Полный текст (9 685 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
قال: فيما قرب منه؛ لأن في تكليفه طلبه فيما بعد مشقةً غير محتملة.
وقد حد الغزالي ومن بعده القرب بما يلحقه فيه غوث الرفاق؛ أخذاً من قول الإمام: لا نكلفه التعدي عن مخيم الرفقة فرسخاً أو فرسخين، وإن [كانت الطريق] آمنة.
ولا نقول: لا يفارق طنب الخيام؛ فالوجه القصد، وهو أن يتردد ويطلب إلى حيث لو استغاث بالرفقة لأغاثوه، مع ما هم عليه من التشاغل بالأشغال، والتفاوض في الأقوال، وهذا يختلف باستواء الأرض واختلافها صعوداً وهبوطاً.
قال الرافعي: ولا يلفى هذا الضبط في كلام غيره، وليس في الطرق ما يخالفه.
قلت: بل عبارة الماوردي توافقه؛ لأنه قال: عليه طلبه في المنزل الذي حصل فيه من منازل سفره، وليس عليه طلبه من غير المنزل الذي هو منسوب إلى نزوله.
وفي عبارة القاضي الحسين ما يقتضي أمراً آخر، سنذكره.
ثم كيفية الطلب- كما قاله البندنيجي وغيره-: أن ينظر في رحله، وفيما تحت يده أولاً- قال البندنيجي: ما لم يتحقق عدمه فيه- فإن لم يجده سأل من أصحابه وأهل رفقته.
قال في "الروضة": قال أصحابنا: ولا يجب أن يطلب من كل واحد من الرفقة بعينه، بل ينادي فيهم: من معه ماء؟ من يجود بالماء؟ ونحوه حتى قال البغوي وغيره: لو قلت الرفقة لم يطلب من كل بعينه.
стр. 457
وفي "الرافعي": أنه إذا كان معه رفقة، وجب سؤالهم إلى أن يستوعبهم، فإن بذلوه له بثمن أو بغير ثمن، فالكلام عليه يأتي.
وإن لم يبذلوه، وكان في القوم من له خبرة بماء ذلك المكان، فعليه أن يسأله عنه، فإن لم يخبره بشيء، فإن كان على مستو من الأرض، نظر في الجوانب الأربع، ويخص المواضع الخضرة واجتماع الطيور [بمزيد في] الطلب.
وقال القاضي الحسين: إنه يجب في هذه الحالة عليه أن يمشي في طلبه غلوة سهم من الجوانب الأربع، وهذا منه قد يقتضي أن الطلب قد يختص بما يوازي هذه [المسافة عند عدم الاستواء] وهذا ما أشرت إليه من قبل.
وإن كان على قلاع تسفل، أو وهاد ترفع.
قال في "الشامل": ثم ينظر حواليه.
قال الشافعي [في "البويطي"]: وليس عليه أن يدور في الطلب؛ لأن ذلك أكثر ضرراً عليه من إتيانه الماء في المواضع البعيدة.
ثم ما ذكرناه من التسفل والترفع مخصوص بما إذا لم يكن عليه ضرر في ذلك، والضرر أن يخاف على رحله إن غاب عنه، أو على ماله أو نفسه في طريقه، أو
стр. 458
انقطاعه عن الرفقة؛ لارتحالهم قبل عوده، أو مشقة تلحقه من المشي كما قاله أبو الطيب، أو فوت وقت الصلاة؛ وذلك بألا يبقى من الوقت قدر الصلاة على وجه، وعلى آخر، بألا يبقى منه قدر ركعة.
وفي "الرافعي" حكاية وجه: أن فوت الوقت ليس بعذر في ترك الطلب وأكثر ما ذكرناه كلام الشيخ الآتي ينبه عليه، كما بينته.
تنبيه: كلام الشيخ يقتضي أموراً:
أحدها: أن الطلب يكون بعد دخول الوقت؛ [لأنه شرط أن يكون بعد الإعواز، وقد بينا أن الإعواز المعتبر هو الموجود بعد دخول الوقت] وهذا مما لا خلاف فيه بين الأصحاب، حتى قالوا: لو طلب مع شكه في دخول الوقت، أو ظن دخوله- لا يجزئه؛ حكاه الماوردي.
ومن طريق الأولى إذا طلب قبل الوقت، يلزمه أن يعيده بعد الوقت؛ لاحتمال الوجود.
نعم، لو دام نظره إلى [المواضع التي] يجب النظر إليها بعد دخول الوقت كفاه ذلك؛ لأنه لو وجد ذلك بعد الوقت مفرداً كفاه، قاله ابن الصباغ.
قلت: ولو خرج الأمر بتجديد الطلب على ما سنذكره، فيما إذا طلب لصلاة، ثم أراد التيمم لصلاة أخرى- لم يبعد.
الثاني: أنه يجوز أن يطلب الماء بنفسه، وبمن يثق به، وهو المذكور في "الحاوي"، و"تعليق القاضي الحسين"، قال: وخالف طلب القبلة، حيث لا يجوز أن يفوضه إلى غيره؛ لأن أمر القبلة خفي غير معاين؛ فربما يخفى على واحد، ولا يخفى على غيره؛ لأن مبناه على الاجتهاد؛ فلا يقوم اجتهاد غيره مقام اجتهاده، وأما رؤية الماء فشيء مشاهد معاين، يستوي فيه الكل؛ إذ ليس مبناه على الاجتهاد؛ فجاز أن يقوم غيره فيه مقامه.
وفي "التتمة" تخريج جواز الاستنابة في طلب الماء على أنه هل يجوز أن ييممه
стр. 459
غيره بإذنه، أم لا؟
والظاهر منهما في "الرافعي": الجواز؛ حتى لو بعث النازلون واحداً؛ ليطلب الماء لهم أجزأ طلبه عن الكل، ولو بعثه بعضهم دون باقيهم أجزأ ذلك عن الباعثين، دون من لم يأمره به. وهذا في حالة قدرة الباعث على الطلب بنفسه؛ فإن لم يقدر عليه إلا بغيره فهو واجبه.
الثالث: أن محل وجود الطلب، إذا جوز وجود الماء، دون ما إذا تحقق عدمه؛ بأن كان في رمال [بعض] البوادي، ولا رحل له، ولا رفيق؛ فإن طلبه مع تحقق عدمه- عبث، وهذا هو الصحيح، وكلام البندنيجي السابق يفهمه.
وفي "التتمة" حكاية وجه آخر: أنه يجب في هذه الحالة؛ لعموم قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ [المائدة: ٦].
وفي "النهاية": الجزم- في هذه الصورة- بعدم إيجاب الطلب؛ لما ذكرناه.
وحكي عن بعض المصنفين حكاية وجهين في وجوبه في الموضع الذي يغلب على الظن فيه العدم ولا يتحقق، واستبعده.
ثم وجه عدم الوجوب بأن طلبه [يحصل غلبة] الظن بالعدم، وهي حاصلة قبله؛ فلا معنى له.
الرابع: وجوبه عند كل تيمم، سواء انتقل عن ذلك الموضع أو أقام به، [أو] غلب على ظنه حدوث ماء أو لم يغلب على ظنه، وهو مقتضى إطلاق العراقيين، وبه صرح الماوردي، لكنه قال: [إنه] ليس عليه إعادة طلبه في رحله؛ لأن عدم الماء في رحله متيقن، ووجوده في غيره يجوز.
وقال المراوزة: إن انتقل من ذلك المكان إلى موضع لو كان فيه ابتداء لوجب عليه طلبه فيه- وجب، وكذا إذا لم ينتقل، وحدث ما يحتمل بسببه وجوده، مثل غيم أو قدوم ركب.
أما إذا لم يحدث شيء من ذلك؛ فإن كان قد تيقن بالطلب الأول أنه لا ماء في ذلك الموضع؛ فلا يجب الطلب؛ بناء على ظاهر المذهب، وهو مقتضى تعليل
стр. 460
الماوردي السالف، وفيه الوجه السابق.
وإن لم يتحقق العدم؛ بل غلب على ظنه؛ ففي وجوب إعادة الطلب وجهان: أصحهما في "الكافي": أنه لا يجب.
وأصحهما في "النهاية" والأظهر في "الرافعي": وجوبه.
قال الإمام: لكن يكون أخف من الطلب الأول.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون التيمم الثاني لصلاة غير الصلاة التي تيمم لها أولا، أو لها نفسها؛ بأن أحدث بعد التيمم الأول، وقبل الصلاة، قال الرافعي: أو حدث ركب قبل الصلاة.
قلت: ولعل هذا محمول على وجوب الطلب فيما عدا سؤال أهل الركب؛ فإنه قد تقدم أنه إذا حدث ركب، وجب الطلب، بلا خلاف.
وكل هذا فيما إذا لم يتحقق وجود الماء، فإن تحقق وجوده، فسنذكر حكمه.
قال: فإن بذل له- أي: على وجه الهبة- أو بيع منه بثمن المثل- أي: وهو قادر عليه- لزمه قبوله: أما في الأولى فلأنه يعد واجداً للماء؛ فإن المسامحة غالبة به، ولا تعظم منه في قبوله- وأما في الثانية؛ فبالقياس على ما لو بذلت له الرقبة في الكفارة [كذلك].
وقيل في الأولى: إنه لا يجب قبوله؛ لما فيه من المنة في تلك الحالة، وبالقياس على هبة ثمن الماء؛ فإنه لا يجب [عليه] قبوله إجماعاً؛ كما قال الإمام.
والمنصوص في "الأم"، وبه جزم الجمهور، ومنهم القاضي الحسين والإمام: الأول.
ثم محل الإجماع على أن بذل ثمن الماء لا يجب قبوله- كما قال الرافعي- إذا كان الواهب أجنبياً.
أما لو كان ولد المعوز أو أباه، فقد حكى بعض الأصحاب في وجوب قبوله وجهين، كالوجهين فيما إذا بذل الابن لأبيه- أو بالعكس- المال في الحج: هل يلزمه القبول، وهل يصير مستطيعاً به؟
стр. 461
قال: وهذا حسن، لكن الأظهر ثم أنه لا يجب [القبول] فيجوز [أن] يكون إطلاق من أطلق الجواب بعدم وجوب القبول جرياً على الأظهر واقتصاراً عليه.
قلت: أو لأن الفرق بين البابين لائح، وهو أن للماء بدلاً-[وهو التراب]- بخلاف الحج- والله أعلم.
والقدرة التي أردناها أن يكون واجداً له، أو لعرض تفي قيمته به في موضع البيع، أو واجداً لذلك في بلده، وقد رضي صاحب الماء ببيعه بثمن مؤجل؛ نص عليه في "البويطي"، وبه جزم في "الكافي" وغيره.
وقيل: إنه في الصورة الثانية غير قادر؛ لأنه يحتمل أن يهلك ماله قبل وصوله إليه؛ وهذا ما جزم به الماوردي، وصححه بعضهم.
والخلاف جار فيما لو أقرضه ثمن الماء، وهو واجد له في بلده، عادم له في موضعه.
والأصح منه في "الكافي": وجوب القبول.
وفي "الرافعي" مقابله؛ لما ذكرنا من العلة.
وهو جار- أيضاً- فيما أقرضه الماء نفسه.
وصحح في "الكافي" الوجوب- أيضاً- ووافقه الرافعي عليه، ووجهه بأنه إنما يطالب عند الوجدان؛ وحينئذ يهون الخروج عن العهدة.
قلت: وفي ذلك نظر؛ لأنه إن أراد وجدان الماء، فقد نص الشافعي على أنه: إذا أتلف عليه ماء في مفازة، ولقيه في بلد [آخر] فإن الواجب قيمته في المفازة؛ فإن الماء في البلد تقل قيمته، وستعرف ذلك في كتاب الغصب.
وإن أراد وجدان قيمته في البلد، فقيمته وثمنه الذي يقرضه إياه سواء في المعنى؛
стр. 462
فلا فرق، والله أعلم.
ومع وجدانه لقيمة الماء المبذول نقداً أو عرضاً؛ بشرط أن يكون ذلك فائضاً عن [قضاء ما عليه من دين حال أو مؤجل] وعما يحتاج إليه في سفره لنفسه وأتباعه في ذهابه ورجوعه.
وقيل: إن كان غريباً، لا يشترط فضله عن حاجته في الرجوع؛ كما في نظيره في الحج، وأشار إليه الإمام.
وثمن المثل: هو الذي يبذل في مقابلته في ذلك الموضع، في عموم الأحوال؛ قاله أبو إسحاق المروزي، ولم يحك البندنيجي والماوردي وابن الصباغ غيره، واختاره الروياني.
وقيل: ما يبذل في مقابلته في ذلك الموضع مع السلامة واتساع الماء؛ حكاه الإمام عن بعض المصنفين، وهو في "الإبانة".
وقيل: ما يبذل في مقابلته في تلك الحالة؛ وهو ما حكاه الإمام عن الأكثرين، والأصح في "الإبانة"، ولم يحك الشيخ أبو حامد- كما قيل- غيره.
وقيل: إن الماء لا ثمن له؛ و [إنما] المعتبر أجرة مثل استقائه ونقله إلى ذلك
ىم بغؤبلي
стр. 463
المكان؛ وعلى هذا فالأجرة تختلف باختلاف المسافة طولاً وقصراً.
قال الرافعي: فيجوز أن يعتبر المقصد الوسط، ويجوز أن يعتبر الحد الذي يسعى إليه المسافرون [عند تيقن] الماء؛ فإن ذلك الحد لو لم يقدر على السعي إليه بنفسه، واحتاج إلى بذل الأجرة لمن ينقل الماء منه إليه، يلزمه البذل إذا كان واجداً لها.
قلت: والأشبه: اعتبار أجرة ذلك من أقرب المواضع التي جرت العادة بنقله منها إلى ذلك الموضع، سواء كان يجب على الحال به طلبه منه عند تيقنه أو لا، وهذا الوجه قال الإمام: إنه مبني على أن الماء لا يملك، وهو وجه سخيف، وقضية البناء تضعيفه.
والغزالي قال: إنه جار وإن قلنا: إن الماء مملوك- على الأصح- وإنه الأعدل.
قال الرافعي: ولم أر من رجحه غيره، ومن تبعهظتا بل يق يا يب لغ.
стр. 464
وقد أفهم كلام الشيخ أموراً:
أحدها: أن محل وجوب القبول إذا كان البذل بعد دخول الوقت؛ لأنه وقت وجوب الطلب، كما تقدم، وبه صرح الماوردي، وقال: إنه لا يجب إذا بذل له قبل دخول الوقت؛ لأنه لا يجب عليه طلب اتهابه؛ [لأنه جعل] محل وجوب قبول الهبة إذا بذل له.
وقد حكى المراوزة؛ [في وجوبه وجهين:
أحدهما: أنه لا يجب]؛ لأن السؤال صعب على ذوي المروءات وإن هان قدر المسئول.
وأصحهما في "التهذيب"، و"الرافعي": أنه يجب، وادعى البندنيجي أنه ظاهر نصه في "البويطي"، ولم يحك غيره؛ لأن ما وجب قبوله وجب طلبه؛ كالبيع.
وعلى هذا فيجوز أن يقال: كلام الشيخ لا ينفيه، ويكون تقديره: إذا طلب اتهابه؛ فبذل له لزمه قبوله؛ وحينئذ يكون فيه [تنبيه] على وجوب السؤال عنه من رفقته، كما سلف.
والوجهان جاريان- كما قال في "الوسيط"-[في وجوب] طلب استقراض ثمنه، إذا قلنا بوجوب قبوله عند بذله. ورأيت في كلام غيره القطع بعدم الوجوب.
الثاني: أنه لو بذل له بأكثر من ثمن مثله لا يلزمه قبوله، قلت الزيادة أو كثرت، وهو ما حكاه الماوردي، والبندنيجي، والقاضي الحسين، والإمام.
وفي "التتمة": أن القاضي الحسين قال: إن قلت [بحيث لو غبن] الوكيل بمثلها، صح البيع- يلزمه قبوله، ولا يباح له التيمم، وهو المذكور في "التهذيب".
ثم ظاهر كلام الأصحاب: أنه لا فرق في الزيادة المانعة من لزوم القبول بين أن تكون بسبب تأجيله، إذا أوجبنا الشراء بثمن مؤجل يقدر عليه في بلده، أو لا، وبه صرح القاضي الحسين في "تعليقه".
وفي "الرافعي" وجه آخر: أن الزيادة بسبب التأجيل إذا كانت لا تزيد على ثمن مثله
стр. 465
مؤجلاً ليست بزيادة، وجعله أظهر.
الثالث: أنه لو خالف عند وجوب قبول البذل، وتيمم، لا يصح.
وفي "الكافي" وغيره: أن الماء المبذول إذا كان باقياً عند تيممه، والباذل باق على بذله- لم يصح، وإذا صلى به أعاد.
وإن كان تالفاً، أو رجع الباذل عن بذله؛ ففي الإعادة وجهان: فإن قلنا: يعيد؛ فمحل الإعادة إذا وجد الماء؛ فيستعمله، ويعيد، ولا يعيد قبل ذلك؛ قاله في "التتمة".
وفيما يعيده وجهان، في "الإبانة" وغيرها:
أحدهما: صلاة واحدة، وهي التي بذل له الماء عند التيمم لها ولم يقبل.
والثاني- وهو الأصح-: ما يغلب على ظنه أداؤه بتلك الطهارة لو تطهر به.
وفي "الرافعي" حكاية وجه ثالث، في نظير المسألة: أنه يقضي كل صلاة صلاها بالتيمم. وهو غريب.
والحكم فيما لو كان معه ماء، فصبه عامداً بعد دخول الوقت- كالحكم فيما إذا لم يقبل الماء المبذول، وتيمم بعد تلفه.
ولو وهب الماء الذي يجب عليه التطهر به بعد دخول الوقت- كالحكم فيما إذا لم يقبل الماء المبذول، وتيمم بعد تلفه.
ولو وهب الماء الذي يجب عليه التطهر به بعد دخول الوقت، أو باعه؛ ففي صحة ذلك وجهان، أصحهما: الصحة، وشبههما الخلاف المذكور فيما إذا وهب الماء على سبيل الرشوة: فهل يملكه المرتشي، أم لا؟
стр. 466
فإن قلنا: إنه لا يملك الماء الموهوب، ولا يصح بيعه- وجب استرداده إن كان باقياً، ولا يصح مع وجوده تيمم مالكه، فإن تيمم وصلى، أعاد.
وإن كان تالفاً، أو قلنا: يصح- فالحكم كما في مسالة الصب.
ولا خلاف في أن ذلك لو كان لغرض صحيح، في صحة التيمم وعدم وجوب القضاء، وكذا لو استعمله في غسل وسخه وإزالة أذى وتبرد. ولو فرض إزالته عن ملكه، أو صبه قبل الوقت- صح تيممه بكل حال.
فإن قيل: لو مر في أول الوقت بماء، وجاوزه إلى موضع لا ماء فيه جاز تيممه، ولا قضاء، وكان قياس ما ذكرتم أن يطرد فيه [أيضاً].
قيل: الفرق أنه لم يضع- هاهنا- شيئاً، وإنما امتنع من التحصيل، وثم فوت الحاصل، والتقصير في تفويت الحاصل أشد منه في الامتناع من تحصيل ما ليس بحاصل.
قلت: وهذا الفرق قد يلغيه إجراء الخلاف في مسألة الصب، فيما إذا امتنع من قبول الهبة مع أنه لم يوجد منه إلا عدم التحصيل، ولا جرم حسن تخريج الشيخ أبي محمد الخلاف في المسألة الأخرى، وإن كان المذكور في "التهذيب" وغيره القطع فيها بما ذكرناه فيها أولاً.
وعلى طريقهم يمكن الفرق بين ذلك وبين ما إذا امتنع من قبول المبذول: أن أهل العرف قاضون بأنه واجد الآن [والماء على الماء] في أول الوقت إذا جاوزه غير واجد له وقت التيمم، والله أعلم.
فرع: هل يجب على السيد أن يشتري لمملوكه الماء للوضوء، والغسل من الجنابة، والحيض؟
فيه وجهان في "التتمة"، عند الكلام في الاغتسالات المسنونة.
والمذكور منهما في "تعليق القاضي الحسين" هنا: لا؛ لأن له بدلا؛ فهو كالحر المعسر.
стр. 467
[قال وإن دل على ماء بقربه- أي: مما يقدر شرعاً وحساً على استعماله- لزمه قصده؛ لأنه فائدة الطلب، ولأنه يعد واجداً له].
قال: ما لم يخش الضرر في نفسه، أو ماله؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ولأن الشرع أباح للخائف منه أن يترك أركان الصلاة من القيام والركوع والسجود، وكذا أن يصلي إلى غير القبلة، وكذا ترك استعمال الماء في الطهارة.
وخشية الضرر في النفس تشمل ما إذا خاف من لص أو سبع، ونحو ذلك في طريق الماء، وما إذا خشي ذلك في طريقه إلى مقصده؛ بسبب ارتحال رفقته قبل عوده إليهم، والطريق غير آمن.
نعم، لو كان الطريق آمناً، لا يخشى فيه- عند الانفراد- على نفسه وماله شيئاً، فالمشهور أنه لا يجب قصده- أيضاً- لأن الانفراد يؤثر وحشة، وهي ضرر.
وقال الغزالي: إن في ذلك غموضاً.
وعبارة الإمام: أن فيه احتمالاً.
وقد حكى الرافعي وجهاً آخر: أنه يجب قصده، وهو ما يفهمه كلام الشيخ.
وخشية الضرر في المال تشمل ما إذا خاف على ماله الذي معه، أو ماله الذي يخلفه في المنزل.
وكلام الشيخ يفهم أنه مع الأمن على النفس والمال يجب قصد الماء الذي دل عليه بقربه، سواء كان الوقت لا يخرج قبل وصوله إليه أو يخرج. وهو يوافق الوجه الذي حكيناه عن رواية الرافعي: في أن الطلب من جميع الرفقة يجب، وإن خرج الوقت.
وقد قال الرافعي: إن ما أفهمه كلام الشيخ هو ما اقتضاه كلام الأئمة؛ إلحاقاً لذلك بالماء الذي في رحله، إذا كان الوقت يخرج لو استعمله.
وقد رأيت في "الإبانة" حكاية ذلك عن نص الشافعي، لكن الذي حكاه في "التهذيب"، وأبو الطيب، والبندنيجي، وابن الصباغ: أنه إنما يجب طلب الماء الذي
стр. 468
دل عليه إذا كان الوقت لا يفوت؛ فإن كان يفوت لم يجب قصده.
وطرد البندنيجي ذلك فيما إذا كان قد رأى الماء.
وبذلك يحصل في المسألة خلاف، ويشهد لمفهوم كلام الشيخ [نصوص حكاها] الإمام في مسائل:
منها: إذا ضاق الوقت، ولاح للمسافر الماء، ولا عائق، وعلم أنه لو اشتغل به لفاتته الصلاة- أنه يطلبه، ويستعمله.
ومنها: إذا انتهى طائفة في السفر إلى بئر، وكانت لا تحتمل إلا نازحاً واحداً، [ولم يكن معهم إلا دلو واحد]، وكانوا يتناوبون على ذلك، فعلم واحد أن النوبة لا تنتهي إليه إلا بعد الوقت- يصبر حتى تأتي نوبته، ثم يقضي الصلاة.
ومنها: [ما] إذا كان بين قوم من العراة ثوب يتناوبونه، فعلم واحد أن النوبة لا تنتهي إليه إلا بعد انقضاء وقت الصلاة يصبر، ولا يصلي في الوقت عارياً.
ويشهد لما قاله في "المهذب" وغيره نصه فيما إذا كان جماعة في بيت ضيق أو سفينة، وليس هناك إلا موضع واحد يتأتى فيه القيام للصلاة، وكانوا يتناوبون عليه، فعلم واحد أن نوبته بعد خروج الوقت أنه يصلي قاعداً في الوقت.
وقد أشكل الفرق على أبي زيد، مع أنه أذكى الأئمة قريحة، فنقل وخرج، وجعل في كل مسألة من مسائل النص قولين: وتبعه غيره.
وبعض الأصحاب أقر النصوص، وفرق بأن أمر القيام أهون؛ لأنه لا يشترط في النفل، بخلاف غيره.
قال الإمام: وهو فاسد؛ مع القطع بأن القيام ركن في الصلاة.
والقاضي الحسين قال: إنه لا نص للشافعي في مسألة البئر والدلو، لكنه [نص] في مسألة الثوب والسفينة على ما ذكرناه.
واختلف الأصحاب فيهما: فمنهم من نقل وخرج.
ومنهم من فرق بأن للقيام بدلاً بخلاف السفينة. ثم قال: فإن قلنا بطريقة القولين، طردناها في مسألة البئر والدلو.
стр. 469
وإن قلنا بالطريقة الأخرى، فمسألة البئر والدلو كنظير مسألة السفينة؛ لأن للماء بدلاً، وهو التراب، وعلى هذا التخريج جرى المتولي.
وعلى النص في السفينة إذا صلى قاعداً يعيد إذا قدر؛ كما حكاه الماوردي في باب صلاة المسافر، والخلاف الآتي مطرد فيه.
أما إذا كان ما دل عليه من الماء لا يقدر على استعماله شرعاً، وهو ما إذا كان في صهريج أو جب ونحوه- فإنه لا يجب عليه قصده؛ لأنه لا يجوز استعماله في الطهارة- كما قال في "التتمة" وغيرها- لأنه إنما يوضع كذلك للشرب، لا للاستعمال.
ولو كان غير قادر على استعمال حساً؛ لكونه في بئر أو نهر لا يصل إليه بنفسه ولا بغيره إلا بدلو ورشاء فهو عادم له؛ لأنه لا يجب عليه قصده؛ لأنه عند حضوره كالمفقود في حقه، ويجوز له التيمم؛ فلا فائدة في طلبه.
نعم، لو قدر غيره على النزول إليه، وقدر على ذلك بأجرة المثل، أو غير أجرة- وجب عليه. وكذا لو وجد من يبيعه أو يؤجره الدلو والرشاء بقيمة ذلك، وهو يجدها في الحال، وكذا لو كان لا يجدها إلا في بلده، ورضي صاحبه بالتأجيل، على أحد الوجهين.
ولو وجد من يعيره ذلك، أطلق الجمهور الوجوب.
وفي "الحاوي" وجه آخر: أن قيمة ذلك إن لم تزد [عن ثمن مثل الماء] وجبت، وإن زادت لم تجب؛ لأن العارية مضمونة.
ولو كان يقدر على الوصول إليه بأن ربط عمامته في الدلو، ولو شقها نصفين، أو وضع طرفها في الماء، ورفعه، وعصره وجب ذلك إذا كانت قيمة العمامة لا تنقص بذلك، أو تنقص قدراً يوازي قيمة الماء.
وإذا زاد النقص على ذلك، لم يجب، كذا قاله القاضي أبو الطيب، والماوردي.
وقال المتولي وغيره: المعتبر ألا يزيد النقص عن أجرة مثل ذلك؛ فإن زاد لم يجب.
стр. 470
والحق ما قاله بعضهم: إن المعتبر ألا يزيد على قدر ثمن [مثل] الماء، أو أجرة مثل ذلك؛ فإن زاد لم يجب.
وهذه الفروع كلها مذكورة فيما لو كان حاضراً عند الماء.
وإذا لم يقدر على أخذه، قال في البويطي: فيؤخر الصلاة إلى آخر الوقت، أي: لعله أن يتمكن من أخذه، فإن صلى في أوله، ثم وجد ما يتوصل به إلى الماء في آخره، قال الشافعي: أحببت أن يعيد الصلاة.
قال في "الأم": ولو ركب البحر، وعدم الماء في مركبه، كان ماء البحر [في حقه بمنزلة الماء] الذي ذكرناه في التفصيل.
واعلم أن كلام الشيخ في هذا الفصل مشير إلى وجوب طلب الإرشاد إلى الماء، كما سلف، و [هو يفهم أيضاً أنه] لو كان في موضع أزيد من الموضع الذي يجب [عليه] طلبه فيه، لا يلزمه قصده؛ لأنه جعل المحل الذي يجب طلبه فيه والموضع الذي يجب قصده إذا دل عليه، منوطاً بالقرب، وأكد ذلك قوله من بعد: "وإن تيمم، وصلى ثم علم أن في رحله ماء، أو حيث يلزمه طلبه- أعاد".
стр. 471
وقد صرح الماوردي؛ حيث قال: كل موضع لو تيقن وجود الماء فيه منع من التيمم- وجب إذا جوز وجود الماء فيه ألا يجوز له التيمم؛ قياساً على رحله.
وقضية ذلك: أنه إذا كان عن يمين المنزل الذي نزله، أو [عن] يساره، أو أمامه- أنه لا يجب عليه قصده؛ لأنه لا يجب [عليه] طلبه لو لم يدل عليه في ذلك، وعليه يدل قوله: "إِنَّ تيقنَهُ لوجود الماء في آخر الوقت، إن كان في منزله الذي هو فيه عند دخول الوقت- كان تأخير الصلاة إلى استعمال الماء واجباً؛ لأن المنزل كله محل للطلب. وإن كان تيقنه لوجود الماء في غير منزله- كان تأخير الصلاة مستحباً".
وقد حكى الإمام عن رواية شيخه وبعض المصنفين عن النص: أنه يجب طلبه بالشروط السالفة؛ إذا كان عن يمين المنزل أو يساره دون ما إذا كان أمامه.
واختلف الأصحاب في النصين:
فمنهم من نقل، وخرج، وأثبت قولين فيهما.
ومنهم من أقر النصين، وفرق بأن الماء إذا كان عن اليمين واليسار، فهو منسوب إلى المنزل، والنازل قد يتيامن، ويتياسر، وينتشر في حوائجه، ولا يمضي في صوب قصده، ثم يرجع القهقهري، وليس الماء بين يدي المسافر منسوباً إليه. ويشهد له ما روي: أن [ابن] عمر قفل من سفر له إلى المدينة، فلما انتهى إلى الحرة، دخل وقت العصر؛ فتيمم، وصلى. فقيل له: أتتيمم وجدران المدينة تنظر إليك؟ فقال: أو أحيا حتى أدخلها؟ ثم دخل المدينة والشمس حية، ولم يقض الصلاة.
[وقد حكى صاحب "التهذيب" الطريقين على غير هذا النحو، كما سنذكره].
قال الإمام: فإن قلنا: لا يجب قصده فيما عدا المنزل، ويتمم: فلو كان أبعد من مسافة الطلب عند الإشكال، أي: ودون يمنة المنزل ويساره، وهو إذا كان على مسافة ينتشر إليها النازلون في الاحتطاب والاحتشاش، وتنتهي إليه البهائم في الرعي، ولم يكن حائل، وهو محقق الوجود فلا يبعد وجوب طلبه.
وهذا ما جزم به الرافعي، ووجه بأنه إذا كان يسعى لاشتغاله إلى هذا الحد
стр. 472
فَلِمُهِمِّ العبادة [أولى].
قال: وهذا فوق حد الغوث الذي يسعى إليه عند التوهم. وإن محمد بن يحيى قال: ولعله يقرب من نصف فرسخ.
قال: فإن لم يجد، أي: من يبذل الماء بعد طلبه ولا من يدل عليه، كان على ثقة من وجود الماء في آخر الوقت- أي: بأن كان سائراً عند دخول الوقت أو بعده، ويعلم أن أمامه ماء، وأنه يصل إليه قبل خروج الوقت.
قال: فالأفضل أن يؤخره، أي: يؤخر فرض الصلاة بالتيمم؛ ليحوز فضيلة الطهارة بالماء؛ فإنها أبلغ من فضيلة الصلاة بالتيمم في أوله.
ألا ترى أن تأخير الصلاة إلى آخر الوقت جائز مع القدرة على أدائها في أوله، ولا يجوز التيمم مع القدرة على الوضوء. فإن تيمم في أول الوقت، وصلى به جاز؛ لأنه فاقد للماء في الحال، وعليه تدل قصة ابن عمر السالفة.
وفي "التتمة" حكاية وجه آخر: أن الأفضل التعجيل في أول الوقت في هذه الصورة.
والصحيح الأول، وهو الذي حكاه البندنيجي، وأبو الطيب، وابن الصباغ.
وهذا كله تفريع على [أنه لا يجب الصبر إلى آخر الوقت، وهو المذهب في "التهذيب" والمذكور من طريق العراقيين و"الحاوي".
وفي "التهذيب"] أنه نص في "الإملاء" [على] أنه: لا يجوز له التيمم في أول الوقت؛ بل يؤخره حتى يأتي الماء في آخره. قال: وهذا بخلاف ما لو كان الماء على يمينه أو يساره في حالة سيره، أو وراءه، فإنه لا يلزمه إتيانه، قولاً واحداً، وإن أمكن في الوقت؛ لأن في زيادة الطريق مشقة عليه، وقيل بجريان الخلاف السابق فيهما [أيضاً].
стр. 473
قال: وإن كان على إياس من وجوده، أي: بأن كان قد سلك تلك الطريق وخبرها، وعلم أنه لا ماء بها، وأنه لا يقطعها في الوقت.
قال: فالأفضل أن يقدمه، أي: يقدم فرض الصلاة بالتيمم؛ ليحوز فضيلة أول الوقت.
قال بعضهم: وكان الصواب أن يقول: "على يأس"؛ فإن "إياس" مصدر: "آسه، يئوسه، إياساً وأوساً": إذا أعطى.
قال: وإن كان يرجو- وهكذا عبارته في "الشامل"- ففيه قولان:
أصحهما: أن التقديم أفضل؛ لأنه- ﵇ سئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال: "الصَّلاةُ لأَوَّلِ وَقْتِهَا"؛ فكان على عمومه، ولأن فضيلة الأولية ناجزة، وهي تفوت بالتأخير يقيناً، وفضيلة الطهارة بالماء غير معلومة؛ فلا يترك المحقق لأمر موهوم، وهذا ما نص عليه في "الأم".
ومقابله [ما] نص عليه في "الإملاء" والبويطي: أن التأخير أفضل؛ لأن تأخير الظهر في الحر لأجل الإبراد مأمور به؛ حتى لا يختل معنى الخشوع؛ فالتأخير لإدراك الوضوء أولى.
وقد جعل في "الوسيط" محل القولين إذا كان يتوقع وجود الماء بظن غالب. وقاس التقديم على ما إذا كان يرجو حضور الجماعة في آخر الوقت؛ فإن الأفضل صلاته منفرداً في أوله؛ فإن فضيلة الأولية ناجزة، والأخرى موهومة، وهكذا قاله الإمام، وادعى أنه لا خلاف في مسألة الاستشهاد، وفرق بينها وبين مسألتنا: بأن صلاة الجماعة فضيلة محضة، وكذا التعجيل- فكان تحصيل الناجز مع التساوي أولى، ولا كذلك في مسألتنا؛ فإن التعجيل محض فضيلة، والوضوء فريضة؛ فقوى التعجيل
стр. 474
بالتحقق، والتأخير بالفريضة، فتعارضا؛ فجاز القولان، هذا مبسوط كلامه.
وقد جعل أبو علي في "الإيضاح" والماوردي مسألة الجماعة أصلاً للقول الثاني، وبمجموع النقلين يحصل فيها خلاف، وقد حكى البندنيجي- هاهنا- قولين، فيما إذا كان بين الخوف والرجاء في إدراكها في آخر الوقت، ونسب التعجيل إلى نصه في "الأم"، ومقابله إلى نصه في "الإملاء".
وابن الصباغ حكى وجهين مخرجين من مسألتنا، وهما جاريان في المريض الراجي للقيام، والعريان الراجي للسترة؛ قاله في "البيان" وغيره.
قال الرافعي: واحترز الغزالي بقوله: "بظن غالب" عما إذا تساوى الطرفان عنده، فلم يظن الوجود في آخر الوقت، ولا العدم.
وأما إذا ظن العدم في آخر الوقت، وجوز الوجود فإنه لا جريان للقولين في هاتين الحالتين؛ بل التعجيل أولى لا محالة.
ومحل القولين: ما إذا ترجح عنده الوجود على العدم، ولم يتيقنه، وربما وقع في كلام بعضهم نقل القولين [فيما] إذا لم يظن الوجود ولا العدم، ولا وثق به، وكأن هذا القائل أراد بالظن اليقين.
قلت: وما ذكره الرافعي من القطع باستحباب التعجيل عند غلبة الظن بالعدم لا نقل فيه، وقطعه بذلك عند تساوي الطرفين، اتبع فيه الإمام، والقاضي الحسين، ومن تبعه؛ وإلا فكلام العراقيين مصرح بإجراء القولين فيها؛ ألا ترى إلى قول أبي الطيب: فإن كان يرجو وجود الماء، ويرجو عدمه، ففيه قولان. وإلى قول البندنيجي: وإن وقف بين الأمرين، فقولان، وإلى قوله في "المهذب": وإن كان يشك؛ ففيه قولان. وإلى قول الماوردي: إذا لم يكن أحد الأمرين غالباً، ففي الأفضل منهما قولان.
ثم الخلاف فيما إذا أراد الاقتصار على صلاة واحدة، [أما لو أراد إيقاع صلاة في
стр. 475
أول الوقت بالتيمم، وأخرى في آخره] بالوضوء- قال الإمام: فهو النهاية في إحراز الفضيلة.
قلت: وفيه نظر، إذا قلنا: إن الأولى هي الفرض؛ لأن فضيلة الطهارة بالماء لم تشملها، ولا يقال: إن هذا بعينه موجود في إعادة الصلاة في جماعة، ومع هذا فلا خلاف في استحبابها، ونقدر أن الوصف الزائد في الصلاة الثانية كأنه وقع في الأولى؛ لأن وصف فضيلة الجماعة يمكن إضافته إلى الصلاة الأولى، وفضيلة استعمال الماء بخلافه؛ لأنها فضيلة واجب، ولا يتصور أن يكون واجباً في الأولى.
وقد رأيت في "تعليق القاضي الحسين" عند الكلام في رؤية المتيمم الماء في أثناء الصلاة- الجزم بأن من صلى بالتيمم، ثم وجد الماء لا يستحب له إعادتها بالطهارة بالماء، بخلاف ما لو صلى منفرداً، ثم أدرك جماعة يصلون؛ فيشبه أن يكون ما ذكرته مادته والله أعلم.
قال: وإن وجد بعض ما يكفيه- أي: في غسله أو وضوءه- استعمله، ثم تيمم للباقي في أحد القولين، ويقتصر على التيمم في القول الآخر، فالتيمم على كل قول لابد منه، والخلاف في وجوب استعمال ما وجده من الماء.
ووجه الوجوب قوله- تعالى-: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ .....﴾ الآية، إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] فجعل التيمم مشروطاً بعدم ما ذكره على وجه النكرة في سياق النفي؛ فاقتضى أن يكون معتبراً بما ينطلق عليه اسم الماء.
وأيضاً: فالآية موجبة لغسل جميع الأعضاء عند القدرة؛ فإذا عجز عن البعض- وجب أن يأتي بالمقدور؛ لقوله- ﵇: "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَاتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ". أخرجه البخاري.
ولأن استعمال الماء في الطهارة شرط من شرائط الصلاة؛ فلا يسقط الميسور منه
стр. 476
بالمعجوز عنه؛ كستر العورة، وإزالة النجاسة.
ووجه الثاني: قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ إلى قوله ﴿مَاءً﴾ [المائدة: ٦] فإن فيه إشارة إلى ما تقدم ذكره من الماء المشروع في الاستعمال لجميع الأعضاء.
ولأن في استعمال الموجود والتيمم جمعاً بين بدل ومبدل، والجمع بينما في الأصول لا يلزم؛ كالعتق والصوم في الكفارة، وهذا ما حكاه الجمهور عن القديم، "والإملاء".
وقال ابن الصباغ: إنه نص عليه في موضع من "الأم" واختاره المزني.
وعلى هذا: فالفرق بينه وبين السترة وإزالة النجاسة إن قلنا بوجوب استعمال الموجود فيهما، وهو المذهب في "تعليق القاضي الحسين": أن ذلك لا بدل له، بخلاف طهارة الحدث.
نعم، نظير ذلك ما إذا وجد بعض ما يكفيه من الماء، ولم يجد التراب؛ فإن الأصحاب قالوا- كما حكاه الروياني والمتولي-: يجب استعماله؛ قولاً واحداً؛ لفقد البدل، بخلاف واجد نصف رقبة في الكفارة، وهو عاجز عن الصوم والإطعام- لا يجب عليه عتقها؛ لأن الكفارة ليست على الفور.
قال الروياني: ويحتمل في مسألتنا في هذه الحالة- ألا يجب استعمال الماء، ويجعل كمن لم يجد ماء ولا تراباً؛ لأن هذا الماء وجوده كعدمه.
وقد حكاه الرافعي؛ لأنه قال: وقد قيل بطرد القولين في هذه الحالة- أيضاً- والأظهر: الأول.
قال الأصحاب: وعلى هذا القول [الثاني] الذي اختاره المزني، يستحب له أن يستعمل الموجود من الماء قبل تيممه.
[ثم إن] كان الواجب عليه الوضوء، بدأ بغسل الوجه، ثم اليدين، على الترتيب وإن كان الواجب عليه الغسل- استحب [له] أن يبدأ بالرأس؛ لما سنذكره.
стр. 477
والصحيح عند كافة الأصحاب، وهو الذي نص عليه في "الأم"، في الباب الأول من التيمم، والجديد: [وجوب] استعمال الموجود من الماء، والآية دالة له؛ كما ذكرنا.
ولو كان الماء المذكور ثانياً يعود إلى الأول- لم ينكره؛ لأن العرب إذا ذكرت شيئاً منكراً، ثم أرادت ذكره ثانياً- عرفته؛ قال الله- تعالى-: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥، ١٦] وقد قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً .....﴾ الآية: [المؤمنون: ١٣، ١٤] وإذا لم ترد العود إليه نكرته؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦)﴾ قال ابن عباس: لن يغلب عسر يسرين.
ولا نسلم أنه إذا استعمل الماء، كان جامعاً بين بدل ومبدل؛ لأن التيمم بدل عما لم يستعمل الماء فيه، ومثله ما إذا عجز عن [بعض] الفاتحة؛ [فإنه] يأتي بما قدر عليه منها، وبالبدل عن باقيها.
والفرق بين ما نحن فيه والكفارة من أوجه:
أحدها- قاله أبو إسحاق-: أن الصوم بدل عن جميع الرقبة، ولا يجب عن بعضها، والتيمم يجب عن بعض الأعضاء، كما يجب عن كلها؛ بدليل الجرح.
والثاني- قاله ابن أبي هريرة-: أن إعتاق بعض الرقبة لا يحصل مقصوداً، بخلاف [بعض] الطهارة؛ فإنه يمكنه البناء عليه.
والثالث: أن الماء مستعمل في الوضوء على التبعيض والتجزئة؛ لأنه يستعمل في عضو دون عضو؛ فجاز أن يتبعض في الوجوب، والعتق لا ينبني على التبعيض والتجزئة؛ فلم يتبعض في الوجوب.
ثم القولان مستقلان بأنفسهما، أو مبنيان على تفريق النية على أعضاء الوضوء، أو على وجوب الموالاة؟ فيه [خلاف:]
стр. 478
الذي مال إليه الإمام الثاني، والذي صححه الفوراني الأول، وقال: إن الثالث ليس بصحيح؛ لأن تفريق الوضوء بالعذر جائز قولاً واحداً، وهو هنا بعذر؛ فقياسه أن يجب استعمال الموجود من الماء، قولاً واحداً.
تنبيه: قول الشيخ: "استعمله، ثم تيمم للباقي" يفهم أمرين:
أحدهما: أن محل الخلاف [إذا أمكن التيمم، أما] إذا لم يمكن؛ لفقد التراب- فقد مر الخلاف فيه، ومثله جارٍ فيما لو وجد من التراب بعض ما يكفيه: هل يجب استعماله أو لا؟ والصحيح: طريقة القطع بالوجوب.
الثاني: وجوب استعمال الموجود من الماء قبل التيمم على هذا القول سواء كان الواجب عليه الوضوء أو الغسل؛ وبه صرح الأصحاب.
ورأيت في شرح [ابن] التلمساني حكاية وجه، فيما إذا كان الواجب عليه الغسل: أنه يتخير، إن شاء استعمل الماء أولا أو تيمم، ولم أرَ في غيره سوى الأول، ومنه يؤخذ أمران:
أحدهما: أن محل القولين، إذا كان ما وجده يقدر على غسل بعض البدن به، دون ما إذا كان لا يقدر أن يفعل به سوى المسح: كالثلج، والبرد الذي لا يذوب؛ لأن ما يجب فيه المسح- وهو الوضوء- لا يجوز البداءة فيه بالمسح.
وقد قلنا: إن الشرط على هذا القول البداءة باستعمال الموجود، ولأن ما احتججنا به من الآية مفقود في هذه الصورة؛ لأن ما لا يذوب من الثلج والبرد لا يطلق عليهما.
وقد أغرب بعض الأصحاب؛ فطرد القولين في هذه الصورة- أيضاً- وقال: إذا قلنا بوجوب الاستعمال تيمم عن الوجه واليدين، ثم يمسح رأسه بالموجود من الثلج أو البرد، ثم يتيمم للرجلين؛ كذا حكاه الرافعي عن أبي العباس الجرجاني من أصحابنا.
الثاني: أنه إذا كان الواجب عليه الوضوء، استعمل الموجود في الوجه، ثم اليدين
стр. 479
على الترتيب وهذا مما لا خلاف فيه.
ولو كان الواجب الغسل، تخير في استعماله في أي موضع شاء من بدنه؛ لأنه لا ترتيب فيه.
والأولى أن يبدأ بالرأس؛ لأن المستحب البداءة في الغسل بها.
التفريع: إن قلنا بالقول بوجوب استعمال الموجود من الماء، فتيمم الجنب؛ لفقد الماء، وصلى الظهر مثلاً؛ فإن له أن يصلي بعده ما شاء من النوافل، على المذهب، كما سيأتي.
فلو أحدث، ثم وجد من الماء ما لا يكفيه للغسل، ويكفيه للوضوء- وجب استعماله في الغسل، وتيمم عن الباقي، واستباح الفرض والنفل بشرطه.
وإن قلنا بأنه لا يجب استعمال ما لا يكفي من الماء، ففي هذه الصورة قال العراقيون: له أن يتوضأ به، ويصلي به النافلة دون الفريضة؛ لأن الوضوء رده إلى ما كان عليه قبل الحدث، وقد قلنا: إنه قبل الحدث يباح له النفل على المذهب دون الفرض.
قال البندنيجي: ويجوز أن يقال: هو بالخيار بين أن يتيمم ويصلي النافلة، وبين أن يتوضأ به ويصلي النافلة.
[وهذا ما حكاه ابن الصباغ وجهاً في المسألة.
وعن القاضي أبي الطيب قال: لا يصح تيممه، لأجل النافلة]؛ لأنه قادر على صحة الوضوء لها.
نعم، يصح تيممه للفريضة؛ لأنه غير قادر على الغسل لها، وهذا ما حكاه في "شرح الفروع".
وقال الإمام: الوجه أن يقال: الوضوء مع الجنابة لا أثر له، ولا يتضمن رفع الحدث الطارئ، ووجوده وعدمه بمثابة واحدة؛ فلا يستبيح النافلة إلا بالتيمم عن الجنابة؛ إذ الوضوء يندرج تحت الغسل في حق من أحدث وأجنب، على المذهب.
стр. 480
وما قاله العراقيون يقتضي إفراد الوضوء بحكمه، مع وجوب الغسل، وفيه بعد، وعلى الجملة: ففي المسألة احتمال.
قال: وإن تيمم- أي: بعد [أن] طلب الماء فلم يجده، وصلى، ثم علم أن في رحله ماءً- أي: يجب [عليه] استعماله- وكان قد وضعه، ونسي، أو حيث يلزمه طلبه- أي: وكان قد علم به ونسيه- أعاد في ظاهر [المذهب] لأنه فات إمعان النظر في الطلب، الذي هو شرط الصحة.
والرحل: منزل الإنسان، سواء [أكان] من شعر ووبر، أو حجر ومدر.
وفي "حيث" ست لغات: ضم الثاء، وفتحها، وكسرها، و"حوث" بالواو كذلك.
والمذهب الذي أشار الشيخ إليه في الأولى: هو نصه في عامة كتبه على وجوب الإعادة، وفي الثانية: هو نصه في "البويطي"؛ فإنه قال فيه: وكذلك البئر يكون إلى جنب المسافر، والبركة [في الموضع] الذي عليه فيه أن يطلبه، ويبلغه قبل تيممه، فإذا تيمم وهو لا يعلم [به]، ثم علم فعليه الإعادة.
ووراءه في كل من الصورتين كلام للأصحاب:
أما الأولى: فلأن أبا ثور قال: إنه سأل أبا عبد الله، فقال: لا إعادة [عليه] واختلف الأصحاب فيه: فأجراه أبو إسحاق على ظاهره، وأثبت في المسألة قولين:
أحدهما: ما سلف.
والثاني: لا إعادة عليه؛ لأن النسيان عذر حائل من استعمال الماء؛ فصح معه التيمم؛ كما لو حال بينه وبين الماء سبع أو غاصب.
وقد زعم بعض الأصحاب أن أبا إسحاق خرج القول الثاني من نصه في القديم على أنه إذا نسي القراءة في الصلاة، أو الترتيب في الوضوء- لا يضره.
وبعضهم يقول: إنه صوب أبا ثور فيما نقله. وقال: [لعل] الشافعي قال ذلك تفريعاً على ما ذكرناه.
وبعضهم يقول: إنه خرجه من نصه في "الأم"، في المسألة الأخرى، كما سنذكره وغير أبي إسحاق قال: المسألة على قول واحد؛ وهو وجوب الإعادة.
стр. 481
وما نقله أبو ثور منهم من لم يثبته عن الشافعي، ويقول: [أراد بأبي] عبد الله مالكاً، [أو أحمد بن حنبل].
وضعف ابن الصباغ هذه الطريقة؛ فإن أبا ثور لم يلق مالكاً] ولم يرو عن أحمد شيئاً، وأيضاً فإن مذهب أحمد: وجوب الإعادة.
ومنهم من أثبته عن الشافعي، لكن اختلفوا في تأويله مع النص الآخر:
فقال ابن أبي هريرة: نصه في عامة كتبه محمول على أن رحله صغير يمكن الإحاطة به. ورواية أبي ثور محمولة على أن رحله كبير لا يمكنه الإحاطة به.
وقال أبو الفياض: نصه في عامة كتبه محمول على ما إذا كان الماء موجوداً في رحله قبل الطلب، ورواية أبي ثور محمولة على ما إذا وضع الماء [في رحله] بعد الطلب.
وطريقة أبي إسحاق هي التي مال إليها ابن الصباغ، وهي المذكورة في "الوجيز"، و [قد] قيل بطردها فيما إذا أدرج الماء في رحله قبل الطلب، وترك هو الطلب؛ لعلمه من قبل بأنه لا ماء فيه، وهو ما حكاه في "التتمة".
وصحح في "الكافي" القول بوجوب الإعادة فيها، وجزم به في الصورة قبلها.
والصحيح في "تلخيص الروياني" وغيره، وهو المذكور في "الإبانة": طريقة القطع بعدم الإعادة؛ لأنه غير منسوب إلى تفريط.
وقال الإمام: إنها الطريقة المرضية، وقد حكاها القاضي أبو الطيب وجهاً في المسألة مع وجه آخر: أنه إن كانت على الماء أمارة وجبت الإعادة؛ وإلا فلا.
وأما الثانية: فلأن الربيع حكى في "الأم"، عن نص الشافعي: أنه إن علم أن بئراً كانت قريبة منه، يقدر على مائها لو كان عالماً بها- فلا إعادة عليه، ولو أعاد كان احتياطاً.
وحكاه البويطي عن رواية الربيع، وقال: إنه أصح القولين؛ فأثبت فيها القولين، لاختلاف النصين، وبها قال بعض الأصحاب.
و [بعضهم] قال: إن كان قد علم بذلك، ثم نسيه، فهو كمسألة الرحل، أي: إذا
стр. 482
وضع الماء فيه، ثم نسيه فيكون فيها طريقان. وإن لم يكن قد علم به، فلا إعادة، قولاً واحداً، وهذه طريقة الفوراني.
ومنه من قال: النصان على حالين: فنصه في "الأم" محمول على ما إذا "لم يعلمها أصلاً، وقد طلب مثله، ونصه في البويطي محمول على ما إذا] قصر في الطلب، مثل أن كان لها علامات قائمة وأعلام ظاهرة فتوانى فيها.
وهذه مع الأولى نقلهما البندنيجي وغيره من العراقيين.
والماوردي [قال]: إن كان قد علم به، ثم نسيه، فهو كمسألة البئر، وإن لم يكن قد علم به، فعن أبي علي بن خيرا،: أن عليه الإعادة.
وعن ابن سريج: أنه لا يعيد.
وقال أبو حامد وأبو الفياض وجمهور أصحابنا البغداديين والبصريين: إن كانت البئر ظاهرة الأعلام بينة الآثار؛ فعليه الإعادة. وإن كانت غير ظاهرة؛ فلا إعادة.
وقد رجع حاصل ما ذكرنا في المسألتين إلى طريقين؛ لأنه إن كان علم بالماء في رحله، أو في الموضع الذي يلزمه طلبه، ثم نسيه- فمن الأصحاب من قطع فيهما بوجوب الإعادة، ومنهم من جعلهما على قولين.
وقال الإمام في المسألة الثانية: وقد يكون للفقيه مزية نظر فيه، إذا كان عهد البئر، [وتقادم العهد]، بحيث لا يكون الناسي في مثل ذلك [الأمد] منسوباً إلى الذهول.
وإن لم يكن قد علم بالماء في المسألتين، ولم يعد مقصراً في طلبه فمن الأصحاب من قطع بعدم الإعادة فيهما، ومنهم من جعلهما على قولين.
فروع:
إذا تاه عن رحله، وله فيه ماء، فلم يجده بعد طلبه- قال البندنيجي وغيره: فهو فاقد للماء؛ فيصح تيممه، ويصلي ولا إعادة [عليه].
стр. 483
ولو ضل رحله في الرحال، قال في "الأم": تيمم وصلى. ولم يذكر الإعادة.
واختلف الأصحاب فيها على وجهين:
أحدهما: أنها تجب؛ كما في الناسي.
والثاني: لا؛ كما في المسألة قبلها.
وهذا ما حكاه الماوردي والفوراني واختاره في "المرشد"، وكذا القاضي الحسين. و [أشار إلى أن] الخلاف يجري فيما لو أضل [ماء بين] رحال نفسه. وبه صرح في "التتمة".
وجزم الفوراني فيها بالإعادة، وهو الأصح في "الكافي".
والغزالي حكى الخلاف فيها [على] قولين.
وقال الإمام وغيره: إنهما مخرجان من القولين فيما إذا طلب القبلة، وصلى، ثم تيقن الخطأ.
وحكوا في المسألة قبلها طريقين:
إحداهما: أنها على القولين.
والثانية: القطع بعدم الإعادة.
والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن مخيم الرفقة أوسع من الرحل، ورحله أضبط للماء من المخيم للرحل، وإذا كان كذلك، كان أبعد عن التقصير هاهنا.
والثاني: أن من ضل الماء في رحله صلى بالتيمم مع الماء، ومن ضل رحله فقد صلى، وليس معه ماء.
وإذا كان الماء يباع، فنسي الثمن، وتيمم، وصلى ثم تذكر-[قال ابن كج: يحتمل أن يكون مثل نسيان الماء في رحله، ويحتمل غيره].
قال الرافعي: والأول أظهر.
قال: وإن تيمم، ثم رأى [الماء] قبل الدخول في الصلاة بطل تيممه؛ لما روى
стр. 484
أبو ذر: أن رسول الله ﷺ قال: " [إِنَّ] الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ المُسْلِمِ، وَلَوْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ المَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرُ". قال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح.
ولأنه قدر على المبدل قبل تلبسه بالمقصود- وهو الصلاة- فوجب الإتيان به، وبطلان البدل؛ كما لو رأى الماء في أثناء التيمم؛ فإن الإجماع على أنه يبطل.
فإن قيل: الفرق بينهما: أن بالفراغ من البدل قبل القدرة على مبدله- تم الأمر؛ فلا ينقض؛ كما إذا رأت المعتدة بالأشهر الدم بعد فراغ الأشهر- لا تنتقل إلى الأقراء، ولا كذلك قبل الفراغ منه؛ ولهذا قال أبو موسى الأشعري، و [أبو سلمة بن] عبد الرحمن بالتفرقة.
قلنا: هذا الفرق إنما يتم إذا قلنا: إن الإجماع بعد الاختلاف لا يؤثر، أما إذا قلنا: إنه مؤثر، فهو ملغًى؛ لأن الإجماع قد انعقد بعد موت أبي سلمة على بطلانه.
وعلى الأول: فالفرق بين ما نحن فيه والعدة: أن مقصودها براءة الرحم؛ بدليل وجوبها وإن لم ترغب في زوج، وقد حصل بالأشهر، والتيمم مقصوده الصلاة؛ بدليل عدم وجوبه على من لم يردها.
تنبيه: الألف واللام في "الماء" للعهد، وهو الماء الذي يقع في نفسه أنه يجب عليه استعماله، ولو على بعد. فلو رأى ماء علم حال رؤيته أنه لا يكفيه لطهارته، وقلنا: لا يجب عليه استعماله- لا يبطل تيممه؛ كما صرح به ابن الصباغ وغيره.
وكذا لو رأى ماء علم حال رؤيته أنه لا يقدر على استعماله؛ لحائل حسي أو شرعي- لا يبطل.
ولو توقع حال رؤيته أنه يكفيه، أو أنه لا مانع من استعماله، ثم ظهر خلافه- بطل.
وقد اعترض بعضهم على عبارة الشيخ، فقال: لو قال: ثم شك [في وجود الماء]- كان أجود؛ ليعم [مع] ما ذكره ما لو رأى سراباً حسبه [ماء، أو
стр. 485
ركباً]، أو رجلاً قدم عليه، أو سمع شخصاً يقول: عندي ماء [ووديعةً] فإنه يبطل تيممه في هذه الصور لأنه تعين عليه عند سماع ذكر الماء طلبه، وهو مبطل للتيمم. ولو انتفى وجوب الطلب مع سماع ذلك، مثل أن قال شخص: عندي وديعة جرة ماء، أو رأى الشخص القادم عارياً [كما قال القاضي الحسين] – لا يبطل [تيممه] لأنه لا يتوجه عليه الطلب.
وجوابه: أن الشيخ اتبع في العبارة الشافعي؛ فإنه قالها في "المختصر".
وما ذكره القاضي من عدم البطلان عند رؤية القادم عارياً، فيه نظر؛ لأنه يجوز أن يدله على ماء؛ فيجب [عليه] طلبه.
وقد رأيت في "تعليقه" فيما إذا قال لفلان: عندي ماء وديعة [لفلان]- أن بطلان تيممه يتخرج عندي على ما إذا قال: لفلان على ألف من ثمن خمر؛ هل يلزمه الألف؟ فإن قلنا: يلزمه، بطل تيممه؛ وإلا فلا.
قال: وإن كان بعد الفراغ منها، أجزأته صلاته، إن كان مسافراً؛ لما روى عطاء ابن يسار عن أبي سعيد الخدري: أن رجلين خرجا في سفر، فعدما الماء، فتيمما صعيداً طيباً، وصليا، ثم وجدا الماء؛ فأعاد أحدهما في الوقت، ولم يعد الآخر، فجاءا [إلى] النبي ﷺ فقال للذي لم يعد: "أَصَبْتَ السُّنَّةَ، وَأَجْزَأَتْكَ صَلاتُكَ"، وقال للآخر: "لَكَ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ".
стр. 486
ولأنه عذر معتاد؛ فلم تجد معه الإعادة كالمرض.
وقد أفهم كلام الشيخ أموراً.
أحدها: أنه لا فرق بين أن يراه في الوقت أو بعده، وهو عندنا كذلك؛ للخبر، [ولما تدل عليه] قصة ابن عمر السالفة.
الثاني: أنه لا فرق بين السفر الطويل والقصير [في ذلك]، وهو المنصوص
стр. 487
عليه في عامة كتبه، وبه جزم البندنيجي؛ لعموم الآية، ولأنه عدم الماء في موضع يعدم مثله في العادة؛ فوجب أن تسقط الإعادة في قصيره كطويله.
وقد حكي عن نصه في "البويطي": أن ذلك يختص بالطويل كما في القصر [والفطر في السفر].
والصحيح: الأول.
[قال أبو إسحاق:] والفرق بين ذلك والقصر والفطر: أنهما جوزا له والتيمم واجب عليه.
وغيره فرق بأنهما جوزا لأجل الحاجة، ولا حاجة إليهما في القصر، والتيمم جوز لأجل الضرورة، والضرورة يستوي فيها طويل السفر وقصيره.
الثالث: أنه لا فرق فيه بين سفر المباح وسفر المعصية، وهو في المباح بلا خلاف وكذا في سفر المعصية، إن قلنا: [إنه] ليس برخصة، وإن قلنا: إنه رخصة، فوجهان، ووجه الفرق ما سلف: أن التيمم واجب في السفر، والمعصية لا تمنع من صحة الواجب، ولا كذلك القصر والفطر.
وفي "الرافعي": أن الحناطي حكى مع هذا الخلاف وجهاً آخر: أنه لا يتمم أصلاً، وقد حكاه العمراني في "الزوائد" عن "الفروع"، وأنه يقال له: تب ثم تيمم، كما يقال له إذا اضطر [إلى أكل] الميتة، تب وكل.
الرابع: أنه لا فرق بين أن يعدم الماء وهو مسافر في بلدة لم ينو المقام فيها، أو في مفازة.
وفي "التتمة" حكاية وجهين في الإجزاء فيما إذا كان تيممه [في بلد] لم ينو المقام فيه:
стр. 488
أحدهما: نعم، كما يجوز القصر والفطر فيه.
والثاني: لا؛ لأن عدم الماء في البلد نادر، وهذا أظهر في "الرافعي".
وقد قيد بعضهم كلام الشيخ بما إذا لم يكن تيممه عن جنابة خرجت بعد استنجائه بالحجر أو عن جماع، وقلنا: إن رطوبة فرج المرأة نجسة، ولم يغسل ذكره- فإنه في هذه الحالة يجب عليه الإعادة.
قلت: ولا حاجة لهذا التقييد؛ لأن الإعادة لأجل النجاسة، [وقد دل عليها كلام الشيخ في باب إزالة النجاسة].
قال: ويلزمه الإعادة إن كان حاضراً لأن عدم الماء في الحضر نادر؛ فلا مشقة في الإعادة، وهذا هو الجديد.
والقديم: أنه لا يلزمه الإعادة، وهو اختيار المزني.
وعدول الشيخ عن قوله: إن كان مقيماً، إلى ما ذكر فيه تنبيه على [أن] من أقام بموضع يعدم فيه الماء، وصلى بالتيمم لا إعادة عليه، وبه صرح ابن الصباغ، حيث قال: إن الاعتبار بالتيمم بالموضع الذي يوجد فيه الماء نادراً أو معتاداً.
ويؤيده حديث أبي هريرة، قال: [يا] رسول الله، "إِنَّا نَكُونُ بِأَرْضِ الرَّمْلِ فَلاَ نَجِدُ المَاءَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ أَوْ خَمْسَةً، فَتُصِيبُنَا الجَنَابَةُ؟ فقال: "عَلَيْكُمْ بِالأَرْضِ".
стр. 489
[وهذه إقامة].
لكن لك أن تقول: هذا يقتضي أنه: إذا كان حاضراً في بلد لم ينو فيها الإقامة، ولا حكمنا عليه بأنه مقيم- أنه يعيد إذا تيمم فيها لعدم الماء، وقد قلتم: إن كلامه يقتضي أنه لا إعادة عليه؛ وحينئذ يكون كلام الشيخ آخراً، يخص كلامه الأول؛ بناء على ما ذكرنا أنه الأظهر، وهذا حسن، والله أعلم.
فرع: إذا تيمم لعدم الماء، وطاق، ثم وجده بعد ذلك، فهل يعيد الطواف؟
فيه وجهان في "البحر"، في كتاب الحج:
أحدهما: نعم؛ لأن الطواف في البلد، فهو كالصلاة.
والثاني: لا؛ لأن الحائض لو انقطع دمها، ولم تجد الماء، فتيممت، ثم طافت، وسافرت- لا يلزمها الدم بلا خلاف. ولو كان يجب عليها إعادة الطواف عند وجود
стр. 490
الماء لكان في وجوب الدم عليها قولان، كما لو نفرت بلا وداع.
وهذا فيه نظر؛ من حيث إن الماء لم تجده وهي في محل الطواف، والإعادة إنما تجب عند القدرة عليه؛ فلا حجة في ذلك.
قال: وإن رأى الماء في أثنائها- أي: وكذا ما في معنى الرؤية- أتمها إن كانت الصلاة مما يسقط فرضها بالتيمم- أي: وهي صلاة السفر- لأنه متيمم دخل في صلاة لا يعيدها لو رأى [الماء] بعد فراغها؛ فوجب ألا تبطل برؤيته في أثنائها؛ كصلاة الجنازة والعيدين.
وقد وافق الخصم- وهو أبو حنيفة والثوري- على عدم بطلانها، وهذا ما نص عليه.
وذهب المزني وابن سريج إلى بطلانها؛ تمسكاً بعموم قوله- ﵇: "فَإِذَا وَجَدَ المَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ".
والقاضي الحسين يقول: إن ابن سريج خرجه من نصه في المستحاضة إذا انقطع دمها في أثناء الصلاة، كما خرج- من نصه هنا إلى ثم- قولاً: أنها لا تبطل.
والصحيح: تقرير النصين، والفرق ما ذكرناه في باب الحيض.
والخبر محمول على ما إذا كان خارج الصلاة؛ لأنه قال: "كافيك .. "، وهذا خطاب له قبل الصلاة.
فعلى هذا، هل يسلم التسليمة الثانية؟
حكى الروياني عن والده: أنه لا يسلم؛ لأنه خرج من الصلاة بالأولى وعندها يبطل التيمم، أو قبلها، كما ستعرفه. ومن طريق الأولى: ألا يصلي النفل بعدها حتى يتوضأ، وبه صرح الأصحاب.
ولا فرق عند العراقيين في ذلك بين أن يكون الماء باقياً، أو تلف بعد سلامه، أو قبله، وعلم [به]؛ لأن التيمم بطل برؤية الماء، وإتمام الصلاة؛ لأجل الحاجة.
وقال المراوزة: إذا علم بتلفه قبل السلام، فله التنفل، وهو ما أبداه ابن الصباغ احتمالاً.
ولو كان قد شرع في نافلة، ثم رأى الماء في أثنائها، فعن ابن سريج [أنها]
стр. 491
تبطل؛ لأن حرمة النفل قاصرة عن حرمة الفرض؛ لأنها لا تلزم بالشروع.
[والمشهور: لا].
وعلى هذا إن كان قد نوى عدداً أتمه على المشهور، وهو الذي أورده العراقيون، والماوردي، وحكاه البندنيجي عن نصه في "الأم".
وفي "النهاية" وجه: أنه يقتصر على ركعتين.
وعن القفال: أنه إذا كان قد نوى ركعتين، فأراد أن يتمهما بعد رؤية الماء أربعاً، جاز.
والمذهب خلافه.
وإن كان قد أطلق النية، فإن قلنا عند نية العدد: إنه يقتصر على ركعتين أو يزيد- فهاهنا أولى؛ وإلا فوجهان:
أحدهما: أنه يقتصر على ركعة.
والثاني: على ركعتين؛ بناء على أن مطلق النذر يحمل على ماذا؟
وبالثاني أجاب الماوردي وابن الصباغ، وهو المحكى عن "الأم".
ووجهه: أن المستحب أن يكون النفل مثنى مثنى.
وعلى هذا، لو كان حين رآه في ثالثة، قال أبو الطيب: عندي: أنه يتم هذه الركعة، ويسلم.
قال الروياني في "تلخيصه": وهو على ما قال.
وفي "الرافعي": أن القاضي الحسين قال: إذا أطلق النية، كان له أن يزيد ما شاء.
وقد أفهم قول الشيخ: "أتمها"، وجوب الإتمام، وهو وجه حكاه القاضي أبو الطيب ومن بعده، موجهاً بأنها صلاة انعقدت فريضة؛ فلا ينصرف عنها كما لو كانت بالوضوء.
قال ابن الصباغ: وهذا القائل تعلق بقول الشافعي في "البويطي": "الذي تيمم، ودخل في الصلاة، ثم طلع عليه الماء- مضى في الصلاة، ولا إعادة عليه".
ويجوز أن يحمل قول الشيخ على الاستحباب، وهو وجه حكاه الماوردي، وكذا
стр. 492
الإمام عن العراقيين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] لكن الذي عليه أكثر الأصحاب، وعليه نص في "الأم" – كما قال أبو الطيب-: أن الأفضل الخروج منها؛ ليصلي بطهر مقطوع به. فإن من العلماء من حرم الاستمرار، وظاهر هذا أنه لا يقلبها نفلاً؛ بل يبطلها. وهو ما حكاه الإمام عن العراقيين، موجهاً له بأنهما لا يختلفان فيما يتعلق بالطهارة.
وهذا مجموع ما حكي عن العراقيين.
والمراوزة قالوا: لا يمتنع عليه الخروج من الصلاة أصلاً.
قال الإمام: اللهم إلا أن يكون في آخر الوقت؛ فإن الذي أراه: أنه لا يجوز كما في غير التيمم.
وحيث يجوز الخروج، قال الشيخ أبو محمد: لا ينبغي أن يخرج من الصلاة؛ فيحبط عمله، ولكن هل يتمها على الفريضة أو يقلبها نفلاً؟ فيه وجهان.
وهذه الطريقة قالها القاضي الحسين في "تعليقه" عن نفسه؛ حيث قال: قال أصحابنا: هل يستحب له الخروج من الصلاة، وأداؤها بالوضوء؟ فيه وجهان. وعندي: يكره له [إبطال] العبادة والخروج عنها، وجهاً واحداً.
وهو ما حكاه الفوراني عن القفال.
وعبارة المتولي: أن القاضي قال: لا يجوز [عندي] إبطال [الصلاة] [بالتيمم]، وجهاً واحداً.
والوجهان في أنه: هل يستحب أن يقلب الصلاة نفلاً ويسلم عن ركعتين، أم لا؟
فمن قال بالأول، قاسه على ما نص عليه الشافعي في الجديد، فيمن أحرم منفرداً، ثم وجد جماعة- أنه يستحب له أن يقلب الفرض نفلاً، ويسلم عن ركعتين، ويقتدي بالإمام.
ومن قال: لا يستحب، فرق بأن صلاته جماعة أفضل من صلاته منفرداً، ولا كذلك الصلاة بالماء؛ فإنها في الفضيلة كالصلاة بالتيمم. أو لأنه لو صلى منفرداً كل
стр. 493
الصلاة، ثم أدرك جماعة- استحب له الإعادة معهم، ولا كذلك لو صلى بالتيمم، ثم وجد الماء: لا يستحب الإعادة بالوضوء.
وإذا جمعت ما ذكرناه، واختصرت، قلت: في المسألة أوجه:
أحدها: أنه يجب إتمامها فرضاً.
والثاني: يستحب.
والثالث: يستحب إبطالها.
والرابع: يستحب قلبها نفلاً، وقد حكاه الغزالي.
والخامس: أنه يجوز إتمامها، وقلبها نفلاً، ولا يجوز إبطالها، والله أعلم.
قال: وتبطل إن لم يسقط فرضها بالتيمم، أي: وهي صلاة الحضر؛ لأنها صلاة لا [يعتد] بها لو تمت؛ فلا حاجة إلى أن نأمره بإتمامها وإعادتها.
[وفي "تعليق القاضي الحسين" وجه آخر: أنها لا تبطل؛ كسائر الصلوات. والصحيح: ما ذكره الشيخ].
قلت: وهو فيما إذا بقي من الوقت ما يمكن إيقاع الصلاة فيه أداء بالطهارة بالماء- ظاهر. أما إذا لم يمكن فيظهر أن يبنى على أن من قدر على الماء، وضاق الوقت عن استعماله: هل يؤخر الصلاة حتى يتوضأ، أو يتمم ويصلي في الوقت ثم يعيد بالوضوء؟ وفيه وجهان في "التهذيب"، المذهب منهما: الأول؛ فإن قلنا [به] لا يتم الصلاة [هنا]؛ وإلا أتمها.
فرع على المذهب: إذا تحرم المسافر [بالصلاة]، ثم نوى الإقامة في أثنائها- فحكمه إذا أتمها كحكم المصلي في الحضر.
ولو رأى الماء قبل نية الإقامة، فقياس المذهب بطلانها، وهو ما نقله أبو الطيب، وكذا الرافعي، يعرفه من تأمل بناءه، وهو في "الشامل" و"النهاية" محكي عن ابن القاص.
стр. 494
وقال الماوردي: إنه طرده فيما إذا نوى الإتمام. ووجهه بأن تيممه صح لركعتين من غير زيادة، وقد لزمه بذلك الأربع؛ فكانت رؤية الماء مبطلة لصلاته.
وفي "النهاية": أن من أصحابنا من قال: لا حكم لرؤيته وهو في حكم المعدوم، وهذا ما حكاه الماوردي عن سائر الأصحاب.
فرع آخر: إذا رأى المتيمم الماء في أثناء الطواف، قال الفوراني: إن قلنا: لا يجوز تفريقه، فحكمه حكم الصلاة. وإن قلنا: يجوز تفريقه توضأ، ثم بنى، وقلما يتصور هذا؛ لأن الطواف في الحضر، وقلما يفقد الماء في الحضر.
قال: وإن خاف من استعمال الماء التلف لمرض، تيمم وصلى؛ للآية، وليس عدم الماء شرطاً في ذلك؛ كما صار إليه الحسن البصري وعطاء؛ لاعتقاده أن الآية تقتضيه.
ووجه ما [ذكره الشيخ] قد سلف، ويؤيده ما رواه الشافعي بسنده عن أبي أمامة ابن سهل بن حنيف أنه- ﵇ بعث رجلاً في سرية، فأصابه كلم، فأصابته جنابة، فصلى ولم يغتسل، وخاف على نفسه؛ فعاب عليه أصحابه ذلك، فلما قدم النبي ﷺ ذكر ذلك له؛ فأرسل إليه، فجاء فأنزل الله- تعالى-: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء: ٢٩].
قال: ولا إعادة عليه؛ لأن المرض عذر عام، يشق معه الإعادة؛ فلم تجب؛ لقوله
стр. 495
تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
قال أبو الطيب: وهذا مما لا خلاف فيه بين الفقهاء، ولا فرق بين أن يكون ذلك في السفر أو الحضر، ولا بين خوف تلف المهجة أو تلف عضو، ثم الخوف الذي ذكرناه يكفي فيه [ظن] المتيمم إن كان عارفاً بالطب؛ وإلا فيرجع فيه إلى قول طبيب [حاذق] بالغ مسلم عدل.
وعن أبي عاصم العبادي رواية وجهين في اشتراط العدل، والمذكور في "تعليق القاضي الحسين" و"التتمة": الأول، وجزما القول بأنه [لا] يقبل في ذلك قول الكافر.
وفي "الرافعي" في كتاب الوصية، عند الكلام في المرض المخوف، عن أبي سليمان الخطابي وجه: أنه يجوز أن يعتمد على قوله.
وعلى الأول، هل يجوز أن يعتمد [فيه] على قول الفاسق؟ فيه وجهان في "التتمة"، أجراهما القاضي الحسين في قبول قول المرأة والعبد في ذلك.
ووجه المنع: أنهما لا يقبل قولهما في الشهادة؛ وعلى هذا لا يقبل قول الصبي المراهق؛ لأنه ليس من أهل الشهادة.
وعلى مقابله، هل يقبل قوله؟ فيه وجهان، بناهما المتولي على القولين في قبول دلالته على القبلة.
قال: وإن خاف الزيادة في المرض أي: مثل أن كان به نوع من المرض، ويحصل [له] باستعمال الماء نوع آخر منه، أو كان به نوع منه، ويزداد باستعمال الماء ففيه قولان:
أصحهما: أنه يتيمم ويصلي، ولا إعادة عليه؛ لعموم الآية.
ولأنه يخاف من استعمال الماء ضرراً؛ فأشبه ما إذا خاف التلف.
ولأن هذا القدر من الضرر أشق من طلب الماء من فرسخ، وقبوله بزيادة يسيرة على ثمن مثله.
следующие страницы →