← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

حالة واحدة؛ بل المراد: أن يصدر العقد منهما على البدل في شيء واحد، أو منهما على شيئين بالصفة المذكورة. ولو لم ينويا عند الشراء، وكانا قد عقدا الشركة على ذلك، وقع العقد المباشر خاصة. قال: والشريك أمين فيما يشتريه، أي: أن يشتري شيئاً فيه خسران، فيدعي عليه الآخر أنه اشتراه لنفسه، فيقول: بل للشركة فالقول قول المشتري؛ لأنه أَخْبر بنيته. والمراد بالخسران: النقص الذي يتغابن بمثله [أو] انخفاض الأسعار بعد الشراء، وكذا لو اشترى شيئاً فيه ربح، وادعى انه لنفسه، وقال الشريك: [بل] للشركة فالقول قول المشتري؛ لما ذكرناه، ولأن الأصل عدم الشراء للشركة، يدل عليه أنه لو أطلق وقع لنفسه. قال: وفيما يدعيه من هلاك، أي: [إمّا] بسبب خفي، أو مع إقامة البيِّنة على السبب الظاهر؛ لأنه يعسر عليه إقامة البينة على التلف مع أنه ائتمنه فكان القول قوله كالمودع. وكل هذا يظهر مما قررناه أن الشركة في الحقيقة وكالة، وعلى هذا يجري سائر تصرفاته في نصيب الشريك حتى لا يبيع بدون إذنه شيئاً بدون ثمن المثل وبغير نقد البلد ولا نسيئة؛ ولا يسافر به. فرع: لو ادَّعى الشريك تلف المال في يوم كذا، فأقام الآخر بيِّنةً أنه رآه في يده في يوم بعده؛ ففي بطلان يمينه وجهان: أحدهما: نعم؛ فيغرم حصة الشريك. والثاني: لا وبه قال أبو الفياض، ويسأل عن ذلك: فإن ذكر وجهاً تسلم معه يمينه الماضية لم يغرم، [وإن لم يبين] غرم، حكاه في "البحر". قال: وفيما يدعي عليه من خيانة، أي: بعد تبيينها دون ما [إذا] أطلق دعوى الخيانة؛ فإنها لا تسمع، ووهج ما قاله الشيخ: أن الأصل عدم الخيانة.

стр. 4797

فرع: لو كان في يد أحدهما مال فقال: قد اقتسمناه، وهذا الذي خلص لي بالقسمة، وقال الآخر: لم نقسم بعدُ [وهو مشترك] فالقول قول الثاني؛ لأن الأصل بقاء الشركة، وعلى مدَّعي القسمة البينة. قال: فإن عزل أحدهما صاحبه عن التصرف أي: في نصيبه انعزل؛ لأن الشركة في الحقيقة وكالة، وهي من العقود الجائزة، فكذلك [في] الشركة. قال: وبقي الآخر على التصرف أي: في نصيب المعزول إلى أن ينعزل؛ إذ لم يصدر في حقه ما يقتضي عزله. ولو قال أحدهما: سخت الشركة، انعزلا جميعاً؛ لأن فسخ الشركة مقتضاه زوال إذن كل واحد منهما لصاحبه، وفي "بحر المذهب" أن القاضي الطبري [قال]: إذا [قال] أحدهما: فسخت الشركة، [نُظِر]: فإن أراد في جنبة صاحبه، له أن يتصرف في جميع المال. وإن أراد في جنبتيهما جميعاً، لم يجز لواحد منهما التصرف في حق صاحبه، والمشهور هو الأول، وبه يقوى أن التصرف في شركة العنان بعد عقدها وخلط المال لا يتوقف على الإذن فيه كما اقتضاه كلام الشيخ؛ فإن عقد الشركة لو كان مستلزماً [له] لما امتنع بفسخ عقد الشركة. ولما تأمل المتولي هذا المعنى بنى انعزالهما على أن التصرف هل يملك بمجرد عقد الشركة أم لابد من الإذن فيه؟ وعلى الصحيح: لا يجوز لأحد الشريكين بعد سخ الشركة أن يتصرف [إلا] في نصيبه مشاعاً وإن كان عرضاً، بخلاف القراض حيث جوزنا للعامل بعد فسهخ بيع العروض؛ لأن حقه في الربح وهو لا يحصل إلا بالنضوض، وهاهنا كل منهما له حق في الأصل والربح يتبعه فلا يحتاج إلى البيع. قال: وإن مات أحدهما أو جن انفسخت الشركة؛ لأنها عقد جائز فبطلت

стр. 4798

بالموت والجنون كالوكالة والقراض. وهكذا الحكم فيما لوطرأ على الشريك حجر بسبب السفه، ولو أغمي عليه، نظر: إن كان يسيراً لا يسقط معه فرض عبادته لم يضر، وإن كان بحيث يسقط فرض صلاة واحدة بمرور وقتها انفسخت الشركة، كذا قاله في "البحر". ثم الوارث في مسألة الموت مخيَّر: إن شاء قاسم الشريك أو أبقاه على الشركة بأن يجدد له إذناً في التصرف، ولا فرق بين أن يكون المال عرضاً أو نقداً. وهذا إذا لم يكن على الميت دين، فإن كان، لم يجز للوارث الإذن إلا بعد وفاء الدين، وإن أمكن وفاؤه من غير مال الشركة؛ لأنه محجور عليه فيها كما في المرهون، قال أبو إسحاق: والأولى للوارث ألا يأذن في التصرف إلا بعد معرفة ماله؛ خشية أن يظهر على الميت دين وقد ظهر ربح في المال ولا يدري ما يخصه منه ولو ترك ذلك جاز. والموصى له إذا كان معناً وقبل، حكمه حكم الوارث، وإن كان غير معين كالفقراء وجب إفراز نصيبهم من المال. ويقع الإذن في التصرف إن اختاره الوارث بعد ذلك فيما يخصه. وفي مسألة الجنون وطرآن الحجر بسبب السفه، فإذا كان وارث [أحدهما] مولى عليه فينظر: إن كان الحظ للمولى عليه، في بقاء الشركة والإذن في التصرف فعله الولي، وإلا فلا. فروع نختم بها الباب: إذا تولى أحد الشريكين [الشراء للشركة] فللبائع أخذه بكل [الثمن، فإن [أداه] من خال ماله، كان مال الشركة لم ينضَ منه شيء رجع على شريكه بحصته، وإن فعل ذلك مع نضوض مال الشركة ففي رجوعه على شريكه وجهان في "الحاوي". لو أخذ بغلةً، والآخر راويةً، وتشاركا مع ثالث ليستقي الماء، ويكون الحاصل

стр. 4799

بينهم فهو فاسد؛ لأنها منافع أبدان متميزة. فلو استقى الثالث فلمن يكون الماء وثمنه؟ نقل صاحب التلخيص وآخرون اختلاف قول فيه، ولم يحمد المعظم ذلك، وإنما ارتضوا تفصيلاً ذكره ابن سريج وهو أن الماء إن كان مملوكاً للمستقي أو مباحاً، وقد قصد به نفسه عند أخذه فهو له، وعليه لكل من صاحبيه أجرة مثل ملكه، وإن قصد الشركة فهو على الخلاف في جواز التوكيل في المباحات، وسنذكره، فإن لم نجوزه فالحكم كما لو قصد نفسه، وإن جوزناه وهو الأصح فالماء بينهم. وفي كيفيته وجهان: أحدهما: أنه يقسم بينهم على نسبة أجور أمثال البغل والراوية والاستقاء؛ لأنه حصل بذلك، وهذا ما أورده الشيخ أبو حامد ويحكي عن نصه في البويطي. فعلى هذا لا يرجع أحدهم على الآخر بشيء. وأصحهما عند الشيخ أبي علي ولم يورد القفال وغيره سواه: أنه يقسم بينهم بالسوية. فعلى هذا، للمستقي على كل من صاحبيه أجرة مثله [وثلث عمله]، وكذا يرجع كل من صاحب البغلة والراوية على كل واحد من الآخر والمستقي بثلث أجرة ملكه. وقد حكى القاضي الحسين أن القولين في جواز التوكيل في الاحتطاب [والاحتشاش] من هاهنا خرجا. لو اشترك أربعة لأحدهم رحى، لآخر بيت الرحى، ولآخر بغلة تديره، والرابع يعمل في الرحى على أن الحاصل من أجرة الطحن يكون بينهم فهو فاسد. فلو اتفق طحن شيء قسمت أجرته على أجور أمثال ذلك ولو كان لواحد بذر، ولآخر أرض [فاشتركا مع ثالث على زراعة الأرض فالزرع لصاحب البذر، وعليه أجرة مثل الأرض] والزراعة. قال في "التتمة": فلو أصاب الزرع آفةٌ، ولم يحصل من الغلة شيء فلا شيء؛ لهم؛ لأنهم لم يحصلوا له شيئاً، والله أعلم بالصواب.

стр. 4800

باب الوكالة الوكالة- بفتح الواو، وكسرها -: التفويض، يقال: وكله، أي: فوض إليه، ووكلت أمري إلى فلان، أي: فوضت إليه، واكتفيت به، ومنه: توكلت على الله. وتقع الوكالة على الحفظ أيضاً، ومنه: قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، أي: نعم الحافظ. وأصل الوكيل: الكافي؛ لأنه يكفي مراد الموكِّل؛ قال الله تعالى: ﴿أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً﴾ [الإسراء:٢]، أي: كافياً. و [هي] في الشرع [إقامة الوكيل مقام الموكِّل في العمل المأذون فيه. والأصل في مشروعيتها] قبل الإجماع من الكتاب قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً﴾ [الكهف: ١٩]- أي: أكثر، وقيل: أجل ﴿فَلْيَاتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٩]، وهذا توكيل بالشراء. وقوله تعالى حكاية عن يوسف: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ [يوسف: ٩٣] وهذا استنابة على وجه التوكيل. وقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢] [وهذا كان توكيلاً] في الحقيقة من جهة يوسف. ومن السنة ما روى أبو داود عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال له حين اراد الخروج إلى خيبر: "إِذَا لَقِيتَ وَكِيلِي، فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقاً، فَإِنِ

стр. 4801

ابْتَغَى مِنْكَ [آَيَةً، فَضَعْ] يَدَكَ عَلَى تَرْقُوتِهِ". وقد روي أنه ﷺ وكَّل عمرو بن أمية الضمري في قبول نكاح أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت بالحبشة، ووكَّل أبا رافع في قبول نكاح ميمونة بنت الحارث، ووكل عروة بن الجعد البارقي في شراء شاة، ووكل حكيم بن حزام في شراء شاة. ومن جهة المعنى: أن بالناس حاجة إليها؛ لأن كل واحد لا يتمكن من التصرف في جميع [ماله] سيما إذا كثر؛ فجوزت للحاجة؛ كما جوز القراض، والمساقاة، ونحوهما. وقد قال القاضي [الحسين]: إنها مندوب إليها؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، ومن البر والتقوى أن يتوكل عن الغير بالقيام بأشغاله. قال الشيخ – ﵀: من جاز تصرفه أي: بنفسه فيما يوكل فيه – يعني: في شيء يقبل النيابة؛ كما سنذكره، وصرح به غيره – جاز توكيله –أي: لغيره – وجازت وكالته –أي: عن غيره فيه –لما ذكرناه من الأدلة؛ فيصح توكيل المطلق التصرف في ماله، والسفيه والعبد في الخلع والطلاق، وكل ما يملكان إنشاءه بملك التصرف فيه، والمفلس [في الطلاق] والخلع والشراء [والبيع] في ذمته؛ على الأصح، والمكاتب في جميع ذلك؛ [لما ذكرناه وقد

стр. 4802

استثنى مما ذكره الشيخ مسائل: منها الفاسق]؛ فإنه [يجوز أن] يقبل النكاح لنفسه، ولا يقبله لمستنيبه. وادعى المحاملي والبندنيجي في ذلك نفي الخلاف، والروياني في البحر عند الكلام في العزل: أنه ظاهر المذهب. وحكى القاضي أبو الطيب في وجهين: ومنها: العبد يقبل النكاح لنفسه بإذن سيده، ولا يقبله لغيره بإذن سيده؛ كما قيده [في المهذب] غيره على أحد الوجهين، ومنها: العبد يملك الطلاق بغير إذن سيده، ويجوز أن يوكل فيه من يطلق، ولا يجوز أن يتوكل فيه بغير إذن سيده؛ كما حكاه في البحر، وجوزه في التهذيب جزماً. ومنها: العبد المأذون [يجوز] له التصرف فيما في يده، وهل يجز له أن يوكل فيه؟ فيه خلاف. ومنها: لا يجوز للوصي والوكيل التوكيل يما يجوز أن يتولياه بأنفسهما مع قدرتهما على التصرف [أما الوكيل فبلا خلاف، وأما الوصي فعلى وجه] ومنها: العبد والسفيه إذا أذن لهما في النكاح، فهل يجوز أن يوكّلا فيه؟ فيه وجهان في تعليق القاضي الحسين: والمذكور منهما [في الحاوي] في العبد: الجواز. ومنها: الولي في النكاح الذي لا يجبر إذا أذن له في النكاح – جاز تزويجه، وهل يجوز أن يُوكل فيه من غير إذن؟ فيه وجهان:- وطريق الجواب عن ذلك أن يقال: إن الشيخ اختار [في توكيل الفاسق المشهور، وهو أنه يصح توكيله في القبول، كما حكاه] في المهذب، والماوردي وابن الصباغ عند الكلام في توكيل الكافر في شراء العبد المسلم، وادعى الغزالي القطع به.

стр. 4803

وما عداه فمندفع؛ [لأن مراد الشيخ بقوله]: "من جاز تصرفه"، [أي:] بنفسه من غير افتقار فيه إلى الإذن؛ لأنه المتبادر إلى الفهم. فإن قيل: مقتضى كلام الشيخ [مع ما] فسرتموه به: أن الوصي يجوز له التوكيل فيما يقدر على التصرف فيه؛ فإنه لا يتوقف في تصرفه على إذن، وقد أشار الشيخ في باب الوصية إلى أنه لا يجوز. قلت: لي أن أمنع ذلك؛ فإن تصرفات الوصي كلها بالإذن. وإن سلمت ما قلتموه، فهو مؤيد [لما أجيب] به؛ فن الشيخ لما فهم أن كلامه يقتضي جواز توكيل الوصي في كل ما يتصرف فيه [احتاج إلى التنبيه على أنه مستثنى من القاعدة عند الحاجة إليه. على أن الشيخ أبا حامد ومن تابعه، ومنهم الماوردي وكذلك ابن الصباغ جزموا بجواز توكيله في كل ما يتصرف فيه] من غير عجز عنه، وكذلك الإمام [في باب الوصية وقد استثنى الجيلي الإقرار والرجعة على وجه، وكذا الأيمان] وتليق الطلاق، والعتاق، وما ذكره خارج من كلام الشيخ، [غني] عن الاستثناء بقوله: من جاز تصرفه فيما يوكَّل فيه؛ لأن "ما" ها هنا نكرة موصوفة والكاف في يوكل مفتوحة؛ فيكون تقدير الكلام: من صح تصرفه في شيء يقبل النيابة. وما استثناه الجيلي سنذكر أنه لا يجوز التوكيل فيها، [إن شاء الله تعالى].

стр. 4804

قال: ومن لا يجوز تصرفه لا يجوز توكيله؛ لأنه إذا لم يملك ذلك لنفسه فأولى ألاّ [يملك ذلك] غيره من جهته. قال: ولا وكالته؛ لان التصرف الخاص بالإنسان أقوى من التصرف في حق الغير، فإذا لم يقدر على الأقوى، فعلى الأضعف من طريق الأولى. قال: إلا الصبي المميز؛ فإنه تصح وكالته في الإذن في دخول الدار، أي: [مثل أن] يفتح الباب، ويأذن [للخارج في الدخول] إليها. قال: وحمل الهدية، مثل: أن يعطي هدية؛ ليحملها إلى بعض الإخوان؛ فيجوز للمأذون له أن يدخل، وللمهدي إليه أن يتصرف في الهدية؛ اعتماداً على قوله؛ لاطِّراد العرف به من غير إنكار. وحكى الإمام في ذلك تفصيلاً، فقال: إن لم يوجد مع ذلك قرينة، ففي الاعتماد على قول الصبي فيهما خلاف مبني على الخلاف في [قبول] روايته إذا لم يكن به غرامة. وإن وجد مع ذلك قرينة؛ نظر: فإن أنتج ذلك العلم سقط أثر قوله؛ وإن لم تنته القرينة إلى العلم، فلأصحابنا طريقان: منهم من خرجه على الخلاف؛ ومنهم من قطع بالاعتماد. قال الرافعي: وإذا جاز ذلك، وكان منه على سبيل التوكيل، فلو أنه وكل غيره فيه، فالقياس تخريجه على الخلاف في أن الوكيل هل [له أن] يوكل؟ فإن جاز، لزم [أن يكون] الصبي أهلاً للتوكيل أيضاً، وهذا ما حكاه الفقهاء.

стр. 4805

والذي حكاه الأصوليون منع قبول روايته. وقال الفوراني في "الإبانة" في أول كتاب الصيام: إن الصحيح من المذهب قبولها، وهو مذهب أبي حنيفة. واعلم: أنه [قد] استُثْني مع ما ذكره الشيخ صور: منها: الأعمى، لا يصح بيعه، ولا إجارته، ولا شراؤه؛ على الأصح، ويصح منه التوكيل في ذلك ونحوه. ومنها: إذا قال لزوجته: "إذا طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثاً"؛ فإنه يمتنع عليه إيقاع الطلاق [على رأي]، وله التوكيل في الطلاق، فإذا طلق الوكيل، وقع على الأصح؛ كما حكاه الجيلي. ومنها: العبد لا يصح قبوله النكاح لنفسه بغير إذن سيده، ويصح منه أن يتوكل

стр. 4806

فيه لغيره؛ على الأصح في النهاية، وتعليق القاضي الحسين، وبه جزم المتولي. ومنها: السفيه لا يصح [قبوله النكاح] بغير إذن وليه، ويجوز أن يقبله لغيره بغير إذن وليه؛ على الأصح، وبه جزم القاضي الحسين، والمتلوي. ومنها: الكافر لا يجو أن يكون وليًّا في تزويج مسلمة، ولا أن يتزوجها، ويجوز أن يكون وكيلاً في تزويجها من مسلم؛ على ظاهر المذهب، كما حكاه الإمام في كتاب الخلع. وكذا يجوز أن يكون وكيلاً في قبول نكاح مسلمة على رأي؛ [كما] حكاه القاضي الحسين في هذا الباب. ومنها: الكافر لا يصح شراؤه العبد المسلم، على الأصح، وكذا المصحف، ويجوز أن يكون وكيلاً في شرائه لمسلم؛ إذا صرح بالسفارة، [و] على قولٍ [وإن] لم يصرح. ومنها: الكافر لا يقدر على طلاق مسلمة، ويجوز أن يوكل في طلاقها؛ على أحد الوجهين في الحاوي، وبه جزم الإمام في كتاب الخلع. ومنها: المرتد لا يصح تصرفه في ماله؛ على رأي، ويصح أن يوكل فيه؛ كما حكاه ابن الصباغ وغيره. وفي [التتمة]: أنا إذا قلنا: إنه يصير محجوراً عليه، لا يصح. ومنها: المرأة لا يصح منها الإنكاح، [ويجوز أن توكل] من يزوج؛ خلافاً للمزني، كما حكاه المتولي في كتاب النكاح، وحكى القاضي الحسين في جواز ذلك وجهين، وحكى الإمام في ذلك في باب ما على الأولياء تفصيلاً، فقال: إن قال لها: وكلي عن نفسك، لم يصح وإن قال: وكلي عني؛ فوجهان ينبنيان على أن الوكيل وكيل الوكيل، أو وكيل الموكل؟ وفيه وجهان. وما قاله فيه نظر؛ لأنه إذا قال: "وكلي عني"، كان الوكيل وكيلاً عنه بلا

стр. 4807

خلاف؛ كما ستعرفه [من بعد]؛ فلا يحسن إجراء الخلاف. ومنها: لو وكل حلالٌ محْرماً في أن يوكل حلالاً بالتزويج؛ ففي صحة التوكيل وجهان في الرافعي، عند الكلام في [إحرام] الولي -: وأصحهما الصحة. ومنها: المرأة لا تقدر على الطلاق عن نفسها، ويصح توكيلها فيه، على أصح الوجهين في التهذيب وغيره. وطريق الجواب عن ذلك: أما في الأولى؛ فلأنه يصح منه البيع والشراء [في الجملة، وصورته: أن يبيع شيئاً في ذمته سلماً بثمن في ذمة المشتري]، ويشتري شيئاً في ذمة غيره بثمن في ذمته، ويشتري نفسه وجهاً واحداً، ومثل ذلك يتصور في الإجارة، ونحوها، وإذا صح منه ذلك، لم يخرج مما ذكرناه. وأما في الثانية؛ فيجوز أن يكون الشيخ اختار [فيها وقوع الطلاق؛ كما هو المختار] عند ابن الصباغ وغيره؛ كما ستعرفه في موضعه. وأما في الثالثة؛ فمذهب العراقيين – كما حكاه ابن الصباغ وغيره هنا: أنه لا يجوز وجهاً واحداً؛ فلم يخرج مما ذكرناه. وأما في الرابعة؛ فلأن الذي جوز للعبد ذلك هو [الذي جوزه] للسفيه، بجامع صحة عبارتهما، وعدم مناقضة ما وقع الحجْر عليهما لأجله. وقد حكينا عن العراقيين المنع في مسألة العبد مع وجود ما ذكرناه، وهو في السفيه أولى؛ لأن الحجر عليه لحق نفسه. وأما في الخامسة؛ فمذهب العراقيين – كما دل عليه كلام الشيخ في كتاب النكاح، وصرح به صاحب البحر هنا، وادعى نفي الخلاف فيه: عدم الصحة؛ فلا يخرج مما ذكرناه، أيضاً. وأما في السادسة؛ فمذهب العراقيين – كما حكيناه عن القاضي أبي الطيب في

стр. 4808

باب ما يجوز بيعه -: عدم الجواز، وكذلك جزم به المتولي؛ فلا يخرج مما ذكرناه. وأما في السابعة؛ فإن كان اعتقاد الشيخ فيه الصحة، فنقول: طلاق الكافر يتصور وقوعه على مسلمة؛ بأن تسلم أولاً، ويتخلف، ثم يطلقها في العدة، ثم يسلم قبل انقضائها – فإن طلاقه واقع عليها. وقد أشار إلى هذا التوجيه الإمام في فصل التوكيل من كتابع الخلع؛ فلا يخرج مما ذكرناه. وأما في الباقي؛ فقد حكيت في كل صورة منها خلافاً؛ فلعل الشيخ رأى وجه عدم الصحة فيه أوجه. فرع: المكاتب هل يجوز أن يتوكل عن غيره؟ ينظر [فيه]: إن كان بجعل مثله فنعم، وبدونه بغير إذن [سيده فلا، ومع إذن] سيده قولان؛ كما في تبرعاته. [فرع] آخر: يجوز للمرأة أن تتوكل عن زوجها، ولا يجوز أن تتوكل عن غيره إذا كانت مزوجة إلا بإذنه؛ قاله الماوردي. قال: ويجوز التوكيل في حقوق الآدميين من العقود، أي: عقود المعاوضات: كالبيع، والنكاح، والخلع، ونحوها؛ وغير عقود المعاوضات: كالرهن، والضمان، والهبة، ونحوها. ووجهه في بعضها ما ذكرناه من الكتاب والسنة، وفي الباقي القياس على المنصوص عليه؛ بجامع اشتراكهما في العلة المشار إليها، ووراء ذلك أمور أُخَر، انفرد بها القاضي الحسين في تلعيقه: فمنها: أن التوكيل في الحوالة – مثل: أن يقول: "وكلتك لتحيل صاحب

стр. 4809

الحق على فلان [بكذا"] – لا يصح، وهل يصير محيلاً بذلك؟ فيه وجهان، وعن هذا احترز صاحب التهذيب بقوله: ["لا] يجوز التوكيل في الحوالة من الجانبين". ومنها: أن التوكيل بعقد الوصية لا يصح، وهل يصير بالوكالة [له] موصياً، أم لا؟ يحتمل وجهين، وربما أشار إلى مثل ذلك في عقد الضمان [أيضاً. وقال الإمام مشيراً إلى ذلك: الوجهُ القطع بتصحيح التوكيل في عقد الضمان] وعقد الوصية. قال: "والفثسُوخ؛ لأنه إذا جاز في العقود، ففي حلها من طريق الأولى". [كذا] قال في المهذَّب: وقد يستثني من ذلك التوكيل في فسخ نكاح الزائدات على العدد الشرعي عند إسلامهن؛ فإنه غير جائز؛ لتوقفه على شهوة النفس. [أما] إذا قلنا: إن الفرقة تحصل بالاختيار، لا بنفس الإسلام – كما ستقف عليه في موضعه، وهو الذي يقتضيه إيراد البغوي، وابن الصباغ، حيث قالا: إن العدة تكون من حين الاختيار، ولا يحتاج إليه إذا قلنا: إن الفرقة تحصل من حين الإسلام؛ كما اقتضاه كلام الأكثرين؛ حيث اعتبروا ابتداء العدة من حينه [وقد تقدمت حكاية خلاف في جواز التوكيل بالفسخ [في خيار] الرؤية]. ثم جواز التوكيل في الفسوخ مصور بما إذا لم يكن حق الفسخ على الفور، أما إذا كان على الفور. قال الرافعي: فالتأخير فيه بالتوكيل قد يكون تقصيراً؛ وهذا ما ذكره المتولي جزماً، [وقد تقدمت حكاية خلاف في جواز التوكيل في الفسخ بخيار

стр. 4810

الرؤية]. قال: والطلاق والعتاق- أي: تنجيزاً – لأنه إذا جاز التوكيل في العقد؛ ففي قطعه أولى. وأما إذا وكله في تعليقهما؛ فالذي جزم به الجمهور هاهنا – ومنهم المتولي: عدم الصحة. وحكى في كتاب الطلاق [في جواز التوكيل في تعليقه] ثلاثة أوجه: هذا أحدها. والثاني: الجواز. والثالث: أنه ينظر إلى الصفة التي أمر بالتعليق بها: فإن كانت توجد لا محالة: كطلوع الشمس، فيجوز؛ لأن مثل هذا التعليق ليس بيمين. وإن كانت قد توجد، وقد لا توجد: [كدخول الدار] فهو يمين؛ فلا يجوز. وهي تجري [في تعليق العتق] أيضاً؛ [إذ لا] فرق بينهما. وألحق القاضي الحسين – هاهنا –بمنع التوكيل في تعليق الطلاق والعتق منع التوكيل بعقد التدبير، وقال: إنه هل يصير بالتوكيل معلقاً للطلاق والعتق ومدبراً؟ فيه وجهان. وبنى المتولي [التدبير] على أنه وصية أو عتق بصفة؟ فعلى الأول يصح

стр. 4811

التوكيل فيه، وعلى الثاني لا. قال: - إثبات الحقوق – أي: سواء حضر الموكل ذلك، أو لم يحضر – لما روي أن النبي ﷺ سمع دعوى حويصة ومحيصة على يهود خيبر: أنهم قتلوا عبدالله بن سهل؛ نيابة عن عبد الرحمن بن سهل أخي المقتول ووليه، وكان حاضراً، ولم ينكر عليهما، ولو كان [ذلك] غير جائز؛ لأنكر حتى يبتدئ الولي بها؛ ألا تراه أنكر على محيصة حين ابتدأ بالكلام [قبل] حويصة، وقال [كبِّر، كبِّر] وليس تقديم الأكبر بواجب. وروي أن علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه – وكَّل أخاه عقيالً في مجلس أبي بكر – أو عمر، الشك من الشافعي-وقال: هذا عقيل فما قضى عليه فَعَلَيَّ، وما قضى له فلي. وروي أنه قال: إن للخصومات قُحَماً وإنها لتلحق، وإن الشيطان يحضرها، وإني إن حضرت خفت أن أغضب، [وإن غضبت] خفت ألا أقول حقًّا. فلما ضعف عقيل، وكل عبد الله بن جعفر أخيه في مجلس عثمان، ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك؛ فكان إجماعاً. قال: واستيفائها؛ لأنه ﷺ بعت العمال لقبض الصدقات والجِزَي.

стр. 4812

ويدخل في هذا استيفاء الشفعة، ويستثني منه حق القسم؛ كما صرح به صاحب البحر. قال: والإبراء منها؛ لأنه إذا جاز التوكيل في الاستيفاء، ففي الإبراء – مع أنه إسقاط – أولى. ويشترط أني كون ما يبرئ منه معلوماً؛ كما حكاه الماوردي، والبندنيجي، والشيخ في المهذب، وغيرهم. وحكى عن القاضي الحسي أنه قال: إذا عرف الموكل قدر الدين – كفى، ولم يجب إعلام الوكيل به، وهوا لذي أورده في الوجيز. وفي البحر حكاية وجه: أنه يجوز مطلقاً وإن لم يذكر القدر، وصورة ذلك أن يقول: "أبرئه من ديني". وما ذكره الجمهور والقاضي؛ بناء على الصحيح في أن الإبراء من المجهول لا يصح: [أما] إذا قلنا: إنه يصح؛ فيحسن أن نجزم بالصحة، وعليه يتفرع ما إذا قال: "أبرئ فلاناً عن شيء من ديني، أو عما شئت منه"، فيصح إبراؤه بشرط أن يبقي منه شيئاً.

стр. 4813

قال: وفي الإقرار وجهان: وجه الجواز: أنه قول يلزم به الحق؛ فجاز التوكيل فيه؛ كالشراء، وهذا ظاهر المذهب في تعليق البندنيجي، [والمهذب]، والأصح في التهذيب. ووجه المنع: أنه توكيل في إخبار عن حق، فلم يصح؛ كالتوكيل في الشهادة به؛ وهذا قول ابن سريج، ويحكي عن الأكثرين، واختاره القفال، والإمام، وقال القاضي الحسين: لا خلاف فيه على مذهبنا. التفريع: إن قلنا بالأول، فلا يجعل الموكل مقرًّا ما لم يقر الوكيل، ولا يشترط أن يكون ما يوكل بأن يقر به معلوماً، بل يجوز أن يقول: "وكلتك؛ لتقر عني بألف مثلاً، أو بمال". وحكى صاحب العدة عن رواية الشيخ أبي علي: أنه يشترط أن يكون معلوماً، وهو ما حكاه الماوردي، والغزالي، [والشيخ في المهذب] فإذا لم يذكر القدر والصفة؛ لم يصح. فإن قلنا: لا يشترط، فلو قال: "أقر عني"، كان كما لو قال: أقر عني بشيء في وجه حكاه الرافعي عن الشيخ أبي حامد، والإمام، والطبري في العدة عن حكاية الشيخ أبي علي. والمذهب – وهو الذي جزم به البندنيجي: أن الوكيل إذا قال: أقررت عنه، لم يكن إقراراً بشيء؛ كقول الموكل: "أقررت".

стр. 4814

قلت: وهذا التصوير من البندنيجي يقتضي أن كيفية الإقرار إذا عين له شيئاً يقر به – أن يقول: ["قررت عنه بكذا". وقد صور بعضهم إقرار الوكيل عن موكله بأن يقول]: "جعلت موكلي مقرًّا بكذا". وعلى الثاني- وهو أن التوكيل في الإقرار لا يصح – فهل [يجعل] الموكل مقرًّا به؟ فيه وجهان: أحدهما -: وبه قال ابن سريج، وهو الأصح في التهذيب -: لا؛ كما لا يكون الأمر بالأمر أمراً. والثاني: نعم، وقد نسبه المتولي إلى رواية ابن سريج أيضا، ً وصاحب [التهذيب] قال: إنه من تخريج ابن القاص؛ لأن توكيله دليل على ثبوت الحق عليه، واختاره الإمام؛ هذه طريقة الجمهور. وفي الحاوي وحلية الشاشي: أنا إذا صححنا التوكيل، فهل نجعله مقرًّا به أم لابد من إقرار الوكيل؟ فيه وجهان: قال: وفي تملك المباحات: كالصيد، والحشيش، والماء – قولان: وجه المنع، وهو الأصح في الجيلي: أن سبب الملك وجد منه، وهو وضع اليد؛ فلا تنتقل عنه بالنية؛ كما في الغنيمة. ووجه الجواز – وهو الأصح عند الجمهور، والمختار في المرشد -: أنه تمليك مال بسبب لا يتعين عليه، فجاز أن يوكل فيه؛ كالابتياع والاتهاب. واحترزنا بقولنا: بسبب لا يتعين عليه عن الجهاد. والخلاف المذكور يجري في [التوكيل في] إحياء الموات؛ كما صرح به في المهذب، وقد حكينا عن القاضي الحسين في آخر باب الشركة: أنه مخرج من القولين في مسألة الاشتراك في البغلة، والراوية، والاستقاء، وكذلك قاله القاضي أبو الطيب.

стр. 4815

فرع: لو استأجر شخصاً؛ ليحتطب له أو يحتش مدة معلومة، أو يحيى له أرضاً ميتة – فالإجابة صحيحة؛ كما صرح به القاضي الحسين في أواخر الشركة، وادعى الإمام الجزم بذلك. وأجاب القاضي ابن كج [وابن سريج] بمنع الصحة. وحكى البغوي والمتولي في باب الإجارة في [صحة] ذلك وجهين. وعلى الأول لو كانت الإجارة على استقاء الماء – فسدت؛ للجمع بينها وبين غيرها من العقود على عوض واحد، فالماء للمستأجر؛ لأن منافعه مضمونة عليه بأجرة المثل؛ وهذا [إذا] لم يقصد المستقي نفسه، أما إذا [قصد نفسه] في هذه الحالة، فعن الشيخ أبي علي أنه يكون للمستأجر – أيضاً – وتوقف الإمام فيه؛ لأن منفعته غير مستحقة للمستأجر، وقد قصد نفسه، فليكن الحاصل له. [فرع] آخر: لو أمره بالالتقاط، فالتقط، كان المُلتَقِط أحق به؛ قاله في البحر، ولم يحك فيه الخلاف المذكور [في التوكيل] في الاحتطاب. وقال صاحب البيان: يحتمل أن يتخرج [على الوجهين] [فيه]. قلت: -وهذا يظهر إذا غَلَّبنا على اللقطة شائبة الاكتساب. قال: ولا يجوز التوكيل في الظاهر والأيمان [والإيلاء]. أما في الأيمان؛ فلأن التوكيل لا يحصِّل مقصودها، وهو تعظيم الرب – – فأشبه العبادات، والشهادة. وأما في الظهار؛ فلأنه منكر من القول وزورٌ، وفي ذلك إعانة عليه مع أنه فيه معنى اليمين؛ [لأنه [قد يفضي إلى] وجوب الكفارة. والإيلاء واللعان والقسامة من جملة الأيمان،] فلا يجوز التوكيل فيها، وقد ألحق بها النذور.

стр. 4816

وحكى القاضي الحسين في جواز التوكيل في الظهار خلافاً، مبنيًّا على أن المغلب فيه شائبة الطلاق، أو اليمين؟ فإن غلب الأول؛ جاز، وهو ما قال في التتمة: نه المذهب، وإن غلب الثاني؛ فلا، كما هو الظاهر عند المعظم، ونسبه المتولي إلى المزني. قال: وفي الرجعة وجهان: وجه الجواز - وهو الأصح، وبه جزم الماوردي، والإمام [هاهنا] القياس على النكاح؛ فإن كل واحد منهما القصد به استباحة المحرم. ووجه المنع: [القياس] على التوكيل في اختيار [العدد الذي جوزه الشرع عند إسلام الزوج على أكثر منه، وعلى التوكيل في اختيار] المطلقة من الزوجتين طلاقاً مبهماً والمعتقة من الأمتين كذلك؛ لتوقف ذلك على شهوات النفوس. وفي بحر المذهب حكاية قول في جواز التوكيل في اختيار الزوجات عند الإسلام؛ إلحاقاً له بالرجعة. وجزم المتولي بعدم الإلحاق عند إطلاق التوكيل، وبالإلحاق إذا أشار إلى أربعة منهن، وقال: [وكلتك في اختيارهن في النكاح. وكذلك قال فيما إذا طلق إحدى المرأتين لا بعينها، ثم أشار إلى واحدة، وقال:] [وكلتك في] اختيارها للنكاح، أو للطلاق. قال: وأما حقوق الله تعالى، فما كان منها عبادة، لا يجوز التوكيل فيها؛ لأن المطلوب منها ابتلاء الشخص وامتحانه بإتعابه نفسه، وذلك لا يحصل بالتوكيل. قال: إلا في الزكاة - أي: في تريقها - والحج - أي: عند العجز - لما ذكرناه في موضعه.

стр. 4817

ويندرج في الحج ركعتا الطواف. وفي الجيلي حكاية وجه في الزكاة: أنه لا يجوز التوكيل فيها؛ كالصلاة، وفي الصلاة: أنه يجوز فيها [كركعتي] الطواف. وعلى الأول- وهو الصحيح – تلتحق بالزكاة الكفارات، وتفرقة النذور، وذبح الأضاحي، والهدايا، وبالحج الصوم على القول القديم في حق الميت. والتوكيل في إزالة النجاسة جائز، وعنها احترز الشيخ بقوله: "عبادة"؛ لأنها من باب التروك؛ ولهذا لا يشترط فيها النية. وغسل الميت قال في البحر: لا يجوز التوكيل فيه؛ لأنه من فروض الكفايات. قلت: ويحتمل أن يكون ما قاله محمولاً على ما إذا لم يكن ثم من يجب عليه بخصوصه. قال: وما كان منها حدًّا – أي: كحد الزنا، والشرب، والسرقة – يجوز التوكيل في استيفائه – أي: في حضرة الإمام، وغيبته وكذا في حضرة السيد وغيبته؛ لقوله ﷺ : "واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت، فارجمها". قال: دون إثباته؛ لأنه يحتاط لإسقاطه، فالتوكيل في إثباته مناقض للمقصود فيه. ولأن الوكالة لو جازت في ذلك؛ لكانت في العدوى، والدعوى فيه غير مسموعة؛ كما صرح به في البحر. قال: وما جاز التوكيل فيه، جاز مع حضور الموكل ومع غيبته:

стр. 4818

أما في الأموال؛ فلما ذكرناه من أنه ﷺ كان يبعث العمال؛ لقبض الصدقة والجزية، وقد اتفق العلماء على ذلك. وأما في الباقي؛ فلأنه حق يجوز التوكيل فيه بحضرة الموكل، فجاز في غيبته؛ كقبض الديون. قال: وقيل: لا يجوز في استيفاء القصاص، وحد القذف مع غيبة الموكل؛ لقوله ﷺ :"ادرءوا الحدود بالشبهات"، وفي استيفاء هذا الحد شبهة؛ لأنه لا يدري الوكيل: [هل] عفا موكله أم لا؟ فلم يجز له استيفاؤه. ولأن الحاضر قد يرق فيعفو، والغائب بخلافه؛ فاشترط حضوره؛ احتياطاً للدم؛ وهذا ما نص عليه الشافعي هاهنا؛ لأنه قال: "لم أحد، ولم اقتص حتى يحضر المحدود له، [أو المقتص] له" ولأجل ذلك قال الطبري في المنهاج – كما حكاه في البحر عنه: إنه المذهب الصحيح. وحكى الرافعي عن الروياني: أنه قال: هذا الذي يفتي به. قال: وقيل: يجوز – أي: قولاً واحداً – لما ذكرناه أولاً؛ وهذا قول أبي إسحاق وغيره من أصحابنا، وتمسكوا فيه بظاهر قول الشافعي في باب الشهادة على الجناية، وبقوله في آخر الديات: [إذا وكله في تثبيت [حد لم يكن]، له

стр. 4819

أن يقتص حتى يحضر المقتص له أو وكيله). وحملوا ما روي [عنه هنا] على الاحتياط. وقد اختار هذه الطريقة- على ما حكاه في البحر –القاضي أبو الطيب الطبري، والقاضي أبو حامد، وأضاف ابن الصباغ إلى الطبري الشيخ أبا حامد. وقد اعترض النواوي – ﵀ – على الشيخ في إعادته هذا القول من حيث إنه داخل فيما ذكره أولاً. وقد يجاب بأن المراد [به] بيان أن الأصحاب نصوا على جوازه، لا أنه مأخوذ من عموم قاعدة قرروها. قال: وقيل: فيه قولان، ووجههما ما ذكرناه، واصحهما عند الماوردي، والبغوي: [الجواز، وقد اختار هذه الطريقة صاحب الإفصاح، وادعى الرافعي: أنها المشهورة، والماوردي]: أنها الذي صار إليها الأكثرون. وقرب القاضي الحسين القولين من القولين في جواز الشهادة على الشهادة فيهام، وكذلك في كتاب القاضي إلى القاضي. ومحل الاتفاق على صحة التوكيل على هذه الطريقة إذا صدر بعد ثبوت القصاص، فلو صدر قبل ثبوته؛ في صحته وجهان: أحدهما – وهو قول أبي إسحاق – لا يصح؛ كذا قاله الماوردي في كتاب القسامة. التفريع: إن قلنا: بعدم الجواز، فوكل فهي، واستوفاه الوكيل – وقع الموقع، لكنه لم يستوفه بوكالة صحيحة. وإن قلنا بالجواز، ففعله الوكيل بعد العفو، وقبل العلم به، فهل يجب على الوكيل الدية؟

стр. 4820

[قال الماوردي في كتاب الجنايات: إن كانت مسافة الوكيل أبعد من زمان العفو، مثل: أن يكون الوكيل على مسافة عشرة أيام، وعفو الموكل قبل القصاص بخمسة أيام – فعفوه باطل؛ كما لو رمى سلاحه على المقتص منه، ثم عفا عنه قبل وصول السلاح إليه؛ [فإنه لا يجب] على الوكيل شيء. وإن كانت مسافة الوكيل أقصر من زمان العفو، مثل: أن يكون الوكيل على مسافة خمسة أيام، وعفو الموكل قبل القصاص بخمسة أيام؛ ففي وجوب الدية على الوكيل] قولان، وقد بناهما البندنيجي وابن الصباغ على انعزال الوكيل قبل العلم. قلت: وفي البناء نظر؛ من حيث إن الوكيل ينعزل ضمناً وإن لم يبلغه الخبر وجهاً واحداً؛ كما إذا باع الموكل ما وكل فيه، أو أزال ملكه عنه؛ وهذا منه؛ لأن العزل وقع ضمناً بالعفو عن الحق. وقد يجاب عن ذلك بأن الخلاف المذكور راجع إلى صحة العفو، وعدم صحته قبل العلم؛ كما صرح به المحاملي في المجموع، فمن لم يصحح العفو قبل العلم؛ لم يوجب الدية، ومن صححه أوجبها، [والله أعلم]. ثم إذا لم تجب الدية، [فهل تجب الكفارة؟ فيه وجهان. وإن أوجبنا الدية، وجبت الكفارة. لكن الدية] هل تجب في ما له دية عمد، أو تجب على عاقلته دية عمد الخطأ؟ فيه وجهان: أولهما: اختيار الشيخ أبي إسحاق. والثاني: اختيار ابن أبي هريرة فإن أوجبناها عليه، فهل يرجع [بها] على الموكل؟ [حكى الجيلي عن ابن الصباغ فيه وجهين. وعن البغوي القطع بعدم الرجوع.

стр. 4821

وإن أوجبناها [على العاقلة]، فلا رجوع لهم على الموكل]. عند ابن الصباغ، والبغوي. وفيه وجه حكاه الجيلي، أيضاً. ولا نزاع في انه لا يجب عليه القصاص. وفي الجيلي حكاية وجه [فيه]. ثم اعلم أن [من] المستثنيات – أيضاً – توكيل المرتهن في بيع الرهن؛ فإنه لا يصح البيع منه في غيبة الموكل، ويصح [مع] حضوره؛ على الأصح عند العراقيين؛ كما ذكرناه في باب الرهن، ولم يستثنه الشيخ. قال: ولا تصح الوكالة إلا بالإيجاب والقبول؛ لأنها إثبات حق السلطنة والتصرف للوكيل؛ فافتقرت إلى ذلك؛ كسائر التمليكات. وصيغة الإيجاب أن يقول: "وكلتك"، أو: "أنت وكيلي"، أو: [قد] جعلتك لي وكيلاً في كذا، ويقوم مقام ذلك قوله: "فوضت إليك"، "وأنبتك فيه"، و"أقمتك مقامي فيه"، وكذا قوله: "بعه"، و"وهبه لزيد"، [وما] أشبه ذلك؛ للدلالة على المقصود. قال: ويجوز القبول فيه بالقول؛ كما في سائر العقود، وصورته أن يقول: "قبلت الوكالة"، ويقوم مقامه قوله: "توكلت". قال: والفعل – أي: الموكل فيه – لأن الوكالة أمر للوكيل، وقبول الأمر امتثاله، وذلك يحصل بالتصرف؛ كما قلنا في الوديعة والعارية، [أيضاً]، ويخالف هذا سائر العقود من الهبة، والوصية، غيرهما؛ لأنها تتضمن التمليك؛ فافتقرت إلى القبول بالقول؛ كالبيع. وقد صار إلى هذا أيضاً صاحب التهذيب، وكثيرون. وحكى – أيضاً – عن القفال، لكنه عبر عنه بأنه [لايحتاج] إلى القبول؛

стр. 4822

لأن الاشتغال بالتصرف قبول منه له. قال الروياني: والأولى العبارة الأولى. وحكى الإمام وجهاً مع ما حكى عن القفال: أنه لابد من القبول باللفظ. والذي حكاه القاضي الحسين: أنا لا نشترط القبول باللفظ إذا كان لفظ الموكل صيغة أمر، كقوله: "بع"، ونحوه، وأجرى الخلاف فيما إذا كان على صيغة العقود؛ كقوله: "وكلتك"، و"فوضت إليك". وعلى ذلك جرى المتولي، لكنه جعل المذهب المشهور حيث أجرى الخلاف: أنه لا يشترط القبول - يعني: باللفظ - كما هو عند غيره، وأن من صار إلى اشتراطه هو الذي [يراعي في العقود ألفاظها لا معانيها. والذي ذكره القاضي أن اشتراط القبول هو الذي يدل عليه] ظاهر النص، وقد استحسن الإمام هذه الطريقة هاهنا، وقال في أول كتاب الوديعة: الأصح: أنه لا يشترط القبول في الوكالة، على أي وجه فرضت. وألحق المتولي بقوله مع قوله: أذنت لك في كذا. قال: ويجوز على الفور؛ كسائر العقود وعلى التراخي؛ لان الوكالة تصح بالمعلوم والمجهول: كالخصومات، وبالموجود وبالمعدوم: كاستيفاء ما وجب له وما سيجب؛ فجاز تراخي القبول فيها؛ كالوصية. هذه علة الشيخ أبي حامد، وقد يمنع جواز التوكيل فيها بالمجهول - كما صوره [في المخاصمة]- فإن لأصحابنا وجهاً في عدم صحة التوكيل بها. كذا والذي وجهه به القاضي أبو الطيب: أن التوكيل إذن في التصرف، والإذن قائم ما لم يرجع الآذن، وإذا كان الإذن باقياً، لم يكن فرق بين أن يقبل في الحال، أو يؤخر القبول إلى وقت آخر. وحكى القاضي الحسين وجهين فيما إذا اشترطنا القبول بالنطق: أنه هل يكتفي

стр. 4823

به في [غير] ذلك المجلس؟ وقال: الأصح [عند]: أنه يختص [بذلك في] المجلس. وقال في التتمة: لا خلاف أنه لا يجب القبول كسائر العقود، والأمر فيه موسع. وحكى الشيخ والماوردي عن القاضي أبي حامد: أنه اعتبر وقوع القبول على الفور؛ كما في البيع، وخطأه الماوردي. قال الرافعي: وهذا إذا اشترطنا النطق، أما إذا لم نشترطه، فلا يشترط التعجيل بحال، ولو خرج على أن الأمر [هل] يقتضي الفور؟ لما بعد. وقد حكى الغزالي ما ذكره الشيخ عن العراقيين، قوال: إنه عين إسقاط القبول، وي إطلاقه نظر؛ من حيث إن القبول يطلق بمعنيين: أحدهما: اللفظ الدال على الرضا على النحو المعتبر في المعاملات. والثاني: الرضا، والرغبة فيما فوض إليه، ويقتضيه الرد، فإن أراد المعنى الأول فصحيح، لكن المعتبر عند العراقيين في الوكالات القبول بالمعنى الثاني؛ حتى لو رد، وقال: "لا أقبل، ولا أفعل"، بطلت، ولو ندم، وأراد أن يفعل، احتاج إلى تجديد الإذن. ثم ما ذكرناه من عدم اشتراط الفورية مفروض فيما إذا لم يعين زمان العمل الذي وكل فيه. فإن تعين، وخيف فواته، كان القبول فيها على الفور. وكذلك لو عرضها الحاكم عليه عند ثبوتها عنده صار قبولها على الفور؛ صرح به الماوردي، وتبعه الروياني.

стр. 4824

[فرعان]: على القول [بأنا لا نشترط] القبول؛ كما حكاه الإمام: أحدهما: لو وكله، والوكيل لا يشعر [به]، هل تثبت وكالته؟ قال في النهاية: فيها وجهان، يقربان من القولين في أن العزل هل ينفذ قبل بلوغ الخبر، فالوكالة أولى بألاَّ تثبت، فن لم نثبتها، فهل يحكم بنفوذها حالة بلوغ الخبر؛ كالعزل أم لا؟ فيه وجهان عن رواية الشيخ أبي محمد. إن لم نحكم به، فقد اشترطنا اقتران علم الوكيل بالوكالة. والأظهر: ثبوت الوكالة وإن لم يعلم، وعلى هذا فلو تصرف الوكيل، وهو غير عالم، ثم تبين الحال، خرج على الخلاف فيما إذا باع مال أبيه على [ظن] أنه حي، فإذا هو ميت. الثاني: لو كتب إليه بالوكالة، وأرسل إليه، كفى. وعلى القول "باشتراطه بالنطق"، فالحكم كما لو كتب بالبيع، والذي أجاب به الماوردي، والبندنيجي، والروياني الجواز، وادعى القاضي أبو الطيب في مسألة بلوغ الخبر إجماع المسلمين على الصحة. [فرع:] تعيين الوكيل شرط في الوكالة؛ حتى لو قال: أذنت لكل من أراد بيع عبدي [هذا]، لم يصح التوكيل؛ صرح به الإمام في الجعالة، ونسبه الغزالي في كتاب الحج إلى القفال. قال: ولا يجوز عقد الوكالة على شرط مستقبل، أي: مثل إن قال: "إذا جاء رأس الشهر، فقد وكلتك في بيع عبدي"؛ كما صوره في التهذيب، أو:"إذا تزوجت فلانة، فقد وكلتك في تطليقها"، أو: إذا اشتريت عبداً، فقد وكلتك في

стр. 4825

بيعه [أو عتقه]؛ كما صوره ابن أبي الدم. [و] وجهه: أنه عقد يملك به التصرف في حالة الحياة، لم يبن على التغليب والسراية، وتؤثر فيه الجهالة؛ فلم يجز تعليقه على شرط؛ كالبيع، والإجارة، والقراض. وحكى الشيخ في المهذب [وغيره] وجهاً: أنه يجوز كما في الوصية، والإمارة؛ وكذا حكاه ابن أبي الدم في الصورتين اللتين ذكرهما. وقال الإمام في آخر باب الطلاق قبل النكاح فيما إذا قال الإنسان: "إن تزوجت فلانة؛ فقد وكلتك في طلاقها": إن الوجه القطع ببطلان الوكالة؛ فإنه تصرف في الطلاق قبل الملك. وأيضاً: فإنا [إذا] لم نجوز تعليق الطلاق قبل النكاح مع أنه يقبل التعليق، فكيف تصح الوكالة مع الاختلاف في قبولها [التعليق]. وقال هاهنا: أحسن الطرق عندي تخريج ذلك على الخلاف في [أن] القبول هل يشترط؟ فإن قلنا بعدم اشتراطه، لم يمتنع تعليق الوكالة، وإن شرطناه [فيبعد تصحيح التعليق في الوكالة. وحكى عن شيخه: أنا إن لم نشترط القبول، جاز التعليق، وإن اشترطناه]، ففي جواز التعليق وجهان. وإن هذا بعيد، لم نره إلا له، ومقتضى ما قاله هو وشيخه: أن يكون الصحيح صحة التعليق؛ فإن الصحيح عدم اشتراط القبول، والصحيح عند العراقيين ما ذكره الشيخ، [وأجابوا] عن الوصية بأنها تجوز بالمجهول، وما جاز بالمجهول جاز تعليقه؛ لأنهما متقاربان.

стр. 4826

وعن الإمارة بأنها تجوز مع الجهالة – أيضاً – فإن عمر – ﵁ – جعلها شورى. وقد تحصل من مجموع ذلك في كيفية [بناء] الخلاف – ثلاث طرق: أحدها: وهي طريقة العراقيين: أن القبول بالقول لا يشترط، وفي جواز التعليق وجهان. والثانية والثالثة طريقة الإمام ووالده. [فرع: قال في البحر في كتاب القراض: إذا قال: "وكلتك في بيع [هذه السلعة]، وصرف ثمنها في سلعة أخرى" – صح التوكيل بالبيع، وفي التوكيل بالشراء وجهان]. قال: فإن عقد على شرط، ووجد الشرط، فتصرف الوكيل، نفذ تصرفه – أي: وإن فرعنا على المذهب – لوجود الإذن الخالي عن المفسد؛ كما لو وكله في البيع، وشرط له جعلاً فاسداً؛ فإن الوكالة فاسدة، والبيع صحيح بصحة الإذن، لكن التصرف وإن صح فلا يسوغ للوكيل الإقدام عليه؛ لفساد الوكالة، ويستحق أجرة المثل [إذا تصرف]، وقد شرط له جعلاً. واستبعد ابن الصباغ عدم جواز التصرف مع القول [بصحة الإذن]، وقال: لو لم يستبح التصرف، لم يصح منه فلما صح منه تبين أنه يستبيحه بالإذن وإن فائدة الفساد: أن المسمى لا يثبت، وتجب أجرة المثل. وعكس الشيخ أبو محمد ذلك، وقال: هو لا يستبيح التصرف؛ فلا ينفذ تصرفه، وقطع به. قال الإمام: وكشف الغطاء عن ذلك: أن صيغة الإذن الصادر من الموكل إن

стр. 4827

كانت [أمراً وجرينا] على أنه لا يقتضي القبول، فيجب القطع بأنها تقبل التعليق. [وإن كانت توكيلاً، وقضينا بأنها تفتقر إلى قبول، فالتعليق يسد بخروج القبول عن الضبط؛ فكأن لا قبول، وإذا فسد القبول، لم] يستفد الوكيل التصرف. وقد حكى المتولي ما صار إليه الشيخ أبو محمد وجهاً. [قال:] وإن وكله في الحال، وعلق التصرف على شرط – جاز. قال في المهذب: لأنه لم يعلق العقد على شرط، وإنما علق التصرف فيه، فلم يمنع صحة العقد، وصورة [ذلك أن يقول: وكلتك "أن تبيع مالي، أو تطلق زوجتي بعد شهر". وصور الإمام] ذلك بأن يقول: وكلتك ببيع عبدي، ولا تبعه إلا بعد شهر. والرافعي بأن يقول: "وكلتك ببيع عبدي الآن، ولا تبعه إلا بعد شهر". وادعى اتفاق الأصحاب على صحة ذلك. وقال الإمام: في صحة التوكيل نظر؛ فإنه لا معنى للتوكيل مع امتناع التصرف، والمقصود من الألفاظ معانيها، وحكى أن في كلام العراقيين رمزاً إلى أنه لا فرق بين تعليق الوكالة، وبين تعليق التصرف بالوكالة، وأنه حسن. وقد ألحق البغوي بما ذكرناه في الصحة ما إذا قال: وكلتك [أن تطلق] كل امرأة أتزوجها، وتعتق كل عبد أشتريه، ثم نكح، وملك. والمتولي عند الكلام في اشتراط الفورية في القبول [ألحق به] ما إذا قال: وكلتك ببيع ما يثمر نخلي وتنتج مواشيَّ؛ نظراً إلى تنجيز الوكالة في الحال. وما قالاه قد حكاه الإمام وجهاً عن القاضي في [آخر باب] الطلاق قبل

стр. 4828

النكاح فيما إذا قال: وكلتك في بيع [عبد] فلان إذا ملكته، أو: في طلاق فلانة إذا نكحتها، ثم ملك، ونكح. وحكى عنه وجهاً آخر: أنه لا يصح [ثم قال: والوجه عندي القطع بالفساد؛ فإن الوكالة لا تصح]، لتنجيزها، والتصرف غير ممكن؛ فلا فرق في المعنى بين هذه الصورة وبين ما إذا قال: "إن تزوجت فلانة، فقد وكلتك في طلاقاه". فروع: [أحدها:] لو أَقَتَ الوكالة، فقال:"وكلتك إلى شهر، صح؛ كما حكاه الرافعي عن العبادي في الرقم، والقاضي الحسين في كتاب: القراض. [الثاني:] تعليق العزل على شرط يجز؛ على الأصح؛ [كما] في النهاية، وفيه وجه. وقد أشار القاضي الحسين والإمام إلى أن الخلاف يترتب على تعليق التوكيل، وأولى بالجواز؛ فإن الطريقة الصحيحة بناء تعليق التوكيل على اشتراط القبول فيها، وهو غير مشترط في العزل. [الثالث:] تعليق الإباحة على الشرط، مثل أن يقول: إذا جاء رأس الشهر، فقد أبحتك كذا، هل يجوز؟ فيه وجهان في آخر كتاب الوكالة [في البحر]. فرع: إذا جوزنا تعليق الوكالة، فقال الموكل: وكلتك في كذا، وكلما عزلتك، فأنت وكيلي –صحت الوكالة في الحال؛ على الأصح. وفي تعليق القاضي الحسين وغيره حكاية وجه: أنها لا تصح؛ لاشتمالها على شرط التأبيد، وهو إلزام العقد الجائز. فإن قلنا بالأول، أو كان قوله: مهما عزلتك، فأنت وكيلي منفصلاً عن الوكالة – إذا عزله، وعلم الوكيل، عاد وكيلاً، وهكذا الحكم فيما إذا لم يعلم،

стр. 4829

وقلنا: لا يشترط بلوغ الخبر في العزل، أما إذا اشترطناه؛ فلا يكون [قد] عزل، ثم عاد، بل هو مستمر على الوكالة. وقد حكى الإمام فيما إذا قلنا: إنه ينعزل وإن لم يشعر به –تردداً عن الأصحاب: [و] أن منهم من الحق عوده وكيلاً بالتوكيل، حيث لا يشعر الوكيل، ول يشترط القبول، وقد ذكرناه. ومنهم من قال بنفوذ التوكيل هاهنا؛ فإن صورة المسألة تؤمن الوكيل من اطراد العزل عليه. ثم قال: ولا شك أنا نضطر إلى عود العزل في وقت وإن لطف، ثم نفرض على الترتيب عود الوكالة، فلو صادف تصرف الوكيل ذلك الوقت اللطيف، فهل ينفذ؟ فيه وجهان: فإن لم ننفذه، [و] وقع الاختلاف فيه، فالأصل استمرار الوكالة، والحكم بنفوذ التصرف. قال الرافعي: وهذا الفرض والتصوير إنما [يتضح] لو وقع بينهما ترتيب زماني، والترتيب في مثل هذا لا يكون إلا عقليًّا. وطريق الموكل في عزل الوكيل أن يوكل غيره، فيعزله، فإن كان قد قال: "كلما عزلتك، أو عزلك غيري، فأنت وكيلي" – فطريقه [فيه] كما قال الشيخ أبو محمد: أن يقول: "كلما عدت وكيلي، فأنت معزول" فيلتقي عود الغزل وعود الوكالة، والعزل أغلب، وإلى ذلك أشار الغزالي بقوله: "فيتقاوم العزل والوكالة والأصل منع التصرف". قال: وإن وكله في خصومة، أو [في] استيفاء حق – لم يفتقر

стр. 4830

[إلى] رضا الموكل عليه؛ لأن التوكيل في ذلك رضا الخصم جائز اتفاقاً، وما جاز التوكيل فيه برضا الخصم، جاز التوكيل فيه بدونه، كالتوكيل في قبض الزكاة، والجزية. ولأنه توكيل لا يعتبر فيه رضا الخصم مع غيبة الموكل، فلم يعتبر فيه [مع] حضوره؛ كتوكيل المريض [والمخدرة، وقد وافق الخصم]- وهو أبو حنيفة - على جواز ذلك. فرع: لو وكله في مخاصمة كل خصم يحدث له في ففي صحة هذه الوكالة وجهان: أحدهما - وهو [قول] البصريين - أنها باطلة؛ لما يتضمنها من الجهالة بالموكل فيه، وأنها على غير شيء في الحال. والثاني - وهو قول البغداديين - أنها صحيحة؛ لأنها من العقود الجائزة؛ فلا تبطل بالجهالة. فعلى هذا هل يحتاج إلى بيان ما فيه الخصومة من عين، أو دين، أو أرش جناية، أو بدل مال؟ فيه وجهان حكاهما العبادي، كالوجهين في بيان من يخاصم معه. قال: وإن وكَّله في حق، لم يجز للوكيل أن يجعل ذلك إلى غيره؛ لأنه لم يأذن له في التوكيل، ولا تضمنه إذنه عرفاً؛ فلم يجز له، والأصل في التصرف في مال الغير الحظر. ولأنه إنما رضي بأمانته؛ فلا يجوز أن يأتمن غيره؛ [كما في الوديعة]. قال: إلا أن يأذن له فيه؛ لزوال المانع، أو كان ذلك مما لا يتولى مثله بنفسه، أي: مثل أن يوكل في البيع والشراء من لا يتولى التصرف في الأسواق، أو من هو جاهل بما وكله فيه.

стр. 4831

ووجهه: أن الموكل إذا علم أن الوكيل لا يحصل المقصود بنفسه في العادة، انصرف الإذن فيه إلى ما جرت به العادة من الاستنابة. قال: أو لا يتمكن منه؛ لكثرته؛ لما ذكرناه، وقاسه في [بحر] المذهب على عامل القراض. والكثرة: بفتح الكاف، وحكى كسرها. وحكى المتولي وغيره وجهاً: أنه لا يجوز له التوكيل في هذه الحالة. وحكى الروياني عن بعض المراوزة: انه صححه، وغلطه فيه، وقد حكى هذا الوجه - أيضاً -فيما إذا كان الوكيل لا يتولى مثل الموكل فيه بنفسه. وعلى الصحيح هل يملك التوكيل في جميع ما وكل فيه، أو فيما عجز عن التصرف فيه؟ فيه وجهان: أصحهما في الرافعي: الثاني. ويجيء من مجموع ما ذكرناه ثلاث طرق: إحداها: الجواز يما لا يقدر على التصرف فيه، وفيما يقدر وجهان. [والثانية: لا يجوز فيما يقدر، وفيما [لا يقدر] عليه وجهان]. والثالثة: إجراء الخلاف في الحالتين. فرع: [قال ابن سريج:] إذا وكله في تصرف سماه له، [ثم] قال: [قد] أذنت لك أن تصنع ما شئت، فهل يكون ذلك إذناً في التوكيل؟ فيه قولان: في مجموع المحاملي، ووجهان في الشامل وغيره. قال في البحر: وهو الأصح، والمختار في المرشد منهما المنع. فرع: إذا وكل بالإذن، فالوكيل الثاني وكيل عمن؟ ينظر: فإن قال: "وكِّلْ عني"، فهو وكيل عن الموكِّل، لا ينعزل بانعزال الواسطة، ولا عزله. وإن قال: "عن نسك"، فالذي حكاه العراقيون عن القاضي أبي الطيب،

стр. 4832

والماوردي، والشيخ في المهذب، وغيرهم: أنه وكيل عن الوكيل، فله عزله، وينعزل بانعزاله، وللموكل-أيضاً – عزله. وحكى القاضي الحسين: أنه ينعزل بموته، وجنونه، وهل ينزل بعزله؟ فيه وجهان: أحدهما: [لا]؛ لأنه وكيل في التوكيل دون العزل، والعزل ضده: كالوكيل في البيع، لا يملك الإقالة. وأن طريق الموكل الأول [في عزل الثاني أني عزل الأول،] فلو عزل الثاني، فهل ينعزل؟ يحتمل وجهين. وحكى الغزالي مع ما حكيناه عن العراقيين وجهاً آخر: أنه وكيل عن الموكل؛ فعلى هذا يكون حكمه ما ذكرناه أولاً. وحكى الروياني عنهم [أنه] الأصح، ظاهر مذهب الشافعي. وفي الوسيط على هذا: إذا مات الواسطة هل ينعزل الأخير؟ فيه وجهان: فإن قال: "وكل"، وأطلق، فهل [يكون] ذلك كما لو قال: "وكل عني" أو "عن نفسك"؟ فيه وجهان في الحاوي وغيره، وأصحهما [في الرافعي] الأول، وهو الذي حكاه في البحر. فرع: حيث جوزنا التوكيل بغير الإذن، فينبغي ان يوكل عن موكله، فلو وكل عن نفسه؛ ففيه وجهان [في الرافعي]. تنبيه حيث جوزنا للوكيل التوكيل، فلا يجوز أن يوكل إلا ثقة كافياً فيما يوكِّل فيه، إلا أن يعين له الموكل شخصاً. وفي البحر في كتاب الوصية [وجه] أنه يجوز أن يوكل الفاسق. وعلى المذهب: لو وكل عدلاً حيث لا تعيين من جهة الموكل، ففسق، فهل [له] عزله دون إذن موكله؟ فيه وجهان في الحاوي وغيره، والمختار في المرشد الجواز، وخص الغزالي محل الوجهين بما إذا قال: "وكل عني".

стр. 4833

واستشكل بعضهم وجه جواز العزل؛ فإنه إذا لم يكن [وكيلاً] عنه، فكيف يقدر على عزله. قال: وإن وكل اثنين، لم يجز لأحدهما أن ينفرد بالتصرف؛ لأنه إنما رضي باجتادهما دون اجتهاد أحدهما. قال: إلا أن يجعل الموكل ذلك إليه؛ لرضاه بتصرف كل [واحد] منهما. وحكى العراقيون وجهاً فيما إذا وكلهما في حفظ مال: أنه يجوز لأحدهما أن يسلمه إلى الآخر؛: لينفرد بحفظه، ونسبوه إلى ابن سريج. قال [الإمام]: والفرق بين ذلك وبين ما إذا أِرك بينهما في التصرف؛ أن استحفاظهما مشعر في الظاهر بقيام كل واحد منهما بحق الحفظ لو لم يكن صاحبه حاضراً، فإن اعتقاد اجتماعهما أبداً على الحفظ وهوأمر دائم - بعيد، والألفاظ الملطقة تؤخذ من موجب العرف، والتصرفات تقع في أوقات، فليس يتعذر الاجتماع عليها؛ فلذلك حمل الأمر فيها على الاشتراك، وصدرو التصرف عن رأيهام؛ كذا حكاه قبل باب الرهن والحميل. وما قاله من الفرق منتفض بتوكيلهما في الخصومة؛ فإنه حكى وجهين في أن أحدهما هل له أن يستبد بها، مع أنها تقع في أوقات [لا يتعذر] فيها الاجتماع. ثم على وجه الجواز في [مسألة] التوكيل بالحفظ: لو "أرادا" أن يقسما ما وكلا في حفظه، وأمكنت قسمته، جاز؛ كما حكاه القاضي أبو الطيب في الرهن، ونسبه في المهذب إلى [تخريج] ابن سريج، وحكى الإمام معه في أواخر كتاب الرهن [وجهاً آخر:] أن القسمة لا تجوز.

стр. 4834

[و] على وجه الجواز: إذا وقعت القسمة، ثم أراد أحدهما أن يدفع نصيبه إلى صاحبه، هل يجوز؟ قال القاضي أبو الطيب في كتاب الرهن: يحتمل وجهين: أحدهما: يجوز؛ كما جازت القسمة، وحكى في الشامل هذين الوجهين عن ابن سريج. والصحيح عند المراوزة؛ كما حكاه الإمام ثَمَّ، وبه جزم أكثر العراقيين هنا – ما دل عليه كلام الشيخ: [أنه] لا يجوز لأحدهما ان ينفرد بالحفظ، وإذا مات أحدهما، لم يقُم غيره مقامه؛ بخلاف الوصيين إذا مات أحدهما. ولو غاب أحد الوكيلين، فأقام الحاضر بينة على وكالتهما، سمعت، وثبتت في حق الغائب تبعاً، فإذا حضر تصرفا جمنيعاً؛ قاله القاضي أبو الطيب وغيره. قال: وإن وكله في البيع، لم يجز أن يبيع من نفسه؛ لأن إطلاق الأمر له لا يقتضي دخوله فيه؛ فلا يملكه. ولأن البائع عن الغير مأمور بطلب الاستقصاء في الثمن، والمشتري لنفسه طبعه يحثه على أن يسترخص، ويقلل الثمن، وهما متنافيان. وحكى ابن كج أن القاضي أبا حامد حكى عن الإصطخري وجهاً: أن للوكيل أن يبيع من نفسه [عند] حصول الثمن الذي لو باع [به] من غيره؛ لصح. قال: وقيل: إن نص له على ذلك – جاز؛ نظراً للعلة الأولى، وصيغته أن يقول: [إن] اخترت أن تشتريه لنفسك من نسك، فافعل، وهذا قول أبي إسحاق. وحكى الماوردي أنه من تخريج ابن سريج، قال: وليس بشيء؛ لما في ذلك من اتحاد الموجب والقابل، وإذن الموكل لا ينفي ما ذكرناه من تضاد

стр. 4835

الغرضين؛ فإن غاية الأمر أن يشتريه لنفسه بثمن المثل، وهو متهم بالتساهل في طلب زيادة عليه. نعم: لو قال [له] "بعه من نفسك بكذا" جزماً اتجه تصحيح البيع [لأن النظر إلى اتحاد الموجب والقابل إنما كان لما يلحقه من التهمة المفضية] إلى تضاد الغرضين، ولذلك لما فقدت التهمة في حق الأب والجد، لم يكن الاتحاد مانعاً من الصحة، وهاهنا قد انتفت التهمة بالنص على البيع من نسه بشيء معلوم؛ فإنه لو نص على البيع من الأجنبي بشيء لا يجوز البيع من غيره مع وجود الزيادة عليه، وقد وجد هذا هاهنا. وللقائل بعدم الصحة أن ينظر إلى الغالب. والخلاف المذكور يجري - كما حكاه المتولي -فيما لو وكله في أن يبيع من ولده الصغير. [و] قال صاحب التهذيب: وجب أن يصح؛ لأنه رضي بالنظر للطفل، وترك الاستقصاء، وتولي الطرفين في حق الولد معهود في الجملة، بخلاف ما لو باع من نفسه. [ويجري - أيضاً - الخلاف فيما لو وكله بالهبة، وأذن له أن يهب من نفسه، أو في أن يستوي من نفسه] ما له عليه من دين، أو قصاص. وعلى قول المنع: إذا استوفى - سقط الضمان. قال المحاملي: لأنه يسقط بالشبهة. وأجري - أيضاً -فيما لو وكل الإمام السارق في قطع يده، أو الزاني ليجلد نفسه، واستبعده الإمام في الزاني؛ لأنه متهم بترك الإيلام، بخلاف القطع. وأجري - أيضاً - فيما لو وكل السيد عبده في أن يكاتب نفسه على نجمين. وظاهر المذهب في الكل: المنع. ولو وكله في أن يبرئ نفسه، فطريقان:
следующие страницы →