← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

فرع: إذا أدى ضامنُ الضامنِ الدينَ كان حكمه مع من ضمنه كحكم الضامن مع الأصيل. وإذا لم يكن له الرجوع على الضامن الأول، [لم يثبت بأدائه للأول الرجوع على الأصيل. وإن كان له الرجوع على الضامن الأول]، فرجع عليه، رجع الأول على الأصيل إذا وجد شرطه. ولو أراد ضامن الضامن أن يرجع على الأصيل، نظر: إن كان الأصيل قد قال له: اضمن عن ضامني، ففي رجوعه عليه وجهان؛ كما لو قال لإنسان: أدِّ ديني، وليس كما لو قال: اقضِ دين فلان، ففعل؛ حيث لا يرجع على الآمر؛ لأن الحق لم يتعلق بذمته، ولو لم يقل له: اضمن عن ضماني، فإن كان الحال بحيث لا يقتضي رجوع الأول على الأصيل، لم يرجع الثاني عليه، وكذلك لو كان يقتضيه على أصح الوجهين. فرع: إذا أدى الضامن الدين، وكان ثمن مبيع، فخرج مستحقًّا – استحق عين ما بذل، وإن خرج معيباً، فرده المضمون عنه، نظر: إن كان الضمان في صورة تثبت الرجوع، وجب رد المقبوض على المضمون عنه؛ فإنا نقدر دخول المدفوع في ملك المضمون عنه قبيل الدفع للمضمون له، كما صرح به الإمام في ضمن ما إذا ضمن للمرأة صداقاً عن زوجها، وغرم، ثم ارتدت قبل المسيس. وإن كان في صورة لا تثبت له الرجوع، فهذا شبيه بما إذا أدى ذلك من غير ضمان. وقد حكى الإمام في أواخر كتاب الرهن وجهين في أن المقبوض- والحالة هذه – هل يرد إلى المؤدي أو إلى المؤدي عنه؟ وكذلك حكى المحاملي هذين الوجهين في كتاب الرهن أيضاً. تنبيه: ما الذي يرجع به الضامن إذا ثبت له الرجوع؟ ينظر: فإن كان المضمون مثليًّا وقد أداه، رجع بمثله، وإن كان من ذوات القيم كالحيوان ونحوه، قال الإمام هاهنا: لا يمتنع أن يجري فيه الخلاف المذكور في إقراض الحيوان، وصرح

стр. 4762

بحكاية ذلك عن رواية القاضي في أوائل باب السلم، فقال في وجه: يرجع بالمثل الصوري، وفي وجه: بالقيمة. وهذا البحث صحيح؛ لما تقرر أن المؤدي عند الرجوع فيه بسبب العيب، يرجع إلى المضمون عنه. قال: وإن ضمن ديناً مؤجلاً فقضاه قبل الأجل، لم يرجع قبل الأجل؛ لأنه متبرع بالتعجيل. وهكذا الحكم فيما لو مات الضامن وأدى ورثته المال بسبب حلوله [عليهم] لا يرجعون به قبل الأجل. قال: وإن مات أحدهما حل [عليه] الدين؛ لوجود سبب الحلول في حقه، ولا يحل على الآخر؛ لعدم ما يقتضيه، فلو حل به لكان إضراراً به؛ فإنه يرتفق بالأجل، وخرج ابن القطان وجهاً فيما إذا مات الأصيل: أن الدين يحل على الضامن؛ لأنه فرعه. ونقل ابن كج وجهاً: أن الضامن إذا مات لا يحل عليه كما لا يحل على الأصيل، والمذهب: ما حكاه الشيخ. نعم، لو كان الميت هو الأصيل، فأخر المستحق المطالبة، كان للضامن أن يطالبه بأخذ حقه من تركة الأصيل في الحال، أو يبرئ الضامن؛ لأن التركة قد تهلك، فلا يجد مرجعاً إذا غرم. وفي رواية أبي علي وجه: أنه ليس للضامن هذه المطالبة. قال: وإن تطوع بزيادة لم يجرع بالزيادة [كما] إذا كان [الدين] مكسراً فدفعه صحاحاً ونحو ذلك؛ لأنه تبرع بها. ولو كان المدفوع مكسراً عن الصحاح لم يرجع إلا بالمكسر كالمسألة التي تليها. وهذا ما جزم به البندنيجي، واختاره الشيخ أبو محمد، وخرج بعضهم ذلك

стр. 4763

على الخلاف في المسألة التي تليها. قال: وإن دفع إليه عن الدين – أي: الثابت في ذمته بطريق الضمان – ثوباً، رجع بأقل الأمرين من قيمته أو قدر الدين؛ لأن قيمة الثوب إن نقصت لم يغرم إلا هي، وإن زادت لم يرجع بالزائد؛ لأنه متبرع به، وهذا ما جزم به الماوردي، وهو الأصح. وقل: يرجع فيما إذا كانت قيمة الثوب أقل من الدين بقدر الدين، وهو ما حكاه الروياني في "البحر" عن ابن سريج، وأنه طرده فيما إذا قضى المكسَّر عن الصحاح؛ لأنه قد حصل براءة ذمته بما فعل، والمسامحة جرت معه. ولو أنه باعه الثوب بقدر الدين وتقاصَّا فالرجوع بالدين بلا خلاف، أما إذا دفعه عن الدين المضمون بأن قال للمضمون [له]: بعتك هذا [الثوب] بما ضمنته لك عن فلان، ففي صحة البيع وجهان حكاهما الرافعي عن الأستاذ أبي منصور البغدادي. فإن صححناه، فيرجع بما ضمنه أم بالأقل مما ضمنه ومن قيمة الثوب؟ فيه وجهان. قلت: والخلاف في صحة البيع قريب مما حكيته في الصلح عن الإمام وغيره [فيما إذا أدى من لم يكن ضامناً عن دين غيره] عوضاً، هل يصح؟ فيه وجهان، والأصح: الصحة. وقد رجع حاصل الخلاف إلى أن الضامن يرجع بما أسقط، أو بما أدى إذا كان أقل مما أسقط. وعلى ذلك يخرج ما لو ضمن ذمي عن مسلم مالاً لذمي، ثم تصالحا على خمر: هل يبرأ المسلم؟ فيه وجهان. إن قلنا بالأول: انبنى على ما أشرنا إليه، وإن قلنا: إن الضامن يرجع بما أسقط، رجع هاهنا بقدر الدين، وإن قلنا: [بما أدى]، فلا.

стр. 4764

قال: وإن أحاله الضامن على من له عليه دين، رجع على المضمون عنه، أي: في الحال؛ لأن الحوالة إما بيع – كما هو الصحيح – فأشبه ما إذا أعطاه عن الدين ثوباً، وإما استيفاء، وهو لو أوفاه لرجع؛ فكذلك إذا أحاله. قال: وإن أحاله على من لا دين له عليه، أي: وصححناها – لم يرجع، أي: في الحال؛ لأنه لم يغرم شيئاً. قال: حتى يدفع إليه المحال عليه، ثم يرجع على الضامن، فيغرمه، ثم يرجع الضامن على المضمون عنه؛ لأنه حينئذ قد غرم بإذنه وهذا من الشيخ تفريع على أن هذه الحوالة لا تحصل براءة ذمة المحيل في الحال؛ بناء على أنها في الحقيقة ضمان – كما حكيناه عن صاحب "التهذيب" وغيره في بابها – وقد وجد من المحيل الإذن في الأداء، أو لم يوجد على أصح الوجوه فيما إذا ضمن بالإذن، فأدى بغير الإذن؛ إقامة للحوالة مقام الإذن في الضمان؛ كما صرح به البندنيجي. أما إذا قلنا: إنها تحصل براءة الذمة في الحال، فلا يشترط دفع المحال عليه المال للمحتال، بل يشترط رجوع المحال عليه على المحيل الذي هو الضامن؛

стр. 4765

كما صرح به الرافعي في باب الحوالة، وإن كان القاضي أبو الطيب وابن الصباغ قد صارا إلى براءة ذمة الضامن والمضمون عنه بمجرد الحوالة إذا صححناها، وقالا كما قاله الشيخ. قلت: وقد حكى الرافعي فيما إذا صححنا الضمان بشرط براءة الأصيل: أن الأصيل يبرأ، وأن الحق يبقى في ذمة الضامن، وأن له الرجوع على المضمون عنه في الحال إن كان قد ضمن عنه بإذنه، ومثل ذلك يظهر مجيئه هاهنا؛ إذ لم يظهر لي فرق بينهما. قال: وإن دفع إليه الحق، ثم وهبه منه رجع؛ لأنه عاد إليه بسبب جديد، فلم يسقط رجوعه، كما لو وهبه لأجنبي، ثم وهبه الأجنبي منه، وهذا هو الأصح في "الجيلي، واختاره في "المرشد". قال: وقيل: لا يرجع؛ لأنه لم يغرم شيئاً على الحقيقة، وقد صرح الأئمة بأن هذا الخلاف وجهان مبنيان على القولين فيما إذا وهبت المرأة زوجها الصداق، ثم طلقها قبل الدخول. قال: ولا تصح الكفالة بالأعيان: كالغصوب، والعواريِّ، وكذا بالعين المبيعة قبل القبض، والعين في يد المستلم؛ لأن حقيقة الضمان: ضم ذمة إلى ذمة، والذي [تكون] العين مضمونة عليه لا شيء في ذمته بعد، وهذا هو المذهب في "بحر المذهب". قال: وقيل: تصح؛ لأن الأعيان ستحق تسليمها [بعقد البيع وغيره؛ فاستحق تسليمها] بعقد الضمان؛ كالديون. وبنى ابن سريج الخلاف – كما حكاه البندنيجي – على الخلاف في كفالة البدن، قال: إن قلنا [بأنها] لا تصح، لم تصح هذه، وإلا صحت. ومقتضى هذا البناء: أن يكون الصحيح الصحة، وهو الذي اختاره في "المرشد". وحكى الرافعي: أن بعضهم جزم به وإن أجرى الخلاف في كفالة البدن،

стр. 4766

وأنه فرق بأن حضور الخصم ليس مقصوداً في نفسه، وإنما هو ذريعة إلى تحصيل المال، وهاهنا المضمون رد العين، وهي المقصودة بالرد. فعلى هذا: لو تلفت العين قبل الرد، فهل عليه قيمتها؟ حكى البندنيجي عن ابن سريج أنه خرجه على الوجهين الآتيين فيما لو مات المكفول ببدنه. ومقتضى هذا: أن يكون الصحيح عدم اللزوم، ولكن الذي اختاره في "المرشد": اللزوم. فعلى هذا: [هل يجب] في المغصوب أقصى القيم أم قيمة يوم التلف؛ لأن الكفيل لم يكن متعدياً؟ حكى الإمام فيه وجهين. وإذا تلفت العين المبيعة في يد البائع انفسخ العقد، فإن لم يكن المشتري قد وفي الثمن لم يطالب الضامن بشيء، وإن كان قد وفاه فهل يغرم الضامن الثمن أو أقل الأمرين من الثمن وقيمة المبيع؟ فيه وجهان، أظهرهما: أولهما. وهذا كله إذا تكفل برد أعيانها، أما إذا تكفل برد قيمتها إذا تلفت، فقد قال في "التهذب": يبني ذلك على أن المكفول ببدنه إذا مات هل يغرم الدين؟ إن قلنا: نعم، صح ضمان القيمة لو تلفت العين، وإلا لم يصح، وهو الأظهر. وأيضاً: فإن القيمة قبل التلف ليست بواجبة وهي مجهولة عند الوجوب؛ فيكون ضمانها ضمان ما لم يجب وهو مجهول. تنبيه: الكفالة: بفتح الكاف. ويقال: كفله، وكفل به، وكفل عنه، وتكفل به. الغصوب: جمع غصب، وهو اسم الشيء المغصوب. قال الجوهري: وشيء غصب، ومغصوب. وياء "العواري" يجوز تشديدها. قال: وفي كفالة البدن قولان، أصحهما: أنها تصح؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَهُ أَباً

стр. 4767

شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ [يوسف: ٧٨]، قيل: وذلك كفالة البدن. وقد روى أن عبد الله بن مسعود لما ضرب عنق عبد الله بن النَّوَّاحة؛ لكونه أذَّن في مسجده مسجد بني حنيفة، وقال [فيه]: أشهد أن مسيلمة رسول الله –شاور الصحابة في بقية من كان في المسجد حين الأذان، فقال عدي بن حاتم: تُؤْلُولُ كُفْرٍ قد اطلع رأسه فاحْسِمْه وقال غيره: استَتِبْهم، [فإن تابوا كفَّلْهم عشائرهم وإلا قتلوا، فاستتابهم] فتابوا، فخلَّى عنهم وكفَّلهم عشائرهم. وهذا يدل على إجماعهم على أن الكفالة بالبدن صحيحة. ولأن بالناس حاجةً إليها كحاجتهم لكفالة المال. ولأن البدن يستحق تسليمه بعقد النكاح والإجارة؛ فاستحق تسليمه بعقد الضمان كالدين. والثاني: لا يصح؛ لقوله تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَاخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ [يوسف: ٧٩]، [فكان قوله ذلك إنكاراً للكفالة أن تجوز حين سأل إخوته أن يأخذ أحدهم كفيلاً عمن وجد متاعه عنده]. ولأنها كفالة بعين؛ فلم تصح كالكفالة ببدن الشاهد والزوجة. ولأن المكفول به لا يجب عليه تسليم نفسه، وإنما يجب عليه الخروج مما عليه من الحق، وحبسه – إن حبس – ليخرج من الحق، فَلأَلاَّ يجب على الكفيل تسليم المكفول به أولى، وهذا القول أخذ من قول الشافعي في "الدعاوى والبينات" بعد أن نص على جوازها: "كفالة البدن ضعيفة". وأجاب من صار إليه عن أثر ابن مسعود بأنه وقع بعد التوبة، [ثم هو] ضمان [من عليه حد لله تعالى، والخصم يسلم عدم صحة الضمان به]. وهذه الطريقة صار إليها المزني، وأبو إسحاق، وابن أبي هريرة والقاضي أبو حامد.

стр. 4768

قال: وقيل: تصح قولاً واحداً؛ لما ذكرناه. وقد صار إلى هذه الطريقة ابن سريج وطائفة من متقدمي الأصحاب، وحملوا قول الشافعي: إنها ضعيفة، على ضعفها من جهة القياس. وما أجاب به القائلون بالمنع عن أثر ابن مسعود: بأن الاستدلال به وقع من جهة أن الصحابة أمروا بأن يُكَفِّلَهم عشائرهم، وذلك منهم دليل على أن كفالة البدن مشهورة عندهم، لا من خصوص هذه الكفالة، كما استدل الأصحاب بمثل ذلك في قول الصحابة لعمر ﵁ في حق ولديه: يا أمير المؤمنين، لو جعلته قراضاً. التفريع: إن قلنا بالبطلان فلا كلام، وإن قلنا بالصحة فله شروط: أحدها: أن يكون عارفاً بالمكفول بدنه. وهل يشترط أن يكون عارفاً بالمكفول له؟ فيه وجهان. الثاني: أن يكون على المكفول بدنه حق يستحق المطالبة به، سواء كان ثابتاً في الظاهر أم لا، هكذا قال الماوردي. وقال البندنيجي وغيره: أن يكون على المكفول به حق يصح ضمانه. وما قاله الأول يقتضي جواز الكفالة ببدن امرأة يدعي رجل زَوْجِيَّتها، وكذا الكفالة بها لمن ثبتت زوجيَّتُه، وكلام البندنيجي وغيره يقتضي عدم ذلك، وقد صرح به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ عند الكلام في توجيه القولين في صحة الكفالة، ويقرب منه قول المتولي: إن حكم الكفالة ببدنها حكم الكفالة ببدن من عليه قصاص؛ لأن المستحق عليها لا يقبل النيابة. وما ذكرناه في ضمان المرأة يجيء مثله في ضمان البد الآبق، وقد صرح ابن سريج بأنه يصح ضمانه. ومقتضى كلام الماوردي: أنه تصح الكفالة ببدن الكفيل؛ كما صرح به في "المهذب"، وعلى قول البندنيجي يلزم منه الدَّوْر؛ لأنا لا نعلم: أنه يصح ضمانه

стр. 4769

إلا إذا وجد الشرط، والشرط: أن يكون ما عليه يصح ضمانه. ثم مقتضى الكلامين: جواز الكفالة ببدن من هو ببغداد لمن هو في البصرة، وقد صرح الإمام بعدم الجواز؛ لأن من بالبصرة لا يلزمه الحضور ببغداد في الخصومات، والكفيل فرع المكفول بدنه؛ فإذا لم يجب عليه الحضور لا يمكن إيجاب الإحضار على الكيل. قال الرافعي: وهذا منه بناء على ما سنذكره من أن المكفول لو كان فوق مسافة القصر، أو غاب إليها لا يلزمه إحضاره. الثالث: هل يشترط أن يكون عارفاً بقدر ما على المكفول بدنه من الدَّيْن إن كان الضمان لأجله؟ فيه وجهان يبنيان على أنه إذا مات: هل يلزم الكفيل ما عليه أم لا؟ وبقية الشروط مذكورة في الكتاب نأتي عليها – إن شاء الله تعالى. قال: وإن تكفل ببدن من [عليه] حد لله – تعالى – أي: كحد الزنى لم يصح؛ لأن الكفالة للاحتياط شرعت، وبناء الحد على الإسقاط، [وحكى القاضي الحسين قولين في كتاب اللعان في جواز الكفالة]. قال: وإن تكفل ببدن من عليه قصاص، أو حد قذف صح؛ لأنه حق لآدمي فأشبه ما لو كان له عليه دين. قال: وقيل: لا تصح؛ لأنه لا تصح الكفالة بما عليه فلم تصح ببدنه كمن عليه حد لله تعالى. وهذه طريقة ابن سريج ومتقدمي الأصحاب، وحكاها الماوردي عنهم في حدود الله تعالى أيضاً: كحد الزنى والخمر. والقاضي الحسين حكى الخلاف المذكور قولين في كتاب اللعان. وصرح الرافعي بنسبة ذلك إلى أبي الطيب بن سلمة وابن خيران، وادعى القاضي أبو الطيب الإجماع على دم صحة الكفالة [في حدود الله تعالى، وقد

стр. 4770

حكى الرافعي عن الشيخ أبي حامد: أنه بنى القولين في صحة الكفالة] ببدن من عليه قصاص أو حد قذف، على أنه إذا مات المكفول ببدنه، هل يغرم الكفيل ما عليه من الدين؟ إن قلنا: نعم، لم تصح، وإلا صحت. ومقتضى هذا البناء: أن يكون قولُ التصحيح المذهبَ، كما اقتضاه كلام الشيخ، واختاره القفال، وصاحب "المرشد"، وجزم به بعضهم، وادعى الروياني أن المذهب المنع. قال: وإن تكفل بجزء شائع من الرجل، [أي:] كالثلث والربع. قال: أو بما لا يمكن فصله عنه – أي: مع بقاء الحياة –كالكبد والقلب صح؛ لأنه لا يمكن تسليم ذلك إلا بتسليم جميع البدن؛ فأشبه ما لو قال: تكفلت ببدنه. وقيل: لا يصح، وهو اختيار الشيخ أبي حامد والقاضي [أبي] الطيب وابن الصباغ؛ لأن ما لايسري إذا خص به عضو لم يصح كالبيع. والذي جزم به الماوردي: [الأول]، وألحق به ما إذا قال: كفلت لك نفسه، أو روحه، أو وجهه، أو عينه، وحكى الخلاف عن ابن سريج فيما لو قال: تكفلت لك [بيده أو رِجْله] وما في معناهما. وأجرى البندنيجي الخلاف فيما لو قال: كفلت لك عينه، والقاضي الحسين أجراه فيما لو قال: كفلت شعره. وقد تَنَخَّلَ بما إذا تكفل بعضو من البدن ثلاثة أوجه، كما صرح [بحكايتها في "المهذب" وغيره،] ثالثها: إن كان المكفول عضواً لا يبقى البدن دونه صح، وألا فلا، وهذا ما صححه البغوي. وروى الرافعي وجهاً رابعاً عن القفال في "شرح التلخيص": أنه إن تكفل بما يعبر به عن جميع البدن: كالرأس والرقبة، صح، وإلا فلا، وقال عنه: إنه صححه.

стр. 4771

قال: وإن تكفل به بغير إذنه لم يصح؛ لأن المقصود إحضار المكفول بدنه عند المطالبة، فإذا كان بغير إذنه لم يلزمه الحضور معه؛ فبطلت فائدة الكفالة. قال: وقيل: تصح؛ كما يصح [ضمان] الدين بغير إذن من هو عليه، وهذا قول ابن سريج، وبناء على أنه إذا عجز عن إحضاره يلزمه الغرم، والأول مبني على أنه لا يلزمه الغرم عند العجز عن إحضاره. وحكى صاحب "التقريب" وجهاً في جواز الكفالة به بغير إذن إن قلنا: إن الكفيل لا يغرم عند العجز عن إحضاره. ثم على قول ابن سريج: للكفيل مطالبة المكفول بدنه بالحضور معه [إذا طالبه المكفول له بإحضاره، ويجب على المكفول بدنه الحضور معه] لا من جهة الكفالة، بل من جهة الوكالة في إحضاره. فلو لم يقل المكفول له للكفيل: أحضره، ولكن قال [له:] أخرج من الكفالة- فهل يستلزم ذلك التوكيل في إحضاره حتى يلزم المكفول بدنه الحضور مع الكفيل؟ فيه وجهان عن ابن سريج كما حكاه البندنيجي عنه وغيره، واستبعده الأئمة. قلت: وفي وجوب الحضور معه مع التصريح بطلبه من المكفول له، نظر من حيث إن من عليه الحق لا يجب عليه الحضور إذا طلبه صاحب الحق بنفسه كما ذكرناه من قبل، وصرح به الإمام في موضعه، بل الواجب وفاء الحق، نعم: إذا استدعى القاضي الخصم وجب عليه الحضور؛ إجابة له. وإذا كان صاحب الحق غير قادر على إحضاره، فوكيله أولى؛ ولهذا المعنى خَطًّأ الماوردي [ابن سريج] في قوله. وقال القاضي الحسين: إن المذهب عدم صحة الكفالة؛ لأنه ليس له أن يكلفه الحضور إلا بإذن الحاكم، حتى لو وكله الخصم في إحضاره لم يكن له ذلك. وقد بنى الماوردي صحة الكفالة ببدنه الصبي والمجنون على الخلاف في

стр. 4772

اعتبار إذن المكفول ببدنه، وقال: إنها على المذهب لا تصح. وذلك منه محمول على ما إذا لم يأذن الولي فيها، أما إذا أذن صحت وجهاً واحداً، كما في البالغ العاقل، ويكون الولي هو المخاطب من جهة الكفل بالإحضار إذا طولب الكفيل به؛ للحاجة إلى إقامة البينة على عينهما بإتلافهما مال الغير، وغير ذلك، وهذا ما لم يزل الحجر عنهما. أما إذا زال فلا طلبة على الولي، والمطالب بالحضور من زال عنه الحجر، كما صرح [به غير] الماوردي. ومؤنة إحضار المكفول ببدنه واجبة على الكفيل، صرح بذلك القاضي الحسين. واعلم أن محل خلاف ابن سريج في صحة الكفالة بغير الإذن – كما حكاه القاضي الحسين -: ما إذا تكفل به بعد ثبوت المال. أما إذا كان قبل ثبوته فلا خلاف أنه لا يصح بدون الإذن. قال: وإن أطلق الكفالة طولب به في الحال؛ لأن كل عقد صح حالاً ومؤجلاً إذا أطلق كان حالاًّ كالعوض في البيع والإجارة. قال: وإن شرط فيه أجلا – أي: معلوماً – طولب [به] عند المحل؛ وفاء بالشرط كما في ضمان الأموال، والمحل: بكسر الحاء. أما إذا كان مجهولاً: كما إذا أُجِّلَ بالحصاد والقطاف والصرام، ففي الصحة وجهان عن ابن سريج حكاهما البندنيجي وغيره، وأصحهما: البطلان، ووجه الصحة: القياس على العارية. وقد أجرى مثل هذا الخلاف فيما لو علق كفالة البدن بمجيء الشهر، وكذا فيما لو علقها بحصاد الزرع، أو بقدوم زيد، لكنه في التعليق بالحصاد مرتب على الخلاف بمجيء الشهر وأولى بالبطلان، وفي التعليق بقدوم زيد مرتب [على] [التعليق بالحصاد] وأولى بالبطلان أيضاً.

стр. 4773

فرع: لو اشترط أن يكفله شهراً، فإذا انقضى برئ من كفالته – لم يصح على الأصح، وفيه وجه محكي في "التتمة" وقول في "التهذيب": أنه يصح. قال: وإن أحضره قبل المحل وليس عليه ضرر في قبوله، أي: مثل أن كان حقه حالاًّ وبينته حاضرة، والقاضي يتيسر الاجتماع به في ذلك الوقت؛ ولا ظالم يمنعه من تسليمه – قال: وجب قبوله؛ لما ذكرناه في السلم. وقد حكى القاضي الحسين وجهاً: أنه لا يجب قبوله كما حكينا مثله في السلم. وعلى الأصح: إذا لم يقبله سلمه الكفيل إلى الحاكم، فإن لم يكن حاكم أشهد عليه شاهدين بالامتناع من التسليم، [ويبرأ. وقال القاضي أبو الطيب: لا يحتاج إلى الدفع إلى القاضي، بل يشهد الشاهدين ابتداء]، وهذا ما اختاره ابن الصباغ وجزم به في "المهذب". أما إذا كنا [عليه] ضرر بأن فقد ما ذكرناه أو بعضه، لم يجب قبوله لدفع الضرر عنه. فرع: حكاه القاضي أبو الطيب وغيره: إذا تكفله على أن يسلمه إليه في موضع، فسلمه إليه في موضع آخر: فإن كان عليه مؤنة في حمله إلى موضع التسليم لم يلزمه قبوله. وإن لم يكن عليه مؤنة ولا ضرر لزمه قبوله كما ذكرناه في المحل، ولا فرق في ذلك بين [المكان والزمان]. وهكذا الحك فيما لو أطلق العقد وأحضره في غير موضع العقد؛ فإنه يستحق تسليمه في موضع العقد. وحكى البندنيجي عن ابن سريج وجهاً فيما إذا أحضره إليه في غير الموضع المشروط، أو في غير الموضع الذي أطلق فيه العقد: أنه لا يلزمه قبوله، وإن لم يكن عليه ضرر؛ كما لو أحضره له في [غير] البلد، وسوى الماوردي بين البلد والمحلة فيما ذكرناه أولاً.

стр. 4774

قال: وإن سلَّم المكفول به نفسه، أي: عن الكفيل؛ كما قيده القاضي أبو الطيب وغيره – برئ الكفيل؛ كما لو قضى المضمون عنه الدين؛ فإن ضامنه يبرأ من ضمانه، أما إذا أطلق فلا يبرأ، صرح به الرافعي وغيره. وهكذا لو لم يسلم نفسه، لن ظفر به المضمون له في مجلس الحكم، فادعى عليه بالحق. وكذا لو سلمه أجنبي لا عن جهة الكفالة، ولو سلمه عن جهة الكفالة برئ لكن للمكفول له الامتناع من قبول إذا كان [ذلك] بغير إذن الكفيل، ولو كان بإذنه وجب تسليمه. فرع: لو تكفل ببدنه اثنان، فأحضره أحدهما، أطلق العراقيون: أنه لا يبرأ، وقال في "المهذب": يحتمل عندي أنه يبرأ؛ كما لو قضى أحدهما الدين. وهذا ما حكاه ابن الصباغ عن المزني، وحكى ابن يونس هذا الخلاف وجهين. وفي "التهذيب": أنهما إن كفلا على الترتيب وقع تسليمه عن المسلم دون صاحبه، سواء قال: سلمت عن صاحبي، أو لم يقل، وإن كفلا معاً فوجهان، المذكور منهما في "تعليق" القاضي الحسين: أنه يبرأ. قال: وإن غاب – أي: إلى موضع معلوم – لم يطالب به حتى يمضي زمان يمكن المضي [فيه إليه والرجوع]؛ لأن القدرة على تسليم الدين المضمون شرطٌ في المطالبة؛ فكذلك في البدن. فإذا مضت تلك المدة ولم يأت به حبسه الحاكم إلى أن يحضره أو يموت المكفول به.

стр. 4775

وهكذا الحكم فيما لو كان المكفول به ابتداء غائباً. وفي "الجيلي" حكاية وجه في مسألة الكتاب: أنه يحبس في الحال، وهذا ما حكاه القاضي الحسين في "تعليقه". ولا فرق فيما ذكرناه بين أن تكون المسافة قريبة أو بعيدة كما صرح به البندنيجي، وصححه الرافعي. وفي "التتمة" حكاية وجه: أنه إذا كان في مسافة القصر لا يكلف إحضاره؛ إلحاقاً لهذه الغيبة بالغيبة المنقطعة كما لو غاب الولي أو شاهد الأصل إليها. انتهى. فرع: لو كان المكفول بدنه حال المطالبة به محبوساً أو لحق بدار الحرب، قال المزني: يلزمه إحضاره من دار الحرب؛ لأنه ما مات، وإن كان في الحبس فعليه رده إليه؛ لأنه يمكنه أن يقضي دينه ويفكه من الحبس. قال البندنيجي: والذي عليه أصحابنا: أنه يلزمه تسليمه إليه وهو في الحبس كما فصلناه. والذي فصله: أنه إن كان في حبس الحاكم، فقال المكفول له: أحضر مجلس الحكم حتى تتسلمه – فإنه يحضر معه، ويسلمه إليه في الحبس، والحاكم ينظر بينه وبين المحبوس. قال: وإن انقطع خبره لم يطالب به حتى يعرف مكانه؛ لعدم القدرة على التسليم قبل العرفان، وإمكانه بعده كما في ضمنا المعسر. قال: وإن مات سقطت الكفالة؛ لأن الإحضار [منوط] بالحياة؛ فإنه الذي يخطر بالبال غالباً، وقد انتهت بالموت. ولا فرق في ذلك بين أن يكون المكفول مشهور النسب؛ بحيث لا يحتاج في الشهادة عليه إلى إحضاره، أو لا. وفيه وجه صححه الرافعي وغيره: أنه إذا لم يكن مشهور النسب، واحتيج إلى إقامة الشهادة على عينه -:أنها لاتسقط بالموت، بل يطالب بإحضاره ما لم يدفن؛ كما تصح الكفالة ببدن الميت؛ لهذا الغرض.

стр. 4776

فإن دفن لم يُنْبَش، قاله في "التهذيب". قال: وقيل: يطالب الكفيل بما عليه من الحق، أي: إن كان قد ضمنه بعد ثبوت الحق كما قاله القاضي الحسين؛ لأن الكفيل وثيقة في الحق، فإذا مات من عليه وجب استيفاؤه من الوثيقة، أصله: الرهن، وهذا قول ابن سريج. وقيل: يلزمه أقل الأمرين من قدر الدين أو دية المكفول. وقد حكى الرافعي وغيره: أن هذا الخلاف مبني على القولين في أن السيد يفدي العبد الجاني بماذا؟ وفي ذلك نظر؛ لأن وجه من قال: إن السيد يفدي العبد بالأكثر؛ لاحتمال وجود زَبُونٍ يشتريه به، وهذا الاحتمال مفقود هاهنا بل هذا شبيه بأم الولد إذا جنت. وقد حكى الماوردي: أن ابن سريج طرد قوله فيما إذا هرب المكفول به إلى حيث لا يعلم أو توارى. وقال الرافعي: إن الخلاف في هذا مرتب على الموت، وأولى بألا يطالب إذا لم يحصل اليأس عن إحضاره، وهو الذي جعله القاضي الحسين المذهب. ولو شرط في الكفالة أنه إذا جز عن تسليمه غرم الدين: فإن قلنا إن يغرم عند الإطلاق، فلا بأس، وإلا لم يصح؛ لأنه ضمان معلق بشرط، وفي صحة الكفالة بالبدن دون المال وجهان يبنيان على تفريق الصفقة، كذا حكاه القاضي الحسين. أما إذا كان قد ضمنه ولم يثبت الحق عله بعدُ ومات فلا شيء عليه. فروع: لو مات المكفول له، [هل] تبطل الكفالة؟ فيه لاثة أوجه عن ابن سريج: أظهرها – وهو ما حكاه الماوردي -: بقاء الكفالة؛ كما لو ضمن له المال. فعلى هذا: لو كان للميت ورثة، وموصى لهم، وغرماء، فسلمه إلى الورثة والغرماء والموصى لهم دون الوصي، ففي براءته ثلاثة أوجه، أحدهما: لا؛ كما

стр. 4777

لو سلمه إلى واحد من الثلاثة دون الباقي، أو إلى اثنين منهم، حكاه الماوردي. والثاني: أنها تنقطع؛ لأنها ضعيفة. والثالث: إن كان له وصي أو عليه دين بقيت؛ لأن الوصي نائبه، وتمس حاجته إلى قضاء الدين، فإن لم يكن وصي ولا عليه دين، انقطعت. وأبدل في "الوسيط" لفظ "الوصي" بـ"الوصية"، والمذكور في "النهاية" ما ذكرناه. لو مات الكفيل: قال الماوردي: فعلى مذهب الشافعي سقطت الكفالة. ويجيء على مذهب ابن سريج: أنها لا تبطل؛ لأنها قد تفضي إلى مال، فيتعلق بالتركة، ثم قال: لكن لم أجد له نصًّا فيه. [لو تكفل ببدن فلان على أن يبرأ فلان من كفالته، أو: على أن يبرئه من الكفالة – لم تصح الكفالة. وفي "المهذب" وجه في الثانية عن ابن سريج: أنها تصح، وهو ما حكاه القاضي الحسين في المسألة الأولى؛ فإن الأول يبرأ إذا رضي المضمون له، وطرد فيما إذا ضمن ديناً له به ضامن آخر بشرط أن يبرأ الضامن الآخر إذا تكفل ببدن زيد، ثم قال: تكفلت به ولا حق لك عليه – فالقول قول المكفول له، لكن بيمين أو بغير يمين؟ فيه وجهان حكاهما العراقيون، وحكى الغزالي فيما لو قال الكفيل: كنت أبرأت قبل كفالتي ولم أعرف – في سماع دعواه للتحليف – وجهين يجريان في كل دعوى محتملة [يناقضها عقد سابق]].

стр. 4778

باب الشركة الشركة - بكسر الشين وإسكان الراء - والشِّرْكُ: بمعنى واحد. وجمع الشركة: شِرَك، بكسر الشين وفتح الراء. وهي في اللغة بمعنى: الاختلاط والامتزاج. وفي الشرع: عبارة عن ثبوت الحق في الشيء الواحد لمستحقَّينِ على جهة الإشاعة. ثم هي تحصل تارة بالخلط على الوهج الذي نبيِّنُه، وتارة بالشيوع الحكمي، وذلك يقع على وجهين: أحدهما: بالاختيار، كما إذا اشتريا عيناً أو اتَّهَبَاها أو أوصي لهما بها أو تُصُدِّق عليهما بها، ونحو ذلك. والثاني: بغير الاختيار، كما إذا ورثاها أو غنماها ونحو ذلك. والمراد بالشركةِ المُبَوَّب عليها: الشركة لابتغاء العمل بالتصرف. والأصل في جوازها قبل الإجماع من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص:٢٤]. [ومن السنة] ما روى أبو داود عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ [أنه] قال: "يَقُولُ اللهُ تعالى: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَالم يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا".

стр. 4779

وما روي أنه ﷺ قال: "يَدَ اللهِ عَلى الشَّرِيكينِ مَا لَمْ يَتَخَاونَا". ولقد كان البراء بن عازب وزيد بن أرقم شريكين، فاشتريا فضية بنقد ونسيئة، فبلغ رسول الله ﷺ "فأمرهما: أن: مَا كَانَ بِنَقْدٍ فأجِيزُوهُ، وَمَا كَان بِنَسِيِئَةٍ فَرُدُّوهُ". قال [الشيخ ﵀]: يصح عقد الشركة [أي] التي سنصفها من كل جائز التصرف بالإجماع. ولأن وضع الشركة توكيل بالتصرف منضم إلى التصرف في الملك والوكالة تصح من كل جائز التصرف ولا تصح من غيره؛ لأنه تصرف في المال فافتقر إلى أهلية التصرف فيه كالبيع. فإن قيل: إذا كان وضع الشركة التوكيل، والأحكام لا تتغير بها فأي فائدة منها؟ قيل: الشركة ما أثبتت لتغيير وضع الأصول، وإنما الغرض منها أن المال إذا قل لا يجري في المتاجر، وإذا كثر انتظمت التجارة. فالمقصود منها تكثير المال للتوصل إلى تحصيل الربح. ولا فرق في صحة العقد بين أن يصدر بين مسلمين أو كافرين، أو [بين] مسلم وكافر. نعم شركة المسلم للكافر مكروهة؛ لما روي عن ابن عباس – ﵄ – أنه قال: أكره أن يشارك المسلم اليهودي. ولا يُعرف له مخالف. ولأن مال الكفار ليس بطيب؛ لأنهم يبيعون الخمور ويتعاملون بالربا؛ ولذلك كرهت مخالطته. [ومن هذه] العلة يظهر لك أنه لا فرق في الكراهة بين أن يكون المتصرف: المسلم أو الكافر، كما صرح به البندنيجي، وقد ألحق الغزالي بالكافر في الكراهة: الفاسقَ.

стр. 4780

قال: ولا يصح، أي عقد الشركة إلا على الأثمان على ظاهر النص، والأثمان: الدراهم والدنانير خاصة والدليل على صحته عليهما: الإجماع. وعلى عدم صحته على غيرهما من النقار، والسبائك، وذوات الأمثال والعُروض: أنه عقد يبتغي به النماء فاختص بالأثمان لتيسر المقصود بها كالقراض. وهذا ما نسبه الشيخ في "المهذب" [وغيره] إلى رواية البويطي. قال: وقيل: صح على كل مَا لَهُ مثل، أي حقيقي، كما سنذكره في الغصب من الحبوب والأدهان المتساوية في الوصف، كما قاله الروياني في "البحر" والرافعي وغيرها. وكذا "التبر" إن قلنا: إنه مثلي؛ لأنهما مالان إذا اختلطا لم يتميز أحدهما عن الآخر، وقيمتهما واحدة في حال الارتفاع والانخفاض، فصح عقد الشركة عليهما كالأثمان، وهذا قول ابن سريج، وأبي إسحاق وأكثر الأصحاب، كما حكاه الماوردي. قال: وهو الأظهر؛ لما ذكرناه، وكذلك صححه الرافعي، واختاره في "المرشد" وقال الإمام: إنه المعتمد في الفتوى. وقد ظهر لك من علة ظاهر المذهب وعلة مقابله، أن عدم الصحة على العروض: هل لعدم تيسر تحصيل المقصود بها، أو خشية أن يفوز أحدهما بجزء من مال صاحبه أو ربحه؛ فإنه قد تزيد قيمة عرض أحدهما وتنقص قيمة عرض الآخر بارتفاع الأسواق وانخفاضها، وذلك يخرج الشركة عن موضوعها؟ وسيظهر لك ثمرة هذا الخلاف من بعد.

стр. 4781

فرع: الدراهم المغشوشة هل يصح عقد الشركة عليها؟ جزم الروياني فيها بالمنع [وحكى] صاحب "العدة": أن الفتوى على الجواز إذا استمر في البلد رواجها. وخرج الرافعي [ذلك على] جواز القراض عليها، وفيه خلاف سنذكره-إن شاء الله تعالى – آخراً. قال الرافعي: إذا جوزنا الشركة في المثليات، فإن استوت القيمتان كانا شريكين على السواء، وإن اختلفتا؛ كما إذا كان لأحدهما كُرُّ حنطةٍ قيمته مائة، وللآخر كُرٌّ قيمته خمسون [درهماً] [فهما] شريكان في الثلثين والثلث، كذا حكاه العراقيون. ثم قال: وهذا مبني على قطع النظر في المثليات عن تساوي الأجزاء في القيمة، وإلا فليس هذا الكثير مثلاً لذلك القليل. قلت: وهذا الكلام منه يدل على صحة [عقد] الشركة عليها، والذي شرطناه أولاً من تساوي المثلين في الوصف يمنع ذلك. وقد صرح بحكاية المنع في هذه الصورة الروياني [في البحر]، نعم

стр. 4782

قال: تصح الشركة فيها بالطريق الذي [تصح به] في العروض [، كما سنذكره]. فائدة: كثيراً ما يورد بعض الطلبة على الشيخ أنه ناقض حصره هاهنا جواز الشركة على النقدين وعلى ذوات الأمثال على رأي دون ما عدا ذلك بقوله: "وإن كان مالهما عرضاً ... " إلى آخره. فإنه قد جوّز الشركة في غير النقدين والمثلي وهو [غير] وارد؛ لأن الكلام أولاً في عقد الشركة وهو قولهما: اشتركنا في هذين المثلين. وهذا العقد لا يصح إيراده على عرضين ليسا بمثلين أصلاً. وإنما تصح الشركة على ما ذكره؛ فلا اعتراض أصلاً. قال: ولا يصح من الشركة إلا شركة العنان. لما انقسمت الشركة إلى أربعة أنواع، منها ثلاثة باطلة وهي: شركة الأبدان، وشركة المفاوضة، وشركة الوجوه، وواحدة صحية احتاج الشيخ إلى بيان الصحيحة منها وهي شركة العنان. وقد أجمع العلماء على جوازها، وهي بكسر العين. واختلف في المعنى الذي لأجله سميت بهذا الاسم: فقيل: سميت بذلك؛ أخذاً من عِنَانِ فَرَسَي الرهان؛ لأن الفارسَيْنِ إذا استبقا تساوى عنان فرسيهما فكان أحدهما بِحَدِّ الآخر، كذلك هذه الشركة من شأنها أن يتساوى الشركيان فيها وفي قدر ربح مالهما. وقيل: أخذاً من عنان فرسي الرهان بجهة أخرى، وهي أن كل واحد من الفارسين يفعل كفعل صاحبه ويصنع كصنعه لا يخالفه، كذلك كل واحد من الشريكين [ما يترك] شريكه ولا يخالفه. وقيل: لأن عنان الدابة يمنعها من التصرف باختيارها، [كذلك الشركة تمنع] كل واحد منهما من التصرف في المال باختياره ويقتصر على

стр. 4783

أن يتصرف بما فيه مصلحة. وقيل: لأن كل واحد من الفارسي يأخذ بعنان الدابة ويحبس يده عليها، ويده الأخرى مرسلة يتصرف بها كيف شاء، كذلك كل واحد من الشريكين بعض ماله محبوس على الشركة ومقصور على التصرف [فيها] وباقي المال مطلق له يتصرف به كيف شاء. وقيل: لأن كل واحد منهما يملك التصرف في جميع المال كما يملك عنان فرسه [يتصرف فيه] كيف شاء. وقال الفراء وابن قتيبة: إنها مشتقة من: عنَّ الشيء، يعنُّ إذا عَرَضَ، يقال: عنت لي حاجة: أي عرضت، فسميت بذلك؛ لأن كل واحد منهما قد عنَّ له أن يشارك صاحبه. وقيل: إنها مشتقة من عنَّ الشيء، إذا ظهر؛ ولهذا سمي العنين: عينيناً؛ لأنه ظهر عجزه، حكاه القاضي الحسين. قال: وهو أن يعقدا على ما تجوز الشركة عليه أي كأحد النقدين أو المثليات إن قلنا بالأظهر. وصيغة العقد أن يقولا: اشتركنا في هذا المال، وهل يحتاجان مع ذلك إلى الإذن في التصرف ليستفاد به جواز التصرف، أو لا يحتاج إليه ويستفيده بنفس العقد؟ فيه وجهان حكاهما المراوزة: أحدهما – وهو ما اقتضاه كلام الشيخ -: الثاني وهو الأظهر في "الوجيز" إذا كان يفهم المقصود منه عرفاً؛ لأنه لو اشترط لم يَبْقَ في العقد فائدة؛ لأن المال مختلط، والإذن حاصل، وسأذكر في آخر الباب مايؤيده أيضاً. والذي جزم به القاضي أبو الطيب وغيره من العراقيين: الأول، وهو [الذي] رجحه ابن كج والبغوي [وغيرهما]. وروى الماوردي عن ابن سريج أنهما إذا خلطا المالين على الشركة أو ابتاعا

стр. 4784

متاعاً للشركة – جاز أن يتصرف كل واحد منهما في جميعه من غير احتياج إلى إذن، وهو الذي حكاه في الإفصاح، كما حكاه الروياني. وعلى القول بعدم اعتبار الإذن [لكل واحد] منهما أن يتصرف في جميع المال، ويجو أن يكون مال الشركة في يدهما. وعلى القول باعتبار الإذن] ينظر: إن وجد من كل واحد منهما [للآخر] تصرَّفَا أيضاً، وإن أذن أحدهما دون الآخر تصرف المأذون [له] في جميع المال، والإذن في ماله خاصة. وهكذا الحكم فيما إذا قلنا: لا يشترط الإذن في التصرف وعقداها ابتداء بهذا الشرط. قال [الإمام]: واختصاص المأذون له بالتصرف في ملك صاحبه يلحق المعاملة بمضاهاة القراض، ولا يعد في تسميتها [شركة] بالاشتراك في رأس المال. وقال البندنيجي والقاضي أبو الطيب والروياني في "بحر المذهب" وغيرهم في هذه الصورة: إنها ليست بشركة ولا قراض: لأن مقتضى الشركة أن يشتركا في العمل والربح، ولم يوجد ذلك. قلت: [وهو ينطبق على] أن شركة العنان مأخوذة من التساوي في الفعل. قالوا: ولا ذلك القراض؛ لأن مقتضاه أن يكون للعامل في مال الغير نصيب من الربح لكنها بضاعة ثم في هذه الصورة هل يشترط انفراد المأذون له باليد كما في عقد القراض؟ فيه وجهان. وهل يشترط في الآذن منهما أو من أحدهما تعيين التصرف؟ الذي حكاه العراقيون أنه إن وجد [تصرفٌ] عامٌّ فيما يرى من أنواع التجارات وصنوف الأمتعة تصرف فيها مطلقاً. [وإن عين له جنساً دون جنس، أو نوعاً دون نوع كان له التصرف في ذلك الجنس أو النوع دون ما عداه. وقال

стр. 4785

القاضي الحسين في التعليق: الصحيح أن تعيين النوع في الشركة شرط كما في الوكالة؛ إذ هي نوع توكيل، وقيل: لا يشترط كما في القراض. فعلى الأول – وهو الصحيح – يجوز أن يأذن أحدهما للآخر في التصرف في الثياب والدواب .. فرع: قال في "الزوائد" عن المحاملي: ولا فرق في النوع المعين بين أن يعم وجوده أو لا؛ لأن ذلك توكيل، والإنسان يوكل غيره [في شراء ما لا يعم] وجوده، [ويصح، بخالف القراض؛ حيث قلنا: لا يصح أن يقارض إلا على ما يعم وجوده] لأن القصد منذلك حصول الربح، فمتى كان النوع مما ينقطع لم يحصل المقصود قلت: ويتجه أن يتخرج وجه فيما إذا أذن فيما لا يعم: أن الشركة لا تصح مما ذكرناه في علة اختصاص الشركة بالنقدين. قال: وأن يكون مال أحدهما من جنس مال الآخر وعلى صفته؛ فإن كان من أحدهما دراهم ومن الآخر دنانير، أو من أحدهما صحاح ومن الآخر قراضة لم تصح الشركة؛ لأن أسماء العقود المشتقة من المعاني [فيجب تحقق تلك المعاني] فيها، كما في الحوالة والسلم والصرف، ومعنى الشركة: الاختلاط والامتزاج، وهو لا يحصل في ذلك؛ لأن مال كل منهما متميز عن مال الآخر، وهكذا الحكم فيما لو امتاز أحد النقدين عن الآخر بالصكة، أو بالتأريخ مع استوائهما في الصكَّة أو بياض أو سواد وفيما إذا جوزنا الشركة على ذوات الأمثال، فكان من أحد الشريكين بذر كتان ومن الآخر سمسم، أو من أحدهما حنطة حمراء ومن الآخر حنطة بيضاء، لما ذكرناه. وحكي عن أبي سعيد الإصطخري أنه جوز الشركة على الدراهم السود مع البيض، وعن أبي إسحاق رواية وجه أنه جوز الشركة على الحنطة السمراء والبيضاء. قال: وأن يخلط المالان؛ ليتحقق معنى الشركة وهذا الخلط شرط في صحة العقد فيعتبر تقدمه على قولهما: اشتركنا، والإذن في التصرف إن اعتبرناه، وقيل: إن وجد الخلط بعد العقد في المجلس كفى كما حكاه القاضي الحسين والمتولي، ولو تأخر عن المجلس لم يصح. وفي كلام الإمام ما يقتضي الجواز

стр. 4786

أيضاً؛ فإنه حكى عن الأصحاب ما ذكرناه أولاً، ثم قال: وفيه فضل نظر؛ فإن مستند الشركة [في] التوكيل بالتصرف، وفي تعليق الوكالة خلاف. فإن علق المالكان التوكيل بالتصرف بالخلط خرج على الخلاف لا محالة، وإن نجز التوكيل مع تمييز المالكين ثم فرض اختلاطهما فالوجه: القطع بصحة الوكالة أولاً، ودوامها مع وجود الاختلاط إذا كان يجري ذلك على حسب الإذن. نعم، لو قيد الإذن بالتصرف في المال المنفرد فلابد من الإذن بعد الخلط. وما ذكرنا في اعتبار الخلط مفروضٌ فيما إذا كان المالان متميزين، أما إذا كان المال مشتركاً بينهما على سبيل الشيوع، فهو آكد [في الخلط]. قال: وقيل: يشترط أن يكون مال أحدهما مثل [مال] الآخر في القدر؛ لأن الربح يحصل بالمال والعمل، فكما لا يجوز الاختلاف في الربح [مع التساوي في المال، والاختلاف] في العمل لا يجوز الاختلاف في الربح مع التساوي في العمل والاختلاف في المال، وهذا قول أبي القاسم الأنماطي. قال: وليس بشيءٍ. وقال الإمام: إنه هفوة غير معتد به؛ لأن المال أصل؛ بدليل أنه لا يجوز أن ينفرد أحدهما به، والعمل تابع [بدليل جواز انفراد] أحدهما به، والأصل لا يقاس على التابع. ثم على المذهب وهو عدم اشتراط التساوي في المال: لو كان بينهما مال مشترك على الشيوع فهل يشترط العلم حالة العقد بمقدار النصيبين بأن يعرفا أن المال بينهما نصفان أو على نسبة أخرى؟ فيه وجهان: [المذكور منهما في "بحر المذهب": عدم الجواز؛ فإنه قال: لا يجوز عقد الشركة على الدراهم المغشوشة؛ لان الفضة فيها مجهولة، ويجب أن يكون مال الشركة معلوماً، وكذلك في "الحاوي" عند الكلام في شركة الأبدان. وأظهرهما] في الرافعي: أنه لا يشترط، وقيدَّه بما إذا أمكن معرفته من بعد، وهذا الوجه جزم به في "الوجيز"، ومقابله حكاه الإمام عن طوائف من الأصحاب

стр. 4787

ثم قال: فيه نظر سنذكره. وقد حكى الرافعي أن مأخذ الخلاف وجهان حكاهما الأصحب فيما إذا كان بين رجلين مال مشترك وكل منهما يجهل قدر حصته فأذن كل [واحد] منهما للآخر في التصرف في جميع المال أو في نصيبه: هل يصح الإذن؟ و [قال]: إن أظهرهما الصحة. ومقتضى هذا ألا يتقيد تصحيح الوجه بصحة الشركة بما إذا أمكن معرفة النصيب من بعد كما أطلقه في "الوسيط"، والله أعلم. قال: وإن كان مالهما عرضاً وأرادا الشركة – أي: به – باع كل واحد منهما بعض عرضه- أي: مشاعاً كالثلث والربع – ببعض عرض صاحبه سواء كان مساوياً لذلك البعض كالنصف بالنصف، أو غير مساو كالثلث بالثلثين. قال: فيصير مشتركاً بينهما، أي: [على نسبة] ما وقع عليه العقد، ثم يأذن كل واحد منهما للآخر في التصرف، [أي: بعد قبض ما شاتراه؛ لأن عقد الشراء لا يتضمن الإذن في التصرف وإن تضمنه عقد الشركة على رأي، ويجيء فيه ما حكاه الماوردي عن ابن سريج فيما إذا ابتاعا مشاعاً للشركة: أنه لايحتاج إلى الإذن في التصرف وإنما اعتبرا أن يكون بعد القبض؛ لأن المشتري لا يصح تصرفه قبل القبض فوكيله من طريق الأولى. تنبيه: قول الشيخ: ثم يأذن كل [واحد] منهما للآخر، احترز به عما إذا قارن الإذن العقد؛ فإنه إن كان مشروطاً أبطل كما صرح به الروياني في البحر والبندنيجي وغيرهما، وإن كان غير مشروط فهو قبل حصول القدرة عليه فلا يصح. قال: فما حصل من الربح يكون بينهما على قدر المالين، [وما حصل من الخسران يكون بينهما على قدر المالين]؛ عملاً بقضية الشركة. ولا يشترط معرفة قيمة العرضين على الأصح، وفي ذلك وجه حكاه الماوردي، وهذه الصورة اخترعها المزني وسيلة إلى تصحيح الشركة بالعروض

стр. 4788

المتقومة، وهي ترجي فيما لو كان مع أحدهما دراهم ومع الآخر دنانير، [ولا يختص] تصويرها بأن يبيع أحدهما بعض عرضه ببعض عرض صاحبه، بل يجوز أن يبيع كل منهما بعض عرضه من صاحبه بثمن في ذمة صاحبه، ثم يتقاصا أو يتباريا أو يتقايضا على حسب ما يتفق، ويجوز أن يشتريا عرضاً للشركة على الشيوع. ثم ظاهر إطلاق الأئمة [يقتضي] أن ذلك إذا وجد ثبت [جميع أحكام] الشركة كما لو كان مالهما نقداً. وفي "التتمة": أن ذلك إذا وجد؛ صار العرضان مشتركين ويملكان التصرف بحكم الإذن، ولكن لا تثبت أحكام الشركة فيما يحدثانه من التصرفات بعد ذلك إلا باستئناف عقد على الثمن بعد نضوضه، وهذا ما حكاه القاضي الحسين في تعليقه، وقال الفوراني في "إبانته": إن الحكم في هذه الشركة كالحكم في الحنطة والشعير، يشير إلى أن فيها خلافاً كما في ذوات الأمثال، ومأخذه اختلاف ما أشرت إليه من علة ظاهر النص ومقابله. تنبيه: العَرض - بفتح الراء - كل ما يتمَوَّل من النقود وغيرها، وبسكون الراء كل ما يتمول إلا النقود، كذا حكاه البندنيجي، ومقتضى هذا أن كلام الشيخ [يشمل] ما ليس بمثلي، والمثلي إذا قلنا: لا يجوز عقد الشركة عليه، كما قاله الجيلي. قال: فإن تساويا في المال، أي: مثل، أن كان لكل [واحد] منهما ألف وشرطا التفاضل في الربح، أي: مثل إن شرطا لأحدهما ثلثي الربح وللآخر الثلث، أو تفاضلا في المال، أي: بأن كان لأحدهما ألف وللآخر ألفان، وشرطا التساوي في الربح بطل العقد؛ لأن الربح جزء من الثمن، والأثمان تتوزع على [قدر] المثمنات؛ ولهذا إذا أطلق العقد نزل على ذلك، فإذا شرطا خلاف مقتضاه بطل، كما لو شرطا أن يكون جملة الربح لأحدهما، ولأن الشركة قد

стр. 4789

تفضي إلى الربح تارة وإلى الخسران أخرى، فلما كانالخسران يتقسط على المال ولا يتقسط بالشرط، وجب أن يكون الربح مثله. وفي "بحر المذهب" حكاية [وجه] عن القاضي الطبري أنه حكى عن بعض الأصحاب أن الشرط يفسد: وتصح الشركة، وحكى الماوردي وجهين في أن شرط التفاضل إذا [بطل كما] ذكرناه في الصورتين هل يوجب بطلان الشركة بمعنى بطلان الإذن في التجارة بالمال المشترك؟ أحدهما: قد بطل الإذن؛ لبطلان الشرط فيه، فلا يجوز لأحدهما أن يتصرف في جمي المال، فإن تصرف كان كمتصرف في مال مشترك عن شركة فاسدة. والثاني: لا يبطل الإذن؛ فيجوز أن يتجر كل واحد في جميع المال، ويكون الربح مقسوماً بالحِصص، وهذا إن لم يكن عَيْن الوجه الذي حكاه الطبري فلا أعرف بينهما فرقاً، مع أن الروياني حكاهما. قال: وقسم الربح بينهما على قدر المالين لما ذكرناه، ولأنه مستفاد من المالين فكان على قدرهما، كما لو كان بينهما نخل فأثمرت أو شاة فَنُتِجَتْ. ففي الأولى: يقسم الربح نصفين، وفي الثانية: أثلاثاً، وهذا من الشيخ يدل على صحة التصرف؛ لأن الربح فرع له، وقد صرح به في "المهذب" وغيره اعتماداً على بقاء الإذن. قال: ويرجع كل واحد منهما على الآخر بأجرة عمله في ماله؛ لأن الشركة عقد يقصد به الربح في النامي فاستحق العوض فيه عن العمل عند فساده كالقراض، فعلى هذا في كيفية التراجع في المسألة الأولى حالتان: أحداهما: أني ساوي عمل كل منهما مائة؛ فلكل منهما على صاحبه خمسون؛ لأن عمله يقع على ملكه وملك الآخر فيتقاصان.

стр. 4790

والثانية: أن تساوي أجرة أحدهما مائة والآخر مائتان، فقد استحق صاحب المائة على الآخر خمسين و [استحق] صاحب المائتين على صاحب المائة مائة، فيتقاصان في خمسين ويرجع [صاحب المائتين] على صاحب المائة بخمسين. وفي كيفية التراجع في المسألة الثانية ثلاثة أحوال: إحداها: أن تكون أجرة عمل صاحب الألفين مائتين، وأجرة عمل صاحب الألف مائة، فقد وجب لصاحب الألفين على صاحب الألف ستة وستون درهماً وثلثان، ووجب له عليه مثلها فيتقاصان، والباقي ساقط بحكم العمل في الملك. الحالة الثانية: إذا كانت أجرة كل منهما مائتين، رجع صاحب الألف على صاحب الألفين بستة وستين [درهماً] وثلثين، ويسقط مثلها في مقابلة ملكه، ويتقاصان بمثلها؛ إذ هو الواجب على صاحب الألف لصاحب الألفين. الحالة الثالثة: إذا كانت أجرة صاحب الألفين مائة وأجرة صاحب الألف مائتين، رجع صاحب [الألف على صاحب] الألفين بمائة، وسقط من أجرته ستة وستون درهماً [وثلثا درهم] في مقابلة ملكه، ويتقاصان في ثلاثة وثلاثين درهماً وثلث؛ إذ هي الواجبة على صاحب الألف لصاحب الألفين. و [قد] حكى المتولي وجهاً أن الشركة إذا فسدت لا يرجع أحدهما على الآخر بأجرة عمله؛ لأن الفاسد كالصحيح في وجوب الضمان وعدمه والشركة إذا كانت صحيحة لا يرجع فيها بأجرة العمل؛ فكذلك إذا كانت فاسدة. وهذا الوجه يضعف إذا كان المشروط له الزيادة من أجرة عمله [أكثر ولم يحكه الإمام في هذه الحالة، ويقوى إذا كان المشروط له الزيادة من أجرة عمله] أقل، وهو الذي صححه الإمام وغره.

стр. 4791

وعلى هذا لا أثر لفساد الشركة في هذه الصورة [أصلاً]، بل الفاسد هو الشرط إذا قلنا: إن الإذن لا يبطل بالشرط، كما جزم به معظم الأصحاب. وقد حكى المراوزة فيما إذا شرطت الزيادة لمن له مزيد عمل وجهاً أنه يصح والأصح عندهم عدم الصحة أيضاً. والقائلون بالمذهب فرقوا بين الصحيحة والفاسدة، بأن كلاًّ منهما قد شرط في مقابلة عمله جزءاً من الربح، وقد تعذر عليه الرجوع إليه [في] الفاسدة؛ فكان له الرجوع إلى قيمة المبذول، كما لو باع عيناً بخمر وقد تعذر رَدُّها؛ فإنه يرجع [إلى] قيمتها، وإذا كانت صحيحة فالمسلم قد سلم له قيمتها، وما ذكرناه مفروض فيما إذا كان العمل منهما. أما إذا انفرد أحدهما به بالشرط، نُظر: فإن كان في المسألة الأولى قد شرطت الزيادة للمنفرد بالعمل، مثل أن شُرط له ثلثا الربح وللآخر الثلث – صح، واستحق النصف بحكم الشركة والسدس بحكم أنه مقارض، وجاز القراض هاهنا على المشاع؛ لأنه لا يمنع من التصرف. وحكى المراوزة وجهاً أنه لا يصح هذا الشرط أيضاً وصححه الرافعي؛ لأن لا يمكن جعل هذا العقد شركة وقراضاً؛ فإن العمل يقع في القراض مختصًّا بمال المالك، وهاهنا يتعلق بملكه وملك صاحبه. قلت: وهذا قريب الشبه من مسألة قفيز الطَّحَّان كما سيأتي، والأول مشابه لما حكيناه عن العراقيين والمراوزة فيما إذا وقع الجدار المشترك نصفين، فبناه احدهما على أن يكون له ثلثا النقض والأساس فإنهم قطعوا بالصحة. وإن شرطت الزيادة لغير العامل فالحكم كما تقدم فيما إذا كان العلم منهما متساوياً. ووجه عدم الرجوع بأجرة العمل هاهنا أظهر؛ لأنه رضي بأن يكون عمله مجاناً مع نقص حصته من الربح، فكيف وقد حصل له تمام ربح ماله، وسيأتي مثله فيما إذا قال: قارضتك على أن يكون الربح كله لي، وكذا فيما

стр. 4792

إذا تزوج امرأة على ألا يقسم لها أو لا يبيت عندها، وكان مهر مثلها أكثر من المسمى فإنها لا تستحق [القدر الزائد]؛ لما أشرت إليه. وإن كان في المسألة الثانية، نُظِر: فإن كان صاحب الألف هو المنفرد بالعمل فالحكم كما لو كانا متساويين وشُرِطَ له من الربح الثلثان؛ فيستحق النصف من الربح، ثلثه بحكم الشركة، وسدسه بحكم القراض. وإن كان صاحب الألفين هو المنفرد بالعمل، فالحك كما لو كان العمل منهما وقد تساويا في المال. فرع: إذا قلنا بصحة شرط الزيادة لمن زاد عمله أو انفرد به، فأطلقا العقد فظاهر كلام العراقيين أن الربح يقسَّم على نسبة المالين. وحكى الإمام وجهاً عن رواية صاحب "التقريب" والشيخ أبي محمد أنه يثبت لمن زاد عمله بسبب الزيادة أجرة؛ تخريجاً مما إذا استعمل صانعاً ولم يذكر له أجرة. قال: وأما شركة [الأبدان وهي أن يشتركا] على ما يكتسبان بأبدانهما فهي باطلة. صورة المسألة: أن يقول الصانعان: اشتركنا، على أن ما يحصل لهما من كسبهما يكون بينهما على حسب ما يشترطانه، سواء كانا متفقي الصنعة كالنجارَيْنِ والخياطَيْنِ، أو مختَلِفِيها كالنجار والخياط. ودليل بطلانها كما حكاه بعضهم قوله ﷺ عن الغرر كما رواه ابن عباس وهذا غرر؛ لأن كل واحد منهما لا يدري: أيكسب صاحبه شيئاً أم لا، وكم قدر كسبه؟ ومن جهة المعنى: أن المعقود عليه في هذه الشركة العمل، كما أن المعقود عليه في شركة العنان المال،

стр. 4793

[والمال] لو كان مجهولاً فيها لم تصح أيضاً؛ فكذلك إذا كان العمل مجهولاً في هذه؛ ولأنهما عقدا على منفعة عينين متميزتين؛ فوجب ألاّ يصح، كما لو عقد السقاء الشركة مع صاحب الجمل والراوية على الاستقاء؛ فإنه لا يصح بالإجماع كما سنذكره وبالقياس على ما لو اشتركا على بعيرين ليؤاجرهما ويشتركا في أجرتهما. قال: ويأخذ كل واحد منهما أجرة عمله؛ لأنه لم يبذله مجاناً فاختص بمقابله عند فساد الشرط، فإن كان عمل أحدهما متميزاً عن عمل الآخر، مثل أن خاط [أحدهما] ثوباً والآخر مثله ونحو ذلك، كانت أجرة كل ثوب لمن خاطه، وإن لم يتميز كما إذا خاطا القميص معاً، أو نسجا إزاراً معاً، كانت الأجرة على قدر أجور أمثالهما، وقد حكى العراقيُّون أن من الأصحاب من قال: إن للشافعي قولاً في هذه الشركة أنها جائزة؛ لأنه [قال:] لو أقر أحد الشريكين على صاحبه بمال لم يقبل إقراره، سواء كانا شريكين في المال أو في العمل. وروى صاحب "التقريب" هذا وجهاً عن بعض الأصحاب. والصحيح هو الأول، والقائلون به قالوا: ما ذكره الشافعي في الإقرار، يحتمل أن يكون تفريعاً على مذهب الغير؛ فلا يدل على أنه قول آخر. وقد نسب [الروياني] هذا [التأويل] إلى ابن أبي هريرة وأنه قال: أو يحمل على ما [إذا اشتركا] في المال على أن يعملا جميعاً. قال: وأما شركة المفاوضة، وهي أن يشتركا على ما يكسبان بأموالهما وأبدانهما، وأن يضمن كل واحد منهما ما يلزم الآخر بغصب أو بيع فاسد أو ضمان مال فهي باطلة؛ لما فيها من الغرر. قال الشافعي: لا أعلم في الدنيا [شيئاً باطلاً] إن لم تكن شركة المفاوضة باطلة، ولا أعلم القمار إلا هذا وأقل منه. ولأنها شركة معقودة على أن

стр. 4794

[يشارك كل منهما صاحبه على ما يختص بسببه؛ فلم يصح عقدها كما لا يصح على ما يرثان أو يتهبان. ولأنها شركة معقودة على أن يضمن كل منهما ما يجب على الآخر بَعُدْوانِهِ فلم تصح، كما لو عقداها على أن] يضمن كل منهما ما يجب على الآخر بجنايته. ولأن هذا العقد يخالف موجبه موجب سائر العقود [في الأصول، وإذا كان كذلك وجب ألا يصح، ولا يقال: النكاح قد خالف موجب سائر العقود] في اشتراط الإشهاد فيه وقد صح؛ لأنا نقول: إنما صح أن يفرد بذلك؛ لما ثبت في الشرع عن النبي ﷺ فصار أصلاً بنفسه، وليس من شرط الأصل موافقة الأصول. وليس كذلك في هذه الشركة فإنها مجتهد [فيها]، فوجب إلحاقها بالأصول التي تقررت بالشرع، كذا قاله القاضي أبو الطيب. قال: ويأخذ كل واحد منهما ربح ماله وأجرة عمله، ويضمن ما يختص به من الغصب والبيع الفاسد وضمان المال؛ لاختصاص كل [واحد] منهما بسبب ذلك. فرع: لو استعملا لفظ المفاوضة وأرادا شركة العنان جاز: [نص عليه] كذا قاله الرافعي. تنبيه: سميت هذه الشركة: شركة المفاوضة؛ من قولهم: تفاوض الرجلان في الحديث، إذا شرعا فيه جميعاً، وقيل من قولهم: قوم فوضى، أي: مستوون. قال: وأما شركة الوجوه وهي أن يشتركا في ربح ما يشتريان بوجوههما فهي باطلة. صورة المسألة: أن يكون لشخصين وجاهة بين الناس ومنزلة يمكن أن يشتري كل منهما بجاهه شيئاً بثمن إلى أجل، ويتَّجِرا فيه، فيشتركان على ما يشتريان بوجوههما، ويكون ذلك بينهما، ويبيعان ثم يقضيان الدين عند المحل، وما

стр. 4795

يفضل يكون بينهما، كذا صور الرافعي. وحكى صاحب "البحر" أن بعض أصحابنا صورها بما إذا كان أحدهما ذا وجاهة فيقول لمن لا جاه له: أنا آخذ المتاع بجاهي وأعطيك حتى تتصرف [فيه]؛ فيكون المال مني، ومنك التصرف. وإن هذه الصورة هي المذكورة في "الإفصاح". وحكى القاضي ابن كج والإمام فقالا: صورتها أن يشترك وجيه لا مال له وخامل ذو مال؛ ليكون العمل من الوجيه، والمال من الخامل، ويكون المال في يده ولا يسلمه إلى الوجيه والربح بينهما. وقيل: صورتها: أن يكون أحدهما ذا وجاهة فيقول للآخر: اشتر على جاهي متاعاً والربح بيننا. وتسمى هذه الشركة على [التصوير] الأول والأخير شركة الجاه، وبعضهم خص هذه التسمية بالصورة الأخيرة. والكل باطل؛ لأنها شركة في غير مال فلم تصح كالشركة على الاحتطاب والاحتشاش، ولأن ما يشتريه كل [واحد] منهما قد تفرد بملكه فلا يشاركه غيره في ربحه؛ لأن الربح يتبع الملك قال: فإن أذن كل واحد منهما للآخر في شراء شيء معلوم [بينهما]، فاشترياه، ونويا عند الشراء أن يكون ذلك بينهما، [كان بينهما]؛ لأن هذه وكالة؛ فيترتب عليها حكمها. قال: وربحه لهما؛ لأن الربح نماء الملك؛ فكان لمن هو له، وللمشتري على المشتري له نصف أجرة عمله فيما اشترى. صرح به الروياني في "البحر". والعلم في المشتري يحصل بذكر الجنس وغيره مما يعنيه في الوكالة بالشراء في موضعه، كما صرح به القاضي أبو الطيب. وليس المراد من قول الشيخ: فاشترياه، [ونويا] أن يقع العقد منهما في

стр. 4796

حالة واحدة؛ بل المراد: أن يصدر العقد منهما على البدل في شيء واحد، أو منهما على شيئين بالصفة المذكورة. ولو لم ينويا عند الشراء، وكانا قد عقدا الشركة على ذلك، وقع العقد المباشر خاصة. قال: والشريك أمين فيما يشتريه، أي: أن يشتري شيئاً فيه خسران، فيدعي عليه الآخر أنه اشتراه لنفسه، فيقول: بل للشركة فالقول قول المشتري؛ لأنه أَخْبر بنيته. والمراد بالخسران: النقص الذي يتغابن بمثله [أو] انخفاض الأسعار بعد الشراء، وكذا لو اشترى شيئاً فيه ربح، وادعى انه لنفسه، وقال الشريك: [بل] للشركة فالقول قول المشتري؛ لما ذكرناه، ولأن الأصل عدم الشراء للشركة، يدل عليه أنه لو أطلق وقع لنفسه. قال: وفيما يدعيه من هلاك، أي: [إمّا] بسبب خفي، أو مع إقامة البيِّنة على السبب الظاهر؛ لأنه يعسر عليه إقامة البينة على التلف مع أنه ائتمنه فكان القول قوله كالمودع. وكل هذا يظهر مما قررناه أن الشركة في الحقيقة وكالة، وعلى هذا يجري سائر تصرفاته في نصيب الشريك حتى لا يبيع بدون إذنه شيئاً بدون ثمن المثل وبغير نقد البلد ولا نسيئة؛ ولا يسافر به. فرع: لو ادَّعى الشريك تلف المال في يوم كذا، فأقام الآخر بيِّنةً أنه رآه في يده في يوم بعده؛ ففي بطلان يمينه وجهان: أحدهما: نعم؛ فيغرم حصة الشريك. والثاني: لا وبه قال أبو الفياض، ويسأل عن ذلك: فإن ذكر وجهاً تسلم معه يمينه الماضية لم يغرم، [وإن لم يبين] غرم، حكاه في "البحر". قال: وفيما يدعي عليه من خيانة، أي: بعد تبيينها دون ما [إذا] أطلق دعوى الخيانة؛ فإنها لا تسمع، ووهج ما قاله الشيخ: أن الأصل عدم الخيانة.

стр. 4797

فرع: لو كان في يد أحدهما مال فقال: قد اقتسمناه، وهذا الذي خلص لي بالقسمة، وقال الآخر: لم نقسم بعدُ [وهو مشترك] فالقول قول الثاني؛ لأن الأصل بقاء الشركة، وعلى مدَّعي القسمة البينة. قال: فإن عزل أحدهما صاحبه عن التصرف أي: في نصيبه انعزل؛ لأن الشركة في الحقيقة وكالة، وهي من العقود الجائزة، فكذلك [في] الشركة. قال: وبقي الآخر على التصرف أي: في نصيب المعزول إلى أن ينعزل؛ إذ لم يصدر في حقه ما يقتضي عزله. ولو قال أحدهما: سخت الشركة، انعزلا جميعاً؛ لأن فسخ الشركة مقتضاه زوال إذن كل واحد منهما لصاحبه، وفي "بحر المذهب" أن القاضي الطبري [قال]: إذا [قال] أحدهما: فسخت الشركة، [نُظِر]: فإن أراد في جنبة صاحبه، له أن يتصرف في جميع المال. وإن أراد في جنبتيهما جميعاً، لم يجز لواحد منهما التصرف في حق صاحبه، والمشهور هو الأول، وبه يقوى أن التصرف في شركة العنان بعد عقدها وخلط المال لا يتوقف على الإذن فيه كما اقتضاه كلام الشيخ؛ فإن عقد الشركة لو كان مستلزماً [له] لما امتنع بفسخ عقد الشركة. ولما تأمل المتولي هذا المعنى بنى انعزالهما على أن التصرف هل يملك بمجرد عقد الشركة أم لابد من الإذن فيه؟ وعلى الصحيح: لا يجوز لأحد الشريكين بعد سخ الشركة أن يتصرف [إلا] في نصيبه مشاعاً وإن كان عرضاً، بخلاف القراض حيث جوزنا للعامل بعد فسهخ بيع العروض؛ لأن حقه في الربح وهو لا يحصل إلا بالنضوض، وهاهنا كل منهما له حق في الأصل والربح يتبعه فلا يحتاج إلى البيع. قال: وإن مات أحدهما أو جن انفسخت الشركة؛ لأنها عقد جائز فبطلت

стр. 4798

بالموت والجنون كالوكالة والقراض. وهكذا الحكم فيما لوطرأ على الشريك حجر بسبب السفه، ولو أغمي عليه، نظر: إن كان يسيراً لا يسقط معه فرض عبادته لم يضر، وإن كان بحيث يسقط فرض صلاة واحدة بمرور وقتها انفسخت الشركة، كذا قاله في "البحر". ثم الوارث في مسألة الموت مخيَّر: إن شاء قاسم الشريك أو أبقاه على الشركة بأن يجدد له إذناً في التصرف، ولا فرق بين أن يكون المال عرضاً أو نقداً. وهذا إذا لم يكن على الميت دين، فإن كان، لم يجز للوارث الإذن إلا بعد وفاء الدين، وإن أمكن وفاؤه من غير مال الشركة؛ لأنه محجور عليه فيها كما في المرهون، قال أبو إسحاق: والأولى للوارث ألا يأذن في التصرف إلا بعد معرفة ماله؛ خشية أن يظهر على الميت دين وقد ظهر ربح في المال ولا يدري ما يخصه منه ولو ترك ذلك جاز. والموصى له إذا كان معناً وقبل، حكمه حكم الوارث، وإن كان غير معين كالفقراء وجب إفراز نصيبهم من المال. ويقع الإذن في التصرف إن اختاره الوارث بعد ذلك فيما يخصه. وفي مسألة الجنون وطرآن الحجر بسبب السفه، فإذا كان وارث [أحدهما] مولى عليه فينظر: إن كان الحظ للمولى عليه، في بقاء الشركة والإذن في التصرف فعله الولي، وإلا فلا. فروع نختم بها الباب: إذا تولى أحد الشريكين [الشراء للشركة] فللبائع أخذه بكل [الثمن، فإن [أداه] من خال ماله، كان مال الشركة لم ينضَ منه شيء رجع على شريكه بحصته، وإن فعل ذلك مع نضوض مال الشركة ففي رجوعه على شريكه وجهان في "الحاوي". لو أخذ بغلةً، والآخر راويةً، وتشاركا مع ثالث ليستقي الماء، ويكون الحاصل

стр. 4799

بينهم فهو فاسد؛ لأنها منافع أبدان متميزة. فلو استقى الثالث فلمن يكون الماء وثمنه؟ نقل صاحب التلخيص وآخرون اختلاف قول فيه، ولم يحمد المعظم ذلك، وإنما ارتضوا تفصيلاً ذكره ابن سريج وهو أن الماء إن كان مملوكاً للمستقي أو مباحاً، وقد قصد به نفسه عند أخذه فهو له، وعليه لكل من صاحبيه أجرة مثل ملكه، وإن قصد الشركة فهو على الخلاف في جواز التوكيل في المباحات، وسنذكره، فإن لم نجوزه فالحكم كما لو قصد نفسه، وإن جوزناه وهو الأصح فالماء بينهم. وفي كيفيته وجهان: أحدهما: أنه يقسم بينهم على نسبة أجور أمثال البغل والراوية والاستقاء؛ لأنه حصل بذلك، وهذا ما أورده الشيخ أبو حامد ويحكي عن نصه في البويطي. فعلى هذا لا يرجع أحدهم على الآخر بشيء. وأصحهما عند الشيخ أبي علي ولم يورد القفال وغيره سواه: أنه يقسم بينهم بالسوية. فعلى هذا، للمستقي على كل من صاحبيه أجرة مثله [وثلث عمله]، وكذا يرجع كل من صاحب البغلة والراوية على كل واحد من الآخر والمستقي بثلث أجرة ملكه. وقد حكى القاضي الحسين أن القولين في جواز التوكيل في الاحتطاب [والاحتشاش] من هاهنا خرجا. لو اشترك أربعة لأحدهم رحى، لآخر بيت الرحى، ولآخر بغلة تديره، والرابع يعمل في الرحى على أن الحاصل من أجرة الطحن يكون بينهم فهو فاسد. فلو اتفق طحن شيء قسمت أجرته على أجور أمثال ذلك ولو كان لواحد بذر، ولآخر أرض [فاشتركا مع ثالث على زراعة الأرض فالزرع لصاحب البذر، وعليه أجرة مثل الأرض] والزراعة. قال في "التتمة": فلو أصاب الزرع آفةٌ، ولم يحصل من الغلة شيء فلا شيء؛ لهم؛ لأنهم لم يحصلوا له شيئاً، والله أعلم بالصواب.

стр. 4800

باب الوكالة الوكالة- بفتح الواو، وكسرها -: التفويض، يقال: وكله، أي: فوض إليه، ووكلت أمري إلى فلان، أي: فوضت إليه، واكتفيت به، ومنه: توكلت على الله. وتقع الوكالة على الحفظ أيضاً، ومنه: قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، أي: نعم الحافظ. وأصل الوكيل: الكافي؛ لأنه يكفي مراد الموكِّل؛ قال الله تعالى: ﴿أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً﴾ [الإسراء:٢]، أي: كافياً. و [هي] في الشرع [إقامة الوكيل مقام الموكِّل في العمل المأذون فيه. والأصل في مشروعيتها] قبل الإجماع من الكتاب قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً﴾ [الكهف: ١٩]- أي: أكثر، وقيل: أجل ﴿فَلْيَاتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٩]، وهذا توكيل بالشراء. وقوله تعالى حكاية عن يوسف: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ [يوسف: ٩٣] وهذا استنابة على وجه التوكيل. وقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢] [وهذا كان توكيلاً] في الحقيقة من جهة يوسف. ومن السنة ما روى أبو داود عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال له حين اراد الخروج إلى خيبر: "إِذَا لَقِيتَ وَكِيلِي، فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقاً، فَإِنِ
следующие страницы →