← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

استحقاق المرتهن بها [وجزم في الشامل وتعليق أبي الطيب في الجريد الموجود حالة الرهن بعدم الدخول]. وإذا جرى الخلاف في اندراج الثمرة مع إمكانها بيعها دون النخيل العكس، ففي اندراج الحمل فيه من طريق الأولى، وقد صرح [به] الأصحاب، فإن قلنا بعدم الاندراج، فلو قال رهنتك الجارية وحملها، فهل يكون الحمل مرهوناً؟ فيه تردد للأصحاب قال الإمام: والظاهر أنه لا يندرج، وفي اندراج اللبن الكائن في الضرع حالة العقد طريقان. أحدهما: القطع بأنه لا يدخل. والمشهور أنه على الخلاف، ثم هو عند بعضهم بمنزلة الثمار، وعند آخرين بمنزلة الجنين. وفي الصوف على ظهر الحيوان طريقان: أحدهما: القطع بدخوله [كالأغصان،] حكاه في التتمة. وأظهرهما: أنه على القولين في الثمار وزاد بعضهم قولاً ثالثاً فارقاً، بين ما قصر بحيث لا يعتاد جزه، فيدخل دون ما يعتاد جزه فلا يدخل. فرع: إذا رهن الأشجار فيه وجهان، وكذا في دخول الأساس تحت اسم الجدار، الذي جزم به القاضي أبو الطيب في المغارس عدم الدخول، ولا يدخل البناء بين الأشجار في الرهن عند رهن الأشجار إن أمكن الانتفاع به منفرداً، وإلا فهو على الخلاف في المغارس عند صاحب التقريب، والشيخ أبي محمد، والأشهر عدم الدخول. قال: وإن شرط في الرهن شرطاً ينافي مقتضى الرهن فإن كان ينفع الراهن أي مثل إن شرط ألا يباع في الدين، أو ألا يباع إلا بأكثر من ثمنه، أو ألا [يتقدم] به عند ازدحام الديون أو أن يكون مضموناً على المرتهن بطل الرهن؛ لأن ذلك مخالف لمقصود الرهن فمنع الصحة كما لو قال بعتك بشرط ألا تملكه.

стр. 4482

وفي كتاب القاضي ابن كج أن ابن خيران حكى في إفساد الرهن فيما عدا الصورة الأخيرة القولين الآتيين فيما إذا كان ينفع المرتهن، وحكاهما أبو علي في الإفصاح في الأخيرة أيضاً. قال ابن الصباغ فيها: والأول أصح. قال: وإن كان ينفع المرتهن أي مثل أن يشترط أن يباع بأي ثمن كان، وإن قل، أو قبل حلول الحق، أو أن ما يحدث من ثمرة ونتاج وكسب يكون مرهوناً أيضاً، ففيه قولان: أصحهما: أنه يبطل؛ لأنه شرط باطل، قارن العقد فأبطله، كالشرط المضر بالمرتهن. والثاني: لا يبطل؛ لأن هذه الشروط لا تقدح في الوثيقة فلغت، وبقي الرهن بحالة بخلاف الشرط الذي ينفع الراهن؛ ولأن الرهن ينزع من الراهن وهذا الشرط فيه تبرع آخر، وأحد التبرعين لا يبطل ببطلان الثاني كما لو أقرضه الصحاح، وشرط رد المكسر، و [قد] حكى عن القديم صحة الشرط، بأن ما يحدث من الثمار أو النتاج يكون مرهوناً، ووجه في صحة شرط ما يحدث من الكسب. فرع: لو شرط المرتهن أن يبيع الرهن؛ لوفاء الدين، كان الشرط فاسداً، فإن شرط زيادة فاسدة في حق المرتهن، ويبطل بذلك البيع المشروط- فيه ذلك. [وإن لم يكن الرهن مشروطاً في بيع فهل يفسد الرهن؟ فيه قولان: ووجه فساد الشرط أن توكيل المرتهن في بيع المرهون لوفاء الدين فاسد، كما سنذكره عن العراقيين وفي النهاية ما يخالفه كما سنذكره في آخر الباب، ويجيء عليه أن يكون الشرط صحيحاً قال: وإن شرط الرهن في بيع، فامتنع [الراهن] من الإقباض، أي بعد عقد الرهن أو أقبضه، ثم وجد به عيباً، ثبت له الخيار في فسخ البيع، أي بعد رد الرهن لأنه لم يرضَ بذمته إلا بتوثيقه، فإذا لم يحصل له كان ذلك نقصاناً وعيباً، فثبت له الخيار، فإن قيل: لما لا يجبر الراهن على الإقباض وفاءً بالشرط عملاً بقوله: ﷺ "الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِم"؟

стр. 4483

قال ابن الصباغ: لان الرهن لا يلزم إلا بالقبض، كما دللنا عليه من قبل، وهكذا الحكم فيما لو شرط في البيع كفيلاً، فامتنع من الضمان لا يجبر، ويثبت للبائع الخيار، ثم الخيار في الرهن يثبت على الفور بعد الامتناع؛ لأنه خيار نقص، والامتناع يكون بعد الطلب، صرح به الماوردي، أما إذا لم يطلع على عيب المرهون إلا بعد تلفه في يده، لم يكن له خيار في فسخ البيع ولا طلب الأرش، وكذا لو شرط في الرهن رهن عبدين فأقبضه أحدهما، وتلف عنده أو تعيب، ثم امتنع الراهن من تسليم الآخر لم يثبت للمرتهن خيار. قال في الاستقصاء: لأن الخيار يثبت إذا رد المأخوذ على الوجه الذي أخذه، وقد تعذر الرد [لذلك]. وفي النهاية حكاية وجه في ثبوت الخيار أيضاً، وادعى ميل النص إليه. فرع: إذا خلَّى الراهن بين المرتهن وبين الرهن المشروط في البيع فامتنع من قبضه فهل يجبره القاضي على قبضه؟ فيه وجهان عن رواية صاحب التقريب. فإن قلنا: لا يجبره أبطل القاضي خياره في فسخ البيع. [مسألة]: قال: وإن شرط البيع رهناً فاسداً أي: مثل أن قال بعتك عبدي هذا بألف على أن ترهنني به دارك هذه بشرط ألا تباع في الدين، أو بشرط أن تكون منفعة المرهون لي مدة بقاء الرهن، أو يكون مبيعاً منك بعد شهر بالدين، [وما] جانس ذلك بطل في أحد القولين؛ لأن الرهن ينزل في مقابلته جزءٌ من الثمن، فإذا لم يصح اقتضى ضم ذلك الجزء إلى الثمن وه ومجهول فتصير جملة الثمن مجهولاً فبطل لذلك، وهذا هو الصحيح في الاستقصاء وغيره. قال: دون الآخر؛ لأن الرهن ينعقد منفرداً عن البيع فلم يفسد بفساده؛ كالصداق مع النكاح. قال أبو إسحاق: ولا يجوز أن يقال الرهن مقابلة جزء من الثمن؛ لجواز اشتراطه في القرض الذي لا تجوز الزيادة عليه بالشرط، وهذه طريقة الشيخ أبي حامد، وقال

стр. 4484

القاضي أبو الطيب: فيما إذا شرط أن تكون منافع المرهون للمرتهن إن كانت المنفعة مجهولة: بطل الرهن والبيع، وإن كانت معلومة فقد اشتمل هذا العقد على بيع وإجارة؛ لأنه جعل المبيع في مقابلة الثمن ومنفعة الرهن فيجيء في صحة ذلك القولان السابقان وهذا ما حكاه الماوردي في هذه الصورة. وقال: أما إذا شرط كون المنافع للمرتهن في نفس الرهن لا في عقد البيع كان الشرط باطلاً، وفي بطلان الرهن قولان، فإن أبطلناه كان في بطلان البيع القولان. وقال ابن الصباغ: ظاهر كلام الشافعي ما قاله الشيخ أبو حامد. فرع: لو قال: بعني عبدك بألف على أن أعطيك بها وبالألف التي لك عليَّ داري رهناً [فيه] ففعل كان البيع والرهن باطلين. أما البيع فلأنه شرط فيه رهناً فيما لا يستحق رهناً فيه فبطل، وإذا بطل جر جهالة إلى الثمن. وأما الرهن في ثمن المبيع فلبطلان البيع، وفي الألف الآخر؛ لأن الرهن فيه كان بشرط البيع. وقال ابن أبي هريرة: هذا فساد من جهة الشرط في الرهن وهو شرط ينتفع به المرتهن فكان باطلاً، وفي بطلان الرهن به قولان، فإن صححناه صح البيع، وإلا كان في صحة البيع القولان. [و] قال الماوردي: والصحيح التعليل الأول وقد حكى عن الشيخ أبي محمد وغيره [في] صحة الرهن بالألف القديم أن كان عالماً بفساد الشرط، أو لم يعلم إذا قلنا بجواز تفريق الصفقة فيه. ورأى القاضي الحسين عدم صحة الرهن بالألف القديم عند الجهل بالفساد. قال: ولا ينفك من الرهن شيء حتى يقضي جميع الدين؛ [لأنه قد] تعلق به حق فكان متعلقاً به وبكل جزء منه كرقبة المكاتب، وتركة المديون ولا فرق في قضاء الدين المحصل لفكاك الرهن بين أن يكون يدفع نفس الحق أو بدله، والعبارة الوافية بالمقصود في هذا أن يقال:

стр. 4485

ولا ينفك من الرهن شيء حتى يبرأ من عليه الدين من جميع الدين المرتهن به؛ لأنها تشمل ما ينفك به الرهن من القضاء والإبراء والحوالة [على المديون أو منه كما صرح به المتولي في الحوالة] والإقالة والمعاضة. وكلام الشيخ يقتضي الحصر في القضاء، ولا خلاف في أن العين التي اعتاضها عن الدين لو تلفت قبل القبض عادت وثيقة الرهن كما كانت، كذا لو تقايلا عقد المعاوضة كما صرح به القاضي أبو الطيب وغيره. ثم هذا كله إذا كان الرهن في عقد واحد من شخص واحد عند واحد والمديون واحد، وكذلك مالك الرهن أو من انتقل إليه بالإرث، فلو رهن نصف العين بعشرة، والنصف الآخر بعشرة فلكل نصف حكم الرهن الكامل. ولو رهن العين من شخصين على عشرين لهما بالسوية، ثم برئ من دين أحدهما انفك نصيبه بلا خلاف، اللهم إلا أن يتحد جهة الدينين كما إذا أتلف عليهما مالاً أو ابتاع منهما شيئاً، فإنه لا ينفك إلا أن يبرأ من جميع دين الآخر، على وجه غريب رواه صاحب التقريب. ولو تعدد المدين والراهن وكيل فالأصح التعدد كما لو باشر من عليه الدين بنفسه. ولو تعدد مالك الرهن في صورة الاستعارة والراهن واحد وقصد فك نصيب أحدهما بدفع ما عليه، فالأظهر من القولين في عيون المسائل الانفكاك. وروى المحاملي وغيره قولاً ثالثاً: أن المرتهن إن كان عالماً بأنه لمالكين فللراهن فك نصيب أحدهما بأداء نصف الدين، وإن كان جاهلاً فلا. قال الإمام: ولا يعرف لهذا وجهاً. ولو اتحد الراهن والمدين، وكان المرهون عبدين متماثلي القيمة استعار كلا منهما من مالك فأدى نصف الدين ليخرج أحدهما عن الرهن ففيه طريقان: أحدهما: القطع بانفكاكه لانضمام تعدد المحل إلى تعدد المالك. والأظهر طرد القولين [كما حاكه ابن الصباغ. عن الرهن الصغير] وإذا قلنا

стр. 4486

بالانفكاك فلو كان الرهن مشروطاً في بيع، فهل للمرتهن الخيار إذا كان جاهلاً بأن المرهون لمالكين؟ فيه وجهان [أو قولان] أصحهما أن له الخيار. ولو مات الراهن وخلف ولدين فأدى أحدهما نصف الدين، لا ينفك نصف المرهون على أصح القولين، وبه قطع قاطعون. وقول الانفكاك رواه صاحب التقريب، واستبعده الإمام وقال: إنما ينقدح في فك قدر نصيبه من التركة إذا أدى قدر حصته من الدين؛ بناء على أنه لو أقر بدين على مورثه وأنكر الآخر لا يلزمه إلا قدر حصته، ومقتضى هذا البيان أن يكون هذا القول هوا لصحيح، فإن الجديد أنه لا يلزم المقر من الورثة إلا قدر حصته من الدين، وأيده الرافعي بأن تعلق الدين بالتركة هل هو كتعلق الرهن أو الجناية؟ وفيه خلاف، فإن كان الأول فهو كتعدد الراهن، وإن كان الثاني فهو كما لو جنى العبد المشترك فأدى أحد الشريكين نصيبه فإنه ينقطع عنه التعلق، لكنه خص ذلك بما إذا لم يسبق الموت مرض، وقال فيما إذا سبق الموت مرض: إن التعلق يكون سابقاً على ملك الورثة، لأن للدين أثراً بيناً في الحجر على المريض، فيشبه أن يكون القول في انفكاك نصيبه كما في السورة السابقة يعني في الرهن، وما قاله أخيراً فيه نظر: فإن تصرف المريض في ماله لايختلف على المذهب بين أن يكون عليه دين أم لا. نعم حكى وجه: أنه إذا وفى بعض ديونه في المرض بجميع ماله أن لمن بقي من أرباب الديون مقاسمته بعد الموت، فإن أراد هذا فهو صحيح لكن لا يعكر [على] هذا على المذهب. قال: ولا ينصرف الراهن في الرهن بما يبطل به حق المرتهن كالبيع والهبة ولا ينقص به قيمة الرهن كلبس الثوب وتزويج الأمة ووطئها إن كانت ممن تحبل) أي أو كانت بكراً، لقوله ﷺ "لا ضَرَرَ، وَلا ضِرَارَ فِي الإِسْلامِ" ولما ذكرنا في أوائل باب ما يجوز بيعه، وقد تقدم ثم حكاية ما أبداه الإمام في بيعه، ولو كانت ذات زوج لم يمنع من وطئها لسبق حقه، ولا من صيرورتها أم ولد، وكذا لو طلقها طلاقاً رجعياً لا يمنع من المراجعة.

стр. 4487

قال الماوردي: لأنه مع الرجعية مقيم عليها بالنكاح. قلت: وسنقف في باب الرجعة على خلاف في أن الرجعة في حكم ابتداء النكاح، أو في حكم استدامته؛ حتى أجرى خلاف: في أن العبد هل له المراجعة بغير إذن سيده أم لا؟ فقد يظن جريان مثل ذلك هاهنا [وليس كذلك؛ لأن رضا الحرة غير معتبر في رجعها فلسيد الأمة أولى، وإنما جرى الخلاف ثم؛ لأن رضا الزوج هو المعتبر في الارتجاع؛ فلذلك تبينا ابتداء النكاح]. قال: [وإن كانت ممن لا يحبل أي لصغر، أو كبر وهي ثيب جاز وطؤها كسائر الانتفاعات التي لا تضر بالمرتهن، وهذا قول أبي إسحاق واختاره ابن كج. وقيل: لا يجوز؛ إذ العلوق ليس له وقت معلوم فإن الطباع مختلفة فيمنع حسماً للباب، كما قلنا في شرب الخمر لما لم يتميز ما يسكر منه مما لا يسكر مع اختلاف الطباع في السكر حرم الجميع، وعلى الوجه الثاني – وهو الذي قال به ابن أبي هريرة والأكثرون- لا يجوز له استخدامها بنفسه؛ حذاراً من وطئه لها. ويجري الوجهان فيما إذا كانت الأمة حاملاً من زنا وجوزنا وطأها [ويتجه جريان مثل هذا الخلاف فيما لو كانت الجارية لصغير، انتقلت إليه مرهونة بالإرث، وغير ذلك]. تنبيه: إنما مثل الشيخ التصرف المبطل لحق المرتهن بالبيع والهبة؛ ليخرج إبطال حق المرتهن من الرهن باستيفاء القصاص منه كما سنذكره، وتمثيله بما ينقص قيمته باللبس ونحوه؛ ليخرج ما إذا نقص حقه بالمقاسمة، كما إذا رهن من شخصين شيئاً

стр. 4488

وقضى دين أحدهما وأراد أن يقاسم المرتهن في المرهون، وكان ينقص بذلك، فإن له المقاسمة على أحد الوجهين كما حكاه في المهذب، والخلاف يجري فيما إذا رهن ما يخصه من شيء مشاع، وأراد الشريك والراهن القسمة، والأظهر أن المرتهن لا يجبر على ذلك. وحكى الإمام في جواز القسمة خلافاً، وإن كان المرهون مكيلاً أو موزوناً، أو ما يجبر الشريك على قسمته وبناه على أن القسمة بيع أو إفراز حق، ومقتضى هذا البناء ألا تجوز القسمة وإن رضي المرتهن إذا قلنا: إن القسمة بيع ولم نجوز نقل الوثيقة من العين إلى عين أخرى، كما هو أصح الوجهين، أما إذا جوزنا نقل الوثيقة فينبغي أن نجوز، وبالمنع أجاب الإمام، وإن جوزنا نقل الوثيقة؛ لأن هذا تبادل بصيغة البيع، ولا خلاف فيه. قال الرافعي: والمفهوم من كلام المعظم صحتها. قلت: وعندي في دعوى الإمام نفي الخلاف في منع التبادل بصيغة البيع نظر، من حيث إن كتب المذهب مشحونة بحكاية قولين فيما إذا أذن المرتهن للراهن في بيع المرهون على دين مؤجل، بشرط أن يكون الثمن رهناً مكانه، فأحد القولين أن البيع والشرط صحيحان، وهذا عين التبادل بصيغة البيع الصريحة. فإن قيل: الإمام قد وجه هذا القول بأن المرهون إذا هلك، تعلق حق المرتهن بالقيمة، وما يقع لا يمتنع شرطه وليس يقع مثل ذلك فيما ذكرتم؟ قلت: الإمام عمم الحكم بالمنع في المكيلات والموزونات من ذوات الأمثال مع وجود ما علل به قول صحة الشرط والبيع [في المثليات]؛ لأنه إذا تلف الرهن وكان مثليًّا تعلق حق الوثيقة بمثله فاندفع الجواب. وجعل الشيخ أبو إسحاق – ﵀ ونفعني به – وطء الجارية مما ينقص القيمة، تفريعاً منه على أن إحباله لا ينفذ فإنه يتوقع من الوطء العلوق، المفضي إلى الطلق وكل منهما منقص للمالية. أما إذا قلنا بنفوذ الاستيلاد فيحسن إلحاقه بما يزيل الرهن، [ولا يقال] الأحسن

стр. 4489

أن يجعل قسماً ثالثاً؛ فإن الأول لو صح أزال الرهن في الحال، وهذا يتوقع به الزوال؛ لأنا نقول سبب الزوال قد يقام مقام الزوال، ألا ترى أن الوطء منعنا منه، وإن قلنا: بعدم نفوذ الاستيلاد مع أنه لا ينقص في الحال، لكنه سبب النقص في المال. وقوله: بما يبطل به حق المرتهن: فيه إشارة إلى أن محل هذا الكلام بعد القبض إذ به يتعلق الحق له، أما قبل القبض فيصح منه سائر التصرفات من البيع والهبة وغيرهما؛ لفقد المانع منهما، كما صرح به الأصحاب، لكن هل يكون تصرفه رجوعاً عن الرهن؟ ينظر فيه، فإن كان بيعاً أو هبة أو رهناً واتصل بهما القبض أو إصداقاً أو عتقاً أو كتابة أو وطئاً حصل منه إحبال كان رجوعاً، والوطء من غير إحبال والتزويج لا يكون رجوعاً، وكذا الإيجار إن جوزنا بيع المستأجر، وإن لم نجوزه فالأصح أنه رجوع والتدبير رجوع على المنصوص. وخرج الربيع قولاً أنه ليس برجوع. وقال الإمام: وهو منقاس إذ بيع المدبر جائز عندنا. واعلم أن اللغة الفصيحة في قول الشيخ بما ينقص أن تفتح الياء وتسكن النون وتضم القاف المخففة، وبها جاء القرآن العزيز، ويجوز ضم الياء، وفتح النون، وكسر القاف المشددة. قال: ويجوز أن ينتفع به فيما لا ضرر [فيه] على المرتهن، كالركوب والاستخدام أي والسكنى، وزراعة ما لا يبقى بعد حلول الدين، ولا ينقص قيمة الأرض. قال: وله أن [بعير و] يؤجر أي: من ثقة إن كانت مدة الإجارة دون محل الدين؛ لأن المنافع ملكه كما سنبينه، ولا ضرر على المرتهن في استيفائها، فكان له الاستيفاء بنفسه، وبمن بينا كما في غير المرهون، وقد حكى عن القديم قولان: أحدهما: أنه ليس له استيفاء المنفعة بنفسه، ولم يطرده الماوردي في الانتفاع بالأرض [في الزراعة] بل جزم القول بجوازه، وفرق بين الزراعة، والسكنى: بأن يد

стр. 4490

الساكن على الدار، وليس للزارع يد على الأرض، وإنما يده على الزرع فلم يمنع منه، ومنع بعض الأصحاب الخلاف في المسألة، وحمل الأول على ما إذا كان ثقة، والثاني على غير الثقة؛ حذاراً من الجحود، وهذا ما صححه الماوردي، والثاني، رواه صاحب التقريب: أن الرهن لا يخرج من يد المرتهن بحال، وعلى المشهور إذا أراد الراهن أخذه، فإن كان غرضه منفعة يدام استيفاؤها؛ كالسكنى فتبقى في يده، وإن كان منفعة تستوفي في بعض الأوقات، كالاستخدام والركوب فتستوفي نهاراً وترد ليلاً. وهل يجب الإشهاد عند كل أخذ؟ ينظر: إن وثق المرتهن بالتسليم فلا، وإلا أشهد عليه شاهدين أن يأخذه للانتفاع، وإن كان مشهور العدالة موثوقاً به عند الناس فوجهان أشبههما أنه يكتفي بظهور حاله، ولا يكلف الإشهاد لما فيه من المشقة، ومحل ما ذكرناه إذا أراد الراهن شيئاً من الانتفاعات التي يحوج استيفاؤها إلى إخراج الرهن عن يد العدل كالركوب والاستخدام، أما إذا لم يرد ذلك، وكان المرهون مكسباً وتيسر اكتسابه في يد المرتهن، لم يخرج من يده، كذا قال الرافعي. ثم قال من بعد: وكلام الغزالي في الوسيط، والوجيز يدل على أن العبد لا ينزع من يد المرتهن إذا أمكن اكتسابه، وإن طلب الراهن منه الخدمة والأكثرون لم يتعرضوا لذلك. وقضية كلامهم: أن له أن يستخدمه مع إمكان الاكتساب، ولا خلاف أن الراهن ليس له المسافرة بالمرهون لحاجة الخدمة والاكتساب، وإن كان السفر قصيراً؛ لما فيه من الخطر، والحيلولة القوية من غير ضرورة، أما السفر لحاجة الرعي ففيه كلام يأتي. ولو أراد أن يزرع ما لا يستحصد إلا بعد حلول الدين فهل يمنع منه؟ فيه قولان أو وجهان، بناهما الماوردي على جواز بيع الأرض المزروعة، فإن جوزنا البيع جاز له أن يزرع، وإلا فلا، فعلى هذا، لو زرع لا يكلف القلع، قبل حلول الحق، وإذا حل الحق كلف ذلك، إلا أن يختار المرتهن الصبر إلى أوان الحصاد. وقيل: يجبر على القلع في الحال، وعلى الأول إذا حل الحق، بأن وفي بيع

стр. 4491

الأرض به فلا كلام، وإلا كلف قلع الزرع إذ ذاك، إن لم يكن محجوراً عليه، أو بيع الأرض مع الزرع، ودفع المرتهن قيمة الأرض. وكيف تقوم؟ يتجه أن يكون الحكم فيه أن تقوم الأرض بيضاء، ولا زرع فيها، فما قومت به تعلق حق المرتهن به كما حكاه في الاستقصاء عن نص الشافعي، فيما إذا نبت في الأرض شجر بعد الرهن. ولو أجر المرهون مدة تنقضي بعد حلول الدين، أو كان حالاً، فعن بعض الأصحاب فيما رواه ابن القطان بناء صحة الإجارة على القولين، في جواز بيع المستأجر، إن لم نجوزه لم تصح وألا صحت. وزاد الماوردي: إذا لم توكس الإجارة ثمن المرهون. وفي المهذب: أن أبا علي الطبري، قال: المسألة على القولين في زراعة ما لا يستحصد قبل محل الدين، والمشهور بطلانها قطعاً، أما إذا لم نجوز بيع المستأجر فظاهر، وأما إذا جوزناه؛ فلأن الإجارة الحق فيها للمستأجر، فلا يقدر الراهن على إزالته بخلاف الزرع، ثم القائلون بالمنع لم يفصل الجمهور [منهم]. وفي الحاوي والتتمة في المسألة الأولى: أن الإجارة تبطل فيما زاد على مدة الأجل، وفي الباقي قولا تفريق الصفقة. قال الماوردي: سواء رضي بذلك المرتهن [يما بعد] أو لم يرض، وحكم إجارته قدر مدة الدين حكم إجارته دون مدة الدين. ولو مات الراهن في أثناء المدة التي جوزنا العقد عليها، ففي قطع الإجارة وجهان، فإن قلنا لا ينقطع ضارب المرتهن مع الغرماء بحقه في الحال، ثم إذا انقضت مدة الإجارة بيع الرهن في حقه، فإن فضل منه شيء أخذه الغرماء، ثم هذا كله فيما إذا وقع عقد الإجارة من غير المرتهن، أما إذا صدر معه فيصح وجهاً واحداً، ولا يبطل بذلك الرهن، وإن صدرت الإجارة قبل تسليم الرهن [ويتسلمه عنهما]، وهاذ لو كان مستأجراً ثم رهنه من المستأجر [صح].

стр. 4492

قال: وإن رهنه بدين آخر، أي: من جنس الأول عند المرتهن ففيه قولان أصحهما: أنه لا يجوز، وهذا هو الجديد؛ لأنه رهن مستحق بدين، فلا يجوز رهنه بغيره كرهنه عند آخر. والثاني – وهو القديم واختاره المزني -: أنه يجوز؛ لأنه وثيقة على حق ليس عوضاً عنه فجازت الزيادة فيه كالضمان والشهادة]، وقد قيل إن هذا القول محكي في الجديد أيضاً وأيده المزني بأن الشافعي نص في المختصر على أن المرهون إذا جنى، ولم يفده السيد، فاختار المرتهن أن يفديه؛ ليكون رهناً بحاله بالحق الأول، وبما فداه به من الأرش بإذن الراهن صح. قال الإمام: ومن بدائع الأمور اختيار المزني جواز ذلك مع ميله إلى القياس في اختياراته، وقد أجاب الأصحاب عن الأول بأنه يجوز أن يضمن الضامن دين غيره، ولا كلك الرهن، فإنه لا يجوز أن يجعل على دين غيره، [وحكم المشاهد] يتسع لحقوق كثيرة، وحملوا النص على حكاية القول القديم، ومنهم من حمله على الجديد، وهو الظاهر. وفرق بأن الذي نص عليه الشافعي إنما جاز؛ لأن الأرش متعلق بالرقبة مع بقاء الرهن، فإذا رهنه به فقد علق بالرقبة ما كان متعلقاً بها، وغيره من الديون لم يكن متعلقاً بها، فلم يجز رهنه به. ولأن المجني عليه يملك استيفاء الحق من رقبته، وإن بطل الرهن به فصار بذلك في معنى الرهن الجائز، ويجوز أن يلحق بالعقد الجائز ما لا يلحق باللازم؛ ولأن ذلك من مصلحة الرهن وحفظه على المرتهن والمالك، بخلاف مسألتنا، ومثار الخلاف في المسألة المستشهد بها عند بعض من أثبته، أن المشرف على الزوال إذا استُدْرِكَ وصِينَ عنه يكون استدراكه كإزالته وعادته، وهو حض استدامة وفيه قولان مأخوذان كما قال الإمام من معاني كلام الشافعي، فإن قلنا بالأول فكأنهما يوافقا على فكاك الرهن، واستأنفاه بالدينين، وإن قلنا بالثاني ففيه القولان، أما إذا كان الدين الأول دراهم والثاني دنانير، وقلنا أنه يجوز، فهل يجوز هاهنا؟ فيه وجهان: أقيسهما في الاستقصاء أنه يجوز، ويجري الطريقان فيما إذا أنفق

стр. 4493

المرتهن على الرهن عند عجز المالك على النفقة بإذن الحاكم، وشرطا أن يكون مرهوناً بهما، كما صرح به القاضي أبو الطيب. فروع: لو اعترف الراهن بأن المرهون مرهون بعشرين، ثم ادعى أنه رهنه أولاً بعشرة، ثم بعشرة ونازعه المرتهن فعلى القديم لا ثمرة لهذا الاختلاف، وعلى الجديد القول قول المرتهن مع يمينه. وفي الحاوي حكاية وجه: أن القول قوله من غير يمين، ولو قال المرتهن في جوابه فسخنا الأول واستأنفاه بالعشرين، فالقول قول المرتهن أيضاً؛ لاعتضاد جانبه بإقرار صاحبه، أو قول الراهن؛ لأن الأصل عدم الفسخ؛ فيه وجهان مذكوران في تعليق البندنيجي وغيره، وميل الصيدلاني إلى الأول. وعن صاحب التهذيب الأصح الثاني. ومما يترتب على ذلك: أنه لو قال لشاهدين: كان هذا رهناً بألف، فجعلته رهناً بألفين [فيقبل]، [ما لم يصرح] الشاهدان بأن الثاني كان بعد فسخ الأول. وفي النهاية حكاية وجه عن صاحب التقريب: أنه يلزمه الحكم بكونه رهناً، فإنه يجب على الحاكم حمل ما ينقله الشهود على الصحة، وهذا إذا لم يطلع الشاهدان على شرح الحال، فلو أقر الراهن عندهما بأن [هذا] العبد رهنته عند فلان بألف، [ثم] رهنته بألف أخرى أو جرى الرهن بحضورهما، ثم ترافع المتراهنان إلى الحاكم وجب على الشاهدين أن يشهدا بما تحملاه مفصلاً، إن لم يكونا من أهل الاجتهاد وإن كانا فهل فهما الاجتهاد في ذلك؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم فإن كانا يعتقدان أن القول القديم كان لهما أن يشهدا أنه مرهون بألفين، وألا فيشهدا أنه مرهون بألف. والثاني: لا، وهو قول أبي إسحاق المروزي. والأصح في الحاوي: بل حالهما كما لو لم يكونا من أهل الاجتهاد، وهكذا

стр. 4494

الحكم في كل شهادة طريقها الاجتهاد، صرح به الماوردي. وفي النهاية: أن الشاهدين إذا كانا يعتقدان أن ذلك لا يجوز، وأرادا أن يشهدا مطلقاً وينقلا لفظ الراهن: إني جعلت هذا رهناً بألفين، فهل لهما ذلك؟ قال صاحب التقريب: هذا ينبني على أن القاضي هل يقبل ذلك؟ فإن قلنا: لا يقبله، فلا نظر إلى إطلاقهما. وإن قلنا: القاضي يقضي بالمطلق من شاهدتهما من غير [بحث، ففيه] وجهان، الأصح: أنه لا يجوز الإطلاق. وقال: وإن أعتقه ففيه ثلاثة أقوال: أحدهما: يعتق أي موسراً كان أو معسراً، لقوله ﷺ : "لا عِتْقَ إِلا فِيمَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَم" أثبت العتق في المملوك، والرهن مملوك للراهن، فوجب أن ينفذ عتقه فيه. وأيضاً فإنه عتق محبوسة لا استيفاء حق، فوجب أن ينفذ فيها عتق المالك، أصله: العبد المبيع في يد البائع والعبد المستأجر والزوجة. قال: والثاني لا يعتق أي: معسراً كان أو موسراً؛ ولأن العتق معنى يبطل به حق الوثيقة، من عين الرهن مع بقائه؛ فوجب ألا يصح من الراهن بغير إذن المرتهن كالبيع. قال: والثالث إن كان معسراً لم يعتق، وإن كان موسراً عتق، وأخذت منه

стр. 4495

القيمة، وجعلت رهناً مكانه؛ لأنه عتق في ملكه يبطل به حق الغير، فاختلف فيه الموسر والمعسر كالعتق في العبد المشترك بينه وبين غيره، وهذا هوا لصحيح والمنصوص عليه في المختصر، والأولان أخذا من نصه في الجامع الصغير، وهو من الكتب القديمة على عدم النفوذ، فيما إذا كان معسراً، وأن في نفوذه مع اليسار قولين، ومن نصه في الأم على النفوذ إذا كان موسراً، وعلى قولين فيما إذا كان معسراً، فانتظم من ذلك ما ذكره الشيخ. التفريع: إن قلنا بالنفوذ مطلقاً فعلى الراهن قيمته يوم الإعتاق، صرح به الأصحاب. وكان يتجه أن يتخرج على الخلاف في وقت النفوذ، وإليه أشار ابن يونس بقوله على الصحيح. ثم إن كان موسراً أخذت منه في الحال وجعلت رهناً مكانه، قاله في المهذب، ولا يفتقر إلى تجديد عقد الرهن، كما صرح به الرافعي وغيره، ويتجه أن يجيء فيه ما سنذكره في بدل الجناية من بعد. وفي النهاية: أنه لا يتم ذلك ما لم يقصد المعتق التسليم عن جهة الغرم، وأنه جاز في كل مال في الذمة، حتى لو قال قصدت الإيداع عندك، وقع وديعة. قلت: وكان يتجه أن يجيء فيه الوجه الذي تقدم، فيما إذا دفع الراهن الرهن إلى المرتهن، وقال قصدت الإيداع، وقال المرتهن: بل قصدت الإقباض عن الرهن، أن القول قول المرتهن لقرينة الحال. ويمكن أن يفرق بينهما بأن العقد ثم على العين قوى القرينة في جانب المرتهن، وفي تعليق القاضي [أبي الطيب:] أن القيمة تجعل رهناً، إن كان الدين مؤجلاً، وإن

стр. 4496

كان حالاً وفي منها الدين، إلا أن يقول الراهن: أقضي من غير هذه القيمة؛ فيكون له ذلك، وإن كان معسراً انتظر يساره، ثم إذا أيسر كان الحكم كما تقدم. يفرق فيه بين أن يكون الدين حالاً أو على نعت ما قاله أبو الطيب، وكلام الشيخ في المهذب موافق له؛ [فإنه قال: إذا أيسر وقد حل الحق] يطالب به، ولا معنى للرهن. قال الرافعي: ولك أن تقول: كما أن ابتداء الرهن قد يكون بالحال، وقد يكون بالمؤجل؛ فلذلك قد تقتضي المصلحة أخذ القيمة رهناً، وإن حل الحق إلى أن يتيسر استيفاؤه وبتقدير صحة التفصيل، وجب أن نجري مثله في القيمة التي تؤخذ من الموسر؛ يعني في الابتداء، وهذا سؤال على ما في المهذب كما ذكرناه من قبل. وإن قلنا بعدم النفوذ مطلقاً، فالرهن باقٍ بحاله، فلو انفك بالبراءة من الدين فقولان أو وجهان. أظهرهما: أنه لا يحكم بنفوذه أيضاً. والثاني: وبه قطع قاطعون: أنه ينفذ؛ لأن المانع قد زال. وإن قلنا بالقول الثالث؛ فالحكم في حال الإعسار كالقول الثاني، وفي حال اليسار حكى الإمام عن العراقيين خلافاً في كيفية نفوذ العتق؛ منهم من يخرج في وقت نفوذه ثلاثة أقوال، كما في عتق الشريك. أحدها: يتعجل نفوذه، وبعده يتوجه الغرم. والثاني: أن نفوذ العتق بيع مع غرامة القيمة للمرتهن. والثالث: أن الأمر موقوف على أداء الدين أو قيمته رهنا مكانه. وهذا الثالث حكاه ابن الصباغ في كتاب الطهارة عن أبي إسحاق. ومنهم من قطع بالنفوذ في الحال، وفرق بأن عتق الراهن صادف ملكه، والعتق الذي يسريه في العبد المشترك ينفذ في نملك الغير، فيجوز أن يتوقف انتقال الملك فيه إلى المعتق على تقدير ملك الشريك على العوض وإنما يستقر الملك على عوض المتلف إذا بدل وتثبت يد المتلف عليه على ذلك العوض، وهذا هو الأظهر في الرافعي. واختيار الشيخ أبي حامد كما حكاه ابن الصباغ [عنه] في كتاب الطهارة، وقال

стр. 4497

إن ما صار إليه أبو إسحاق من زلاته، وأن القاضي أبا الطيب نَصَرَ أبا إسحاق، وقال: هو نص الشافعي، وأجراه مجرى الشريك إذا أعتق، وبهذا الطريق جزم القاضي ابن كج، ومثل الطريقين يجري على ما حكاه الرافعي وغيره، فيما إذا كان الراهن موسراً، وفرعنا على القول [الأول]. وفي هذا نظر؛ لأنه لو كان معسراً لنفذنا عتقه على هذا القول، فكيف يتوقف مع اليسار. قال: وإن كانت جارية فأحبلها فعلى الأقوال: أي في أنها هل تصير أم ولد في الحال، [أم لا] وقد تقدم توجيهها، وكلام الشيخ يقتضي التسوية بين العتق والإحبال، وهي طريقة الشيخ أبي حامد، وغيره جعل الخلاف في الاستيلاد مرتباً على العتق، ثم اختلفوا، فمنهم من جعل الاستيلاد أولى بعدم النفوذ؛ لأنه [لا] يفيد حقيقة العتق، وإنما يثبت به [حق] العتق، وجعل أبو إسحاق [والأكثرون] الاستيلاد أولى بالنفوذ؛ لأنه فعل، والأفعال أقوى وأشد نفوذاً، ولهذا ينفذ استيلاد المجنون والمحجور عليهن ولا ينفذ إعتقاهما، وينفذ استيلاد المريض من رأس المال، وإعتاقه من الثلث. التفريع: إن قلنا: لا تصير أم ولد لم تبع، إلا بعد وضعها وسقيها الولد اللبأ الذي لا يعيش إلا به، واستغنائه بلبن غيرها وقد تقدم في البيع حكاية وجه في جواز بيع الأمة الحامل بالحر، ولا يباع منها إلا بقدر الدين، وإن نقص قيمة الباقي بخلاف ما إذا اتفق ذلك في العبد، وكانت قيمته مائة وهو مرهون [بخمسين] وكان لا يشتري نصفه إلا بأربعين، ويشتري الكل بمائة؛ حيث يباع الكل دفعاً للضرر عن المالك؛ اللهم إلا أن يوجد من يشتري البعض فيباع الكل دفعاً للضرر عن المالك؛ اللهم إلا أن يوجد من يشتري البعض فيباع الكل للضرورة، وإذا بيع البعض وقبض ثمنه المرتهن انفك الرهن عن الباقي واستقر الاستيلاد فيه، وإذا ماتت الأمة من الطلق

стр. 4498

غرم الراهن قيمتها، وعن أبي علي الطبري وغيره أنه لا يجب القيمة؛ لأن إضافة الهلاك إلى الوطء بعيد وإضافته إلى علل وعوارض [تقتضي] شدة الطلق أقرب. قال الإمام: ولا خير في هذا الوجه فلا تغتروا به، وعلى المذهب بأي وقت تعتبر القيمة؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها: وقت الإحبال. والثاني: وقت التلف. والثالث: أكثر ما كانت من وقت الإحبال إلى وقت التلف. ولو نقصت بسبب الولادة ضمن أرش النقص، ويفعل به ما ذكرناه في قيمة المعتق. قال: إلا أنها إذا بيعت بعدما أحبلها ثم ملكها، ثبت حكم الاستيلاد وإن بيعت بعدما أعتقها ثم ملكها لم يثبت العتق. والفرق: أن الإعتاق قول يقتضي العتق في الحال فإذا رد لغي بالكلية، والاستيلاد فعل لا يمكن رده، وإنما منع حكمه لحق الغير، فإذا زال عمل عمله، وهذا هو الصحيح في الطرفين فقد حكى أن الحكم في الاستيلاد يخرج على القولين، فيما إذا أحبل جارية الغير بشبهة ثم ملكها، وإن اختيار المزني منهما: عدم النفوذ، وهذه الطريقة أظهر عند الرافعي، وحكي وجه آخر في نفوذ حكم الرهن. تنبيه: إذا عرفت من كلام الشيخ أن حكم الاستيلاد ينفذ إذا ملكها بعد البيع، مع أنه ملك جديد على رأي [نفوذه]، عرفت [نفوذه] من طريق الأولى إذا زال الرهن، والملك باقٍ، وقد جزم بهذا بعضهم، [وبعضهم] خرجه على الخلاف أيضاً. فروع: لو علق عتق عبده المرهون بفكاكه صح، وإن علقه بصفة أخرى ووجدت قبل

стр. 4499

الفكاك بعتقه على الأقوال، وإن وجدت بعد الفكاك فوجهان: أصحهما: النفوذ، فلو رهن نصف عبدهن ثم أعتق النصف الآخر، أو أعتق نصفه مطلقاً عتق ما ليس بمرهون، وهل يسري إلى المرهون إن منعنا عتق الراهن؟ فيه وجهان: أصحهما: أن يسري كملك الغير، وعلى هذا يفرق بين الموسر والمعسر، صرح به الإمام عن المحققين، وفي التتمة أنه يسري بكل حال؛ لأنه ملكه. ولو دبر المرهون جاز ثم ينظر إذا حل الدين، ولم يكن له مال غيره بيع في الدين وإن كان له مال غيره، وامتنع من بيعه ومن الرجوع في التدبير. قال في الاستقصاء: قضى الدين من ماله، وبقي على التدبير، وإن مات الراهن قبل الحلول وخلف تركة؛ يخرج المدبر من ثلثها قضى دينه وعتق، وإن لم يخلف سواه واستغرق الدين قيمته بيع فيه، وإن لم يستغرق [قيمته] بيع منه بقدر الدين، ولا يخفى الحكم في باقيه، وقيل: إن التدبير كالعتق، وهذا ما حكاه البندنيجي فيكون فيه قولان، والمنصوص منهما في الأم: أنه يفسخ، ولو وقف المرهون ففي صحته طريقان: أحدهما: أنه كالعتق؛ لما فيه من القربة. وأظهرهما: القطع بالمنع، ويفارق العتق؛ لقوته بالسراية وغيرها. وقال المتولي: إن قلنا إن الوقف لا يحتاج إلى القبول فهو كالعتق، إن قلنا يحتاج إليه فتقطع بالمنع. واعلم أن جميع ما منع منه الراهن مفروض فيما إذا صدر من غير إذن المرتهن، أما إذا أذن فيه فلا منع منه، ولا غرم بعده، نعم لكيفية إذنه في البيع صور منها: أن يأذن فيه بعد حلول الدين لأجل الوفاء، أو يطلق فالثمن يتعلق حق المرتهن [به]، ولا يملك الراهن البيع لأجل الوفاء، إلا بإذن المرتهن أو نائبه أو الحاكم إن تعذر إذنهما، وإذا أذن فلبيعه شرطان متفق عليهما: وهو ألا يبيع بمؤجل، ولا بما

стр. 4500

يتغابن بمثله إلا بإذن المرتهن، فإن خالف بطل العقد، وثالث مختلف فيه: وهو جواز شرط الخيار ثلاثاً من غير إذن، والأصح أنه يجوز، وعليه ألا يسلم المبيع إلا بعد قبض الثمن، [فإن سلمه قبل قبضه ضمن، صرح به الماوردي]. فرع: لو كان نصف الدين حالاً والنصف مؤجلاً، فإن باع الكل في عقد واحد اعتبرت الشرائط المذكورة، وإن باعه في عقدين اعتبرت في أحدهما دون الآخر. ومنها: أن يكون الدين بعد مؤجلاً، فيأذن في البيع ليعجل له، فالإذن فاسد على المنصوص فلا يستفيد به البيع؛ لفساد الشرط. وعن أبي إسحاق تخريج قول أنه يصح ويجعل الثمن مرهوناً، مما إذا أذن في البيع بشرط أن يجعل الثمن رهناً، فإن في ذلك قولين سواء كان الدين حالاً أو مؤجلاً. أصحهما عند المحاملي، والغزالين والماوردي: فساد الإذن فلا يصح البيع، وهو المنصوص عليه في الأم ومقابله في الإملاء وقد قدح قادحون في تخريج أبي إسحاق، من حيث إن الشرط في هذه المسألة صحيح على قول، فصح الإذن المقابل له بخلاف مسألة التخريج، وبعضهم قدح في صحة النقل. وقال المعتمد فيما روي عن أبي إسحاق على ما يوجد في شرحه ولم يوجد هذا في شرحه، كذا حكاه الإمام عن العراقيين ومثل الخلاف في المسألة المخرج منها، يجري فيما لو أذن في الإعتاق، بشرط أن تكون القيمة رهناً أو في الوطء بهذا الشرط إن اختل. ولا نزاع في أنه إذا رجع قبل التصرف المأذون فيه صار كما لو لم يأذن، وكذا لو كان أذن في الهبة والرهن والإقباض، ثم رجع قبل الإقباض، ولو رجع بعد البيع في زمن الخيار [و] لم يؤثر رجوعه على أصح الوجهين، ولو رجع ولم يعلم الراهن حتى تصرف ففيه خلاف، ولو اختلفا في الإذن بعد التصرف فالقول قول المرتهن مع يمينه، وهل يثبت إذنه برجل وامرأتين؟ فيه وجهان، والقياس: المنع، ولو نكل عن اليمين حلف الراهن، فإن نكل فهل ترد اليمين على العبد إذا كان التصرف عتقاً أو الجارية إن كان قد أحبلها؟ فيه طريقان:

стр. 4501

أحدهما وبه قال ابن القطان: فيه قولان كما لو نكل الوارث عن يمين الرد هل يحلف الغرماء؟ والأصح منهما على ما حكاه الإمام عن العراقيين عدم الرد، وأشبه الطريقين وبه قال أبو إسحاق، والقاضي أبو حامد: القطع بالرد. ولو اختلفا في صفة الإذن فقال: أذنت بشرط أن يكون الثمن رهناً، وقال الراهن: بل أذنت مطلقاً. قال الراعي: القول قول المرتهن مع يمينه، ثم إن كان الاختلاف قبل البيع امتنع، وإلا فإن صححنا الإذن فعلى الراهن رهن الثمن، وإن أفسدنا الإذن فإن صدق المشتري المرتهن، فالبيع مردود والرهن باقٍ وإن كذبه مع اعترافه بأصل الرهن فعليه رد المبيع وإن أنكر الرهن حلف، [وتم البيع] وعلى الراهن أن يرهن قيمته. قلت: وكان يتجه على القول بفساد الإذن، أن يكون القول قول الراهن على قول بناء على ما إذا اختلفا في شرط يفسد العقد؛ لأنهما اختلفا في شرط يفسد الإذن، وقد حكاه الإمام عن بعض أصحابنا، لكنه جعل مادته أن أصل الإذن متفق عليه والمرتهن يدعي ضم زيادة إلى الإذن والأصل عدمها، وهذا يطرد على قول صحة الشرط ومقابله، وما أبديته خاص بقول الفساد. ولو اتفقا على الإذن وعلى صورة الرجوع فيه، واختلفا هل حصل التصرف قبل الرجوع أو بعده؟ فالقول قول المرتهن على الصحيح. وقيل: قول الراهن لقوة جانبه بالإذن الذي سلمه المرتهن. وفي التهذيب: أن الراهن إن قال أولاً: تصرفت بإذنك، ثم قال المرتهن: كنت رجعت قبله فالقول قول الراهن مع يمينه، [وإن قال المرتهن: رجعت، فقال الراهن: كنت تصرفت قبله فالقول قول المرتهن مع يمينه]، ولو أنكر الراهن أصل الرجوع فالقول قوله مع يمينه، وعلى الصحيح إذا تعذر رد الرهن، كان على الراهن غرم قيمته يكون رهناً مكانه أو قصاصا. ً فرع: لو أذن المرتهن للراهن في الوطء، وأتت الأمة بولد، وادعى الراهن أنه

стр. 4502

من الوطء المأذون فيه، وأنكر المرتهن صدور الوطء، فثلاثة أوجه: أحدها: أن [يكون] القول قول الراهن؛ لأنه مأذون له في أمر يقدر على إنشائه، فيقبل منه الإقرار به. والثاني: القول قول المرتهن؛ [لأن الأصل عدم الوطء، فصار] كما لو علق طلاق زوجته على زناها، فادعته فإنه لا يقع الطلاق على المذهب، وفرق القائل الأول بأن الراهن سلط على التصرف بالوطء، فقبل إقراره [في] زمن تسليطه، وهذا المعنى لا يتحقق في تعليق الطلاق، وإن كان بدخول الدار، فإنه ليس فيه تسليط على أمر وتولية في شيء. والثالث: إن كان الراهن ابتدأ بدعوى الوطء فالقول قوله، وإن كان المرتهن ابتدأ بدعوى عدم الوطء فالقول قوله، وهذا ما اختاره القاضي الحسين، وهو ضعيف عند الإمام. ولا خلاف في أن المرتهن إذا اعترف بالوطء، وأن الولد منها، وأنكر أن يكون من وطء السيد في نفوذ الاستيلاد. قال: وإن جنى – أي: المرهون – عمداً يوجب القصاص؛ اقتص منه؛ لقوله تعالى: - وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ [المائدة: ٤٥] إلى آخرها، ولأن القصاص موضوع للانتقام والردع وحراسة النفوس، قال الله تعالى: - وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة:١٧٩] وذلك يستوي فيه المرهون وغيره، ولا فرق في ذلك بين أن تكون الجناية على أجنبي، أو على المالك الراهن في نفس أو طرف؛ لأن المالك إلى الانتقام من عبده أحوج من غيره؛ لأن العبد يحصل في نفسه على سيده حقد في استخدامه وتأديبه. لكن هل للسيد أن يستوفي منه القصاص بنفسه إذا استحقه أو السلطان يستوفيه له؟ فيه وجهان في الحاوي. قال: وإن جنى خطأ، أي على أجنبي، أو عمداً وعفا عنه على مال، أو أطلق العفو، وقلنا: مطلقه يقتضي المال قال: بيع في الجناية أي: بجملته إن كان أرشها يستغرق

стр. 4503

قيمته، أو بقدره إن نقص عنها وأمكن لأن حق المجني عليه يقدم على حق المالك؛ فلأن يقدم على حق المستوثق كان أولى، ولا يبطل حق المرتهن بالجناية، بل بالبيع فيها حتى لو عفا مستحق الأرش عنه؛ بقى حق المرتهن بحاله، ثم هذا إذا كانت الجناية بغير إذن السيد، ولم يختر السيد ولا المرتهن الفداء. فلو كانت بإذن السيد؛ نظر: إن كان العبد يعتقد وجوب طاعة السيد في ذلك كالأعجمي، فالجاني هو السيد وعليه القصاص أوالضمان، لكن هل يتعلق الأرض برقبته؟ فيه وجهان منقولان في الرافعي وغيره. وأظهرهما: المنع، وعلى مقابله إذا بيع في الجناية، فعلى السيد أن يغرم قيمته؛ ليكون رهناً مكانه، ومقتضى هذا الإطلاق أنا على قول التعلُّق بيع العبد، موسراً، كان السيد أو معسراً. وفي الشامل وغيره من كتب العراقيين بعد حكاية، أن العبد لا يتعلق به شيء، أن من أصحابنا من قال: يباع العبد في الجناية، إذا كان السيد معسراً لا مال له غيره، فإن لم ينك الإطلاق محمولاً على هذا؛ كان ذلك وجهاً ثالثاً، وإن كان يعرف أن طاعة السيد في ذلك لا تجوز، فهو كما لو لم يأذن له السيد. ويستوي في ذلك البائع وغيره، ولو اختار الراهن أو المرتهن الفداء امتنع البيع، وبكم يفدي؟ فيه قولان: أحدهما: أقل الأمرين من أرش الجناية وقيمته. والثاني: أرش الجناية. إما إذا جنى على السيد، أو من يتعلق به فينظر: إن جنى على طرف السيد فلا أرش له، وإن كان عمداً وعفا على مال؛ لأن السيد لا يثبت له على عبده مال، ويبقى الرهن كما كان. وحكى المحاملي، [والبندنيجي]، والشيخ في المهذب عن ابن سريج رواية قول أنه يثبت له الأرش، ويتوسل ببيعه إلى فك الرهن، وغيرهم حكاه وجهاً عن ابن سريج. وإن جنى على نفس السيد؛ ففي ثبوت الأرش، إذا كانت الجناية خطأ أو عمداً،

стр. 4504

وقد عفا الوارث على مال، قولان، حكاهما المحاملي وغيره عن نصه في الأم. وأصحهما في تعليق أبي الطيب وغيره: أنه لا يثبت، وقد بنى أبو علي بن أبي هريرة والشيخ أبو حامد، وتابعهما الماوردي – القولين على أن الدية تبت للوارث ابتداء أم تلقيا، فإن قلنا بالأول ثبت المال؛ لاستفادته من جنايته على الغير. قال الماوردي: وعلى هذا يباع العبد وينضاف ثمنه إلىلتركة؛ ليقضي منها ديون السيد الراهن، وتنفذ منه وصاياه، ويكون المرتهن [في ثمنه]،وجميع الغرماء أسوة، كما يكونون في جميع التركة أسوة، وإن قلنا بالثاني؛ لم يثبت؛ [لأنه لم يثبت] للقتيل حتى يتلقى عنه. وحكى الفوراني عن القفال أنه قال في كرة: هذا البناء وأنا إذا قلنا: إن الدية تثبت للوارث ابتداء؛ انبنى على ما لو جنى عليه عبده، ثم ملكه هل يستدام الأرش عليه إلى أن يعتق أو يسقط؟ وفيه خلاف سنذكره، وأنه قال فيكرة أخرى: لا يثبت له الأرش؛ إذ لو ثبت بعد موت المورث [فهو] عقيب موته يدخل في ملكه، وهذا ما اختاره القاضي الحسين، وجزم به، وحكى ابن الصباغ عن الأصحاب أن خلافه ليس بصحيح، وعلى ذلك جرى الغزالي في البسيط، وزاد فادعى نفي الخلاف [فيه]، وأنه لم يخرج على أن الدية تثبت للوارث ابتداء أم تلقيا. ووجهه بأمر آخر: وهو أنا، وإن قلنا: إن الدية تثبت للوارث ابتداء، فلابد من إمكان الملك للمورث ولا إمكان هاهنا. ولو جنى على ابن السيد أو أبيه أو مكاتبه نظر: إن كان على طرفه؛ فلكل منهم الأرش والعفو على مال، إذا كانت الجناية عمداً، فلو مات القريب أو عجز المكاتب قبل الاستيفاء، وانتقل حقه إلى السيد الراهن؛ كان له بيعه في حقه كما كان للمورث، ويحتمل في الاستدامة ما لايحتمل في الابتداء. وحكى الإمام مع هذا وجهاً آخر وصححه موافقاً فيه الصيدلاني: أنه لما انتقل إليه سقط حقه، ولا يجوز أن يثبت له عند استدامة الدين، كما لا يجوز أن يثبت له ابتداء،

стр. 4505

وشبه الخلاف بالخلاف فيما إذا ثبت له عند غيره مال، ثم ملكه، هل يسقط أو يبقى حتى يبيعه به بعد العتق؟ والأقيس في تعليق القاضي الحسين السقوط، وهو الصحيح في شرح فروع ابن الحداد [في باب الحوالة، وفي الرافعي في الفصل الخامس في تزويج العبيد أن الصحيح: انه لا يسقط، وكلام ابن الصباغ في الحوالة يرشد إليه]. قال الإمام: وهذا ما اشتملت عليه الطرق – يعني: التشبيه – واتفق عليه الأصحاب، وكانهم تواصوا فيه، وهو في نهاية الإشكال من جهة أن الملك في العبد مستدام، والإرث إن أثبت له ملكاً أثبته جديداً [على مملوكه] فكيف يكون الاستحقاق الطارئ على الملك بمثابة الملك الطارئ على الاستحقاق؟ ثم أجاب بأن الدَّين إذا ثبت لغيره، فنقله إليه بالإرث إدامة لما كان، كما أن إبقاء الدين الذي كان له على عبد الغير بعدما ملكه إدامة لما كان؛ فانتظم التشبيه من هذا الوجه. ولهذا المعنى أشار الغزالي بقوله: والإرث دوام. [هذا إن كانت جناية العبد على طرف ابن السيد، أو أبيه، أو مكاتبه، أما إن كانت] على نفسه ففي الحاوي حكاية عن النص في الأم: أن له أن يعفو على الدية. وفي الرافعي بناء ذلك على أن الدية تثبت للوارث ابتداء أم تلقيا؟ فعلى الأول: لا يثبت على المذهب. وعلى الثاني: يكون على الوجهين في قطع الطرف. ولو جنى على عبد آخر للمرتهن [نظر: إن] لم يكن مرهوناً؛ فالحكم كما لو جنى على السيد والحكم في القن والمدبر وأم الولد سواء. وإن كان مرهوناً نظر: فإن كان عند أجنبي؛ فللراهن القصاص إن كان عمداً، والعفو على مال لحق

стр. 4506

المرتهن ويتعلق برقبته، وكذا لو كانت خطأ. ولو عفا [بغير مال [وكانت الجناية عمْداً:] فإن قلنا: موجب العمد احد الأمرين [، أي: القصاص أو الأرش؛] وجب المال، ولم يصح عفوه عنه إلا برضا المرتهن. وإن قلنا: موجبه القود عيناً، فإن قلنا: إن مطلق العفو لا يوجب المال، صح العفو، ولم يجب المال. وإن قلنا: يوجبه [فوجهان: أصحهما: أنه لا يثبت؛ لأن القتل لم يوجبه، وإنما يجب بعفوه المطلق أو بعفوه على مال، وذلك نوع اكتساب، وليس عليه اكتساب للمرتهن. وإن عفا مطلقاً، فإن قلنا: مطلق العفو يوجب المال، ثبت إما على الجديد أو على القديم. وإن قلنا: لا يوجبه صح العفو، بناء على القديم، وبطل رهن مرتهن القتيل، وبقي القاتل رهناً كما كان. ولو امتنع من القصاص والعفو في الحال، ففي الإجبار عليه طريقان: أحدهما: يجبر؛ لكون المرتهن على ثبت من أمره. والثاني: إن قلنا: موجب العمد أحد الأمرين أجبر، وإن قلنا: موجبه القود، فلا، وهذه الأبحاث بعينها تجري فيما لو جنى على العبد المرهون أجنبي عمداً. ثم مهما وجب المال في مسألتنا، وكان أكثر من قيمة القاتل أومثلها، فوجهان: أحدهما: أن القاتل يصير مرهوناً عند مرتهن المقتول. وأظهرهما، وهو اختيار القاضي الحسين: بأنه يباع ويجعل الثمن رهناً عنده؛ لأن حقه في مالية العبد لا في العين، وقد يرغب راغب بزيادة، فيتوثق المرتهن للقاتل بتلك الزيادة، وقد وافق الماوردي على تصحيحه، إلا أن يقطع بنفي الزيادة، وإن كان أقل فعلى الأول: ينتقل إليه من القاتل بقدر الواجب، وعلى الثاني: يباع منه بقدره إلا أن يتعذر بعي البعض، أو ينقص قيمة الباقي، فيباع الكل، ويكون الفاضل مرهوناً عند

стр. 4507

مرتهن القاتل، وهذا ما حكاه الماوردي وابن الصباغ والمحاملي مع حكايتهم الوجهين في الصورتين المتقدمتين. والوجهان محلهما إذا طلب الراهن نقل الوثيقة إلى القاتل، والمرتهن بيع القاتل. أما إذا انعكس الحال، فالمجاب الراهن. ولو اتفقا على أحد الطريقين، فليس لمرتهن القاتل المناقشة وطلب البيع. قال الرافعي: وقضية التوجيه الثاني لأظهر الوجهين، أن له ذلك، وإن كان القاتل مرهوناً عند مرتهن المقتول، فإن كان بذلك الدين فلا مستدرك، وإن كان بدين آخر نظر [فإن استويا في الحلول والتأجيل، والجنس، والاستقرار أو عدمه، والقدر، واستوت قيمة العبدين كانت الجناية هدراً؛ إذ لا فائدة في نقل الوثيقة. وإن اختلفا في الحلول والتأجيل، أو قدره، فله أن يتوثق بالقاتل في الدين الذي كان المقتول مرهوناً به، وألحق الغزالي اختلاف الجنس بالاختلاف في الحلول والتأجيل، وهو الراجح، والنص بخلافه، وبه قال عامة الأصحاب. والاختلاف في الاستقرار [لا غير] ينظر فيه: إن كان المستقر مارهن به القاتل، فلا معنى للنقل. وإن كان ما رهن به المقتول، ففي الشامل حكاية وجهين عن رواية أبي إسحاق. وإن اختلفا في القدر لا غير نظر: فإن كان المقتول مرهوناً بأكثرهما، فللمرتهن حق نقل الوثيقة، وإن كان بأقلهما، فالجناية هدر. وإن اختلفت قيمة العبدين لا غير، فإن كانت قيمة المقتول أكثر، فالجناية هدر، وإن كانت أقل، نقل القدر الزائد، وبقي الباقي رهناً بما كان. وحيث قلنا بنقل الوثيقة، فيقام ثمنه مقام القتيل، إذ عينه فيه الوجهان السابقان، وإن قلنا لا ينقل الوثيقة فلو قال المرتهن: إني لا آمنه، وقد جنى فبيعوه، وضعوا ثمنه مكانه فهل يجاب إليه؟ روى الإمام فيه وجهين. قال: وإن أقر عليه السيد بجناية الخطأ أي: منسوبة إلى ما قبل الرهن،

стр. 4508

وصدقه المقر له وكذبه المرتهن، قال: قبل في أحد القولين؛ لأنه أقر في ملكه بما لا تهمة تلحقه، فنفذ كما في غير المرهون؛ ولأن الرهن يوجب حجراً لحق الغير؛ فلا يمنع من نفوذ الإقرار في العين كالمريض إذا أقر بجناية في رقبة عبده، قال: [ولا يقبل في] الآخر؛ لأنه محجور عليه في التصرف فيه فلا ينفذ إقراره فيه كالسفيه، وهذا هوا لصحيح، واختاره المزني. قال ابن الصباغ: وما قاله الأول من عدم التهمة فغير مسلم؛ لأن التهمة تلحقه في إبطال الرهن، ومواطأة المقر له، فلم يقبل قوله، كما لو باع ثم أقر بأنه كان مغصوباً أو جانياً، ويجري الخلاف فيما لو أقر بأنه رهنه وأقبضه كما حكاه البندنيجي، أو أعتق العبد أو غصبه أو اشتراه شراء فاسداً، أو باعه قبل الرهن. [وفي تعليق أبي الطيب في باب التفليس حكاية قولين، فيما إذا أقر المفلس بعد الحجر بدين قبل الحجر، كان في مشاركة المقر له للغرماء قولان: أصحهما: المشاركة، ثم قال: وهما بعينهما جاريان فيما لو رهن شيئاً ثم أقر بأنه ملك غيره، وهذا يقتضي أن الصحيح فيها قبول الإقرار]. وقال ابن الصباغ [فيما نحن فيه: كان] ينبغي أن يكون لنا قول آخر، أنه إن كان معسراً لم ينفذ إقراره [بالعتق]، وإن كان موسراً نفذ، ويجري مجرى الإعتاق، وهذا قد أبداه غيره قولاً، ونقله الإمام في الصور كلها، وجعلها ثلاثة أقوال وأن على الثالث يلزمه أن يغرم قيمة المرهون؛ لتوضع رهناً، فإنه تسبب بقوله إلى بطلانه. وحكى أن بعض الأصحاب أجرى الخلاف فيما لو باع ثم أقر بما يبطله، وأن شيخه رمز إليه ويعضده أن الرافعي حكى أيضاً في أواخر التحالف أن المشتري إذا رد المبيع بعيب، ثم قال بعد ذلك: كنت أعتقته يرد الفسخ ويحكم بالعتق، ومع هذا فقد قال الإمام: إنه هفوة ولا يعتد به؛ فإنه أقر بما هو خارج عن ملكه بخلاف إقرار الراهن، ثم قال: وقد يعترض للناظر أن الراهن إذا أقر بكونه غاصباً، فليس إقراره في محل ملكه على زعمه، وفيه الأقوال.

стр. 4509

ويجري الخلاف فيما لو أقر باستيلاد سابق على الرهن، وفيما لو أتت الجارية بولد فأقر أنه [منه] من وطء قبل الرهن، ولم يقر بأنها علقت ولم يكن ثَمَّ بينة على الوطء، وحكى الإمام في هذه الصورة وجهاً فارقاً بين أن تأتي بالولد لستة أشهر، فما دونها من وقت الإقباض، وبين أن تأتي به لأكثر من ذلك، وإن كانت ثَمَ بينة على الوطء. حكم بالاستيلاد إذا أقامها أو أقامتها الأمة، ولا نظر إلى أن إقامة البينة على الوطء لا يلزم منها الشهادة بالعلوق؛ لأن العلوق عيب فلا شيء يدار عليه الحكم إلا الوطء، وكذلك إذا اعترف بوطء مملوكته لحقه الولد في زمن الإمكان، وإن لم يكن منه إقرار بالعلوق. واعلم أن الخلاف في قبول الإقرار بالعتق والاستيلاد مفرع على القول بأن عتقه واستيلاده نافذ، إذا صدر في حالة الرهن، من حيث إنه قادر عليه حساً وممنوع منه شرعاً، كما جرى الخلاف في قبول إقرار السفيه بالإتلاف كذلك، أما إذا قلنا عتقه واستيلاده لا ينفذ فلا يقبل إقراره وجهاً واحداً، أشار إلى ذلك الإمام. التفريع: إن قلنا بالأول فهل يحلف الراهن؟ فيه قولان في الحاوي، ووجهان في الشامل، وجه عدم التحليف وهو اختيار القاضي أبي الطيب، أنه لو رجع عن إقراره لم يقبل رجوعه، ومقابله، هو اختيار الشيخ أبي حامد، وعلى الوجهين إذا حلف حكمنا ببطلان الرهن على الصحيح من المذهب، في أن رهن العبد الجاني جناية خطأ لا يجوز حتى لو فداه السيد، أو بيع في الجناية، وفضل من قيمته شيء لا يتعلق به [حق] المرتهن. وفي الحاوي وغيره حاكية قول آخر معزي إلى الإمام، أن على المذهب حق المرتهن يتعين فيما فضل، وفي العبد إذا فداه السيد. وإذا نكل الراهن عن اليمين، فهل ترد على المجني عليه أو على المرتهن؟ فيه وجهان في الحاوي، والمشهور منهما فيه جزم أكثرهم أنها ترد على المرتهن، فإن رددناها على المجني عليه فحلف، [فكان كحلف الراهن فإن نكل بقي الرهن، وإن رددناها على المرتهن فحلف] استمر الرهن.

стр. 4510

وحكى الرافعي وغيره أن فائدة حلفه على قول حكاه الصيدلاني وغيره: أن يغرم الراهن قيمته ليكون رهناً مكانه ويباع العبد في الجناية بإقرار الراهن. وعلى الأول وهو الصحيح: هل يستحق المجني عليه على الراهن أرش الجناية؟ فيه قولان، وإن نكل فهل ترد على المجني عليه؟ فيه وجهان، وعلى القول الثاني: يحلف المرتهن على نفي العلم بالجناية، وإذا حلف استمر الرهن. وهل يغرم الراهن للمجني عليه شيئاً؟ فيه قولان، أصحهما وهو اختيار المزني: نعم. وإن نكل عن اليمين، فهل ترد على المجني عليه، أو على الراهن؟ فيه قولان، أصحهما في الشامل: الأول؛ فإن رددناها على المجني علي، فنكل فلا شيء له على الراهن؛ لأنه قادر على حقه بيمينه. لكن العبد إذا عاد إليه تعلق حقه برقبته. وهل يحلف الراهن؟ فيه وجهان: وإن رددناها على الراهن، وحلف بيع العبد في الجناية. وإن نكل فهل ترد على المجني عليه؟ فيه وجهان مخرجان من غرماء المفلس، فإن لم يدها عليه ففي تغريم الراهن شيئاً للمجني عليه، فيه القولان. وفي قدر ذلك المغروم طريقان: أحدهما: حكاية القولين في فداء العبد الجاني. والثاني: القطع بأنه لا يغرم إلا أقل الأمرين، كما في أم الولد، وهذا ما قال [به] الأكثرون. أما إذا أقر عليه بجناية صدرت بعد لزوم الرهن قال الرافعي: فالقول قول المرتهن، ولا غرم عليه، وحكى ابن كج وجهاً آخر: أنه يقبل. وفي الجيلي إجراء ما ذكرناه من القولين في هذه الصورة أيضاً [وسيأتي في باب الفلس، حكاية طريقة مثل هذه فيما إذا أقر المفلس بدين] وقد أبدى القاضي الحسين في تعليقه في هذه الصورة احتمالين:

стр. 4511

أحدهما: إلحاقها بالصورة الأولى. والثاني: أنه يقبل في الحال؛ لأن الجناية تقدم على الرهن. ورأيت في كلام الإمام ما يقتضي أن يكون الخلاف في هذه الصورة مرتباً على الخلاف في الصورة السابقة، إن قلناه ثَمَّ، فهاهنا أولى وإن لم نقبله ثَمَّ، فهاهنا وجهان، فإنه قال بعد ما حكيناه من التفريع في الصورة الأولى، وهذا كله إذا قلنا: إن رهن العبد الجاني لا يصح، أما إذا قلنا: إن رهنه صحيح فقد تردد الأئمة في ذلك؛ بناءً على أنه لا يقبل إقراره في الصورة الأولى، فقال بعضهم: إقراره مقبول بتقدم الجناية، وإنه لا منافاة بين تصحيح إقراره بتقدم الجناية وبين الرهن، وهو مطلق أقر بأمر ممكن في ماله وليس كما إذا فرعنا على أن رهن الجاني مردود فإنه إذا رهن واقتص ثم أقر، فإقراره يتضمن مناقضة ما قدمه من عقده وإقباضه فلم يقبل منه، وذهب بعضهم إلى رد إقراره هذا أيضاً؛ فإن قبول إقراره يتضمن نقض يد المرتهن، والرهن إذا انبرم بالقبض فمقتضاه لزوم حق المرتهن، فإذا أتى بما يناقض قوله ومضمون فعله رد. انتهى. وما ذكره دليل على ما قدمناه للمشاركة في المعنى المذكور، وإذا كذب المقر له المقر فيما أقر به، بقي الرهن بحاله بلا خلاف. فرع: لو أقر بجناية ينقص أرشها عن قيمة العبد ومبلغ الدين فالقول في مقدار الأرش على الخلاف السابق، ولا يقبل فيما زاد على ذلك لظهور التهمة. وقيل: يطرد الخلاف فيه. واعلم أن الشيخ احترز بقوله: وإن أقر عليه بجناية الخطأ؛ عما إذا أقر عليه بجناية العمد، فإنه لا يقبل وجهاً واحداً، نعم إقرار العبد بها مقبول مع تكذيب السيد وإن أضر به لنفي التهمة، واستحق القصاص أن يعفو على مال، ويثبت في رقبة العبد يباع فيه، ويقدم على حق المرتهن إلا أن يفدى كما تقدم. وفي تعليق القاضي الحسين: إن عفو ولي الدم ينبني على أن موجب العمد القود، والدية أحدهما لا بعينه أو القود عيناً.

стр. 4512

فإن قلنا بالأول ففيه خلاف مرتب على ما إذا أقر بسرقة مال، وأولى بأن ينفذ الصلح من حيث إنه في السرقة أقر بشيئين: القطع والمال، فلم يقبل في المال في الحال لحق المولى، وفي مسألتنا الإقرار بأحد الأمرين لا بعينه، ولم يكن في علمه أنه يأخذ المال دون القصاص، فكان أبعد عن التهمة. وإن قلنا بالثاني انبنى على أن مطلق العفو على هذا، هل يقتضي المال؟ فإن قلنا: يقتضيه صح وتعلق برقبته، وإن قلنا لا يقتضيه، فهو مرتب على قولنا: الواجب أحد الأمرين وأولى بالثبوت. والفرق أن أصل القتل ما أوجب المال. قال: وإن جنى عليه تعلق حق المرتهن بالأرش أي: إذا ثبت إما في صورة الخطأ، أو عمد الخطأ، وقتل من لا يكافئه، أو عند وجوب القصاص، وعفا السيد فواً يوجب المال، كما قدمناه، ووجهه: أن الأرش بدل عن الفائت، فقام مقامه في تعلق الحق به، والقابض لذلك من كان الرهن تحت يده. قال الماوردي: وليس للراهن قبضه، وهل يحتاج إلى استئناف رهن فيه ظاهر كلام الأصحاب أنه لا يحتاج. وفي الرافعي في كتاب الوقف حكاية خلاف فيه، وعلى الأول هل يوصف قبل الأخذ بأنه مرهون؟ فيه خلاف فمن منع قال: لأنه دين والدين لا يرهن، ومن جوز هذا الإطلاق قال: هو مال. قلت: ويشبه أن تكون مادة الخلاف في أن رهن الدين ابتداء هل يجوز؟ ويجوز أن يكون هذا بناء على المذهب في منع رهن الدين، ويغتفر في الاستصحاب ما لا يغتفر في الابتداء ولا فرق في الجناية بين أن تذهب قيمة المرهون أو تنقصها، فلو أذهبت حرًّا ولم تنقص من القيمة شيء، كما إذا قطع ذكر العبد، ففي الحاوي أن القيمة الواجبة بهذه الجناية تختص بالراهن ولا يتعلق بها حق المرتهن كالنماء. فروع: أحدها: لو ضرب الجارية المرهونة [ضارب]، فألقت جنيناً ميتاً فعلى الضارب

стр. 4513

عشر قيمة الأم؛ لأنه يكون مرهوناً؛ لأنه بدل الولد، فإن دخلها نقص لم يجب بسببه شيء آخر ولكن قدر أرش النقصان من العشر يكون مرهوناً، قاله الرافعي، وكلام صاحب الاستقصاء والقاضي [أبي الطيب] يفهم أنه لا يكون شيء منه مرهوناً في هذه الحالة أيضاً وقد حكاه الإمام عن العراقيين صريحاً، قبيل باب الرهن والحميل: فيما إذا نقصت نقصاناً عائداً إلى صفتها زائداً على مزايلة الولد، وأنهم وجهوا ذلك بأن الولد ليس مرهوناً ونقصانها يندرج تحت بدل الجنين، وصير نقصانها بمثابة نقصان بآفة سماوية ثم قال: وهذا حسن لطيف. الثاني: لو ألقته حيًّا ومات ففيما على الجاني؟ قولان: أصحهما: قيمة الجنين حيًّا وأرش نقص الأم إن نقصت، ويتعلق حق المرتهن بالأرش. والثاني: أكثر الأمرين من [أرش النقص] أو قيمة الجنين. فعلى هذا إن كان الأكثر قيمة الجنين فقدر الأرش من المأخوذ حق المرتهن متعلق به، وإن كان الأكثر الأرش، كان حق المرتهن يتعلق بجميعه [حتى لو عفا الراهن عن الأرش لا يصح وفيه قول: أن العفو موقوف ويؤخذ المال في الحال فإن انفك الرهن بغيره فك رد الجاني، وبان صحة العفو ولا تأتي بطلانه]. كذا حكى الرافعي، [وقول وقف العفو هو الذي حكاه البندنيجي]. وفي الاستقصاء وتعليق القاضي أبي الطيب حكاية القولين [في الأصل]، على غير هذا الوجه. أحدهما: أن الواجب قيمة الولد، ولا يجب أرش النقص؛ لأنه يدخل فيه، ولا يتعلق حق المرتهن بذلك. والثاني: يجب أكثر الأمرين من قيمة الولد حيًّا، وما نقص من قيمة الأم، فإن كانت قيمته حيًّا أكثر وجبت للراهن، ولا يتعلق بها حق المرتهن، ويصح عفوه عنه، وإن كان ما نقص أكثر كان رهناً. قال الإمام: والوجه أن يتخرج ذلك على أن الحمل الموجود يوم الرهن هل يدخل

стр. 4514

تحت الرهن؟ فإن قلنا: إنه داخل؛ فيجب أن يكون المأخوذ من الجاني رهناً كيف كان، وإن قلنا: لا يدخل فإن أوجبنا قيمة الجنين لم يكن رهناً، وإن أوجبنا نقصان الولادة، فالمسألة محتملة. والأصح عندي: أنه لا يكون رهناً. وقد ظهر لك من مجموع ما حكيناه أن في المسألة خارجاً عما أبداه الإمام من عند نفسه أربعة أقوال [لكن في حال تظهر لك من بعد،]. فإن قال قائل ليس في المسألة إلا قولان، وما ذكرته من الاختلاف محمول على حالين يرشد إليهما كلام الإمام، فإنه حكى عن العراقيين القولين اللذين حكيناهما عن رواية أبي الطيب، ثم قال: والذي يجب الاعتناء به فهم صورة المسألة فإذا كانت وهي ماخض تساوي مائة، وإذا ولدت صارت تساوي تسعين، ولم يظهر فيها نقص إلا أن الولد زايلها، فنقصت لذلك لا لعيب أحدثته الولادة، ثم انفصل الولد حيًّا وعليه أثر الجناية فمات، فالذي حكاه أبو الطيب وغيره محمول على هذه المصورة، والذي حكاه الرافعي محمول على ما إذا نقصت نقصاناً زائداً على مزايلة الولد. قلت: كلام الإمام في الفرع قبله حكاية عن العراقيين يأبى تصوير العراقيين هذه المسألة بما ذكره، [بل يقتضي التصوير بما حملت عليه كلام الرافعي]، فإنه حكى عنهم أن نقصانها [الزائد عن مزايلة الولد يندرج تحت بدل الجنين، ويصير نقصانها بمثابة نقصان] بآفة سماوية، وإذا كان هذا مقتضى مذهبهم انتظم لك فيما إذا كان النقصان زائداً على مزايلة الولد الأقوال الأربعة، والله أعلم. ثم من مقتضى ما ذكره الإمام أن يجب في هذه الصورة على الجاني قيمة الولد، ونقصان الولادة؛ لأنه علل عدم الجمع بين الأرش وما نقص فيما حمل عليه صورة مسألة القولين بأنه يؤدي إلى تضعيف الغرامة، وهاهنا لا تضعيف بل المقابل متعدد. [وهو الذي حكاه الرافعي قولاً أولا]. وحكم الحيوان إذا ضرب فألقى الجنين حيًّا ثم مات، حكم الأمة فيما ذكرناه،

стр. 4515

صرح بذلك الإمام، ولم يفرض الخلاف المذكور إلا فيه. الثالث: لو أبرأ المرتهن الجاني لم يبرأ، وهل يسقط حقه من الوثيقة؟ فيه وجهان، أصحهما: لا، والمذكور في الحاوي مقابله. واعلم أن حق المخاصمة في الجناية على المرهون للراهن؛ لأنه المالك وللمرتهن حضور ذلك؛ لتعلق حقه بالبدل، وكذا حق المخاصمة في العين المستأجرة إذا غصبت، وفي الوديعة والمستعار [للمالك]، فلو امتنع الراهن من المخاصمة فهل للمرتهن المخاصمة؟ فيه قولان: قال في التهذيب: أصحهما عند الأصحاب، وبه قال القفال: أنه لا يخاصم [وهو ما جعله في البحر في الإجارة أصلاً، وقاس عليه كلام الإمام في آخر باب التحالف يقتضي أن له المخاصمة، ولم يمتنع الراهن من المخاصمة، فإنه قال: إذا أتلف الأجنبي العين المرهونة، توجهت عليه الطلبة من الراهن لحق الملك، وتوجهت عليه الطلبة من المرتهن لحق الوثيقة، وهذا متفق عليه]. وقد أجري هذا الخلاف في أن المستأجر هل يخاصم أم لا؟ والمحكي عن النص في المستأجر أنه لا يخاصم إذا امتنع الآخر، [كما حكاه في البحر وغيره]. ورأى الإمام وطائفة المخاصمة له أقرب إلى القياس. وقال في البحر: إنه الأصح عندي؛ لأن المنفعة له، ومراد الشافعي أنه لا يخاصم في الرقبة، ورأيته عن القفال، وقال الزبيلي في أدب القضاء [له]: إنه مخرج من نص الشافعي على أن الأمة المزوجة لزوجا أن يتكلم عنها، وإن القائلين بتقرير النص فرقوا بأن التزويج المبتغى منه الأبد بخلاف الإجارة. [ألا ترى أنها] لو ماتت قبل الدخول استقر المهر، ولو هدمت الدار قبل [أن] تقضي المدة لم يستحق تمام أجرتها، ولما رأى الإمام مخاصمة المستأجر أظهر، جزم بمخاصمة المرتهن في كتاب الرهن، ولو ردت اليمين على الراهن فنكل

стр. 4516

عنها، فهل يحلف المرتهن؟ فيه قولان كما إذا نكل المفلس والوارث هل يحلف الغرماء؟ قال: وإن حصل من عين الرهن فائدة لم تكن حالة العقد كالولد، والثمرة فهو خارج عن الرهن؛ لما روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُوناً، وَلَبَنُ الدَّرُّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُوناً، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ". وعن قاسم بن أصبغ عن سعيد بن المسيب [وأبي سلمة] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لاَ يُغْلَقُ الرَّهْنُ، الرَّهْنُ لِمَنْ رُهِنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ"

стр. 4517

وقد روي مرسلاً عن سعيد، ورفع عنه في هذا الإسناد وغيره، قال عبد الحق: ورفعه صحيح.

стр. 4518

ولأن الرهن عقد لا يزيل الملك عن الرقبة فلم يسر إلى الولد، [كالثمرة، والإجارة]. وفي النهاية: حكاية وجه أن الاعتبار فيما يتبع المرهون في دخوله في الرهن، وما لا يتبعه بحالة القبض، فيلزم منه أن الثمرة إذا حدثت بعد العقد وقبل القبض يكون في دخولها في الرهن الخلاف السابق، وكذا فيما ذكرناه [معه] من قبل وهو غير

стр. 4519

سديد، وله أن ينزي على الحيوان لطلب الولد، إن كان محل المال قبل ظهور الحمل، أو يلد قبل حلول الدين، وإن كان يحل بعد ظهور الحمل وقبل الولادة، فإن قلنا: الحمل لا يعرف جاز أيضاً لأنها تباع معه، وإن قلنا: يعرف وهو الصحيح لم يجز؛ لأنه لا يمكن بيعها دون الحمل، والحمل غير مرهون ولا يجوز مثل ذلك في الأمة؛ لأن الحمل فيها نقص. نعم، لو اتفق أنها حملت، ودعت الحاجة إلى بيعها، فإن قلنا: [الحمل] لا يعلم بيعت، وكان كالوصف، وإن قلنا يعلم لم يكن مرهوناً، وتعذر بيعها، كذا قاله الأصحاب. وقد يعترض على قولهم بجواز الإنزاء، إذا كان الدين يحل بعد ظهور الحمل، من حيث إن الأظهر من الوجهين، كما حكاه الرافعي في "كتاب الصداق": أن الحمل في البهيمة نقص. وحكى عن بعضهم في الموانع من الرد بالعيب: إطلاق القول بأن الحمل الحادث نقص؛ لأنه في الحيوان المأكول ينقص اللحم وفي غير المأكول يخل بالحمل، وإذا كان كذلك وجب أن يمنع منه؟ وقد يجاب عن ذلك: بأن هذا القول مفرع على أن الحمل لا يعرف، وإذا لم يعرف لا يحسن أن يقول: إنه عيب قبل معرفته، وقد اختلف الأصحاب فيما إذا رهن نخلاً، ثم أطلعت – على طريقين: أحدهما: أن بيعها مع الطلع على قولين كما ذكرنا في الحمل. والثاني: القطع بأن الطلع غير مرهون فيباع النخل، وستثنى الطلع. والجريد الحادث بعد الرهن، حكمه حكم الثمرة. قال: وما يلزم [على] الرهن من مؤنة أي: مثل النفقة والعلف وسقي الأشجار ومؤنة الجذاذ وكراء اصطبل والبيت الذي يحفظ فيه وكذا نقله إلى المرتهن، أو إلى من يوضع تحت يده فهو على الراهن؛ للخبر الذي ذكرناه، وقد روى البخاري أيضاً

стр. 4520

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونَا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبْ بِنَفَقَتِهِ إِذَ كَانَ مَرْهُوناً، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ". ثم ما المراد بكونها على الراهن؟ فيه وجهان: أصحهما – وهو مذهب العراقيين- أنه يجب عليه أن يقوم بها من غير المرهون؛ استيفاء لوثيقة الرهن. والثاني: ويحكي عن الشيخ أبي محمد وغيره: أنه لا يجبر عند الامتناع لكن يبيع القاضي جزءاً من المرهون بحسب الحاجة، إلا أن يعلم أن النفقة تأكل المرهون قبل حلول الحق، فيلحق بما يفسد قبل الأجل فيباع، ويجعل ثمنه رهناً وهذا ما حكاه الغزالي عن قول المراوزة معبراً عنه بأن الإنفاق على الحيوان لا يلزمه إلا لحق الله تعالى، فإنه لم يرهن منه إلا ذاك، وضعف الرافعي هذا الوجه، بأن ذلك يفضي إلى إجراء الخلاف المذكور في رهن ما يتسارع إليه الفساد؛ إذ الاحتياج إلى هذه المؤنات محقق وهو بعيد، وعلى الأصح إذا لم يكن للراهن شيء أو لم يكن حاضراً باع الحاكم جزءاً من المرهون، وأكرى به بيتاً يحفظ فيه الرهن، وكذلك يفعل في مؤنة السقي والجذاذ والتجفيف، كذا حكاه الرافعي. وفي تعليق [القاضي] أبي الطيب أن الحكم كذلك فيما إذا لم يكن له مال، أما إذا كان غائباً فإن الحاكم يكري من ماله، فإن لم يجد مالاً أكرى من الثمرة، فإن قال المرتهن: أنا أعطي مقدار الأجرة من مالي، وأرجع عليه بها، وكذا لو قال ذلك فيما إذا لم يكن له مال، وأذن له الحاكم في الإنفاق، جاز، وإن لم يجد حاكماً أو أنفق بهذا الغرض، وأشهد؛ ففي الرجوع عليه وجهان؛ بناء على القولين في هرب الجمال. وأما المؤنات الدائرة فقد قال الرافعي: يشبه أن يقال: يحكمها حكم ما لو هرب الجمال، وترك الجمال المكراة أو عجز عن الإنفاق عليها، وهذا إذا لم يكن المرهون ماشية، أما إذا كان ماشية فللراهن أن يرعاها بالنهار ويأوي بالليل إلى الموضوعة على
следующие страницы →