالة إذا ارتفعت علم بالقطع أنها لا تعود إلا بتوكيل جديد، وإذا كان كذلك لم يحسن [حمل] كلام الغزالي على ذلك.

стр. 4529

نعم ما ذكره صحيح بناء على اختيار هذا الوجه. ومنها: أن المرتهن بعد حلول الحق له مطالبة الراهن بوفائه كما سنذكره، فإن امتنع من الوفاء طولب ببيع الرهن في الدين، فإن امتنع فهل يبيعه الحاكم عليه أو يجبره على البيع؟ فيه كلام نذكره في باب التفليس، كذا قال المحاملي: وليس للراهن مطالبته بإحضار الرهن، حتى يقع قضاء الدين، واسترداد المرهون معاً، وكذا لو أدى الدين لا يلزمه إحضاره أيضاً بل عليه التخلية بينه وبينه، ومقتضى ما حكيته عن الماوردي من أن مؤنة الرد بعد الفكاك تجب على المرتهن على وجه، [وهو ما حكاه القاضي الحسين في كتاب القراض عن العراقيين] أن الرد واجب على ذلك الوجه. ولو امتنع الراهن من وفاء الحق بتعذر أو غيبة، فإن كان للمرتهن بينة، رفع الأمر إلى القاضي، وإن لم يكن له بينة أو لم يكن في البلد حاكم؛ كان حكمه حكم من ظفر بغير جنس حقه. قال الإمام: وفائدة الرهن أن الراهن لو مات أو أفلس اختص بثمنه، وفي مسألة الظفر لا يختص بما ظفر به، بل شارك فيه.

стр. 4530

باب التفليس التفليس: النداء على المفلس، وإشهاره بصفة الإفلاس، قاله الرافعي. وقال الغزالي: هو أن يجعل من عليه الدين مفلساً ببيع ماله. ولفظ التفليس والفَلس والإفلاس، مأخوذ من الفلوس التي هي أخس الأموال؛ فإنه إذا حجر عليه منع التصرف في ماله إلا في شيء تافه لا يعيش إلا به، وهو مؤنته ومؤنة عياله. وقيل: لأنه صار ماله كالفلوس؛ لقلته بالنسبة إلى ما عليه من الديون. وقيل: لأنه فني خيار ماله وجيده، وبقي معه الفلوس. قال المحاملي: وبعض أصحابنا يقول: إنما اشتق من الفلوس؛ لأنه ذهب ماله حتى الفلوس. وهذا بضد ما قاله أهل اللغة. ويقال: أفلس، إذا أعدم، أو: صار ذا فلوس؛ كما يقال: أيسر، إذا صار ذا يسار، وهكذا يقدر في قولهم: مفلس؛ كقولهم: مُفِضّ، أي: ذو فضة. وتفالس؛ أي: ادعى الإفلاس. قال الماوردي: وكره بعض أصحابنا أن يقال في هذا الباب: باب الإفلاس؛ لأن الإفلاس مستعمل في إعسار بعد اليسار، والتفليس مستعمل في حجر الحاكم على المديون؛ فكان أليق بالحال. وقد فسر الأصحاب المفلس في الشرع بمن ركبته الديون، وماله لا يفي بها، ويتجه أن يضاف إليه حجر الحاكم؛ أخذاً مما قاله الماوردي - كما ذكرناه - والبندنيجي، والمحاملي، حيث قالا: قال: فلَّسه الحاكم، إذا حجر عليه، ومنعه من التصرف في ماله. قال: إذا حصلت على رجل ديون، فإن كانت مؤجلة لم يطالب بها - أي: قبل حلولها - لأنه لو جوز الطلب بها سقطت فائدة التأجيل. قال: وإن أراد السفر - أي: أي سفر كان - لم يمنع منه؛ لسقوط المطالبة عنه قبل الحلول، ولرب الدين المسافرة معه ليطالبه عند حلوله؛ بشرط ألا يلازمه ملازمة الرقيب.

стр. 4531

قال: وقيل: يمنع من سفر الجهاد – أي: إلا أن يقوم بالدين أو يَكْتَفِل به – لأن ذلك مظنة الهلاك؛ فإن المجاهد قد يطمع في الجنة فيحرص على طلب الشهادة، وذلك مضيع للدين. روي أن النبي ﷺ قال في معركة القتال يوماً: "مَنْ وَضَعَ سَيْفَهُ فِي هَؤُلاَءِ مُقْبِلاً غَيْرَ مُدْبِرٍ حَتَّى قُتِلَ فَلَهُ الجَنَّةُ، فَقَالَ بَعْضُ الأَنْصَارِ – وَكَانَ بِيَدِهِ تَمَرَاتٌ يَاكُلُهَا -: ليس بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟ ورمى بالتمرات واخترط سيفه وكسر غمده في العدو، فدعاه رسول الله ﷺ فعاد، فقال رسول الله ﷺ : إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَلَيْكَ دَيْنٌ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَعَادَ وَانْغَمَسَ حَتَّى قُتِلَ"، وهذا ما نسب إلى الإصطخري، وحكى الرافعي في السير أن الروياني صححه، وقد حكى القاضي ها الوجه في غير سفر الجهاد، في أي سفر كان في كتاب السير، ووجهه بأنه ربما حل الحق؛ فلا يمكنه المطالبة به. وقيل في سفر الجهاد: إن خلف وفاءً بالدين فلا منع منه، وألا منع. وقيل: إن كان من المرتزقة لم يمنع، وإلا منع، وفي كتاب القاضي ابن كجٍّ: أن الأجل إن كان يدوم إلى أن يرجع فلا منع، وإن كان يحل قبل أن يرجع ففيه الخلاف. والأضعف على ما حكاه الإمام – المنع مطلقاً، والمذهب الأول، وخوف الهلاك موجود في الإقامة. والحديث دال على منع جهاد من عليه دين، لا على منع السفر له، ومنع الجهاد مذكور في آخر الكتاب، وتجري الوجوه الثلاثة الأوَل في كل سفر مخوف مثل سفر البحر، [وفي "تتمة التتمة": أنها لا تجري فيه؛ فإن راكب البحر يسعى في السلامة، والغازي من يعرض نفسه للشهادة]. وعلى المذهب: لا يجب على المديون القيام لمستحق الدين عند طلبه الكفيل أو الراهن، أو أن يشهد [له] ذلك، وقد حكى عن صاحب "التقريب" رواية وجه في وجوب الإشهاد، واختار الروياني في زمانه وجوب القيام بالكفيل في السفر البعيد المخوف عند قرب الأجل؛ لخبث أهل الزمان. قال: وإن كانت حالة وله مال يفي بها طولب بقضائها؛ [أي]: وإن لم يرد

стр. 4532

سفراً؛ لقوله تعالى: - وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]؛ فدل على أنه إذا لم يكن ذا عسرة أنه لا يجب إنظاره، [ويجب عليه القيام به]، ولأن ذلك فائدة الحلول. وما أطلقه الأصحاب من أن الدين إذا كان حالاًّ فله منعه من السفر حتى يُقْبِضه، أرادوا: برفعه إلى مجلس القاضي ومطالبته به، ومن هذا يظهر أنه ليس له منع المعسر من السفر، إلا أن يكون سفر جهاد على رأي، وقد صرح الرافعي به في السير؛ حيث حكى أن القاضي ابن كجٍّ قال- فيما إذا أراد من عليه دين حال وهو معسر سفر الجهاد-: المذهب أنه ليس له منعه، وأن أبا إسحاق قال: له منعه؛ لأنه يرجو أن يوسر فيؤدي، وفي الجهاد خطر الهلاك، وهذا يدل على أن المنع يكون بغير الحبس عند المنع منه في الدين المؤجل. فرع: إذا لم يطالبه صاحب الدين الحال به، وهو قادر عليه، هل يجب عليه أداؤه على الفور؟ أو على التراخي؟ قال في "البحر" في آخر كتاب الغصب: يحتمل أن يقال: إن كان وجوبه يرضي المالك فهو على التراخي، ويتعين أداؤه بالمطالبة، أو لخوف منه على ماله فيفوت قضاؤه، وإن كان وجوبه بغير رضا المالك [فالقضاء على الفور؛ لأن صاحبه لم يرض وجوبه في ذمته، وهذا لأنه إذا كان يرضى المالك،] فصاحب الدين مندوب إلى ألا يطالب الدين، ولو كان وجوب القضاء على الفور لكان مندوباً إلى المطالبة؛ ليخرج من عليه الدين من العصيان بتأخير القضاء. ويحتمل أن يقال: إذا كان الوجوب بغير رضاه ينظر: فإن كان صاحب الحق لا يعلم به كان على الفور، [وإن كان عالماً به، فإن وجب بتعدٍّ منه كان على الفور]، وإن كان بغير تعد فعلى التراخي. قلت: ومقتضى ما قاله أخيراً أنه يجب عليه عند عدم العلم في صورة غير التعدي أحد أمرين: إما الوفاء، أو إعلامه بالدين. وقال الإمام في كتاب [الزكاة عند الكلام في أن التمكن شرط الضمان: إن من

стр. 4533

عليه دين وهو غير ممتنع من أدائه، ومستحقه غير مطالب به، فالدين الثابت، ولكن لا يتعين أداؤه ما لم يطالبه مستحقه، وقال في كتاب] القضاء بعد قوله: "إن الأداء لا يلزم إلا مع الطلب": وقد يقول الفقيه: من عليه دين حال يلزمه أداؤه، وإن لم يطالبه صاحبه، وإنما يسقط وجوب الأداء برضا مستحق الحق بتأخيره. قال: فإن امتنع؛ أي: من القضاء بعد أمر الحاكم به، باع الحاكم ماله- أي: إن رأى ذلك [وقضى دينه]؛ لما روي عن عمر – ﵁ – أنه قال: ألا إن الأسَيْفِعَ – أسيفعَ جُهَيْنَةَ – رضي من دِينِه وأمانته بأن يقال: سبق الحاج، ويقال: سابق الحاج، فادَّان معرضاً – أي: عن الوفاء، [وقيل: أعرض الناس فادان منهم – فأصبح] قدرِينَ بِهِ فمن كان له عليه دين فليحضر غداً؛ فإنا بائعوا ماله، وقاسموه بين غرمائه. ولم يخالفه أحد من الصحابة؛ فكان إجماعاً. وإن رأى ألا يبيعه ويجبره على البيع بنفسه بالحبس والتعزير فله ذلك، صرح به الشيخ أبو حامد، وحكاه القاضي أبو الطيب. وفي "التتمة" حكاية وجه: أنه لا يحبسه؛ لأنه ربما يقعد في الحبس ولايبيع المال؛ فيتضمن ذلك تأخير حقوق الغرماء، وهذا ما حكاه في "الذخائر" عن الأصحاب وصاحب "الاستقصاء" عن سليم الرازي ونصر المقدسي، وهل للحاكم أن يحجر عليه إذا التمسه الغرماء [عند امتناعه]؛ خشية من إتلاف أمواله؟ فيه وجهان:

стр. 4534

أصحهما: نعم؛ لما ذكرناه، وهو الذي حكاه في "التتمة" عن الشيخ أبي حامد. ووجه مقابله: أن عمر ﵁ لم يحجر على الأسيفع، كذا قال المتولي والرافعي. واعلم أن الحاكم إذا رأى بيع المال فلا يتولاه، إلا أن يثبت عنده أن ذلك ملكه بالبينة، كما صرح به الماوردي هنا، [والقاضي الحسين في كتاب الأقضية؛ حيث قال: إذا ادعى الخصم أن للمديون عقاراً في موضع كذا، فأقر به، وامتنع من بيعه - لا يبيعه القاضي حتى يقيم المدعي بينةً بأنه للمدعي عليه؛ لأنه ربما يكون لغيره، وبيع القاضي إياه يكون حكماً بأنه له]، وكلام الإمام في مسألة الظفر يدل عليه؛ فإن ضعف قول من قال: لا يبيعه بنفسه، بأنه إذا رفع الأمر إلى القاضي قد لا يجد بينة على إثبات دينه، وإن وجدها فقد يعجز عن إثبات كون هذه العين ملكاً لمن عليه الدين، وكلام صاحب "الإشراف" يدل على ذلك، وشيء آخر فإنه قال: القاضي يبيع الرهن بعد ثبوت الدين وصحة الرهن وملك الراهن أو يده يوم الإقباض، ثم قال: قال القاضي: هكذا ذكر المصنف، وهو في كتب أصحابنا بالعراق، إلا أنه قول أبي حنيفة، وعندنا مجرد اليد لا يدل على الملك، بل يشترط مع اليد قرينة التصرف، وامتداد المدة، وعدم المنازع، ويشترط في بيع التركة ثبوت الدين والملك والموت، والشهادة على أنه ملك الميت إلى أن مات، أو في يده وتصرفه تصرف الملاك. قلت: وما ادعى القاضي أنه في كتب العراقيين من الاكتفاء باليد، يتجه جريانه هنا لأجل الحاجة، وقد يؤخذ من قول الشيخ في مسألة الظفر. وقيل: يواطئ من يقر له بحق .. إلى آخره، وكلام ابن الصباغ ثم أدل عليه؛ فإنه ذكر أن أبا علي بن أبي هريرة، قال: لا يبيعه بنفسه، بل يواطئ رجلاً يدعي عليه ديناً عند الحاكم فيقر له، [ويقر له] بملك الشيء [الذي أخذه، فيمتنع من عليه الدعوى من قضاء الدين؛ يبيع الحاكم الشيء] المأخوذ، ويدفعه إليه. وعلى الأول: يتجه أن يتعين الحبس إلى أن يتولى الممتنع من الوفاء البيع بنفسه؛ فإنه لا معترض عليه - كما قال الماوردي - ويوفي الدين.

стр. 4535

تنبيه يحتاج إليه في ألفاظ عمر – ﵁: الأسيفع: بضم الهمزة وفتح السين بلا نقط، والياء منقوطة بثنتين من تحتها. فادَّان: بتشديد الدال بلا نقط. رين به: بكسر الراء بلا نقط، والياء آخر الحروف، يقال: رين بالرجل رَيْناً، إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه، ولا قبل له به، ويقال: رين به: انقطع به، وهو راجع إلى الأول، ومنه قوله تعالى: - كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المطففين: ١٤]، قيل: هو الذنب على الذنب حتى يسودَّ القلب. قال: فإن لم يكن هناك مال، وادعى الإعسار: فإن كان قد عرف له قبل ذلك مال – أي: قبل دعوى الإعسار – سواء كان مبيعاً الدين ثمنه، أو قرضاً الدين عوضه، أو غير ذلك. قال: حبس؛ أي: إذا طلب الغريم ذلك [ولم يكن ولداً لمن عليه الدين]؛ لقول النبي ﷺ :"لِصَاحِبِ الْحَقِّ الْيَدُ وَاللِّسَانُ". وأراد باليد: الملازمة والحبس، وباللسان: الاقتضاء والمطالبة، ولأن الحبس يتوصل به إلى استيفاء الحق؛ فكان واجباً؛ لأن ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب: كالملازمة، كذا قاس الماوردي، فظاهره يقتضي أن عمر بن عبد العزيز والليث بن سعد – اللذين خالفا في جواز الحبس – توافقا على الملازمة، وإلا لما حسن منه القياس عليها. أما إذا كان ولداً له، أو ولدَ ولدٍ وإن سفل، فهل يحبس في حقه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن الحبس نوع عقوبة، وليس للابن أن يوجه العقوبة إلى أبيه، وهذا ما صححه البغوي.

стр. 4536

وقال القاضي الحسين في كتاب الإجارة: إنه قول العراقيين، وقال الإمام قبيل كتاب الدعاوى: إنه الذي ذهب إليه معظم أئمتنا. والثاني: يحبس، وإلا أقر وامتنع عن الأداء، وحينئذ يعجز الابن عن الاستيفاء، ويضيع حقه، وهذا ما نسبه القاضي إلى القفال، والإمام إلى أبي زيد المروزي من أصحابنا، وقال: إنه القياس عندي، ولأجل ذلك صححه الغزالي في هذا الكتاب. [قال الإمام:] وذكر بعض أصحابنا وجهاً ثالثاً – وهو اختيار صاحب "التلخيص" -: أنه يحبس في نفقة ولده إذا امتنع من الإنفاق عليه، ولا يحبس في غيره من الديون. [والأمهات والجدات من الجهتين؛ كالأب والأجداد فيما ذكرناه]. وإذا حبس لا يلزم إخراجه إلى الجُمَع والجماعات، ولا يعصي بتأخره عنها إذا كان معسراً، ولا يلزمه الاستئذان للخروج إلى الجمعة إذا علم بشاهد الحال وغالب العادة أنه لا يأذن له، ولا يمنع من عمل صنعته في الحبس على أصح الوجهين. ولو دعا المحبوس أمته أو زوجته إلى فراشه لم يمنع إن كان في الحبس موضعٌ خالٍ، فإن امتنعت أجبرت الأمة، ولا تجبر الزوجة الحرة؛ لأنه لا يصلح للسكنى، وإنما هو حبس ولا حبس عليها، والزوجة الأمة تجبر إن رضي سيدها. [قال الرافعي في كتاب القضية: وكان يجوز أن يقال: الحبس وزجر وتأديب. وإن اقتضى الحال أن تمتنع منه زوجته أو أمته فعل]، ولو كانت امرأة لم تمنع من إرضاع ولدها في الحبس ما لم يوجد منه بدٌّ، ويمنع الزوج منها. ونفقة المحبوس في ماله على الأصح، وقيل: على الغريم. قال الماوردي: وهذا مذهب مُطَّرَح، ولا يضاف إلى حبسه تعزير آخر إذا أصر على دعوى الإعسار، بخلاف ما إذا امتنع من وفاء ما أقر به، مع اعترافه بالمَلاءة؛ فإنه يضاف إلى الحبس التعزير، ويكرر عليه الوقت بعد الوقت فيروه من الأولى، وإن انتهى مجموع ذلك إلى قدر الحد، ويجوز للغريم أن يقول له في هذه الحالة: يا

стр. 4537

ظالم، يا مماطل؛ لقوله ﷺ : "لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ"، [خرجه النسائي]. والليُّ: المطل، وعرضه: ما ذكرناه، والعقوبة: التعزير والحبس. ولو امتنع من وفاء ما ثبت عيه بالبينة مع إقراره باليسار، وتعريفنا إياه بما يترتب على ذلك - قال الإمام في باب نكاح المشركات: الظاهر عندنا امتناع التعزير، وفي الحبس مَقْنَعٌ، وفي كلام الأصحاب ما يدل على أن للقاضي أن يعزره. فرع: لو أراد الغريم ملازمته حيث يجوز حبسه مكن منها؛ لأنها أخف. قال [الرافعي في كتاب الأقضية: إلا أن يقول المحبوس للقاضي: إنه يشق عليّ الطهارة والصلاة بسبب ملازمته؛ فامنعه من الملازمة واحسبني؛ فإنه يرده إلى الحبس. ولو استشعر القاضي من المديون بعد [ما حبسه] الفرار من حبسه، فله نقله إلى حبس الجرائم، كذا حكاه الرافعي في كتاب الأقضية، عن أبي العباس بن القاص. قال]: إلى أن يقيم البينة على إعساره؛ لأن الأصل بقاء ذلك المال، ولا فرق في ذلك - على ما حاكه الإمام - بين أن تكون البينة معدلة أم لا، وقد شرع في طلب الاستزكاء؛ لأن الحبس على الجملة من بعض العقوبات، وللمديون طلب يمين

стр. 4538

الغريم إنه لا يعلم إعساره بعد الدعوى عليه بذلك: فإن حلف سقطت دعواه فإن عاد وادعى تجدد علمه بذلك سمع منه، وكان له تحليفه، وهكذا إلى أن يعلم القاضي تعنُّتَهُ. وإن نكل الغريم عن اليمين حلف المديون، وثبت إعساره، ولم يكن للغريم ملازمته؛ لما سنذكره، وإن لم يحلف حبس. تنبيه: إذا ظهر من كلام الشيخ امتناع الحبس بإقامة البينة على الإعسار مع احتمال أن يكون مستنداً لبينة الوقوف على تلف المال، كما حمل الصيدلاني الشهادة عليه، أو أنه لو كان باقياً مع مخالطتها له لاطلعت عليه – ظهر لك من طريق الأولى أن الحبس يمتنع إذاشهدت بالوقوف على المال، كما صرح به العراقيون. قال: ولا يقبل في ذلك إلا شهادة شاهدين من أهل الخبرة بحاله؛ لما روى مسلم عن قبيصة بن مخارق الهلالي أن رسول الله ﷺ قال: "لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ إِلاَّ لأَحَدِ ثَلاَثَة – وعد منهم -: "رجل أصابته فاقة حتى يقولَ ثلاثة من ذوي الحجي من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة؛ فحلت له المسألة، حتى يصب قِوَاماً من عيش، قال: أو قال سداداً من عيش"، والحجي: العقل. ولأن الإعسار يخفى عمن لا يطلع على باطن الأحوال، ويكفي علم القاضي بأن

стр. 4539

الشاهد من أهل الخبرة بحاله، فإن لم يعرف ذلك اكتفى بقول الشاهد إذا كان عدلاً رضاً – كما قال الإمام -: فإن لم يذكر الشاهد ذلك ولم يعرفه القاضي توقفت الشهادة. [وقد يقال – على رأي الصيدلاني –في حمل الشهادة بالإعسار على وقوف البينة على التلف: إنه لا يشترط أن يكون الشاهد من أهل الخبرة – [كما صرح به الأصحاب – فيما إذا شهدت البينة بتلف المال، وقد يجاب بأنا وإن قدرنا ذلك فخلافه مظنون؛ فاعتبرنا أن يكون من أهل الخبرة]؛ ليتحقق الشرط على كل حال]. ووراء ما ذكره الشيخ أمران: أحدهما: الجزم في "الإبانة" و"التتمة" بأنه لا يقبل في هذه الشهادة إلا ثلاثة؛ للخبر المذكور، ولأن عسرة الإنسان وإعدامه أمر تغمض معرفته، ويشق الوقوف عليه؛ فيشترط يه زيادة في العدد كشهود الزنى. قال الإمام: وهذا خُرْق عظيم وخروج عن الضبط. وأبعد منه الثاني – وهو ما حكاه ابن أبي الدم في "أدب القضاء" له عن الشيخ أبي علي -: أنه يكتفي في هذه الشهادة برجل وامرأتين، أو برجل ويمين المدعي، كما في الأجل والخيار على رأي. فيحصل في المسألة ثلاثة أوجه، والمذهب منها: الأول، وحمل الأصحاب الثلاثة في الحديث على الاستظهار والاحتياط.

стр. 4540

ويجوز إقامة البينة بالإعسار قبل الحبس وبعده، طال زمانه أو قصر، وكيفية الشهادة فيه أن يقول: أشهد إنه معسر لا يملك إلا قوت يومه وثياب بدنه، ولا يشترط أن يقول: وهو ممن تحل له الصدقة. قال في "التتمة": ولا يقتصر على أنْ لا ملَك له، حتى تتضمن شهادته النفي لفظاً ومعنىً. وفي "الجيلي" أنه قيل: إنه يشهد على نفي العلم، فيقول: لا أعلم له مالاً، ولا عرضاً، ولا عقاراً، ولا عيناً. قال: فإن قال الغريم: أحلفوه إنه لا مال له في الباطن، [أي: بعد دعواه أن له مالاً في الباطن]، وقد أخفاه – حلف في أحد القولين، أي: وجوباً؛ لأنه يجوز أن يكون له مال لم تقف عليه بينة الإعسار، فإذا ادعى ذلك حلف، وهذا ما صححه الرافعي وغيره، وهو المنصوص في "حرملة"، وظاهر نصه في "المختصر". فإن امتنع من اليمين، حكى الماوردي عن [ابن] أبي هريرة: أنه يحبس إلى أن يحلف. والقول الثاني: أنه لا يحلف وجوباً؛ لأن في ذلك قدحاً في الشهادة فلم يعرض كما إذا شهد عليه بأنه أقر، فسأل إحلاف المدعي على أنه أقر له، وللحاكم أن يستحلفه استحباباً واستظهاراً، وهذا ما حكاه في "الأم"، وهو ظاهر نصه في "الإملاء"، وهو الذي صححه الشيخ أبو حامد، والقائلون بالأول فرقوا بأن في المسألة المستشهد بها: الشهادة وقعت بأمر معلوم؛ فكان في التحليف عليه قدح في الشهود، وفي مسألتنا: [الشهادة] اعتمدت الظن؛ فلا يخالفه وقوع خلافه. نعم، لو شهدت البينة بتلف المال لم يحلف وجهاً واحداً، وهو نظير المسألة المستشهد بها، وقد رجع حاصل القولين إلى أنه يحلف، لكن وجوباً أو استحباباً؟ فيه القولان، وعلى ذلك جرى البندنيجي والمحاملي وابن الصباغ وغيرهم، وحكى في "الاستقصاء" طريقة أخرى، وصدر بها كلامه: أن في جواز تحليفه قولين. [وإذا قلنا: يحلف، فهل واجباً أو مستحباً؟ فيه قولان].

стр. 4541

ولا نزاع في أن رب الدين إذا قنع بالشهادة، ورضي بعدم اليمين أنه لا يحلف، ولو لم يصدر منه طلب اليمين ولا الرضا بتركها، فهل للحاكم تحليفه، ويكون من أدب القضاء؛ فيجب عليه حتماً؟ فيه وجهان، أظهرهما: لا. تنبيه: الغريم: هو الذي عليه الدين وغيره من الحقوق، ويطلق في اللغة – أيضاً – على صاحب الحق، والغَرَامة والغُرَم والمَغْرَم: ما وجب أداؤه، وقد غَرِم الرجل، وغَرَّمته، وأغرمته. وأصله من: الغرام، وهو الدائم؛ ومنه قوله تعالى: - إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾ [الفرقان: ٦٥]، فسمي الغريم: غريماً؛ لملازمته المَدِين ودوامه. أحلفوه: لغة، وحَلَّفوه: أخرى. قال: وإن لم يعرف له مال حلف إنه لا مال له؛ لأن الأصل عدم ملكه المال، وخلّي سبيله؛ لأنه إذا حلف ثبت إعساره، والمعسر لا يحل حبسه؛ قال الله تعالى: - وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وكما لا يجوز حبسه لا يجوز ملازمته؛ لما روى مسلم عن أبي سعيد الخدري، قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمارٍ ابتاعها، فكثر دينه؛ فقال رسول الله ﷺ : "تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ"؛ فتصدقوا عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه؛ فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: "خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ"؛ وليس لكم إلا ذلك"، وهذا ما حكاه العراقيون، وهو الصحيح عند المراوزة، ووراءه لهم ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يحبس إلى أن يقيم البينة على الإعسار. قال الرافعي: لأن الظاهر من حال الحر أنه يملك شيئاً قل أو كثر. والثاني: أن الدين إن لزمه باختياره كالضمان والصداق، فلابد من البينة، وإن لزمه بغير اختياره كإتلاف المال خطأ، فالقول قوله من غير بينة؛ لأن الظاهر أنه لا يشغل ذمته ولا يلزم ما لا يقدر عليه. والثالث: إن كان الدين لزمه بمعاوضة، فلابد من البينة، وإن لزمه بغير معاوضة،

стр. 4542

فلا يحتاج إليها، كذا حكاه القاضي الحسين وغيره، وهذا قد اعترض على قائله بأنه إذا كان عن معاوضة فقد عُرِف له مال؛ فكأنك قد أعدت ذكر المذهب؛ فإنه إذا عرف له مال لا يقبل قوله إلا بالبينة، إن لم يعرف له مال قبل قوله بيمينه. قلت: يجوز أن يريد هذا القائل المعاوضة التي ليست محضة كالنكاح ونحوه، [وكذا شراء القريب والإجارة]، دون الضمان ونحوه؛ فإن الظاهر أن الإنسان لا يقدم على تملك حق الغير إلا مع قدرته على مقابله؛ لأن الإبقاء واجب عليه حتماً، بخلاف الضمان؛ فإنه قد لا يطالب به فيتساهل فيه لذلك. وقال الإمام: قد يخطر للفقيه حمل هذا الوجه على دين ثبت عوضاً، وكان ملتزمه يدعي أنه لم يقبض العوض، لا على أنه قبض المعوض، وادعى تلفه، لكنه ضعيف؛ فإنه إذا ثبت الملك في حق المعوض، فالظاهر قبضه، ونحن إنما لا نقبل قول من سبق له يسار بتأويل ادعاء زواله من جهة أن قوله يظهر الحلف، وزوال اليسار ممكن؛ فعدم قبض المبيع بهذه المثابة. واعلم أن الرافعي سوى في جريان الوجوه الثلاثة الأُوَل [في الحكم والتعليل] بين ما ذكرناه، وبين ما إذا كان مع المحجور عليه مال، وقسم على الغرماء وبقي بعض الدين، وفي جريان الثاني منها في مسألة المحجور نظر؛ فإنه علله بأن الظاهر من حال الحر أنه يملك شيئاً قل أو كثر، وقد عمل هذا الظاهر، وتحقق بما قسم، وليس الظاهر أن الحر يملك مالاً كثيراً، [حتى يقال: يفي منه]. ثم حيث جرى الخلاف فيما ذكره، فيتجه على قياسه أن يجري فيما عرف له مال لا يفي بديونه، وشهدت البينة بتلف ذلك المال، وحينئذ لا ينتفي رفع الخلاف بشهادة تلف المال، إلا بأن يشهد من هو من أهل الخبرة بحاله بتلف جميع أمواله. ثم على المذهب: إذا قبلنا قوله باليمين، قال الإمام: لست أرى قبول ذلك بداراً، بل يظهر عندي تَأَنْي القاضي في إطلاقه مع البحث الممكن عن أحواله، [والمذهب:

стр. 4543

القبول في الحال]، وحيث قلنا، لا يقبل قوله باليمين، فلو كان غريبا ًلا يتأتى له إقامة البينة، قال الرافعي: فينبغي للقاضي أن يوكل [به] من يبحث عن منشئه ومن قلبه، ويفحص عن أحواله بحسب الطاقة، وإذا غلب على ظنه إفلاسه شهد به عند القاضي؛ كي لا تتخلد عليه عقوبة الحبس، وهذا ما أبداه الإمام فقهاً لنفسه. فرع: إذا عاد الغريم بعد ثبوت الإعسار، وادعى أنه استفاد مالاً، وأنكر المديون – فالقول قوله مع يمينه، وعلى رب الدين البينة، فإن أتى بشاهدين شهدا بيساره لم تسمع هذه الشهادة حتى يبينا ما أيسر به، فإن قالا: رأينا في يده كذا، وهو ملكه – وفينا منه دينه عند امتناعه من الوفاء، ولا يستفسره، وإن قالا: رأينا في يده كذا، وهو ملكه – وفينا منه دينه عند امتناعه من الوفاء، ولا يستفسره، وإن قالا: رأينا في يده مالاً يتصرف فيه، وعيناه – ففي "الحاوي": أنا لا نتصرف فيه حتى نستفسره عنه، كما سنذكره. وفي "الرافعي": أنا نأخذه لرب الدين، فإن قال: هو لفلان وديعة أو مضاربة، وصدقه المقر له – فهو له. وفي "الذخائر" حكاية وجه: أنا لا نقبل إقراره إلا بالبينة، ونوفي منه الدين، [وقد حكاه في "المهذب" [و] أبو الطيب وغيره في كتاب الأقضية فيما إذا قامت بينة على أنه ملك [للغريم، فادعى الغريم أنه ملك] لغيره، وهو ما اختاره في "المرشد" ثَمَّ، وقال البندنيجي: إنه أصح]. وعلى هذا: للمقر له تحليف رب الدين، فإن نكل حلف المقر له، قاله في "الاستقصاء". وعلى المذهب: هل لرب الدين تحليف المديون إنه لم يواطئ المقر له؟ فيه وجهانا، أصحهما: المنع، وبه جزم الإمام، وعلى مقابله: إذا امتنع من اليمين حبس إلى أن يسلم المال أو يحلف، قاله ابن الصباغ. ولرب الدين تحليف المقر له، كما حكاه في "الاستقصاء" عن "الإيضاح". وإذا نكل حلف رب الدين، وقضى له ببيعه، وتحليف المقر له، أبداه ابن الصباغ اعتمالاً لنفسه، فإن كذبه المقر له صرف إلى رب الدين، ولا يلتفت إلى إقراره لإنسان آخر، وإن كان المقَر له غائباً، قال المحاملي والرافعي: وُقِفَ حتى يحضر الغائب، فإن صدقه أخذه، وإلا أخذه رب الدين.

стр. 4544

وفي "الشامل" و"الاستقصاء": أن القول قوله مع اليمين، وسقطت المطالبة. قال الإمام: وهذا من مَغاصات كتاب الدعاوى: أن يحلف في [حال] غيبة المقر له، ولا يحلف في [حال] حضوره، فلو نكل عن اليمين. قال الماوردي: ردت اليمين على الغرماء، فإن حلفوا لم يستحقوا المال، ولكن يحبس لهم المديون حتى يستكشف أمره، ولو لم [يقر ما] في يده إلى أحد حلف الغرماء، واستحقوا حبسه دون المال، واستكشف القاضي عن أمره حتى يتبين، قاله الماوردي. قال: وإن كان ماله لا يفي بديونه – أي: الثابتة عند الحاكم بالبينة، أو بإقراره – وسأل الغرماء الحاكم الحجر [عليه]، حجر عليه – أي: وجوباً – لما روى أبو داود عن عبد الرحمن بن كعب بن دينار: أن معاذ بن جبل لم يزل يدَّانُ حتى غَلِقَ ماله كله، فأتى غرماؤه إلى النبي ﷺ فطلب معاذ [إلى النبي ﷺ ] أن يسأل غرماءه أن يضعوا أو يؤخروا، فأبوا، فلو تُرِكَ لأحد من أجل أحد لترك لمعاذ من أجل رسول الله ﷺ قال: فباع النبي ﷺ ماله كله في دينه حتى قام معاذ بغير شيئ. قال عبد الحق: وهذا وإن كان مرسلاً فهو أصح مما أسند فيه.

стр. 4545

وفي "الرافعي" و"المهذب": أن كعب بن مالك روى أن النبي ﷺ حجر على معاذ، وباع عليه ماله. ولأن في الحجر مصلحة للغرماء؛ فإنه قد يخص بعضهم بالوفاء فيتضرر الباقون، وقد يتصرف فيه فيضيع حق الجميع، ومن هذه العلة يستنبط أن المال لو كان مرهوناً امتنع الحجر، اللهم إلا أن يكون فيه رقيق، ونقول بنفوذ عتق الراهن، وهذا ما ظهر لي فقهاً، ولم أقف عليه منقولاً. وإنما اعتبرنا سؤال الغرماء؛ لأن الحجر لحقِّهم، وهم أهل رشد، نعم، لو كانت الديون لمحجور عليهم، حجر الحاكم عليه من غير التماس؛ كما له استيفاء ديونهم، ولو كانت لغُيَّب لم يحجر؛ لأنه لا يستوفي ما لهم في الذمم. ثم كيفية اللفظ الذي يقع به الحجر من القاضي، اختلف فيه أصحابنا. فذهب البغداديون [منهم] إلى أنه يقول: وقفت مالك، ومنعتك من التصرف فيه. وقال البصريون: يقول له: حجرت عليه بالفلس؛ لأن الحجر يتنوع، والمنع من التصرف ووقف المال من أحكام الحجر؛ فلا يقع به الحجر، وهذا يشابه عدم انعقاد البيع بلفظ التمليك.

стр. 4546

واعلم أن الشيخ ذكر صريحاً شرطين من شرائط الحجر، والثالث – وهو أن تكون الديون حالة – يقتضيه مساق كلامه من أول الباب، على أن في "النهاية" حكاية وجه: أنا إذا قلنا: تحل الديون بالإفلاس، أنه يجوز أن يحجر عليه بسببها. ووراء ما ذكره الشيخ أمور: منها: إذا كانت الديون مساوية لماله، والرجل غير كسوب، أو لا يفي كسبه بنفقته، ونفقة عياله، أو فيه ...... فهذا قد ظهرت عليه أمارات الفلس، وفي جواز الحجر عليه وجهان: أصحهما عند العراقيين، كما حكاه الرافعي، واختاره في "المرشد": أنه لا حجر في الحال. ومقابله – ذكر الماوردي أنه مأخوذ من نص الشافعي، فيما إذا تسلم المشتري المبيع، [وكان الثمن معه في البلد-: أنه [يحجر] عليه [في] المبيع، وجميع ماله، مع أن فيه وفاء بالثمن]. [وفي جواز الحجر عليه وجهان]. وقال الإمام: إنه المختار عند الأئمة. قلت: ويظهر أن تكون مادة الخلاف أن المشرف على الزوال كالزائل كما تقدم، وقد أجرى العراقيون – مثل أبي الطيب وغيره – الخلاف فيما إذا كانت الديون أقل، وكان يغلب على الظن انتهاؤها إلى المساواة، ثم الزيادة على قرب بسبب كثرة الإنفاق، ورتبه الإمام وقال: هذا أولى بالمنع، ولا خلاف أن دَخْله إذا وفي بَخْرجه لا يَخْرجه لا يحجر عليه، اللهم إلا أن يمتنع من الوفاء، ففيه الخلاف السابق في أول الباب. ومنها: إذا سأل بعض الغرماء الحجر، فينظر: إن كان دينه لو انفرد اقتضى الحجر أجيب إليه، ولا يكون قاصراً عليه، بل يتعدى في حق سائر الغرماء، وإن كان لو انفرد لا يحجر عليه به، فوجهان: الأظهر منهما: المنع. واختيار الشيخ أبي محمد، وهو الذي يقتضيه إطلاق العراقيين: أنه يحجر عليه؛

стр. 4547

كي لا يضيع حقه بتكاسل غيره، وفي "الجيلي" حكاية وجه: أن للحاكم الحجر عليه من غير طلب [والتماس]. ومنها: إذا لم يطلب الغرماء الحجر، وطلبه المديون، ففي إجابته وجهان، أظهرهما في الرافعي، وادعى الإمام أن عليه الأكثرين: أنه يجاب، لأن له فيه غرضاً ظاهراً، وقد رأى العلماء أن الحجر على معاذ كان بالتماسه دون الغرماء، ورأى الإمام أنه كان بسؤال الغرماء، وقال في "الاستقصاء": إن هذا الوجه ليس بشيء. تنبيه: إذا كان من جملة مال المديون مبيع لم يقبض ثمنه، ولو قوم مع ماله وحسب ثمنه مع الديون، اقتضى ذلك ألا يحجر عليه. ولو أخرج عن التقويم وثمنه عن الديون اقتضى ذلك الحجر – فهل يدخل في التقويم أم لا؟ فيه وجهان في "الحاوي" وغيره، وأصحهما عند العراقيين: الإدخال، وقد بناهما المتولي مع قولنا بالحجر عند مساواة المال الدينَ، على أنه هل يرجع البائع في عين ماله [والحالة] هذه أم لا؟ فإن قلنا: يرجع فيها، لم تدخل، وإلا أدخلت. قال: والمستحب أن يشهد على الحجر – أي: وينادي عليه – ليتسير إثباته عند من بعده من الحكام، ولتعرف الناس حاله، فإن عاملوه كانوا على بصيرة، وليس مع من [له] عليه دين ممن لم يسأل فيحضر، وهذا ما ذهب إليه البغداديون من أصحابنا. وحكى الماوردي أن البصريين من أصحابنا قالوا: من شرط ثبوت الحجر الإشهاد؛ لأن المقصود بهذا الحجر الشهرة، وإظهار الأمر فيه، ولا يكون مشهوراً إلا بالإشهاد، وأجرى مجرى اللعان الذي قصد به الشهرة. قال: وإذا حجر عليه لم ينفذ تصرفه في المال – أي: الموجود – بما يبطل به حق الغرماء من البيع، والرهن، والهبة، ونحو ذلك؛ [وذلك] لتعلق حق الغرماء به كتعلق حق المرتهن، ولأنه محجور عليه بحكم الحاكم؛ فلا يصح تصرفه على

стр. 4548

مراغمة مقصود الحجر كالسفيه. وقد يفهم من العلة الثانية: أن الحجر يتعدى لنفسه، حتى لا يصح منه بيع شيء في ذمته سلماً، ولا شراؤه لشيء بثمن في ذمته كالسفيه، وهو قول حكاه الإمام. ومن العلة الأولى: أن الحجر لا يتعدى إلى ما يتجدد له من الملك بعد الحجر بسبب البيع، والشراء، والاحتطاب، والاحتشاش، وغير ذلك، بل يتصرف فيه كيف شاء، [وهو وجه رواه المراوزة]، وأنه إذا باع ما وقع عليه الحجر، أو وهبه بإذن الغرماء نفذ تصرفه كما في المرهون، وهو في البيع احتمال أبداه الإمام، وجعله الغزالي أظهر الوجهين، وفي الهبة قول حكاه الشاشي عن الماوردي؛ قياساً على هبة العبد بإذن سيده، والصحيح - وبه جزم العراقيون - صحة بيعه وشرائه بثمن في الذمة، وتعدي الحجر إلى ما يتجدد له من ملك. ولنا قول آخر في أصل المسألة، [في المذهب الجديد، كما حكاه الإمام في كتاب الإقرار]: أن تصرفه موقوف كتصرف المريض: فإن وفي ماله بديونه بسبب ارتفاع الأسواق، أو استفادة مال، أو إبراء بعض الغرماء - نفذ تصرفه، وإلا فسخ الأضعف فالأضعف، والأضعف الهبة، ثم البيع، ثم الوقف والكتابة والعتق. قال الشيخ في "المهذب": ويحتمل عندي أن يفسخ الآخِر فالآخِر، كما في تبرعات المريض. وفي "الحاوي": أنه يبدأ من تصرفاته بنقض ما ليس في مقابلته عوض كالهبة والعتق، فإن لم يَفِ فسخت الكتابة قبل البيع، فإن لم يَفِ المكاتب نظر في البيع: فإن كان بدون ثمن المثل نقض، وإن كان بأكثر [من ثمن المثل]، والثمن باقٍ أجيز العقد ولا ينقض. وإن كان ثمنه قد أتلفه المشتري فسخ؛ لأن العين ترجع إلى الغرماء، ويبقى الثمن في ذمة المفلس، وإن كان قد باعه بثمن المثل، والثمن مقبوض تالف فسخ؛ لما ذكرناه. وإن كان باقياً نظر: إن زادت قيمة الثمن، أو نقص سعر المبيع لم ينقض، وإن كان

стр. 4549

الآخر باقياً بحاله، فظاهر إطلاق الشافعي وأصحابه يقتضي أن يفسخ عليه، والصحيح عندي أنه لا يفسخ، وهذا ما حكاه صاحب "الاستقصاء" عن "الإيضاح"، وطرده يما إذا وهب شيئاً، وكوفئ بمثله في أن الهبة لا تنقض، ولو لم يوجد من يشتري إلا ما أجزنا التصرف فيه وحث الغرماء على البيع، قال الإمام: فيه احتمال. والظاهر أن الغرماء يجابون فيباع، والمذهب القول الأول، وهو اختيار المزني، والفرق بين المفلس والمريض: أن المريض لا يتعلق بماله في الحال حق؛ بدليل أنه يجوز صرفه في شهواته وملاذِّه، ولا كذلك المفلس، على القولين يجوز له الوصية به، وتدبير ما في ماله من العبيد، صرح به صاحب "الاستقصاء"، وألحق بهما [في] الصحة بيعه جميع ماله من جميع الغرماء جملة ديونهم، وإن كان بغير إذن الحاكم على الأصح. وحكى [أن] مقابله وجه ضعيف، وهو الذي نسبه الرافعي وغيره إلى أبي زيد، وقال: إنه الأظهر، وهو مبني على أن الديون إذا قضيت [لا يرتفع] الحجر بنفسه، والأول مبني على أنه يرتفع. قال الرافعي: ولك أن تقول: وجب ألا يجزم بصحة البيع، وإن قلنا بسقوط الدين يسقط الحجر؛ لأن صحة البيع إما أن تفتقر إلى تقدم ارتفاع الحجر أو لا، فإن كان الأول وجب أن يجزم بعدم الصحة؛ للدَّوْر؛ فنه لا يصح البيع ما لم يرتفع الجحر، [ولا يرتفع الحجر] ما لم يصح البيع، وإن لم يفتقر فليخرج على الخلاف فيما إذا قال: كلما ولدتِ ولداً فأنتِ طالق، فولدت ولداً بعد ولد: هل تطلق بالثاني؟ واستيلاد المفلس هل ينفذ؟ مقتضى ما قاله الأصحاب من عدم نفوذ عتقه في الحال على القولين، أن يكون كذلك إذا قلنا: إن استيلاد الراهن كعتقه، أو قلنا: إنه مرتب عليه، وأولى بألا ينفذ، وإن قلنا: أولى بأن ينفذ، ففيه هاهنا نظر. مقتضى ما حكاه الماوردي من القولين في أن هذا الحجر حجر سفه أو حجر

стр. 4550

مرض: أن ينفذ في الحال وجهاً واحداً؛ لأن المريض ينفذ استيلاده من رأس المال، وكذا السفيه، والله أعلم. فرع: لو اشترى شيئاً بشرط الخيار، أو وباعه، ثم حجر عليه، فهل له الفسخ والإجازة؟ ينظر: إن كان له الحظ في أحدها ففعله نفذ، وإن كان الحظ في خلافه فثلاثة طرق: أظهرها – وهو ظاهر النص -: أن ذلك نافذ؛ لأنه ليس بتصرف مستجدٍّ، وإنما يمنع المفلس من التصرفات المنشأة. والثاني: لا ينفذ كما في الرد بالعيب، وهذا ما ذهب إليه ابن أبي هريرة [وأبو إسحاق، كما نقله في "المهذب"،] واختاره في "المرشد"، وقال الماوردي: إنه لا وجه له، والقائل الأول فرق بأن الملك في زمن الخيار ضعيف، بخلاف العيب. والثالث: أن ذلك ينبني على أقوال الملك، فإن قلنا: لا ملك [له]، نفذ فسخه [إن كان مشترياً]، وإجابته [إن كان بائعاً]، وإن قلنا: الملك له، نفذ منه ما يقتضي استدامة ملكه دون ما يزيله. تنبيه: احترز الشيخ بقوله: لم ينفذ تصرفه في المال، عن نفوذ تصرفه في النكاح والطلاق، واستيفاء القصاص والعفو عنه، واستلحاق النسب ونفيهن وكذا إقراره بالمال، لكن فيه تفصيل: فإذا أقر بمال لزمه قبل الحجر، وأخذناه به بعد فك الحجر، وهل يشارك المقر له به الغرماء؟ فيه قولان منصوصان في "المختصر"، وهما يجريان فيما لو أقر بعين في يده أنه غصبها أو استودعها، أو استعارها، أو استؤجر على العمل فيها وكان صباغاً أو صائغاً، والأصح القبول. وجعل الإمام الخلاف في الإقرار بالعين محكيًّا عن القديم، وأن الأئمة ألحقوا الإقرار بالدين [المرسل] بالعين، وتبعه الغزالي في ذلك. [فإن قبلنا إقراره بالعين سلمت إلى المقر له، وإن لم نقبله وفضلت سلمت إليه

стр. 4551

أيضاً، وإلا فالغرم في ذمته، كذا قاله الرافعي وغيره هنا. وفي "النهاية" و"تعليق" القاضي الحسين في كتاب الإقرار: أنه إذا أقر بالعين، فإقراره غير مقبول على الغرماء، حتى لو مست الحاجة إلى صرف تلك العين إلى الديون صرفناها. نعم، إذا فضلت بعد فك الحجر، هل تسلم للمقر له؟ فيه قولان. انتهى. وعلى قياس هذا يتجه أن يجيئا في الغرم – أيضاً – وفي الدين، وبذلك يحصل في المسألة طريقان]. وإن أسند الدين إلى ما بعد الحجر: فإن كان عن معاملة فلا يضارب الغرماء. كذا قاله الأصحاب، وفيه [نظر] يظهر لك من بعد. وإن كان عن إتلاف أو خيانة، فأصح الطريقين: أنه كما لو أسنده إلى ما قبل الحجر، والثاني: أنه كما لو قال: عن معاملة، [وهذا ما حكاه الماوردي]. [قلت: ويشبه أن يكون الخلاف مبنيًّا على ما لو ثبت ذلك بالبينة، ومذهب العراقيين: المشاركة، والمحكي عن القاضي الحسين عدم المشاركة، [وهو ما ادعى الإمام في كتاب الإقرار: أنه المذهب، والقاضي: أنه أقيس الوجهين]. فالطريقة الأولى ماشية على ما ذهب إليه العراقيون، والثانية على ما حكى عن القاضي. ولو أقر بما يوجب القصاص، فعفا المستحق على مال – قال في "التهذيب": هو

стр. 4552

كما لو أقر بدين جناية. وقطع بعض شارحي "المختصر" بالقبول]. قلت: وقد تقدم لنا كلام فيما إذا أقر العبد المرهون بما يوجب القصاص، وعُفِي عنه على مال، ويتجه أنا يجيء مثله هاهنا. فرع: لو ادعى على المفلس بمال لزمه قبل الحجر، فأنكر ولم يحلف، حلف المدعي، وشارك الغرماء إن قلنا: إن اليمين مع النكول بمنزلة البينة، وإن قلنا: كالإقرار، ففي المشاركة القولان. هكذا حكاه معظم الأئمة هنا، وسيأتي في كتاب الأقضية – إن شاء الله تعالى – أنا إذا قلنا: إن يمين المدعي مع نكول الخصم كالبينة، فذاك إذا لم يتعدَّ الثالث، أما إذا تعدى فالأصح أنا لا نعاملها معاملة البينة في حقه، وقد حكى المتولي هذا وجهاً هنا. قال: فإن لم يكن له كسب أنفق عليه وعلى عياله – أي: من زوجاته، و [أم] ولده، وقريب تلزمه نفقته، إلى أن ينفك عنه الحجر: أما الإنفاق عليه؛ فلقوله ﷺ : "ابْدَا بِنَفْسِكَ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ"، وممن يعول: الزوجة، ونفقتها دين ثابت في الذمة، وقد قدم نفقته عليها، دل على تقدمها على الديون، ولأنه إذا لم يكن ذا مال وجبت نقته على كافة المسلمين؛ فوجب إذا كان له مال أن يقدم بالإنفاق منه [بطريق] الأولى. وأما الإنفاق على الأقارب؛ لأنهم يجرون مجراه في وجوب الإنفاق قبل الحجر، وعتقهم إذا ملكهم؛ كما يعتق إذا ملك نفسه؛ فوجب أن يقدم نفقتهم بعد الحجر كما يقدم نفقته، ووجه الرافعي ذلك بأن المفلس موسر بالمال قبل القسمة، وإذا ثبت تقديم نفقة الأقارب على وفاء الدين كان تقديم نفقة الزوجات أولى؛ لأنها تقدم على نفقة الأقارب مع أنها دين.

стр. 4553

والمراد بالنفقة: قوت مثله الذي لا يستغني عنه، ولا يعتبر في ذلك شهواته وملاذُّه. وما الواجب من نفقة الزوجات؟ قال الإمام: نفقة المعسرين. قال الرافعي: وفي التجريد للقاضي الروياني: أنه ينفق عليهن نفقة الموسرين، وهذا قياس الباب، ولو كان ينفق نفقة المعسرين لما أنفق على الأقارب. قلت: ما ذكره الإمام هو الحق، وعليه ينطبق [أكثر ما قيل في] حد المعسر [في النفقات]، بل كله كما ستقف عليه. ووجوب نفقة القريب قد حكى الزبيلي من أصحابنا في "أدب القضاء" له: أنه لا ينفق على ولده، والدين أولى منه؛ لأن نفقة الولد مواساة والدين لازم، وعلى تقدير تسليم الحكم – كما ادعى الإمام اتفاق الأصحاب عليه – فهو مشكل. تنبيه: محل وجوب الإنفاق على الزوجة إذا كانت في العصمة قبل الحجر، أما إذا تزوجها بعد الحجر فلا ينفق عليها من المال، صرح به المتولي والرافعي في كتاب النكاح، والفرق: أن القياس يقتضي أن ما عدا نفقة يوم الحجر لا يجب للزوجة على الجديد، ولا للقريب [فيه]؛ لأنها تجب يوماً فيوماً، والحال الذي يجب فيه المال قد سبق تعلق حقوق الغرماء به؛ فأشبه ما إذا كان مرهوناً خالصاً. ذلك فيما إذا كانت الزوجة متقدمة؛ لأنها سبب الوجوب، فأقمناها مقامه، وكذلك القرابة، وذلك منتفٍ فيما إذا تأخرت الزوجية؛ فأعملنا القياس. فإن قيل: مقتضى ما ذكرت ألا تجب نفقة قريب تجدد بعد الحجر. قلت: تجدده كالأرش [يتقاعد عن] جناية صدرت [من عند المفلس] بعد تعلق حق الغرماء به، ومع هذا يقدم عليهم؛ كي لا يضيع حقه؛ فكذلك هنا. ثم وجوب الإنفاق على الأقارب لك أن تستنبط منه أن سكنى المفلس وملبسه، وما ينام عليه ويستعمله في وضوئه وأكله وشربه – مما لا غنى لمثله عنه – يخرج من المال

стр. 4554

أيضاً؛ لأنه إنما يجب على القريب إذا فضل عن ذلك، كما ستقف عليه في النفقات. وقد صرح الأصحاب بوجوب الكسوة، وحكى المتولي – وتابعه الرافعي – أنه لا يترك له الفُرُش والبُسُط، ويسامح باللبد والحصير القليل القيمة. ثم الكسورة لا يتصر فيها على زمن الحجر ويوم القسمة كما يفعل في النفقة، بل يعطي إن كان في فصل الصيف كسوة الصيف: قميص وسراويل، ومنديل، ومكِعْب، ودُرَّاعة [يلبسها فوق القميص]، وطيلسان، وخف، إن كان عادته ذلك. وإن كان [في فصل الشتاء]، أعطى [مع] ما ذكرناه: جبة أو ما يليق به من فرو وغيره، وتوقف الإمام في الخف والطيلسان، وقال: إن تركهما لا يخرم المروءة، وذكر أن الاعتبار بما يليق بحاله في إفلاسه، لا في بسطته وثروته. قال الرافعي: لكن المفهوم من كلام الأصحاب أنهم لا يساعدونه عليه، ويمنعون قوله: إن تركهما لا يخرم المروءة. ولا يجمع له بين كسوة فصلين في وقت واحد. وحكم العائلة فيما ذكرناه حكمه، وكذا حكم كفنه وكفن قريبه، وأم ولده وزوجته [على رأي – يخرج من المال، وفي قدر المخرج ثلاثة أوجه: أضعفها – وهو ما رواه الإمام عن أبي إسحاق]-: ما يستر العورة. وثانيها: ثوب واحد. وثالثها: ثلاثة أثواب كما في حال الحياة، وهو الأصح. فرع: إذا كان على المفلس ثياب فوق ما صلح لمثله بيعت، وأعطي ما يليق بمثله، وكذا الحكم في أم ولده؛ لأن ذلك ملكه، بخلاف الزوجة والقريب إذا كساهم قبل الحجر ذلك وبقي؛ لأنهما ملكاً ذلك قبل الحجر. ولو كان من عادة

стр. 4555

المفلس أن يلبس قبل الإفلاس دون ما يليق به تتيراً، لم يزد عليه في حال الحجر، ولا خلاف على المذهب: أنه لا يترك له رأس [مال] يكتسب به، وإن كان جهة اكتسابه التجارة، وحكى الإمام في كتاب الحجر: أن العراقيين حكوا عن ابن سريج أنه يخلف عليه رأس ماله الذي بالتجارة فيه يتبلغ ويتوصل إلى تحصيل قوته في مستقبل الزمان إذا كان لا يحسن الاكتساب إلا من هذه الجهة؛ كما يخلف له دست وبل يليق بمنصبه، وأنهم غلَّطوه وزَّيفوه، وإن الأمر على ما ذكروه. [فرع: في "فتاوى" العبادي: إذا كانت له كتب علم، وهو عالم، وللكتب قيمة – أنها لا تباع في الدين، وتباع المصاحف فيه؛ لأن كتب العلم علم، ويحتاج إليها الناس]. واعلم أن ما ذكروه ظاهر فيما إذا كان بعض ماله لم يتعلق به حق لمعين، أما إذا تعلق بجميع ماله حق معين: إما بسبب الحجر، أو بغيره، أو بهما كالأعيان المبيعة التي لم تقبض أثمانها، والرهون، والرقاب التي تعلقت بها أروش الجنايات – ففي "النهاية": [أنه] إذا لم يكن له سوى المرهون، لا ينفق عليه وعلى عياله منه، وغير المرهون لم أقف فيه على نقل، والقياس: أن يلحق بالمرهون في ذلك، ويؤيده قول جمهور أصحابنا في مؤنة تجهيز الميت ودفنه: إنها لا تخرج من عبده الجاني أو
следующие страницы →