← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

والثاني: أن للعامل المخاصمة بكل حال؛ حفظاً للمال فيشبه أن يكون الجواب المذكور في إتلاف الأجنبي مفرعاً على أن للعامل المخاصمة. وبتقدير أن يقال: إنه وإن لم يكن خصماً لكن إذا خاصم المالك وأخذ عاد العامل إلى التصرف فيه بحكم القراض؛ لزم مثله فيما إذا كان العامل هو المتلف، قلت: ما أبداه أولاً هو عين ما حكيته عن القاضي الحسين، وما أبداه ثانياً من إتلاف العامل ينبغي أن يكون كإتلاف الأجنبي؛ حتى لا ينفسخ القراض: هو عين ما حكاه ابن يونس، وإن كان إتلافه قبل التصرف، لكن لا يندفع بهذا السؤال عن الإمام والله أعلم. فرع: إذا عمل العامل فخسر مائة وأخذ رب المال منه مائة، ثم عمل العامل بالباقي، فبلغ المال ألفاً، كما كان فالربح منه مائة وأحد عشر درهماً وتسع، يقسم بينهما إن انفصلا على حسب ما شرطا؛ لأنه لما استرد المائة تبعها [من] الخسران بنسبتها، كما يتبعها من الربح بالنسبة ونسبة الخسران في المائة أحد عشر درهماً وتسع درهم. وعلى هذا فقس. قال: والقول قول العامل فيما يذكر أنه اشتراه للمضاربة أو لنفسه؛ لأنه متصرف لنفسه تارة وللقراض أخرى، وإنما يبين ذلك بالنية والقصد، فيكون الاختلاف فيه راجعاً إلى النية والقصد، وهو أعلم بنيته وقصده، ولأنهما اتفقا على وقوع العقد واختلفا في صفته فكان القول قول فاعله ولا فرق في ذلك بين أن يكون فيما ادعى شراءه لنفسه ربح أم لا، ولا بين أن يكون فيما ادعى شراءه للمضاربة خسارة أم لا. وعن ابن سريج فيما إذا كان فيه خسارة أنه يجيء فيه قول آخر: أن القول قول رب المال بناء على ما قاله الشافعي من القولين فيما إذا ادعى الوكيل الشراء أو البيع وكذبه الموكل. فرع: لو ادعى العامل البيع وكذبه رب المال، قيل: فيه قولان؛ كما في الوكيل. وقيل: يقبل قول العامل جزماً، وهو الأظهر في "البحر". فرع: لو أقام رب المال بينة أن العامل اشترى بمال القراض عيناً وادعى العامل شراءها لنفسه؛ ففيه وجهان.

стр. 5252

أحدهما: وبه قال ابن أبي هريرة أنه يحكم بأن ذلك للقراض. والثاني: لا يحكم بها؛ لأنه يجوز أن يكون قد اشتىر لنفسه بمال القراض على وجه التعدي؛ فلا يكون للقراض؛ لبطلان البيع. وهذا ما صححه الماوردي واختاره في "المرشد" وقال: إن العين تنزع من يده وترد إلى بائعها، ويعاد الثمن إلى مال القراض. قال: وفيما يدعي من هلاك؛ لأنه إنما يشتري لرب المال بإذنه فهو كالوكيل والوكيل أمين وقوله: في الهلاك مقبول؛ إذا لم يسند الهلاك إلى سبب ظاهر، أما إذا أسنده؛ فلا بد من إثبات السبب كما ذكرنا في الوديعة. فإن قيل: العامل يستحق على عمله أجراً وهو جزء من الربح، فهلا ضمن كالأجير المشترك على قول؟ قيل: الفرق بينهما أن الأجير تعجل له المنفعة وهي الأجرة فإنه يملكها بالعقد، وتأخرت المنافع للمالك؛ فكان المغلب في يده حقه؛ فضمن كالمستعير، وهاهنا المنافع تعجلت لرب المال وهي العمل، وتأخرت للعامل؛ فغلب في اليد عوض المالك، فلم يضمن كالمودع. وحكم دعوى العامل الخسران حكم دعواه التلف، فيقبل قوله وإن كان قد ادعى الربح. قال القاضي الحسين: وذلك إذا كان ما يقوله محتملاً؛ فإن كان غير محتمل مثل: أن يدعي خسران ألوف في ساعة واحدة فلا يقبل، وعلى ذلك جرى المتولي والروياني. قال: ويدعي عليه من خيانة؛ لأن الأصل عدمها، ومن جملة دعوى الخيانة أن يقول رب المال: اشتريت هذا العبد بعد أن نهيتك عن شرائه ويعضد قول العامل في هذه الصورة بأن الأصل عدم النهي. قال: وإن اختلفا في رد [رأس] المال فقد قيل: القول قوله؛ [لأنه قبض العين ومعظم منافعها لمالكها كما ذكرناه فيقبل قوله] في ردها كالمودع والوكيل بغير جعل. وهذا ما صار إليه المراوزة، واختاره في "المرشد".

стр. 5253

وقال القاضي أبو الطيب: إنه المذهب. وقيل: القول قول رب المال؛ لأنه قبضها لمنفعة نفسه وهو الربح فأشبه المرتهن، وقد تقدم في باب الرهن ما ذكر من الفرق بينه وبين [نظائره وبين] قبول القول في التلف دون الرد. قال: وإن اختلفا في قدر الربح المشروط [للعامل] تحالفا، صورة ذلك: أن يدعي العامل أنه شرط له النصف، فيقول رب المال: بل الثلث فيتحالفا؛ لأنهما اختلفا في العوض المشروط في العقد فيتحالفا، كالمتبايعين إذا اختلفا في قدر الثمن. وإذا تحالفا كان جميع الربح لرب المال، وللعامل أجرة مثله وإن زادت على نصف الربح وقيل: لا يستحق ما زاد على نصف الربح. ولو اختلفا في قدر ما حصل من الربح؛ فالقول قول العامل، فلو قال العامل: إنه مائة، ثم قال: إنما قلت ذلك خوفاً من انتزاع المال من يدي؛ لم يقبل منه، وهل له إحلاف رب المال؟ قال في "البحر": إن ذكر شبهة تحتمله استحق إحلافه، وإن لم يذكر؛ فوجهان: أحدهما: وبه قال ابن سريج وابن خيران: أن له إحلافه. والثاني: وبه قال أبو إسحاق لا عملاً بقوله السابق، ثم إذا لم يطلب إحلاف رب المال لكنه ادعى بعد ذلك خسراناً؛ قبل منه ولا تبطل أمانته بالقول السابق. هكذا قاله أصحابنا ونسبه الروياني في "البحر" إلى نصه، كذا حكاه الرافعي عنه، وكلامه في "البحر" مشير إلى الحكم المذكور. اختلافهما في قدر رأس المال قال: وإن اختلفا في قدر رأس المال؛ أي مثل أن قال المالك: إنه ألفان وقال العامل: بل ألف فالقول قول العامل؛ لأن الأصل عدم قبضه لما ينكره وقيل: إن كان في المال ربح تحالفا؛ لأنهما اختلفا فيما يستحقه العامل من الربح وليس بشيء؛ لأن الاختلاف في الربح المشروط- اختلاف في صفة العقد؛ فلذلك

стр. 5254

تحالفا، وهاهنا الاختلاف وقع في القبض، فلا تحالف فيه؛ كما لو اختلفا في قبض الثمن في البيع. فرع: لو اختلفا في أصل القراض، فقال رب المال: دفعته لك؛ لتشتري لي [به] وكالة، وقال من في يده المال: [بل] مضاربة، فالمصدق رب المال، فإذا حلف أخذ المال وربحه، ولا شيء للآخر. قال: ولكل واحد منهما أن يفسخ العقد متى شاء؛ لأنه عقد ليس على التأبيد، ولا يفتقر إلى مدة معلومة، ولا عمل معلوم؛ فأشبه الشركة والوديعة؛ ولأنه في ابتدائه وكالة؛ لأنه يبتاع لرب المال، وفي انتهائه قد يكون شركة؛ إن قلنا: إن العامل يملك بالظهور، أو جعالة؛ إن قلنا: إنه لا يملك به، وكل هذه العقود يتمكن كل من [تعاقد بها] من فسخها متى شاء، فكذلك هذا. وكما يرتفع هذا العقد بلفظ الفسخ يرتفع بقول المالك للعامل: لا تتصرف بعد هذا، وكذلك باسترجاع المال منه. وهل يرتفع ببيع المالك ما اشتراه العامل للقراض كما ينعزل الوكيل ببيع ما وكل في بيعه، أو لا يعزل ويحمل فعله على الإعانة؟ فيه وجهان: أشبههما الثاني، وهما جاريان فيما لو حبس العامل، ومنعه من التصرف أو قال: لا قراض بيننا. قال: وإن مات أحدهما، أو جن، أو أغمى عليه؛ انفسخ العقد كما في الوكالة والشركة. قال: وإذا فسخ وهناك عرض وتقاسماه جاز؛ لأن الحق لهما. قال: وإن طلب أحدهما البيع لزمه بيعه؛ لأن حق [العامل] في الربح وحق رب المال في رأس المال وتحصيل كل من الحقين موقوف على البيع، فيتعين عند الطلب والفاعل له هو العامل. وحكم وارث أحدهما في طلب البيع حكم مورثه، ولا يحتاج العامل عند موت رب المال إلى إذن [من وارثه] في البيع بخلاف ما لو مات العامل، فإن وارثه يحتاج إلى الإذن من رب المال.

стр. 5255

وفي "التتمة" حكاية وجه في العامل أيضاً أنه لا يبيع إلا بإذن، وهو جار في استيفاء الديون. ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يطلب البيع في زمان كساد العروض أو رواجها، ولا بين أن يترك حقه لرب المال عند طلبه البيع أم لا. وقيل: إذا قلنا: إن العامل لا يملك إلا بالقسمة فدفع له رب المال قدر حصته من الربح، أو طلب مقاسمة العروض وأبى العامل إلا البيع أن المالك لا يجبر عليه على وجه في "المهذب"، وبه قطع الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وغيرهما في الحالة الأولى؛ لأن المعير إذا بذل قيمة ما غرسه المستعير في أرضه بعد رجوعه في العارية ليتملكه عليه؛ جاز لدفع الضرر فهاهنا أولى، وهذا ما صححه في "البحر". وإن ترك العامل الربح لرب المال مع طلبه البيع لا يجبر العامل على البيع على وجه في "المهذب" وغيره. وفي "الوسيط": أن العامل إذا ترك حقه لرب المال على القول الذي عليه فرعنا، وهو أن العامل لا يملك إلا بالقسمة، هل يسقط حقه؟ فيه وجهان كالوجهين في إجباره على البيع عند خلو المال عن الربح. وأظهرهما، وبه قال الشيخ أبو محمد وأبو علي والقاضي الحسين: أنه يجبر، وبه جزم العراقيون. وجزم في الوسيط بأن المال إذا لم يكن فيه ربح، وطلب العامل البيع، لا يجبر عليه رب المال إلا أن يوجد من يشتريه بزيادة على رأس المال. وحكى الإمام مع ذلك وجهاً آخر: أنه يجبر على البيع؛ لاحتمال مصادفة زبون. وهو ما جعله القاضي الحسين الظاهر. قال الإمام: وعند هذا يتجه ألا ينفذ بيعه بثمن المثل. وعلى الأول لو اتفق ارتفاع الأسواق، وظهر [في المال] ربح بعد رد العروض على المالك فهل للعامل طلب نصيبه من الربح؟ فيه وجهان. أظهرهما: وبه جزم الماوردي: المنع. تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي وجوب بيع جميع العروض عند الطلب

стр. 5256

والذي [جزم به] المحققون كما ذكره الإمام أن الذي يلزم تنضيضه قدر رأس المال؛ لأنه الملتزم بعقد القراض، وأما الباقي فحكمه حكم عرض آخر مشترك بين اثنين لا يكلف واحد منهما بيعه، وكلام الماوردي، والقاضي أبي الطيب منطبق عليه. ثم ما يباع به العرض: قال الأصحاب: ينظر: إن كان رأس المال من نقد البلد باع به، وإلا باع بما يرى فيه المصلحة من رأس المال أو نقد البلد، ثم يحصل به رأس المال؛ كما لو كان في يده عند الفسخ نقد غير نوع رأس المال، ولم يرض به رب المال، أو كان ما في يده [عند الفسخ] من نوع رأس المال لكنه مكسر، ورأس المال صحاح. وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية وجه: أنه ليس له البيع إلا بنوع رأس المال. وعلى الأصح: لو أراد أن يشتري بما في يده عرضاً؛ ليبيعه بنوع رأس المال هل يجوز؟ فيها وجهان: أصحهما في الرافعي: الجواز، ووجه المنع: خشية تعوق البيع عليه. قال: وإن كان هناك دين، لزم العامل أن يتقاضاه؛ لينض: لأنه دخل في العقد على أن يرد رأس المال، وذلك لا يحصل بدون ذلك، هكذا علل الشيخ في "المهذب". وحكى الرافعي عن الأصحاب: أنهم وجهوا ذلك بأن الدين ناقص، وقد أخذ منه ملكاً كاملاً؛ فيلزمه رده كما أخذه. وكل من الكلامين يفهم أن رأس المال لو كان ناضاً لا يجبر العامل على تنضيض شيء آخر، وهو موافق لما حكيناه من قبل من أنه لا يجب على العامل بيع ما زاد على قدر رأس المال. وقد صرح في "المرشد" بأن العامل يجب عليه تنضيض جميع الدين وإن كان زائداً على رأس المال، وخص صاحب رفع التمويه محل وجوب التقاضي على العامل بما إذا كان ثم ربح، أما إذا لم يكن، ففي وجوبه وجهان. ومعنى قول الشيخ: يتقاضاه، أي يطلب قضاءه واستيفاءه وقوله: لينض أي

стр. 5257

يصير نقداً حاصلاً وهو بكسر النون مأخوذ من نضاضة المال وهو بقيته. قال: وإن قارض في المرض اعتبر الربح من رأس المال وإن زاد على أجرة المثل: لأن المعتبر من الثلث ما يخرج من المال، والربح من كسب العامل لا من ماله، وحالة شرطه لم يكن مملوكاً لرب المال. والفرق بينه وبين العامل في المساقاة إذا شرط له أكثر من أجرة المثل؛ حيث يعتبر من الثلث على المذهب أن الثمرة لا تحدث من العمل بدليل أنها تحدث وإن لم يعمل وإنما حصلت من نفس الشجرة فكانت كمنافع الدار. قال: وإن مات وعليه دين قدم العامل على سائر الغرماء. أي: وإن قلنا إنه لا يملك بالظهور لتعلق حقه بعين المال، فلا يتقاعد عن المرتهن، وليس للوارث أن يلزم العامل أخذ حقه من غيرها، صرح به في "البحر". وكما لا يحسب ما شرط للعامل زائداً على أجرة مثله من الثلث، لا يحسب ما اشترطه العامل في المرض لنفسه ناقصاً عن أجرة مثله من الثلث؛ صرح به في "الحاوي". ولنختم الباب بفروع تتعلق به: ليس للعامل التصرف في الخمر شراء وبيعاً وإن كان ذمياً، فلو خالف واشترى خمراً أو خنزيراً أو أم ولد ودفع ثمن ذلك عن علم فهو ضامن، وإن كان جاهلاً فكذلك على الأشهر. وقال القفال: يضمن في الخمر دون أم الولد؛ إذ ليس عليها أمارة يعرفها. وفي "التهذيب" عن بعضهم: التسوية بين الخمر وبينها في عدم الضمان. قال الرافعي: وأبعد منه وجه نقله في "الشامل" أنه لا يضمن حالة العلم أيضاً.

стр. 5258

ولو قارضه على أن ينقل المال إلى موضع كذا ويشتري به من أمتعة، ثم يبيعها هناك أو يردها إلى موضع القراض، فالذي ذهب إليه الأكثرون- كما قال الإمام- فساد القراض؛ لأن نقل المال من قطر إلى قطر عمل زائد على التجارة، فأشبه شرط الطحن والخبز. ويخالف ما إذا أذن له في السفر؛ فإن الغرض منه رفع الحرج. وعن الأستاذ أبي إسحاق وطائفة من المحققين: أن شرط المسافرة لا يضر؛ فإنها الركن الأعظم في الأموال والبضائع الخطيرة. لو قال: خذ هذه الدراهم قراضاً وصارف بها مع الصيارف؛ ففي صحته وجهان: لو خلط العامل مال القراض صار ضامناً، ثم مع هذا لا ينعزل عن التصرف والربح مقسوم في رأس المال كما شرط، صرح به الإمام. وكذا لو قارضه رجلان؛ هذا على مال وهذا على مال، فخلط أحدهما بالآخر، ولو اشترى بمال كل واحد منهما عبداً واشتبها عليه، ففي قول: يباعان ويقسم ثمنهما عليهما بالسوية، فإن زاد ثمنهما على رأس المال قسم الربح بينهما على ما شرط. وإن نقص لزم العامل النقص، وهو محمول عند المتأخرين على ما إذا لم يكن سببه انخفاض السوق.

стр. 5259

وفي قول يحكم بانتقال ملكهما إلى العامل، ويغرم لهما قيمتهما بالسوية، فإن زاد فذاك، وإن نقص غرم قدر النقصان فكأنه مقصر بالنسيان. وقيل: لا يغرم إلا قدر رأس المال، وهو الذي صار إليه الأكثرون. وقال الإمام: القياس مذهب ثالث وراء القولين؛ وهو أن يبقى العبدان لهما على الإشكال إلى أن يصطلحا. لو دفع إليه ألفاً قراضاً ثم ألفاً آخر، وقال: ضمه إلى الأول، فإن لم يتصرف بعد في الأول جاز وكانا رأس المال. وإن تصرف في الأول لم يجز القراض في الثاني ولا الخلط؛ لأن حكم الأول قد استقر بالتصرف ربحاً وخسراناً، وربح كل ماله وخسرانه يختص به، والله أعلم بالصواب.

стр. 5260

باب العبد المأذون اشتقاق العبد من الخضوع والتذلل، يقال: طريق معبد أي مذلل، وعبدت فلاناً أي: اتخذته ذليلاً. قال: إذا كان العبد بالغاً رشيداً، جاز للمولى أن يأذن له في التجارة. قال الرافعي: بالإجماع؛ ولأنه أهل للتصرف، والمنع كان لحق السيد، فإذا أمره؛ فقد ارتفع المانع. ولا يشترط في صحة ذلك أن يدفع إليه السيد مالاً؛ ليتجر فيه، بل يجوز ذلك، ويجوز أن يأذن له في أن يشتري في ذمته، كذا أطلقه ابن الصباغ في أواخر باب القراض، وظاهره [يقتضي]: أنه لا يحتاج عند الإذن في الشراء في الذمة إلى التقييد بقدر معلوم؛ لأن ذلك لا يثبت في ذمة السيد- كما سنذكرهح فشابه إذنه للعبد في النكاح، فإنه لما كان المهر في ذمة العبد، لم يفتقر إلى تعيين المهر ولا الزوجة. نعم: من قال من أصحابنا: إن السيد يكون مطالباً بدين التجارة يجوز أن يشترط تعيين ما يتجر فيه؛ [لما في كثرة التصرفات من الإضرار بالسيد، وهل يشترط تعيين ما يتجر فيه]؟ المنقول عن أبي طاهر الزيادي اشتراطه، واختاره الصعلوكي. وعن الجيلي وغيره: لا، بل له التصرف في أنواع الأموال، ولا يجوز للعبد إذا دفع إليه السيد مالاً ليتجر فيه أن يشتري بأكثر منه إلا أن يقول [له] السيد: اجعله رأس مالك، وتصرف، واتجر- فله أن يشتري بأكثر من المدفوع إليه، [وله] في كل حال عند [إطلاقه الإذن] أن يعقد على عين ما دفعه له السيد وبقدره في الذمة.

стр. 5261

قال: وما يكسبه يكون لمولاه؛ لأنه إن اشترى بما دفع إليه من المال؛ فهو عوض ماله، وإن اشترى في الذمة، فالمشتري من أكسابه، وأكساب العبد لسيده. قال: وما يلزمه من دين التجارة يجب قضاؤه من مال التجارة؛ لتناول إذن السيد لذلك، ويستوي في ذلك الربح ورأس المال، ومن هذا يظهر أن مال التجارة [كالمرهون] بحقوق الغرماء؛ لأنه يتعلق حقهم في ذمة العبد، كما صرح به الإمام في "النهاية" وسنذكر عن الماوردي وغيره ما ينازع فيه. قال: فإن بقي [عليه] شيء اتبع به إذا أعتق، أي: ولا يتعلق برقبته؛ لأنه دين لزمه برضا مستحقه فتعلق بذمته دون رقبته، كما لو أقرض بغير إذن السيد، وكما لا يتعلق برقبته لا يتعلق بأرش الجناية عليها، ولا بالمهر إذا كان المأذون له جارية وقد وطئت مستكرهة. واعلم أن قول الشيخ: [فإن بقي شيء اتبع به إذا عتق] مع كلامه الأول يدل على أمرين: أحدهما: أن دين المعاملة يثبت في ذمة العبد، ولا تعلق له بشيء من أكساب العبد من احتطاب ونحوه. والثاني: أنه لا تعلق له بذمة السيد كما صرح به [ابن] الصباغ، وقد حكى الإمام في تعلق دين المعاملة بأكساب العبد من احتطاب، واحتشاش، ونحوه [وجهين]. أصحهما: التعلق مع قطعه بألا ينفذ تصرف العبد فيه. وصاحب "التهذيب" أجرى الوجهين في جواز التصرف أيضاً، وصحح وجه التعلق به والتصرف. [و] على هذا: إذا فضل عليه شيء من الديون بعد القسمة، استكسب إلى أن يوفيه، فإن لم يتفق الوفاء حتى عتق، قال الإمام: فلا شك أنه مطالب؛ فإنه لا يتصور أن يتعلق دين بالكسب إلا وهو متعلق بالذمة.

стр. 5262

ثم إذا أدى، فهل يرجع على مولاه؟ [فيه] وجهان: أظهرهما في الرافعي: عدم الرجوع. وحكى الإمام- أيضاً- في مطالبة السيد بدين التجارة ثلاثة أوجه: أحدها: لا، كما دل عليه كلام الشيخ؛ لأن السيد بالإذن قد أعطاه استقلالاً، فشرط من تعامله قصر الطمع على ما في يده وذمته. والثاني: أنه مطالب؛ لأن العقد وقع له؛ فكأنه المشتري، أو لأن العبد وكيل، والموكل مطالب بما يشتريه الوكيل؛ فكذلك السيد، وهذا ما صححه الرافعي وصار إليه القياسيون. والثالث: أن السيد لا يطالب إذا كان في المال الذي في يد العبد وفاء، وإن لم يكن فيه وفاء بالديون طولب. قال الإمام: ولا خلاف في أن العبد يطالب في حال الرق وبعده، بخلاف الوكيل على رأي؛ لأن عقد العبد يعتمد أكسابه، وهي مملوكة للسيد، ولا يتأتى تعلق الطلبة بالكسب ما لم يتعلق بالذمة، وأمر السيد للعبد في الابتياع استخدام يجب عليه إمساكه؛ فأفضى الأمر إلى ذلك، بخلاف الأجنبي؛ فإن ذلك مفقود فيه. وكما يطالب العبد بثمن ما ابتاعه، فهو مطالب بما قبضه [بها عما] خرج مستحقاً، وقد باعه، وتلف ما قبضه في يده. وهل يطالب به السيد؟ [فيه] الأوجه المذكورة آنفاً، وضعف الإمام الوجه الصائر إلى عدم المطالبة، وقال: لولا أن في "التقريب" رمزاً إليه لم أحكه. وحكى غيره عن ابن سريج: أن السيد إن كان قد دفع إليه عين ماله، وقال: بعها، وخذ ثمنها، واتجر فيه؛ أو قال: اشتر هذه السلعة وبعها، واتجر في ثمنها ففعل، ثم ظهر الاستحقاق- فالسيد [مطالب]. فإن استقل العبد بالشراء دون تعيين السيد، [فلا يطالب السيد] [وقد]

стр. 5263

حكى الإمام وجهين [في] أن العبد في هذه المسألة لا يطالب أصلاً؛ لأن عبارته مستعارة في "الوسيط"؛ فيده يد سيده، وقال: إنه مزيف. فرع: إذا دفع السيد للعبد ألفاً للتجارة، فاشترى العبد شيئاً في الذمة بألف، وتلف الألف قبل القبض – فالصحيح عند المراوزة: أن السيد يلزمه ألف بدله. وقيل: لا يلزمه. فعلى الأول: إذا نقد السيد الألف في الثمن، ثم انفسخ العقد، هل ينفذ تصرف العبد بالألف [بالإذن] السابق أم لا بد من استئناف إذن؟ فيه وجهان، وعليهما ينبني فسخ العبد العقد بأمر رأي فيه الغبطة: فإن قلنا: لا ينفذ تصرف العبد في الألف؛ فقد انعزل بتلف الألف الأولى. وإن قلنا: ينفذ، فهو باق على الإذن؛ فينفذ فسخه. وعلى الثاني: هل ينفسخ العقد كما لو ورد العقد على عينه، أو يكون السيد بالخيار: إن شاء دفع الألف واستمر العقد، وإن شاء لم يبذله ويكون للبائع فسخ العقد حينئذ؟ فيه وجهان: ثانيهما: اختيار الشيخ أبي محمد: وإليه مال الإمام، وأولهما اختيار القاضي الحسين، والوجهان في الأصل قبل التفريع ينبنيان على نظير المسألة في القراض، وقد رجع حاصل ما ذكرناه عند الاختصار إلى ثلاثة أوجه، وحكى الرافعي معها وجهاً رابعاً: أن الثمن يكون في ذمة العبد. قال: ولا يجوز أن يتجر إلا فيما أذن له فيه؛ لأن تصرفه بحكم الإذن [يقصر على محل الإذن]؛ كالمضارب فلو أتجر فيما لم يؤذن له فيه، نظر: إن كان بعين المال بطل، ويجيء فيه قول وقف العقود. وإن كان في الذمة، فهل يصح؟ حكمه حكم غير المأذون إذا اشترى شيئاً [بثمن] في ذمته، وفيه قولان: اختيار الإصطخري وأبي إسحاق كما حكاه في "المهذب": المنع، وهو الذي صححه الرافعي، وحكى الإمام وصاحب التقريب القطع [به] وعليه يدل كلام

стр. 5264

القاضي أبي الطيب من بعد [واختار ابن أبي هريرة الصحة وهو ما حكاه في "المرشد"، وقال في كتاب التفليس: إن الشيخ أبا علي قال في "شرح التلخيص" إنه المذهب]؛ لأنه محجور عليه لحق السيد؛ فنفذ تصرفه فيما لا ضرر عليه [فيه]؛ كالمفلس. وفرق الإمام بينهما بأن المفلس من أهل التملك بخلاف العبد، وعماد الشراء إمكان الملك للمشتري. وهذا الخلاف يجري في عقود المعاوضات الصادرة منه سوى النكاح كما ذكرناه عن الأصحاب في باب الضمان. فعلى الأول لا يخفى الحكم [وإذا تلف المال في يده تعلق بذمته؛ وما المتعلق بها؟ المذهب: إنه القيمة، وفي كتاب الإقرار من "النهاية" وجه أنه ثمن ما أتلفه]؟ وعلى الثاني: الملك واقع للعبد أو للسيد؟ فيه وجهان في الرافعي: المذكور منهما في النهاية الأول، ونسبه إلى العراقيين، وقال: إنهم قالوا: السيد بالخيار بين أن يقره عليه وبين أن ينتزعه السيد من يده، وللبائع الرجوع إلى عين المبيع ما دام في يد العبد، فإن انتزعه السيد من يده؛ امتنع عليه الرجوع في هذه الحالة، وأبدى احتمالاً في جواز الرجوع، وأقامه الرافعي وجهاً، وقال: على قول وقوع الملك للسيد: إن علم البائع بالحال، لم يطالب بشيء حتى يعتق [العبد] فيطالبه، وإن لم يعلم فهو بالخيار بين أن يصبر إلى أن يعتق العبد وبين أن يفسخ، ويرجع إلى عين ماله. وحكى الإمام في كتاب التفليس وجهين فيما إذا علم البائع برق المشتري حالة العقد: أحدهما: يثبت له الخيار، وهو الذي حكاه الشيخ أبو علي في الشرح. والثاني: حكاه غيره: أنه لا خيار [له]. وحكى بعد ذلك في فرع عن الشيخ أبي علي القطع بعدم الفسخ فيما إذا كان

стр. 5265

الثمن مؤجلا، ولم يحل، وكذا إذا حل وأبدى لنفسه [إذا حل احتمالاً]. فرع: هل يجوز للمأذون وغيره قبول الوصية والهبة من غير إذن السيد؟ فيه وجهان: مختار الإصطخري: المنع. وأصحهما: الصحة؛ لأنه اكتساب لا يستعقب عوضاً؛ فأشبه الاحتطاب. وادعى القاضي أبو الطيب في كتاب الوصية: أنه الذي قال به [أكثر] الأصحاب، وأنه المذهب. ثم قال: ومثل هذه المسألة إذا اشترى العبد من رجل شيئاً [بثمن] في ذمته، فهل يصح البيع أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: يصح، ويملك السيد ما اشترى العبد، ويثبت الثمن في ذمته يتبعه البائع به إذا عتق. قال: فإن أذن له في التجارة لم يملك الإجارة؛ لخروجها عن التجارة ويملك البيع، والشراء، والمطالبة بالأثمان، وقبض السلع، والرد بالعيب، وطي الثياب ونشرها، ونحو ذلك مما جوز لعامل القراض؛ لأنه حقيقتها. وأطلق الرافعي القول بأن له المخاصمة في العهدة وغيرها. وقد ذكرنا خلافاً في [أن] عامل القراض هل له المخاصمة عند غصب مال القراض أو إتلافه؟ ويتجه أن يكون هنا مثله. قال: وقيل يملك ذلك في مال التجارة أي: كالعبيد، والدواب؛ لأن المنفعة من فوائد الملك، فملك العقد عليها: كالصوف، واللبن. ولأن التجار يعتادون ذلك، فجرى الإذن عليه، ولا يملك [ذلك] في نفسه؛ لانتفاء هذا المعنى؛ وهذا هو الأصح في الرافعي. وحكي عن الحليمي أنه يجوز أن يؤجر نفسه أيضاً، وحكاه مجلي في كتاب الإجارة وأن مأخذه أن الإذن في التجارة هل يتضمن الإذن في منافع نفسه أم لا؟ وقد حكيناه من قبل. فرع: هل يملك المأذون الاستقراض بحكم الإذن في التجارة؟

стр. 5266

حكى الإمام في كتاب الإقرار عن القاضي تردداً فيه، فإن قلنا يملكه: كان وفاؤه كوفاء ديون التجارة [كما تقدم]. قال: ولا يتصرف إلا على وجه النظر والاحتياط؛ ولا يهب، [ولا] يتخذ دعوة، ولا يبيع بنسيئة، ولا بدون ثمن المثل [أي] بما لا يتغابن بمثله، ولا يسافر بالمال إلا بإذن المولى؛ لأنه متصرف للغير؛ فلم يملك ذلك دون إذنه؛ كالوكيل. وهذا إذا دفع إليه السيد مالاً؛ ليتجر فيه، أما إذا قال: اتجر بجاهك، ولم يدفع له مالاً- فله البيع والشراء في الذمة حالاً ومؤجلاً، وكذا له الرهن والارتهان؛ إذ لا ضرر فيه على السيد، فإن فضل في يده شيء؛ كان كما لو دفع إليه مالاً؛ كذا حكاه الرافعي في [كتاب الرهن]. والمراد بالدعوة الضيافة، وهي بفتح الدال عند جمهور العرب. قال: وإن اشترى من يعتق على مولاه بغير إذنه لم يصح الشراء في أصح القولين؟ لأن المقصود تحصيل الربح، وذلك ضده فلم ينفذ؛ كما في عامل القراض، وهذا ما نص عليه في "المختصر"، واختاره المزني ويستوي فيه الشراء بالعين و [في] الذمة؛ كما قاله أبو إسحاق. والقول الثاني: أنه يصح؛ لأن العبد لا يصح منه الشراء لنفسه، وإذا أذن له السيد فكأنه أقامه مقام نفسه في جميع الابتياع والتصرف؛ بخلاف العامل، وهذا ما نص عليه مع الأول في الدعاوى والبينات. ومحله: إذا لم يكن عليه دين. أما إذا كان عليه دين؛ فإن قلنا: لا يصح عند عدم الدين فها هنا أولى. وإن قلنا: يصح فهاهنا قولان: أحدهما: يصح ويباع العبد. والثاني: يبطل الشراء.

стр. 5267

قال الروياني: - وهذا حسن قاله أبو إسحاق وقال ابن أبي هريرة وجهان: أحدهما: لا يصح. والثاني: يصح ويعتق [عليه] ويكون دين الغرماء في ذمة السيد، فحصل في حالة الدين ثلاثة أوجه كما حكاه ابن الصباغ: أحدها: يبطل الشراء. الثاني: يصح، ولا يعتق. والثالث: يصح، ويعتق، والثمن في ذمة السيد. قال: وإن اشترى أباه بإذنه أي اشترى العبد أبا سيده بإذنه صح الشراء؛ إذ المنع كان لحقه فسقط بإذنه وعتق عليه إن لم يكن عليه دين؛ لتحقق الملك، وعدم تعلق حق الغير به. قال: وإن كان عليه دين ففي العتق قولان: وجه المنع: تعلق حقوق الغرماء به. ووجه الوقوع: تحقق الملك. قال المحاملي وغيره: وهذان القولان، كالقولين في عتق الراهن فإن نفذناه فعلى السيد قيمته للغرماء، فلو كان معسراً. قال الشيخ أبو حامد لم يعتق وجهاً واحداً، وهذا منه يدل على [أن الغرماء يتعلق حقهم بما في يد العبد قولاً واحداً، وفي كلام الماوردي ما يدل على] خلاف فيه فإنه قال: [إذا اشترى] العبد بإذن سيده والده، فهل يعتق بمجرد الشراء، أو دفع الثمن؟ فيه وجهان مبنيان على وجهين في أن غرماء العبد هل ملكوا حجراً بديونهم على ما [في يده] أم لا؟ فروع: أحدها: إذا اشترى العبد المأذون جارية، فهل يجوز للسيد تزويجها؟

стр. 5268

ينظر: إن لم يكن عليه دين؛ جاز بإذن العبد، وهل يجوز بدونه؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم. والثاني: لا، إلا أن يعيد الحجر عليه. وإن كان عليه دين: فإن زوجها بإذن الغرماء والعبد- صح، وإن زوجها بإذن العبد دون الغرماء، أو [بإذن] الغرماء دون العبد- لم يصح على أصح الوجهين؛ لأنهم يتضررون به. أما العبد؛ فلأن التزويج ينقص قيمتها، والباقي من الدين يتعلق بذمته. وأما الغرماء؛ فلأنهم لم يرضوا بتأخير حقوقهم وتعلقها بذمته إلى أن يعتق. وبيع السيد وهبته ووطؤه هذه الجارية؛ كالتزويج في حالة قيام الدين وعدمه؛ هكذا حكاه الرافعي في كتاب النكاح. ولم يحك في "التتمة" خلافاً في جواز البيع، بل استشهد به على جواز التزويج بغير إذن الغرماء. [وألحق الإمام] في كتاب الضمان تبرع السيد بما في يد العبد قبل الحجر عليه بوفاء مال الضمان مما في يده بعد الإذن فيه، وقال: إن فيه قولين. وإذا وطئ بغير إذن الغرماء فهل عليه المهر [لهم]؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ كما لو وطئ المرهونة. والثاني: يجب، والفرق: أن منفعة المرهونة للراهن، ومنفعة رقيق المأذون الذي عليه دين لا تكون للمالك. ولو أحبلها، فالولد حر، والجارية أم ولد؛ إن كان موسراً، وإن كان معسراً لم تصر أم ولدن وتباع في الدين، ويجب عليه قيمة الولد. الثاني: لا يجوز للسيد معاملة عبده المأذون في الشراء والبيع منه؛ لأن ما في يده ملكه، بخلاف المكاتب. وحكى الإمام في آخر باب القراض عن العراقيين في جواز معاملته إذا ركبته الديون وجهين. الثالث: لا يجوز لمن عرف رق المأذون ولم يعرف الإذن له معاملته [فلو عامله، ثم ظهر أنه مأذون له كان كما لو باع مال أبيه على ظن أنه حي فإذا هو

стр. 5269

ميت، ولمن لا يعرف رقه ولا حريته] ويجوز لمن عرف الإذن للعبد أن يعامله، وله أن يمتنع من دفع ثمن ما يشتريه منه إليه إلا ببينة تشهد بالإذن؛ خشية من إنكار السيد، كما قلنا فيما إذا اعترف من عليه دين لشخص بأنه وكيل عن رب الدين، ولو شاع في الناس أنه مأذون له ولا بينة، فهل يجوز معاملته؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم؛ لأن إقامة البينة لكل معامل مما يشق. ولو عرف كونه مأذوناً، فقال العبد: حجر على السيد امتنع عليه معاملته، وكذا لو قال السيد: لم أعزله على أصح الوجهين ولا ينعزل العبد بإباقة بحال، وكذا بعزله نفسه كذا صرح به المتولي. قال: وإن ملكه السيد مالاً لم يملكه في أصح القولين وهو الجديد؛ لأنه مملوك فلم يملك؛ كالبهيمة؛ ولأن التمليك سبب يملك به المال فلا يملك به العبد؛ كالإرث، ويملك في الآخر وهو القديم ملكاً ضعيفاً يملك المولى انتزاعه منه؛ لقوله ﵇: "من ابتاع عبداً وله مال؛ فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع" فأثبت له ملكاً، وجعله يرجع للسيد بالبيع، وذلك يدل على ضعفه. قال: ولا تجب فيه الزكاة أي لا على العبد؛ لضعف ملكه، ولا على السيد لزوال ملكه عنه، وكذا لا يعتق على العبد أباه إذا كان هو الملك. وقد قال الأصحاب: إن الحديث غير ثابت، على أنه حجة الجديد، فإن العبد لو ملك لم يكن للبائع، وقد دل الحديث على أنه للبائع فدل على أن العبد لم يملكه، والإضافة إليه غير حقيقية على القديم. فروع: أحدها: هل يحتاج العبد إلى القبول عند التملك؟ فيه وجهان ينبنيان على أن السيد هل يملك إجبار عبده على النكاح؟ حكاهما في "التتمة" في كتاب البيوع

стр. 5270

قبل الفصل الرابع في اعتبار القدرة على التسليم بورقتين. الثاني: إذا كان الملك جارية فهل يحل له وطؤها؟ الذي جزم به ابن الصباغ: الحل، وجعله فائدة الملك، وكذا التكفير بالمال، والذي حكاه الإمام: أن السيد إن أذن له في الوطء جاز عند الجمهور خلافاً للأستاذ أبي إسحاق، وإن لم يأذن له امتنع عند الجمهور. وفيه وجه ضعيف، ثم قال: ولعل صاحب "المهذب" يطرد مذهبه في أكل الطعام المملك، وشرب الشراب. نعم كل ما يقتضيه زوال الملك فهو متعلق بتمليك السيد عبده من انقطاع الحول، ووجوب الاستبراء إذا رجع، وما يتعلق بصورة الملك فهو يحصل بملك العبد؛ كانفساخ النكاح [إذا ملكه] [زوجته، وما يستدعي كمالا في الملك لا يحصل في ملك العبد؛ كتقدير العتق] إذا ملكه سيده أباه أو ابنه. الثالث: إذا ملك الرجل عبدين: سالماً، وغانماً، فملك كل واحد منهما صاحبه- فالملك يثبت للآخر على الأول. ولو وكل وكيلين حتى يهبا سالماً لغانم وغانماً لسالم، ثم جرى ذلك منهما جميعاً- لم ينفذ واحد منهما. الرابع: السيد لا يعامل عبده فيما ملكه حتى لو ابتاع منه شيئاً فما ابتاعه منه راجع إلى السيد، وما بذله السيد [من الثمن هل يملك للعبد]؟ فيه وجهان: أصحهما في النهاية: لا. الخامس: إذا أتلف ما ملك العبد، فهل ينقطع حق العبد، وتكون القيمة للسيد، أو تنتقل القيمة إلى العبد؟ فيه وجهان:

стр. 5271

أفقههما: الانقطاع؛ حكاهما الرافعي في الركن الرابع من القسامة. السادس: لو أعتق السيد قبل أن يسترجع منه ما ملكه هل ينقطع ملك العبد ويعود إلى السيد؟ قال الماوردي في كتاب القسامة: إنه لا يسترجعه منه؛ كما إذا ملك أم ولده شيئاً، وقلنا بالقديم إنها تملكه، فإن للورثة الانتزاع منه؛ لبقائه على رقه. وفي "تعليق" القاضي الحسين في كتاب القسامة أيضاً: أنه لو أعتقه عاد الملك إليه، والله أعلم.

стр. 5272

باب المساقاة المساقاة اسم لعقد لازم، يعقده مالك الشجرة مع إنسان يحسن القيام بتعهد الأشجار، على أن ما يرزقه الله من ثمرة فيها يكون بينهما على حسب ما يشترطانه. واشتق هذا الاسم من السقي دون سائر الأعمال؛ لأنه [أنفع الأعمال فيها] وأكثر، لاسيما في الحجاز، فإن غالب ما تسقى الأشجار فيه من الآبار. وقيل: لأنها معاملة على ما يشرب بساقٍ. وقيل: لأن موضع النخل والشجر يسمى سقياً فاشتقوا اسم المساقاة منه. والأصل في مشروعيتها قبل اتفاق الصحابة والتابعين عليها: ما روى مسلم عن ابن عمر، قال: "أعطى رسول الله ﷺ خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع". وروي عنه أيضاً أن النبي ﷺ "أعطى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعملوها من أموالهم، وأن لرسول الله ﷺ [شطرها] ". وغير ذلك من الأخبار، ولا يقال: إن أهل خيبر كانوا عبيداً للمسلمين وأن أرض خيبر كانت لأهل خيبر، فما فعله رسول الله ﷺ مخارجة أو جزية؛ لأن عمر أجلاهم عنها لما سحروا ولده عبد الله فتكوعت يده. ولو كانوا عبيداً للمسلمين، أو الأرض لهم؟ لما فعل عمر ذلك.

стр. 5273

وأيضاً: فقد قال عمر لرسول الله: "إني ملكت مائة سهم من خيبر، وهو مال لم أصب قط مثله .. ؟ " الحديث. وذلك ينفي السؤال. ومن جهة المعنى: أن الأشجار أعيان لا يجوز إجارتها ولا [يزكو نماؤها] إلا بالعمل عليها فجازت المعاملة عليها ببعض نمائها؛ كالدنانير، والدراهم في القراض، ولا ترد المزارعة، لأن إجارة الأرض ممكنة ولا المساقاة على أصول البطيخ ونحوها؛ لأنها تنمى من غير عمل والعمل يقع في غيرها وهو الأرض. قال: من جاز تصرفه في المال صح منه عقد المساقاة لأنه تصرف في المال. قال: وينعقد بلفظ المساقاة؛ لأنه موضوع له وبما يؤدى معناه أي كقوله: اسق هذا النخل، وتعهده بكذا من ثمرته؛ لوفائه بالمقصود. قال الرافعي: ويشبه أن يكون هذا من الأئمة جواباً على انعقاد العقود الكنايات مع النية، أو يكون ذهاباً إلى أن صرائح هذا العقد غير محصورة؛ كما قيل في الرجعة على رأي، ولا بد في هذا العقد من القبول لكونه لازماً بخلاف القراض حيث لم يشترط على وجه؛ كما صار إليه القاضي فيما إذا لم يأت بلفظ القراض، ولا يشترط مع ذلك بيان أعمال المساقاة، بل يحمل في كل ناحية على عرفها الغالب إذا عرفه المتعاقدان دون ما إذا لم يعرفه أحدهما. وفيه وجه: أنه يشترط تفصيلها وإن عرف العرف؛ لأنه يكاد يضطرب. فروع: لو قال خذ هذه النخلة واعمل عليها بكذا، ففي ابن يونس: أنه يصح. وفي "النهاية": أنه لا يصح ما لم يبين الأعمال التي تستحق على العامل.

стр. 5274

ولو قال عاملتك على هذه الأشجار لتعمل عليها على كذا ففيه وجهان: وجه البطلان: أن هذا من أحكام العقد، فلم ينعقد [به] العقد. قال الماوردي: وهذان الوجهان من اختلاف أصحابنا في البيع إذا عقد بلفظ التمليك، ومقتضى هذا: أن يكون الصحيح عنده المنع؛ كما حكاه في لفظ التمليك، وعلى قول الصحة هل يحتاج إلى تفصيل الأعمال؟ فيه تردد حكاه الإمام. ولو قال: استأجرتك على سقي هذه الأشجار، وتعهدها بكذا من ثمرها وهي مفقودة؛ لم يصح إجارة؛ لجهالة الأجرة، ولا كناية في المساقاة؛ لأن ذلك عقد على منفعة. ولفظ الإجارة صريح فيه فلا يكون كناية فيه. وفي "الوسيط" حكاية وجه: أنه [يجوز]؛ لما بين العقدين من المشابهة، وهو جار في انعقاد الإجارة بلفظ المساقاة. وحاصل الخلاف كما قيل راجع إلى أن العبرة باللفظ أو المعنى. وإن كانت الثمرة موجودة لم يبد صلاحها لم تصح إجارة أيضاً؛ لأن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها لا يصح بدون شرط القطع. وقطع البعض متعذر. ولا تصح مساقاة على الوجه الضعيف أيضاً إن منعنا المساقاة [على] الثمرة الموجودة، وإن جوزناها: فيتجه أن يجيء الوجه الضعيف هنا أيضاً. وإن كان قد بدا صلاحها- صح العقد إجارة. قال: ويجوز على الكرم والنخل أما [على] النخل؛ فلما تقدم. وأما [على] الكرم فبعضهم قال: إن الشافعي قاسه على النخل بجامع ما اشتركا فيه من وجوب الزكاة وظهور الثمرة وإمكان خرصها.

стр. 5275

وقال الماوردي إنه أشبه، وبعضهم قال إن الشافعي أخذه بالنص، وهو ما روى عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ "عامل أهل خيبر على الشطر مما يخرج من النخل والكرم"، كذا حكاه في "البحر". وهذا القول هو ظاهر لفظه في "المختصر"؛ فإنه قال: فإذا ساقى على النخل أو العنب بجزء معلوم؛ فهي المساقاة التي ساقى عليها رسول الله ﷺ . فرع: هل يجوز الخرص فيهما في المساقاة؟ فيه قولان حكاهما القاضي الحسين وغيره- وفائدتهما تظهر من بعد: أحدهما: يجوز كما يجوز في الزكاة تمسكاً بما روي أنه- ﵇: "أرسل عبد الله بن رواحة خارصاً لخيبر فخرص نخلها عليهم". والثاني: لا يجوز؛ لأنه ظن وتخمين وما جاء في الحديث كان معاملة بين المسلمين [والمشركين ويعفى في المعاملة مع المشركين ما لا يعفى عنه في المعاملة بين اثنين من المسلمين]. تنبيه: أراد الشيخ بالكرم العنب، وكان الأولى ألا يذكر لفظ "الكرم"، ويذكر لفظ العنب كما حكيناه عن لفظ الشافعي في "المختصر"؛ لأنه ثبت في صحيح مسلم: "لا تقولوا: الكرم وقولوا: الحبلة يعني العنب".

стр. 5276

قال: وفيما سواهما من الأشجار قولان- أي الأشجار المثمرة كالتين والكمثرى والمشمش والتفاح ونحوهما. وجه الجواز، وهو القديم وبه قال أبو ثور: "ما روى الدارقطني بسنده أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بالشطر مما يخرج من النخل والشجر". ولأن الحاجة تدعو إليها في [هذه الأشجار كما تدعو إليها في] النخل فألحقت به. ووجه المنع- وهو الجديد والأصح: أنها أشجار لا تجب الزكاة في ثمارها فلا تجوز المساقاة عليها؛ كالموز، والصنوبر. والخبر محمول على شجر خيبر [ولم يكن] [بها] سوى النخل، والكرم، ويخالف النخل والكرم؛ لأن ثمارها لا تنمو إلا بالعمل فيها؛ فالنخل يحتاج إلى اللقاح والكرم للكساح وسائر الأشجار تنمو من غير تعهد وعمل فيها، وبنى القاضي الحسين والفوراني القولين في جواز الخرص في النخل والكرم، كما تقدم: إن جوزناه لم تجز المساقاة فيما عداهما من الأشجار؛ لأن الخرص لا يتأتى فيها، وإلا جاز؛ لأن الخرص على هذا القول ساقط الاعتبار. قال الماوردي: والخلاف المذكور فيما [إذا] أفردت هذه الأشجار بالعقد عليها، أما إذا وقع العقد على النخل وهي في وسطه قليلة جازت المساقاة عليها تبعاً؛ كما تجوز [المزارعة تبعاً]. التفريع: إن قلنا بالجديد قال ابن سريج تجوز المساقاة على المقل وجهاً واحداً؟ قال القاضي أبو الطيب: وهو المنصوص والصحيح أنه على القولين. انتهى. وإن قلنا بالقديم: فهل تجوز المساقاة على شجر الفرصاد الذي يصلح ورقه

стр. 5277

للقز، وعلى شجر الخلاف لينتفع بأغصانه بعد سنة أو سنتين؟ فيه وجهان: حكاهما الشيخ أبو علي. ووجه الجواز إقامة الورق والأغصان مقام الثمرة. [تنبيه:] احترز الشيخ على القديم بلفظ الشجر عما ليس بشجر من الخضراوات؛ كالبطيخ، والخيار ونحوهما، وعن قصب السكر، والباذنجان والبقول، والقصب ونحو ذلك، فإنه لا يجوز عقد المساقاة عليها. وفي "التتمة" حكاية وجه فيما إذا كانت البقول تجز مرة بعد أخرى أنه يجوز على القديم. قال: وإن ساقاه على ثمرة موجودة ففيه قولان: أحدهما: وهو المنصوص في "الأم"، والصحيح في الرافعي، وقال القاضي الحسين، والإمام: إنه الجديد أنه يجوز. ووجهه: ما حكاه القاضي الحسين عن الشافعي أن المساقاة لما جازت قبل خروج الثمرة فبعدها أجوز، ومن الغرر أبعد. قال القاضي: وهذا يدل على أن الذي يخرج كله [لرب النخل]، ثم يستحق العامل جزاء. والثاني: [أنه] لا يجوز؛ لفوات بعض الأعمال؛ ولأن الثمرة إذا ظهرت فقد ملكها رب النخل، فكان شرط جزء منها للعامل كشرط جزء من النخل. وهذا القول رواه البويطي كما حكاه الماوردي، وقال إنه المشهور من المذهب، وهو الذي صححه الروياني. وقال القاضي الحسين، والإمام: إنه القديم واستبعد الرافعي أن يكون هذا قولاً قديماً؛ لأن "البويطي" معدود من الكتب الجديدة [ولا وجه لاستبعاده فإن "الأم" من الكتب الجديدة] أيضاً. وفيها ما هو معزي إلى القديم. واعلم أن هذا الخلاف جار على المشهور في الطريق فيما إذا كانت الثمرة

стр. 5278

لم يبد صلاحها، أما إذا بدا صلاحها فبعضهم أجراه أيضاً [مجرى] ما لم يتبين نضجها ولم يبق إلا الجداد وهو قضية إطلاق الشيخ، والماوردي حيث قال: حكي عن الشافعي في "الإملاء" جوازه بلا تفصيل، ولعل هذا على قولنا: إن العامل أجير لا شريك، وهو ما صرح به البندنيجي حيث قال: إذا ساقاه بعد ظهور الثمرة وقد بلغت أوان الجداد فهي باطلة قولاً واحداً، وإن كان قد بقي من العمل عليها ما فيه مستزاد فيها بالسقي والتسوية وقطع الحشيش المضر بالنخل ففيه قولان: قال في القديم: يصح. وقال في الجديد: لا يصح. وهذا على الضد مما حكيناه عن الإمام والقاضي. وبعضهم جزم بالإبطال، وهي الطريقة التي جعلها الرافعي أظهر؛ لأنها لا تتأثر بالعمل بعد، و [بها] جزم ابن الصباغ، والقاضي أبو الطيب. وحكى القاضي الحسين [الخلاف] في هذه الحالة مرتباً على الخلاف فيما إذا لم يبد صلاحها وأولى بالبطلان. وفرق بأن بعد بدو الصلاح فات معظم الأعمال، والمساقاة عقد عمل، وقبله بقي المعظم، وجزم الفوراني والمسعودي بالجواز قبل بدو الصلاح لهذا المعنى، وقد حيكنا الخلاف في الجواز بعده. قال: وإن ساقاه على ودي إلى مدة لا تحمل فيها أي غالباً كما قاله المحاملي، والبندنيجي، وغيرهما لم يصح؛ لأن المقصود أن يشتركا في الثمرة، وذلك معدوم. وفي "الوسيط" حكاية وجه في الصحة، ولم أر في "النهاية" تصريحاً به. قال: وهل يستحق أجرة العمل؟ فيه وجهان: وجه النفي: وهو ما صار إليه المزني، كما حكاه الشيخ في "المهذب" وغيره: رضاه بالعمل بغير عوض؛ إذ المسألة مصورة بما إذا عرف الحال، أما إذا لم يعرفه فإنه يستحقها وجهاً واحداً، وفيما وقفت عليه من "النهاية" حكاية خلاف في هذه الحالة أيضاً.

стр. 5279

ووجه الاستحقاق: أن العمل في المساقاة يقتضي العوض فلا يسقط بالرضا، [كالوطء] في النكاح، وهذا ما صار إليه ابن سريج، وبه جزم الشيخ في نظير المسألة عن القراض وهي ما إذا قال: قارضتك على أن [يكون] الربح كله لي، أما إذا كانت تحمل فيها غالباً صح كما صرح به الماوردي وغيره. وعبارة الروياني: أن شرط الصحة أن يقدر بالمدة التي أجرى الله- تعالى- العادة بأن الثمار تطلع فيها إطلاعاً متناهياً وفي هذه العبارة زيادة على الأولى، فإن [بين التناهي] ومجرد الحمل فرقاً ظاهراً. وفي "النهاية" حكاية وجه: أنها لا تصح، وإن غلب [على] الظن الموجود [فيها ما] لم يتحقق، وضعفه. تنبيه: الودي: بكسر الدال المهملة وتشديد الياء صغار النخل، وتسمى أيضاً الفسيل. قال: وإن كان إلى مدة قد تحمل فيها وقد لا تحمل أي: وليس أحدهما أظهر، كما صرح به المحاملي والبندنيجي والجمهور، فقد قيل: يصح؛ لأنه يرجى وجود الثمرة [فيها] فهو كشرط مدة توجد [الثمرة فيها] غالباً، فعلى هذا لو لم تظهر ثمرة لا يستحق [العامل] شيئاً، كما لو ساقاه على نخل يحمل فلم يطلع. وقيل: لا يصح؛ لأنه عقد أجير على عوض غير موجود ولا الظاهر وجوده، فهو كالسلم في معدوم لا يوجد غالباً في المحل المشروط. وهذا ما صار إليه أبو إسحاق، وصححه الرافعي وغيره. قال: وللعامل أجرة المثل أي: على هذا القول وإن لم يطلع؛ لأنه لم يرض أن يعمل مجاناً ولم يسلم نفسه له ما شرط له فرجع إلى البدل ولا خلاف في أنه إذا ساقاه على عشر سنين مثلاً وجوزنا ذلك أنا لا نعتبر العلم بحمل الأشجار، أو الظن به في كل سنة بل يكفي العلم أو الظن بحملها قبل فراغ المدة. قال: وإن ساقاه على ودي يغرسه ويعمل عليه لم يصح؛ أي: سواء شرط له

стр. 5280

جزءاً من الودي أو جزءاً من [ثمرته] عند حدوثها، وقد عقد إلى مدة يحمل في مثلها، [لأن هذا] تعليق للمساقاة على [صفة، وفيه مشابهة المساقاة على] الزرع لكونها لم ترد على أصل ثابت، ولأنه في الحالة الأولى [يشبه المزارعة]. وفي "الحالة" الثانية قد شرط عليه الغرس، وليس [هو] من أعمال المساقاة فكان كضم عير التجارة إلى عمل القراض. وفي الحالتين وجه عن رواية صاحب "التقريب": أنه يصح، وحكاه في الثانية غيره، وعلى الصحيح إذا عمل العامل في هذا العقد الفاسد استحق أجرة المثل إن كانت الثمرة متوقعة في المدة، وإن لم تكن متوقعة فعلى ما ذكرناه من خلاف ابن سريج والمزني. قال: ولا تجوز المساقاة إلا إلى مدة معلومة خلافاً لأبي ثور حيث قال: مطلقها يحمل على سنة، ولنا عليه أنه عقد لازم فافتقر [فيه] إلى تقدير المدة حتى لا يتضرر واحد منهما كالإجارة ويخالف القراض حيث لم يعتبر فيه التأقيت؛ لأنه [] يخل بمقصوده؛ لأن الربح ليس له وقت معلوم، وربما لا يحصل في المدة المقدرة، ولحصول المقصود في هذا العقد وهو الثمار غاية معلومة يسهل ضبطها فإن قيل قد روي أن النبي ﷺ قال لليهود لما افتتح خيبر: "أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللهُ؛ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ" وهذا يدل على جواز عقدها [لا] إلى مدة فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنه – ﵇ قال ذلك لهم؛ لأنهم لا يرون النسخ فشرط عليهم ذلك؛ قطعا لتوهم من يتوهم منهم اللزوم فيه ومثل هذا الشرط جائز؛ لأنه

стр. 5281

عليه السلام كان يوحى إليه, ولا يجوز لواحد منا لعدم الوحي. الثاني: قاله الماوردي: أنه- ﵇ إنما شرط ذلك في عقد الصلح لا في عقد المساقاة. فرع: لو أقت المدة بإدراك الثمار هل يصح؟ فيه وجهان: وجه المنع فيه. قال الأكثرون: الجهل بوقت الإدراك. ووجه الجواز وهو الأصح عند الرافعي: أن ذلك هو المقصود في هذا العقد فكان التأقيت به أولى، فعلى هذا لو قال: ساقيتك سنة، فهل يحمل على سنة عربية أو على سنة الإدراك؟ فيه وجهان: أصحهما عند أبي الفرج السرخسي: الثاني وإن قلنا: بالأول أو أقت بالزمان فأدركت الثمار في بعض المدة وجب على العامل أن يعمل في باقي المدة ولا أجرة له، وإن انقضت المدة وعلى الأشجار طلع أو بلح فللعامل نصيبه منها، وعلى المالك التعهد إلى الإدراك، وإن حد الطلع بعد [تعد] المدة فلا حق له فيه كذا قاله الرافعي. وأوضح منه ما حكاه في "المهذب" أنه لو ساقاه عشر سنين فانقضت ثم أطلعت ثمرة السنة العاشرة لا يستحق؛ لتقضي مدته وزوال عقده. وكذلك هو لفظ الماوردي والروياني في "البحر" وقالا: فيما إذا أطلعت قبل تقضي تلك السنة ثم انقضت ولم يبد صلاحها فله حقه فيها، ثم إذا قيل: إنه أجير كان عليه أن يأخذ حقه منها طلعا أو بلحاً، وليس له استيفاء حقه إلى بدو الصلاح. وإن قيل: إنه شريك كان له استيفاؤه إلى بدو الصلاح وتناهي الثمرة وقد يشكل [الجمع بين] ما حكيته عنهما في صدر هذا الكلام وبين ما قالاه في موضع آخر من كتابيهما، وهو أنه إذا ساقاه إلى مدة تحمل الثمرة فيها غالباً ثم

стр. 5282

تأخر الإطلاع فيها لعارض ثم أطلعت بعد تقضيها أما إن قلنا: إن العامل شريك في الثمرة كما هو المذهب كانت الثمرة بينهما؛ لأن ثمرة هذا العام حادثة على ملكهما، ولا يلزم العامل العمل بعد انقضاء المدة. وإن قلنا: إنه أجير فالثمرة لرب النخل وللعامل أجرة المثل وطريق الجمع يؤخذ من لفظ التأخر لعارض فتكون صورة ما قالاه أولاً: فيما إذا انقضت المدة ولم تحدث الثمرة ولا عارض، وصورة ما قالاه ثانياً: في أن الثمرة لولا العارض لظهرت في المدة. قال: ويجوز إلى مدة تبقى فيها العين في أصح القولين؛ أي: مثل أن يقول: ساقيتك على [هذه النخيل] خمسين سنة مثلاً. ووجهه: أنه يجوز عقدها إلى سنة بالاتفاق، وما جاز عقده إلى سنة جاز إلى أكثر منها كالأجل في البيع، والكتابة. [قال:] ولا يجوز في الآخر أكثر من سنة؛ لأنه عقد غرر جوز للحاجة، والحاجة لا [تدعو] إلى أكثر من سنة؛ لأن منافع الأعيان تتكامل فيها. وقيل: في المسألة قول ثالث؛ أنه لا يجوز [إلى] أكثر من ثلاثين سنة؛ لأنها شطر العمر فلا تبقى الأعيان على حال واحد أكثر منها في الغالب. وهذا أخذ من قول الشافعي: يجوز ثلاثين سنة، والصحيح: الأول، وذكر الثلاثين كان على سبيل التكثير لا على سبيل التحديد، أو قاله الشافعي فيما لا يبقى أكثر منها، وعلى هذا إن كانت الشجرة مما تثمر [في] كل سنة، فهل يجب تعيين [كل] حصة كل سنة، أم يكفي قوله: "ساقيتك على النصف"؛ لاستحقاق النصف كل سنة؟ فيه طريقان في "المهذب" وغيره: أحدهما: [إجراء] وجهين أو قولين كما سنذكرهما في الإجارة. والثاني: القطع بالوجوب، وبها جزم الماوردي، والفرق أن الاختلاف في الثمار يكثر وفي المنافع يقل.

стр. 5283

قال: ولا يجوز إلا على جزء معلوم من الثمرة؛ لأنه أنفى للغرر وأقطع للمنازعة. واحترز الشيخ بلفظ الثمرة عن أن يجعله من غيرها فإنه لا ينعقد العقد مساقاة بل إجارة إن وجد شرطها. قال: كالثلث والربع والأصل في ذلك أن النبي ﷺ ساقى أهل خيبر على الشطر مما يخرج من ثمر وزرع مع جهل قدره، وقد اتفق العلماء حتى أهل الظاهر على أنه لا يشترط التقييد بالشطر؛ فتعين أن المراد التقييد بالجزء. قال: وإن شرط [أن] له ثمرة نخلات بعينها أو آصعاً معلومة من الثمرة لم يصح؛ لأنه خلاف ما ورد الخبر به، ولما ذكرناه في القراض والحكم عند قوله: ساقيتك على هذا النخل من غير أن يذكر شيئاً من الثمرة، أو على أن لي النصف، أو على أن لك النصف، أو على أن الثمرة بيننا، أو على أن الثمرة كلها لي؛ كالحكم المذكور في القراض وفاقاً وخلافاً صرح به الرافعي والماوردي؛ حتى حكي عن ابن سريج فيما إذا قال: ساقيتك وأطلق أنه يصح على نصف الثمرة. وحكي عن الأكثرين فساد العقد فيما إذا قال: على أن الثمرة بيننا. ولو قال: ساقيتك على أن الثمرة كلها لك؛ قال الأصحاب: فسد العقد، ولا يجيء فيه ما ذكرناه في القراض أن الثمرة تكون للعامل [على] وزان أن الربح كله للعامل؛ لأن هناك قدرنا المدفوع إليه قرضاً وهاهنا لا يمكن قرض الأشجار، ولكن هل للعامل أجرة عمله؟ فيه وجهان في "الإبانة": ووجه المنع: أنه عمل وعنده أنه يعمل لنفسه، ومن عمل لنفسه لا يستحق أجرة على غيره. وفي "التتمة" حكاية وجه في صحة العقد إذا شرط كل الثمرة للعامل لغرض القيام بتعهد الأشجار وتربيتها، ويجوز إذا ساقاه على ثلاث سنين مثلاً وأن يجعل للعامل في السنة الأولى النصف، وفي الثانية الثلث، وفي الثالثة السدس وبالعكس كما جزم به في "الحاوي" وحكاه ابن الصباغ عن ابن أبي هريرة، وحكي عن غيره: أنه خرج ذلك على ما إذا أسلم في قمح وشعير إلى أجل واحد، لاختلاف السنين في الأحكام.

стр. 5284

وهل يجوز أن يشترط له نصف [الثمرة السنة الثالثة دون ما عداها؟ فيه وجهان في "المهذب" وغيره: أحدهما: وهو الذي قطع به المحققون: المنع كما لا يجوز أن يشترط له نصف] ثمرة السنة الأولى دون ما عداها، ولا خلاف أنه إذا لم يغلب حدوث الثمرة إلا في السنة الأخيرة فساقاه على شطر ثمرتها أنه يصح، ويجب الوفاء بالشرط حتى إذا حدثت ثمرة نادرة قبل ذلك اختص بها رب النخل. ولو كان في هذه الحالة العقد بصيغة: أن ما حصل من الثمار في المدة المذكورة فلك منه كذا، ولم يقع التخصيص بثمار السنة الأخيرة؛ فالثمرة النادرة تقسم كما تقسم الغالبة- صرح به الإمام. ويجوز إذا كان النخل أنواعاً معروفة لهما أن يجعل له من ثمرة نوع نصفها ومن النوع الآخر ثلثها، ولا يجوز ذلك عند جهل أحدهما بالأنواع. فرعان: أحدهما: العرجون هل يدخل في المساقاة؟ فيه وجهان في "البحر". الثاني: سواقط النخل من السعف والكرناف والليف لرب النخل؛ لأنه ليس من مألوف الثمار ولا مقصود النخل، فإن شرطه العامل لنفسه بطل، وإن شرط بينهما على نسبة معلومة؛ ففي صحة المساقاة وجهان في "الحاوي". قال: فإذا انعقد لزم كالإجارة هذا من الشيخ مغن عن التعليل، لكن يحتاج إلى بيان الجامع، وهو أنهما عقدان على عمل على العين مع بقائها، وبهذا خالفا القراض، فإن العامل فيه متصرف في العين بإذن مالكها، كالوكيل، فلذلك كان جائزاً كالوكالة. وفرق الماوردي بينهما بأن نماء النخل في المساقاة متأخر عن العمل فكان في ترك لزومه تفويت للعمل بغير بدل، ونماء المال في القراض متصل بالعمل فلم يكن في ترك لزومه تفويت للعمل بغير بدل. وقد استدل الرافعي على اللزوم: بأنا لو قلنا بجوازها فربما يفسخ المالك بعد العمل وقبل ظهور الثمرة وحينئذ فإما أن نقطع حق العامل عنها، أو لا؛ فإن

стр. 5285

قطعناه ضاع سقي العامل مع تأثيره في الثمار، وإنه ضرر، وإن لم نقطعه لم ينتفع المالك بالفسخ، بل يتضرر لحاجته إلى القيام ببقية الأعمال، ويخالف القراض فإن الربح ليس له وقت معلوم ولا له تأثير بالأعمال السابقة فلا يلزم من فسخه ما ذكرناه. قلت: ولا يرد عليه أن يقال: يفسخ ولا يسقط حق العالم بالكلية ولا يستحقه من الثمرة، بل يستحق أجرة مثل ما عمل كما يقول في الجعالة؛ [لأن العمل في الجعالة] مضبوط يمكن اعتباره وهو في المساقاة غير مضبوط. تنبيه: قول الشيخ: لزم كالإجارة فيه إشارة إلى أن خيار [الشرط] لا مدخل له فيها، وفي خيار المجلس وجهان كما سيأتي في الإجارة، وصرح به في "المهذب" هنا. فإن قيل: قد صرح الغزالي: بأن من شرط صحة المساقاة ورودها على الذمة، وهو الذي يقتضيه كلام الأصحاب حيث أطلقوا أن للعامل أن يساقي على جزء من الثمرة بقدر ما شرط له أو دونه، وكذا إطلاقهم أنه إذا هرب أو مات أن يؤجر من ماله من يعمل عنه، ولو كان وردوها على العين يصح لما صح هذا الإطلاق منهم. وإذا كان كذلك فسيأتي حكاية خلاف في ثبوت خيار الشرط في الإجارة الواردة على الذمة، فينبغي أن يأتي مثله هاهنا. قلت: لا نسلم أن من شرط المساقاة ورودها على الذمة وما ذكره الغزالي فهو احتمال أبداه الإمام وقد صرح المتولي بأنها إذا وردت على العين صحت، وليس للعامل أن يستعين بعامل غيره، وإنه إذا فعل ذلك انفسخت المساقاة بتركه العمل

стр. 5286

وكانت الثمار لرب النخيل ولا شيء للعامل الأول، والعامل الثاني إن علم بالفساد فلا شيء له، وإن جهل ففي استحقاقه أجرة المثل ما سنذكره في خروج الأشجار مستحقة، وما أطلقه الأصحاب فهو محمول على الأعم الأغلب [فيها]. وعلى تقدير أن يكون من شرطها الورود في الذمة [كما] ذكر فيما ذكر من الاختلاف في ثبوت خيار الشرط في الإجارة الواردة على الذمة مخصوص بما إذا لم يقيده بمدة، أما إذا تقيدت بمدة فلا، وهو نظير مسألتنا. واعلم أنه قد بقي من الشروط شرطان لم يذكرهما الشيخ: أحدهما: أن تكون الأشجار معينة فلو قال: ساقيتك على إحدى حوائطي أو على ما شئت من نخلي كان باطلاً؛ لأن النخل أصل في العقد فبطل بالجهالة؛ كالبيع. الثاني: الرؤية فلو ساقاه على نخل لم يرها ووصفها- لم يصح، وبعضهم خرجه على قولي بيع الغائب، والذي صححه الماوردي والروياني- الطريق الأول؛ لما في ذلك من تكثير الغرر في [هذا] العقد، بخلاف البيع. فائدة: ذكرها القاضي الحسين وهي: أن هذا العقد شبيه بعقود: فمن حيث إنه التزام عمل في الذمة ولا يبطل بموت العامل شبيه بالسلم. ومن حيث إنه يجوز التفرق فيه قبل التقابض: شبيه ببيع العين. ومن حيث إنه معقود على العمل [في شيء ببعض ما يخرج منه شبيه بالقراض. ومن حيث إنه عقد لازم بعوض على العمل]. يشترط فيه التأقيت شبيه بالإجارة. انتهى. وما قاله أولاً [لا يعضد] ما قاله الغزالي: أن شرطها الورود على الذمة. قال: "وعلى العامل أن يعمل على ما فيه مستزاد في الثمرة" أي: عند إطلاق العقد من التلقيح، وصرف الجريد، وإصلاح الأجاجين وتنقية السواقي والسقي؛ لاقتضاء العرف ذلك. تنبيه: المستزاد: الزيادة.

стр. 5287

والتلقيح: وضع شيء من طلع الذكور في طلع الإناث، والكثر يكون على المالك. وصرف الجريد قطعه إذا أضر بالنخل، يابساً كان أو رطباً. وقيل: إنه يرده عن وجوه العناقيد وتسوية العناقيد [بينها] لتصيبها الشمس وليتيسر قطعها عند الإدراك، وهو بالمعنى الأول متفق على وجوبه على العامل، وفي معناه تقليم قضبان الأشجار المضرة، وبالمعنى الثاني قال الماوردي: لا يجب على العامل إلا بالشرط، وغيره أوجبه من غير شرط، وألحق به المتولي تعريش الكرم حيث جرت العادة به، وكذا وضع الحشيش فوق العناقيد، صوناً لها عن الشمس عند الحاجة. الأجاجين: ما حول المغارس محوط عليه يشبه الإجانة التي يغسل فيها. السواقي: هي المجاري. ويجب على العامل تنقيتها من الحمأة، والسقي بأن يجري الماء بآلة المالك إلى الأشجار في الوقت المعتاد، ويفتح رأس الساقية، ويسدها عند الحاجة إليها. قال: وعلى رب المال ما يحفظ به الأصل [أي: مما يعد من الأصول]، كسد الحيطان وحفر الأنهار أي: الذي احتيج إلى تجديدها، أو التي: انهارت، وشراء الدولاب أي: ونصبه، وشراء الأبقار، والآلات التي يوفي بها العمل؛ كالفأس والمعول والمنجل، والمسحاة ونحو ذلك. ووجه وجوبه على المالك: العرف. وقيل: إن الثيران والمسحاة ونحوها على من شرطت عليه، ولا يجوز السكوت عنها، وهو المذكور في "أمالي" السرخسي. ويحكى عن أبي إسحاق ووراء ذلك أمور أخر مختلف فيها. فمنها: تنقية البئر والنهر [والمذهب] إنها على العامل. وقيل: على المالك. وقيل: هو على من شرط عليه؛ فإن لم يشترط بطل العقد، وهو قول أبي إسحاق.

стр. 5288

ومنها: حفظ الثمار هل هو على العامل أو عليهما على نسبة ملكيهما في الثمرة؟ فيه وجهان: أظهرهما؛ وبه قال ابن الصباغ وغيره: الأول، وهما جاريان [في حفظ الثمار] عن الطيور والزنابير بأن يجعل كل عنقود في قوصرة، لكن القوصرة على المالك جزما. وفي جداد الثمار أيضاً وقطافها كما حكاها الماوردي وغيره وطردهما في "الرقم" في تجفيف الثمار، والظاهر وجوبه إذا اطردت العادة به أو شرطاه، وإذا وجب التجفيف وجب تهيئة موضع التجفيف، ونقل الثمار إليه وتقليبها في الشمس من وجه إلى وجه. ومنها: سد الثلم اليسيرة التي تتفق في الجدار، فيه وجهان، والأشبه: اتباع العرف، وكذلك في وضع الشوك على رأس الجدار الوجهان. فرع: لو شرط على العامل ما يلزم المالك بطل الشرط والعقد. [وقيل: يبطل الشرط دون العقد]. وقيل: يبطل العقد دون الشرط حملاً على الشروط الفاسدة في الرهن. وقال الماوردي: وهو خطأ؛ لأن عقود المعاوضات إذا تضمنت شروطاً فاسدة بطلت؛ كالشروط الفاسدة في البيع والإجارة. ولو شرط على المالك شيء مما على العامل بطل إلا السقي فإنه إذا شرط على رب النخل جاز كما نص عليه في "البويطي"؛ لأنه لو ساقاه على بعل جاز والبعل: ما شرب بعروقه من غير سقي كذا حكاه البندنيجي. وحكى الماوردي في ما يشرب بعروقه؛ كنخل البصرة ثلاثة أوجه: أحدها: أن سقيها على العامل. والثاني: أنه على رب النخل واشتراطها على العامل يبطل العقد. والثالث: يجوز [اشتراطه] على المالك، ويجوز على العامل. فإن أطلق العقد لم يلزم واحد منهما. تنبيه: الدولاب: فارسي معرب تضم داله وتفتح.

стр. 5289

الأنهار: جمع نهر بفتح الهاء وإسكانها، وتجمع أيضاً على نهر بضمتين، مشتق من: أنهرت الدم وغيره: أي: أسلته. قال: وإن شرط أن يعمل معه غلمان رب المال أي فيما يلزمه من أعمال المساقاة ويكونوا تحت أمره- جاز على المنصوص أي: إذا كانوا معروفين بالرؤية، أو الوصف لما ذكرناه في القراض، وقد استدل له الغزالي بأن العبد يكون مستعاراً على التحقيق والإعانة به كالإعانة بالثيران، ولا خلاف في [جواز اشتراطها]. وقد اعترض عليه بأن الثيران على المالك كما تقدم، فإذا اشترطت فقد شرط على المالك ما هو واجب عليه. وجوابه: أن المراد أن المالك قد وجب عليه بعض الأعمال وهو إدارة السواقي بالثيران وكان مقتضى العقد أن يجب على العامل وقد وجب على المالك بالشرط؛ فكذلك [عمل] الغلمان. وإذا عين رب المال [الغلمان] فلا يجوز له أن يبدلهم بغيرهم صرح به الماوردي، أما إذا شرط في عمل الغلمان الاستقلال بالتصرف دون مراجعة العامل، أو ألا يتصرف [العامل] دون مراجعتهم لم يصح. وكما يجوز أن يشترط العامل عمل غلمان رب المال معه يجوز أن يشترط رب المال عمل غلمان العامل معه كذا حكاه الماوردي عن نص الشافعي وقال: إنه يجوز اشتراطهم من غير تعيين ولا وصف. قال: وتكون نفقتهم على رب المال؛ لأنهم ملكه، وهذا هو المشهور، ولم يذكر في "التعليق" وابن الصباغ غيره، ووراءه وجوه: أحدها: أنها على العامل حكاه في المهذب فعلى هذا لو اشترطت على المالك جاز. والثاني: أنها تكون من الثمرة وهو الذي اختاره في "المرشد". والثالث: أن العقد يفسد عند عدم بيان من هي عليه.

стр. 5290

قال: وإن شرط أن يكون على العامل جاز؛ لأن العمل في المساقاة عليه فلا يبعد أن يكون [عليه] مؤنة من يعمل معه ويعاونه، وهو كاستئجار من يعمل معه، وعلى هذا هل يجب تقديرها؟ فيه وجهان: أقيسهما عند القاضي الحسين: نعم فيبين ما يدفع إليهم كل يوم من الخبز والإدام. والثاني: لا وبه أجاب الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب، ويحمل على المعتاد؛ لأنه يتسامح بمثل ذلك في المعاملات. وقيل: لا يجوز شرطها على العامل؛ لما في ذلك من قطع نفقة الملك [عن المالك] وبه قطع المسعودي. فرع: لو شرطت النفقة في الثمار قال في "التهذيب": لا يجوز؛ لأن ما يبقى يكون مجهولاً. وقال صاحب "الإفصاح": يجوز؛ لأنه قد يكون [ذلك] من صلاح المال. قال الرافعي: ويشبه أن يتوسط فيقال: إن شرطاها من جزء معلوم بأ، شرطا صرف ثلث الثمار للنفقة والثلث للمالك، والثلث للعامل جاز، وكأن المشروط للمالك ثلثاها وإن شرطاها في الثمرة من غير تقدير جزء لم يجز. وفي "الحاوي": إن كان عملهم قبل حدوث الثمرة فالشرط باطل لعدم محلها، وإن كان بعد حدوث [الثمرة] ونفقتهم من غير جنسها ليباع ويصرف في نفقتهم فهو باطل أيضاً؛ لأن الثمرة غير مستحقة، والنفقة غير ثابتة [في الذمة]. وإن كانت النفقة من الثمرة نفسها ففي الجواز وجهان: الأصح: البطلان، ووراء المنصوص طريقة أخرى بإجراء وجهين في الجواز كما قيل في القراض. ووجه المنع: أن يد العبد كيد سيده والقائل به حمل النص على ما إذا اشترط أن يعملوا [فيها لو تعلق] على السيد من الأعمال؛ كحفر الأنهار وبناء الحيطان. والأظهر: الطريقة الجازمة بالمنصوص.
следующие страницы →