← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

وفي الرافعي: أنه خُرِّجَ قول مما [مر] في المسألة الأولى: أن المصدق الراكب عند هلاك الدابة قبل مضي مدة لمثلها أجرة. ولو قال المالك: غصبتني، وقال صاحب اليد: بل أودعتني، قال الرافعي: حلف المالك؛ على الأصح، وأخذ القيمة إن تلف المال، وأجرة المثل إن مضت مدة لمثلها أجرة. وفي بحر المذهب في كتاب الوكالة: أن أبا حنيفة قال: لو قال [رجل: أخذت من فلان كذا وديعة، وقال] المالك: بل غصباً- فالقول قول المقر له [ولو قال: دفعه فلان إلى وديعة، وقال [المالك]: بل غصباً، فالقول قول المقر،] فمن أصحابنا من قال: لا نقول بهذا التفصيل، والقول قول المقر في الموضعين. وقال القفال: عندي المذهب كما قال أبو حنيفة؛ لأنه إذا قال [أخذت]، فقد أقر بأخذه، وهو فعل من جهته، وادعى على المقر الإذن في الأخذ، والأصل عدمه. وما قاله بعض الأصحاب هو ما حكاه القاضي الحسين في تعليقه في باب الكالة. [والذي أورده صاحب الإشراف [منقولاً]: أن القول قول المقر؛ لأن المالك ادعى الضمان عليه، وهو أنكره، والأصل فراغ ذمته عن الضمان، وخرج من عند نفسه وجهاً: أن القول قول المالك؛ بناء على تقابل الأصلين، وفرق بين ما نحن فيه؛ حيث جعل القول قول المقر، وبين ما إذا ادعى المالك الإعارة، والمقر الإجارة؛ حيث جعل القول قول المالك: بأن المقصود من الإجارة ملك العوض المسمى فيها، وحكم الأمانة تابع، فإذا سقط المتبوع من جهة أن الأصل عدم العوض، سط التابع في ضمنه؛ بخلاف عقد الوديعة؛ فإن

стр. 5007

[الحكم] المقصود فيه هو الأمانة، والأصل عدم الخيانة] [وسيكون لنا عَوْدَةٌ إلى هذا الفرع في باب الإقرار –إن شاء الله تعالى – لأن الأصحاب ذكروه ثَمَّ، فليطلب منه]. قال: وإن اختلف المعير والمستعير في رد العارية، فالقول قول المعير؛ لأن الأصل عدم الرد، مع أن المستعير قبض العين [لمحض حق] نفسه. ولنختم الباب بفروع تتعلق به. أحدها: إذا قال: أعرتك هذه الدابة، بشرط أن تعلفها، أو الدار بشرط أن تطين سطحها – فهي إجارة فاسدة، لاتضمن العين فيها. وكذا لو قال: أعرتك داري بعشرة دراهم لتعيرني ثوبك شهراً. وفيه وجه: أنها عارية فاسدة؛ نظراً إلى اللفظ. الثاني: إذا أركب أمن عياه المشي في الطريق؛ تقرباً لله تعالى، فهي عارية. وأبدى الإمام فيه احتمالاً، جعله الغزالي وجهاً [أظهر:] أنه لا يضمن؛ كما لو أركبه لحاجته، وهو قريب مما حكاه المتولي في الغصب، فيما إذا أوصى للغاصب بمنفعة المغصوب، ومات، وقيل: إنه يبرأ [على وجه] من ضمان الغصب؛ كما لو أجره المغصوب؛ موجهاً ذلك بأن المقصود من الوصية الثواب، وقد تعجل له، واستحق الموصى له المنافع؛ كما في الإجارة. وعلى الأول إذا أركبه خلفه، فعلى الرديف نصف الضمنا. ورأي الإمام: أنه لا يلزمه شيء تشبيهاً بالضيف. وعلى الأول: لو وضع متاعه على دابة غيره، وأمره أن يسير الدابة، ففعل، كان صاحب [المتاع مستعيراً] [للدابة] [بقسط متاعه مما عليها].

стр. 5008

ولو لم يكن صاحب المتاع سيرها، ولكن سيرها المالكن لم يكن صاحب المتاع مستعيراً، ودخل المتاع في ضمان صاحب الدابة. الفرع الثالث: إذا استعار دابة؛ ليركبها إلى موضع، فجاوزه، فهو متعد من وقت المجاوزة، وعليه أجرة المثل ذهاباً ورجوعاً إلى ذلك الموضع، وفي لزوم الأجرة من ذلك الموضع إلى البلد الذي استعاره [فيه] وجهان: وجه المنع: أنه مأذون فيه من جهة المالك. ووجه اللزوم: أن ذلك الإذن قد انقطع بالمجاوزة. وعلى هذا فليس له الركوب من هذا الموضع، بل يسلمه إلى حاكم الموضع الذي استعار إليه. الفرع الرابع: إذا اشترى من إنسان شيئاً، وتسلمه في ظرف، فتلف الظرف في يد المشتري، فهل يكون مضموناً عليه ضمان العارية؟ فيه وجهان: أصحهما في الرافعي في كتاب الإجارة: الضمان. ويقرب منه ما حكى عن الشيخ أبي عاصم: أن المهدي إليه إذا انتفع بظرف الهدية المبعوثة إليه حيث جرت العادة باستعماله: كأكل الطعام من القصعة المبعوث فيها –كان عارية؛ لأنه منتفع بملك الغير بإذنه. ويقرب من ذلك – أيضاً – ما حكاه القاضي الحسين فيما إذا أخذ من سقاء كوزاً، فسقط من يد الآخذ، وتلف، وكان عادته أن يشرب منه في كل جمعة بكسره فإنه لا يضمنه على المذهب؛ لكونه أمانة [في يده]. وفيه وجه أنه عارية. الفرع الخامس: إذا استعمل المستعير العارية بعد رجوع المعير فيها، وهو جاهل بالرجوع – لم تلزمه الأجرة؛ كذا ذكره الرافعي عن القفال. قلت: ويتجه أن يتخرج على ما إذا رجع المبيح للثمار فيها، ولم يعلم

стр. 5009

المباح له، وفيها ثلاث طرق: إحداها: مثل ما ذكره القفال هنا، وهي ما جزم بها الغزالي في كتاب القسم. والثانية: أن في تغريم المتناول ما يتناوله بعد ما رجع – قولان؛ كما في مسألة عزل الوكيل، وهي طريقة الشيخ أبي محمد. والثالثة: عن أبي بكر الصيدلاني: الجزم بالغرامة؛ لأن الغرامات لا فرق فيها بين العلم والجهل، وإلى هذه مال الإمام؛ كذا حكاه الرافعي في كتاب القسم. الفرع السادس: إذا مات المستعير، وجب على الورثة الرد، وإن لم يطلب المعير؛ لأن الرد واجب؛ بخلاف الوديعة، والله أعلم.

стр. 5010

باب الغصب الغصب: مصدر غصبته، أغصبه - بكسر الصاد-غصباً، واغتصبته، و [غصبته] على الشيءن وغصبت منه، والشيء مغصوب، غصب [وهو في اللغة]: أخذ الشيء ظلماً، مجاهرة، لا سرًّا، فإن أخذه من حرز سرًّا، سمي: سرقة، وإن أخذه [مكابرة] في صحراء، سمي: محاربة، إن أخذه استلاباً سمي: اختلاساً، إن أخذه من شيء كان مؤتمناً عليه، مسي: خيانة؛ كذا قاله في البحر. واختلفت عبارات الأئمة في ضبطه شرعاً. فقيل: الاستيلاء على مال الغير على جهة التعدي. وقيل: الاستيلاء على مال الغير بغير حق. واختار الإمام هذه العبارة؛ لأنها أعم من الأولى، ولا حاجة إلى التقييد بالعدوان، بل يثبت الغصب وحكمه من غير عدوان؛ كما أن المُودَع إذا لبس الثوب المودع ظانًّا أنه ثوبه، [أوأخذ المُودِع ثوباً ظانًّا أنه ثوبه،] فكان غيره - فإنه يضمنه ضمان الغصوب. وقيل: كل مضمون على ممسكه، فهو مغصوب؛ حتى المقبوض بالشراء الفاسد. واختار الرافعي الأولى، وقال: الثابت فيما ذكر من الصور حكم الغصب، لا حقيقته. واختار النواوي: أنه الاستيلاء على حق الغير عدواناً، وكأنه احترز بقوله:

стр. 5011

عدواناً عن الاستيلاء على مال الكفار بالاغتنام، وعن الاستيلاء على مال الغير الذي في يد الغاصب؛ ليرده على مالكه؛ على أحد الوجهين، وهو الموافق لنص الشافعي فيما إذا انتزع مال المسلم الذي في يد الحربي؛ ليرده على المسلم؛ حيث قال: إنه لا يلزمه الضمان؛ كما حكاه القاضي الحسين. وأخرج بذكره "الاستيلاء": أخذ المال على جهة الخفية بسرقة، أو اختلاس؛ [فإن الاستيلاء – كما قال مجلي] – ينبني على القهر والغلبة، وإنه لا يقال: استولى على الشيء إلا أن يكون له مضاد يمانعه عنه، وأن ذلك حقيقة اللفظ في اللسان. قال الشيخ محيي الدين النواوي: ولا يصح قول من قال: على مال الغير؛ لأنه يخرج منه الكلب، والسرجين، وجلد الميتة، وخمر الذمي، والمنافع، والحقوق، والاختصاص. قلت: ومقتضى الحدود كلها: أنه لو ركب دابة الغير، أو جلس على فراشه، ولم ينقله: أنه يكون غاصباً، وهو أحد القولين في النهاية، والذي صححه الرافعي. [وحكى] في البحر أن القاضي أبا الطيب قال [في مسألة الدابة]: لا

стр. 5012

أعرفها لأصحابنا، والذي عندي: أنه لا يضمن؛ لأن ضمان الغصب عندنا معتبر بضمان القبض في العقد، و [القبض في العقد في] الدابة بنقلها، وتحويلها، فكذلك هاهنا؛ [ولذلك] إذا وضع يده علىثوب إنسان بغير إذنه، لا يضمن. وفي الحاوي: أن الغصب هو منع الإنسان من ملكه، والتصرف فيه بغير استحقاق، فإذا وجد ذلك، تم الغصب؛ فلزم الضمان، سواء نقل المغصوب عن محله أم لا. وهذا يخرج ما إذا دفع لعبد الغير شيئاً؛ ليوصله إلى بيته من غير إذن مالكه. وقد جزم القاضي الحسين في تعليقه، في آخر باب اللقيط؛ أنه يكون غاصباً؛ لأن مثل هذا يدخله في ضمانه بالعارية، وما ضمن في العارية، ضمن في الغصب، وطرد ذلك فيما إذا استعمله في شغله. ثم الأصل في تحريم الغصب من الكتاب: قوله تعالى: [﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] والغصب من جملة المنكر، [وقوله تعالى]: ﴿وَلا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] وهو من الباطل. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢]، والغصب من جملة الظلم؛ لأن حقيقة الظلم: وضع الشيء في غير محله. ومن السنة: ما روى البخاري عن عائشة عن النبي ﷺ : "مَنْ أَخَذَ مِنَ الأَرْضِ شِبْراً بِغَيْرِ حَقٍّ، خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ". [وما روى مسلم عن سعيد بن زيد أن رسول الله ﷺ قال: "مَنِ اقْتَطَعَ شِبْراً مِنَ الأَرْضِ ظُلْماً، طَوَّقَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ"].

стр. 5013

وروي أنه ﷺ قال في حجة الوداع: "إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا؛ أَلا هَلْ بَلَّغْتُ؟! اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلْيُؤَدِّهَا إِلَى مَنِ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا. أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ؛ فَلاَ يَحِلُّ لامْرِئٍ مَالُ أَخِيهِ إِلاَّ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ؟! اللَّهُمَّ اشْهَدْ". قال الماوردي: وقد أجمعت الأمة على أن من فعله مستحلاًّ، كان كافراً، ومن فعله غير مستحل، كان فاسقاً. قال: إذا غصب – [أي: من تجري عليه أحكامنا] – شيئاً له قيمة، ضمنه بالغصب – أي: عند التلف – ولزمه رده – أي: عند البقاء، والتمكن منه – وإن غرم عليه أضعاف قيمته؛ لقوله ﷺ : "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ"؛ وهذا يشمل عموم الحالين من بدل وعين. وقيل: إذا احتاج [في] رد الطعام المغصوب إلى مؤنة كثيرة، لم يلزمه رده، وكان عليه المثل، وهكذا الحكم فيما لو بذره، ولم يتمكن من جمعه إلا بمؤنة كبيرة؛ كما صرح به الماوردي. ومتى رد المغصوب بعينه من غير نقص فيه – برئ، وإن نقصت قيمته بسبب انخفاض الأسعار. وقال أبو ثور: يضمن ارتفاع الأسواق مع الرد، كما يضمنه مع التلف؛ قياساً على السِّمَن.

стр. 5014

وحكى الوفق بن طاهر: أن من الأصحاب من يوافقه. وقال الإمام: إنه منقاس. واحتج الأصحاب عليه بأنه لو غصب مثليًّا، وتلف في يده؛ برئ برد مثله وإن كان أنقص قيمة من الأصل، فأولى أن يبرأ برد العين نفسها. وأجابوا عن السمن بأن الذاهب [منه] ملك المغصوب [منه] فضمن بدله، وزيادة السوق ليست بملك للمغصوب منه؛ فلذلك لم يضمنها. ثم المردود عليه هو المالك، أو وكيله في ذلك. ولو كان الغصب من يد المودع عنده، أو من المستأجر، أو المرتهن، أو العدل الذي وضع الرهن تحت يده فرده إليه، برئ على المذهب. وفيه وجه محكي في الرافعي في كتاب الرهن: أنه لا يبرأ إلا بالرد على المالك، أو بإذن جديد للعدل في أخذه. ولو كان الغصب من يد الملتقط لم يبرأ بالرد [إليه]، ولو كان من يد المستعير، أو المستام، ثم رده إليه، ففي البراءة وجهان؛ لأنهما مأذون لهما من جهة المالك، لكنهما ضامنان؛ كذا حكى الرافعي في كتاب

стр. 5015

الرهن، [والله أعلم]. قال: وإن كان خيطاً، فخاط به جرح حيوان لا يؤكل، وهو مما له حرمة-أي: كالآدمي المصان الدم، والبغل، والحمار، ونحو ذلك- وخيف من نزعه الضرر، لم يلزمه رده؛ لحرمة الحيوان؛ فإنها آكد من حرمة المال؛ بدليل: أنه يجزو أخذ مال الغير قهراً؛ لحفظ الحيوان؛ على المذهب، ولا يجوز؛ لحفظ المال. وأيضاً: فإن حق المال ينجبر بأخذ بدله وحق الحيوان [لا جابر له. ومن قال بأنه لا يجوز أخذ مال الغير؛ لحرمة الحيوان]؛ كما حكاه مجلي وجهاً في كتاب النفقات [وكذا الإمام، والغزالي] قد لا يقول بمثله هنا؛ لأنه يغتفر في الدوام مالا يغتفر في الابتداء. ثم المراد بالضرر: فوات النفس، أو العضو، وكذا شدة الضنى، وإبطال النزو، والزيادة في المرض على أحد الوجهين؛ كما في إباحة التيمم؛ خشية [من] حصول ذلك [باستعمال] الماء. وفي البحر حكاية طريقة قاطعة بعدم النزع عند خوف الزيادة في المرض. والذي ذكره الرافعي ضابطاً لذلك: خوف كل محذور، يجوز العدول من الوضوء إلى التيمم، وفاقاً وخلافاً. وقال الإمام: لو رتب انقدح وجهان: أحدهما: أن ترك الخيط أولى؛ لقيام القيمة مقامه. والثاني: [أن] النزع أولى؛ لتعلقه بحق الآدمي المبني على التضييق. وأما إذا كان الحيوان لا حرمة له: كالخنزير، والكلب العقور، ونحوهما – نزع. وكذا ينزع من المرتد عند الشيخ، والروياني، والماوردي.

стр. 5016

وحكى غيرهم فيه وجهين. وقال بعض الخراسانيين: غير الآدمي لايكون مانعاً من الرجوع، وهو وزان الوه الذي حكيناه عن رواية مجلي في ابتداء أخذ المال. فرع: إذا مات الحيوان هل ينزع الخيط إذا كانت له قيمة؟ ينظر: إن كان آدميًّا، وأثر القلع فحشا لم يقلع، وإن لم يؤثر، أو كان غير آدمي قلع. وأطلق الإمام حكاية وجهين في جواز النزع من الآدمي، وصحح وجه النزع. وقال في البحر: الأصح: أنه لا ينزع بحال. وخرج المتولي على هذا [الخلاف] جواز النزع إذا خيط به جرح الزاني المحصن، والمحارب. قال: وإن خاط به جرح حيوان يؤكل – أي: وهو ملك الغاصب – ففيه قولان: أحدهما- وهو الذي رواه الربيع -: وجوب النزع؛ لأنه يمكنه نزعه بسبب مباح؛ فكان كالساج يدخله البناء. والثاني- وهو رواية حرملة، وظاهر ما نقله المزني، والمذهب في البحر، وتعليق البندنيجي -: أنه لا يجب؛ لأنه ﷺ نهى عن ذبح الحيوان، لا لمأكله، وقال ﵇: "مَنْ ذَبَحَ عُصْفُوراً بِغَيْرِ حَقِّهَا حُوسِبَ بِهَا" قيل: وما حقها؟ قال: "أَنْ تَذْبَحَهَا لِغَيْرِ مَاكَلَةٍ" فعلى هذا يغرم القيمة؛ للحيلولة. أما لو كان الحيوان ملكاً لغير الغاصب، فلا ينزع وجهاً واحداً.

стр. 5017

فرعان: [أحدهما:] إذا مرت بهيمة في السوق، فابتلعت جوهرة، نظر: إن لم يكن مالكها معها، لم يضمن، ولم يجب عليه بيع الدابة لمالك الجوهرة. وإن كان معها، ضمن، سواء كانت البهيمة شاة أو بعيراً. وقال ابن أبي هريرة: إن كانت بعيراً، ضمن، و [إن كانت شاة]، فلا. والفرق: أن العرف في البعير النفور؛ فلزمه منعه، ومراعاته، والعرف في الشاة السكون؛ فلم يلزمه منعها، ومراعاتها. ثم إذا قدر على رد الجوهرة، ردها، وأخذ ما بذله. ولو أدخلت البهيمة رأسها في قدر لغير مالكها؛ بحيث لا يمكن إخراجها إلا بكسر القدر، أو ذبح الحيوان، نظر: إن كانصاحب البهيمة متعدياً ليس إلا، فإن كانت البهيمة لا تؤكل، كسرت القدرنوكان على صاحب البهيمة ضمانها [وإن كانت تؤكل فهل تذبح، أو تكسر القدر ويجب على صاحب البهيمة ضمانها؟! فيه وجهان. وإن كان صاحب القدر متعدياً ليس إلا، فالواجب كسر القدر، وهو هدر. وإن لم يكن واحد منهما متعدياً، فالحكم كما لو كان صاحب البهيمة متعدياً؛ لأنه يخلص ملكه. وإن كانا متعديين، فإن كانت البهيمة غير مأكولة، كسرت القدر، وضمن صاحب البهيمة نصف أرشها، والنصف الثاني هدر. وإن كانت مأكولة، وقلنا: لا تذبح [لذلك]، فكذلك الحكم. وإن قلنا: تذبح، فتنازعا، فقال صاحب القدر: اذبحها، وأنا أغرم لك نصف أرشها، وقال صاحب البهيمة: [بل] اكسر القدر، وأنا أغرم لك نصف أرشها -

стр. 5018

قال الماوردي: لا يجبا البادئ منها بطلب التخليص ويجاب الآخر. ولو أمسكا عن النازع حتى تطاول بهما الزمان، أجبر صاحب البهيمة على ذلك. وهكذا القول في فصيل دخل داراً فكبر فيها حتى لا يقدر على الخروج من بابها إلا بهدمه. وفي أترجمة من شجرة دخلت [في إناء]، فكبرت فيه، ولم تخرج إلا بكره. قال: وإن كان لوحاً فأدخله في سفينة، وهي في اللجة، [أي:] وكانت بحيث لو نزع، لهلكت وما فيها. [قال]: وفي السفينة مال لغير الغاصب، أي: ولم يعلم صاحبه حالةوضعه المال فيها بالغصب. قال: أو حيوان – أي: محترم -: لم ينزع؛ لحرمة المالك والحيوان، مع أن لذلك أمداً ينتظر، وله المطالبة بالقيمة؛ للحيلولة. أما إذا كانت السفينة على الشط، أو بقرية في زوراق – نزع؛ قاله الماوردي. ولو علم صاحب الما بغصب اللوح الذي فيها حالة وضع ماله في السفينة – كان كمال الغاصب؛ صرح به في التهذيب. ولو كان الحيوان غير محترم، كان الأمر كما لو لم يكن فيها. قال: وإن كان فهيا مال للغاصب، فقد قيل: ينزع؛ كما يقلع بناؤه؛ [لرد الساج] وإن تضرر؛ وهذا هو الأصح عند الإمام. وقيل: لا ينزع؛ لأنه يمكن الرد مع سلامة المال؛ إذا جاءت إلى الشط؛ بخلاف الساج؛ وهذا هو الأصح عند ابن الصباغ، وغيره.

стр. 5019

والخلاف يجري فيما لو لم يكن في السفينة شيء، ولو نزع اللوح لتلفت، وكانت للغاصب. وفي الجيلي حكاية وجه: أن اللوح ينزع، سواء كان المال لغير الغاصب، وكانت في اللجة، أولا. فرع: لو اختلطت السفينة التي أدخل اللوح فيها بعشر سفن للغاصب، ولم يتوصل إلى اللوح إلا بهدم جميعها؛ بأن يكون مبنيًّا عليه –ففيه وجهان: أحدهما: يهدم جميعها. والثاني: لا، إلا أن يتعين اللوح؛ لأنه لا يجوز أن يستهلك عليه [ما لا] يتعين التعدي فيه؛ قاله الشيخ في المهذب، وغيره. تنبيه: السفينة: واحدة السفن والسفين؛ قال ابن دريد: هي فعيلة بمعنى: فاعلة؛ لأنها تسفن الماء، أي: تسفن اللجة، واللج: معظم الماء، ومنه قوله تعالى: ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور: ٤٠]. [قال] وإن أدخل ساجاً في بناء، فعفن [فيه]، لم ينزع؛ لأن فيه إتلاف مال بغير فائدة، وقد نهى ﷺ عن إضاعة المال، ويطالب الغاصب بقيمته. وهكذا الحكم في الخيط إذا كان لا يخرج إلا بتقطيع، ولا ينتفع به – لا ينزع. أما إذا لم يعفن، [الساج] نزع وإن تلف على الغاصب [سبب نزعه] أضعاف قيمته؛ لقوله ﷺ : "ليس لعرق ظالم حق"، ويطالب بأجرة مثله؛ إن كان لمثله أجرة، وكذلك أرش نقصه؛ إن نقص.

стр. 5020

ولا فرق في ذلك بين أن يكون ما بني عليه منارة لمسجد، أو غرها. ويجب عليه بعد نقض المنارة غرم نقضها للمسجد وإن كان هو المتطوع بها. قال الماوردي: لخروجها عن ملكه. تنبيه: الساج [تكسير، وهو] – بالسين المهملة، وتخفيف الجيم -: نوع من الخشب، [وهو أجوده]. [و] عفن: بكسر الفاء. قال: وإن تلف المغصوب عنده، أي: بآفة سماوية، أو أتلفه؛ وكذا لو أتلفه أجنبي بسبب قصاص جرى سببه في يده، أو بغير سبب. قال: فإن كان له مثل، ضمنه بمثله؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. ولأنه أقرب للجبر. ولا فرق في ذلك بين أن تكون قيمة المثل مثل قيمة الأصل، أو أنقص؛ كما إذا كان الأصل يساوي عشرة، وقيمة المثل تساوي خمسة؛ لان الرجوع للمثل رجوع [إلى المشاهدة] والرجوع إلى القيمة رجوع إلى الاجتهاد، [والمشاهدة أقوى من الاجتهاد]؛ وكذا قال في البحر وغيره. نعم: لو كان للأصل قيمة عند الغصب، والمثل لا قيمة له عند الرد: كما إذا غصب ماء [في يده] [في برية]، ثم ظفر به على الشط – فإن المطالبة هاهنا تكون بقيمة البرية؛ كما حكاه المتولي، ونقله الإمام عن شيخه هاهنا، [و] عن نص الشافعي قبيل [باب] ما يفسد الماء. ثم إذا اجتمعا في تلك البرية، [أو في مثلها]، هل يجب رد المثل،

стр. 5021

واسترداد القيمة، أم لا؟ فيه وجهان: المذكرو منهما في التتمة الأول. فرع: لو تراضيا على أخذ القيمة مع وجود المثل، هل يجوز؟ فيه وجهان، بناهما الماوردي على الوجهين في جواز أخذ أرش العيب مع القدرة على رد المعيب، وأصحهما في البحر: الجواز. تنبيه: ما حد المثلي؟ اختلف الأصحاب فيه. فقيل: كل مقدر بالكيل، أو الوزن؛ لأن التقدير يدل على تقارب الأجزاء؛ وهذا ما ينسب إلى الشيخ أبي محمد، وإلى النص؛ أخذاً من قوله في المختصر؛ وما له كيل، أو وزن، فعليه مثل كيله أو وزنه. وقد أبطل هذا الحد بالمعجونات، والمعروضات على النار؛ فإنها ليست مثلية مع اندراجها فيه. وقيل: كل مقدر بالكيل أو الوزن، ويجوز فيه السلم؛ لأن السلم يثبت بالوصف في الذمة، والضمان يشبهه. ولأنه يثبت في الذمة. وهذا يدخل الملاعق، وصنجات الميزان، [وهي غير مثلية]. وقيل: كل مقدر بالكيل، أو الوزن يجوز السلم فيه، ويجوز بيع بعضه ببعض [متماثلاً؛ لتشابه] الأصلين في قضية التقابل، وهو ما ذكر عن القاضي أبي الطيب، وحكى عن القفال، واقتصر الفوراني على حكايته، وكذا البغوي لم يحك سواه عن المراوزة. قال الغزالي هاهنا: وهذا يخرج منه الرطب والعنب، وإخراجهما من المثليات بعيد وإن كان قد قال في كتاب الزكاة: إن الرطب من ذوات القيم؛ على الصحيح. وقال الإمام – حكاية عن القاضي -: إنه يدخل القماقم، والملاعق، والمغارف

стр. 5022

المتخذة من الصفر، والنحاس؛ فإنها موزونة، ويجوز السلم فيها، وبيع بعضها ببعض، وليست مثلية. قال الرافعيك لكن قد مر في باب السلم: أن القماقم، ونحوها، لا يجوز السلم فيها لاختلافها، وإنما الجواز في الأصطال المربعة، والظروف المصبوبة في القوالب، فإن كان الإلزام بمثلها فلا يبعد ممن صار إلى العبارات الثلاث طردها فيها والحكم بأنها مثلية. قلت: ما قاله من منع السلم في [القماقم] ونحوها هو ما صار إليه الشيخ أبو حامد. وقد حكيت عن القاضي أبي الطيب: أنه قال: يجوز السلم فيها، وأنه حكاه عن نص الشافعي في الأم؛ وحينئذ يكون السؤال متقدماً على النص، ولا يمكن من قال به أن يقول: إن القماقم والملاعق مثلية. نعم: قد يجاب عنه بأن القائل بجواز السلم فيها، لا يشترط ذكر الوزن [فيها] – كما ذكرناه في موضعه – وإذا كان كذلك، فقد خرجت من الحد؛ لكونها غير موزونة؛ فإنه قد يقال: المعتبر في كون الشيء موزوناً: أن يكون الوزن معتبراً فيه؛ إذا ثبت في الذمة، والله أعلم. وقيل: المثلي هو الذي يقسم بين الشريكين من غير حاجة إلى تقويم. قال الرافعي: ولك أن تقول: هذا يشكل بالأرض المتساوية الأجزاء؛ فإنها تقسم، وليست مثلية. وقيل: ما تقاربت أجزاؤه، ولم تتفاوت قيمته؛ وهذا ما وقفت عليه في تعليق القاضي أبي الطيب، وهويدخل الرطب، والعنب، والدقيق. وقد صرح عند الكلام في خلط الدقيق بالدقيق: أنه متقوم.

стр. 5023

وحكى الإمام عن العراقيين: أنهم [رأوا الرطب، والعنب، والدقيق مثليات. ونسب الرافعي إلى العراقيين: أنهم] قالوا: المثي: ما لا تختلف أجزاء النوع [الواحد] منه في القيمة، وربما يقال: في الجرم والقيمة. ويقرب منه قول من قال: المثليات هي [التي] تتشاكل في الخلقة، ومعظم المنفعة. و [ما] اختاره الإمام – وهو تساوي الأجزاء في المنفعة، والقيمة؛ فزاد النظر إلى المنفعة، وعلى ذلك جرى في الوسيط، وزاد: من حيث الذات، لا من حيث الصنعة، وقصد به الاحتراز عن الملاعق، والمغارف، وصنجات الميزان المتساوية. قال الرافعي: ولك أن تقول: الملعقة، ونحوها، لو وردت على الضابط المذكور، فإما أن ترد؛ لتماثل أجزائها، وهي ملعقة، أو لتماثل أجزاء جوهرها فقط. والأول باطل؛ لأن أجزاء الملعقة غير متماثلة في المنفعة. [وأما الثاني: فالصفر الذي هو جوهر الملعقة] إذا كان مثليًّا، كان تماثل أجزائه من حيث الذات لا الصنعة. ثم قال: والأحسن أن يقال: المثلي كل ما [يحصره الكيل]، أو الوزن، ويجوز السلم فيه. ولا يقال: كل مكيل، أو موزون؛ لأن المفهوم منهما: ما يعتاد كيله ووزنه؛ يخرج منه الماء، وهو مثلي، وكذا التراب، وهو مثلي على الأصح. وقد نشأ من اختلاف العبارات خلاف في الصُّفْر، والنحاس، والحديد،

стр. 5024

والآنك –وهو الرصاص –لأنا أجزاءها مختلفة الجواهر، وفي التبر والسبيكة، والمسك، والعنبر، والعود، [والنفط]، والملح، والجمد، [والقطن]، والإبرسم، والغزل، وفي الصوف – أيضاً – كما حكاه في البحر. وقال القاضي الحسين فيه: المذهب: أنه غير مثلي. ثم قال: إن كان صوفاً لايتفاحش فيه التفاوت، [فهو من ذوات الأمثال، وإن كان يتفاحش فيه التفاوت]، فلا مثل له. وفي الرطب، والعنب، وسائر الفواكه الرطبة، والأظهر: أنها جميعاً مثلية. وفي السكر، والفانيذ، والعسل المصفى بالنار، واللحم الطري، وكذا القديد – على رأي حكاه في البحر- وفي الخبز، والأظهر [فيه]: أنه مثلي. وقد أفتى القفال بأن البطيخ والخيار من ذوات القيم، وحكاه المزني في المنثور قولاً، واختاره. وأما الحبوب، والتمر، الزبيب، والأدهان، والألبان، والسمن، والمخيض، والخل الذي لا ماء فيه، ونحو ذلك- فإنها مثلية، قال الرافعي: بالاتفاق. وألحق في البحر: السمن، واللبن، [والبلح]، [والسكر]، ونحوه، ومقتضاه: جريان الخلاف فيها.

стр. 5025

والدراهم والدنانير مثلية اتفاقاً. قال الرافعي: وقضية العبارة الثانية: إثبات الخلاف فيها؛ لأن في السلم [في الدراهم والدنانير] اختلافاً. وأيضاً فإنهم جعلوا المُكسَّرة على الخلاف في التبر، والسبيكة؛ لتفاوت القراضات في الجرم. ومثل ذلك يفرض في الصحاح؛ فيلزم مجيء الخلاف فيها؛ وهذا في الدراهم والدنانير الخالصة، أما المغشوشة، ففي التتمة: أن أمرها مبني على جواز التعامل بها: إن جوزناه فهي مثلية، وإلا [فهي متقومة]؛ لأن ما لا يملك بالعقد، [لا يملك] عوضاً عن متلف. قال: فإن أعوزه المثل: أي: في البلد وحوله؛ على النعت الذي ذكرناه في السلم. [قال]: أو وجده بأكثر من ثمن المثل، ضمنه بقيمة المثل: أما عند الإعواز؛ فلأنه غاية الممكن في الجبر. وأما عند وجوده بأكثر من ثمن المثل؛ فلأن الموجود كذلك كالمعدوم بالنسبة إلى القيام بالواجب؛ دليله: الرقبة في الكفارة، والماء في التيمم. وقيل: يلزمه المثل في هذه الحالة؛ كما لو لم يقدر على رد المغصوب إلا بأضعاف ثمنه؛ وهذا ما صححه البغوي، والروياني، واختاره في المرشد. والقائلون بالأول – ومنهم الغزالي – فرقوا بين المثل والعين بأنه تَعَدَّى في العين دون المثل. قال: وقت المحاكمة والتأدية –أي: طلب التأدية – لأن الواجب في الذمة هو المثل؛ بدليل: أن المالك لو صبر إلى وجوده، لم يجبر على أخذ القيمة، وإنما تجب القيمة بالطلب جبراً لحقه؛ فاعتبرت في وقته؛ لأن ما قبل ذلك لا ينضبط؛ وهذا ما صححه ابن يونس. وحكى مجلي أن بعض أصحابنا قال: إنه غلط، ولا وجه له؛ لأن زيادة القيمة

стр. 5026

بعد تلف المغصوب لا تعتبر، فكيف [بعد إعواز] المثل. ويقرب منه ما حكاه في البحر عن القاضي الطبري: أنه خلاف النص. قال: وقيل: يضمنه بقيمته أكثر ما كانت من حين القبض إلى وقت الحكم بالقيمة؛ لأن المثل هو الواجب إلى الحكم؛ كما أن الواجب رد العين المغصوبة إلى وقت التلف، ثم هناك يعتبر أكثر القيمة من الغصب إلى التلف –كما ستذكره –فكذلك هاهنا؛ وهذا ما حكاه أبو الطيب عن ابن أبي هريرة. قال: وقيل: عليه قيمته أكثر مما كانت من حين القبض إلى حين تعذر المثل؛ لأن وجود المثل [كبقاء] عين المغصوب؛ من حيث إنه كان مأموراً برد المثل [كما كان مأموراً برد العين] فإذا لم يفعل، غرم أقصى قيمته في المدتين؛ كما يضمن ما لا مثل له إذا تلف لهذا المعنى؛ وهذا قول أبي إسحاق المروزي، وصححه الرافعي، واستحسنه الإمام، وبه جزم الصيدلاني، وقال في البحر: إنه ظاهر المذهب. ووراء ما ذكره الشيخ وجوه يتم بها في المسألة اثنا عشر وجهاً: أحدها: أنه يضمن المثل بقيمته يوم الانقطاع؛ لأن الثابت في الذمة لا يتصف بالزيادة، ولا بالنقصان؛ حكاه القاضي الحسين. قال في البحر: وهذا اختيار أبي علي الزجاجي، والحناطي، والماوردي، وجماعة، وبه أقول. والثاني: أنه يضمن قيمته يوم أخذ القيمة، لا يوم المطالبة، ولا يوم التلف؛ حكاه الرافعي عما علق عن الشيخ أبي حامد، وهو الذي جزم به البندنيجي، وقال: لا فرق بين أن يكون الحاكم قد حكم عليه بدفع القيمة عند الإعواز أو لا. والثالث: أنه يضمنه بقيمته أكثر ما كانت من [حين] القبض إلى

стр. 5027

حالة الأخذ، وهو ما حكاه المحاملي، وهو مخالف للوجه الثاني الذي حكاه الشيخ هنا؛ فإن بين وقت الحكم وبين حالة الأخذ فرقاً؛ ولأجله [أضمرت طلبه]، والتأدية في القول الأول من كلام الشيخ؛ خشية التناقض؛ فإن القيمة قد تكون في يوم المحاكمة مخالفة لقيمة يوم التأدية، والشيخ في هذه العبارة هاهنا وافق عبارة القاضي أبي الطيب في تعليقه. والرابع: أنه يضمنه [بقيمته أكثر] ما كانت من وقت تعذر المثل إلى وقت المطالبة. قال الإمام: وهذا عندي غلط، [ووجَّه غلطه] بما ذكرناه عن مجلي في تغليط القائل بالوجه الأول في الكتاب. والخامس: أنه يضمنه بقيمته أكثر ما كانت من وقت تلف المغصوب إلى وقت المطالبة. والسادس: أن الواجب عليه قيمته أكثر ما كانت من حين القبض إلى حين تلف المغصوب، لأنه لما أتلفه، ولم يوجد له مثل، صار كالذي لا مثل له. والسابع: أن الواجب عليه قيمته أكثر ما كانت من حين تلف المغصوب إلى الإعواز. قال الرافعي: وربما بنى هذا والذي قبله على أن الواجب عند إعواز المثل قيمة المغصوب؛ لأنه الذي تلف على المالك، أو قيمة المثل؛ [لأنه الواجب عند] التلف، وإنما رجعنا إلى لاقيمة؛ لتعذره، وفيه وجهان لأبي الطيب بن سلمة. قلت: أما الأول فصحيح، وقد حكاه الماوردي عن [رواية] أبي حفص بن الوكيل مبنيًّا عليه. وأما الثاني، فلا؛ لأن ارتفاع الأسواق لا يضمن بعد التلف، وقد ضمنه هذا القائل.

стр. 5028

والثامن: أن الواجب قيمته [يوم تلف المغصوب. وقال مجلي: وهذا يختص بقولنا: إن الواجب قيمة المغصوب] المغصوب لا المثل. والتاسع: أنه ينظر، إن كان مما [ينقطع في جميع البلاد: كالعصير، فالاعتبار بقيمة يوم الإعواز، وإن كان مما] لا ينقطع عن أيدي الناس، وإنما يتعذر في موضع دون موضع – فالاعتبار بقيمة يوم الحكم بالقيمة؛ حكاه في المهذب، وهو

стр. 5029

ما اختاره في المرشد، ونسبه القاضي أبو الطيب إلى أبي العباس بن القاص، وغلطه فيه. فرع: إذا ظفر المالك بالغاصب في غير موضع الغصب وكان المغصوب مثليًّا، والمثل موجود، وقد تلف الأصل، هل له المطالبة بالمثل، أو بالقيمة؟ ينظر: إن كان مما لا مؤنة لنقله: كالدراهم، والدنانير؛ فله المطالبة بالمثل عند الأكثرين. وإن كان لنقله مؤنة، فالذي حكاه [الرافعي عن الأكثرين: أنه لا يطالب إلا بالقيمة من غير تعرض لتفصيل. والذي حكاه] ابن الصباغ، والماوردي، والبندنيجي: أن ذلك فيما إذا كانت قيمة المثل في بلد المطلبة أكثر [قال الزبيلي: قال الشافعي: [لأنا لو حملناه على المثل؛ لكان في ذلك ضرر وإتلاف ماله؛ لاختلاف الأسعار]. أما إذا كانت مساوية لقيمة بلد الغصب، أو أقل – فله المطالبة بالمثل. وقد حكى الإمام ذلك عن الشيخ أبي علي، وأنه حمل ما قاله الشافعي] والأصحاب على ما إذا كانت قيمة بلد الغصب أقل. وحكى عن شيخه وجهين في المطالبة بالمثل في هذه الحالة، وأظهرهما: أنه لا يطالب بالمثل، وإنما يطالب بقيمة المثل ببلد الغصب. والثاني: [أنه] يطالب بالمثل، واختلاف الأماكن كاختلاف الزمان. ثم قال: وهذا الوجه منقاس، لكني لست أثق به، فإني لم أره في شيء من الطرق، وسبيل فيما انفرد بنقله عنه، إذا لم أجده في غير طريقه – أن

стр. 5030

أتوقف، ولا أخلي الكتاب عن ذكره. قلت: لم يكن شيخه منفرداً بنقله؛ فإن الزبيلي من أصحابنا حكاه عن أبي إسحاق، وانه ليس له إلا المثل في جميع المواضع وإن اختلفت الأسعار؛ كما [أنه] ليس له إلا المثل وإن اختلفت الأزمان؛ كذا حكاه في أدب القضاء له. وحكى فيه –أيضاً – أن ابن أبي هريرة قال: إن كان اختلاف الأسعار لاختلاف الأزمان، فليس له إلا القيمة، وإنما يحمل على المثل إذا لم تختلف الأزمان. وقد خرج في الوسيط الخلاف الذي ذكرناه في المثليّ في الدراهم والدنانير. ولو كان المغصوب [باقياً] بحاله، وهو مثلي، وقد ظفر المالك بالغاصب في غير موضعه. قال الماوردي: لا يطالب بالمثل. وقال ابن الصباغ والبندنيجي: ينظر: إن لم يكن لنقله مؤنة: كالأثمان، [لم يكن] له المطالبة به؛ وإن كان لنقله مؤنة: كالحبوب، والأدهان، فإن كانت قيمة البلدين متساوية؛ كان له المطالبة بالمثل، وإن كانت مختلفة؛ فالمغصوب منه بالخيار بين أن [يأخذ] قيمة ما يساوي في بلد الغصب، وبين أن يصبر حتى يأتيا بلد الغصب، فيأخذ عين ماله، وإذا أخذ القيمة ملكها، ولم يملك الغاصب الطعام. فرع: إذا أتلف إنسان مثليًّا من غير أنا يضع يده عليه، وعدم المثل؛ حكى القاضي الحسين [فيما يضمنه] وجهين: أحدهما: قيمة يوم الانقطاع. والثاني: أكثر ما كان المثل قيمة من يوم [الوجوب إلى يوم الانقطاع. قال الإمام: ويندرج وجه ثالث ضعيف: وهو اعتبار قيمة يوم] التغريم.

стр. 5031

فرع: إذا غصب ملثيًّا، فتلف في يده، والمثل مفقود. قال الرافعي: فالقياس أن يجب – على الوجه الثالث، والتاسع – أقصى القيم من حين الغصب إلى حين التلف. وفي البحر حكاية ذلك عن النص. وعلى [الوجه الرابع والحادي عشر: قيمة يوم التلف. وعلى الخامس: قيمة يوم الأخذ. وعلى] السابع والثامن: أقصى القيم من وقت التلف إلى وقت المطالبة. على الثاني [عشر]: إن كان المثل منقطعاً في جميع البلاد، فقيمة يوم التلف، وإلا فقيمة يوم التغريم. والأوجه الثلاثة الباقية لا يختلف الحكم فيها؛ فيكون المتحصل في هذه المسألة ثمانية أوجه.

стр. 5032

قال: وإن لم يكن له مثل – [أي:] كالعبيد، والجواهر، والثياب – ضمنه بقيمته؛ لقوله ﷺ : "مَنْ أَعْتَقَ عَبْداً وَلَهُ فِهِ شُرَكَاءُ وَلَهُ وَفَاءٌ فَهُوَ حُرٌّ، وَيَضْمَنُ نَصِيبَ شُرَكَائِهِ بِقِيمَةِ مَا أَسَاءَ مِنْ مُشَارَكَتِهِمْ، وَلَيْسَ عَلَى الْعَبدِ شَيْءٌ"، خرجه النسائي. وجه الدلالة منه: أن ما لا مثل له لو ضمن بالمثل الصوري؛ لضمنه رسول الله ﷺ . ولأن إيجاب المثل في الخلقة لا يمكن؛ لاختلاف الجنس الواحد في القيمة؛ فكانت القيمة أقرب إلى جبر الفائت. قال: أكثر ما كانت من حين الغصب إلى حين التلف؛ لأنه غاصب في الحال التي زادت فيها قيمته؛ فلزمه ضمان قيمته فيها؛ كالحال التي غصبها فيها. ولأنه ما من حالة يفرض فيها قيمة إلا والغاصب كان مخاطباً فيها برد العين، فإذا لم يرد، فقد فوت الرد؛ فلزمه بدله؛ كذا قاله الإمام. قال: وتجب قيمته من نقد البلد [في البلد] الذي غصب فيه؛ لأنه موضع الضمان. ولا فرق في ذلك بين أن يكون المغصوب عرَضاً، أو ذهباً، أو فضة، ونقد البلد من غير جنسه، أو من جنسه، استوت قيمته ووزنه، أو زادت [قيمته] على وزنه؛ بسبب الصنعة؛ كما إذا كان المغصوب حليًّا، أو آنية، وجوزنا اتخاذها، وزنة ذلك مائة، وقيمته مصوغاً مائة وعشرون – فإنه يضمن مائة وعشرين. وإذا لم نجوز اتخاذها؛ كانت الصنعة كلا صنعة. وفي النهاية في ضمن فروع ذكرها بعد باب الوليمة: أنه يضمن قيمتها –

стр. 5033

أيضاً – على وجه، وقال: [إنه] غريب غير متجه. قال: وقيل: إن كان حليًّا من ذهب –أي: ونقد البلد ذهب –ضمنالعين بمثل وزنها من جنسها- أي: وهو مائة في مثالنا – وضمن الصنعة بقيمتها فضة؛ لأنا لو قلنا: إنه يضمن الجميع بجنسه؛ لكان يدفع مائة وعشرين في بدل مائة، وذلك ربا. قال: وليس بشيء؛ لأن الزيادة إنما تراعى في العقود والمعاوضات، وأما في الفسوخ والإتلافات فلا، وهذا إتلاف. [أيضاً:] فإن القدر الزائد على زنة المغصوب في مقابلة الصنعة التي لا يدخلها الربا، ولو دخلها الربا إذا قومت بالذهب؛ لدخلها إذا قومت بالفضة؛ نظراً إلى قاعدة: مد عجوة. وفي تعليق القاضي الحسين [حكاية] وجه: أنه يضمن العين في مثالنا بالفضة، والصنعة بالذهب. وحكاية قول منصوص للشافعي في كتاب الصداق الكبير: أنه يضمن العين والصنعة في مثالنا بالفضة، وحكاه الماوردي وغيره وجهاً. وفي الرافعي وغيره حكاية وجه: أنه يضمن العين بوزنها من جنسها، والصنعة بنقد البلد؛ سواء كان من جنس المغصوب، أو غير جنسه. والفرق بينه وبين الوجه الثاني في الكتاب: أن هاهنا يضمن العين بجنسها [وإن كانت من غر نقد البلد، ويضمن الصنعة [نقد البلد، ثم ضمن العين بجنسها]؛ لكونه نقد البلد، وضمن الصنعة] بالفضة، وهي من غير نقد البلد. وما ذكرناه فيما إذا كان المغصوب ذهباً، ونقد البلد ذهباً – يجري مثله فيما إذا كان [المغصوب] فضة، ونقد البلد فضة. والسبيكة إن قلنا: إنها مثلية، قال الرافعي: فيها وجهان:

стр. 5034

أحدهما: أنه يضمن الكل بغير جنسه. وأصحهما: أنه يضمن الوزن بالمثل، والصنعة بنقد البلد، سواء كان من جنسه، أو من غير جنسه. وإن قلنا: إنها متقومة، فيضمن الكل [بنقد البلد كيف اكن]. قال: وينبغي أن يجيء على هذا وجه التضمين بغير الجنس، إن كان نقد البلد من الجنس؛ لأن معنى الربا لا يختلف. وما اختلفت قيمته من النقار، لا بسبب صنعة فيه، [الواجب فيه] قيمته بغير جنسه، وإن لم يكن من نقد البلد عند العراقيين. وحكى الرافعي فيه وجهاً آخر: أنه تجب قيمته بنقد البلد [و] إن كان من جنسه. تنبيه: قال الجيلي: قول الشيخ: وتجب قيمته من نقد البلد الذي غصب فيه، ليس بصواب؛ إذ لم يذكره أحد من المصنفين، ولا هو في [كتاب] المهذب، بل صوابه أن يقول: من نقد البلد الذي حصل فيه التلف؛ لأنه موضع وجوب الضمان، وينتقل من العين إلى الذمة [بالتلف]. وما قاله هو الذي يقتضيه كلام الرافعي؛ حيث قال: وإنما تجب القيمة من نقد البلد الذي حصل فيه التلف. [ويقرب منه ما [حكاه] في المهذب والبحر: أن القيمة تجب من نقد البلد الذي تلفت فيه]. قلت: وفيما قيل نظر من وجهين: أحدهما: أن الذي يوجد في أكثر النسخ: "وتجب قيمته من نقد البلد في البلد الذي غصب فيه"، وهكذا هو في توجيه ابن الخل؛ وهذا اللفظ يفهم غير ما يفهمه اللفظ الأول.

стр. 5035

الثاني: على تقدير أن يكون اللفظ كما ذكره، وهو الذي في ابن يونس - أيضاً - فإنما يظهر صحة ما قالوه إذا كانت قيمة بلد التلف أكثر، أو أروج، أما إذا كانت قيمة بلد الغصب أكثر، أو أروج؛ فلا. بل يظهر اعتبار نقد بلد الغصب؛ عملاً بما علل به الأصحاب وجوب أكبر القيمتين؛ بأن ما من حالة تفرض فيها قيمة إلا والغاصب كان مخاطباً فيها برد العين، فإذا لم يرد [العين]، فقد فوت الرد؛ فلزمه بدله. كذلك نقول في النقد: ما من بلد حل فيها المغصوب، إلا والغاصب مطالب بالرد فيه، فإذا لم يرد، فقد فوت قيمة المغصوب بذلك النقد؛ فوجب أن يجب إذا كانت القيمة [نقده] أكثر، أو هو أروج. وقد حكى صاحب البحر عن والده ما يقاربه، فإنه قال: إذا كان نقد البلد وقت الغصب دراهم، ثم تلف المغصوب في يده، ونقد البلد يوم التلف دنانير، فأراد صاحب المال أن يضمنه دراهم، [ثم] يعدل إلى قيمتها بالدنانير؛ لكونها أحظ له - أن له ذلك، ووجهه بما ذكرته. ثم قال: ومن الأصحاب من قال: الاعتبار بحال الاستقرار [عند] تغير الأحوال. ومما يؤيد ما ذكرته: أن الرافعي حكى فيما إذا نقل المغصوب المثلي إلى بلد، وتلف فيه، أو أتلفه ثم ظفر به المالك في بلد، وقلنا: إنه لا يطالب بالمثل في غير موضع التلف، فله أخذ قيمة [أكثر] البلدين قيمة. وفي الوسيط في هذه الصورة: أن [له أن] يطالبه بقيمة أي بلد شاء من بلدي الغصب والإتلاف، وذلك يؤيد ما ذكرته، أيضاً.

стр. 5036

وقد يظهر منه تصحيح كلام الشيخ؛ فإن وزان ما قاله الغزالي في هذه المسألة: أن يكون مخيراً في تلف ما لا مثل له في غير بلد الغصب بين أخذ قيمته ببلد الغصب، وبلد التلف؛ لأنه يستحق مطالبته [بإقباض العين] في كل منهما، والتخيير [فرع وجوب قيمة البلدين؛ كما أن تخيير المضمون له في مطالبة الأصل والفرع] فرع وجوب دينه في ذمتهما. ومقتضاه: أنه إذا قبض قيمة أحداهما؛ برئ من قيمة الأخرى؛ كما نقول في الدين على الضامن؛ وإذا كان كذلك، فقد صح ماقاله الشيخ من وجوب القيمة بنقد بلد الغصب؛ لأنها إذا وجبت فيهما، وجبت في أحدهما، غاية الأمر أن يقال: كلام الشيخ يوهم الحصر فيه، وهو أسهل من نقله ما لم [يقل به] أحد، والله أعلم. فروع: أحدها: إذا غصب مثليًّا، فاتخذ منه ما لي سبمثليِّ، ثم تلف: كالحنطة، إذا جعلها دقيقاً، وقلنا: إنه ليس بمثلي، أو غصب تمراً، فاتخذ منه خلاًّ – قال العراقيون: ضمن المثل. وفي كتاب التهذيب: أنه يضمن المثل؛ إن كان أكثر قيمة، أو ساوت قيمته قيمة المتقوم؛ [وإن نقصت؛ ضمن قيمة المتقوم]. وعن القاضي الحسين: أنه يضمن أقصى القيم، وليس للمالك مطالبته بالمثل. وفي الحاوي: أنه يرجع بالمثل، والقدر الزائد في قيمة الدقيق مثلاً عن املثل؛ إن حصل بالطحن زيادة. الفرع الثاني: إذا غصب ما ليس بمثلي، واتخذ منه مثليًّا: كما إذا غصب زيتوناً، ثم عصره زيتاً، ثم تلف – قال العراقيون: ضمن مثل الزيت.

стр. 5037

وفي الحاوي: أنه يضمن المثل، وما نقص من قيمة الزيتون عنه. والمذكور في التهذيب: أنه يضمن المثل؛ إن كانت قيمته أزيد من قيمة الزيتون، أو متساوية؛ وإن كانت أقل فقيمة الزيتون. وقال الغزالي: إنه مخير بين أن يأخذ المثل، أو القيمة عن المعصوب. الفرع الثالث: إذا غصب مثليًّا، فاتخذ منه مثليًّا: كما إذا غصب سمسماً، فاتخذ منه شيرجاً، ثم تلف – قال العراقيون والغزالي: المالك بالخيار، فيغرمه ما شاء منهما. وفي التهذيب: إن كان أحدهما أكثر قيمة، غرم مثله، ولا يخير المالك. قال: وإن ذهب المغصوب من اليد، ولم يتلف؛ بأن كان عبداً، فأبق- أي: أو بهيمة فضلت، أو ثوباً فضاع – ضمن البدل، أي: القيمة إذا طلبها المالك؛ ليقع الجبر بها بقدر الإمكان. والواجب أقصى قيمة المغصوب من يوم الغصب إلى يوم المطالبة. وفي الحاوي: أن الواجب قيمته أكثر ما كانت من وقت الغصب إلى وقت فوات الرد. وإذا أخذ المغصوب منه البدل؛ ملكه على الصحيح. وقال القفال: لا يملكه؛ كما لا يملك الغاصب الآبق؛ فإنه لو ملكه لاجتمع له الأصل والبدل، بل له الانتفاع به مع بقائه على ملك الغاصب. وعبر الماوردي عن هذا بأنه ملك القيمة ملكاً مراعىً. وعلى الأول، هل يبرأ الغاصب من أجرة العبد من حين غرم القيمة أم لا؟ فيه وجهان:

стр. 5038

أظهرهما -في تعليق القاضي الحسين -: الأول. وأصحهما: الثاني، مع أن غير الغاصب لو استعمله، ضَمِن الأجرة للمغصوب منه وجهاً واحداً كما قاله الماوردي، وبنى المتولي الوجهين في عدم مؤاخذة الغاصب بالأجرة من حين الغرم على أن مأخذ تغريم القيمة ماذا؟ فمنهم من قال: وجبت بإزاء ما يفوته من الانتفاع بملكه دفعاً للضرر عنه. ومنهم من قال: إنما وجبت للحيلولة عقوبة عليه على سبيل التغليظ، والوجهان جاريان في أن الزوائ الحاصلة بعد دفع القيمة هل تكون مضمونة على الغاصب؟ وفي أنه هل يلزمه مؤنة رده، وفي أن جناية الآبق هل يتعلق ضمانها بالغاصب؟ وهكذا الحكم عند الشيخ أبي محمد [لو غيب] الغاصب العبد المغصوب إلى كان بعيد وعسر رده. ومنهم من قطع بوجوب الأجرة وثبوت سائر الأحكام في هذه الصورة؛ وعلى ذلك جرى في الوسيط والقاضي الحسين. والفرق: أن من غيبه باختياره باق في يده وتصرفه فلا تنقطع علائق الضمان بخلاف الآبق، وليس للغاصب إجبار المالك على أخذ القيمة بحال؛ لأنها ليست حقًّا ثابتاً في الذمة حتى يجبر على قبوله، والإبراء منه، بل لو أبرأه المالك عنها لم ينفذ. وعن بعض الأصحاب: تنزيلها منزلة الحقوق المستقرة. قال: إن عاد رده أي وجوباً؛ لأنه لا يصح تملكه بالبيع؛ فلا يصح بالتضمين؛ كالتالف. قال: واسترجع البدل أي: إن كان باقياً لزوال الحيلولة التي كانت سبب التمليك. قال الشيخ في المهذب: ويسترجعه مع زوائده المتصلةدون زوائده المنفصلة؛

стр. 5039

كالولد، واللبن، وهو في ذلك موافق لابن الصباغ، والقاضي أبي الطيب، وفي ذلك نظر؛ فإن البدل المراد به القيمة؛ كما صرح به في المهذب والشامل، والقيمة إنما تؤخذ نقداً، والنقد لا زوائد له. وطريق الجواب عنه: أن يكون المالك قد اعتاض عن القيمة شاة مثلاً فإن عند القاضي أبي الطيب إذا استبدل من له ثمن في ذمة شخص [عنه] عيناً ثم رد المبيع بعيب – أن له أن يسترجع العين؛ كما حكيناه في باب المصراة. ووزانه ان يسترجع [الشاة] هاهنا، وعلى ذلك [يحمل] ما قالوه، وبه صورة الروياني المسألة في "الحبر". فرع: إذا كان النقد المأخوذ بدلاً باقياً هل يجب رده بعينه أم لا؟ تردد فيه الشيخ أبو محمد، وهو نظير خلاف حكيناه في البيع عند الرد بالعيب، ولا خلاف في أن البدل إذا كانتالفاً وجب رد بدله ولم يختلف الأصحاب [في] أن ملك المغصوب منه لا يستقر على اخذ البدل في صورة إباق العبد ونحوها؛ بخلاف ما إذا أخذه لإعواز المثل، أو للظفر بالغاصب في غير بلد الغصب، [ولم يوجب دفع المثل؛ لاختلاف قيمته، أو كان المغصوب عبداً وهو باق في بلد الغصب] ثم وجد المثل أوعاد إلى بلد الغصب؛ فإن القيمة تستقر على ملكا لمالك، وليس له ردها والمطالبة [بالمثل أو العبد] كما جزم به الماوردي، والذي حكاه القاضي أبوا لطيب فميا إذا ظفر به بغير بلد الغصب وكان المغصوب مثليًّا – أن للمالك مطالبته بقيمة المغصوب ببلد الغصب، ثم إذا عاد إلى بلد الغصب تسلم المغصوب منه المغصوب وزال ملكه عن القيمة، وردها إلى الغاصب، ومقتضى هذا طرده في [باقي] الصور.

стр. 5040

وقد حكى الإمام الوجهين فيما إذا أخذ القيمة لإعواز المثل، أو للظفر به في غير بلد الغصب، ووافق في الوسيط القاضي أبا الطيب فيما حكاه، وحكي الوجهين فيما إذا أخذ القيمة عند إعواز المثل. قال الرافعي: وهذا ال وجه له، بل الخلاف في المستألتين واحد باتفاق الناقلين. فرع: هل للغاصب حبس المغصوب إلى أن يسترد القيمة؟ جزم في الوجيز بأن له ذلك. وحكى في الوسيط ذلك عن القاضي، وأنه أسنده إلى نص الشافعي في [غير] المختصر، وقد رأيته في تعليقه، وطرده فيما إذا اشترى [شراء فاسداً] أن له حبس المبيع إلى أن يرد الثمن [عليه] ثم قال الغزالي: وفيما ذكره احتمال ظاهر. قلت: -وقد قدمت في البيع: أن المذهب عدم [ثبوت حق] الحبس للمشتري [في البيع الفاسد؛ كما نص عليه ابن سريج. قال الرافعي: ويشبه أن يكون حبس الغاصب في معناه] واختار الإمام المنع في الصورتين. فرع: إذا أعتق المالك العبد الذي أبق من يد الغاصب بعد أخذ القيمة للحيلولة؛ رجع الغاصب بها على المالك، ول كان المغصوب الذي أبق أم ولد المالك فأعتقها بعد أخذ القيمة، أو مات فكذلك الحكم. وحكى المتولي في [مسألة الموت] عن أبي عاصم [العبادي] [وجهاً] أنه لا يرجع.

стр. 5041

فرع: لو كان موضع العبد معروفاً أُخِذَ الغاصب بردهن وإن غرم أضعاف ثمنه، فلو استأجر على رده أجنبيًّا جاز، ولو استأجر مالكه فوجهان في الحاوي وإذا اخذ المالك [القيمة] في هذه الحالة قهراً. قال الماوردي: ملكها ملكاً مستقرًّا، وملك الغاب العبد ملكاً مراعىً [ليتملكه بعد] القدرة عليه إن شاء، أو يتوصل [به] إلى أخذ ما أجبر على دفعه من القيمة إن شاء؛ لان الإجبار يمنع من استقرار الملك بالإعواض، وإذا قدر على العبد المغصوب، فهو حينئذ بالخيار بين أن يتملكه عن اختيار المغصوب منه، فإن اختار رده ورضي بذلك المغصوب منه – جاز، ولا يستحق عليه أجرة ما مضى، وألا بيع، فإن كان ثمنه قدر القيمة المأخوذة؛ أخذه الغاصب، وإن زاد عليها كان الفاضل للمغصوب منه، وإن نقص فلا شيء له غيره. قال: وإن نقص من عينه شيء بأن تلف بعضه أو حدث فيه ما [ينقص قيمة المغصوب]؛ بأن كان مائعاً فأغلاه أو فحلا فأنزاه على بهيمة فنقصت قيمته ضمن أرش ما نقص؛ كما يضمن القيمة عند التلف، ويضمن الأرش بأكثر الأمرين أيضاً؛ لما ذكرناه، وهكذا الحكم [أيضاً] فيما لو كان ثوباً فنشره فنقص بسبب النشر، أو حيواناً فذبحه أو حنطة فطحنها، أو سمسماً فجعله شيرجاً ونحو ذلك؛ بالقياس على ما لو كان عبداً فقطع يده، أو حماراً فقطع أذنه. وفي الحاوي في مسألة السمسم: أن المغصوب منه يستحق المطالبة بالمثل؛ لأنه أشبه بالمغصوب من أجزائه.

стр. 5042

وفي المهذب حكاية مثله في الدقيق. تنبيه: قول الشيخ: ضمن أرش ما نقص يعرفك أن مراده بتلف البعض [تلف] جزء غير مثلي، فإنه لو كان التالف جزءاً مثليًّا لما ضمنه [بأرش النقص؛ كما إذا كان زيتاً أو دهناً أو عصيراً فأغلاه فنقص وزنه فإنه يضمن مثل ما نقص] سواء كانت قيمته بعد الغلي مثل ما كانت قبله أو أنقص. وعن [ابن سريج: أنه لا يضمن ما نقص من العصير إذا لم تنقص القيمة فإن الفائت المائيةُ بخلاف الزيت وهو اختيار الشيخ أبي حامد والروياني. وروى عن صاحب التقريب: أنه صار في الزيت والدهن إلى ما صار إليه] ابن سريج في العصير، والأصح الأول، والخلاف المذكور في إغلاء العصير يجري فيما إذا صار خلا أو انتقصت عينه دون قيمته، وكذا إذا صار الرطب تمراً. فرع: إذا نقص إغلاء للعين والقيمة ضمن [مثل] الذاهب باغلاء إلا إذا كان ما نقص من القيمة أكثر فيلزمه مع مثل الذاهب أرش نقصان الباقي. قال: وإن تلف بعضه ونقص قيمة الباقي مثل أن يغصب زوجي خف قيمتهما عشرة [دراهم] فضاع أحدهما وصار قيمة الثاني درهمين لزمه قيمة التالف، وأرش ما نقص وهو ثمانية. أما [قيمة التالف] فلتلفه تحت يده. وأما أرش ما نقص، فلأنه حصل بالتفريق الحاصل في يده، فأشبه نقص قيمة المائع بالإغلاء، ونقص الثوب بقطع بعضه وتلفه، وهذا ما جزم به الرافعي. قال: وقيل: يلزمه درهمان؛ لأنه لم يتلف في يد الغاصب إلا ما قيمته درهمان، وهذا الوجه لم أقف عليه في هذه المسألة في شيء مما وقفت عليه من كتب المذهب، لكن كلام الأئمة في الطريقين يقتضيه، فإنهم حكوا فيما

стр. 5043

إذا غصب واحداً من خفين قيمتهما عشرة فاستهلكه أو أتلفه ابتداء من غير غصبن وقيمة كل واحد منهما عند انفراده درهمان [أن فيما يلزم الوجهين المذكورين في الكتاب: أحدهما: يلزمه ثمانية: درهمان] قيمة الذي أتلفه، وستة ضمان النقص بالانفراد؛ لأنها جناية منه. والثاني: لا يضمن إلا درهمين وهما قيمة ما تفرد باستهلاكه؛ فإذا كانت الزيادة الحاصلة [في المتلف] بسبب الانضمام وهي ثلاثة لا يضمن إذا فاتت بالغصب والإتلاف المضمن [الزائد من القيمة] بسبب ارتفاع الأسواق لم يظهر فرق بين أن يكون الآخر غير مغصوب أو مغصوباً وقد رده؛ لأن الإتلاف مع الغصب إذا كان لا يضمنها، فالغصب وحده مع الرد أولى، وقد حكى البندنيجي وصاحب الحلية والتتمة في مسألة الكتاب وجهاً؛ أنه يضمن خمسة، وهو القياس؛ لأن الزيادة قد استقرت [بالتلف] فضمنها؛ كارتفاع السوق. وقياس هذا أن يطردوه في المسألة المستشهد بها، وقد حكاه فيها المراوزة أيضاً، ورجحه الإمام، والبغوي، وكذا القفال على ما حكاه في البحر، وقاسه على ما إذا كان عبد بين اثنين قيمته مائة دينار فأعتق أحدهما نصيبه وهو موسر؛ فإنه لا يضمن خمسين ولكنه يضمن قيمة نصفه إذا بيع منفرداً، والذي رجحه الشيخ أبو حامد والشيخ في المهذب ضمان الثمانية، وهو الذي اختاره في البحر، والقاضي أبو الطيب في شرح الفروع، ونسبه إلى أبي العباس – يعني ابن القاص – كما صرح [به] غيره في شرح الفروع وقد تحصل في كل من المسألتين ثلاثة أوجه ولا خلاف [في] أنه لو سَرق فردَ خفَّ منهما لم يجب عليه القطع.

стр. 5044

وحكى المتولي عن بعض أصحابنا: أنه قال فيما إذا شق الثوب وتلف [نصفه] ونقصت قيمة النصف الباقي بالشق أن الحكم كما ذكرناه في مسألة الخف، والجمهور على تضمينه النقص في هذه الحالة. تنبيه: قوله زوجي خف: يعني فردتين، يقال: عندي فردا خف، وزوجا نعال، وزوجا حمام لذكر وأنثى، وكذا كل فردتين لا يصلح أحدهما إلا بالآخر. قال: وإن كان عبداً فقطع يده لزمه [أكثر الأمرين] من أرش النقص أو نصف القيمة أكثر ما كانت من حين الغصب إلى حين قطع اليد؛ لأنه قد وجد سبب ضمانهما وهو اليد والجناية؛ فوجب [أكثرهما] مثال ذلك: إذا كانت قيمة العبد مائة ثم بلغت مائتين وقطعت يده، فإن كانت قيمته بعد القطع مائة وخمسين ضمن المائة لأن اليد تضمن بنصف الدية من الحر فضمنت من العبد بنصف القيمة، وإن كانت قيمته بعد القطع خمسين؛ ضمن مائة وخمسين؛ لأن هذا النقص حصل في يده بسبب جنايته. وقيل: لا يضمن إلا نص القيمة بأكثر الأمرين؛ لان ما ضمن ببدل مقدر في الإتلاف ضمن في الغصب به؛ كالنفس، وهذا تفريع على الجديد في أن جراح العبد من قيمته؛ كجراح الحر من ديته. أما إذا كان الواجب فيه أرش ما نقص فهو الواجب هنا أيضاً. ومحل المطالبة بالقيمة إذا اندمل الجرح، أما إذا لم يندمل ففي جواز المطالبة بأرش اليد قولان يأتيان إن شاء الله. ولو سقطت يد العبد بآفة سماوية ضمن الأرش ولا يضمن المقدر؛ لأن التقدير من خاصية الجناية، وهذا ما جزم به البندنيجي وصححه الغزالي وجعله الشيخ في المهذب المذهب، وحكى عن بعض أصحابنا أنه يرد معه ما يجب

стр. 5045

بالجناية، ولو ذهبت يد العبد بجناية أجنبي [وجب] على [العبد] الجاني نصف القيمة بسبب القطع، وعلى الغاصب أكثر الأمرين. وفي الوسيط حكاية وجه فيما إذا زاد نصف القيمة على ما نقص من القيمة: أن الغاصب لا يطالب بالزائد، وألحق الرافعي قطع اليد بسبب سرقة في يد الغاصب، أو جناية؛ بسقوطها بالآفة السماوية، وسوَّى في ذلك بين أن يكونا القطع في يد الغاصب أو بعد استرداد العبد، ولو قطعت يده في يد الغاصب بسرقة في يد المالك، أو جناية ففي وجوب ضمانها على الغاصب وجهان، كما لو اشترى عبداً سارقاً فقطع في يده، فإن ضَمَّنَّاهُ فهل يكون كما إذا سقطت بآفة سماوية؛ لأنه تلف بلا بدل أو بإتلاف أجنبي؛ لأنه حصل بالاختيار؟ فيه تردد، والذي اختاره في المرشد ضمان النقص. فرع: لو جنى العبد في يد الغاصب جناية تتعلق برقبته، فداه الغاصب بأرش الجناية في قول، وبأكثر الأمرين من أرش الجناية أو القيمة في قول؛ كما حكاه الإمام ومن تابعه، والذي حكاه المتولي الثاني، وكذلك البندنيجي. ولو مات العبد قبل الفداء أخذ المالك قيمته من الغاصب أكثر ما كانت من حين الغصب إلى حين التلف، وإن كانت حين التلف أكثر – تعلق حق المجني عليه بجميعها ورجع المالك على الغاصب بقدر ما أخذه المجني عليه منها إن كان الأرش دونها. وإن كانت قيمته يوم الغصب أكثر؛ مثل: إن كانت مائتين ويوم الجناية مائة؛ فلا يتعلق حق المجني عليه إلا بمائة منها، والحكم كما تقدم. وحكى الشيخ أبو علي وجهاً: أن ما يأخذه المالك من الغاصب لا يملك
следующие страницы →