Полный текст (9 685 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
يقول: يجب على الصبي والمتنفل. والله أعلم.
قال: ولا يجوز التيمم إلا بتراب.
أما جوازه بالتراب؛ فهو إجماع، وأما عدم جوازه بما عداه: كالزرنيخ، والنورة، والكحل، وما سحق من الأحجار، أو نشر من الأخشاب- وإن شابه التراب- فدليله: أن الله- تعالى- أوجب التيمم بالصعيد، وهو- كما قال بعض أهل اللغة- يقع على التراب، وعلى وجه الأرض، وعلى الطريق؛ فهو مجمل بينه النبي ﷺ بقوله: "جُعِلَتِ الأَرْضُ لِي مَسْجِداً، وَجُعِلَ تُرَابُهَا لِي طَهُوراً". هكذا حكاه [ابن التلمساني] عن رواية مسلم؛ والمشهور: "وَجُعِلَتْ تُرْبِتُهَا لَنَا طَهُوراً؛ إِذَا لَمْ نَجِدِ المَاءَ".
وقوله: "التُّرَابُ كَافِيكَ، وَإِنْ لَمْ تَجِدِ المَاءَ عَشْرَ حِجَجٍ".
ولا يقال: هذا لا حجة فيه؛ لأنه مفهوم لقب؛ لأنا نقول: قد قال بعض أصحابنا: إنه حجة.
стр. 422
وعلى الآخر نقول: التيمم على خلاف الدليل؛ فلا نعدل فيه عما ورد.
أو نقول: لما انتقل النبي- ﵇ من اسم الأرض إلى التراب، دل على التفرقة بينهما؛ إذ الانتقال من الأعم إلى الأخص لا يكون إلا لذلك.
وقد روى عن ابن عباس، أنه قال: "الصعيد هو تراب الحرث". وعن ابن مسعود، وعلي: "أنه التراب الذي يغبر".
وقال الشافعي: "إنه كل تراب ذي غبار" وقوله حجة في اللغة.
قال ابن الصباغ: ويشهد له قول المفسرين، في قوله- تعالى-: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾ [الكهف: ٤٠]: إنه التراب الأملس، وفي قوله- تعالى-: ﴿صَعِيداً جُرُزاً﴾ [الكهف: ٨]: إنه التراب الذي لا ينبت.
ولأن الطهارة تتنوع نوعين: جامد، ومائع، ثم ثبت أنها في المائع تختص بأعم المائعات وجوداً، وهو الماء؛ فكذلك في الجامد، يجب أن تختص بأعم الجامدات وجوداً، وهو التراب، وما ذكره الشيخ هو المشهور في المذهب.
وقد أغرب الحناطي، فحكى في جواز التيمم بالذريرة، والنورة، والزرنيخ- قولين، وكذا في الأحجار المدقوقة، والقوارير المسحوقة، وأشباهها.
وقد اندرج في لفظ التراب [التراب] الأحمر، والأصفر: وهو الطين الإرمني، والتراب الأسود، قال الإمام: وهو ما يستعمل في الدواء- والتراب الأبيض: وهو المأكول منه، والتراب الأعفر: وهو الذي بياضه ليس بخالص، والسبخ: وهو التراب
стр. 423
المالح الذي لا ينبت لا الذي يعلوه الملح، والمدر: وهو التراب الذي يصيبه المطر؛ فيجف، والبطحاء: وهو التراب الذي في مجرى الماء إذا جف واستحجر، والطين المختوم: إذا دق ذلك وصار له غبار.
وحيث نص الشافعي على أنه لا يجوز بالبطحاء؛ فمراده- باتفاق الأصحاب- إذا لم يكن له غبار.
وكما أدرج في لفظ "التراب" ما ذكرناه، يخرج ما سحق من الخزف والآجر، وإن صار له غبار؛ لأنه بالطبخ استجد له اسماً آخر، وخرج عن أن يكون تراباً، كذا نص عليه الشافعي.
وكذا الطين الإرمني، يخرج- أيضاً- إذا أحرج ظاهره وباطنه، ودق.
نعم، لو أحرق ظاهره فقط؛ ففي جواز التيمم به وجهان جاريان في الطين الخراساني، وهو المأكول، إذا دق:
أحدهما: لا؛ لأن كل واحد منهما أصابته النار؛ فأشبه إذا صار خزفاً.
والثاني: يجوز؛ لأن ذلك الإحراق لا يخرجه عن اسم الطين، [قاله أبو الطيب. والشيخ في "المهذب" أجرى الوجهين في الطين] المحروق مطلقاً.
واختار الإمام: القطع بالجواز، وغلط مقابله.
وتراب الأرضة إن أخرجته من خشب لا يجوز التيمم به، وإن أخرجته من مدر يجوز [به] إذا دق، لأن لعابها طاهر، قاله القاضي الحسين.
قال: "طاهر"؛ لقوله تعالى: ﴿طَيِّبًا﴾ وأراد: طاهراً؛ لأن الطيب يطلق على ما تستطيبه النفس، وعلى الحلال، وعلى الطاهر. والأولان لا يحسن وصف التراب بهما؛ فتعين الثالث.
وقوله- ﵇: "وَتُرَابُهَا طَهُوراً" مصرح باعتبار الطهارة، ولا يجوز بالتراب النجس.
والحكم في تراب المقبرة كالحكم في الصلاة عليها، وستعرفه.
والقولان فيما إذا كن الغالب [نبشها يجريان] فيما لو كان على كلب تراب،
стр. 424
وشك في أنه لاقاه وهو مبلول، أو عرقان، أو يابس، وفي حال تيقن أنه أصابه وهو مبلول، لا يجوز، وفي حال تيقن أنه أصابه وهو جاف، يجوز.
[تنبيه]: قيد الطهارة يشعر بأمور:
أحدها: أن التراب لا يؤثر عنده في منع التيمم به الاستعمال؛ إذ لو كان يؤثر لأبدل لفظ "الطاهر" بـ"المطلق" حتى يخرج المستعمل أيضاً.
وللأصحاب في ذلك وجهان:
أصحهما في "الحاوي": أنه لا يؤثر، بخلافه في الماء؛ لأنه يرفع الحدث؛ فصار مستعملاً برفعه؛ بخلاف التراب. وهذا منه إشارة إلى أن [علة] الاستعمال في الماء انتقال المانع إليه لا تأدي العبادة.
والأصح في غيره: مقابله، وهو المنصوص عليه، كما قاله القاضي الحسين.
والمذهب في "النهاية" والمجزوم به في "التتمة"، و"تعليق" القاضي أبي الطيب، وكذا في "المهذب"؛ لأنه قال: لا يجوز التيمم بما استعمل في العضو، فأما ما تناثر من أعضاء المتيمم، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ كما لا يجوز الوضوء بما يسقط من أعضاء المتوضئ.
والثاني: يجوز لأن المستعمل ما بقي على العضو، وما يتناثر غير مستعمل فجاز التيمم به، ويخالف الماء؛ لأنه لا يدفع بعضه بعضاً، والتراب يدفع بعضه بعضاً؛ فدفع ما أدى به الفرض في العضو ما تناثر منه؛ فرجع حاصل قوله إلى أن المستعمل في العضو، مستعمل. [وما يتناثر عنه]: هل هو مستعمل، أم لا؟ فيه وجهان:
فإن قلنا: إنه مستعمل، لا يجوز التيمم به؛ وإلا جاز. وكذا صرح به غيره.
وصرح البندنيجي وابن الصباغ بأن المنصوص عليه: أن المستعمل ما تساقط عن العضو، وهو ما ذكره القاضي الحسين والفوراني والإمام والمتولي. وما بقى على العضو بذلك أولى.
ولا جرم، قال في "الكافي": المستعمل [ما] أخذ من وجه المتيمم، أو يديه، أو
стр. 425
أخذ مما يتناثر عنه حال الاستعمال.
ولا خلاف في أنه يجوز لجماعة: التيمم من مكان واحد يضربون عليه؛ كما يجوز أن يتوضئوا من إناء واحد.
الأمر الثاني: أن التراب الممزوج بماء الورد، والخل، ونحوهما، إذا جف؛ يجوز التيمم به، ولا خلاف فيه.
الأمر الثالث: أنه يجوز بالتراب المغصوب، وهو كذلك إذا قلنا: إنه عزيمة، أما إذا قلنا: إنه رخصة؛ ففيه وجهان.
قال: له غبار يعلق بالوجه واليدين؛ لقوله- ﵇: "التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةُ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَهُ لليَدَيْنِ" مع تقديم قوله- تعالى-: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ
стр. 426
مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] فإنه يقتضي ذلك. إذ ما لا غبار له لا يتصور مع الضرب عليه مسح الوجه واليدين بشيء منه، وتفسير [عَلِيّ و] ابن مسعود والشافعي الصعيد يدل عليه.
وقد أخرج هذا القيد التراب الندي والمعجون، وعليه نص في "المختصر".
قال: فإن خالطه جص، أو رمل، لم يجز التيمم به؛ لأنه ربما حصل منه شيء على العضو، فمنع وصول التراب إليه؛ ومن هنا يؤخذ أن التيمم بالجص والرمل مفرداً لا يجوز، وهو المشهور في الجص، لكن في "الحاوي": أنه يجوز به إذا لم يحرق، وكذا بالإسفيداج، إذا كان لهما غبار، إلا أن يكون ذلك معدناً في الأرض، وليس منها؛ فلا يجوز التيمم به.
وأما في الرمل، فهو نصه في الجديد، و"الأم".
وعن القديم، "والإملاء": أنه يجوز؛ فحصل فيه قولان. وبهذه الطريقة قال ابن القاص.
وقال أبو إسحاق: [ليست المسألة على قولين؛ وإنما هي على حالين: فحيث قال: لا يجوز]، أراد: إذا لم يكن في الرمل تراب.
وحيث قال: يجوز، أراد: إذا كان فيه تراب يعلق باليدين. وهذه الطريقة صححها أبو الطيب، وجماهير الأصحاب، كما قال الإمام، وغلط في "الحاوي" من قال بالأولى، وقال: إن الرمل على ضربين: ضرب منه يكون له غبار يعلق بالوجه؛ فالتيمم به جائز؛ لأنه من جنس التراب، وطبقات الأرض. وضرب منه لا غبار له؛ فلا يجوز التيمم به؛ لعدم غباره الذي يقع التيمم به، لا بخروجه عن جنس التراب.
وهذه الطريقة حكاها هكذا القاضي الحسين، والفوراني، والمتولي، واختارها في "الكافي"، والرافعي، وعليها الجواز بالمختلط به من التراب أولى، فحصل فيما قاله الشيخ طريقان.
стр. 427
وطريقة الشيخ تقتضي أنه لو خالط التراب دقيق، أو سويق، ونحوه، لا يجوز التيمم به من طريق الأولى، لأن علوقه باليد أسرع من علوق الجص والرمل بها، وهذا ما جزم به أبو الطيب، ولم يفصل بين أن يكون [التراب] غالباً أو مغلوباً، وهو المنصوص، كما ذكر البندنيجي وابن الصباغ، وينسب إلى ابن أبي هريرة.
وقال أبو إسحاق وغيره من أصحابنا: إن كان التراب غالباً جاز؛ كما لو كان الماء غالباً.
قال البندنيجي: وليس بشيء.
والغلبة تعتبر بالطهر؛ كما قال الإمام.
وقال الروياني في "تلخيصه": المعتبر في المنع أن يكثر المخالط، أو يغلب طعمه، أو لونه، أو ريحه.
قال: وإذا أراد التيمم، فإنه يسمي الله- تعالى- كما في الوضوء ويضرب يديه على التراب؛ لقوله- ﵇ لعمار، وقد تمعك في التراب، وصلى، حين أجنب: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الأَرْضَ" وهذا ما حكاه المزني، عن
стр. 428
نص الشافعي، في موضع.
وقال في آخر: إنه يضع يديه على التراب.
ونصه الأول محمول على ما إذا كان التراب حرشاً، لا يعلق منه شيءُ بالكف بدون الضرب، [والثاني محمول على ما إذا كان ناعماً، فعلق باليد بدون الضرب]، وهذا مما لا خلاف فيه؛ فليحمل كلام الشيخ على ما حمل عليه كلام الشافعي.
تنبيه: قول الشيخ: [ويضرب يديه على التراب] يعرفك أنه لا فرق فيه بين أن يكون التراب على أرض، أو نابت فيها، أو ثوب، أو حيوان- طاهراً كان الحيوان أو نجساً- إذا كان التراب محكوماً بطهارته، وبه صرح غيره، حتى قالوا: لو كان التراب على عضو من أعضاء بدنه، غير أعضاء التيمم جاز الضرب عليه، وأخذه منه، واستعماله في التيمم.
نعم، لو كان التراب على وجهه، لا يجوز أن يضرب يديه عليه، ويمسح به الوجه، كما أطلقه القاضي الحسين.
وقال الإمام: إن شيخه قال: لا فرق في عدم إجزائه بين أن يردده على الوجه، أو ينقله إلى يديه ثم ينقله إلى الوجه.
وقال الفوراني: إذا [نقله] إلى اليد، ثم مسح به الوجه؛ ففي إجزائه وجهان. وهو الوجه؛ فإن التراب إذا علق باليد، فقد انقطع عنه حكم الوجه؛ فهو الآن تراب على اليد، وفي جواز نقل التراب الذي على اليد إلى الوجه وجهان جاريان في نقل التراب من على الوجه إلى اليدين.
ويتصور ذلك- كما قال القاضي الحسين- بأن يمسح وجهه بتراب ثم يمسحه بخرقة، ثم تلقي عليه الريح تراباً، فينقله من عليه إلى اليدين.
والمجزوم به في "الكافي"- وهو الأصح-: الجواز.
وعلى هذا لو كان التراب على إحدى يديه، فضرب عليها؛ ليمسح به الأخرى: هل يجوز؟ فيه وجهان:
أحدهما: [لا] لأن اليدين كالعضو الواحد؛ فيشبه ما لو كان على أسفل الوجه،
стр. 429
فضرب عليه؛ ليمسح به أعلاه.
فرع: لو كان التراب على بشرة امرأة أجنبية، فهل يجزئ الضرب عليه؟ قال القاضي الحسين: إذا كان التراب كثيراً، يمنع من التقاء البشرتين أجزأ، وإلا فلا؛ لأن الحدث بعد الضرب يبطل حكم الأخذ، وهو مقارن له- هاهنا- فهو بمنعه أولى.
وقال في "التتمة": إن أخذه للوجه، صح، وإذا أخذه لليدين، بطل مسحه على الوجه بالتقاء البشرتين؛ وهذا قاله بناء على أن الحدث بعد الضرب لا يبطل حكم الأخذ، والله أعلم.
قال: ويفرق أصابعه؛ لأن تفريقها أبلغ في إثارة الغبار من التراب الحرش وهو محل الضرب، كما ذكرنا.
وظاهر ما ذكره الشيخ هو ما نقله المزني، وبه أخذ طائفة، منهم: أبو الطيب، والماوردي، والبندنيجي.
والتفريق في الضربة الثانية أولى، وهو متفق على وجوبه فيها.
وذهب طائفة إلى تخطئة المزني فيما [نقله، وقالوا: التفريق إنما يكون في الثانية فقط، وعلى هذا] جرى الفوراني، والقاضي الحسين.
وقال ابن يونس، ومن تبعه: إن هذا هو الصحيح، وتأول كلام الشيخ على التفريق في المرة الثانية.
стр. 430
قلت: إن كان الشيخ ممن يرى تخطئة المزني في ذلك؛ فتأويل كلامه على التفرقة عند مسح الوجه بالضربة أولى؛ لأن كلامه يرشد إليه؛ إذ لو كان مراده: أن التفرقة تكون حال الضرب، لقال: ويفرق أصابعه ويضرب، فلما أن قال: "يضرب ويفرق أصابعه" دل على ما ذكرناه، وإن كانت الواو لا تقتضي الترتيب؛ لأن التفريق عند مسح الوجه أبلغ، خصوصاً فيمن له لحية، لكن الغالب أنه إنما يروي ما حكيناه عن شيخه أبي الطيب، وهو الأصح في "الرافعي".
والقائلون بخلافه اختلفوا في جواز التفريق في الضربة الأولى:
فذهب الأقلون ومنهم القفال إلى منعه، وأنه لا يصح تيممه إذا فعله؛ لأن الغبار الحاصل بسببه من الأصابع يمنع الغبار الواجب إيصاله بالضربة الثانية، ولا يمكن الاكتفاء بالأول؛ فإنه في حكم غبار حصل على المحل قبل فرض النقل إليه، وهو لا يجوز، كما سنذكره.
وذهب الأكثرون منهم إلى جوازه؛ لأنه إذا مسح الوجه، لم يبق على اليد كثير غبار؛ فلا يمنع من إيصال الغبار الثاني إليه.
نعم، إن بقي ما يمنع؛ وجب إزالته قبل الضربة الثانية.
والقول بالجواز وعدم الاستحباب هو الراجح عند الإمام، وقال: إن القائل بخلافه مجاوز للحد، وليس بالمرضي اتباع [شعب الفكر] ودقائق النظر في الرخص، وقد تحقق من فعل الشارع ما يشعر بالتسامح فيها، ولم يوجب أحد من أئمتنا على الذي يهم بالتيمم أن ينفض التراب عن وجهه ويديه، ثم يبتدئ بنقل التراب إليهما، مع العلم بأن المسافر في تقلباته لا يخلو عن غبار يرهقه، ولو صح ما ذكره هذا القائل، لوجب ذلك؛ ولأجل ذلك قال الغزالي: إن ما ذكره القفال بعيد؛ فإنه [تضييق للرخصة].
واعترض عليه بأنه إنما يكون تضييقاً إذا نشأ من أمر يتعذر الاحتراز منه.
وقد تلخص مما ذكرناه أن التفرقة في الضربة الثانية لابد منها، وهل تستحب في
стр. 431
الضربة الأولى، أو لا تجوز، أو فعلها وتركها على السواء؟ فيه ثلاثة أوجه. والله أعلم.
قال: وينوى؛ لما ذكرناه من الآية والخبر في الوضوء، ولأنه عبادة محضة طريقها الفعل؛ فافتقرت إلى النية؛ كالصلاة والزكاة.
واحترزنا بقولنا: "محضة" عن العدة، وبقولنا: "طريقها الفعل" عن إزالة النجاسةن ورد المغصوب؛ فإن طريقهما الترك، وما طريقه الترك: الغالب عدم اشتراط النية فيه.
قال: استباحة الصلاة؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما يبيح الصلاة؛ فتعين أن ينوي ذلك.
والدال على أنه لا يرفع الحدث رواية أبي داود عن عمرو بن العاص، قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك؛ فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: "يَا عَمْرُو، صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبُ؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء: ٢٩] فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئاً.
стр. 432
ولأنه لو رفعه، لما عاد برؤية الماء.
وقد قيل: إن نية الاستباحة على هذا لا تتعين؛ بل يجوز أن ينوي رفع الحدث، ويستبيح الصلاة؛ [لأن المعنى المقصود برفع الحدث إنما هو استباحة الصلاة]، والتيمم يبيح الصلاة، وإن لم يرفع الحدث. وهذا ما صححه ابن التلمساني.
والمذكور في أكثر كتب العراقيين: أن نية رفع الحدث لا تجزئ؛ وكذا نية الطهارة عن الحدث، ولم يحك في "الوسيط" غيره.
نعم، حكى عن ابن سريج: أنه يرفع الحدث في حق فريضة واحدة، وجعله ابن خيران قولاً للشافعي. وغلط فيه؛ لأن الحدث لا يتبعض.
وقد حكى الماوردي عن رواية بعض الأصحاب، عن المزني: أنه يرفع الحدث، ولم يخصه بفريضة واحدة.
قيل: هو غلط.
قلت: ويشبه أن يكون وجهه أنه لو كان يرفع الحدث، لما عاد برؤية الماء قبل الشروع في الصلاة، كما صار إليه أبو سلمة بن عبد الرحمن، وقد وافق المزني على عوده بذلك.
ولأنه لو كان يرفع الحدث، لما بطلت الصلاة برؤية الماء في أثنائها، وهو يرى بطلانها، وبمثل هذا يبطل مذهب ابن سريج؛ لأنه وافقه في البطلان، كما ستعرفه، والله أعلم.
وفي "النهاية"، في باب المسح على الخفين: أن القول بأن التيمم لا يرفع الحدث إذا لم يكن معه غسل، فإن كان التيمم مع الغسل، فهو بمثابة المسح على الخف مع غسل سائر أعضاء الوضوء.
стр. 433
فإذا قلنا: إن التيمم يرفع الحدث كيف كان، أجزأت نية رفع الحدث فيه بلا خلاف.
وله فائدة أخرى سلفت.
والرافعي جعل الخلاف في إجزاء نية رفع الحدث مبنياً على أنه يرفع الحدث أم لا.
والخلاف جارٍ فيما لو نوى [الجنب] بتيممه رفع الجنابة.
واعلم أن الشيخ [ذكر] من وصف النية [ما] لابد منه في كل تيمم، فرضاً كان أو نفلاً، وهو الاستباحة، وسكت عما عداه؛ لأن كلامه في مطلق التيمم، وما ذكره كافٍ فيه؛ فإنه يصح، ويستبيح به النفل، كما لو نوى استباحة صلاة النفل؛ حملاً للمطلق على أقل درجاته.
نعم، هل يستبيح عند الاقتصار على نية الاستباحة الفرض [أيضاً؟ الحكم فيه كما لو نوى استباحة صلاة النفل، هل يستبيح الفرض؟] وفيه قولان:
الجديد منهما- وهو الأصح-: لأن وهو ما حكاه البغداديون من أصحابنا: كالشيخ أبي حامد، وأبي الطيب، وكذا الماوردي، وصاحب "الكافي".
والقديم: نعم، وحكاه في "المهذب" عن رواية أبي حاتم القزويني، عن أبي يعقوب الأبيوردي عن "الإملاء".
стр. 434
فعلى هذا لا يحتاج المتيمم مع التعرض لاستباحة الصلاة إلى آخر، ويصلى الفرض والنفل.
وعلى الأول لابد لمن أراد فعل فريضة من التعرض إلى استباحة صلاة الفرض، وهل يشترط تعيين الفريضة: كالظهر والعصر ونحوهما أم لا؟ فيه وجهان:
اختيار أبي إسحاق، وابن أبي هريرة، والصيمري، والشيخ أبي علي: نعم؛ لأنه لما تعين التعرض للفرض، وجب التعرض للفريضة نفسها؛ كما في الصلاة.
والذي دل عليه نصه في "الأم"، والبويطي: لا؛ لأنها طهارة عن حدث؛ فلم تفتقر إلى تعيين الفريضة؛ كالوضوء.
وهذا ما قطع به المراوزة؛ كما قال الإمام، وهو الأصح عند الأكثرين؛ وعلى هذا: لو نوى استباحة صلاة الظهر جاز أن يصلي بها غيرها، وعلى الأول: لا.
فإن قلت: هل يمكن تنزل كلام الشيخ على هذا؟
قلت: نعم، بأن يضمر بعد قوله: "وينوي استباحة الصلاة": أي التي يقصد فعها، والله أعلم.
وقد اختار الإمام فيما إذا نوى استباحة الصلاة، وأطلق، أنه بمنزلة ما لو نوى استباحة الفرض والنفل، [وأن الوجه القطع به فإن الصلاة اسم للجنس يتناول الفرض والنفل] والجمع بينهما في نية التيمم ممكن.
وخالف هذا ما لو نوى المصلي الصلاة حيث نزلنا على النفل فقط؛ لأن الجمع بين الفرض والنفل لا يمكن فيها، مع عدم إمكان استيعاب كل المفروضات، [ووجوب تعيين كل فريضة، وحكى] عن شيخه [أن: نيته] محمولة على النفل فقط.
وجزم [الغزالي] في "الوجيز" بما اختاره الإمام، وجعله في "الوسيط" المذهب، واستبعد مقابله، وهو المحكي عن القفال أيضاً.
وبنى القاضي الحسين الخلاف في ذلك على أن التيمم للنفل من غير تعرض للفرض، هل يستباح به الفرض؟
стр. 435
فإن قلنا: نعم؛ فهنا أولى. وإلا فجوابان بناء على [أن] مطلق نذر الصلاة يحمل على أقل واجبها، أو أقل جائزها؟
فإن حملناها على أقل الواجب، استباح بنية استباحة الصلاة الفرض؛ وإلا فلا.
وهذا البناء يقتضي أن يكون الصحيح: استباحة صلاة الفرض به؛ لأن الصحيح: أن مطلق نذر الصلاة منزل على أقل الواجب الشرعي، وهذا كله تفريع على ظاهر المذهب في أنه لا يشترط تعيين الفريضة.
فرع: قال الإمام: لو نوى أداء فرض التيمم أو فريضة التيمم، هل يكفيه؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كما في الوضوء.
قال الروياني في "تلخيصه": وعلى هذا يكون كما لو تيمم للنفل.
وأصحهما في "الرافعي": لا.
والفرق: أن الوضوء قربة مقصودة في نفسها؛ إذ يستحب تجديده، والتيمم لا يعنى إلا لغيره؛ ولهذا لا يستحب تجديده.
قال بعضهم: والوجهان جاريان فيما لو نوى الطهارة الواجبة.
ولو اقتصر على نية التيمم، لم يجزئه، قاله الماوردي.
تنبيه: كلام الشيخ يقتضي أمرين:
أحدهما: أنه لا فرق في نية استباحة الصلاة بين أن يكون الناوي محدثاً الحدث الأصغر أو الأكبر، وبه صرح غيره، وقالوا: لا فرق بين أن يكون ذاكراً ما عليه من الحدث، أو ناسياً له؛ بل لو تيمم وهو يعتقد أنه جنب، فكان محدثاً، أو بالعكس أجزأه؛ لأنه [لو] ذكر لم يزد على ما نواه.
والثاني: قوله: "وينوي استباحة الصلاة" بعد قوله: "ويضرب بيديه على التراب"- ظاهره يقتضي أنه لا يشترط مقارنة النية للضرب على التراب، أو ما في معناه؛ لأن الواو كما تستعمل في المعية، تستعمل في الترتيب وعكسه على السواء، وظاهر اللفظ الترتيب.
وما اقتضاه كلام الشيخ، به صرح في "المرشد" حيث قال: ومحل النية عند أول
стр. 436
جزء من الوجه.
لكن المذكور في "الرافعي": أن تقديم النية على الضرب، كتقديمها في الوضوء على غسل الوجه، ولا يجوز تأخيرها عن الضرب، بل الواجب اقترانها [به] لأنه أول واجب فيه، فكانت مقارنتها مشترطة به؛ كما في الوضوء.
ومن فوائده: ما ذكره القاضي في "الفتاوى": أنه لو أحدث بعد الضرب، لا يجوز أن يتمم بما حصل من التراب بالضرب؛ لأن النقل ركن من أركانه؛ وكذلك لو أخذ التراب- أي: بكفه- قبل دخول الوقت، وتيمم به بعده- لا يجزئه؛ لأنه أوقع جزءاً منه قبل الوقت.
نعم، لو عزبت نيته قبل إيصال التراب إلى شيء من الوجه، هل يؤثر؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ كما لو قارنت في الوضوء جزءاً من الوجه وعزبت.
وأظهرهما- وهو المذكور في "التهذيب"، و"الكافي" وآخر ما أجاب به القاضي-: نعم؛ لأن النقل وإن كان واجباً، إلا أنه ليس بركن مقصود في نفسه، بخلاف غسل الوجه.
وهذا كله فيما لو تيمم بنفسه، فلو يممه غيره بإذنه بحيث يجوز، قال القاضي: فينوي الضرب- أيضاً- إلا أنه لو أحدث بعد الضرب وقبل المسح، لا يضر، بخلاف ما لو أخذ التراب بنفسه، ثم أحدث؛ لأن هناك وجد القصد الحقيقي منه، والحدث منه؛ فبطل به، وهاهنا لم يوجد منه القصد حقيقة، بل أمره أقيم مقامه [حكماً] فصار هذا كالمعضوب إذا استأجر من يحج عنه، وأحرم الأجير، وجامع هو- لا يفسد حجه، وإن كان الحج واقعاً عنه.
قال: ويمسح وجهه- أي: كله- بالتراب الذي على يديه؛ لقوله- تعالى-: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] وقوله- ﵇: "التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةُ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةُ للذِّرَاعَيْنِ إِلَى المَرْفَقَيْنِ" كذا حكي عن رواية ابن عمر.
ورواية جابر: "التَّيَمم ضَرْبَةُ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةُ للذِّرَاعَيْنِ إِلَى المَرْفَقَيْنِ".
стр. 437
قال الماوردي: في كيفية مسحه وجهان:
أحدهما: من أعلاه إلى أسفله؛ كما في الوضوء، وهو الذي ذكره الرافعي.
والثاني: أنه يبدأ بأسفل وجهه، ثم يستعلي، وفارق الوضوء؛ لأن الماء إذا استعلى انحدر بطبعه؛ فعم جميع وجهه، والتراب لا يجري على الوجه إلا بإمراره باليد، فيبدأ بأسفل وجهه؛ ليقل ما يحصل في أعلاه من الغبار؛ فيكون أجمل وأسلم لعينيه.
والوجهان في الاستحباب.
وظاهر كلام الشيخ أنه لا يشرع نفخ اليدين بعد الضرب وقبل المسح للوجه بهما، وهو المحكى عن الجديد.
وحكى الزعفراني، عن الشافعي، أنه قال في القديم: إنه يستحب؛ لأن عماراً روى ذلك عنه، ﵇.
واختلف الأصحاب في المسألة على طريقين:
أحدهما: أنها على قولين:
والثاني- وعليه الجمهور-: أن نصه في "الجديد" محمول على ما إذا كان ما علق بيديه قليلاً، إذا نفخه لم يبق منه شيء يستعمل، ونصه في "القديم" محمول على ما إذا كان كثيراً، بل قال أبو الطيب: إن الشافعي نص في "القديم" و"الأم" على أن التراب إذا كان كثيراً خففه.
قال: ثم يضرب ضربة أخرى؛ للخبر.
والتفرقة فيها بين الأصابع مشروعة بلا خلاف، [بل] قال جمع من الأصحاب: إنه لو لم يفرق فيها لم يصح، وهو ما حكاه القاضي الحسين والمتولي، ولعل ذلك فيما إذا لم يوصل التراب إلى ما بينهما بالمسح، وبه صرح الرافعي.
قال: فيضع بطون أصابع يده اليسرى- أي: سوى الإبهام- على ظهور أصابع يده اليمنى- أي: غير الإبهام- ويكون ذلك بحيث لا تجاوز أطراف أنامل يده اليمنى المسبحة من يده اليسرى، ولا تجاوز المسبحة من يده اليمنى أطراف أنامل يده اليسرى، ويمرها على ظهر الكف، فإذا بلغ الكوع- أي: وهو العظم الناتئ الذي يلي الإبهام، والكرسوع هو العظم الناتئ الذي يلي المختصر- أمر إبهام يده
стр. 438
اليسرى، على إبهام يده اليمنى؛ لأنا مأمورون بتقليل التراب ندباً؛ كما دل ليه خبر [عمار] الذي سنذكره، [و] باستيعاب اليدين مع المرفقين بالتراب وجوباً، وهذه الهيئة محصلة للمقصودين، وليس فيها نص من جهة الشارع.
وقال الرافعي: وقد زعم بعض الأصحاب أنها منقولة عن فعل رسول الله ﷺ وهذه الهيئة لم يحك القاضي الحسين عن الشافعي غيرها.
وحكى غيره عنه هيئة أخرى، ونسبها إلى "الأم": أنه يضع ظهر أصابع يده اليمنى على باطن أصابع يده اليسرى، ويمره على ظاهر أصابع يده اليمنى، حتى ينتهي إلى الكوع، ويمر باطن إبهام يده اليسرى على إبهام يده اليمنى؛ لأن هذه الهيئة أحفظ للتراب الذي على العضو.
ولم يذكر أبو الطيب غيرها.
والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهما حكوا الهيئتين.
ثم محل استعمال الضربة الثانية في اليدين، إذا عمت الأولى الوجه، أما إذا لم تعمه؛ فيحتاج إلى تعميمه قبل مسح اليدين، لأن التعميم شرط، كما سيأتي.
وهل يشترط حالة إمرار إحدى اليدين على الأخرى، ألا يرفعها حتى يستكمل مسحها؟ فيه وجهان، حكاهما المراوزة:
أحدهما: نعم؛ لأنه إذا رفع صار التراب الباقي على اليد بالرفع مستعملاً.
والثاني: لا –وهو الأصح- لأن المستعمل هو الذي يبقى على العضو الممسوح، والباقي على اليد في حكم التراب الذي ضرب عليه اليد مرتين.
قال: ثم يمسح بيده اليمنى يده اليسرى مثل ذلك لما سلف.
قال: ثم يمسح إحدى الراحتين على الأخرى، ويخلل بين أصابعهما؛ ليحصل مسمى المسح المأمور به؛ فإن مجرد حصول ذلك على التراب، وعلوقه به حين الضرب- لا يسمى مسحاً.
стр. 439
قال القاضي الحسين: وهذا إذا بقي على الراحتين بعد مسح الذراعين تراب، فإن لم يبق وجب أخذ تراب جديد لهما.
قلت: وهذا بناء على وجوب مسح إحداهما بالأخرى، إذا فعلت الهيئة المذكورة.
قال: والواجب من ذلك النية؛ لما سلف.
قال: ومسح الوجه؛ للإجماع.
وظاهر كلام الشيخ أنه يجب استيعابه، وبه صرح الماوردي وغيره.
قال: إنه لو ترك موضعاً منه كان يغسله بالماء في الوضوء، فلم يمسحه بالتراب في التيمم- لم يجزئه، وإن قل.
وهذا يقتضي أنه يجب إيصاله إلى ما تحت الشعور الخفيبفة، وهو وجه حكاه في "المهذب"، وقال: [إن المذهب] أنه لا يجب.
والفرق: أن ذلك يعسر في التيمم، بخلاف الماء في الوضوء، وهذا ما ذكره البندنيجي وابن الصباغ والقاضي الحسين وغيرهم.
وادعى الإمام أنه لا خلاف فيه، بل قال القاضي الحسين: إنه ليس بسنة، وفرع عليه: أنه لو كان على يديه شعور، لا يجب [عليه] إيصال التراب إلى البشرة.
وقال: وكذلك المرأة إذا نبتت لها لحية، لا يجب عليها إيصال التراب إلى ما تحتها، على الصحيح من المذهب، وفيه وجه: أنه يجب.
وهل يجب استعمال التراب في ظاهر ما نزل من اللحية عن الذقن أو لا؟ فيه خلاف كما في الوضوء.
قال: "واليدين" أي: مع المرفقين.
أما دليل [وجوب] مسح اليدين فللآية.
وأما وجه تحديدهما بما ذكرناه؛ فلأن الله- تعالى- أطلق اليد في التيمم، وهي حقيقة إلى المنكب، ومقتضى الإطلاق الحمل على الحقيقة.
لكن ادعى الخطابي أنه خلاف الإجماع؛ فتعين استعماله في مجازه، وحملناه
стр. 440
على ما ذكرناه؛ لما أسلفناه من الخبر، وحملاً لمطلق اليد في التيمم على المقيد في الوضوء، ولأنه ممسوح في التيمم؛ فوجب أن يكون مسحه كغسله، قياساً على الوجه.
قال: بضربتين فصاعداً، أي: إذا لم يحصل استيعاب التراب لما ذكرناه بضربتين- زاد عليهما؛ ليحصل الاستيعاب.
وقد روى أبو ثور عن الشافعي في القديم: أن الواجب مسح الكفين إلى الكوعين. ولم يصحح ذلك الشيخ أبو حامد وطائفة.
وقال الإمام: إن في الفصل فائدة لا بد من التنبيه عليها، وهي أن الأصحاب متفقون على أنه يجب إيصال التراب إلى جميع محل التيمم يقيناً، حتى لو تردد المتيمم في ذلك، وأشكل عليه وجب إيصال التراب إلى موضع الإشكال، حتى يتقين انبساط التراب على جميع المحل.
وقد ورد في الشرع الاقتصار على ضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين. والضربة إذا ألصقت غباراً في الكف، فالظاهر أنه يصل ما لصق بالكف إلى مثل وسعهما من الساعد، ولست أرى أن ذلك الغبار ينبسط على الساعدين ظهراً وبطناً، ثم على ظهور الكفين. ولا ينقدح في هذا إلا مذهبان:
أحدهما: القول القديم.
والثاني: استيعاب جميع المحل بالمسح باليد المغبرة من غير ربط الفكر بانبساط الغبار.
وما عندي أن أحداً من الأصحاب يسمح بهذا.
قلت: وإذا لم يسمح به أحد، تعين ترجيح القديم، وعليه يدل ما روى: أن رجلاً أتى عمر بن الخطاب، فقال: إني أجنبت فلم أجد الماء؟ فقال عمر: لا تصل، فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين؛ إذ أنا وأنت في سرية فاحتلمنا، فلم نجد الماء: فأما
стр. 441
أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعتك في التراب وصليت، فقال رسول الله ﷺ : "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيدَيْكَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ تَنْفُخَ فِيهِمَا، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ"؟ فقال عمر: اتق الله يا عمار، فقال: إن شئت لم أحدث به، فقال عمر: نوليك ما توليت". أخرجه الشيخان وقد قال الشافعي في مواضع- كما حكاه الإمام عند الكلام في تحريم الطيب على المحرم-: إذا صح خبر يخالف مذهبي، فاتبعوه، واعلموا أنه مذهبي.
بل قد حكى الماوردي، عن رواية الزعفراني، عن الشافعي، أنه كان في القديم يعلق الاقتصار على اليدين إلى الكفين على صحة خبر عمار.
والقائلون بالجديد قالوا: قد ورد عن عمار أنه أفتى بخلاف ذلك، أو روى خلافه، [ودل ما ذكرناه] من الأخبار على زيادة؛ فوجب الأخذ بها، وتحمل رواية الكفين على التجوز، قال الله- وتعالى-: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠].
قال: وترتيب اليد على الوجه، أي: سواء كان التيمم عن حدث أكبر أو أصغر، لأنه طهارة في عضوين؛ فكان الترتيب شرطاً فيهما كما في الوضوء.
وقد أفهم قوله: "وترتيب اليد على الوجه": أن الترتيب في أخذ التراب للوجه واليدين ليس بشرط، حتى إنه لو ضرب ضربة واحدة بيديه، ومسح بإحداهما وجهه واستوعبه، ثم بالأخرى يده- يجوز، وهو أصح الوجهين.
قال: وسننه: التسمية، وتقديم اليمنى على اليسرى، كما في الوضوء.
تنبيه: كلام الشيخ يقتضي أموراً:
أحدها: أن الواجب مسح الوجه واليدين بالتراب، لكن هل ذلك لأنه أقل ما يخرج به عن العهدة؛ كما دل عليه خبر عمار، والواجب إيصال الترابإلى محل التيمم كيف كان، أو لأنه متعين في الإجزاء؟ هذا ما اقتضى كلام الأصحاب فيه خلافاً؛ فإنهم حكوا أن الشافعي قال في "الأم": وإن سفت الريح عليه تراباً ناعماً، فأمر يده على وجهه لم يجز؛ لأنه لم يأخذه لوجهه، والله- تعالى- يقول: ﴿فَتَيَمَّمُوا
стр. 442
صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] [أي: اقصدوا الصعيد وامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه]، وهذا لم يقصده.
واختلف الأصحاب فيه: فقال ابن القاص في "التلخيص"، وأبو على في "الإفصاح" بظاهره، وهو ما حكاه القاضي الحسين والفوراني، واختاره الإمام.
وقال القاضي أبو حامد في "جامعه": النص محمول على ما إذا لم يصمد للريح، وينوي التيمم.
فأما إذا صمد للريح، ونوى التيمم، أجزأه؛ كما يجزئ في الوضوء إذا جلس تحت ميزاب ونوى الوضوء، وهذا ما اختاره الحليمي، وقال ابن كج: إن الشافعي نص عليه.
ولا جرم قال البندنيجي: إنه المذهب.
والإمام حكاه وجهاً عن رواية صاحب "التقريب"، وقال: إنه غير معدود من المذهب.
وعلى هذا إمرار اليد على الوجه: هل هو واجب؟
قال ابن الصباغ: ظاهر ما قالوه أنه واجب.
وقال القاضي أبو الطيب: يجب أن يحمل وجوبه على ما إذا لم يتيقن حصول التراب في جميع الوجه، فأما إذا تيقن ذلك، لم يحتج إليه؛ كما نقول في الطهارة.
وابن الصباغ مال إلى وجوبه مطلقاً؛ موجهاً له بأنه إذا لم يمر يده، لا يسمى مسحاً، والأمر هو بالمسح وليس كغسل الرأس في الوضوء بدلاً عن المسح؛ لأن الدليل قام في الوضوء على قيام الغسل مقام المسح بإجزائه في الجنابة؛ فأجزأ ذلك
стр. 443
في الوضوء ولم يثبت مثل ذلك في التيمم.
فإذا عرفت ما قاله أبو الطيب، وما حكاه ابن الصباغ من ظاهر قول الأصحاب، واختاره عرفت أنه عين ما ذكرناه من الخلاف.
ونظير ما سلف أن غسل الرأس في الوضوء، هل يقوم مقام المسح؟ وفيه خلاف.
وكذا لو وضع يده على الرأس مبلولة، ولم يمرها، هل يجوز كما لو [أمرها؟] فيه خلاف.
والأصح فيهما: الإجزاء؛ كما هو مقتضى قول أبي الطيب في مسألتنا، وقد رأيت في "تعليقه" التصريح بذلك؛ حيث قال: الواجب أن يوصل التراب إلى وجهه ويديه، على أي صفة وجد.
ثم على ما ذكرناه من المأخذين يتخرج ما إذا معك وجهه في التراب ويديه، فوصل إلى جميع ما يجب إيصاله إليه، ونوى- فعلى رأي أبي الطيب: يجزئه، وعلى رأي غيره: لا؛ لأن الوجه ماسح وكذا اليدين، لا ممسوحين.
وقد صرح بالخلاف فيها الأصحاب، وذهب الصيدلاني إلى القطع بالإجزاء.
قلت: وهو ظاهر الآية؛ فإنها تقتضي أن يكون الوجه واليدين ماسحين. والله أعلم.
وقد سلك الماوردي في النص الذي خرجنا منه المأخذين طريقاً آخر، فقال- بعد حكايته-: قد نص الشافعي فيما إذا وقف الجنب تحت ميزاب حتى عم الماء جميع شعره وبشرته أنه يجزئه.
واختلف الأصحاب على وجهين:
أحدهما: أن مراد الشافعي في الموضعين: إذا لم يمر يده على العضو، أجزأ في الغسل؛ لأن الماء يجري بطبعه؛ فيصل إلى البدن كله، وليس كذلك التراب،
وقوله في الغسل: "يجزئه" أراد: إذا أحضر النية عند إصابة الماء الجسد، فإن تأخرت النية، لم يجزئه.
وحاصل الوجهين يرجع إلى أنه في الغسل: إن نوى، أجزأه، قولاً واحداً؛ وإلا فلا.
стр. 444
وأما في التيمم: فإن لم ينو عند إصابة التراب، لا يجزئه، قولاً واحداً، وهو كذلك. وإن نوى، وأمر يده [عليه] أجزأه، وهو ما حكيناه عن القاضي أبي حامد. وإن لم يمر يده فوجهان:
أحدهما: يجزئ كالماء.
والثاني: لا يجزئ؛ لعدم تحقق استيعاب التراب للمحل، فلو تحقق استيعابه أجزأه، وهو ما حكيناه عن أبي الطيب.
وقال في "الكافي": إن سفت الريح التراب على وجهه ويده، ولم يقصد الخروج للتيمم لا يجزئه، قولاً واحداً، وإن اقترنت نية التيمم بهبوب الريح.
ولو وقف في مهب الريح على قصد التيمم، فسفت الريح التراب على وجهه ويديه؛ فمسحهما بنية التيمم: هل يصح؟ فيه وجهان، أظهرهما: لا؛ كما في الصورة الأولى، وما قاله من التفرقة مستمر على قاعدته في اشتراط اقتران نية التيمم بالضرب، كما سلف.
الأمر الثاني: أن الضربة الواحدة لا تجزئ- وإن حصل الاستيعاب بها- لأنه جعل الواجب ضربتين فصاعداً، وهو ما أطلقه ابن الصباغ وغيره، لكن الذي ذكره البندنيجي: أن الواجب استيعاب ما ذكرناه، سواء كان بضربة أو ضربتين أو أكثر، ويجيء بمقتضى ذلك خلاف في المسألة، وقد حكاه الرافعي، وصحح عدم الوجوب.
قلت: ولعل إطلاق من أطلق المنع محمول على ما إذا لم يحصل الاستيعاب بالضربة الواحدة، وهو الواقع، وذلك يظهر لك مما حكيناه عن الإمام، [ثم] على ما قاله البندنيجي؛ فالإتيان بالضربتين مستحب، دون الزيادة عليهما والنقص عنهما.
وقيل: إنه يستحب أن يضرب ضربة للوجه، وأخرى لليد اليمنى، وأخرى لليسرى، وهو بعيد.
الثالث: إيجاب الضرب، وقد قال الإمام: إنه ليس بشرط، حتى لو أخذ كفاً من تراب، فمسح به وجهه، ثم اخذ كفاً أو كفين، ومسح يديه، واستوعبهما جاز.
стр. 445
وعبارة الماوردي: "إن الضرب ليس بشرط، بل الواجب أن يعلق الغبار بيديه، فإن كان يعلق بهما بالبسط عليه [جاز أن يبسطهما عليه، وإن كان لا يعلق بيديه، لزمه أن يضرب بهما؛ حتى يعلق التراب بهما].
قلت: وهذا أقرب ما يمكن حمل كلام الشيخ عليه، وإن كانت عبارة المتولي وغيره تنازع في بعض ذلك؛ فإنهم قالوا: علوق التراب باليد ليس بشرط، حتى لو مسح يده بخرقة عليها تراب جاز، وهذا متفق عليه إذا كانت الخرقة حال حصول التراب عليها ليست معه، أما لو كانت معه؛ فقد حكى الرافعي فيما لو سفت الريح تراباً على كمه، فمسح به وجهه وجهين، أصحهما: الإجزاء، وهما جاريان فيما لو أخذ التراب عند هبوب الريح، ومسح به وجهه، وقلنا بظاهر النص في مسألة هبوب الريح.
والعبارة الصحيحة أن يقال: المعتبر نقل التراب قصداً من محل غير محل التيمم إلى اليدين وما في معناهما من خرقة وغيرها، ثم إلى محل التيمم.
وفي نقله من بعض أعضاء التيمم [إلى البعض الآخر، ثم] إلى المحل الذي يستعمل فيه- خلاف، والأصح: الإجزاء، كما سلف.
الرابع: أنه لو يممه غيره، جاز فإنه جعل الواجب مسح الوجه واليدين، وذلك يصدق إذا فعله غيره به، وهذا ما ذكره البندنيجي، وحكاه ابن الصباغ عن نصه في "الأم".
وعن ابن القاص: أنه لا يجزئ، قاله تخريجاً.
قال ابن الصباغ: وهو خلاف النص، ولأنه يجوز أن يوضئه غيره؛ فكذلك التيمم.
وقال الإمام والمتولي: إن فعل ذلك بأمره، وكان معذوراً في ذلك صح، بل هو الواجب عليه، وإن لم يكن معذوراً، فوجهان: أظهرهما في "الرافعي": الجواز.
ولو يممه بغير إذنه، قال الإمام: فهو كما لو برز لمهب الريح، سواء قدر على أن يمتنع فلم يمتنع، أو لم يقدر.
الخامس: أن الهيئة التي ذكرها ليست بواجبة ولا سنة فيه؛ لأنه لم يذكرها في
стр. 446
واحد منهما، وهو كذلك؛ لأنا ذكرنا أن المقصود إيصال التراب إلى الوجه واليدين كيف كان، وأن الهيئة المذكورة غير منقولة عن النبي ﷺ وهذا قد نسبه الرافعي إلى قول الصيدلاني، وأنه قضية كلام أكثر الشارحين لـ"المختصر".
نعم، من قال من الأصحاب: إن الهيئة المذكورة منقولة عن فعل النبي ﷺ لا يبعد أن يقول: إنها سنة.
ولا جرم قال الرافعي: المشهور أنها محبوبة؛ إشارة إلى ما ذكرناه، لكنه قال في آخر الباب: إنها سنة.
والأول أصح؛ لما ذكرناه.
السادس: أن مسح إحدى الراحتين بالأخرى، والتخليل بين أصابعهما إذا أتى بالهيئة المذكورة- لا من واجبات التيمم ولا من سننه؛ لأنه لم يذكرهما في واحد منهما.
وجوابه: أن الشافعي قال ذلك، واختلف الأصحاب في أن ذلك واجب أو مندوب إليه.
فمنهم من قال: إنه واجب، وبه جزم في "الكافي"؛ لأن به يصل التراب من كل يد منهما إلى الأخرى؛ فيحصل استيعاب العضو.
ولا يقال: إن التراب الذي حصل حالة الضرب [بهما، أسقط فرض ذلك المحل؛ لأنا نقول: المتيمم حالة الضرب] قاصد أن يمسح بما حصل في كل يد الأخرى؛ فلا يسقط به فرضها؛ كالمتوضئ إذا أدخل يده الإناء بعد غسل الوجه بنية الاغتراف، ولأنه [لو] سقط بذلك الفرض عن الراحة وما بين الأصابع لم يجز استعماله [في اليد الأخرى؛ لأنه يصير مستعملاً] كما لو أخذ الماء في الوضوء من إحدى اليدين، وأراد أن يستعمله في اليد الأخرى.
ومنهم من قال: إنه مستحب، وبه جزم البندنيجي وابن الصباغ؛ إذ فرض ذلك سقط بمجرد الضرب، ولا يرد جواز استعمال ما علق بذلك من التراب في اليد.
стр. 447
الأخرى؛ لأنا نقول: اليدان تجريان مجرى العضو الواحد، وإنما لم يجز نقل الماء في الوضوء؛ لانفصاله عن المحل المستعمل فيه، وها هنا لا يوجد الانفصال؛ ولأن به- هاهنا- حاجة إلى ذلك؛ ولأنه لا يمكنه أن ييمم ذراعه من يد بكفها؛ فصار بمنزلة نقل الماء في العضو الواحد من بعضٍ إلى بعض، ولا كذلك في الوضوء؛ فإنه يمكنه أن يقلبه من كفه على ذراع تلك اليد؛ فقلنا: لا يجوز أن يستعمل ما رفع الحدث عن كفه في اليد الأخرى.
قلت: ولو خرج الخلاف على أن إمرار التراب على العضو هل هو شرط أم لا؟ لم يبعد، والله أعلم.
السابع: أن الموالاة ليست من الواجبات ولا من السنن.
والمشهور: أن في وجوبها قولين؛ كما في الوضوء.
ومنهم من قطع بالوجوب، ومنهم من قطع بعدمه؛ وعلى هذا تكون من سننه.
وكذلك قال البغوي: إن الموالاة من سننه؛ على الجديد. وعد من المستحبات فيه إمرار التراب على العضد وكذا ذكره غيره، ونازع بعضهم فيه.
ولا يستحب فيه التكرار، كما أفهمه كلام الشيخ.
وتجديده لا يستحب كما قاله الغزالي.
وقال القاضي: سألت القفال عن تجديد التيمم، [هل هو سنة] فقال لي: كدت تغالطني، التجديد لا يتصور في التيمم؛ لأن التيمم إنما يجوز بعد طلب الماء، وطلب الماء يبطل التيمم، فإذا تيمم ثانياً فيكون هو [الفرض] لأنه بطل الأول بخلاف الوضوء.
وفي "الذخائر": أن القفال قال: إنه لا يتصور لعدم الماء، وأما للجرح فيجدد المغسول، وهل يستحب تجديد التيمم؟ فيه وجهان: قال الشاشي وينبغي أن يجدد
стр. 448
لعدم الماء في النافلة.
قلت: وما حكاه القاضي عن القفال مخصوص بالتيمم لعدم الماء؛ إذ هو الذي لأجله يجب الطلب. وهو ما صرح به مجلي عنه، ولا شك فيه إذا كان [التجديد بعد] الانتقال من المكان الذي وقع فيه التيمم الأول.
أما إذا كان في الموضع الذي وقع فيه التيمم أولاً، ولم يغلب على ظنه حدوث ماء فيه، فإن قلنا: لابد في مثل هذه الحالة من تجديد الطلب فالحكم كذلك. وإن قلنا: لا يحتاج إلى طلب، فقد انتفت علة القفال؛ فحينئذ يكون كالتيمم لأجل الجرح؛ فيأتي فيه الوجهان اللذان ذكرهما مجلي عن القفال.
ثم في جزم القفال باستحباب تجديد المغسول، مع تردده في استحباب تجديد التيمم نظر؛ فإنه إذا لم يستحب الإتيان بالتيمم لم يكن آتياً بالطهارة كاملة، والإتيان ببعض الطهارة غير مستحب، اللهم إلا أن يقال: لما لم يمكن استعمال الماء في الباقي والتيمم عنه غير مشروع صار ذلك البعض كالمفقود. وما ذكره الشاشي احتمالاً لا وجه له مع ما ذكره القفال فتأمله، والله أعلم.
قال: ولا يجوز التيمم لمكتوبة إلا بعد دخول الوقت؛ لقوله- تعالى-: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] فإن ظاهرها المنع من الوضوء والتيمم إلا عند القيام إلى الصلاة، والقيام إليها بعد دخول الوقت، [وقد] خرج جواز الوضوء قبل ذلك بالدليل، وبقي التيمم على ظاهرها.
وقوله ﵇: "جُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِداً، وَتُرَابُهَا طَهُوراً، أَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِي الصَّلاَةُ تَيَمَّمْتُ وَصَلَّيْتُ"؛ فإنه يقتضي أن التيمم إنما يكون بعد إدراك الوقت، ولأنه قبل دخول الوقت مستغنى عنه؛ فلم يصح؛ كما في حالة وجود الماء، ولا يرد جوازه في أول الوقت؛ لأن الصلاة وجبت، وهو محتاج لبراءة ذمته، ولأنه محتاج إليه لأجل حيازة فضيلة [أول الوقت].
نعم، هل يجوز أن يتيمم في أول الوقت ويوقع الصلاة في آخره، أو يشترط تعقب الصلاة [له]، كما في طهارة المستحاضة؟ فيه وجهان في "الحاوي"، والمذكور
стр. 449
في "الرافعي": الجواز، وهو المنصوص.
وهل من شرط هذا [الشرط] العلم به، حتى لو تيمم ظاناً أن الوقت لم يدخل، وكان قد دخل لا يصح تيممه، أو لا يشترط حتى [يصح] تيممه في الصورة المذكورة؟ فيه وجهان في "البحر" في كتاب الحج، ونظيرها ما إذا صلى الرجل خلف خنثى، فظهرت رجوليته بعد ذلك.
تنبيه: المراد بعدم الجواز- كما قال بعضهم- عدم الصحة.
قلت: ويجوز أن يراد به مع ذلك التحريم؛ لأن فيه تلاعباً بالعبادة، وستعرف تقديره في الحيض.
وإذا لم تصح المكتوبة؛ فهل تستباح به النافلة المطلقة؟
المشهور: لا.
ومنهم من خرجه على وجهين؛ بناءً على ما إذا تحرم بالظهر قبل الزوال، وهذه [الطريقة] مفرعة على الصحيح في أنه إذا تيمم للفرض استباح النفل قبله وبعده.
والمراد بالوقت [الوقت] الذي يجوز إيقاع الصلاة فيه أصلاً أو تبعاً في الجمع، إذا قلنا: يجوز الجمع بين الصلاتين بالتيمم وهو الصحيح، دون ما إذا قلنا: لا يجوز للمتيمم الجمع، [وهو] ما جزم به الماوردي هنا.
نعم، على الأول، إذا تيمم للعصر في وقت الظهر، ثم دخل وقت العصر قبل شروعه فيها لا يصليها بذلك التيمم؛ لأن الجمع قد بطل؛ فانحل الرباط، كذا قاله الرافعي.
والمراد بالمكتوبة: إحدى الصلوات الخمس؛ يدل عليه قوله: "الصلاة المكتوبة خمس"، وهو يقتضي أمرين:
أحدهما: أن التيمم للفائتة يجوز أي وقت شاء؛ لأن وقتها قد دخل، ولا شك في ذلك إذا كان ذاكراً لها، ووجهه الأصحاب بأنه تيمم لها بعد دخول وقتها، وهو وقت
стр. 450
الذكر؛ لقوله ﷺ : "فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا".
نعم، قبل الذكر لا يصح، وصور ذلك في "الكافي" بما إذا تيمم لفائتة ظنها عليه، ثم تذكر أنها عليه، وإذا صح فدخل وقت مكتوبة غيرها، فهل له أن يصليها بذلك التيمم؟
المشهور عن ابن الحداد: نعم، وهو الأصح في "الرافعي"، والمختار في "المرشد".
واختيار أبي زيد، والخضري: أنه لا يجوز كما لو تيمم لها قصداً.
وفي "تعليق القاضي الحسين": أن ابن الحداد قال: لو تيمم لفائتة قبل دخول وقت فريضة، ثم دخل وقت الفريضة لا يجوز له أن يصلي به فرض الوقت، ولو تيمم بعد دخول الوقت لصلاة الوقت، ثم ذكر فائتة- له أن يصلي به [تلك] الفائتة، وأن الأصحاب اختلفوا في ذلك:
فمنهم من سوى بين المسألتين في المنع.
ومنهم من سوى بينهما في الجواز.
ومنهم من أقر كلام ابن الحداد، وفرق بأنه: في الصورة الأولى لم يكن الفرض الذي يريد أن يوقعه بالتيمم واجباً عليه حال تيممه، بخلاف الصورة الثانية، فإنه كان واجباً عليه حال تيممه.
وصاحب هذه الطريقة يقول: لو أنه تيمم لفائتة ذكرها في وقت فريضة أخرى، يجوز أن يصلي به فريضة الوقت، وكذا لو تيمم لفريضة الوقت، له أن يصلي به الفائتة التي ذكرها في ذلك الوقت.
والأولان أجريا مذهبهما فيهما، وطردا الوجهين.
ومذهب ابن الحداد، وغيره جارٍ- كما حكاه الإمام- فيما إذا تيمم للنفل يصلي به الفرض، فدخل وقت المكتوبة، هل يصليها به أم لا؟
стр. 451
والخلاف يجري- كما قال القاضي- فيما إذا تيمم لفائتة، ثم تذكر فائتة غيرها، هل له أن يصليها به أم لا؟
وهذا كله تفريع على أن تعيين الفريضة في التيمم ليس بشرط.
الأمر الثاني: أن التيمم لغير المكتوبة يجوز قبل دخول الوقت، وذلك يشمل صوراً، منها:
الصلاة المنذورة في وقت بعينه، ويظهر أن ينبني ذلك على [أن] النذر، [هل] يسلك به مسلك جائز الشرع أو واجبه؟
فإن قلنا بالأول، كان كالنافلة، وإلا فكالفريضة، [وهو المذكور في "التتمة"].
ومنها: السنن الراتبة، وقد ألحق الرافعي بها صلاة الجنازة، وادعى أن المشهور عدم الصحة قبل الوقت، وأن الإمام حكى في ذلك وجهين، ووجه الجواز: أن الشرع تساهل في النفل بجواز القعود [فيه، وفعله] على الراحلة؛ ليكثر، وبهذا خالف الفرائض.
قلت: وعندي أن الخلاف في صلاة الجنازة ينبغي أن يتخرج على أنه [هل] يجوز أن يجمع بينها وبين مكتوبة بتيمم واحد كما يجمع بين المكتوبة والنافلة، أو لا يجوز، كما لا يجوز أن يجمع بين مكتوبتين؟
فإن قلنا بالأول، فهي كالنافلة الراتبة، وإلا فكالفرائض، وعلى هذا فوقتها يدخل بغسل الميت. وهل يدخل بالموت؟ فيه وجهان:
أصحهما- في "الكافي"، وهو المذكور في "تعليق القاضي الحسين"-: لا.
وأصحهما- في "الحلية"، وبه أجاب الغزالي في "فتاويه"-: نعم.
وصلاة الاستسقاء يدخل وقتها، باجتماع الناس لها في الصحراء.
وتحية المسجد يدخل وقتها بدخوله.
ومنها: النافلة المطلقة؛ فإن مقتضى كلام الشيخ جواز التيمم لها في وقت الكراهة وإن قلنا: لا يصح فعلها فيه؛ لأنه [تيمم قبل الوقت.
وقد حكى في "التتمة" عدم الجواز عن نصه في "الأم"].
стр. 452
قال: وهل يصح؟ فيه وجهان، حكاهما القاضي الحسين- أيضاً- وقال: إنهما ينبنيان على أن الصلاة في الأوقات المكروهة بلا سبب، هل تصح؟
إن قلنا: نعم، صح تيممه، وإلا فلا.
وادعى القاضي أنه: لا خلاف في أنه إذا تيمم قبل الوقت المكروه، ثم دخل الوقت المكروه أنه لا يبطل، وهو صريح في أن التيمم للنافلة، في غير وقت الكراهة، يجوز متى شاء؛ لأنه وقت لها.
قال: وإعواز الماء، أو الخوف من استعماله.
إعواز الماء: عدمه، وتعذره بسبب حائل [وحشي] أو غير حائل، والمعوز: الذي لا شيء معه.
والخوف من الاستعمال، المراد به: توقع تلف نفس أو عضو أو منفعة، وكذا حصول زيادة في المرض، ونحوها على قول يأتي.
والدليل على اشتراط ذلك في التيمم ما ذكرناه [في] أول الباب.
ويشترط أن يكون موجوداً بعد دخول الوقت، كما [هو] ظاهر لفظ الشيخ؛ لأنه وقت جواز التيمم.
ثم ظاهر عطف "إعواز الماء، أو الخوف من استعماله" على "دخول الوقت" – أن يكون قيد المكتوبة قيداً فيهما- أيضاً- حتى لا يكون واحد منهما شرطاً في النافلة وغيرها مما ذكرناه. وليس كذلك بل لا يجوز التيمم كذلك إلا عند إعواز الماء، أو الخوف من استعماله، سواء خشي فوات ذلك أو لم يخشه هذا مذهبنا.
والجواب عما يفهمه ظاهر لفظ الشيخ، أن مراده: أن "وجود" مجموع ما ذكره من دخول الوقت، وإعواز الماء، أو الخوف من استعماله- شرط في المكتوبة.
ومفهومه: أن المجموع ليس شرطاً في غيرها، وهو كذلك، لأن المجموع كما
стр. 453
ينتفي [بانتفاء كله] ينتفي بانتفاء بعضه، والله أعلم.
قال: فإن أعوزه الماء، أو وجده وهو محتاج إليه للعطش، لزمه طلبه، أي: طلب ما يستعمله.
ووجهه في الأولى قوله- تعالى-: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] ولا يقال: لم يجد، إلا لمن طلب؛ فدل على الأمر به؛ كما سلمه الخصم في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء:٩٢] ولأن الماء شرط يختص بالصلاة، يتقدمها؛ فوجب إذا تعذر [عليه] أن يطلبه: أصله القبلة إذا تعذر عليه وجهها.
ووجهه في الثانية الآية أيضاً إذ الحاجة صيرته كالمفقود.
فإن قلت: ينبغي أن يجب استعماله في الطهارة، ويجمع، ويشرب، إذا كان ذلك ممكناً؛ إذ به يحصل المقصودان، ولا يقال: إنما لم يجب لأن النفس تعافه؛ فإن الماوردي وأبا علي الزجاجي، وآخرين قالوا فيما إذا كان معه ماء طاهر، وماء نجس، وهو عطشان-: إنه يتطهر بالماء الطاهر، ويشرب النجس، ولا يتمم، وإذا وجب شرب النجس لأجل الطهارة؛ فشرب الطاهر أولى.
стр. 454
ومن قال: إنه لا يشرب النجس في هذه الصورة، بل يشرب الطاهر ويتيمم، وهو الشاشي فإنما منع [منه]؛ لأجل النجاسة؛ فإنه لا يباح تناولها إلا عند الضرورة، ولا ضرورة، بخلاف الماء المستعمل.
قلت: التعليل بالعيافة متعين، وما ذكره الماوردي وغيره دليل عليه؛ إذ لو لم يكن علة في منع استعماله لما جوزوا له شرب الماء النجس مع قدرته على شرب الماء طاهر بعد استعماله.
تنبيه: الضمير في قول الشيخ: "وهو محتاج إليه؛ للعطش" يعود إلى الماء، والتقدير: والماء محتاج إليه؛ للعطش [أي: الحاجة] التي يخشى معها عند عدم الاستعمال ما ذكرناه؛ قاله الإمام [ثم] ومن تبعه.
والمذكور في "الحاوي" و"تعليق أبي الطيب"، عند الكلام في المرض: أنه يختص بخوف التلف.
قال الماوردي: ولو قيل: هما سواء، لكان أصح.
ثم ذلك يكون حقيقة في الحاجة الناجزة، أما في الحاجة المتوقعة، كما إذا كان في برية يتحقق أنه لا يجد الماء فيها في غده، وهو مستغن عنه في وقته؛ فإطلاق الاحتياج إليه في الوقت مجاز، ولا نظر إليه عند الشيخ أبي حامد؛ فإن الشافعي قال في "الأم": إذا كان مع الرجل في السفر إناءان: أحدهما: طاهر، والآخر: نجس، فاشتبها عليه، وكان يخاف العطش فيما بعد إن توضأ بالماء فإنه يتحرى، ويتوضأ بالطاهر في ظنه، ويمسك الآخر، [حتى] إن احتاج إليه لعطشه شربه.
قال الشيخ أبو حامد: وهو صحيح؛ لأن ترك التوضؤ بالماء، والعدول إلى التيمم؛ لخوف العطش فيما بعد لا يجوز؛ [وإنما يجوز] ذلك إذا خاف العطش في الحال؛ كذا حكاه في "البيان"، [في باب الشك في نجاسة الماء والتحري فيه].
والإمام وغيره أقاموا الحاجة المتوقعة في الصورة التي ذكرناها، كالحاجة الناجزة في جواز التيمم.
стр. 455
نعم لو لم يتحقق العدم في الغد، بل كان يرجو وجود الماء فيه: فهل يباح له التيمم، أو لا ويستعمل ما معه من الماء؟ فيه وجهان في "التتمة"، ومثلهما ما حكاه القاضي الحسين- ها هنا: أن من كان معه ماء يفضل عن حاجته في المنزل لكن يحتاج إليه في المنزل الثاني، وهناك من يحتاج إليه في المنزل الأول: فهل يجب دفعه لصاحب الحاجة الناجزة، أو لا؟ فيه وجهان.
ولفظة: "محتاج إليه [للعطش] " تشمل حاجة صاحب الماء، وحاجة [غيره من آدمي أو حيوان محترم: وهو ما لا يباح قتله.
وقيل: إن حاجة] غيره المتوقعة لا تبيح التيمم، وهذا ما أبداه الإمام احتمالاً، وتابعه في "الوسيط".
قال الرافعي: والظاهر الذي اتفق عليه المعظم: أنه يتزود لرفقته؛ غذ لا فرق بين الروحين في الحرمة.
وتقييد الحاجة بالعطش يفهم أن الحاجة لغير العطش لا تبيح التيمم، وليس كذلك؛ لأنه لو فضل عن قدر حاجته للشرب شيء من الماء، ولا طعام معه، واحتاج إلى بيعه؛ لينفق ثمنه في طعام يشتريه- كان الفاضل كالمعدوم، قاله في "التتمة".
وهذا يمكن أن يجاب عنه بأنه في معنى الحاجة إليه للعطش؛ فإن [المأخذ] فيهما واحد.
نعم، من وجد من الماء ما يكفيه لطهارته من الحدث، وعلى بدنه نجاسة، والماء الذي معه قدر ما تزول به، وهو محتاج إليه لإزالتها، إذ لا بدل له عن ذلك- فالماء في حقه كالمفقود، قاله الماوردي [والمتولي وغيرهما].
نعم، هل يصح تيممه قبل استعماله في إزالة النجاسة؟ فيه وجهان في "الحاوي"؛ مأخذهما أن التيمم قبل الاستنجاء، هل يصح، أم لا، كما سلف؟
قال: والأصح: الصحة، لأن المقروح يجوز أن يقدم التيمم على الماء، وإن كان لا يستبيح [به] الصلاة.
стр. 456
قال: فيما قرب منه؛ لأن في تكليفه طلبه فيما بعد مشقةً غير محتملة.
وقد حد الغزالي ومن بعده القرب بما يلحقه فيه غوث الرفاق؛ أخذاً من قول الإمام: لا نكلفه التعدي عن مخيم الرفقة فرسخاً أو فرسخين، وإن [كانت الطريق] آمنة.
ولا نقول: لا يفارق طنب الخيام؛ فالوجه القصد، وهو أن يتردد ويطلب إلى حيث لو استغاث بالرفقة لأغاثوه، مع ما هم عليه من التشاغل بالأشغال، والتفاوض في الأقوال، وهذا يختلف باستواء الأرض واختلافها صعوداً وهبوطاً.
قال الرافعي: ولا يلفى هذا الضبط في كلام غيره، وليس في الطرق ما يخالفه.
قلت: بل عبارة الماوردي توافقه؛ لأنه قال: عليه طلبه في المنزل الذي حصل فيه من منازل سفره، وليس عليه طلبه من غير المنزل الذي هو منسوب إلى نزوله.
وفي عبارة القاضي الحسين ما يقتضي أمراً آخر، سنذكره.
ثم كيفية الطلب- كما قاله البندنيجي وغيره-: أن ينظر في رحله، وفيما تحت يده أولاً- قال البندنيجي: ما لم يتحقق عدمه فيه- فإن لم يجده سأل من أصحابه وأهل رفقته.
قال في "الروضة": قال أصحابنا: ولا يجب أن يطلب من كل واحد من الرفقة بعينه، بل ينادي فيهم: من معه ماء؟ من يجود بالماء؟ ونحوه حتى قال البغوي وغيره: لو قلت الرفقة لم يطلب من كل بعينه.
стр. 457
وفي "الرافعي": أنه إذا كان معه رفقة، وجب سؤالهم إلى أن يستوعبهم، فإن بذلوه له بثمن أو بغير ثمن، فالكلام عليه يأتي.
وإن لم يبذلوه، وكان في القوم من له خبرة بماء ذلك المكان، فعليه أن يسأله عنه، فإن لم يخبره بشيء، فإن كان على مستو من الأرض، نظر في الجوانب الأربع، ويخص المواضع الخضرة واجتماع الطيور [بمزيد في] الطلب.
وقال القاضي الحسين: إنه يجب في هذه الحالة عليه أن يمشي في طلبه غلوة سهم من الجوانب الأربع، وهذا منه قد يقتضي أن الطلب قد يختص بما يوازي هذه [المسافة عند عدم الاستواء] وهذا ما أشرت إليه من قبل.
وإن كان على قلاع تسفل، أو وهاد ترفع.
قال في "الشامل": ثم ينظر حواليه.
قال الشافعي [في "البويطي"]: وليس عليه أن يدور في الطلب؛ لأن ذلك أكثر ضرراً عليه من إتيانه الماء في المواضع البعيدة.
ثم ما ذكرناه من التسفل والترفع مخصوص بما إذا لم يكن عليه ضرر في ذلك، والضرر أن يخاف على رحله إن غاب عنه، أو على ماله أو نفسه في طريقه، أو
стр. 458
انقطاعه عن الرفقة؛ لارتحالهم قبل عوده، أو مشقة تلحقه من المشي كما قاله أبو الطيب، أو فوت وقت الصلاة؛ وذلك بألا يبقى من الوقت قدر الصلاة على وجه، وعلى آخر، بألا يبقى منه قدر ركعة.
وفي "الرافعي" حكاية وجه: أن فوت الوقت ليس بعذر في ترك الطلب وأكثر ما ذكرناه كلام الشيخ الآتي ينبه عليه، كما بينته.
تنبيه: كلام الشيخ يقتضي أموراً:
أحدها: أن الطلب يكون بعد دخول الوقت؛ [لأنه شرط أن يكون بعد الإعواز، وقد بينا أن الإعواز المعتبر هو الموجود بعد دخول الوقت] وهذا مما لا خلاف فيه بين الأصحاب، حتى قالوا: لو طلب مع شكه في دخول الوقت، أو ظن دخوله- لا يجزئه؛ حكاه الماوردي.
ومن طريق الأولى إذا طلب قبل الوقت، يلزمه أن يعيده بعد الوقت؛ لاحتمال الوجود.
نعم، لو دام نظره إلى [المواضع التي] يجب النظر إليها بعد دخول الوقت كفاه ذلك؛ لأنه لو وجد ذلك بعد الوقت مفرداً كفاه، قاله ابن الصباغ.
قلت: ولو خرج الأمر بتجديد الطلب على ما سنذكره، فيما إذا طلب لصلاة، ثم أراد التيمم لصلاة أخرى- لم يبعد.
الثاني: أنه يجوز أن يطلب الماء بنفسه، وبمن يثق به، وهو المذكور في "الحاوي"، و"تعليق القاضي الحسين"، قال: وخالف طلب القبلة، حيث لا يجوز أن يفوضه إلى غيره؛ لأن أمر القبلة خفي غير معاين؛ فربما يخفى على واحد، ولا يخفى على غيره؛ لأن مبناه على الاجتهاد؛ فلا يقوم اجتهاد غيره مقام اجتهاده، وأما رؤية الماء فشيء مشاهد معاين، يستوي فيه الكل؛ إذ ليس مبناه على الاجتهاد؛ فجاز أن يقوم غيره فيه مقامه.
وفي "التتمة" تخريج جواز الاستنابة في طلب الماء على أنه هل يجوز أن ييممه
стр. 459
غيره بإذنه، أم لا؟
والظاهر منهما في "الرافعي": الجواز؛ حتى لو بعث النازلون واحداً؛ ليطلب الماء لهم أجزأ طلبه عن الكل، ولو بعثه بعضهم دون باقيهم أجزأ ذلك عن الباعثين، دون من لم يأمره به. وهذا في حالة قدرة الباعث على الطلب بنفسه؛ فإن لم يقدر عليه إلا بغيره فهو واجبه.
الثالث: أن محل وجود الطلب، إذا جوز وجود الماء، دون ما إذا تحقق عدمه؛ بأن كان في رمال [بعض] البوادي، ولا رحل له، ولا رفيق؛ فإن طلبه مع تحقق عدمه- عبث، وهذا هو الصحيح، وكلام البندنيجي السابق يفهمه.
وفي "التتمة" حكاية وجه آخر: أنه يجب في هذه الحالة؛ لعموم قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ [المائدة: ٦].
وفي "النهاية": الجزم- في هذه الصورة- بعدم إيجاب الطلب؛ لما ذكرناه.
وحكي عن بعض المصنفين حكاية وجهين في وجوبه في الموضع الذي يغلب على الظن فيه العدم ولا يتحقق، واستبعده.
ثم وجه عدم الوجوب بأن طلبه [يحصل غلبة] الظن بالعدم، وهي حاصلة قبله؛ فلا معنى له.
الرابع: وجوبه عند كل تيمم، سواء انتقل عن ذلك الموضع أو أقام به، [أو] غلب على ظنه حدوث ماء أو لم يغلب على ظنه، وهو مقتضى إطلاق العراقيين، وبه صرح الماوردي، لكنه قال: [إنه] ليس عليه إعادة طلبه في رحله؛ لأن عدم الماء في رحله متيقن، ووجوده في غيره يجوز.
وقال المراوزة: إن انتقل من ذلك المكان إلى موضع لو كان فيه ابتداء لوجب عليه طلبه فيه- وجب، وكذا إذا لم ينتقل، وحدث ما يحتمل بسببه وجوده، مثل غيم أو قدوم ركب.
أما إذا لم يحدث شيء من ذلك؛ فإن كان قد تيقن بالطلب الأول أنه لا ماء في ذلك الموضع؛ فلا يجب الطلب؛ بناء على ظاهر المذهب، وهو مقتضى تعليل
стр. 460
الماوردي السالف، وفيه الوجه السابق.
وإن لم يتحقق العدم؛ بل غلب على ظنه؛ ففي وجوب إعادة الطلب وجهان: أصحهما في "الكافي": أنه لا يجب.
وأصحهما في "النهاية" والأظهر في "الرافعي": وجوبه.
قال الإمام: لكن يكون أخف من الطلب الأول.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون التيمم الثاني لصلاة غير الصلاة التي تيمم لها أولا، أو لها نفسها؛ بأن أحدث بعد التيمم الأول، وقبل الصلاة، قال الرافعي: أو حدث ركب قبل الصلاة.
قلت: ولعل هذا محمول على وجوب الطلب فيما عدا سؤال أهل الركب؛ فإنه قد تقدم أنه إذا حدث ركب، وجب الطلب، بلا خلاف.
وكل هذا فيما إذا لم يتحقق وجود الماء، فإن تحقق وجوده، فسنذكر حكمه.
قال: فإن بذل له- أي: على وجه الهبة- أو بيع منه بثمن المثل- أي: وهو قادر عليه- لزمه قبوله: أما في الأولى فلأنه يعد واجداً للماء؛ فإن المسامحة غالبة به، ولا تعظم منه في قبوله- وأما في الثانية؛ فبالقياس على ما لو بذلت له الرقبة في الكفارة [كذلك].
وقيل في الأولى: إنه لا يجب قبوله؛ لما فيه من المنة في تلك الحالة، وبالقياس على هبة ثمن الماء؛ فإنه لا يجب [عليه] قبوله إجماعاً؛ كما قال الإمام.
والمنصوص في "الأم"، وبه جزم الجمهور، ومنهم القاضي الحسين والإمام: الأول.
ثم محل الإجماع على أن بذل ثمن الماء لا يجب قبوله- كما قال الرافعي- إذا كان الواهب أجنبياً.
أما لو كان ولد المعوز أو أباه، فقد حكى بعض الأصحاب في وجوب قبوله وجهين، كالوجهين فيما إذا بذل الابن لأبيه- أو بالعكس- المال في الحج: هل يلزمه القبول، وهل يصير مستطيعاً به؟
следующие страницы →