Полный текст (9 685 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.
стр. 5076
والقديم: الرجوع.
وقد أغرب الماوردي، فحكى أنا إن قلنا في البيع الفاسد: لا يضمن إلا قيمة وقت القبض – أن ما يحدث من زيادة بعد القبض يختص الغاصب بتحملها، وكذا ما يحدث فيه من نقص، وعزا الأخير إلى رواية الربيع في الأم، ولعله أراد أن للمشتري الرجوع عليه بذلك، وإلا فالمودع من الغاصب يطالب بقيمة العين، وإن كان قد دخل على ألا يضمنها.
قال: وما لم يلتزم ضمانه، ولم يحصل له به منفعة، كقيمة الولد ونقصان الولادة، يرجع به على الغاصب؛ لأنه لم يرضَ به ولم يحصل له في مقابلته منفعة، فكان مغروراً بهن وما قاله الشيخ هو ما حكاه الإمام عن العراقيين، وحكى عن المراوزة القطع بأنه لا يرجع بنقصان الولادة، وفيما قاله مخالفة من وجهين:
أحدهما: أن القاضي الحسين من المراوزةن وقد قال بمثل ما حكاه الشيخ.
والثاني: أن أكابر العراقيين من القاضي أبي الطيب، والبندنيجي والماوردي، وصاحب البحر – قطعوا بعدم الرجوع بنقصان الولادة، لكن يمكن حمل ما قاله الشيخ، والقاضي على ما إذا سمنت في يد المشتري ثم زال السمن؛ بسبب الولادة كما صرح به صاحب رفع التمويه على التنبيه، وما قاله الماوردي وغيره، على ما إذا نقصت عن الحالة التي اشتراها.
وفي التتمة: أن الأستاذ أبا إسحاق الإسفراييني حكى طريقة [قاطعة] في شرح الفروع؛ أنه لا يرجع بقيمة الولد الحر؛ لأن نفع حرية الولد تعود إليه.
قال: وما حصل له به منفعة كالمهر، والأجرة، وأرش البكارة فقد قال في القديم: يرجع؛ لأنه دخل على أن ذلك لا يكون مضموناً عليه؛ كقيمة الولد، فكان غارًّا له فرجع عليه، وهذا ما قال في البحر: أن الفتوى به عندي.
قال: وقال في الجديد: لا يرجع؛ لأن الغاصب متسببن والمشتري مباشر، والضمان متعلق بالمباشر دون المتسبب؛ ولأنه [حصل] له في مقابلة منفعة؛
стр. 5077
فضمن بدلها بخلاف الولد، فإنه لم يحصل له في مقابلة قيمته بدل، ولا لذة، والخلاف المذكور يجري فيما لو كان المغصوب شاة، فنتجت، أو شجرة، فأثمرت، فذبح السخلة، وأكل الثمرة، هل يرجع بما غرمه عنهما أم لا؟ وكذا [فيما] لو أكره امرأة على التمكين من الزنى، وأكره رجلاً على الزنا، وقلنا بإمكانه فالرجل يغرم المهر، وهل يرجع به على المكره فيه؟ هذا الخلاف صرح به المتولي [وقد ألحق المتولي] أيضاً بمسألة الكتاب في الحكم ما إذا كان المغصوب داراً، فباعها [الغاصب]، ثم نقضها المشتري وبناها، فإن عليه رد العرصة، وما بين قيمتها مبنية، ومنقوضة، وعليه [ما بناه، و] أجرة مثلها من حين القبض إلى حين النقض، وأجرة العرصة إلى حين الرد، وليس عليه أجرة ما بناه فيها، وله أن يرجع على الغاصب بنقض التالف، ولا يرجع بقيمة الأجزاء، وهل يرجع بالأجرة؟ فيه الخلاف، وحكى الإمام، ومن تابعه في الرجوع بنقص التالف خلافاً، وإن ميل القاضي إلى الرجوع.
تنبيهان:
الأول: كلام الشيخ يقتضي أن محل الخلاف في الرجوع بالأجرة، إذا استوفى المنفعة، أما إذا لم يستوفها بل أوجبنا الأجرة عليه؛ لكون المنفعة فاتت تحت يده، فإنه يرجع بها وجهاً واحداً، وهو ما حكاه القاضي الحسين، وحكاه في البحر عن بعض الأصحاب، وحكى عن بعضهم انه لا فرق بين أن يستوفي المنفعة، أو تفوت تحت يده، و [الذي] صححه الرافعي الأول.
وحكى المتولي الخلاف أيضاً وأجراه فميا لو تلفت السخلة التي أنتجتها الشاة تحت يده، أو لبنها ولو برضاع ولدها، وكذا الثمرة الحاصلة من الأشجار المبيعة.
الثاني: قول الشيخ كالمهر وأرش البكارة فيه نظر؛ لأنا قد حكينا فيما
стр. 5078
[يجب عليه] إذا وطئ البكر ثلاثة أوجه:
أحدها: مهر بكر، وأرش البكارة.
والثاني: مهر [ثيب]، وأرش البكارة.
والثالث: مهر بكر، لا غير.
وعلى كل حال، فلا يتجه [أن يرجع] بأرش البكارة؛ لأنا إن أوجبنا مهر بكر وأرش البكارة، أو مهر ثيب، وأرش البكارة، فقد جعلنا إزالة البكارة جناية على الجزء، وقد تقدم أن الأجزاء إذا ضمنت لا ترجع بغرامتها، وإن قلنا: مهر بكر لا غير فلا أرش يغرم حتى يرجع به؛ ولأجل هذا جزم الماوردي، والقاضي أبو الطيبن والبندنيجي بعدم الرجوع بأرش البكارة، وغاية الممكن في توجيه ما ذكره الشيخ، كما حكاه المتولي وجهاً بعد حكايته ما حكيناه عن القاضي المذهب أن الشراء [يضمن تسليط المشتري] على تفويت البكارة؛ فلأنه لا يتمكن من الاستمتاع إلا بتفويت البكارة، فنزلت تلك الجلدة منزلة منفعة البضع.
فرع: إذا وهب الغاصب الجارية المغصوبة لإنسان، فأتت منه بولد، هل يرجع بقيمته على الغاصب؟
حكى الرافعي فيه وجهين على قولنا: يرجع بقيمته إذا أتت به في مسألة الكتاب.
ووجه الفرق: أن الواهب متبرع، والبائع ضامن سلامة الولد بلا غرامة، وما قاله لا يصح؛ لأنه حكى في البيع الفاسد أن المشتري يغرم قيمة الولد، [ويستقر عليه، ولو كان البائع ضامناً لسلامة الولد لما رجع بقيمته] إذا كانت الجارية له على أنا حكينا، [ثَمَّ] عن القاضي ما يمكن أن يدفع به هذا السؤال.
[آخر: لو كان المشتري قد بنى وغرس فيما اشتراه؛ للمالك إجباره على القلع؛
стр. 5079
قال الماوردي في كتاب الإقرار: وللمشتري إن كان جاهلاً بالحال [أن] يرجع على البائع بما بين قيمة غراسته وبنائه قائماً ومقلوعاً، وبما غرم من نقص الأرض بالقلع؛ لأنه ألجأه بالغرور إلى ذلك، وحكاه عن الشافعي].
قال: وإن ضمن الغاصب فكل ما رجع به المشتري على الغاصب –أي؛ كقيمة الولد، ونقصان الولادة على زعمه لم يرجع به [الغاصب] أي علي المشتري لعروه عن الفائدة؛ فإنه لو أخذ منه شيئاً لاسترده منه.
قال: وكل ما لم يرجع به المشتري [على الغاصب] أي كقيمة العينن والأجزاء من حين قبض العين إلى حين التلف يرجع به على الغاصب لأن قرار الضمان على المشتري فيرجع عليه، أما إذا ضمن الغاصب قيمة يوم الغصب، لكونها أكبر قيمة من يوم قبض المشتري فلا يرجع بالقدر الزائد على المشتري؛ لأنه لم يدخل في ضمانه؛ فلهذا لا يطالبه به ابتداء.
فروع:
لو أجر [الغاصب] المغصوب وسلمه؛ كان للمالك مطالبة أيهما شاء، فإذا غرم المستأجر الأجرة لا يرجع بها قولاً واحداً، ويرجع بالثمن.
وإن غرم قيمة العين والأجزاء رجع بهما قولاً واحداً، [وهو ما] جزم به الروياني.
[و] في الوسيط: أن العراقيين قالوا: إن يد المستأجر والمرتهن هاهنا كيد العارية؛ لأن لهم غرضاً في أيديهم؛ بخلاف المودع والوكيل بغير جعل إذا زوج الجارية المغصوبة وغرمه المالك أجرة المنفعة فهل يرجع بها؟ ينظر: إن استوفاها فلا، وإلا فنعم.
وإن غرمه قيمة العين رجع بها، فإن غرمه المهر لم يرجع به؛ لأنه دخل في
стр. 5080
العقد على أنه يتقوم عليه.
قال القاضي الحسين، والمتولي وغيرهما: ويخالف المغرور بالحرية إذا بَانَ للمغرور حقيقة الحال بعد الوطء وفسخ، فإنه يرجع بالمهر على القول القديم.
والفرق: أنه ملك المحل وحصلت له تلك المنفعة، وهو إنما بذل المهر على أن يتأبد له البضع، وقد بان معيباً، ولا يلزم الرضا بالمعيب، وإذا فسخ فمقتضى الفسخ بالعيب استرجاع البدل فرجع به وهاهنا لم يملك المحل، وقد دخل في العقد على أن يتقوم عليه فينظر أن لو كان ممن لا يحل له نكاح الإماء؛ فإن العقد باطل، ولا يرجع بالمهر.
قال: وإن كان المغصوب طعاماً، فأطعمه إنساناً، فإن قال: هو مغصوب، فضمن الغاصب، رجع به على الآكل؛ لفقد سبب الضمان، وهو الغرور مع دخوله على أنه يضمن؛ فإن ضمن الآكل لم يرجع [به] على الغاصب؛ لأنه غاصب استهلك ما غصبه.
قال: وإن قال هو لي فضمن الغاصب لم يرجع [به] على الآكل خلافاً للمزني؛ لأنه أقر بأن المدعي ظلمه بما أخذه منه فلا يرجع [به] على [غير] من ظلمه.
قال: وإن ضمن الآكل رجع في أحد القولين؛ لأنه دخل على أنه لا يغرم، وقد غرم مستنداً إلى تغرير الغاصب فيرجع عليه، وهذا هو القديم، ويروي في بعض كتب الجديد.
قال: ولا يرجع في الآخر وهو الأصح؛ لأنه أتلفه في منفعة نفسه والغاصب منكر للغرور، فإنه يدعي أنه قدم إليه ملكه.
قال: وإن قدمه إليه، ولم يقل: هو لي أو مغصوب؛ ضمن الآكل – رجع في أحد القولين دون الآخر. وتعليلهما ما ذكرناه.
стр. 5081
وحكى الماوردي عن البصريين من أصحابنا أنهم جزموا بالرجوع هاهنا، وحكوا الخلاف فيما إذا وهب الطعام منه وأقبضه إياه [فأكله، وفرقوا بأن] استهلاك الأكل بإذن الغاصب حصل فرجع عليه، [واستهلاك الموهوب له [حصل يوم إذن الغاصب] فلم يرجع عليه]، وهذه الطريقة تؤخذ من كلام المتولي؛ فإنه جعل الخلاف في الهبة مرتباً على الخلاف في التقديم، وأولى بالرجوع، والأصح في الكل عدم الرجوع، وسكوت الشيخ عنه في هذه المسألة استغناء بما ذكره فيما إذا قال هو: لي، فإن التغرير فيه أبلغ، ومع هذا لم يكن سبباً للرجوع، وكان فيما دونه من طريق الأولى.
فرع: لو اختلفا في العلم بالحال والجهل به.
قال الماوردي: إن قال الواهب: علمت أنه مغصوب من غيري، فالقول قول الموهوب له، وإن قال: أعلمتك حال الهبة أنه مغصوب، فالقول قول الواهب؛ لأنه زعم فساد الهبة.
قال: وإن ضمن الغاصب، فإن قلنا: لا يرجع الآكل على الغاصب، رجع الغاصب؛ لاستقرار التلف تحت يده، وتخالف المسألة [التي] قبلها؛ لأنه ثَمَّ اعترف بأنه مظلوم بما [غرمه فيؤاخذ] بإقراره.
قال: [وإن قلنا: يرجع الآكل؛ لم يرجع الغاصب لعرو ذلك عن الفائدة، ثم لا يخفى أن محل ما ذكرناه من الرجوع على الآكل إذا كان حرًّا مكلفاً، أما لو كان عبداً، أو بهيمة، فإن كان ذلك بغير إذن مالكها؛ فهو مضمون على الغاصب وحده فيرجع به عليه، ولا يرجع به على مالك البهيمة والعبد، ولا يتعلق برقبتهما [شيء] قاله الماوردي.
وقال الرافعي وغيره: ما أكله العبد هل يتعلق برقبته؟ يخرج على الخلاف إن قلنا [إنه] يرجع به على الحر فقد جعلنا ذلك بمنزلة الجناية، يتعلق ذلك
стр. 5082
برقبة العبد وألا فلا، وإن كان أطعمها بإذن [مالكها]، فإن علم عند أمره أنه مغصوب فهو مضمون عليه وقرار الضمان عليه وإن لم يعلم فإن سلمه إليه حتى تولى هو إطعام البهيمة والعبد؛ كان في حكم الموهوب له، فإن لم يسلمه إليه كان في [حكم] الآكل.
فرعان:
[أحدهما]: إذا غصب شاة وأمر قصَّاباً فذبحها جاهلاً بالحال، كان قرار الضمان على الغاصب.
قال الرافعي: ولا يخرج على الخلاف في أكل الطعام؛ لأنه ذبح للغاصب وهناك [انتفع لنفسه].
قال البندنيجي: وكذا [في كل] ما استعان به الغاب [غيره] كطحن الحنطة، وخبز العجين وقطع الثياب ونحو ذلك.
الثاني: لو أمر الغاصب إنساناً بإتلاف المغصوب بقتل، أو كسر، أو حرق ففعل، ولم يعلم أنه مغصوب فغرمه المالك؛ ففي رجوعه على الآمر خلاف مرتب على الخلاف في الإذن في أكل الطعام وأولى بعدم الرجوع؛ لأن الإتلاف لا يباح بالإباحة؛ بخلاف الأكل، صرح به القاضي الحسين، والمتولي.
قال: فإن أطعم المغصوب منه [المغصوب] وهو يعلم برئ الغاصب؛ لأنه استهلك مال نفسه باختياره، مع علمه بالحال.
قال: وإن لم يعلم ففيه قولان:
أحدهما: يبرأ لأنه أتلف مال نفسه؛ فأشبه ما لو كان عالماً وهذا ما رواه الربيع.
قال: والثاني لا يبرأ لأنه أزال يده وسلطانه ولم يفد ذلك بتقديمه إليه؛ فلم يحصل التسليم الواجب، وهذا هو المنصوص وجعل القاضي الحسين والرافعي
стр. 5083
أصل الخلاف في هذه المسألة الخلاف في [أن] قرار الضمان على الآكل إذا كان أجنبياً أم لا؟
فإن قلنا: لم يستقر عليه برئ الغاصب هاهنا وألا فلا، ومن هذا يظهر أن الصحيح أنه يبرأن كما صرح به ابن يونس وغيره.
و [قد] حكى الإمام عن الأصحاب أنهم رأوا أن البراءة هاهنا أولى من الاستقرار هناك؛ لأن تصرف المالك في ماله بالإتلاف يتضمن قطع علقة الضمان عن الغاصب، لكن القول بعدم البراءة هو الذي صححه في "البحر".
وحكى عن البصريين [أنهم قطعوا به] فيما إذا قال للمالك: كله، وكلام ابن الصباغ وغيره من العراقيين يرشد إليه، فلو لم يطعم الغاصب المالك الطعام لكن المالك أكله على أنه طعام الغاصب برئ وجهاً واحداً، صرح به المتولي، وما ذكرناه من الخلاف والوفاق، [و] في مسألة الكتاب يجري فيما لو أودع المغصوب من المالك، أو رهنه عبدهن أو أجره منه فتلف في يده كما صرح به الماوردي وغيره، وقد يظهر من هذا أن الخلاف في مسألة الكتاب مادته الخلاف في قرار الضمان [على الآكل إذا كان أجنبيًّا، فإن الوديعة لا خلاف أن قرار الضمان] فيها على الغاصب، وإن أجرى العراقيون في قرار الضمان على المرتهن والمستأجر وجهين، وعلى كل حال فالمذهب في هذه الصورة عدم البراءة؛ كما صرح به الرافعي ولو باعه من المالك، أو أعاره، أو أقرضه برئ اتفاقاً، وكذا إذا أسامه.
ولو كان المغصوب عبداً فأعتقه المالك بوكالة الغاصب له فهل يعتق؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم؛ لمصادفة ملكه، كما لو أعتق عبد غيره بزعمه في ظلمة
стр. 5084
[مثلاً] فإذا هو عبده.
والثاني: لا؛ فإنه هاهنا سفير في العبارة، وهذا ما نسبه ابن الصباغ إلى رواية الشيخ أبي حامد، وعلى الأول هل يبرأ الغاصب وجهان:
أصحهما: في الرافعي أنه يبرأ، وفي "البحر": [الأصح] خلافه.
ولو كان المغصوب جارية فزوجها من المالك فأولدها نفذ الاستيلاد قطعاً وبرئ الغاصب وشبب بعض الأصحاب بالخلاف [فيه، كذا قاله الإمام، وفي البسيط، وظاهره يوهم أن الخلاف] في البراءة لا في نفوذ الاستيلاد.
وفي "الوسيط": صرح بأن التشبيب في الاستيلاد.
ولو قال للمالك: أعتق هذا العبد عني فالمذهب أنه لا يقع عنه.
وفيه وجه حكاه المتولي أنه يقع عنه، كما إذا باع مال أبيه على ظن أنه حي [فإذا هو ميت]، فإن العتق يتضمن التمليك، وعلى المذهب هل يعتق [على] المالك؟ فيه وجهان.
قال: وإن رهن المغصوب منه المغصوب من الغاصب لم يبرأ من الضمان [أي] إلا بأن يقبضه، أو نائِبه ثم يعيده إليه، خلافاً للمزني؛ لقوله ﷺ : "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تْؤَدِّيَهُ" والمعنى على اليد ضمان ما أخذت؛ [حتى تؤديه] ولا يمكن إضمار: رد ما أخذت فإنه لو كان مراداً لما قال: حتى تؤديه؛ ولأنه عقد لا يمنع طريان الضمان عليه فوجب ألا ينافي ضماناً سابقاً [له]، كما لو استأجر المالك الغاصب ليخدم العبد المغصوب كذا قاله القاضي أبو الطيب، ولأن الرهن لا ينافي الضمان؛ بدليل ما لو رهنه شيئاً فتعدى فيه؛ فإنه لا يبطل الرهن، فإذا لم ينافه فلا يكون متضمناً زواله كما في حال الاستدامة، واعترض الإمام في كتاب الرهن على قياس رهن المغصوب على
стр. 5085
تعدي المرتهن بأن طرآن العدوان سببه إحداث المرتهن ما لم يكن له أن يحدثه، وليس يشبه هذا إذن المالك للغاصب في الإمساك، ثم قال: ومن لا يستشعر غموض هذه المسألة فليس من الفقه في شيء، فإن سبب ضمان الغاصب عدوانه، وقد انقطع باذن بالإمساك في جهة غير مضمونة.
فإن قيل: لو رهن المعير العين المعارة من المستعير – زال عنه الضمان على أحد الوجهين، فهلا كان هنا مثله؟!
قلنا: الخلاف في براءة المستعير من ضمان العاريَّة، وعدم البراءة مبني كما حكاه المتولي هاهنا، والماوردي في كتاب الرهن على أن العارية هل تبطل بالرهن أم لا، ومن جزم بعدم بطلان العارية بالرهن، وهو ابن الصباغ – خصَّ محل الخلاف في البراءة وعدمها بما إذا رجع المعير في العارية.
وإذا كان كذلك فضمان العارية إنما كان بسبب الارتفاق والانتفاع بملك الغير لا عن استحقاق وقد زال، وهاهنا الضمان ضمان يد، واليد قائمة حساً ومشاهدة، وهذا ما أشار إليه المتولي.
قال: وإن أودعه إياه فقد قيل يبرأ لأن الوديعة تنافي الضمان؛ فكانت متضمنة للبراءة، هذا ما ذهب إليه أبو علي الطبري وأكثر الأصحاب؛ كما حكاه القاضي أبو الطيب في كتاب الرهن.
وقيل: لا يبرأ [كما لو رهنه منه] وهذا قول [ابن أبي هريرة]، وهذا الخلاف قريب الشبه من الخلاف فيما إذا تعدى المودع في الوديعة، ثم أحدث له استئماناً أو هو هو، ولا خلاف في أنه لو باعه منه سقط حكم الضمان، ولو أجره أو أوصى [له] بمنفعته ومات.
وقيل: قال المتولي فيه وجهان:
أحدهما – وهو الذي قال به العراقيون -: أنه لا يبرأ.
والثاني – وهو اختيار القفال -: أنه يبرأ؛ لأن منفعة يده عائدة للآجر؛ لأنه
стр. 5086
يستحق الأجرة، والثواب في الوصية قائم مقام الأجرة.
ورتب الماوردي في تكاب الرهن الخلاف في [الغاصب بالإجارة على الخلاف في] براءته بالإيداع، وقال: الأولى البراءة؛ لأن الإجارة صنف من البيع، والإمام ثَمَّ رتبه على الوديعة، لكن قال: الأولى ألا يبرأ، وقال: لو وكله في بيعه من غير أن يستحفظه إياه؛ ففي براءته من الغصب الخلاف في الإجارة وأولى بألا يبرأ.
قال الغزالي: لأنه كالمستأجر فيه [إلا أن غرض المالك هاهنا في اليد أظهر، ونوقش في ذلك؛ لأن هذا يقتضي حصول البراءة.
وجوابه أنه لما قال: إنه كالمستأجر [فيه]] اقتضى أنه لا يبرأ جزماً، كما حكيناه من قبل عند الكلام في الرهن منه، ثم ذكر مستند الخلاف، وهو أن غرض المالك في اليد أظهر، وقد ذكرت في أواخر الوكالة شيئاً يتعلق بذلك، فليطلب منه.
ولو ضارب المالك الغاصب على المال المغصوب فثلاثة أوجه في الحاوي -:
ثالثها: وهو الأصح عنده أنه لا يبرأ ما لم يتصرف، وإذا تصرف فإن وقع عقده بعين المال سقط عنه الضمان بتسليمه، وإن وقع على ما في الذمة ثم نقد الثمن لم يبرأ.
والفرق: أنه إذا اشترى بعين المال صار دافعاً للمال إلى مستحقه عن إذن مالكه؛ فبرئ من ضمانه وإذا اشترى في ذمته صار قاضياً لدين تعلق بذمته، لم يبرأ من الضمان.
فرع: إذا كان المغصوب منه حاضراً فطالبه الغاصب بقبض ماله وجب عليه، فإن امتنع أناب الحاكم من يقبضه عنه، ولو كان غائباً فقبضه منه.
стр. 5087
الحاكم برئ، لكن هل يجب على الحاكم قبضه؟ فيه وجهان في "التتمة".
قال: وإن فتح قفصاً عن طائر فوقف ثم طار لم يضمن؛ لأن الطير له اختيار بدليل توقيه المكاره وطلبه الرعي، وقد وجد من الفاتح سبب غير ملجئ، ومن الطائر مابشرة فرجحت على السبب غير الملجئ واحترزنا بالسبب [غير الملجئ] عن المكره وشهود الزنا ونحوهما، وهذا ما حكاه العراقيون، وحكى صاحب التهذيب وغيرهم طريقة أخرى بجريان قولين في الضمان، ونسب في"التهذيب" قول الضمان إلى القديم.
وغلَّط [الروياني] في البحر من صار إلى وجوب الضمان.
وحكى الرافعي [عنه، وعن الشيخ] أبي خلف السلمي [ونحوهما] اختيار وجوب الضمان، فعلى هذا لو دخلت هرة إلى القفص [وقتلت الطائر عقيب الفتح أو سقط القفص] بسبب خروج الطائر فتكسر، أو كسر الطائر بطيرانه شيئاً؛ ضمنه الفاتح؛ لان فعل الطائر على هذا القول منسوب إليه؛ كذا حكاه الرافعي عما جمع من "فتاوى القفال".
وقياس ما ذكره العراقيون صريحاً في إفساد الدابة الزرع والعلق أنه لا يضمن كما ستعرفه من بعد.
قال: وإن طار عقيب الفتح أي من غير تهييج ففيه قولان: أصحهام: أنه لا يضمن؛ لأنه طار باختياره فأشبه ما لو وقف ثم طار، وقد وافق الشيخ في هذا التصحيح القاضي أبو الطيب.
стр. 5088
والقول الثاني: أنه يضمن؛ لأن من طبع الائر النفور ممن قرب منه، فإذا طار عقيب الفتح عرف أن طيرانه لنفوره، فصار كما لو نفّره.
وقد حكى في "التهذيب": أن هذا القول هو القديم، والذي حكاه القاضي أبو الطيب، والبندنيجي أن النص في القديم: أنه لا يضمن مطلقاً.
وحكى في البحر أن ظاهر ما نقله المزني وجوب الضمان، وبه قال أكثر الأصحاب واختاره [الشيخ] أبو إسحاق، وابن أبي هريرة.
وفي "المرشد" وقال الرافعي: إنه الصحيح، وحكى عن بعضهم القطع به، وحكى طريقة أخرى؛ وهي أن خروج الطائر إن كان من غير [اضطراب] فلا ضمان، وإن اضطرب عقيب الفتح ثم خرج ضمن؛ لأنه يدل على [فزعه ونفرته]، ولو كان الطائر في أقصى القفص فأخذ يدب قليلاً قليلاص ثم [طار]، قال القاضي الحسين: حكمه حكم ما لو طار عقيب الفتح، ولا خلاف أنه إذا نفّر الطائر بعد الفتح ضمن، وادعى الماوردي فيه الإجماع، وحكم حل [رباط] الدابة أو فتح باب الإصطبل عنها إذا خرجت عقيب الفتح او شرعت في المشي من أقصى الإصطبل إلى أن خرجت، [أو خرجت] بعد الفتح بساعة وضاعت – حكم فتح القفص.
وحكى الإمام عن شيخه أنه [إن] كان تسبب بالفرق بين الحيوان النافر بطبعه وبين انسيِّ، وأنه جعل خروج [الإنسيِّ] على الاتصال؛ كخروج النافر على الاتصال وقال: إنه منقاس، وحخكم حل قيد العبد المجنون وفتح باب السجن عنه [حكم] حل رباط البهيمة فيما ذكرناه، كذا قاله الغزالي
стр. 5089
[وغيره] من المراوزة، وإطلاق الماوردي يقتضي أنه لا ضمان وكذلك الروياني ووجهه بأنه لا يستمسك بالقيد عرفاً، وأبدى [الروياني] الضمان احتمالاً لبعض الأصحاب.
ولو كان العبد عاقلاً؛ نُظر إن لم يكن آبقاً فلا ضمان، وكذا لو كان آبقاً على الصحيح، ومنهم من جعل حل قيده كحل قيد البهيمة، وهو ما حكاه القاضي الحسين وتابعه صاحب التهذيب فيأتي فيه التفصيل السابق.
فرعان:
أحدهما: إذا فتح مُرَاح الغنم فخرجت ليلاً فرعت زرعاً للغير، فإن كان الفاتح المالك وجب عليه الضمان، وإن كان غيره فلا ضمنا عليه عند العراقيين، وبه جزم في "البحر"؛ لأنه لا يجب عليه حفظها بخلاف المالك.
وعن القفال: أنه يضمن [الثاني]: إذا حّل دابة مربوطة عن علف أو شعير فأكلته؛ لم يضمنه؛ لأن الدابة هي المتلفة دونه، وكذا لو كسرت إناء [في الدار] لم يضمنه.
قال الماوردي: سواء اتصل ذلك بالحلِّ أو انفصل عنه
قال: وإن فتح زقًّا فيه مائع فاندفق ما فيه أي في الحال ضمن؛ لأنه محفوظ بوكائه، وحله له سبب تلفه، ولا شيء بقطعه فتعلق الحكم به، وكذا لو اندفق بعضه فابتل أسفله أو ثقل به أحد جانبيه فسقط وذهب ما فيه [ضمن]؛ لأن فعله سببه.
وقيل: إن كان المالك حاضراً أو أمكنه التدارك لكون الخارج شديداً [فلم يفعل] فلا ضمان، ويخالف ما لو قتل عبده، أو حرق ثوبه، وأمكنه منعه من ذلك ولم يفعل حيث يجب الضمان؛ لأن القتل والتحريق مباشرةٌ، وحل
стр. 5090
الوكاء سبب [، والسبب] يسقط حكمه مع القدرة على الامتناع منه؛ كمن حفر بئراً فمر بها إنسان وهو يارها ويقدر على اجتنابها، فلم يفعل حتى سقط فيها؛ فإنه لا يضمن، كذا قال في البحر.
قال: وإن بقي ساعةً، ثم وقع بالربح، أو ما في معناه من زلزلة أو سقوط طائر عليه فسال ما فيه لم يضمن، لأنه لم يوجد الخروج بفعله ولا بسبب فعله.
قال ابن الصباغ: وهكذا الحكم فيما لو لم يعلم كيف سقط، وحكم حل السفينة وغرقها عقيبه أو بعد ساعة بسبب [حادث أو] الربح، أو نحوه حكم [حل] الزق الذي فيه المائع، فلو غرقت بعد الحل ولم يظهر سبب حادث؛ ففي التهذيب والمهذب وغيرهما في وجوب الضمان وجهان.
قال في الحاوي [والبحر]: ويخالف مسألة الزق فإن الماء أحد المتلفات.
والرافعي قال: إن الخلاف جارٍ في مسألة الزق.
قال:- وإن كان ما فيه جامداً فَذَابَ بالشمس وخرج، أي وكان الزق على صفة لو كان [ما] فيه ذائباً لخرج عقيب الفتح ضمن؛ لأن [الشمس لا] توجب خروجه بل تذيبه، والخروج بسبب فعله فضمن؛ كالمائع.
وقيل: لا يضمن؛ لأن خروجه إنما حصل بعارض الشروق فأشبه هبوب الريح.
قال: -وليس بشيء لما ذكرناه، [مع ان] الشمس يعلم شروقها فيكون الفاتح معرضاً لما فيه للشمس، وذلك تضييع بخلاف هبوب الريح؛ فإنه ليس مما ينتظر.
وعن القاضي الحسين: إجراء الوجهين فيما إذا أزال اوراق الكرم وجرد
стр. 5091
عناقيده للشمس حتى أفسدتها، وأجريا أيضاً فيما إذا ذبح شاة [إنسان] فهلكت سخلتها، أو حمامة فهلك فرخها لفقدان ما يصلحهما، وأجراهما المتولي أيضاً فيما لو كان لإنسان زرع، ونخل وأراد سوق الماء إليهما فمنعه ظالم من السقي حتى فسدت، وكذا أجريا فيما لو نقل صبياً إلى مسبعة فافترسه سبع، أو إلى أرض محواة فنهشته حية، لكن الأظهر [منهما] هاهنا عدم الضمان، وهو ما حكى الإمام أنه نص الشافعي، والغزالي جعله ومسألة الشمس سواء، ولا خلاف أنه لو حمله إلى مضيعة فاتفق أن سبعاً افترسه فلا ضمان.
فرعان:
أحدهما: -لو كان [ما] في الزق جامداً فحله [واحد] وقرب آخر منه ناراً فخرج، فقد قيل: لا ضمان على واحد منهما، وإن قلنا: إنه إذا خرج بالشمس يضمن الحال.
قال في الحاوي:- لأن طلوع الشمس معلوم فصار كالقاصد له، ودنو النار غير معلوم فلم يصِرْ قاصداً له.
وقيل: يجب الضمان، على المقرب للنار، وهو ما اختاره في المهذب، وجعله الرافعي الأظهر، والغزالي الأصح، وأجرى الرافعي الوجهين فيما لو قرب الفاتح النار منه.
وقال في البحر، [والحاوي]: إنه يضمن وجهاً واحداً.
стр. 5092
الثاني: - إذا فتح زقًّا مستعلى الرأس وما فيه شديد فنكسه آخر حتى يسرع خروج ما فيه، فقد قيل: يشتركان في ضمان الخارج بعد التنكيس.
وقيل: يختص به النمكس، وهو الأصح في الرافعي؛ لأنه كالذابح مع الجارح.
تنبيه: الزق: السِّقاء، وجمعه في القلة: أزقاق، وفي الكثرة زِقاق، [وزُقَّاق] – بضم الزاي -؛ كذئب وذئاب [وذؤبان].
قال: -وإن سقي أرضه فأسرف أي جاوز ما يكفي أرضه في العادة؛ لأن الإسراف مجاوزة الحد حتى هلك أي أتلف أرض غيره أو أجَّج ناراً أي تلهبها وأشعلها على سطحه فأسرف حتى تعدَّى إلى سطح غيره [فأحرقه] ضمن لتعديه بالإسراف، وكذا لو لم يسرف في النار، لكنه أوقدها في قوت هبوب الرياح، وكلام القاضي الحسين في باب وضع الحجر يفهم أن في هذه الحالة خلافاً؛ فإنه حكى عن [بعض] الأصحاب فيما إذا أشعل ناراً في ملكه فطارت منه شرارة [فأحرقت أرض] الغير – انه لا ضمان، ثم قال: وقال القفال: إن كان ذلك في وقت هبوب الرياح، وفي [ظلمة الليل] وجب الضمان، وإلا فلا.
وفي الحاوي في باب الصائل على البهائم: أنه إذا أحرق بالنار حشيشاً في أرضه فتعدت فأحرقت زرع غيره، فإن كان زرع الغير [غير] متصل بالحشيش؛ فلا ضمان [وإن كان [الزرع] متصلاً بالحشيش المحرق، فإن كانت الريح مصروفة عن جهة الزرع؛ لهبوبها إلى غره فلا ضمان]، وإن كان هبوبها في جهة الزرع ففي الضمان وجهان:
وجه الوجوب: أن من طبع النار أن تسري إلى جهة الريح.
стр. 5093
ووجه المنع: [أن هبوب الريح] ليس من فعله، وقال فيما إذا أرسل الماء في أرضه فخرج إلى أرض غيره فأفسدها، وكان الذي أرسله أكثر من قدر حاجة أرضه وقدر على حبسه؛ ففي الضمان وجهان:
وجه المنع: أن الجار قد كان يقدر على الاحتراز منه [بحظيرة تصد] عنه، أما إذا سقى [أرضه] من غير إسراف؛ كما إذا سقى أرضه بما تحتمله عادة فتعدى إلى أرض غيره، أو أوقد في وقت سكون الريح ما يحتمله سطه ثم عصفت الريح فشرع في طفيها [فتعدت] فأحرقت فلا ضمان؛ لعدم التفريط.
ولو كان في أرضه نقبة فسقى أرضه من غير إسراف فنفذ من النقبة إلى أرض غيره.
قال البندنيجي: إن [علم بها] فلم يسدها ضمن، وإن لم يعلم بها لم يمضن.
وقال القاضي الحسين: انه يضمن سواء علم بالنقبة أو لم يعلم؛ لأنه مفرط حيث لم يطالع ولم يسد، وكذا لوكانت ارضه مستعلية فقاها فخرج ماؤها إلى أرض غيره ضمن ما لم يسدها على ما جرت [به] العادة.
فرع: لو شككنا في أن الساقي أو الموقد أسرف أم لا؟ قال الإمام: لا ضمان.
ولو غلب على الظن مجاوزة الحد من غير قطع [به] قال: أمكن تخريجه على غلبة الظن في النجاسات.
قال: -فإن غصب حرًّا على نفسه لزمه تَخلِيَتُهُ ليبرأ من ظلمه.
[قال]: فإن استوفى منفعته ضمن الأجرة [بعدوانه بإتلاف متقوم، وإن حبسه مدة أي ولم يستوف له منفعة ضمن الأجرة]؛ لأنها منفعة تضمن
стр. 5094
بالأجرة فضنت بالغصب، كمنفعة العبد، وهذا ما يحكي عن ابن أبي هريرة.
وقيل: لا يضمن؛ لأن الحر لا يدخل تحت اليد [فمنافعه تفوت تحت يده] بخلاف العبد، وهذا هو الأصح في الرافعي وبه قال جمهور الأصحاب كما حكاه الماوردي، وبنى الغزالي الخلاف على أن الحر [هل] يدخل [تحت] اليد أم لا؟
قال الرافعي: ولم أر ذلك لغيره ولا خلاف في أن أم الولد، والمكاتب إذا [حبسها حتى] مضت [مدة] لمثلها أجرة ضمن أجرتها؛ سواء استوفاها أو فاتت تحت يده.
فرع: لو نقل حرًّا صغيراً، أو كبيراً بالقهر من موضع إلى موضع آخر، فإن لم يكن [للمنقول غرض في] الرجوع إلى الموضع الأول فلا شيء على الناقل، وإن كان له [فيه] غرض واحتاج إلى مؤنة فهي على الناقل؛ لتعدِّيه قاله المتولي.
ولو كان على الحر الصغير ثياب وحلي فهل يضمنها الغاصب؟
قال القاضي الحسين: يحتمل وجهين:
أحدهما: لا يضمن؛ لأنه إذا لم تثبت يده عليه لا تثبت يده على ما معه.
والثاني: يضمن؛ لأن يده ناقصة.
قلت: وهذا الخلاف [كالخلاف] الذي حكاه الشيخ فيما إذا سرق حرًّا صغيراً وعليه حلي يساوي نصاباً؛ هل يقطع [أم لا؟] [أو] هو هو.
قال: وإن غصب كلباً فيه منفعة لزمه رده لاستحقاق صاحبه منافعه مع عموم قوله ﷺ : "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيهَ" وتكون مؤنة الرد على الغاصب،
стр. 5095
فلو استوفى منفعته فهل يضمن أجرته؟ فيه وجهان ينبنيان على جواز إجارته.
قال الإمام في باب بيع الكلاب: والذي أراه تصحيح الإجارة، فإ لم نصححها؛ فالوجه عندي إثبات أجرة المثل، فإنها منافع مقصودة [تطلب بالأموال]، فإن امتنعت الإجارة لتغليظ شبه المنع من التعامل على [الكلاب فلا] وجه لتعطيل منفعته، ولو اصطاد الغاصب [به]، فالصيد للغاصب على وجه، كما لو اصطاد بشبكة مغصوبة، وهو الأصح في النهاية وغيرها، وللمغصوب منه على وجه، كما لو اصطاد بالعبد المغصوب؛ لأن للكلب اختياراً، وعلى هذا هل يلزهم أجرة مثل الكلب في [مدة الاصطياد]؟
وإذا قلنا بوجوبها، فلو استعمله لنفسه ففيه وجهان:
وجه الوجوب: القياس [على] ما لو غصب بذراً وأرضاً من واحد فزرعه فيها، فإن الزرع لمالك البذر [والأرض، وعليه مثل البذر] وأجرة الأرض وإن صرفت منفعتها لفائدة مالكها، وهذا الخلاف يجري فيما لو غصب صقراً فاصطاد به.
فائدة: منفعة الكلب تكون بالاصطياد وحفظ الزرع، والماشية، واقتناؤه لذلك جائز، وهل يجوز لحفظ البيوت فيه وجهان:
ظاهر النص منهما: الجواز.
وأما الكلاب التي لا تصلح لذلك فلا يجوز افتناؤها؛ لقوله ﷺ : "من اقتنى كلباً ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا أرض [فإنه ينقص] من أجره
стр. 5096
قيراطان" خرجه مسلم.
قال الإمام: وأجمع الأصحاب على أنه نهي تحريم، واقتناء الجرو الصغير الصالح للمنافع [المذكورة] عند كبره هل يجوز؟ فيه وجهان؟
واقتناء كلب الصيد، والماشية، والزرع لمن لا غرض له في ذلك في الحال ويتوقعه في المآل فيه وجهان، أجراهما الشيخ أبو حامد، كما حكاه ابن الصباغ في جواز اقتناء كلب الصيد، وإن لم يصطد به.
قال: وإن غصب خمراً من ذمي أي ولم يكن قد أظهرها [فيما] بين المسلمين وجب ردها عليه؛ لأنه مقر على الانتفاع بها.
وفي الجيلي حكاية وجه: أن الواجب عليه تمكينه [منها]، وهذا ما حكاه الإمام عن المحققين قبيل كتاب الصيد والذبائح، وإن الأول كان يقطع به شيخه، وأثر الخلاف يظهر في مؤنة الرد.
أما إذا أظهرها للمسلمين ولو للبيع أريقت ولا ترد إليه.
قال: وإن أتلفها لم يضمن [أي] سواء كان المتلف مسلماً، أو ذميًّا؛ لأنها شراب مسكر فوجب ألا يستحق على [متلفها] قيمة لكافر، كما لو أتلفها على مسلم، ولأن ما أبيح الانتفاع به [من الأعيان] إذا لم يملك الاعتياض عنه؛ كالميتة فما حرم الانتفاع به من الأعيان النجسة؛ كالخمر والخنزير أولى ألا يملك الاعتياض عنها؛ و [لأنه لو ضمن بدلها] للكافر أدى إلى تفضيله على المسلم بسبب كفره وذلك ممتنع.
стр. 5097
قال: وإن غصبها من مسلم أراق؛ لأن النبي ﷺ : "أمر أبا طلحة بإراقة ما كان عنده من خمور الأيتام" حين نزل تحريمها، وهذا هوا لصحيح.
وقيل يجب ردها [إليه] لينتفع بها في طء نار أو بلِّ طين، ونحوه.
قال: فإن صارت خلاًّ؛ ردَّه لأنه فرع ملكه، ولو تلف في يده غرمه.
وقيل: إن [للغاصب تملكه] بحدوث الملك في يده.
وفي ابن يونس: أن وجوب الرد مفرع على القول الصحيح بوجوب الإراقة وحكى وجهين في وجوبه بعد صيرورته خلاًّ على قولنا: بأنها ترد إليه خمراً.
قيل: ولو عكس الأمر لكان أولى، ولا فرق عند العراقيين في وجوب الإراقة بين الخمرة المحترمة وهي التي عصرت لأجل الخلية أو غير المحترمة، وهي التي عصرت للخمرية، كما حكاه في "الاستقصاء" في أوائل الكتاب.
وعند الماروزة: الخمرة المتحرمة [أصلاً، وقال الإمام – قبيل كتاب الصيد والذبائح-: إن في ذلك احتمالاً] على كل حال، وجعل في كتاب الرهن قول من أوجب إراقتها هذياناً، وقال: إنه لم يصر إليه أحد من أئمة المذهب وإنما هو من ركوب أصحاب الخلاف.
وقال في تكاب الإقرار: لو اطلعنا على خمر ومعها مخايل [تشهد] أنها خمر خل، فالمذهب [أنا لا نتعرض] لها.
وقال القاضي الحسين: قبيل باب [بيع الطعام بالعطام] لو أراقها إنسان فهل يجب عليه الضمان؟ فيه وجهان:-
فإن أوجبناه؛ قلنا: كم قيمة ذلك لو صار خلاًّ، وكم قيمته في طريق تصييره
стр. 5098
خلاًّ؟ ويوجب عليه ذلك، وغيره بنى الخلاف في الضمان على أنها طاهرة أو نجسة، والمذهب نجاستها.
فرع: من أبرز خمراً وزعم أنها [خمر] خل قال الإمام في كتاب الإقرار: قد سبق طوائف إلى أن ذلك لا يقبل منه.
فرع: من في يده خمر إذا أراقها فجمعها جامع وصارت في يده خلاًّ؛ ففيه وجهان:
أحدهما: يعود ملكاً للأول.
والثاني: يكون للثاني؛ لأن الأول أزال يده عنها وأسقط حقه منها فتكون لمن هي في يده.
قال ابن الصباغ في كتاب الرهن: وهذا لا وجه له؛ لأنه فعل ما أمره الشرع بفعله، ولو كان كذلك لوجب أن يكون مباحاً؛ كالمنبوذ، ولا يختص بملكها الجامع بل يكون أحق لحصولها بيده، وقد أجرى الرافعي الوجهين فيما إذا ألقى الجلد فأخذه أخذ وديعة، لكن ما ضعف به ابن الصباغ الوجه الثاني منتفٍ هاهنا.
قال: وإن غصب جلد ميتة ردَّه؛ لأنه منتفع به وقد قال ﵇:"عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ".
قال: فإن دبغه فقد قيل: يُرَدُّ كالخمر إذا صارت خلاًّ.
وقيل: لا يرد أي ويكون ملكاً للغاصب؛ لأن الملك فيه حصل بفعله فكان له بخلاف الخمر.
وحكى المتولي عن بعضهم: أنه جزم بوجوب رد الجلد، وأجرى وجهين في رد الخل وأنه فرق بأن يده في الخمر مستحقة الإزالة شرعاً فلم يجعل لها حكم، ويده على الجلد غير مستحقة الإزالة فكان تفويتها جناية فلا يسقط
стр. 5099
بها الحق، وهذه الطريقة ظاهرة عند من لم يفرق بين الخمر المحترمة وغيرها وعند من فرق إذا لم تكن الخمر محترمة، أما إذا كانت محترمة فهي كالجلد سواء؛ لجواز إمساكها.
قال: وإن غصب عصيراً فصار خمراص ثم صار خلاًّ [رده]؛ لأنه عين ماله وما نقص من قيمة العصير أي: إن [حصل] نقص؛ لأنه حصل تحت يده [وقيل يرد] الخل لماذكرناه، ويضمن مثله من العصير؛ لأن ذلك لزمه بانقلابه خمراً، ولم يسقط عنه بعوده خلاًّ؛ كما لو غصب جارية فسمنت في يده، ثم هزلت، ثم سمنت، وقد حكى الخلاف هكذا في المهذب وغيره.
وفي بعض النسخ بعد قوله: [ويضمن مثله من العصير] وأرش ما نقص أي: من قيمة الخل والعصير الذي أخذه بدلاً عن قيمة العصير أي: إن [حصل] نقص؛ لأنه حصل تحت يده [وقيل يرد] الخل لما ذكرناه، ويضمن مثله من العصير؛ لأن ذلك لزمه بانقلابه خمراً، ولم يسقط عنه بعوده خلاًّ؛ كما لو غصب جارية فسمنت في يده، ثم هزلت، ثم سمنت، وقد حكى الخلاف هكذا في المهذب وغيره.
وفي بعض النسخ بعد قوله: [ويضمن مثله من العصير] وأرش ما نقص أي: من قيمة الخل والعصير الذي أخذه بدلاً عن قيمة العصير المغصوب إلى حين انقلابه خمراً، وهذا [كأنه] بناء على مذهب أبي ثور في أن الغاصب يضمن عند رده العين فوات الأسعار.
ومنهم من قال: يظهر بناؤه على أن الاصب يضمن أرش السمنين ولم يظهر لي صحة ذلك فتأمله.
стр. 5100
قال: وليس بشيء؛ لأن الخل عين العصير وإنما تغير من صفة إلى صفة، فاشبه ما لو طرأ على العين بياض ثم زال، ومخالف السمن فإن الثاني عين الأول قطعاً.
وقال الماوردي: إن هذا الخلاف يعني المشهور الذي ذكرناه [أولاً] مخرج من الخلاف فيما لو قلع سنَّ مَنْ أثغر ثم عاد سنه بعد أخذ أرشه؛ هل يجب رد الأرش أم لا؟ فإن قلنا: يجب، ردها وما نقص وإن قلنا: لا يجب رد الأرش؛ غرم قيمة العصير، والجمهور على ضمان العصير بالمثل لا بالقيمة.
وحكى الرافعي وغيره على قول ضمان المثل من العصير وجهاً أن الخل يكون للغاصب كالوجه الذي حكيناه فيما إذا غصب الخمر فتخللت في يده.
واعلم أن ما ذكرناه من الخلاف جار فيما لو غصب بيضة فتفرخت عنده، أو بذراً فرعه فنبت وازداد، أو بذر قزّ فصار قزّا فعلى [القول] الأول وهو الصحيح يكون ذلك للمالك ولا يغرم [له] الغاصب إلا ما نقص عن قيمة الأصل، وعلى الثاني يغرم البدل، والحاصل للمالك على أظهر الوجهين، وللغاصب على مقابله.
فرع: لو انقلب العصير خمراً ولم ينقلب خلاًّ.
قال الماوردي: وجب على الغاصب قيمته، وهل له أخذ الخمر؟ فيه وجهان:
قال: وإن غصب صَليباً أو مِزماراً فكسره [أي الكسر المأمور به لم يضمن الأرش لقوله ﷺ : "إِنَّ اللهَ إِذَا حَرَّمَ شَيْئاً حَرَّمَ ثَمَنَهُ" وهذه الصنعة محرمة فلا قيمة لها] أما إذا زاد علىلكسر المأمور به بحيث فوت بكسره صلاحيته لمنفعة مباحة كانت تحصل مع الكسر المأمور به - لزمه ما بين قيمته مكسوراً
стр. 5101
[بالكسر المباح] وغيره [وقد اختلف الأصحاب في حد الكسر المأمور به] على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكسره [حتى تنتهي] إلى حد لا يمكن اتخاذ آلة محرمة [منه] لا الأولى ولا غيرها.
والثاني: أن يزيله عن حالته الت قصدت لاستعامله عليها، فالصليب يرفع أحد الجسمين عن الآخر والعود يزيل وجهه حتى يبقى جفنه، وهذا ما حكاه [الروياني] في البحر.
والثالث وهو أظهرها: أن يكسره بحيث لا يمكن إعادته إلى تلك الحالة إلا مع عسر.
قال الرافعي: وما ذكرناه من الاقتصار على تفصيل الأجزاء، فهو [فيما] إذا تمكَّن المحتسب منه، أما إذا منه من هو في يده وكان يدفع عن المنكر؛ فله إبطاله بالكسر [قطعاً].
قال الإمام: ولم يكتف أحد من أصحابنا بقطع الأوتار مع ترك الآلات، وادعى في الوسيط في ذلك الإجماع.
تنبيه: [الصليب] يجمع على صُلُب وصُلبَان، وثوبٌ مصلَّبٌ: عليه نقش؛ كالصَّليب.
قالا لماوردي: وهو موضوع على معصية؛ لزعمهم أن عيسى ابن مريم – ﵇ – قتل وصلب على مثله واعتقدوا إعظامه طاعة، والتمسك به قربة، وقد أخبر الله تعالى بكذبهم فيه ومعصيتهم به فقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] وقال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ [النساء: ١٥٧]
стр. 5102
[وفيه تأويلان: أحدهما: أن الكناية راجعة إلى عيسى، وتقديره وما قتلوا عيسى يقيناً].
والثاني: أنها ترجع إلى العلم به، وتقديره: وما قتلوا العلمَ به يقيناً، من قولهم: قَتلت ذلك علماً إذا تحققته ومنه جاء [الحديث به]: قتلت الأرض جالها، [وقتلت أرض عالمها].
المزمار: بكسر الميم، واحد المزامير وزَمَرَ َزمِر، [ويزمُز] زمراً، فهو زمار.
وقال الجوهري: ولا يكاد يقال: زامر، قال: ويقال: للمرأة زمَّارة. قال: ويقال للمزمار: مزمور، بفتح الميم وضمها.
قال النواوي: وبالوجهين ضبطناه في الحيدث الصحيح.
قال: وإن اختلفا في رد المغصوب؛ فالقول قول المغصوب منه؛ لأن الأصل عدم الرد، وإن اختلفا في تلف الغصوب، فادعاه الغاصب وأنكره المالك، فالقول قول المالك على وجه؛ لأن الأصل البقاء.
والأصح أن القول قول الغاصب؛ لأن ذلك قد يكون [خفيًّا، وقد] يعجز عن إقامة البينة، فلو لم يصدقه [الجلد انحبس] عليه، ولم يجد منه مخرجاً فعلى هذا إذا حلف هل يلزمه البدل؟ فيه وجهان:
وجه المنع: [أن المالك] يزعم أن العين قائمة، فلا يستحق القيمة.
والأصح: أن له ذلك إذ تعذر الرجوع عليه بسبب الحلف.
قال: وإن اختلفا في قيمته فالقول قول الغاصب) لأنه غارم والأصل براءة ذمته، وعلى المالك البينة بقدر القيمة إن لم يرض بما قاله الغاصب، ويكفي فيها عند [أبي إسحاق] شاهد ويمين، [وشاهد] وامرأتان.
وعن ابن أبي هريرة طريق ذلك [طريق] الحكم فلا
стр. 5103
مدخل للنساء فيه.
قال أبو الحسن، والأولى قول أبي إسحاقك كذا حكاه الزبيلي في [كتابه] أدب القضاء له، [و] ينبغي للبينة أن تشهد بأن قيمة المغصوب كذا، فلو أقام منيشهد على الصفات دون القيمة لم يجز للمقومين [أن يعتمدوا] على الوصف في التقويم؛ لأن المشاهدة هي المعرفة للقيمة.
وعن صاحب التقريب رواية قول غريب: أن لهم الاعتماد على الصفات، وينزل على أقل الدرجات؛ كما في السلم.
والفرق على الأول: أن السلم من باب الرخص فلا يقاس عليه، فعلى هذا لو أبعد الغاصب في التقليل فيطالب بأن يرتقي إلى [أول] درجة تحتمل هذه الصفات.
ولو ذكر الغاصب أن القيمة مائة، فأقام المالك بينة بأنها فوق المائة ولم يعينوا قبلت [هذه] الشهادة في وجوب الزيادة على المائة على الأصح، وهو الذي عليه الأكثرون.
وفائدة ذلك: أن يزيد على ما ذكره ويرتقي، فإن زاد فقالت البين: كانت القيمة أكثر من ذلك فيكلفه الزيادة إلى أن ينتهي إلىموقف لا يقطع الشهود بالزيادة عليه.
قال الإمام: ولا ينحصر ما صورناه بالغصب، بل لو ادعى رجل على ىخر ألف درهم فاعترف المدعي عليه بخمسمائة، فأقام المدعي بينة أن له عليه أكثر من خمسمائة، فالأمر فيه على التفصيل الذي ذكرناه.
ولو وقع اختلاف المالك والغاصب في صفات المغصوب، فقال المالك: إنه
стр. 5104
كان سالم الأعضاء، و [قال] الغاصب إنه [كان] مقطوع اليد؛ فالقول قول المالك على الأصح من القولين.
ولو قال الغاصب به عيب من أصل الخلقة مثل كونه أكمه، أو أنه ولد أعمى، أو أعرج، أو عديم اليد، فالقول قوله على الأصح.
وقيل: القول قول المالك في نفي ذلك.
وقيل: إن كان ما ادعاه الغاصب مما يندر من العيوب؛ فالمصدق المالك، وإن كان مما لا يندر؛ فالمصدق الغاصب.
ولو ادعى المالك أن المغصوب كان كاتباً أو محترفاً، وأنكر الغاصب فالقول قوله على الأصح.
وحكى العراقيون: أن القول قول المالك؛ لأنه أعرف بحال مملوكه.
وحكى الماوردي الخلاف في أن القول قول المالك أو قول الغاصب في الصورتين الأوليين في كتاب العتق، وفحوى كلامه الجزم في الأخير بأن القول قول الغاصب.
ولنختم الباب بفروع تتعلق به.
وهو إذا غصب أرضاً فحاله فيها تنقسم أربعة أقسام:
الأول: أن يبني فيها، ويغرس، فينظر إن كان البناء والغراس له – أجبر على قلعه مجناً، ولا يجبر على أخذ قيمة البناء والغراس. وإن كان قلعه يضر بالأرض لما روى هشام بن عروة عن أبيه أن رجلاً غصب أرضاً من رجلين من بني بياضة من الأنصار فغرسها نخلاً [عما] فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ فأمر بقلعه، فروي عنه أنه قال [:"لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقُّ" قال] عروة فأخبرني من رأي القوس يعمل في أصولها.
وفي قوله: [نخلاً عما] تأويلان:
стр. 5105
أحدهما: طوالا.
والثاني: أنها [قد] عمت بخيرها، ومنه قوله ﷺ :" ... عَمَّتكُمُ النَّخْلَةَ" يعني: عمت بخيرها.
وقيل: بل عنى أنها خلقت من فضل طينة آدمن فصارت عمة في النسب، والعروق أربعة:
عرقان ظاهران: البناء، والغراس، وعرقان باطنان: البئر، والنهر، كذا نبه عليه الماوردي في أثناء الباب.
إذا ثبت ذلك فإذا قلع البناء والغراس نظر في الأرض؛ فإن لم تنقص بالقلع فلا شيء على الغاصب سوى الأجرة، وإن نقصت؛ لكونها صارت حفراً، فالغاصب ضامن لها غير أن الشافعي قال هنا: يرد ما نقصت الأرض، وقال في البيوع في رد الحجارة المستودعة: إن عليه تسوية الأرض، فاختلف الأصحاب كذلك في المسألة؛ فبعضهم خرج المسألتين على قولين، وبعضهم فرق بأن الغاصب متعد فغلظ حكمه بالأرش والبائع غير متعد فخفف حكهم بتسوية الأرض، فعلى هذا [هل] تجب الأجرة مع الأرش أو [يتم] أكثرها؟ فيه وجهان في البحر كما في الثوب وغيره، واستبعد مجيء القول الثاني هنا.
ولو باع الغاصب [ذلك من مالك الأرض صح، ولو باعه من غيره، فإن كان بشرط البقاء بطل، وإن كان بشرط القلع والنقص] جاز، وإن أطلق فوجهان:
ولو باع مالك الأرض الأرض صح، وكان للمشتري إجبار الغاصب على
стр. 5106
القلع، ولا يستحق البائع أرش نقص الأرض بالقلع؛ لأن المشتري دخل على عيبه.
قال الماوردي ويكون البيع سبباً لسقوط الأرش عن الغاصب، ولو كان البناء، والغراس [لصاحب الأرض، فإن رضي بأن يأخذها لذلك أخذها، ولا شيء عليه من مؤنة الغراس، والبناء]، وليس للغاصب أن يزيل ذلك، ولو طالبه المالك بالإزالة؛ نظر إن كان له فيه غرض صحيح أجبر عليه، ولزمه غرم تنقيص الغراس والبناء عما كان قبل الغراس والبناء، وعليه نقص الأرض أيصاً، وإن لم يكن في قلعه غرض صحيح لقاصد؛ فهل يجبر على القلع؟ فيه وجهان:
فإن قلنا بعدم الإجبار فللمالك مطالبته إذا لم قلع بأرش ما ينقصه القلع عن الحالة التي كان عليها المغصوب قبل الغرس والبناء؛ لأنه لما استحق المطالبة به مع التزام مؤنة القلع؛ فأولى مع عفوه عنها.
وإن قلنا بمقابله، فلا.
ولو كان الغراس والبناء مغصوبين من ثالث فلكل من رب الأرض والغراس والبناء أن يأخذ الغاصب بالقلع [إن كان له غرض]، ويرجع كل منهما عليه بأرش ما نقص، ولو اشترى مالك الأرض الغراس والبناء – كان له مطالبة الغاصب بالقلع إن كان له غرض ويرجع بنقص البناء والغراس دون الأرض.
ولو هرب الغاصب عن أن يلتزم لهما مؤنة القلع، واختلفا في تحملها ففيمن يجب عليه منهما؟ فيه وجهان.
ولو كان [الغراس في أرض] فقلعه الغاصب، فإن كان باقياً؛ ففي كيفية ضمانه لأصحابنا ثلاثة أوجه:
أحدها: ما بين قيمة [الشجر قائماً ومقلوعاً.
стр. 5107
والثاني: يضمن ما بين قيمة] الأرض ذات شجر قائم وبين قيمتها والشجرُ مقلوع منها؛ لأن تعديه قد سرى إلى الأرض.
والثالث: أنه ضمن أغلظ الأمرين.
وإن كان قد استهلك الشجر بعد قلعه، فعلى الأول يضمن قيمة الشجر قائماً، وعلى الثاني ما نقص من قيمة الأرض بقلع الشجر، وعلى الثالث أغلظ الأمرين كذا قاله الماوردي.
القسم الثاني: أن يدفن فيها ميتاً، فإن الغاصب يجبر على نبشه، وإن كان فيه انتهاك حرمة الميت، ثم إذا نبش ضَمِن أرش نقصها كما تقدم، فلو قال المالك: أنا أقر الميت في الأرض إن ضمن لي نقص الأرض بالدفن فيها؛ ففي إجبار الغاصب على بدله وجهان في الحاوي.
القسم الثالث: أن ينقل ترابها، وله حالتان:
أحداهما: أن يكون [قد] كشطه من على وجه الأرض، فللمالك إجباره على رده على صفته إن كان باقياً، ومثله إن كان تالفاً؛ سواء كان للمالك به نفع أم لا، وسواء عظمت مؤنة ذلك أو خفت، ولو لم يجد مثله ضمن القيمة، وفيها وجهان:
أحدهما: وهو ما نقله المزني عن الشافعي في "الكبير" -: أنه تقوم الأرض وعليها الراب الذي أخذ منها، ثم تقوم بعد اخذه منها، ويجب مابينهما.
والثاني: -أكثر الأمرين من هذا أو من قيمة التراب بعد نقله عن الأرض، حكاه الماوردي، ولو لم يطالبه المالك بالرد نُظر فإن كان للغاصب في الرد غرض؛ بأن دخل الأرض نقص يرتفع برد التراب، أو كان قد نقله إلى ملكه أو إلى دار غيره أو إلى شارع يحذر من التعثر به الضمان، فله الاستقلال بالرد، إن لم يتيسر [عليه في الصورتين الأخريين، نقله إلى موات أو نحوه كما قيده
стр. 5108
الإمام والماوردي، دون ما إذا تيسر] وله عند إعادته بسطه كما كان، فإن منعه المالك مِنْ بَسْطه لم يبسطه وإن كان في الأصل مبسوطاً، وإن لم يكن له غرض فإن منعه [المالك] من الرد لم يرده، وإن لم يمنعه وخالف فهل يفتقر إلى الإذن؟ فيه وجهان في التتمة؛ بناء على وجهين في أنه لو منعه فخالف ورد، هل للمالك مطالبته بالنقل ثانياً؟ إن قلنا: لا، رده من غير إذنه، وإن قلنا: نعم، فلا بد من إذنه وهو الأظهر.
الحالة الثانية: أن يحفر في الأرض بئراً وينقل ترابها، فإن أمره المالك بطمِّها لزمه، إن كان له فيه غرض صحيح، وألا فوجهان حكاهما الماوردي، وإن لم يأمره، كان له أن يستقل به، خلافاً للمزني، فلو تراضيا على تركها فذاك لهما، وعلى الغاصب ضمان ما يسقط فيها، لتعديه بحفرها، وليس لرب الأرض أن يطالبه بمؤنة السد، وإنما له أن يأخذه متى شاء بالسد كذا قاله الماوردي، ولو منعه المالك من السد، وقال: رضيت باستدامة البئر، فإن كان للغاصب غرض في الطم سوى دفع ضمان التردي كما ذكرناه فله الطم، وإن لم يكن له غرض سواه فوجهان، أظهرهما:- وهو قول ابن أبي هريرة -: المنع، ويندفع عنه الضمان؛ لخروجه عن أن يكون جناية وتعدياً.
وقد عبر الماوردي وغيره عن محل الوجهين فيما إذا أبرأه المالك من الضمان.
وقال الإمام: ليس معناه حقيقة الإبراء، فإن الضمان حق عساه يثبت للمتردي فكيف يبرئ عن حق الغير قبل ثبوته، وإنما المارد الرضا بإنقاء البئر.
وقال أيضاً: إن محل جواز الطم له إذا كان بعين التراب المنقول، أما إذا كان قد تلف؛ ففي جواز الطم بتراب آخر دون إذن المالك وجهان.
قال الرافعي: - والظاهر أنه لا فرق بين ذلك [التراب] وغيره، ولو لم يقل المالك: رضيت باستدامة البئر واقتصر على المنع من الطم ففي التتمة: أنه كما لو صرح بالرضا.
стр. 5109
وقال الإمام: لا يتضمنه.
ولو كان الغاصب قد طوى [البئر] من مال نفسه فله نقضه، وللمالك إجباره عليه، فإن وهب ذلك منه لم يلزمه القبول على أظهر الوجهين، ثم إذا أعاد هبة الأرض إلى ما كانت في الحالتين إما بطلب المالك أو دونه، فإن لم يدخل الرض نقص فلا أرش عليه، [وعليه الأجرة]، وإن دخلها نقص ففي كيفية جبره ما ذكرناه في حال البناء والغراس.
القسم الرابع: أن يترك الأرض في يده من غير أن يتصرف [فيها] فيجب عليه أجرة مثلها، فلو نقصت بسبب ترك الزراعة؛ كأرض البصرة – ضمن أرش النقص قاله [القاضي الروياني] في البحر. [والله أعلم].
آخر: غصب المشاع متصور عندنا.
قال الشافعي في كتاب الشركة: إذا كان العبد بين شريكين فغصب رجل حصة أحدهما، ثم [إن] الغاصب والشريك الآخر باعا العبد من رجل فالبيع جائز في نصيب الشريك البائع، ولا يجوز بيع الغاصب، كذا حكاه [عنه] القاضي أبو الطيب في شرح الفروع في مسألة أولها:
لو أن رجلاً وكَّل شريكه في عبد أن يبيع نصيبه [مع نصيبه] وإذا كان ذلك متصوراً فتصوره في غير الغاصب من طريق الأولى، لكن قد أشار الأصحاب عند الكلام في ما إذا أقر بعض الورثة [بنسب] وكذبه الآخر [إلى] أن الوارثَين إذا وضعا أيديهما على التركة يكون يد كل واحد منهما على جميعها كما سنذكره ثَمَّ إن شاء الله تعالى، وفيه نظر. والله أعلم.
стр. 5110
كفاية النبيه
شرح التنبيه
الجزء الحادي عشر
يحتوي على الأبواب التالية
الشفعة- القراض- العبد المأذون- المساقاة- المزارعة- الإجارة
الجعالة- المسابقة- إحياء الموات- اللقطة- اللقيط
стр. 5111
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب الشفعة
الشفعة من شفعت الشيء إذا ضممته وثنيته، ومنه شفع الأذان، وسميت شفعة؛ لضم نصيب إلى نصيب، وقيل: من الزيادة. ولهذا إذا ضم إلى الوتر غيره صار شفعاً. فسميت شفعة؛ لأن الشفيع يضم نصيب شريكه [إلى نصيبه] فيصير نصيبه زائداً بعد أن كان ناقصاً. وهذا قول ثعلب، كما حكاه عن الهروي في الغريبين.
وقيل: من التقوية والإعانة، يقال: شَفَعْتُهُ عند السلطان فشفعني فيه؛ لأن كل واحد من الفردين يتقوى بالآخر، ومنه قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ [النساء: ٨٥] أي: من أعان محسناً في إحسانه، ومنه الحديث: "القرآن شافع مشفع". ومنه: شاة شافع: التي معها ولدها لتقويتها به، قاله الرافعي، وفي تعليق القاضي الحسين أن الشاة الشافع: السمينة.
وقيل: من الشفاعة؛ لأن في الجاهلية كان [الرجل] إذا أراد بيع منزل أو حائط أتاه الجار أو الشريك أو الصاحب ليشفع إليه [فيما باع] فيشفعه، وهذا قول ابن قتيبة في غريب الحديث كما حكاه الماوردي.
وقد فسرت في [الشريعة: بحق تملك] قهري يثبت للشريك القديم على الشريك الحادث بسبب الشركة بالبدل الذي تملك به لدفع الضرر.
стр. 5112
والأصل في مشروعيتها من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٣] وهي منه؛ لأن فيها إزالة الضرر عن الشريك.
ومن السنة أحاديث: منها ما روى مسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ "الشُّفْعَةُ في كُلِّ شِرْكٍ فِي أَرْضٍ أَوْ رَبْعٍ أَوْ حَائِطٍ، لا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَريكِهِ فَيَاخُذَ أَوْ يَدَعَ، فَإِنْ أَبي فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤذِنَهُ".
ومنها: ما روى البخاري ومسلم وأبو داود بسند كل منهم عن جابر.
أنه قال: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شركة لم تقسم، ربعة أو حائط "لاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَركَ، فَإِنْ بَاعَهُ وَلَمْ يُؤذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ".
وقد اختلف في المعنى الذي لأجله ثبتت على قولين:
أحدهما: دفع ضرر مؤنة القسمة واستحداث المرافق وغيرها، وهو اختيار الشافعي.
والثاني: وإليه ذهب ابن سريج: دفع ضرر سوء المشاركة.
ولهذا الاختلاف فائدة تظهر من بعد.
قال- ﵀: لا تجب الشفعة أي: لا تثبت إلا في جزء مشاع، من عقار أي: [من] أرض محتمل القسمة، فأما الملك المقسوم فلا شفعة فيه؛ لما ذكرناه من [حديث] جابر الذي رواه البخاري.
وقد روى عنه أيضاً: "إنما جعل رسول الله ﷺ الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة".
وأخرجه أبو داود والترمذي وإن اختلفت ألفاظهم، وقال الترمذي: إنه
стр. 5113
حديث حسن صحيح.
وجه الدلالة منه: أنه ذكر الشفعة بالألف واللام، وليس لهما معهود يرجع اللفظ إليه؛ فثبت أنه للجنس. وكلمة إنما موضوعة للحصر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١].
وقد قال الأزهري: قال أهل اللغة: إنما تقتضي إيجاب شيء ونفي غيره وذلك يدل على المدعي.
فإن قيل: فقد روي أن رسول الله ﷺ قال: "الجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ .. "، وروى البخاري عن أبي رافع [قال]: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ".
وروى الترمذي عن جابر أن النبي ﷺ قال: "الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ، يُنْتَظَرُ بِهَا وَإِنْ كَانَ غَائِباً إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِداً"، وذلك يقتضي ثبوت الشفعة للجار.
قلنا: قد روى صاحب "التقريب" عن ابن سريج أنه أثبتها للجار الملاصق دون المقابل فيشبه أن يكون مستنده ذلك، وروي عن الروياني أنه قال: رأيت بعض أصحابنا يفتي به، وهو الاختيار.
وذكر الإمام أن الشيخ أبا علي لم يثبت ذلك عن ابن سريج، وحمل كلامه على أنه لا يعترض في الظاهر علي الشافعي إذا قضى له الحنفي بشفعة الجوار،
стр. 5114
وأن في الحِل في الباطن خلافاً، والمذهب الأول.
وقوله ﷺ : "أَحَقُّ بِصَقَبِهِ" المراد [بالصقب] بالسين والصاد: القرب، كما حكاه ابن الصباغ، فيكون معنى الخبر: أحق بقربه، وهذا مجمل فلا بد فيه من حمله على معنى صحيح.
ونحن نحمله على الرحبة تكون للرجل، فيتنازع اثنان في الانتفاع بها، فيكون الجار الأقرب أحق بالانتفاع بها.
وأيضاً: فإن المراد بالجار: الشريك؛ لأن جميع أجزاء ملك شريكه مجاورة لجميع أجزاء ملكه، فهو أحق باسم الجوار من الجار المقاسم.
ومعنى الجوار: القرب؛ ولهذا تسمي العرب الزوجة: جارة لقربها، قال الأعشى في جملة أبيات:
أجارتنا بيني فإنك طالقه ... ..... .... .... .... ..... وموموقة ما كنت فينا ووامقه.
قال الماوردي: وكان السبب في قول الأعشى ذلك، أنه تزوج امرأة كرهه قومهأ، وأخذوه بالنزول عنها فلم يقنعوا منه بالطلقة الأولى والثانية، فلما طلقها الثالثة كفوا عنه.
ومن جهة المعنى: أن الشفعة شرعت لدفع الضرر بها [لا] لدخول الضرر
стр. 5115
منها، وفي وجوبها للجار ضرر داخل لتقاعده بالملك عن بدل النجش من الثمن؛ لتيقنه بأن غيره لا يقدم على ابتياعها مع علمه بشفعته، ولا يوجد مثل ذلك في المشترك؛ لأن الشريك يقدر على دفع هذا الضرر بالمقاسمة، وما كان موضوعاً لدفع الضرر [لا يجوز] أن يدخل منه الضرر.
قال: وغير العقار من المنقولات فلا شفعة فيه؛ لقوله ﷺ : "لا شُفْعَةَ إِلا في رَبْعٍ أَوْ حَائِطٍ"، ولأن المنقول لا يبقى دائماً، والعقار يتأبد؛ فيتأبد ضرر المشاركة فيه، والشفعة تملُّكُ قَهْريُّ فلا يحكم بثبوته إلا عند شدة الضرر.
فإن قيل: قد روى البخاري عن أبي هريرة أنه قال: "جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَا لمْ يُقْسَمْ"، وهذا عام.
فجوابه: أنه محمول على ما لم يقسم من العقارات، يدل عليه تتمة الحديث: فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. فأثبت جنس الشفعة فيما لم يقسم ثم فسر ذلك بتفسير لا يتناول إلا ما لا ينقل ولا يحول؛ لأن الحدود وصرف الطرق إنما تستعمل في الأرض.
قال: وأما البناء والغراس فإنه إن بيع مع الأرض أي: الحاملة لذلك والمتخللة بينه، إذا كانت تقسم قال: ففيه الشفعة؛ للخبر الذي رواه البخاري ومسلم وأبو داود؛ [إذا] الربعة والربع: المنزل الذي يربع به الإنسان ويتوطنه، يقال: هذا ربع بفتح الراء، وهذه ربعة.
وقيل: الربع: اسم للدار ببنائها، والحائط: اسم للبستان بغراسه.
ولأن البناء والغراس متصلان بالأرض، فصارا كأجزائها؛ ولهذا يندرجان تحت
следующие страницы →