Полный текст (9 685 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.
стр. 5111
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب الشفعة
الشفعة من شفعت الشيء إذا ضممته وثنيته، ومنه شفع الأذان، وسميت شفعة؛ لضم نصيب إلى نصيب، وقيل: من الزيادة. ولهذا إذا ضم إلى الوتر غيره صار شفعاً. فسميت شفعة؛ لأن الشفيع يضم نصيب شريكه [إلى نصيبه] فيصير نصيبه زائداً بعد أن كان ناقصاً. وهذا قول ثعلب، كما حكاه عن الهروي في الغريبين.
وقيل: من التقوية والإعانة، يقال: شَفَعْتُهُ عند السلطان فشفعني فيه؛ لأن كل واحد من الفردين يتقوى بالآخر، ومنه قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ [النساء: ٨٥] أي: من أعان محسناً في إحسانه، ومنه الحديث: "القرآن شافع مشفع". ومنه: شاة شافع: التي معها ولدها لتقويتها به، قاله الرافعي، وفي تعليق القاضي الحسين أن الشاة الشافع: السمينة.
وقيل: من الشفاعة؛ لأن في الجاهلية كان [الرجل] إذا أراد بيع منزل أو حائط أتاه الجار أو الشريك أو الصاحب ليشفع إليه [فيما باع] فيشفعه، وهذا قول ابن قتيبة في غريب الحديث كما حكاه الماوردي.
وقد فسرت في [الشريعة: بحق تملك] قهري يثبت للشريك القديم على الشريك الحادث بسبب الشركة بالبدل الذي تملك به لدفع الضرر.
стр. 5112
والأصل في مشروعيتها من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٣] وهي منه؛ لأن فيها إزالة الضرر عن الشريك.
ومن السنة أحاديث: منها ما روى مسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ "الشُّفْعَةُ في كُلِّ شِرْكٍ فِي أَرْضٍ أَوْ رَبْعٍ أَوْ حَائِطٍ، لا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَريكِهِ فَيَاخُذَ أَوْ يَدَعَ، فَإِنْ أَبي فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤذِنَهُ".
ومنها: ما روى البخاري ومسلم وأبو داود بسند كل منهم عن جابر.
أنه قال: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شركة لم تقسم، ربعة أو حائط "لاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَركَ، فَإِنْ بَاعَهُ وَلَمْ يُؤذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ".
وقد اختلف في المعنى الذي لأجله ثبتت على قولين:
أحدهما: دفع ضرر مؤنة القسمة واستحداث المرافق وغيرها، وهو اختيار الشافعي.
والثاني: وإليه ذهب ابن سريج: دفع ضرر سوء المشاركة.
ولهذا الاختلاف فائدة تظهر من بعد.
قال- ﵀: لا تجب الشفعة أي: لا تثبت إلا في جزء مشاع، من عقار أي: [من] أرض محتمل القسمة، فأما الملك المقسوم فلا شفعة فيه؛ لما ذكرناه من [حديث] جابر الذي رواه البخاري.
وقد روى عنه أيضاً: "إنما جعل رسول الله ﷺ الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة".
وأخرجه أبو داود والترمذي وإن اختلفت ألفاظهم، وقال الترمذي: إنه
стр. 5113
حديث حسن صحيح.
وجه الدلالة منه: أنه ذكر الشفعة بالألف واللام، وليس لهما معهود يرجع اللفظ إليه؛ فثبت أنه للجنس. وكلمة إنما موضوعة للحصر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١].
وقد قال الأزهري: قال أهل اللغة: إنما تقتضي إيجاب شيء ونفي غيره وذلك يدل على المدعي.
فإن قيل: فقد روي أن رسول الله ﷺ قال: "الجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ .. "، وروى البخاري عن أبي رافع [قال]: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ".
وروى الترمذي عن جابر أن النبي ﷺ قال: "الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ، يُنْتَظَرُ بِهَا وَإِنْ كَانَ غَائِباً إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِداً"، وذلك يقتضي ثبوت الشفعة للجار.
قلنا: قد روى صاحب "التقريب" عن ابن سريج أنه أثبتها للجار الملاصق دون المقابل فيشبه أن يكون مستنده ذلك، وروي عن الروياني أنه قال: رأيت بعض أصحابنا يفتي به، وهو الاختيار.
وذكر الإمام أن الشيخ أبا علي لم يثبت ذلك عن ابن سريج، وحمل كلامه على أنه لا يعترض في الظاهر علي الشافعي إذا قضى له الحنفي بشفعة الجوار،
стр. 5114
وأن في الحِل في الباطن خلافاً، والمذهب الأول.
وقوله ﷺ : "أَحَقُّ بِصَقَبِهِ" المراد [بالصقب] بالسين والصاد: القرب، كما حكاه ابن الصباغ، فيكون معنى الخبر: أحق بقربه، وهذا مجمل فلا بد فيه من حمله على معنى صحيح.
ونحن نحمله على الرحبة تكون للرجل، فيتنازع اثنان في الانتفاع بها، فيكون الجار الأقرب أحق بالانتفاع بها.
وأيضاً: فإن المراد بالجار: الشريك؛ لأن جميع أجزاء ملك شريكه مجاورة لجميع أجزاء ملكه، فهو أحق باسم الجوار من الجار المقاسم.
ومعنى الجوار: القرب؛ ولهذا تسمي العرب الزوجة: جارة لقربها، قال الأعشى في جملة أبيات:
أجارتنا بيني فإنك طالقه ... ..... .... .... .... ..... وموموقة ما كنت فينا ووامقه.
قال الماوردي: وكان السبب في قول الأعشى ذلك، أنه تزوج امرأة كرهه قومهأ، وأخذوه بالنزول عنها فلم يقنعوا منه بالطلقة الأولى والثانية، فلما طلقها الثالثة كفوا عنه.
ومن جهة المعنى: أن الشفعة شرعت لدفع الضرر بها [لا] لدخول الضرر
стр. 5115
منها، وفي وجوبها للجار ضرر داخل لتقاعده بالملك عن بدل النجش من الثمن؛ لتيقنه بأن غيره لا يقدم على ابتياعها مع علمه بشفعته، ولا يوجد مثل ذلك في المشترك؛ لأن الشريك يقدر على دفع هذا الضرر بالمقاسمة، وما كان موضوعاً لدفع الضرر [لا يجوز] أن يدخل منه الضرر.
قال: وغير العقار من المنقولات فلا شفعة فيه؛ لقوله ﷺ : "لا شُفْعَةَ إِلا في رَبْعٍ أَوْ حَائِطٍ"، ولأن المنقول لا يبقى دائماً، والعقار يتأبد؛ فيتأبد ضرر المشاركة فيه، والشفعة تملُّكُ قَهْريُّ فلا يحكم بثبوته إلا عند شدة الضرر.
فإن قيل: قد روى البخاري عن أبي هريرة أنه قال: "جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَا لمْ يُقْسَمْ"، وهذا عام.
فجوابه: أنه محمول على ما لم يقسم من العقارات، يدل عليه تتمة الحديث: فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. فأثبت جنس الشفعة فيما لم يقسم ثم فسر ذلك بتفسير لا يتناول إلا ما لا ينقل ولا يحول؛ لأن الحدود وصرف الطرق إنما تستعمل في الأرض.
قال: وأما البناء والغراس فإنه إن بيع مع الأرض أي: الحاملة لذلك والمتخللة بينه، إذا كانت تقسم قال: ففيه الشفعة؛ للخبر الذي رواه البخاري ومسلم وأبو داود؛ [إذا] الربعة والربع: المنزل الذي يربع به الإنسان ويتوطنه، يقال: هذا ربع بفتح الراء، وهذه ربعة.
وقيل: الربع: اسم للدار ببنائها، والحائط: اسم للبستان بغراسه.
ولأن البناء والغراس متصلان بالأرض، فصارا كأجزائها؛ ولهذا يندرجان تحت
стр. 5116
مطلق [بيع الأرض].
أما إذا بيع ذلك مع الأرض الحاملة [له] لا غير، وكان ذلك عريضاً بحيث يقبل القسم فهل تثبت فيه الشفعة أم لا؟ فيه وجهان في الطريقين: أقيسهما في الرافعي: المنع؛ لأن الأرض في هذه الحالة تابعة والمنقول متبوع، والعبرة بالمتبوع لا بالتابع، وهذا ما ادعى في [البحر] أنه المشهور [عند أهل العراق.
وقال الإمام أبو محمد الجويني: إنه المذهب المشهور] ولا فرق في جريان الخلاف بين أن ينص على إدراج المغارس والأساس في البيع، أو يقول باندراجها في البيع عند إطلاق بيع البناء والغراس على وجه، صرح بذلك الرافعي.
فرع: إذا كانت دار ذات علو مشترك وسفلها لغير الشركاء، فباع أحد الشركاء في العلو نصيبه- نظر في السقف: فإن كان لرب السفل فلا شفعة، وإن كان لرب العلو ففي ثبوت الشفعة وجهان في الطريقين؛ وجه الجواز: أن السقف كالعرصة، وهو المختار في "المرشد"، وفي "البحر" والرافعي: عدمه أحسن.
ولو كان السفل لاثنين، ولأحدهما العلو، فباعه صاحبه مع نصيبه من السفل ثبت للشريك في السفل الشفعة [فيه]. وهل تثبت له في نصف العلو تبعاً؟ فيه جوابان للقفال، أصحهما: عدم الثبوت ومثل ذلك [الخلاف جار] فيما لو
стр. 5117
كانت الأرض مشتركة بين اثنين ولأحدهما فيها غراس فباعه مالكه مع نصيبه من الأرض.
قال: وإن بيع منفرداً فلا شفعة فيه؛ لأنه منقول فأشبه العبد وادعى الروياني في [ذلك] نفي الخلاف، وحكى أبو الفرج السرخسي أنه يثبت فيه الشفعة؛ لثبوتها في الأرض.
وقال الإمام: إن بعض الأصحاب خرجها على تفصيل القول في القسمة، وقال: إن قلنا: [إن ما لم يقسم] لا شفعة فيه؛ فلا شفعة فيها، إذا كانت مما لا تقسم وإن قلنا: بثبوت الشفعة فيه أو كان المبيع جداراً عريضاً، أو سقفاً كاملاً لها؛ ففي المسألة قولان:
وجه الثبوت: أنها لا تعد من المنقولات، والمذهب الأول.
قال: وإن كان على النخل أي: التي في الشقص طلع غير مُؤَبَّر- أي حال العقد- فقد قيل: يؤخذ مع النخل بالشفعة: لأنه تبع للأصل في البيع، فكذلك في الأخذ. وهذا ما نقله المزني، وهو الأصح في "التهذيب".
فعلى هذا: لو تأخر الأخذ لغيبة الشفيع حتى أُبِّرَت، فهل يأخذها؟
فيه وجهان: أصحهما في الرافعي، و"التتمة"، وتعليق القاضي الحسين: نعم، لأن حقه تعلق بها، وزيادتها كزيادة الشجر تطول أغصانها، وبُسُوقها.
وعلى هذا لا فرق بين أن [تكون تابعة] للنخل، أو قطعت، كما صرح به في "البحر".
والثاني: لا، وبه قال القاضي أبو الطيب؛ لخروجها عن أن تكون تابعة للنخل. فعلى هذا هل يحط من الثمن شيء لأجل الثمرة؟ الذي جزم به القاضي الحسين: نعم، وغيره حكى وجهين، وقال: إنهما مبنيان على الخلاف في أن الثمرة غير
стр. 5118
المؤبرة يقابلها قسط من الثمن أم لا؟
والأصح: المقابلة.
قال: وقيل: لا يؤخذ أي: الطلع بالشفعة؛ لأنه منقول فأشبه الزرع، وهذا الخلاف قد أثبته بعضهم قولين، وبعضهم وجهين، وهو يجري فيما إذا كان المبيع شقصاً من طاحونة، وقلنا بدخول الحجر الأعلى في البيع في أنه هل يأخذه بالشفعة أم لا؟
وأما الأسفل إذا قلنا بدخوله [في البيع] [له] أخذه بالشفعة جزماً.
قلت: ويتجه جريان الخلاف في كل ما لا يمكن الانتفاع به مع كونه منقولاً إلا بشيء ثابت في الأرض كغطاء التنور ونحوه كما ذكرناه في البيع.
قال: وما لا ينقسم كالرحى، والحمام الصغير والطريق الضيق أي ونحو ذلك كالعضائد الصغار، وفي بعض النسخ: والبئر [فلا شفعة فيه؛ لقول عثمان- ﵁ لا شفعة في بئر ولا فحل، والأُرف تقطع كل شفعة.
وأراد: البئر التي] لا تقبل القسمة، وفحل النخل، ولا يعرف له مخالف من الصحابة.
ولأن كل من ليس له المطالبة بالقسمة، ليس له المطالبة بالشفعة، أصله الجار المقابل. ولأن الشفعة تثبت لدفع الضرر عند طلب القسمة، ببدل المؤن وبضيق المكان واستحداث المرافق من المصعد والمبرز والبالوعة ونحوها، وذلك مفقود هنا.
والمراد بـ"الأرف" في حديث عثمان: المعالم والحدود بين المواضع المقسومة. وهي [بضم الهمزة وفتح الراء].
واحدها أرفة.
ويقال: الإرث بالثاء أيضاً، قاله في المستغرب.
وحكى الجيلي عن الأزهري أن الأرف بضم الهمزة وفتح الراء
стр. 5119
المهملة وضم الفاء: الحدود بين المواضع المستوية، وبفتح الهمزة وسكون الراء: المعالم والحدود بين الأرضين.
قال: وقيل فيه قولان:
أحدهما: لا تثبت؛ لما ذكرناه.
والثاني: تثبت؛ لقوله ﷺ "الشُفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقَسْمْ"؛ ولأنها شرعت لدفع الضرر عن الشريك، والضرر فيما لا يقبل القسمة أدوم منه فيما يقبلها؛ فكان ثبوتها فيه بطريق الأولى. وما ذكره القائل الأول من أن الشفعة إنما تثبت لأجل الضرر اللاحق بسبب القسمة، لا يصلح أن يكون علة؛ لأن ذلك ثابت مع بقاء الشريك الأول فلم يجدده البيع، وهذا ما صار إليه ابن سريج واختاره أبو خلف السلمي والروياني.
وقال: إن الفتوى عليه اليوم، ومنهم من حكاه عنه قولاً مخرجاً كما حكاه الشيخ، وعلى ذلك جرى ابن الصباغ والمذهب الأول؛ لما ذكرناه.
ولأن إثبات الشفعة فيه يُضِرُّ بالبائع؛ لأنه لا يمكنه أن يتخلص من إثبات الشفعة في نصيبه بقسمته، وقد يمتنع المشتري من الشراء؛ لأجل الشفعة فيقل ثمنه والضرر لا يزال بالضرر.
وما ذكره من الحديث شاهد لنا؛ فإن قوله ﷺ : [إنما الشفعة] فيما لو يقسم يقتضي أن يكون ذلك فيما يقبل [القسمة]، فإنه لو أراد نفي القسمة جملة لقال: فيما لم ينقسم، والذي يؤيد هذا وأن المراد ما يقسم ولكنه لم يقسم
стр. 5120
بعد: قوله ﷺ : "فَإِذَا وَقَعَت الْحُدُودُ [وَصُرِفَتِ الطُّرق] فَلاَ شُفْعَةَ".
وهذا بيان لما اشتمل عليه اللفظ الأول.
وعلى الخلاف يخرج ما إذا كان لشخص في دار عشرها ولآخر تسعة أعشارها، وكانت بحيث لو طلب صاحب العشر القسمة لم يُجِبْ إليها، فباع صاحب العشر نصيبه- فإن قلنا: إن الشفعة تثبت فيما لم يقسم، ثبتت، وإلا فلا. ولو باع مالك [التسعة أعشار نصيبه] وقلنا: لا تثبت الشفعة ففيما لم يقسم، فهل تثبت الشفعة لصاحب العشر؟ فيه وجهان [ينبنيان على أن صاحب الأعشار إذا طلب القسمة هل يجاب إليها أم لا]؟ فيه وجهان يأتيان [من بعد]، إن شاء الله تعالى.
هكذا حكاه الإمام، والغزالي، والرافعي ومقتضاه: أن الشفعة إنما ثبتت على المذهب خوفاً من طلب المشتري القسمة، والذي ذكره الشيخ في المهذب أنها إنما تثبت لدخول غير شريكه عليه، فيتأذى به فتدعو الحاجة إلى مقاسمته فيدخل عليه الضرر.
قلت: وعلى هذا ينعكس التفريع على المذهب فيقال: إن باع صاحب الأعشار نصيبه فلا شفعة لصاحب العشر؛ لأنه لو طلب القسمة لم يجب إليها كما حكاه المراوزة والشيخ؛ لعدمك [انتفاعه] بالقسمة، فيكون طلبها منه سفها، فإن باع صاحب العشر نصيبه ثبتت الشفعة للآخر على الأصح؛ لأنه لو طلب القسمة أجيب إليها على الصحيح كما ذكره المراوزة والشيخ؛ لأنه ينتفع بها، وعلى ذلك جرى القاضي الحسين في تعليقه ومجلي، وقد يصار إلى هذا الترتيب مع نظرنا إلى الخوف من طلب المشتري القسمة، إذا راعينا ما حكاه أئمة العراق عن الشيخ [في الإجبار على القسمة]، فإنهم قالوا: إن كان الضرر فيها على الممتنع أجبر، وإن كان على الطالب فوجهان، والله أعلم.
أما الطاحون الكبير الذي يمكن أن يجعل طاحونين لكل منهما حجران،
стр. 5121
والحمام الذي بيوته واسعة بحيث يمكن جعل كل بيت [منها] بيتين، أو كل بيت حماماً، والبئر الواسعة التي يمكن أن تجعل بئرين، لكل واحد منهما بياض يقف عليه المستقي، ويلقي فيه ما يخرج منهما، ولم تنقص القيمة [بالقسمة] نقصاناً فاحشاً، أو كان مع البئر بياض بحيث يمكن جعل البئر في سهم والبياض في سهم، كما قاله ابن الصباغ وأبو الطيب- تثبت فيه الشفعة.
وحكى الإمام والقاضي الحسين- فيما إذا كانت قسمة البئر غير ممكنة والبياض الذي عليها يمكن قسمته- وجهين في ثبوت الشفعة: وجه الثبوت: القياس على ثبوتها في الأشجار إذا بيعت تبعاً للأرض. ووجه المنع: أنها مباينة عن الحريم؛ إذ هي بقعة أخرى فلم تتبع الحريم بخلاف الغراس فإنه متصل بالشقص [في محل الشفعة].
وخص في "البحر" الجواز في مسألة البئر عند البياض بما إذا لم يكن فيها ماء، وقال فيما إذا كان فيها ماء ولم يكن لها بياض: إنه ينظر فإذا كانت واسعة لها عينان، ويمكن أن تجعل بئرين، ويجعل بينهما حاجز مثل الحريرة، فهذه تثبت [فيها] الشفعة.
وإن كان فيها عين واحدة لا تثبت فيها؛ لأنه لا يجبر الشريك على قسمتها.
وقال في الرحى: الواحد إذا لم يمكن قسمته، لكن كان معه في البيع البيت الذي لا يستغني عنه الرحى، كالذي يجعل فيه الطعام ويرد إليه البهائم التي تعمل في الرحى، وقيمتهما واحدة: إن ذلك مما يمكن قسمته وتثبت فيه الشفعة.
ومحل عدم الثبوت: إذا لم يكن مع الرحى بيت، وهو في ذلك موافق لما في "الشامل".
وأما الطريق الواسع الذي يمكن قسمته [إذا كان مملوكاً] كالسكة المفسدة الأسفل إن بيع منه شيء منفرداً، ثبت فيه الشفعة.
وإن بيع مع الدار التي يستطرق إليها منه، نظر: إن كان للدار طريق غيره، تثبت
стр. 5122
فيه الشفعة دون الدار على الأصح، وإذا أخذه الشفيع امتنع على المشتري التطرق منه.
وفي البحر، والرافعي عن ابن سريج: أن الشفعة تثبت في الدار للشريك في الطريق أيضاً.
وإن لم يكن للدار طريق غيره، نظر: فإن كان الطريق بحيث إذا قسم نصفين كفى أحد النصفين للاستطراق، ثبتت الشفعة في أحد النصفين بلا خلاف.
وهل تثبت في النصف الآخر؟
الحكم فيه كما لو كان لا يمكن الاستطراق إلا في جميعه، وفيه أربعة [أوجه]:
أصحها عند القاضي أبي الطيب وغيره من العراقيين: أنها لا تثبت.
وهو ظاهر المذهب في "البحر"؛ وبه قال ابن سريج، وأبو إسحاق.
والثاني: أنها تثبت لإمكان القسمة.
ونسبه الروياني إلى ابن أبي هريرة.
والثالث: [إن مكن] الشفيع المشتري من التطرق فيه تثبت، وإلا فلا، وهذا ما ذهب إليه أبو الفرج السرخسي، واختاره في "المرشد".
والرابع: أن الشفعة تثبت وللمشتري الاستطراق، حكاه ابن الصباغ وغيره.
قال الروياني: فعلى هذا إن أخذ أهل الدرب جميعهم الحصة المبيعة بالشفعة واقتسموا، كان للمشتري الاستطراق في حصة كل [واحد] منهم، وإن أخذها بعض الشركاء في الدرب [و] اقتسموا، فهل يثبت للمشتري الطروق في حصة الآخذ خاصة أو في حصة كل من الشركاء؟ فيه وجهان.
والحكم فيما إذا أمكن اتخاذ ممر الدار المشتراة من سكة نافذة عند القاضي أبي الطيب، وابن الصباغ، كالحكم فيما إذا كان لها ممر آخر.
وعند الشيخ أبي محمد: كما إذا لم يكن لها ممر لكن بشرط أن يلحقه في
стр. 5123
الفتح [عسر وتلحقه] مؤنة لها وقع.
فرع: شركة مالكي بيوت الخان في صحنه، كشركة مالكي الدور في الدرب.
وكذا الشركة في مسيل ماء الأرض دون الأرض.
وفي بئر المزرعة [دون المزرعة].
تنبيه: [اختلفت أقوال] الأئمة فيما يمكن قسمته على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه الذي لا تنقص القسمة قيمته نقصاناً فاحشاً، كما لو كانت قيمة الدار مائة، ولو قسمت عادت [قيمة] كل نصف [إلى] ثلاثين.
قال البندنيجي: وهذا ما صار إليه عامة الأصحاب والشيخ؛ يعني أبا حامد.
وقال الإمام: إن العراقيين زيفوه.
والثاني: أنه الذي يبقى منتفعاً به بعد القسمة بوجه ما.
والثالث: أنه الذي إذا قسم أمكن أن ينتفع به من الوجه الذي كان ينتفع به [قبل] القسمة.
فإن كانت مزرعة أمكنت الزراعة في كل حصة، وإن كانت داراً مسكونة أمكن السكن فيما يقسم وإن كان بتجديد مرافق كما ذكره الإمام، ولا عبرة بإمكان الانتفاع [به] من وجه آخر؛ للتفاوت العظيم بين أجناس المنافع، [وهذا ما] صححه الإمام، والرافعي.
وقال في "البحر": إنه الذي رواه العراقيون مع الأول.
وكلام الشيخ في منع الشفعة في الحمام الصغير منطبق عليه.
[وفي تعليق البندنيجي في كتاب القسمة أن الشافعي قال: وإن كان ينتفع واحد منهم بما يصير إليه أجبرتهم، [و] هذا اللفظ يحتمل الوجه الثاني وهو ظاهر
стр. 5124
فيه، ويحتمل الوجه الثالث].
وفي الوسيط حكاية وجه: أن المعتبر: أن تبقى تلك المنفعة من غير تضايق، كالدار الفيحاء وعرصة الدار.
[وعلى ذلك ينطبق قول الماوردي في كتاب القسمة: إن ظاهر مذهب الشافعي أن النقصان الذي يحصل به الضرر المانع من القسمة نقصان المنفعة [والله أعلم]].
قال: ولا شفعة إلا فيما ملك بمعاوضة يريد أن الذي يستحق أخذه بالشفعة هو المملوك بعقد المعاوضة.
قال: كالبيع، والإجارة، والنكاح، والخلع، وكذا السلم والقرض والجعالة بعد العمل، ومعاوضته عن نجوم الكتابة إذا حصل العتق، وعن المتعة، وفي الصلح عن دم العمد، أو جراحة لها أرش مقدر إذا جوزنا ذلك بشرطه وغير ذلك.
ووجه ثبوتها في البيع: ما روى البخاري ومسلم، وأبو داود، بسند كل منهم عن جابر [أنه] قال: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شركة لم تقسم، ربعة أو حائط: "لاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤذِنَ شَريكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، فَإِنْ بَاعَهُ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ".
وفيما عداه: القياس عليه بجامع الاشتراك في المعاوضة مع لحوق الضرر الذي تقدمت الإشارة إليه، ولا فرق في ذلك بين أن يعتاض عنه ما ثبت في الذمة بعقد السلم والقرض، أو لا.
وفي "أمالي" أبي الفرج السرخسي أن صاحب "التقريب" قال: إذا كان ما يقابل الشقص مما لا يثبت في الذمة [بعقد] السلم، ولا بالقرض؛ فلا شفعة [فيه]؛ لأنه تعذر أخذه بما ملك به المتملك، وهو
стр. 5125
غريب.
قال: فأما ما ملكه بالإشارة أو بوصية أو هبة أي لا تقتضي ثواباً كهبة الأعلى للأدنى فلا شفعة فيه؛ لأنه مملوك بغير بدل، فلا تجب فيه الشفعة، كما لو ملكه بالإرث.
قال الرافعي: ولأن الموهوب له والموصى له يقلد المنة من المواهب والموصي بقبول تبرعهما. ولو أخذ الشفيع [لأخذ عن استحقاق وتسليط، فلا يكون متقلداً للمنة، ووضع [الشفعة] على أن يأخذ [الشفيع] بما أخذ به المتملك.
أما إذا كان الهبة تقتضي الثواب إما عند الشرط أو عند إطلاق هبة الأدنى للأعلى وقلنا: إنه يستحق الثواب فهل تثبت الشفعة فيه؟ فيه وجهان: أظهرهما: نعم؛ لأنه مملوك بعقد معاوضة.
فعلى هذا هل يأخذه قبل قبض الموهوب [أم لا؟]؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم؛ لأنه صار بيعاً.
قال الرافعي: وهذا الخلاف مبني على أن الاعتبار باللفظ أم بالمعنى؟
ولو قايل المشتري البائع في صورة إسقاط الشفيع حقه بسبب
стр. 5126
الشراء، ثبتت له الشفعة بسبب الإقالة إن قلنا: إنها بيع كما صرح به القاضي الحسين.
وإن قلنا: إنها فسخ، فلا، وكذا لو رد عليه بالعيب؛ لأن الفسوخ وإن كانت تشتمل على تراد العوضين، فلا تعطى أحكام المعاوضات؛ ألا ترى أنه يتعين فيها العوض الأول؟
ولا نزاع في ثبوتها بالتولية.
فروع:
لو قال لأم ولده: إن خدمت ورثتي شهراً، فلك هذا الشقص، فخدمتهم شهراً ملكت الشقص. وهل تثبت فيه الشفعة؟ فيه وجهان:
وجه المنع وهو الأصح: أن ذلك وصية [في الحقيقة لأنها] تعتبر من الثلث.
لو دفع المكاتب عن نجوم كتابته شقصاً، ثم عجز ورق، فهل للشفيع [في الشقص شفعة]؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا.
لو حضر رجل مغنماً، فأعطاه الإمام لحضوره شقصاً من دار، فهل تثبت فيه الشفعة؟
نظر: إن أعطاه عن رضخ فلا؛ لأنه تبرع.
وإن أخذه بسهم مستحق؛ ففيه وجهان:
وجه الثبوت: أنه اعتاضه بدلاً عن حضور وعمل.
فعلى هذا يأخذه الشفيع بقدر سهمه من الغنيمة، حكاه في "البحر"
قال: وما ملكه بشركة الوقف لا يستحق. أي: الموقوف عليه فيه الشفعة؛
стр. 5127
لأن الوقف لما لم يستحق أخذه بالشفعة لم يستحق به الأخذ، وهذا ما جزم به القاضي أبو الطيب.
وقيل: إن قلنا: إن الملك للموقوف عليه؛ كان له الأخذ بالشفعة؛ لأنه يلحقه الضرر في ماله من جهة الشركة، وهذا ما اختاره في "المرشد".
ونسب الماوردي في كتاب الوقف مقابله إلى أبي إسحاق.
وبنى الغزالي الخلاف على أن الوقف والملك هل يقسم أم لا؟ وحكاه الرافعي مرتباً على القول بجواز القسمة، وجزم بالمنع على القول بامتناعها. ثم إذا قلنا بثبوت الشفعة للموقف عليه، فلو كان الوقف على جهة عامة كان للناظر الأخذ بالشفعة، إذا رأى المصلحة في ذلك.
ولا نزاع في أن المسجد إذا كان له حصة مملوكة من دار، بابتياع قيمة ذلك، أو اتهابه ليصرف ريعها في عمارته، وبيع من تلك الدار حصة، ورأى القيم أخذها بالشفعة أن له ذلك، كما صرح به القاضي الحسين، وكذلك الرافعي، وقاسه على ما لو كان لبيت المال شركة في دار، فباع الشريك نصيبه، فإن للإمام الأخذ بالشفعة.
وفي "البحر" حكاية وجهين فيما إذا مات الشفيع قبل العلم بالشفعة، ووارثه بيت المال، أن الإمام هل له الأخذ أم تبطل الشفعة؛ لأنها تثبت لدفع الضرر، وهاهنا لا يتعين [للضرر] واحد.
ومقتضى هذا أن يجري هذا الوجه فيما لو بيع ما لبيت المال فيه شركة.
تنبيه: اقتصار الشيخ على منع ثبوت الشفعة لمن سبب ملكه الوقف، يعرفك أنها تثبت لكل من ملك بغيره سواء كان بعقد معاوضة أو بغيره، وهو ما صرح به غيره حتى طرده في "المرشد" في المُعْمَر والمُرْقَب، والشيخ أبو محمد فيما إذا ملك عبده شقصاً من دار وقلنا: إنه يملك.
وقال الإمام: فيه احتمال ظاهر من حيث إن ملك العبد ضيعف، والشفعة لا تستحق بالملك الضعيف عند كثير من أصحابنا، وأشار- ﵁ بذلك إلى الملك في زمن الخيار وسنذكره، ثم إذا قلنا بالثبوت للعبد، فهل يحتاج في
стр. 5128
الأخذ إلى إذن من جهة السيد؟ فيه وجهان.
فائدة: ثبوت الخيار في الملك الذي يستحق به الشفعة، هل يمنع استحقاق الشفعة؟
قال الماوردي: إن كان خيار عيب لم يمنع؛ لبقائه على ملك مشتريه، وإن كان خيار رؤية، لم يملك به المشتري الشفعة، سواء قيل بصحة البيع أو بفساده؛ لأنه إما غير مالك أو غير مستقر الملك إن صح البيع.
وأما البائع فإنه يملك به الشفعة إن أبطلنا البيع. وفي ملكها مع القول بالصحة وجهان مبنيان على اختلافهم في لزوم البيع في خيار الرؤية قبل وجود الرؤية.
وأما خيار المجلس فلا يملك البائع فيه شفعة بالشقص الذي باعه في مجلس بيعه وخياره، سواء قيل: إن ملكه قد انتقل بالعقد أو لا؛ لأنه ببيعه راض بإسقاط شفعته.
وأما المشتري، فإن فسخ العقد فلا شفعة له [بما لم] يستقر ملكه عليه.
وإن تم له البيع، فله الشفعة، وكذا لا شفعة له إن قلنا: لا ملك له قبل انقضاء الخيار.
وإن قلنا بانتقال الملك [إليه]، أو بقول الوقف، ففي استحقاقه الشفعة وجهان:
وجه المنع: أن ملكه غير مستقر؛ لأنه لا يجوز له أن يعاوض، فلم يجز أن يملك به.
وأما خيار الشرط فإن كان لهما؛ فحكمه حكم خيار المجلس، وكذا إن كان الخيار للمشتري وحده.
وإن كان [الخيار] للبائع وحده ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا شفعة لواحد منهما. أما البائع؛ فلما في بيعه من الرضا بإسقاط حقه.
وأما المشتري؛ فلعدم ملكه واستقراره.
стр. 5129
والثاني: أنها للبائع؛ لأن في اشتراطه الخيار [لنفسه] تمسكاً بما تعلق به من حقوق.
والثالث: إن تم البيع بينهما، فالشفعة للمشتري. وإن انفسخ فللبائع، كذا حكاه الماوردي.
وفي كلام الرافعي ما يقتضي خلافه في بعض ذلك؛ فإنه قال: لو باع أحد الشريكين نصيبه بشرط الخيار لزيد، ثم باع الشريك الآخر نصيبه في زمن الخيار بيعاً بتاً لعمرو، فلا شفعة في المبيع الأول لبائع عمرو؛ لزوال ملكه، ولا لعمرو وإن تقدم ملكه على ملك زيد، إذا فرعنا [على] أن الخيار يمنع الملك؛ لأن سبب الشفعة البيع وهو سابق على ملكه.
وأما الشفعة في المبيع لعمرو فموقوفة إن توقفنا في ملك زيد، ولبائع زيد إن أثبتنا الملك له، ولزيد إن قلنا بانتقال الملك إليه.
وعلى هذا قال المتولي: إن فسخ البيع قبل العلم بالشفعة بطلت شفعته إن قلنا: إن الفسخ بخيار الشرط يرفع العقد من أصله.
وإن قلنا: يرفعه من حينه فهو كما لو باع ملكه قبل العلم بالشفعة.
وإن أخذه بالشفعة ثم فسخ البيع، فالحكم في الشفعة كالحكم في الزوائد الحادثة في زمن الخيار.
قال: ويأخذ الشفيع [الشقص بالعوض] الذي استقر عليه العقد هكذا هو نسخة عليها خط المصنف ﵀؛ لأنه جاء في حديث جابر: "فَإِنْ بَاعَهُ فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ".
قال الماوردي: ولأن عدولهما عن الثمن لا يخلو من ثلاثة أحوال فاسدة.
إما أن يأخذه بما يرضى به المشتري، وفي ذلك إضرار بالشفيع.
وإما أن يأخذه بما يرضى به الشفيع، وفي ذلك إضرار بالمشتري.
وإما أن يأخذه بالقيمة، وقد تكون أقل من الثمن فيستضر المشتري، أو أكثر فيستضر الشفيع، وإذا بطلت هذه الأحوال ثبت أخذه بالثمن.
стр. 5130
ثم اعتبار الشيخ الأخذ بما استقر عليه العقد، يعني من زيادة أو نقصان في مدة الخيار؛ بناء على ما هو الصحيح من إلحاق الزيادة والنقص في حال الخيار بالعقد، وقد ذكرنا في باب المرابحة ما قيل في ذلك، وعليه ينبني أمر الشفيع.
قال: فإن كان له مثل أي العوض كما إذا كان من الدراهم والدنانير أو الحبوب والأدهان- أخذه بمثله؛ لأنه الأعدل، فلو كان الثمن مائة رطل من الحنطة فهل يكال ويدفع للمشتري قدرها بالكيل، أم يعطى له مائة رطل [من الحنطة]؟ فيه وجهان.
والذي ذهب إليه الجمهور منهما وبه جزم في "البحر": الأول.
والذي حكاه القاضي الحسين: الثاني، موجهاً له بأن ذلك في مقابلة الشقص؛ ولذلك اختاره الغزالي، وقال: إنه حسن [بالغ].
فرع: لو كان المثل منقطعاً عند إرادة الأخذ.
قال المتولي: فللشفيع الأخذ بالقيمة كما لو اشتراه بما لا مثل له.
قال: وإن لم يكن له مثل أي كالثوب والعبد ومنفعة البضع والمنافع في الإجارة، والجعالة، وحق القصاص، ونحو ذلك أخذه بقيمته [أي بقيمة] العوض؛ لأنها مثل في المعنى، ولأن ما يضمن بالمثل إذا كان له مثل- ضمن بالقيمة إذا لم يكن له مثل، كما لو أتلف على رجل مالاً.
قال: وقت لزوم العقد كما يعتبر قدر الثمن فيه، وهذا الذي أورده في المهذب، هو من تخريج ابن سريج. وقد صححه [الروياني] في "البحر"، واختاره في "المرشد"، واقتصر عليه أيضاً صاحب "التهذيب"، والشاشي في "حليته"، وصاحب "الفروع".
كما حكاه في "البيان".
والذي نص عليه الشافعي كما حكاه البندنيجي، وذهب إليه جمهور الأصحاب: أنها معتبرة بحالة العقد؛ لأنها وقت وجوب الشفعة، فلا اعتبار بما يحدث بعدها من زيادة [أو نقصان؛ لأن الزيادة تكون] في ملك البائع،
стр. 5131
[والنقصان عن ملكه، وليس على الشفيع شيء مما يحدث].
وفي هذا التعليل ما يرشد إلى أن هذا تفريع على القول بانتقال الملك بنفس العقد.
أما إذا قلنا بأنه لا ينتقل إلا بزوال الخيار، فالوجه ما قاله ابن سريج.
وفي "الذخائر" أن بعضهم قال فيما إذا شرط في العقد خيار: إن قلنا: الملك ينتقل بنفس العقد، اعتبرت القيمة حين العقد.
وإن قلنا: لا ينتقل إلا بانقضاء الخيار اعتبرت عند انقضائه.
ثم قال: وهذا ليس بشيء؛ إذ يلزم عليه خيار المجلس ولم يطرده فيه.
والذي جزم به الماوردي أنا نعتبر أقل قيمة من حين العقد إلى [حين] أن يقبض البائع الثمن؛ لأنه إن زاد فالزيادة حادثة في ملك البائع لم يتناولها العقد.
وإن نقص فالنقصان مضمون على المشتري فخرج من العقد.
وعلى ذلك ينطبق ما حكاه فيما إذا كان العوض عبداً، فاعور في يد المشتري ورضي به البائع- أن الشفيع يأخذه بقيمة العبد أعور.
وقياس ما حكيناه عن ابن سريج أن العور إذا حصل في حال بقاء الخيار، فالحكم كذلك وإن حصل بعده أخذه بقيمة عبد سليم.
وهو الذي يقتضيه قياس المذهب في كل حال، وهو ما حكاه [المتولي عن] الجمهور فيما إذا اشترى الشقص بعبد، فخرج معيباً ورضيه البائع.
ووجهه بأن رضا البائع بالعيب نوع مسامحة فصار كما لو حط بعض الثمن، وكما لو اشترى [بألف] من نقد جيد، فوفاه من نقد دونه ورضي به، فإن الشفيع لا يأخذ إلا بالجيد.
وحكي عن ابن سريج أنه يأخذه بقيمة عبد معيب.
وإن كان عوض الشقص منفعة في إجارة، أو جعالة رجع بمثل أجرة تلك المنفعة، وذلك في الجعالة بعد الفراغ من العمل.
وإن كان منفعة بضع، كما لو أصدقها شقصاً، أو خالعها على شقص، رجع
стр. 5132
بمهر مثلها حال العقد والخلع على الصحيح.
وفي "البحر" أنه يحكى عن القديم في مسألة الصداق أنه يأخذه بقيمة الشقص لا غير، وحكاه المتولي عن بعض الأصحاب وجهاً مخرجاً في الصداق.
والخلع أيضاً من قول لنا في الصداق إذا رد بالعيب، أن الزوجة تأخذ قيمته لا مهر المثل.
وإن كان الشقص مقرضاً أخذه بقيمته، وإن قلنا: يرد في القرض المثل الصوري؛ لأن أخذ الشفيع كالإتلاف، قاله المتولي.
وإن كان الشقص عوضاً عن نجوم الكتابة أو متعة أو عن دم عمد، أخذه بقدر النجوم والمتعة والدية.
تنبيه: في قول الشيخ: أخذه بقيمته وقت لزوم العقد ما يعرفك أن الأخذ في زمن الخيار غير جائز؛ لأن الأخذ لا يكون إلا بثمن المثل أو قيمته، وذلك لا يجوز إلا بعد اللزوم؛ فلزم منه تأخر الأخذ إلى اللزوم.
وقد قال الأصحاب: إن الحكم كذلك فيما إذا كان خيار البائع باقياً؛ لأن في الأخذ قبل انقضائه- إن قلنا بعدم انتقال الملك- تسليط على ملك البائع، ووضع الشفعة أخذ ملك المشتري، وإن قلنا: بانتقال [الملك] ففيه إبطال لحقه، وفي ذلك إضرار به.
وعن صاحب "التقريب" احتمال في جواز الأخذ في هذه الصورة الأخيرة.
وإن كان الخيار للمشتري وحده، وقلنا: لا ملك له فكذلك الحكم؛ لما أشرنا إليه.
وعن صاحب "التقريب" وجه أن له الأخذ في هذه الحالة، ويتبين بالأخذ الملك قبيله وينقطع الخيار.
وإن قلنا: إن الملك له، فالذي رواه المزني، أن للشفيع الأخذ، وكذلك هو منصوص في الأم، وهو الأصح عند عامة الأصحاب، لأنه مسلط عليه بعد لزوم الملك واستقراره، فقبله أولى.
وروى الربيع قولاً أنه ليس له الأخذ حتى ينقضي الخيار.
стр. 5133
وقال أبو إسحاق المروزي: إنه الصحيح، واختاره القفال كما حكاه في "البحر"، وكلام القاضي أبي الطيب يدل على اختياره، فإنه وجهه بأمرين:
أحدهما: أنه خيار مشروط لأحد المتبايعين، فوجب أن يمتنع الشفيع عن الأخذ، أصله خيار البائع.
والثاني: أن المشتري إنما شرط هذا الخيار لينظر أي الأمرين أحظ له، وفي أخذ الشفيع إبطال لهذا الغرض فلا يجوز، وما ذكروه فيبطل بما إذا كان الخيار للبائع، فإن البيع إذا استقر للمشتري بانقطاعه أخذ الشفيع الشقص، وقبل [أن يستقر بانقطاعه] ليس له الأخذ.
وقد روى الإمام ومن تبعه عن بعضهم القطع به.
ولا فرق فيما ذكرناه بين خيار المجلس وخيار الشرط.
فرع: إذا قلنا بعدم جواز الأخذ في زمن الخيار، لو قال المشتري: اشتريت بشرط الخيار، وكذبه الشفيع.
قال أبو حامد في "الجامع": القول قول المشتري مع يمينه حكاه في "البحر".
قال: وإن كان الثمن مؤجلاً ففيه [ثلاثة] أقوال:
أحدها: أنه مخير بين أن يعجل ويأخذ، وبين أن يصبر إلى أن يحل فيأخذ؛ لأن مطالبته بالمال في الحال تجحف به؛ لإلزامه زيادة على ما لزم المشتري؛ فإن الأجل يقابله قسط من الثمن. وأخذه بثمن مؤجل يجحف بالمشتري؛ لاختلاف الذمم.
ولهذا إذا مات من عليه دين مؤجل؛ حكم بحلوله وعدم انتقاله إلى ذمة الورثة، وإن رضوا به مع إقرارهم بالحلول.
وأخذه بسلعة تساوي الثمن خروج عن وضع الأخذ بالمثل والقيمة، فلما بطل ذلك تعين ما ذكرناه.
وهذا هو الجديد.
стр. 5134
قال: والثاني: يأخذه بثمن مؤجل؛ لأنه الثمن، وقد قال ﷺ : "فَإِنْ بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ [بِهِ] " أي بالثمن.
وهذا قوله في القديم، ونسبه الإمام إلى رواية حرملة.
وقال ابن الصباغ: إن الشيخ أبا حامد اختاره.
ومحله كما قال في "التتمة": إذا لم يكن الشفيع معسراً ولا مطولاً.
فإن كان، فليس له الأخذ.
وكذلك حكاه الإمام عن الشيخ أبي علي وأنه أقام الكفيل مقام الملاءة.
وحكى أن من الأصحاب من لم يشترط ملاءة الشفيع، ولا الإتيان بكفيل، وأحل الشفيع محل المشتري، واستبعده.
وعلى هذا القول إذا مات أحدهما حل عليه ولم يحل على الآخر.
قال: والثالث: أنه يأخذه بسلعة تساوي الثمن؛ لتعذر أخذه بثمن مؤجل أو حال [لما ذكرناه]، فتعين هذا؛ لأنه أقرب إلى العدل، فعلى هذا إذا كان الثمن مائة إلى شهر أعطاه سلعة تساوي مائة إلى شهر، وهذا حكاه ابن سريج عن النص في كتاب الشروط.
وقال ابن الصباغ عن هذا [القول: إنه أضعف، يعني من الذي قبله، وبعضهم قال: إن هذا] القول من تخريج ابن سريج من قول الشافعي في كتاب الشروط: إنه يجوز بيع الدين.
وحكى مجلي أن الشيخ أبا حامد اختاره وغيره، فعلى هذا لو لم يتفق طلب الشفيع حتى حل الأجل.
قال الإمام: وجب ألا يطالب إلا بالسلعة المعدولة؛ لأن الاعتبار بقيمة عوض المبيع [حال البيع]؛ ألا ترى أنه لو باع بمتقوم يعتبر قيمة يوم البيع.
стр. 5135
قال: والأول أصح؛ لما ذكرناه.
قال مجلي والرافعي: فعلى هذا إذا قلنا: إن حق الشفعة على الفور، فأخر الشفيع الطلب حتى حل الأجل فهل يبطل حقه؟ فيه وجهان: منهم من لم يبطله؛ إذ لا فائدة في طلبه، ومنهم من قال: إن أشهد لم يبطل، وإلا بطل؛ لأن التأخير قد يكون للزهد، وقد يكون لانقضاء الأجل، فلا بد من تميز.
قال: والشفعة على الفور في قول: [أي خيار طلب الشفعة على الفور، كما صرح به في "المهذب"، ووجهه قوله ﷺ : "الشُّفْعَةُ] لِمَنْ وَاثَبَها". أي: بادر إليها، وروي [أنها] "كَنَشْطَةِ العِقَالِ: ِان قُيِّدَتْ ثَبَتَتْ، وَإِنْ تُرِكَتْ فَاللَّومُ عَلَى مَنْ تَرَكَهَا". وهذا نصه في الجديد والإملاء.
قال: وإلى ثلاثة أيام في قول: لأن التأبيد فيها يضر بالمشتري؛ لأنه لا يبقى على ثقة مما يبنيه ويحدثه، والفور يضر بالشفيع؛ لأنه لا يتمكن من معرفة الحظ والمصلحة: هل هو في الأخذ أو الترك. [فعلق] على غاية حد القلة وبداية حد
стр. 5136
الكثرة، وهذا ما قاله في السير التي يرويها الطحاوي عن المزني كما نقل البندنيجي.
وفي "الذخائر": أنه مذكور في سير حرملة.
قال الماوردي: وعلى هذا لو حصل في خلال الثلاثة أيام زمان تتعذر فيه المطالبة؛ لم يحسب به منها، بل لا بد من ثلاثة أيام يتمكن في جميعها من المطالبة.
ولو عرض بإسقاط الشفعة فيها؛ سقطت كما حكاه الإمام، ثم قال: ولا يبعد [على] قولٍ اشتراط التصريح بما يسقط الشفعة، كما سنذكره من بعد تفريعاً على القول الثالث.
ولهذا القول الذي ذكره الشيخ نظائر في مسائل: قتل المرتد، وتارك الصلاة، وطلاق المولى، وفي العنة، ونفي الولد باللعان، وفسخ الزوجة بإعسار الزوج، وخيار الأمة إذا عُتِقَتْ.
قال: وعلى التأبيد في قول، وإلى أن يصرح بالإسقاط؛ لقوله ﷺ في حديث جابر الذي حكيناه عن رواية مسلم [في صدر الباب: فَإِنْ أبى فَشَريكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤذِنهُ" فكان على عموم الأوقات ما لم يسقطه].
ولأنه خيار لا ضرر على المستحق عليه في تأخيره، فكان على التراخي كخيار القصاص، وهذا ما قاله في القديم، فعلى هذا ليس للقاضي أن يقطع خياره إذا رفع إليه؛ لأن الحاكم لا يملك إسقاط الحقوق كالدين، قاله الماوردي.
وإذا أخذ الشفيع الشقص بعد أن عمر فيه المشتري، أو أحدث فيه شيئاً، أخذ ما أحدثه بقيمته وقت الأخذ، قاله القاضي أبو الطيب.
قال: أو يعرض بأن يقول: بعني، أو بكم اشتريت- في قول؛ لاشتراك التعريض والتصريح في المقصود بالعفو ومن جملة التعريض طلب القسمة والعمارة واستئجاره منه ومساقاته عليه.
стр. 5137
وحكى الإمام عن [صاحب] التقريب تفريعاً على هذا القول: إن المساومة ليست مبطلة؛ فإن [الشفيع قد يبغي الشراء استرخاصاً.
وحكى الماوردي قولاً ثالثاً على قولنا بأن الشفعة على] التأبيد أنها تسقط بأحد أمور ثلاثة: بالعفو الصريح، [أو] بما يدل عليه من التعريض، [أو] بأن يحاكمه المشتري إلى القاضي فيلزمه الأخذ أو الترك، فإن أخذ، وإلا حكم عليه بإبطال الشفعة.
وحكى مجلي عن بعضهم طريقة قاطعة: بأن للمشتري الرفع إلى الحاكم وإجباره على الأخذ أو الترك.
وحكى صاحب "التقريب" قولاً رابعاً في أصل المسألة، أنها تختلف باختلاف المطلوب ومقدار الثمن، فيدوم الطلب إلى حد لا يعد الشفيع فيها مقصراً [بل متروياً].
قال: والصحيح: أنه- أي: الخيار- على الفور لما تقدم، وأخر ذكر الصحيح؛ ليقع عليه التفريع. والجواب عن قولهم: إن في الفور ضرراً على أحدهما وفي التراخي ضرراً على الآخر- أنه يبطل بخيار الرد بالعيب.
وعن الحديث: أنه عام مخصوص بما ذكرناه من الأحاديث.
وعن قياسهم على خيار القصاص: [منع] كون التأخير لا ضرر فيه على المشتري؛ لأنه إذا عمر شيئاً أخذه بقيمته [وقد تكون قيمته أقل من ثمنه]، وقد يكون [له غرض] في أعيان أمواله، وذلك ضرر ظاهر.
والمراد بالفور: حال اطلاع الشفيع على البيع عند بعض الأصحاب كما في العيب، وهو المتبادر إلى الفهم من إطلاق الأئمة وميل النص إليه.
ومن ألفاظ الشافعي في ذلك: أنه إن علم فطلب [مكانه فهو له]، والمذهب على ما حكاه البندنيجي: أن له الخيار في الطلب وتركه ما لم يفارق مجلس البلاغ كخيار المتبايعين.
стр. 5138
والمراد بالطلب: طلب المشتري بالشفعة [ويقوم مقامه طلب الحاكم ليطلب الشفعة] بحضرته، ولا يقوم مقام واحد منهما في القدرة عليه؛ للإشهاد على الطلب، كما صرح بها لأئمة هنا.
وقد حكينا في باب الرد بالعيب وجهاً أنه يقوم مقام طلب الحاكم.
وحكى مجلي عن الشيخ أبي حامد: أن الشفيع متى قدر على مطالبة المشتري فرفع الأمر إلى الحاكم؛ بطلت شفعته.
وليس عليه في السير [إلى الطلب] إرهاق ولا عجلة على خلاف المعتاد، بل يمشي على عادته ولا يكلف بسوق دابته.
وإذا علم بالشراء ليلاً ولم يمكنه السير [فيه] أخر إلى [أن يصبح] وإن علم [بها] نهاراً فله أن يؤخر إلى أن يلبس ثيابه ويجمع ماله ويغلق بابه، وإن كان في أكل فحتى يفرغ منه ويتنظف.
وإن كان في حمام فحتى يفرغ حاجته. وإن كان في صلاة فحتى يتمها، وكذا لو حضر وقت الصلاة، فله التأخير حتى يؤذن ويقيم ويصلي الفريضة وسننها، كما صرح به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ.
وحكى الإمام عن بعض الأصحاب أنه قال: يجب قطع ذلك سوى الفريضة، وأنه أشار إليه القاضي يعني الحسين.
وعلى الأول لا يفتقر إلى الإشهاد على الطلب على ظاهر المذهب وإن أمكن.
وقيل: باعتباره عند الإمكان.
قال: وإن طلب وأعوزه الثمن بطلت شفعته؛ لأن تأخير الثمن يضر بالمشتري، والضرر لا يزال بالضرر.
وصورة ذلك، كما حكاه الماوردي: أن يبادر بالطلب ويقول: أنظروني بالثمن، فإن للحاكم أن ينظره يوماً ويومين، وأكثره ثلاثة أيام، فإذا لم يحضره في المدة التي أنظره الحاكم إليها؛ بطلت شفعته، وإن أحضره في المدة استمر على حقه
стр. 5139
وسنذكر ما قيل في كيفية تملكه.
وإنما أنظرناه هذه المدة؛ لأن تحصيل الثمن في الحال يتعذر في الغالب، فاعتباره يؤدي إلى إسقاط الشفعة والإضرار بالشفيع.
وحكى الإمام عن الأصحاب أنهم عبروا عن النسخة التي أشرنا إليها في التأدية بأن قالوا: كل اشتغال لا يوجب حبس من عليه الحق في الديون، فهو محتمل فيما نحن فيه، وكل اشتغال يجر تطويلاً يسوغ لصاحب الحق استدعاء الحبس معه؛ فهو غير محتمل فيما نحن فيه.
لكن هل يبطل الحق بمجرد ذلك، أم لا بد من إبطال القاضي؟ فيه خلاف للأصحاب.
ثم هل نقول عند اطراد العسرة إن الشفعة لم تثبت أصلاً، أو نقول: ثبتت ثم سقطت؟ فيه خلاف بين الأصحاب أيضاً [كما] حكاه الإمام، وعلى الثاني كلام الشيخ.
فرع: لو قال الشفيع: عندي عقار وأنا أظهره وأحصل الثمن منه فهل ينظر إلى بيعه؟ قال الإمام: إن كان عقاراً لا يطلب مثله فلا تعلق به.
وإن كان [عقاراً] يطلب مثله ولكن تباطأ انتظام بيعه، فهذا مما لو فرض في الديون لا يستحق صاحب الدين طلب الحبس إلى اتفاق البيع.
وهل يبطل حق الشفيع في مثل هذا المقام.
والضياع المعروض معروف؟ فيه احتمال عندنا.
قال: وإن أخَّر الطلب [أي] من غير عذر على الفور بطلت شفعته؛ [للحديث] ومن جملة الأعذار غير ما ذكره الشيخ: عدم علمه بالمشتري ولا قدر الحصة المبيعة، وكذا قدر الثمن، وجنسه، كما صرح به القاضي الحسين والفوراني، ووافقهما في كون الجهل بقدر الثمن عذراً في ترك الطلب: الطبري،
стр. 5140
وزاد فقال: لو عفا صريحاً قبل معرفته كم الثمن لم تسقط شفعته.
وفي "الإشراف" ما يقتضي ذلك وزيادة فإنه قال: إذا لم يعرف الشفيع الثمن سعى في طلب المشتري ليعرف منه الثمن ثم يقول: تملكته عليك بالثمن المعلوم.
ولا يجوز أن يتوانى في طلب المشتري، ليعرف منه الثمن، وهو معنى قول أصحابنا: إن الطلب [على الفور.
وقال الرافعي: إنهم لم يشترطوا في الطلب أن يكون الثمن] معلوماً للشفيع.
وهل يكون الجهل بكون الشفعة على الفور [عذراً]؟ فيه وجهان مخرجان من الخلاف المذكور في جهل المعتقة بأن خيارها على الفور، هل يبطل حقها أم لا [كما] صرح به [في] "البحر"؟
وفي "النهاية" الجزم بأنه إذا كان حاله يليق به أن يجهل هذا أنه يعذر.
وكذا الخلاف في أن الجهل بثبوت أصل حق الشفعة مع العلم بالبيع، هل يكون عذراً أم لا؟ صرح به الشاشي في الحلية.
ولو كان على النخل المأخوذ مع الأرض بالشفعة طلع غير مأخوذ بالشفعة فهل يكون تأخيره إلى جذاذه عذراً أم لا؟ فيه وجهان في "النهاية" ولا نزاع في أن التأخير إلى حصاد ما في الأرض من زرع عذرُ.
فرع: لو عفا الشفيع قبل العلم بالمشتري أو قدر الحصة، فهل يصح عفوه؟ قياس ما ذكرناه عن الطبري في العفو قبل العلم بقدر الثمن: عدم الصحة.
وهو ما جزم به الفوراني.
وفي "التتمة" حكاية خلاف فيه، وبناه في الأولى على الخلاف فيما إذا قال لغريميه: أبرأت أحدكما، ومقتضاه أن يكون الصحيح الصحة، وكذا صرح به في "البحر"، وبناه في الثانية على الإبراء من الحقوق المجهولة هل يصح أم لا؟
стр. 5141
قال: وإن قال: بعني، أو كم الثمن، بطلت شفعته يعني: أن الشفيع لما بلغه البيع بادر إلى طلب المشتري، فلما لقيه بادره بقوله له: بِعْنِي، أو كم الثمن.
ووجه إبطال الشفعة في الأولى: أنه عدل عن المطالبة بالشفعة إلى أن يتملك بجهة أخرى. وذلك يدل على الإعراض.
وفي ابن يونس حكاية وجه عن المراوزة: أن الشفعة لا تبطل بذلك، ولم أقف عليه فيما وقفت عليه من كتبهم إلا على قولنا: إن الشفعة على التأبيد.
ووجه إبطال الشفعة في الثانية: ما حكي عن الشيخ أبي حامد، والمحاملي، وقاله القاضي "الحسين" في تعليقه أيضاً أنه كان يمكنه أن يقول عوض ذلك: أخذت بالثمن الذي ابتعت به، فلما لم يقل ذلك، كان تاركاً لطب الشفعة مع القدرة عليه؛ فبطلت الشفعة.
قال في "البحر" وهذا على قولنا: [إنه] لا يتقدر الأخذ بالمجلس: يشير إلى خلاف سنذكره في أن الشفيع إذا ترك الطلب أو عفا صريحاً: هل يكون له الطلب ما دام في المجلس أم لا؟
واعلم أن ما حيكناه عن الشيخ أبي حامد وغيره، يفهم أن الأخذ يجوز بالثمن المجهول، وهو مخالف لما يفهم من اللفظ الذي حكيناه من قبل.
ولما صرح به الرافعي، وصاحب "المرشد" من أن الأخذ بالثمن المجهول لا يجوز.
وحينئذ فيجتمع من مفهوم ما حكيناه عن الشيخ أبي حامد وغيره خلاف في جواز الأخذ بالثمن المجهول، وقد قال الرافعي: ينبغي أن يكون في صحة التملك مع كون الثمن مجهولاً ما ذكرناه في بيع المرابحة.
стр. 5142
وادعى أن في "التتمة" إشارة إليه.
ويقتضي هذا أن يكون في المسألة ثلاثة أوجه كما هي ثَمَّ:
أحدها: عدم الصحة مطلقاً.
والثاني: الصحة مطلقاً؛ لبناء العقد الثاني على الأول.
والثالث: إن علمه في المجلس نفذ، وإن تفرقا قبل البيان بطل العقد؛ لأن المجلس جعل في الشرع كحالة المقاولة.
والذي رأيته في "التتمة" هاهنا الجزم بأنه إذا لم يطلع على الثمن في مجلس [الأخذ لم يصح، وإن اطلع علي في المجلس] انبنى على مسألة المرابحة.
وهذا الذي قاله متضح إذا قلنا بثبوت خيار المجلس في الأخذ بالشفعة كما سنذكره.
فإن قيل: لم لا يحمل ما قاله [الشيخ] أبو حامد ومن تابعه على ما إذا كان الشفيع عالماً بقدر الثمن وأراد أن يستنطق المشتري؛ ليكون قوله حجة عليه إن وقع اختلاف في قدر الثمن؛ [إذ به يقع الجمع بين النقلين] ويؤيده أمران.
أحدهما: أن البندنيجي- وهو أحد المتلقين عن الشيخ أبي حامد- وابن الصباغ- وهو من أجلاء أصحاب القاضي أبي الطيب- جزما بعدم [جواز] الأخذ بالثمن المجهول، ولم يحكيا عنهما شيئاً من ذلك؛ [مع محافظتهما] على نقل كلامهما.
والثاني: أن الروياني [في "البحر"] جزم بأن الأخذ بالثمن المجهول [لا يمتنع]، وأن التأخير لمعرفته لا يسقط الشفعة.
وقال بعده بأسطر مثل قول الشيخ أبي حامد ومن تابعه، فلولا أنه محمول على ما ذكرناه لكانت مناقضة ظاهرة؟
قلت: يمنع [من] ذلك أن الإمام أفهم بكلام الأصحاب منا، وقد حكي عن العراقيين: أنه لو انتهى إلى المشتري، وقال: بكم اشتريت الشقص، بطل حقه.
وقال: قياس المراوزة في ذلك: [إنه] لا يبطل؛ فإنه معذور في [البحث] من جهة أنه ربما يطالب بالشفعة إذا كان الثمن مقدراً عنده، ولا
стр. 5143
يطلبها إذا كان أكثر منه.
ثم قال: ولا شك أن هذا يفرض فيه إذا لم يكن عالماً مقدار الثمن من جهة أخرى.
ولا يمتنع أن يقال: إن كان عالماً يعذر في البحث، ويحمل الأمر فيه على إقرار المشتري. انتهى.
وهذا ينفي أن يكون ما قاله الشيخ أبو حامد محمولاً على حالة العلم.
وقد جعل الغزالي ما أبداه من قياس المراوزة مذهباً له وطرده في حالة العلم والجهل.
وقد جعل الغزالي.
وكلام القاضي الحسين يدل على خلافه فإنه قال: إذا قال: بكم الثمن؟
وقال أصحابنا: بطل حقه؛ لأنه لم يبادر إلى الطلب مع الإمكان.
والذي عندي أنه لا يبطل؛ لما بينا أن الجهل بقدر الثمن وجنسه يسوغ له التأخير. وحكى الإمام ذلك في آخر الباب عنه وعنهم.
ولا خلاف عند العراقيين أن الشفيع لو ابتدأ المشتري عند لقياه بتحية السلام لم تبطل شفعته، بل ذلك مستحب؛ لقوله – ﷺ : "مَنْ بَدَأَ بِالكَلامِ قَبْلَ السَّلامِ فَلاَ تُجِيبُوه".
وكذا لو قال: بارك الله في صفقة يمينك [كما قال في "المهذب"، أو بارك الله لك في صفقة يمينك]، كما قاله ابن الصباغ، وأبو الطيب، والبندنيجي،
стр. 5144
والماوردي؛ لأن وصوله إلى الثمن من الشفيع بركة في صفقته.
وألحق المتولي بذلك ما لو قال: بلغني أنك اشتريت نصيب شريكي، بارك الله لك في صفقة يمينك.
واستحسن الإمام ما قالوه في السلام، وقال: إنه خارج على ما ذهب إليه المحققون من أنا لا نشترط قطع الأشغال التي يكون الشفيع ملابسها عند بلوغ الخبر وأما [من أبعد] من أصحابنا باشتراط قطعها؛ فلا يبعد أن يشترط الابتداء بطلب الشفعة.
وقال: قياس المراوزة في الدعاء خلاف ما قالوه، فإن قوله: بارك الله لك، يشعر بتقرير الشقص في يده.
والمذكور في تعليق القاضي [الحسين] ما حكيته عن العراقيين.
فرع: ضمنه مسائل نحتاج إلى ذكرها:
إذا ابتدر الشفيع الطلب عند لقيا المشتري، ثم أمسك بعد الطلب من غير تعريض ولا تصريح.
قال القاضي الحسين، والماوردي: بطلت شفعته حتى يكون مستديماً للطلب بحسب الإمكان.
وهذا منهما يدل على أن حقيقة الطلب غير حقيقة الملك، وهو ما يفهمه كلام الرافعي حيث قال: اعتبر الأصحاب في التمليك أن يكون الثمن معلوماً للشفيع ولم يشترطوا ذلك في الطلب، وقد صرح بذلك الماوردي حيث قال: الشفعة تجب بالبيع، وتستحق بالطلب، وتملك بالأخذ، وذلك [يدل] على التغاير، وكلام الشيخ أبي حامد ومن تابعه الذي حكيناه في تعليل بطلان الشفعة بقوله: بكم اشتريت. يدل على أن المراد بالطلب نفس الأخذ حيث قالوا: لما لم يقل: أخذت بالثمن- كان تاركاً لطلب الشفعة مع القدرة عليه، وكلام الشيخ يحتمل الأمرين.
وعلى كل احتمال فإن قيل: اعتبار العراقيين مبادرة الشفيع إلى طلب المشتري، أو الحاكم على الفور إذا لم يكن ثم عذر، وجعل الشفيع معذوراً في تأخير الطلب إذا اطلع ليلاً إلى الصباح، أو قضى ما هو فيه من شغل كما ذكرتموه
стр. 5145
- مشكل؛ لأن تمليك الشقص بالشفعة لا يفتقر باتفاق [أهل] الطريقين إلى حضرة الحاكم؛ لأنه ثابت بالنص، ولا إلى رضا المشتري، ولا إلى حضوره كما حكاه ابن الصباغ وغيره؛ لأن من لا يعتبر رضاه لا يعتبر حضوره كالزوجة إذا طلقها الزوج.
وفي "الإشراف" وغيره: أن الشيخ أبا سهل الصعلوكي قال: الطلب من باب الإضافة يستدعي مطلوباً، ولا معنى لإظهار الشفيع الطلب إلا في وجه المشتري أو وكيله أو البائع إن كان الاستشفاع منه ولا يفتقر التملك عند العراقيين إلى بذل الثمن، كما دل عليه كلام ابن الصباغ حيث قال: إذا أخذ الشفيع الشقص وجب عليه الثمن ولا يلزم المشتري تسليم الشقص حتى يقبض الثمن، فإن كان الثمن موجوداً سلمه، وإن لم يقدر عليه في الحال؛ أجلناه ثلاثاً، فإن أحضره وإلا فسخ الحاكم عليه الأخذ ورده [إلى] المشتري ونسب البندنيجي هذا القول لابن سريج.
وقال الشيخ أبو حامد: هكذا الحكم فيما لو هرب الشفيع بعد الأخذ؛ جاز للحاكم فسخ الأخذ ورده للمشتري وصرح به في "الإشراف" و"التتمة"، وكذا في تعليق البندنيجي حيث قال: إذا قال اخترت التمليك، انتقل المبيع إلى الشفيع ووجب عليه الثمن بغير اختيار المشتري.
ولفظ الشيخ في المهذب أنه يملك الشقص بالأخذ؛ لأنه تمليك [مال] ثابت له بالقهر، فوقع الملك له فيه بالأخذ؛ كتملك المباحات، وإذا كان التمليك لا يفتقر إلى ذلك، فهو قادر حين اطلاعه [على الشراء على التمليك] فإذا لم يفعله وجب أن يعد مقصراً؛ لأنه اشتغل عن المقصود بغيره.
وإذا تملك عقيب الاطلاع، وأشهد خشية ألا يصدق في دعواه التملك
стр. 5146
على الفور: وترك مطالبة المشتري بانتزاع الشقص من يده لا يعد مقصراً؛ لأن التملك بعقود المعاوضات ليس من شرطه تقابض العوضين، نعم ذلك شرط فيما يحذر فيه الربا.
فإذا كان في الشقص صفائح من ذهب وقد أبيع بفضة، اشترط فيه التقابض؛ حذراً من ذلك.
قلت: أما كون الشفيع إذا تملك وجب أن يقال: لا يعد مقصراً بترك مطالبة المشتري [بقبض الشقص]؛ ففي كلام البندنيجي ما يقتضيه فإنه [قال]: إذا قال: اخترت التملك انتقل المبيع إليه ووجب الثمن عليه بغير اختيار المشتري.
فإذا عرف هذا الفصل فقد استغنى عن أن يكون على الفور أو على التراخي؛ لأنه إذا ملك نقل المبيع إلى ملكه بغير اختيار المشتري، فقد بلغ مراده، وكان الخيار إليه.
وأما اعتبار التملك عقيب الاطلاع حتى إنه إذا لم يفعله، واشتغل بطلب المشتري ينبغي أن يعد مقصراً، فقد استشعره صاحب "الإشراف" وأجاب في أثناء كلامه عنه في حالة كون الشفيع جاهلاً بقدر الثمن، بأن التملك ممتنع والطلب لأجل معرفة قدر الثمن حتى يتعقبه التملك.
وفي حالة العلم بمقدار الثمن وقدرته على التملك جعل جوابه مبنياً على أصل بعد العهد به، وهو أن المشتري إذا اطلع على عيب بالمبيع ولا أحد حاضر معه، هل يجب عليه أن يقول: فسخت العقد أم لا؟
وحكي فيه عن القاضي الحسين أنه قال بالوجوب؛ إذ الثابت على الفور كلمة الرد والفسخ، وهي لا تنحبس على الرد الفاسخ بعذر.
وعن القفال المروزي أن المشتري لو أخر الرد إلى الرفع إلى الحاكم جاز، وأن الاشتغال بالرفع إلى الحاكم كالاشتغال بنفس الرد.
والحكمة فيه أنه أراد أن يرد رداً خارجاً عن الخلاف؛ إذ على قول بعض العلماء لا بد من رضا المردود عليه أو حكم الحاكم.
ثم قال: والاستشفاع بمنزلة الرد بالعيب.
стр. 5147
فنقول: الشفيع على رأي القاضي في أي حال كان يملك الربع بالشفعة.
ثم إن حضره شاهدان فقد تحملا الشهادة عليه، وإلا إذا ظفر بهما أشهدهما عليه؛ ليخرج من الخلاف، يعني خلاف أبي حنيفة، فإنه يعتبر حضور المشتري، أو حكم الحاكم، كما حكاه عند الرافعي، أو رضا المشتري أو حكم الحاكم، كما حكاه ابن الصباغ.
ثم قال صاحب "الإشراف": [وعلى ذلك يخرج ما قاله الأصحاب في تفسير الأعذار]، وعلى ذلك يتخرج أيضاً.
أما الذي على الفور فيجيء فيه جوابان، وما قاله في حالة عدم العلم بالثمن حسن بالغ، وما قاله في حالة العلم فهو الممكن في الجواب، ويجعل كأن العراقيين صاروا إلى ما صار إليه القفال من التعليل؛ وهذا مع [تسليم] ما نقل عنهم في عدم اعتبار ما ذكرناه، وإلا فقد حكي في "الإشراف" أيضاً في فصل كيفية الحكم وما يختص [به القاضي] أن التملك لا يحصل إلا ببذل الثمن [على وجه، وعلى وجه] لبعض أصحابنا أنه لا يحصل إلا ببذل الثمن وقضاء القاضي.
وكلام الماوردي يقتضي أنه لا يحصل له الملك إلا ببذل الثمن، فإنه قال: لو قال من بادر بالطلب: أنظروني بالثمن واحكموا لي بالملك [حتى أحضر الثمن]- لم يجز أن يحكم له بالملك حتى يكون حاضراً، فلو أحضر رهناً بالثمن أو عوضاً عنه، لم يجز أن يحكم له بالملك.
وعلى هذا يندفع السؤال، فإن البذل لا يتم إلا بقابض، والقابض إما المشتري أو وكيله أو الحاكم، فيتعين طلبه لعدم القدرة على الملك بدونه. والله أعلم.
فإن قيل: هل يتوجه إيراد هذا السؤال على المراوزة؟
قلت: لا.
وذلك يظهر لك إذا عرفت ما ذكروه فيما يحصل به الملك، فأذكره وإن طال لما فيه من فوائد.
стр. 5148
وقد قالوا: لا بد من لفظ دال على الرضا، إذا لم يكتف بالمعاطاة، وإن أفهم لفظ "الوسيط" و"البحر" عدمه.
ثم اللفظ الدال قوله: تملكت، أو اخترت الأخذ بالشفعة، أو أخذت الشقص بالشفعة، وما أشبه ذلك؛ ولا يحصل بنفس الطلب كما صرح به المتولي.
ووجهه: بأن المطالبة رغبة في التملك، والملك لا يحصل بالرغبة المجردة.
وهذا قضية ما حكيته عن كلام الماوردي في صدر الفرع.
وحكى الرافعي عن أمالي السرخسي أن الطلب يكفي سبباً لثبوت الملك، ولا يقف على قوله: تملكت، وعليه ينطبق كلام [القاضي] مجلي حيث جعل قوله: طلبت شفعتي لفظاً مملكاً؛ كقوله أخذت وهو مؤيد لما استنبطه من كلام أبي حامد أن المراد بالطلب نفس الأخذ.
والأظهر كما قاله الرافعي: الأول. ثم وجود اللفظ وحده [عندهم] غير كاف في حصول الملك، وهو الذي استقر عليه جواب شيخهم القفال بعد أن كان يقول بحصوله بمجرد الأخذ، لكن بعده لا ينفذ تصرف المشتري في الشقص بالبيع وغيره، وإن كان يجوز قبله. كما حكاه القاضي الحسين عنه، وحكاه الإمام عن صاحب "التقريب".
ثم أبدى احتمالاً في جواز التصرف، وجعل الأظهر النفوذ إذا لم يحصل الملك.
وإذا وجد مع اللفظ تسليم الثمن إلى المشتري، فقد حصل الملك، فإن بذله فامتنع المشتري من قبضه، خلى بينه وبينه، أو رفع الأمر إلى القاضي حتى يلزمه التسليم.
فإن لم يوجد ذلك وسلم المشتري الشقص إلى الشفيع راضياً بذمته؛ حصل الملك أيضاً.
وإن [وجد مجرد] رضا المشتري بذمة الشفيع، ولم يسلم [له] الشقص، أو لم يوجد ذلك، ورفع الشفيع الأمر إلى الحاكم وأثبت حقه في الشفعة لديه وحق طلبه، فقضى له [بحق الشفعة] فوجهان:
стр. 5149
أصحهما في الرافعي: الحصول، وفي الوسيط الأظهر: عدم الحصول في الثانية، وفي الوجيز الأظهر: عدم الحصول فيهما.
ثم على الأول [لا يملك] تسليم الشقص ما لم يسلم الثمن، وإن قلنا: في البيع يبدأ بالبائع.
وخرجه الإمام في الصورة الأولى على الخلاف في البيع.
ولو عدم قضاء القاضي [ورضا] المشتري، ووجد من الشفيع الإشهاد على الطلب واختيار الشفعة.
فإن قلنا: بعدم الحصول الملك مع قضاء القاضي فهاهنا أولى.
وإن قلنا: بالحصول ثم فهاهنا وجهان.
والفرق قوة قضاء القاضي.
ثم على القول بحصول الملك بقضاء القاضي أو الإشهاد، فإذا أخر الشفيع تأدية الثمن مقصراً من غير عجز، فهل يحكم ببطلان ملكه بعد جريانه أم يحتاج في إبطاله إلى الرفع إلى الحاكم؟ فيه وجهان في "النهاية" و"البسيط".
واختار القاضي منهما الثاني. وسلك في الوسيط طريقاً آخر فقال: إذا قلنا بحصول الملك بذلك، فقصر في أداء الثمن، بطل ملكه، لكن بطريق التبين أم بطريق الانقطاع؟
فيه وجهان:
ثم قال: [هذا] إذا رضي المشتري فإن أبى إلا أخذ الثمن، فهل يبقى خيار الشفيع إلى أن يسلم الثمن؟ فيه وجهان.
وقد حشا بعضهم على الوسيط فقال قوله: هذا إذا رضي المشتري [و] لم يظهر معناه [ومعناه: أن الخلاف الذي ذكره في [أن] الملك [يبطل] تبيناً أم انقطاعاً، شرطه طلب] المشتري ورضاه.
стр. 5150
أما إذا أبى ذلك فلا يبطل، لكن هل يكون للشفيع إبطاله ما لم يسلم الثمن؟ فيه الخلاف الذي ذكره.
والمذكور في "الإشراف" أن الامتناع من الأداء مع القدرة عليه هل يثبت [للمشتري] فسخ الاستشفاع أو يتعين حبس الشفيع إلى الوفاء؟ فيه وجهان.
فإذا عرفت ما قالوه فيما يحصل به الملك، تلخص لك منه وجهان:
أحدهما: لا يحصل إلا باللفظ وبذل الثمن أو تسليم الشقص، وعلى هذا لا بد من طلب المشتري؛ لأن القدرة على التملك لا تحصل بدونه أو نائبه، فلا يرد ما ذكرناه من السؤال.
والثاني: أنه لا يحصل إلا بذلك، أو باللفظ، وقضاء القاضي، أو الإشهاد، فيكون مخيراً في طلب واحد منها، ومن سلك ما خير فيه لم يعد مقصراً، نعم السؤال متوجه عليهم في الرد بالعيب.
فرع: إذا لقي الشفيع المشتري حين اطلع على الشراء في غير بلد الشقص المشفوع، فأخر الأخذ إلى حضورهما إلى بلد الشقص، بطل حقه لقدرته عليه، فلو أنكر المشتري الملك وكانت بينته في بلد الشقص فأخر إلى الحضور إليها؛ لم يبطل حقه لأنه معذور.
ثم البينة المكتفى بها رجل وامرأتان، أو رجل مع يمينه، ويسمع فيها شهادة السيد لمكاتبه كما حكاه في "الزوائد" عن القاضي في "المجرد"، وحكاه الإمام عن شيخه وقال: أراه هفوة غير معتد بها، فإن شهادة السيد لمكاتبه لا تقبل.
ولا خلاف في أن البينة إذا [شهدت له] بالملك ثبت حقه في الشفعة ولو شهدت له باليد دون الملك فهل يثبت [له] حق الشفعة؟ فيه وجهان في الحاوي.
والذي دل عليه كلام الشيخ أبي حامد وغيره في كتاب الصلح الثبوت، فإن الرافعي حكى عنه ثَمَّ أنه قال: لو ادعى رجل على رجلين داراً في يدهما، فأقر
следующие страницы →