← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

وكانت الثمار لرب النخيل ولا شيء للعامل الأول، والعامل الثاني إن علم بالفساد فلا شيء له، وإن جهل ففي استحقاقه أجرة المثل ما سنذكره في خروج الأشجار مستحقة، وما أطلقه الأصحاب فهو محمول على الأعم الأغلب [فيها]. وعلى تقدير أن يكون من شرطها الورود في الذمة [كما] ذكر فيما ذكر من الاختلاف في ثبوت خيار الشرط في الإجارة الواردة على الذمة مخصوص بما إذا لم يقيده بمدة، أما إذا تقيدت بمدة فلا، وهو نظير مسألتنا. واعلم أنه قد بقي من الشروط شرطان لم يذكرهما الشيخ: أحدهما: أن تكون الأشجار معينة فلو قال: ساقيتك على إحدى حوائطي أو على ما شئت من نخلي كان باطلاً؛ لأن النخل أصل في العقد فبطل بالجهالة؛ كالبيع. الثاني: الرؤية فلو ساقاه على نخل لم يرها ووصفها- لم يصح، وبعضهم خرجه على قولي بيع الغائب، والذي صححه الماوردي والروياني- الطريق الأول؛ لما في ذلك من تكثير الغرر في [هذا] العقد، بخلاف البيع. فائدة: ذكرها القاضي الحسين وهي: أن هذا العقد شبيه بعقود: فمن حيث إنه التزام عمل في الذمة ولا يبطل بموت العامل شبيه بالسلم. ومن حيث إنه يجوز التفرق فيه قبل التقابض: شبيه ببيع العين. ومن حيث إنه معقود على العمل [في شيء ببعض ما يخرج منه شبيه بالقراض. ومن حيث إنه عقد لازم بعوض على العمل]. يشترط فيه التأقيت شبيه بالإجارة. انتهى. وما قاله أولاً [لا يعضد] ما قاله الغزالي: أن شرطها الورود على الذمة. قال: "وعلى العامل أن يعمل على ما فيه مستزاد في الثمرة" أي: عند إطلاق العقد من التلقيح، وصرف الجريد، وإصلاح الأجاجين وتنقية السواقي والسقي؛ لاقتضاء العرف ذلك. تنبيه: المستزاد: الزيادة.

стр. 5287

والتلقيح: وضع شيء من طلع الذكور في طلع الإناث، والكثر يكون على المالك. وصرف الجريد قطعه إذا أضر بالنخل، يابساً كان أو رطباً. وقيل: إنه يرده عن وجوه العناقيد وتسوية العناقيد [بينها] لتصيبها الشمس وليتيسر قطعها عند الإدراك، وهو بالمعنى الأول متفق على وجوبه على العامل، وفي معناه تقليم قضبان الأشجار المضرة، وبالمعنى الثاني قال الماوردي: لا يجب على العامل إلا بالشرط، وغيره أوجبه من غير شرط، وألحق به المتولي تعريش الكرم حيث جرت العادة به، وكذا وضع الحشيش فوق العناقيد، صوناً لها عن الشمس عند الحاجة. الأجاجين: ما حول المغارس محوط عليه يشبه الإجانة التي يغسل فيها. السواقي: هي المجاري. ويجب على العامل تنقيتها من الحمأة، والسقي بأن يجري الماء بآلة المالك إلى الأشجار في الوقت المعتاد، ويفتح رأس الساقية، ويسدها عند الحاجة إليها. قال: وعلى رب المال ما يحفظ به الأصل [أي: مما يعد من الأصول]، كسد الحيطان وحفر الأنهار أي: الذي احتيج إلى تجديدها، أو التي: انهارت، وشراء الدولاب أي: ونصبه، وشراء الأبقار، والآلات التي يوفي بها العمل؛ كالفأس والمعول والمنجل، والمسحاة ونحو ذلك. ووجه وجوبه على المالك: العرف. وقيل: إن الثيران والمسحاة ونحوها على من شرطت عليه، ولا يجوز السكوت عنها، وهو المذكور في "أمالي" السرخسي. ويحكى عن أبي إسحاق ووراء ذلك أمور أخر مختلف فيها. فمنها: تنقية البئر والنهر [والمذهب] إنها على العامل. وقيل: على المالك. وقيل: هو على من شرط عليه؛ فإن لم يشترط بطل العقد، وهو قول أبي إسحاق.

стр. 5288

ومنها: حفظ الثمار هل هو على العامل أو عليهما على نسبة ملكيهما في الثمرة؟ فيه وجهان: أظهرهما؛ وبه قال ابن الصباغ وغيره: الأول، وهما جاريان [في حفظ الثمار] عن الطيور والزنابير بأن يجعل كل عنقود في قوصرة، لكن القوصرة على المالك جزما. وفي جداد الثمار أيضاً وقطافها كما حكاها الماوردي وغيره وطردهما في "الرقم" في تجفيف الثمار، والظاهر وجوبه إذا اطردت العادة به أو شرطاه، وإذا وجب التجفيف وجب تهيئة موضع التجفيف، ونقل الثمار إليه وتقليبها في الشمس من وجه إلى وجه. ومنها: سد الثلم اليسيرة التي تتفق في الجدار، فيه وجهان، والأشبه: اتباع العرف، وكذلك في وضع الشوك على رأس الجدار الوجهان. فرع: لو شرط على العامل ما يلزم المالك بطل الشرط والعقد. [وقيل: يبطل الشرط دون العقد]. وقيل: يبطل العقد دون الشرط حملاً على الشروط الفاسدة في الرهن. وقال الماوردي: وهو خطأ؛ لأن عقود المعاوضات إذا تضمنت شروطاً فاسدة بطلت؛ كالشروط الفاسدة في البيع والإجارة. ولو شرط على المالك شيء مما على العامل بطل إلا السقي فإنه إذا شرط على رب النخل جاز كما نص عليه في "البويطي"؛ لأنه لو ساقاه على بعل جاز والبعل: ما شرب بعروقه من غير سقي كذا حكاه البندنيجي. وحكى الماوردي في ما يشرب بعروقه؛ كنخل البصرة ثلاثة أوجه: أحدها: أن سقيها على العامل. والثاني: أنه على رب النخل واشتراطها على العامل يبطل العقد. والثالث: يجوز [اشتراطه] على المالك، ويجوز على العامل. فإن أطلق العقد لم يلزم واحد منهما. تنبيه: الدولاب: فارسي معرب تضم داله وتفتح.

стр. 5289

الأنهار: جمع نهر بفتح الهاء وإسكانها، وتجمع أيضاً على نهر بضمتين، مشتق من: أنهرت الدم وغيره: أي: أسلته. قال: وإن شرط أن يعمل معه غلمان رب المال أي فيما يلزمه من أعمال المساقاة ويكونوا تحت أمره- جاز على المنصوص أي: إذا كانوا معروفين بالرؤية، أو الوصف لما ذكرناه في القراض، وقد استدل له الغزالي بأن العبد يكون مستعاراً على التحقيق والإعانة به كالإعانة بالثيران، ولا خلاف في [جواز اشتراطها]. وقد اعترض عليه بأن الثيران على المالك كما تقدم، فإذا اشترطت فقد شرط على المالك ما هو واجب عليه. وجوابه: أن المراد أن المالك قد وجب عليه بعض الأعمال وهو إدارة السواقي بالثيران وكان مقتضى العقد أن يجب على العامل وقد وجب على المالك بالشرط؛ فكذلك [عمل] الغلمان. وإذا عين رب المال [الغلمان] فلا يجوز له أن يبدلهم بغيرهم صرح به الماوردي، أما إذا شرط في عمل الغلمان الاستقلال بالتصرف دون مراجعة العامل، أو ألا يتصرف [العامل] دون مراجعتهم لم يصح. وكما يجوز أن يشترط العامل عمل غلمان رب المال معه يجوز أن يشترط رب المال عمل غلمان العامل معه كذا حكاه الماوردي عن نص الشافعي وقال: إنه يجوز اشتراطهم من غير تعيين ولا وصف. قال: وتكون نفقتهم على رب المال؛ لأنهم ملكه، وهذا هو المشهور، ولم يذكر في "التعليق" وابن الصباغ غيره، ووراءه وجوه: أحدها: أنها على العامل حكاه في المهذب فعلى هذا لو اشترطت على المالك جاز. والثاني: أنها تكون من الثمرة وهو الذي اختاره في "المرشد". والثالث: أن العقد يفسد عند عدم بيان من هي عليه.

стр. 5290

قال: وإن شرط أن يكون على العامل جاز؛ لأن العمل في المساقاة عليه فلا يبعد أن يكون [عليه] مؤنة من يعمل معه ويعاونه، وهو كاستئجار من يعمل معه، وعلى هذا هل يجب تقديرها؟ فيه وجهان: أقيسهما عند القاضي الحسين: نعم فيبين ما يدفع إليهم كل يوم من الخبز والإدام. والثاني: لا وبه أجاب الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب، ويحمل على المعتاد؛ لأنه يتسامح بمثل ذلك في المعاملات. وقيل: لا يجوز شرطها على العامل؛ لما في ذلك من قطع نفقة الملك [عن المالك] وبه قطع المسعودي. فرع: لو شرطت النفقة في الثمار قال في "التهذيب": لا يجوز؛ لأن ما يبقى يكون مجهولاً. وقال صاحب "الإفصاح": يجوز؛ لأنه قد يكون [ذلك] من صلاح المال. قال الرافعي: ويشبه أن يتوسط فيقال: إن شرطاها من جزء معلوم بأ، شرطا صرف ثلث الثمار للنفقة والثلث للمالك، والثلث للعامل جاز، وكأن المشروط للمالك ثلثاها وإن شرطاها في الثمرة من غير تقدير جزء لم يجز. وفي "الحاوي": إن كان عملهم قبل حدوث الثمرة فالشرط باطل لعدم محلها، وإن كان بعد حدوث [الثمرة] ونفقتهم من غير جنسها ليباع ويصرف في نفقتهم فهو باطل أيضاً؛ لأن الثمرة غير مستحقة، والنفقة غير ثابتة [في الذمة]. وإن كانت النفقة من الثمرة نفسها ففي الجواز وجهان: الأصح: البطلان، ووراء المنصوص طريقة أخرى بإجراء وجهين في الجواز كما قيل في القراض. ووجه المنع: أن يد العبد كيد سيده والقائل به حمل النص على ما إذا اشترط أن يعملوا [فيها لو تعلق] على السيد من الأعمال؛ كحفر الأنهار وبناء الحيطان. والأظهر: الطريقة الجازمة بالمنصوص.

стр. 5291

وفرق قائلها بين المساقاة والقراض بأن في المساقاة بعض الأعمال على المالك. فجاز أن يشترط عمل غلمانه، وفي القراض لا عمل على المالك [أصلاً] فلا يجوز شرط عمل غلمانه، وأما ما حمل عليه النص فلا يستقيم؛ لأن تتمة قول الشافعي: "ونفقة الرقيق على ما يتشارطان عليه وليس نفقة الرقيق بأكثر من أجرتهم فإذا جاز [أن يعملوا] للمساقي بغير أجرة جاز أن يعملوا له بغير نفقة"، ومع هذه التتمة لا يحسن الحمل على ما قالوه. قال: وإن شرط أن يعمل معه رب المال لم يجز؛ لما ذكرناه في القراض، ويجوز للعامل أن يستأجر المالك في الأعمال المتوجهة عليه على الأصح كما يجوز للمالك أن يستأجر العامل فيما يجب عليه. وفيه وجه: أنه لا يجوز بناءً على أن من أجر داره لا يجوز أن يستأجرها. وهل يجوز أن يشترط رب المال لنفسه الدخول إلى الأشجار مع تسليم المفتاح إلى العامل؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم؛ لحصول الاستقلال والتمكن من العمل. ووجه المنع: أنه إذا دخل كانت الحديقة في يده وقد يتعوق بحضرته عن العمل. قال: والعامل ــ فيما يدعي من هلاك؛ كالعامل في القراض لائتمانه لهما. فإن قيل: قد ألحقتم هذا العقد بالإجارة في لزومها؛ فيكون العامل كالمستأجر على عمل في الذمة، وهذا حقيقة الأجير المشترك فهلا جرى الخلاف في تضمينه كما في الأجير المشترك ثم على تقدير ألا يكون كالأجير المشترك فهو لا يتقاعد عن الوكيل بجعل، وقد حكى الماوردي في ضمانه وجهين فينبغي أن يكون هذا مثله. قلت: قد يظهر الفرق بينهما أن الأجرة في مسألة الأجير المشترك والجعل في الوكالة محقق فغلب غرض الأجير والوكيل، وهاهنا لم يتحقق العامل [حصول] الأجرة وغرض المالك حاصل فغلب جانبه وجعلت اليد له. قال: وفيما يدعى عليه من الخيانة؛ لأن الأصل عدمها، وقد وجهه

стр. 5292

الغزالي بأنه أمين، واعترض عليه بأن القول قول من ادعى عليه الخيانة، وإن لم يكن أميناً؛ عملا بما ذكرناه ولا يسمع دعوى الخيانة إلا مفسرة كسائر الدعاوى. وفي "الحاوي": [أنه] إن أراد بدعوى السرقة التغريم لم تسمع الدعوى إلا معلومة، وإن أراد رفع يد العامل بها عن الثمرة ففي سماعها مجهولة وجهان. قال: فإن ثبتت خيانته أي: إما بإقراره أو بالبينة أو بيمين المدعي بعد النكول ضم إليه من يشرف عليه؛ لأنه مستحق العمل ويمكن استيفاؤه منه بهذا الطريق فتعين كما نقول في المرتهن: إذا تعدى في الرهن لم يبطل حقه منه، بل يحفظ عند عدل لتعينه طريقاً للجمع بين الحقين، وهذا ما نقله [المزني] في غير "المختصر" ويكون أجرة المشرف على العامل. وفي "التتمة": أن إيجاب الأجرة على العامل مبني على أن مؤنة الحفظ عليه [أم لا] فإن المقصود من ضم المشرف إليه الحفظ، أما إذا قلنا: [إن] الحفظ عليهما؛ فكذلك أجرة المشرف. وفي "الوسيط": أن أجرة المشرف على العامل إن ثبتت خيانته بإقراره أو ببينة، وإلا فعلى المالك. فإن قيل: هذا يفهم أنها إذا ثبتت بيمين الرد تكون على المالك، وكان ينبغي أن تجب على العامل في هذه الحالة أيضاً؛ لأنها بمنزلة الإقرار، أو البينة بالنسبة إلى الحالف والناكل وإيجاب الأجرة لحق الحالف، وقد وافق على أنها إذا ثبتت بالإقرار أو بالبينة تكون على العامل؛ فكذلك عند النكول والحلف وقد صرح بذلك الرافعي وغيره. وجوابه من وجهين: أحدهما: أن يجري اللفظ على ظاهره ويسلم [إليه بمقتضى] عدم إيجابها في حالة النكول والحلف، لكن يمنع أن الأجرة تعود إلى الحالف فإن مستحقها المشرف وهو أجنبي عنهما، والنكول مع الحلف إنما يجعل كالإقرار أو كالبينة بالنسبة إلى الحالف.

стр. 5293

الثاني: أن نمنع أن المراد عدم إيجابها في حالة النكول والحلف كما ذكر؛ لكون الكلام الأول مغنياً عنه [لكن المراد ما إذا لم تثبت خيانته وضم إليه المالك مشرفاً احتياطاً، فإنه يجوز وأجرته عليه] كما صرح به الإمام والله أعلم. قال: فإن لم يتحفظ بالمشرف استؤجر عليه من يعمل، عنه؛ لتعذر استيفاء العمل بالواجب عليه منه والقدرة عليه بهذا الطريق. وقيل: يستأجر عليه ابتداء وهو ظاهر ما نقله المزني في "المختصر"، والجمهور لم يثبتوا اختلاف نقل المزني قولين، بل نزلوه على حالين كما ذكر الشيخ. قال: وإن هرب العامل استؤجر من ماله من يعمل عنه؛ لأن العقد لا ينفسخ بهربه؛ كما لا ينفسخ بصريح فسخه، وإذا لم ينفسخ فالحق متوجه عليه، وتحصيله ممكن بهذا الطريق فتعين، والمستأجر هو الحاكم فيرجع الأمر إليه وتثبت عنده المساقاة وهرب العامل بعد اللزوم، فإذا ثبت ذلك طلبه، فإن وجده ألزمه العمل، وإن لم يجده وكان له مال ظاهر اكترى عليه من يقوم مقامه في العمل. قال: وإن لم يكن له مال [أي] ظاهر أقرض عليه؛ لأن للحاكم ولاية الإقراض لوفاء الحقوق التي تفوت بالتأخير، والإقراض يكون من بيت المال، فإن لم يكن فيه فضل اقترض من آحاد المسلمين، ولو اقترض من رب النخل جاز، وهذا إذا لم يجد من يرضى بأجرة مؤجلة إلى مدة تدرك فيها الثمار، فإن وجد استأجره وأعطاه أجرته عند إدراك الثمرة من ثمر نصيب العامل. قال: فإن أنفق عليه رب المال بغير إذن الحاكم أي: مع قدرته عليه لم يرجع؛ لأنه متبرع، فإن أذن له الحاكم في ذلك جاز كما صرح به البندنيجي، وأبو الطيب، وادعى المحاملي نفي خلافه. وفي "تعليق" القاضي الحسين وغيره من كتب المراوزة حكاية وجهين في الرجوع: وأصحهما: المحكي عن العراقيين ووجه المنع: أنه متهم [في حق نفسه]

стр. 5294

فطريقه: أن يسلم المال إلى الحاكم ليأمر غيره بالإنفاق، وهذه الطريقة [أشبه لما] سيأتي في مسألة هرب الجمال. قال: فإن لم يقدر على إذنه فأنفق ولم يشهد أي: مع القدرة عليه- لم يرجع؛ لأن عدم إشهاده مع القدرة دليل على تبرعه. قال: وإن أشهد أي: وشرط الرجوع كما صرح به البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما، فقد قيل: يرجع؛ لأنه موضع ضرورة، وقد بذل المجهود، وهذا هو الأصح وقيل: لا يرجع لئلا يكون حاكماً لنفسه على غيره، وهو لا يجوز وإن لم يشهد لعدم القدرة عليه فإن قلنا: إنه لو أشهد لا يرجع فهاهنا أولى، وإن قلنا: يرجع ثم؛ فهاهنا وجهان حكاهما القاضي الحسين وقال: إن حكم هذه المسألة حكم هرب الجمال في الإجارة، واختصر الغزالي، والإمام، والفوراني هذا التطويل وقالوا في رجوعه إذا أنفق عند تعذر مراجعة الحاكم ثلاثة أوجه: أحدها: يرجع. الثاني: [لا يرجع]. الثالث: إن أشهد رجع وإلا فلا، وقد يفهم من ذلك جريان وجه مطلق أنه يرجع وإن قدر على الإشهاد فلم يفعله كما فهمه الرافعي، والظاهر خلافه [لما سنبينه] في الإجارة- إن شاء الله تعالى. والمراد بالإنفاق: ما يصرفه أو يستأجر من يعمل على العامل، وفي معناه عمل رب النخل بنفسه. قال: فإن لم يمكن ذلك فله أن يفسخ؛؛ لأنه تعذر عليه استيفاء المعقود عليه، وكان له الفسخ؛ كما لو أبق العبد المبيع قبل القبض. ولا يسقط حقه من الفسخ ببذل رجل له العمل متبرعاً به عن العامل؛ [لأنه قد لا ياتمنه ولا يرضى بدخوله ملكه. نعم لو عمل متبرعاً به عن العامل] قبل شعور رب النخل [به] حتى حصلت الثمرة؛ سلم للعامل نصيبه منها، وأبدى الرافعي احتمالاً لنفسه في منع الفسخ عند بذل الأجنبي.

стр. 5295

وحكي عن [ابن] أبي هريرة فيما إذا لم تكن الثمرة قد ظهرت أنه منع الفسخ، وقال: يساقي الحاكم عن العامل فربما يحصل له فضل من الثمرة، وهو الذي حكاه القاضي أبو حامد في "جامعه". وقال القاضي أبو الطيب: إنه غير صحيح؛ لأن المساقاة إنما تجوز إذا كان من أحدها الأصل ومن الآخر العمل، والهارب لا أصل له فيها فلم يصح أن يساقي عنه، وهذه العلة من القاضي تفهم أن العامل لا يجوز له أن يساقي بنفسه، وقد صرح في "البحر" وغيره بالجواز كما حكيناه من قبل. قال: فإن لم تكن ظهرت الثمرة أي: عند الفسخ؛ فالثمرة للمالك لزوال العقد قبل ظهورها الذي هو سبب ملك العامل، وللعامل أجرة ما عمل؛ لأنه عمل في عقد لازم طامعاً في العوض فأشبه المستأجر إذا وقعت الإجارة على عينه وهرب، ولا يقال: أن الثمرة عند حدوثها تتوزع على جميع المدة؛ لأن العمل فيها غير مضبوط حتى تتوزع الثمرة عليه. وأيضاً فإن الثمرة غير معلومة حالة العقد حتى يقال: اقتضى العقد التوزيع فيها. قال: وإن ظهرت فهي لهما؛ لأنه مقتضى العقد، وهذا من الشيخ تفريع على أن للعامل تملك حصته من الثمرة بالظهور. أما إذا قلنا: إنه لا يملكها به؛ فالحكم كما لو لم يظهر. قال: [فإن اختار رب المال] البيع أي: بيع حصته مع حصة العامل بشرط القطع فعل لأنه يسقط [عن] العامل العمل فإنه لا عمل بعد قطعها، ويحفظ نصيب العامل عليه [هذا ما] قاله البندنيجي وصاحب "البحر". قال: وإن لم يختر بيع منه نصيب العامل [أي:] أو بعضه على قدر ما يحتاج إليه من الأجرة؛ لأنا قدرنا على بيع ماله لوفاء ما بقي عليه من حق، وهو العمل؛ لأجل بقاء نصيب رب الشجر من الثمرة عليها، فهذا من الشيخ

стр. 5296

جواب على ما ذكره في البيع أن بيع الثمرة قبل بدو الصلاح بدون شرط القطع يصح من صاحب الأصل. وفيه وجه حكيناه ثم: إنه لا يجوز، فعلى هذا يكون الحكم كما لو امتنع من الشراء صرح به الأصحاب. قال: وإن لم يختر أي: المالك الشراء ترك إلى أن يصطلحا؛ إذ لا طريق غيره. قال المزني في "الجامع الكبير": ويقال للمالك: تصرف فلا حق لك عندنا، ولا يخفى أن مراد الشيخ بما ذكره إذا لم تكن الثمرة [قد بدا] صلاحها، أما إذا كان صلاحها قد بدا قبل الفسخ فبيعها من المالك وغيره ممكن من غير شرط القطع، وهي مال من جملة أمواله التي يقدر على التصرف فيها فيندرج في كلامه الأول. واعلم أن ظاهر ما ذكره الشيخ [يقتضي] أن لرب المال الفسخ وإن كانت الثمرة قد ظهرت، وكذلك كلام الغزالي في "الوجيز" يقتضيه، وهو ما ذكره في "المهذب" وصرح به الإمام في صدر الفصل فإنه لم يفرض المسألة إلا فيما إذا هرب بعد ظهور الثمرة كما ذكرها المزني في "المختصر"، وكذلك الماوردي فرض المسألة [فيما] إذا ظهرت الثمرة ولم يبد صلاحها وحكى الوجه المحكي عن ابن أبي هريرة ثم حكى وجهاً آخر أن له الفسخ وقال: إنه الصحيح عندي لكن الشيخ في "المهذب" لم يذكر التفريع الذي ذكره هنا بل سكت عنه وعن غيره، والإمام قال: إذا جرى الفسخ وقد عمل العامل بعض الأعمال فلا نقول يستحق العامل جزءاً مما [شرط له]، ويسقط جزء، بل ينقطع الاستحقاق من الثمار بالكلية، ولو جرينا على قياس الإجارة ونزلنا الثمرة منزلة الأجرة لأثبتنا بعضاً من الثمار فإن الإجارة إذا انقضى بعض مدتها وطرأ في باقيها ما يوجب الفسخ فإذا فسخت في البقية لم تنفسخ فيما مضى على ظاهر المذهب فأعمال المساقي لا تجري مجرى المنفعة في الإجارة حتى يقال: المقتضى منه يسقط من العوض المسمى في المعاملة، وهذا يفهم أن الثمرة كلها تسلم لرب المال، وللعامل أجرة عمله،

стр. 5297

ويؤيده أنه قال في آخر الفصل: [و] في كلام القاضي إشارة إلى أن حق العامل إنما يسقط بالفسخ إذا لم تظهر الثمرة، فأما إذا ظهرت؛ ففي كلامه تردد ظاهر [في] أن الفسخ لو جرى لم يتضمن إسقاط حق العامل من الثمرة بالكلية التفاتاً على ما ذكرناه في الإجارة فلا [بد] من سقوط البعض ولا يرجح فيه إلا ما مهدناه في صدر الفصل، وما حكاه عن القاضي هو عين ما صار إليه الماوردي فإنه قال: إن الثمرة إذا ظهرت واختار رب النخل الفسخ كما هو الصحيح- صار العقد منفسخاً في الباقي من الثمرة، ثم الصحيح من مذهب الشافعي لزومه في الماضي من العمل ويكون حصة العامل من الثمرة مقسطة على الزمان الماضي منه والباقي، فيستحق العامل منها ما قابل الماضي من عمله، ويستحق رب النخل ما قابل الباقي من عمله مضموماً إلى حصته وقال الروياني: إنه حسن غريب، والذي صار إليه [الجمهور والمصنفين] من المحاملي، والبندنيجي، وأبي الطيب، وابن الصباغ، والقاضي الحسين: أن الفسخ إنما يتسلط عليه رب النخل إذا لم يكن قد ظهرت الثمرة. أما إذا كانت قد ظهرت فإن كان بدا صلاحها، فإن سمح رب النخل ببيع نصيبه مع نصيب العامل فعل. قال ابن الصباغ والبندنيجي: ويحفظ نصيب العامل. ووجهه البندنيجي: بأن العمل حينئذ لم يبق بعد قطعها. وفي "تعليق" القاضي الحسين أن في هذه الحالة أيضاً أنه يستأجر من [ثمر] حصة العامل من يعمل عنه وإن لم يسمح عرض عليه [شراء] نصيب العامل إذا قلنا بجواز بيع الثمرة من صاحب الأصل بدون شرط القطع، فإن رضي صرف ثمنه أو بعضه في أجرة من يكمل العمل، وإن لم يرض ترك، ويقال له: تصرف فلا حكم لك عندنا، وهذا هو المناسب فإن الثمرة إذا ظهرت وملكها العامل فقد صارت مالا من جملة أمواله يمكن بيعها بهذا الطريق، فأي فائدة في الفسخ قبله؛ وإلى هذا يجيء الرافعي حيث قال بعد حكاية ما ذكرناه عن "المهذب": ولا يكاد يفرض للفسخ بعد خروج الثمار فائدة.

стр. 5298

قلت: وقد يفرض له فائدة وهي: أنه لو لم يفسخ يصير متطوعاً بالباقي من [العمل؛ فللعامل] حصته من الثمرة كما صرح حكايته الماوردي. وأيضاً: فإنه يتمكن بعد الفسخ من المساقاة عليها على جزء من ثمرة نفسه على رأي، بخلاف ما إذا لم يفسخ، فإنه لا يقدر على ذلك. فإن قيل: هل يمكن حمل كلام الشيخ في "التنبيه" على ما حكاه الجمهور من أنه لا يتمكن من الفسخ بعد حدوث الثمرة. قلت: نعم إذا حذفت واو مما يوجد في النسخ فيكون الكلام: فإن لم يكن ذلك فله أن يفسخ إن لم تكن ظهرت الثمرة فالثمرة للمالك، وإن ظهرت فهي لهما .. إلى آخر الكلام، والله أعلم. والعجز عن العمل بالمرض ونحوه؛ كالهرب قال: وإن مات العامل فتطوع ورثته بالعمل استحقوا الثمرة أي: التصرف في الثمرة؛ لأنها منتقلة إليهم بالإرث، وقد زال تعلق حق الغير بها. قال: وإن لم يعملوا استؤجر من ماله من يعمل [عنه] لأنه حق وجب عليه إبقاؤه، والمستأجر كذلك هو الوارث فإن امتنع فالحاكم. وفي "البحر"، وغيره عن رواية القاضي أبي حامد في الجامع وصاحب "التقريب": أن الوارث يجبر [على العامل]؛ لقيامه مقام المورث، كما يقوم وارث المستأجر مقامه. وعنه احترز الشيخ بقوله: فتطوع ورثته بالعمل. قال: فإن يكن له مال [فلرب] المال أن يفسخ؛ لتعذر استيفاء المعقود عليه، ويجيء فيه وجه ابن أبي هريرة وما ذكر من التفصيل كما صرح به الماوردي وغيره حتى قال البندنيجي: إن ما ذكرناه عند الهرب يجري في هذه المسألة حرفاً بحرف إلا جواز الاستقراض عليه، لخراب ذمته بالموت. وفي "البحر" [أنه] قيل: لا يستأجر عليه بأجرة مؤجلة، وهذا كله تفريع على أن عقد [المساقاة] لا ينفسخ بالموت إذا ورد على الذمة كما هو الصحيح. وقد حكى الإمام عن رواية الشيخ أبي علي وجهاً ضعيفاً: أن العقد ينفسخ بموت العامل.

стр. 5299

قال: ويملك العامل حصته من الثمرة بالظهور كما ملك رب النخل حصته توفية للشروط وزكاته عليه؛ لتمام ملكه، وهذا إذا بلغت حصته نصاباً، أو كان الجميع نصاباً وقلنا: بصحة الخلطة في [غير] المواشي، أما إذا قلنا: بأنها لا تجري في غير المواشي فلا زكاة عليه. قال: وقيل فيه قولان: أحدهما: هذا. والثاني: أنه لا يملك إلا بالتسليم قياساً على القراض، والمذهب الأول. والفرق أن الفائدة هنا لم تجعل وقاية للأصل وليس كذلك في المضاربة؛ فإن الربح فيه وقاية لرأس المال، فإنه لو ذهب منه شيء جبر بالربح [ثم] على القول بعدم الملك، زكاة الجميع تخرج من الثمرة وهل هي محسوبة من نصيب المالك أم من نصيبهما؟ فيه طريقان: أحدهما: حكاية قولين كما في القراض، ولا يجيء الثالث المذكور في القراض هاهنا. والطريق الثاني: القطع بأنها تخرج من النصيبين، والفرق بينهما وبين القراض أن رب المال لما اختص ببعض المال الزكائي وهو الأصل اختص بتحمل الزكاة عن الكل، ولما لم يختص رب النخل بشيء من الثمرة لم يتحمل زكاة كل الثمرة. فرع: لو ظهرت الثمرة بعد لزوم العقد، وقبل أن يعمل العامل شيئاً من أعمال المساقاة، قال في "الحاوي": إن كان ذلك بعد قبض الأشجار استحق نصيبه من الثمار وإن كان قبل قبضها، فإن قيل: إنه أجير لم يكن له في تلك الثمرة نصيب؛ لارتفاع يده. وإن قيل: إنه شريك استحق نصيبه من الثمرة؛ لأنها بعد العقد حادثة على ملكهمأ، وعلى العامل أجرة مثل ما استحق عليه من العمل. وقال الإمام: إن وقع الاستغناء عن جميع أعمال المساقاة، أو عن معظمها فلا شك أن هذا يؤثر إذ لو قلنا: إنه لا أثر لذلك لزم، أن يستحق ما شرط له من

стр. 5300

الثمرة من غير عمل، وهذا محال فإن الجزء الذي شرط له قوبل استحقاقه بالعمل فيستحيل ثبوت استحقاقه دونه. وينقدح لي إذا علم البعض! نسبة أجرة المثل إلى الأعمال التي لا تسقط من أعمال المساقاة إلا على ندور دون ما يغلب سقوطه في تارة ويغلب الإتيان به في تارة حتى يتبين أنه لو استتمها كم كانت [أجرة مثله؟ وإذا سقط بعض الأعمال؛ كم أجرة مثله؟ فينسب ما سقط من] أجرة المثل إلى جميعها وتسقط. مثال ذلك من الجزء [المشروط من الثمار] فإن كان الساقط نصف أجرة المثل [مثلاً] سقط نصف ما شرط للعامل ليفوز به رب الثمار، ولست أرى [إسقاط] استحقاقه من الثمار وإيجاب أجرة المثل؛ كما ذكرناه في انفساخ العقد، وليس يبعد المصير إليه، فإن تبعيض الثمار عسير في وجه الرأي. فرع: إذا لم تثمر الشجرة أصلاً أو تلفت الثمار بجملتها، أو غصبت، فعلى العامل إتمام العمل. وإن تضرر كما أن عامل القراض يكلف التنضيض وإن ظهر الخسران في المال كما حكاه المتولي. قلت: ويجوز أن يفرق بينهما بما ذكره الأصحاب في توجيه وجوب التنضيض، وهو أنه قبض المال ملكاً تاماً، والدين يناقض ذلك فلزمه رده، كما أخذه وهذا مفقود هنا، وقد قال الرافعي: إن ماصار إليه المتولي أشبه مما ذكره في "التهذيب" أن الثمار إذا هلكت كلها بالجائحة أن العقد ينفسخ إلا أن يريد بعد تمام العمل وتكامل الثمار، وإنه إن هلك بعض الثمرة؛ فللعامل الخيار بين أن يفسخ ولا شيء له، وبين أن يجبر ويتم العمل ويأخذ نصيبه من الباقي. قال: وإن ساقاه في المرض وبذل له أكثر من أجرة المثل اعتبرت الزيادة من الثثلث؛ لأنها محاباة؛ فأشبه ما لو أجره داره بأقل من أجره المثل. وقيل: يعتبر من رأس المال كما في القراض والجامع بينهما أنه [لو] لم يكن ملكا لما شرطه للعامل حين العقد والصحيح هو الأول.

стр. 5301

والفرق بينهما مذكور في "باب القراض". وقد حكى المتولي في باب الوصية: أنه ينظر إلى القدر الذي يحصل من الثمار دون عمل العامل، وإلى ما يحصل من الزيادة بسبب عمله، فإن كان المشروط للمالك [قدر ما] يحصل له من فائدة النخل لو لم يكن عمل العامل، أو أكثر لم يعتبر من الثلث؛ لأنه لو ترك المساقاة لم يعتبر ما فاته من النخيل من الثلث وإن كان دون ذلك القدر فقدر النقصان مما كان يحصل له دون عمله، معتبر من الثلث. قال: وإن اختلفا في القدر المشروط للعامل أي مثل إن قال العامل شرطت لي النصف، وقال رب الشجر: بل الثلث، ولا بينة؛ تحالفا؛ لأنهما اختلفا في عوض العقد فتحالفا؛ كالمتبايعين والمتواجرين، فإذا تحالفا وانفسخ العقد أو فسخ، فإن لم يكن للعامل عمل فلا شيء له، وإن كان له عمل فله أجرة مثله، سواء أثمرت الشجرة أو لا، أما إذا كانت لأحدهما بينة عمل بها، وإن كان لهما بينة على عقد واحد في زمن واحد تعارضتا وفيهما قولان: فإن قلنا: يسقطان فكأن لا بينة. وإن قلنا: تعملان فيتعين هاهنا القرعة كما جزم به الماوردي وحكاه الفوراني عن القفال، وأنه قال: لا يجيء في هذه الصورة قول القسمة والوقف؛ لأن العقد لا يمكن قسمته ولا يجوز وقفه، وحكي عن غيره أنه يجيء قول القسمة أيضاً فيسلم للعامل ما اتفقا عليه وما اختلفا فيه وهو في مثالنا السدس، يقسم بينهما نصفين، وإذا استعملنا القرعة فخرجت لأحدهما، فهل يحلف معها؟ فيه وجهان: أصحهما [:لا]. ولنختم الباب [بفروع] تتعلق به. إذا كانت الأشجار بين شخصين نصفين، فساقى أحدهما صاحبه على نصيبه و [شرط له أكثر من نصف الثمرة، مثل أن جعل له ثلثي الثمرة صح، وإن] شرط له نصف الثمرة لم يصح؛ لأنه لم يثبت عوضا للمساقاة. ومن طريق الأولى: إذا شرط له الثلث؛ لأنه شرط [عليه] أن يترك بعض ثمرته.

стр. 5302

وهل للعامل أجرة المثل؟ فيه خلاف المزني وابن سريج؟ و [قد] حكى الماوردي: أن أبا إسحاق وجمهور أصحابنا وافقوا المزني في عدم الرجوع. ولو شرط جميع الثمرة للعامل فسد [العقد] على الأصح كما ذكرناه، وفي استحقاقه أجرة المثل الخلاف السابق. إذا خرجت الأشجار المساقي عليها مستحقة أخذها المالك مع الثمرة إن كانت باقية، فإن جففها ونقصت [الثمرة بالتجفيف] استحق الأرش، والحكم فيه؛ كما لو كانت الثمار تالفة وسنذكره. قاله القاضي الحسين، ويرجع العامل على المساقي بأجرة المثل إن كان قد عمل جاهلاً بالحال؛ كما لو غصب نقرة واستأجر شخصاً على ضربها دراهم ولم يعلم الأجير. وفيه وجه: أنه لا أجرة له؛ تخريجاً على قول الغرور؛ لأنه الذي أتلف منفعة نفسه. وإن اقتسم الثمرة وتلفت في يدهما، فإن تلفت بسرا أو رطباً أو تمراً مكنوزاً- رجع بقيمتها.

стр. 5303

وإن تلفت تمراً بثا رجع بمثله، قاله الماوردي، والمالك بالخيار في نصيب العامل بين أن يطالب بضمانه الغاصب أو العامل وقرار الضمان على العامل. وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية وجه في رجوعه به على الغاصب المساقي؛ لكونه غره. وحكي عن أبي العباس أنه قال: وهذا كما لو اشترى أرضاً وبنى فيها وغرس فاستحقت وقلع عليه البناء والغراس، فإنه يرجع بأرش النقص إن كان جاهلاً بالحال على البائع الغار، وهو ما بين قيمته قائماً ومقلوعاً. وذكر في "التتمة": أن بعض الأصحاب بنى المسألة على ما إذا أطعم الغاصب المالك الطعام المغصوب، فيجيء من هاهنا وجه أن القرار على الغاصب قاله الرافعي وهو ما حكيناه عن القاضي. وأما نصيب الغاصب فللمستحق مطالبته به، وهل يطالب به العامل؟ قال القاضي الحسين: لا يخلو ما أن يكون قد دخل الجميع في يد العامل قبل الاقتسام بأن اجتنى الجميع وأحرزه في موضع إلى أن يتفق الاقتسام، أو لم يدخل الجميع في يده فإن [كان] لم يدخل في يده فلا يطالب به، وإن كان قد دخل في يده ففيه وجهان: أظهرهما عند المعظم كما قاله الرافعي: نعم؛ لثبوت يده عليه كما يطالب عامل القراض إذا خرج ماله مستحقاً. والثاني: المنع؛ لأن يده لم تثبت عليه حكما بدليل أنه لا يلزمه حفظها بخلاف عامل القراض: فإن اليد للعامل بدليل أنه يلزمه حفظه [وهذا] ما حكاه الماوردي، وحكاه في [بحر المذهب] عن القاضي الطبري، وعلى الوجهين يخرج ما إذا تلفت جميع الثمار قبل المخاصمة بجائحة أو غصب فعلى الأول: يطالب العامل، وعلى الثاني: لا، ولو تلف شيء من الأشجار ففيه الوجهان وإذا قلنا: إن العامل يطالب بنصيب الغاصب، فإذا غرمه ففي رجوعه على الغاصب الخلاف المذكور في رجوع المودع على المودع، والظاهر أنه يرجع إذا

стр. 5304

بدا صلاح الثمرة فإن وثق المالك بالعامل؛ فتركها في يده إلى وقت الإدراك، فيقتسمان حينئذ إن جوزنا القسمة، أو يبيع أحدهما نصيبه من الآخر، أو يبيعان من ثالث، وإن لم يثب به وأراد تضمينه التمر أو الزبيب، فينبني على أن الخرص عبرة أو تضمين؟ إن جعلناه عبرة لم يجز، وإن جعلناه في الزكاة تضميناً انبنى على جواز دخوله المساقاة، وفيه قولان تقدما والصحيح دخوله، ويجري الخلاف فيما لو أراد العامل تضمين المالك بالخرص. إذا انقطع ماء البستان وأمكن رده ففي تكليف المالك السقي وجهان: أحدهما: لا يكلف؛ كما لا يجبر أحد الشريكين على العمارة. والثاني: يكلف؛ لأنه لا يتمكن من العمل إلا به، فأشبه ما إذا استأجر لقصارة ثوب بعينه يكلف تسليمه إليه، فعلى هذا لو لم يسع في رده لزمه للعامل أجرة عمله. ولو لم يمكن رد الماء، فهو كما لو [تلفت الثمرة] بجائحة.

стр. 5305

باب المزارعة قال: المزارعة أن يسلم الأرض إلى رجل ليزرعها ببعض ما يخرج منها. هذا التفسير من الشيخ يقتضي صدق هذه التسمية سواء كان البذر من صاحب الأرض، أو [من] العامل، أو منهما على حسب ما شرطا كما صرح به الماوردي وهو منطبق على قول من ادعى أن المخابرة والمزارعة بمعنى واحد، وهو البندنيجي وقال: لا يعرف في اللغة بينهما فرقا. وحكى صاحب "البيان" "ورفع التمويه": أنه الذي صار إليه أكثر الأصحاب، وكلام القاضي أبي الطيب يدل عليه حيث قال: المخابرة المزارعة؛ لأن الأكار الذي هو الزارع يسمى: الخبير. وقول الشافعي: المخابرة استكراء الأرض ببعض ما يخرج منها ودلت سنة رسول الله ﷺ في نهيه عن المخابرة [على] أنه لا تجوز المزارعة على الثلث، ولا على الربع ولا على جزء من الأجزاء؛ لأنه مجهول، ولا يجوز الكراء إلا معلوماً- دليل على ذلك أيضاً، وكذا قول الجوهري في "الصحاح": الخبير الأكار؛ ومنه المخابرة وهي المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض، وقد ادعى النواوي وغيره أن الذي ذكره الجوهري هو ظاهر نص الشافعي، والصحيح أن المزارعة المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج من زرعها والبذر من مالك الأرض والمخابرة مثلها إلا أن البذر من العامل، فتكون المزارعة على هذا

стр. 5306

إكراء العامل ليزرع الأرض ببعض ما يخرج منها، والمخابرة إكراء الأرض للزراع ببعض ما يخرج منها واشتقاقها من الخبار وهي الأرض الرخوة. وقيل: من الخبر، وهو شرب الماء يقال: كم خبر أرضك؟ أي كم شرب أرضك، حكاه أبو الطيب وقيل: من الخبر، وهو الزرع. وقيل: من معاملة خيبر حيث أقرهم رسول الله ﷺ عليها فقال: "خابروهم" أي عاملوهم على خيبر. وقيل: من الخبرة، وهي النصيب حكاه الماوردي. وقال رحمه الله تعالى: ولا يجوز ذلك لما روى مسلم عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن المُحَاقَلَة، والمُزَابَنَة، وَالمُعَاوَمَة والمُخَابَرَةِ وعن الثُنيَا في البيع فثبت المنع في المخابرة بالنص، والمزارعة إن لم تكن هي نفسها قسناها عليها، على أنه قد روي عن ثابت بن الضحاك وابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن المزارعة، لكن قال الأصحاب: إن النهي عن المخابرة أثبت منه، وقد أشار الشافعي بقوله: ولم ترد إحدى سنتيه الأخرى إلى أن القياس التسوية بين الجواز في المساقاة والمزارعة، أو المنع فيهما؛ لأن كل واحد منهما عقد على عمل في الشيء ببعض ما يخرج منه غير أنا اتبعنا فيهما السنة، والسنة فرقت

стр. 5307

بينهما والمعنى فيه: أن تحصيل منفعة الأرض ممكنة بإجارتها، فلم يجز العمل عليها ببعض ما يخرج منها. أصله: المواشي [وغيرها] من الأعيان. قال: إلا على الأرض التي بين النخيل أي وما في معناه، بحيث لا يمكن سقي ذلك إلا بسقي الأرض فيساقيه على [النخل ويزارعه] على الأرض، ويكون البذر من صاحب الأرض؛ فيجوز ذلك تبعاً للمساقاة. وقد استدل الأصحاب لذلك بما روى مسلم عن ابن عمر قال: "أعطى رسول الله ﷺ خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع"، وهو خاص فقدم على الخبر العام، وهو نهيه عن المخابرة. وبأن الحاجة ماسة إلى تجويز ذلك [إذ] لو منع أدى [إلى] أن يسلم لرب النخل عمل العامل في الأرض بالعقد على النخل مجاناً؛ [لأنه] لا يتوصل إلى العمل على النخل إلا بالعمل على الأرض التي تكون بين ظهراني النخل فاغتفر هذا العقد تبعاً لذلك، والشيء يجوز أن يدخل في العقد تبعاً، فإن امتنع إفراده، فكالعقد على الحمل في البطن، والثمرة قبل بدو الصلاح، واعتبار كون البذر من صاحب الأرض وإن لم يشهد له الحديث؛ ليكون العقدان واردين على مجرد المنفعة فيتحقق التبعية. أما إذا أمكن سقي النخيل وما في معناه بدون سقي الأرض التي بينه فلا يجوز المزارعة عليها تبعاً للنخل. قال: وقيل: إن كان النخل قليلاً والبياض كثيراً لم يجز أي وإن وجد ما ذكرناه من الشروط؛ لأن الكثير لا يجوز أن يتبع القليل، وعلى هذا فالكثير: ما تكون مساحته مثل مساحة مغارس النخل، أو أكثر. وقيل: العبرة بكثرة الريع. قال الغزالي: ولعله الأظهر. وحكى في "البحر" وجهاً غريباً: أنه يجب أن يكون البذر من العامل، ووجهاً أن البذر يجوز أن يكون على من شرط من رب الأرض أو العامل، وهذا ما

стр. 5308

حكاه الشيخ أبو علي وغيره، وقد أجري هذا الوجه أيضاً فيما لو شرط على العامل الثور دون البذر، وصححه العبادي؛ لأنه يصير كأنه اكترى العامل وثوره بجزء من الزرع، وعلى هذا الوجه إذا أخرج العامل البذر على شرط [أن يكون] التبن [لأحدهما] و [الحب] بينهما نصفين صح، وكذا لو شرطا أن يكون التبن والحب بينهما، ولو شرطا الحب للعامل والتبن لصاحب الأرض والثور- لم يجز، ولو انعكس الحال فوجهان. والفرق أن صاحب الأرض أصل، فلا يجوز أن يعطى ما ليس بأصل، وهو التبن. تنبيه: في قول الشيخ [فيجوز ذلك] تبعاً للمساقاة ما يعرفك بأن محل الصحة إذا لم يفرد المزارعة بعقد؛ كما هو شأن البائع في البيع من الحمل وغيره. وصورته: أن يقول: ساقيتك على النخل، وزارعتك على البياض الذي بينهما بكذا، فيقول العامل: قبلت: ويقوم مقام ذلك قوله عاملتك على هذه النخيل والبياض الذي بينه بكذا، صح في المساقاة دون المزارعة، صرح به القاضي أبو الطيب. وقال في "البحر": يجب أن يبنى هذا على تفريق الصفقة، ولو أفرد كلاً من المساقاة والمزارعة بعقد، فإن قدم عقد المزارعة بطل، وإن قدم عقد المساقاة ففي الصحة وجهان شبههما القاضي أبو الطيب، والمحاملي وغيرهما بما إذا باعا الثمرة قبل بدو الصلاح من صاحب الأصل بغير شرط القطع. وحكى الإمام في صحة عقد المزارعة إذا أفرد ثلاثة أوجه: أقيسها: عدم الصحة، وأعدلها ثالثها وهو إن تقدمت المساقاة صحت المزارعة، وإلا فلا. [قال:] ومن قال بصحة المزارعة عند التقدم، فلا يراه إلا موقوفاً على وجود عقد المساقاة بعده، وإن صح هذا الوجه فهو بعينه يجيء فيما إذا باع الثمرة قبل بدو الصلاح مطلقاً، ثم باع الأصل من مشتريها. فرع: لو قال ساقيتك على النخل بكذا وزارعتك على البياض الذي بينهما بكذا، فقال العامل: قبلت قال القاضي الحسين: إن صححنا المزارعة عند إفرادها بالعقد فهاهنا أولى، وإلا فوجهان نظراً إلى اتحاد القبول.

стр. 5309

ولو قال: زارعتك على البياض وساقيتك على النخيل بكذا، فقال العامل: قبلت- فقد حكى الإمام عن القاضي: أنه يصح وجهاً واحداً. وقال: إن الذي ذكره صحيح. قال: ولا يجوز ذلك إلا على جزء معلوم من الزرع كالمساقاة للخبر. وقول الشيخ: كالمساقاة يجوز أن يكون نظمه قياساً وهو الأقرب، ويجوز أن يكون جعله شرطاً آخر وهو أن يكون الجزء المشروط من الزرع للعامل، كالجزم المشروط في المساقاة؛ كما حكاه الماوردي عن البصريين. لكن الراجح- وهو الذي جزم به المحاملي والقاضي أبو الطيب، وحكاه الماوردي عن البغداديين: عدم اشتراط ذلك؛ بل يجوز أن يشترط له من الزرع الربع، ومن الثمرة النصف، وبالعكس. ولنختم الباب بذكر فائدة وفرع يتعلق به. فائدة: ما الحيلة في تحصيل مقصود المزارعة إذا لم يكن ثم نخل؟ قلت: قد ذكر الأصحاب لذلك صوراً فلنقتصر منها على ما نص عليه الشافعي، وهو أن يكري مالك الأرض نصفها بنصف عمل العامل، ونصف منفعة الآلات التي يستعملها العامل إن كانت الآلات له، ويكون البذر مشتركاً بينهما، فيشتركان في الزرع على حسب الاشتراك في البذر. والفرع: لو كان بين نخل المساقاة زرع لرب النخل- كالموز والبطيخ وقصب السكر- فساقاه على النخل والزرع معاً على أن يعمل فيهما بالنصف منهما، ففيه وجهان: أحدهما: تجوز المساقاة في الزرع تبعاً للمساقاة [في النخل؛ كما تجوز المخابرة تبعاً للمساقاة]. والثاني: لا، والفرق: أن المساقاة على الزرع هي استحقاق بعض الأصل، والمخابرة على الأرض لا يستحق فيها شيء من الأصل، كذا قال الماوردي، والله أعلم.

стр. 5310

باب الإجارة الإجارة بكسر الهمزة. وقيل: بضمها: مصدر أجر يؤجر إجارة، وهي مشتقة من الأجر، والأجر: ثواب العمل وعوضه. يقال في الدعاء: آجرك الله؛ أي: أثابك، وكأن الأجر عوض عمله، [كما أن الثواب عوض عمله]. وهي في الشريعة: عقد على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبدل والإباحة بعوض معلوم. ويقال: استأجرت دار فلان وآجرني داره ومملوكه يؤجرهما إيجاراً فهو مؤجر وذاك مؤجر، وأجرت داري أو مملوكي غير ممدود وآجرت ممدود والأول أكثر. قال الأخفش: ومن العرب من يقول: أجرت غلامي أجراً فهو مأجور وأجرته إيجاراً فهو مؤجر، وآجرته على فاعلته فهو مؤاجر. والأصل في مشروعيتها قبل إجماع الصحابة، والتابعين من الكتاب قوله

стр. 5311

تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وقوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ الآية [الكهف: ٧٧]، وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَاجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَاجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦، ٢٧]. وهذا وإن ورد في شرع من قبلنا؛ فقد ورد في شرعنا ما يقرره فكان حجة. روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: "رَجُلُ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلُ بَاعَ حُراً فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلُ اسْتَاجَرَ أَجِيراً فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ". وروي عن أبي هريرة- ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ". وروى أنه- ﵇ لما ولد إبراهيم استأجر له ظئراً يقال لها: أم سيف؛ امرأة رجل بالمدينة، يقال له: أبو يوسف، وغير ذلك من الأخبار والآثار. ومن جهة المعنى: أن الحاجة إلى الإجارة داعية، والضرورة إليها ماسة؛ فإنه ليس لكل أحد ظهر يركبه ولا دار يسكنها، ولا يقدر كل أحد على أن يعمل جميع ما يحتاج إليه من الأعمال بنفسه، وإن قدر فلا يحسن به؛ فجوزت لذلك، كما جوز بيع الأعيان.

стр. 5312

قال: الإجارة بيع؛ لأنها تمليك من كل المتواجرين لصاحبه، لصاحبه، فإن المستأجر يملك المنفعة في مقابلة الأجرة والآجر يملك الأجرة في مقابلة المنفعة فكان كبيع العين بالعين. ونظم ذلك قياساً: أنه تمليك معلوم بمال معلوم فكان كبيع العين بالعين. واختصاصه باسم الإجارة لم يخرجه عن أن يكون بيعاً؛ ألا ترى أن الصرف والسلم والصلح بيع، وإن اختص باسم. إذا تقرر ذلك فما المعقود عليه؟ الذي ذهب إليه الأكثرون: المنفع وتوجه العقد إلى العين لتعيين المنفعة لا لأنه ورد العقد عليها. وقال أبو إسحاق: إنما يتناول العقد [العين] دن المنفعة ليستوفي من العين- مقصوده من المنفعة؛ لأن المنافع غير موجودة حين العقد فلم يجز أن يتوجه العقد إليها. وخطأه الماوردي، وكلام القاضي الحسين يقتضي ترجيحه، فإنه قال: الأصح أنها عقد على العين لاستيفاء المنفعة منها وهذا حقيقة ما ذهب إليه أبو إسحاق. وقال الإمام: إن القاضي أشار بذلك إلى أن العاقد يقول: أجرتك هذه الدار، فيضيف لفظه إلى عينها؛ والمقصود استيفاء المنفعة منها، ومن هنا أخذ الرافعي أن هذا الاختلاف ليس خلافاً محققا؛ لأن من قال: المعقود عليه العين [لا] يعني به أن العين تملك بالإجارة كما تملك بالبيع؛ ألا ترى أنه قال: المعقود عليه العين لاستيفاء المنفعة، ومن قال المعقود عليه المنفعة لا يقطع الحق عن العين بالكلية؛ بل له أن يسلم العين وإمساكها مدة العقد لينتفع بها. وقد حكى في البحر وجهاً في أن حلى الذهب لا يجوز إجارته بالذهب، وحلي الفضة لا يجوز إجارته بالفضة، ولا يظهر له وجه إلا التخريج على مذهب أبي إسحاق، وإذا كان كذلك فقد صار خلافاً محققاً، ونشأ منه الاختلاف في هذا الفرع، ثم على الصحيح هل تحدث المنفعة على ملك المستأجر أو ملك الآجر ثم تنتقل إلى المستأجر؟ المشهور الأول.

стр. 5313

وفي الحاوي حكاية خلاف في ذلك حكاه عند الكلام في أن الآجر هل يجوز له أن يستأجر العين المستأجرة من المستأجر؟ وقال: إن الشافعي أشار إلى ذلك في كتاب الرهن، قال: تصح ممن يصح منه البيع؛ أي ولا تصح من غيره؛ لأنه قد ثبت أنها بيع وهذا حكم البيع. قال: وتصح بلفظ الإجارة؛ لأنه الموضوع لها، ولا فرق في ذلك بين أن يضيف الإجارة إلى العين بأن يقول: أجرتك هذه الدار شهراً من الآن بكذا، كما اتفق الأصحاب عليه أو يضيفها إلى المنفعة بأن يقول: أجرتك منفعة هذه الدار كما صرح به ابن الصباغ، وصاحب المرشد، والقاضي الحسين في ضمن فرع أوله: إذا كان جمل بين رجلين مشتركا. وعلى هذا: يكون ذكر المنفعة ضرباً من التأكيد كما لو قال: بعتك عين هذه الدار أو رقبتها فإنه يصح وقد صدر في التهذيب [كلامه بهذا الوجه ثم قال: وقيل: لا يصح، وهو ما حكاه القاضي الحسين في أول هذا الكتاب وكذا الإمام ومن تابعه]. ووجههه القاضي: بأن لفظ الإجارة إذا أضيف إلى شيء يقتضي منفعة ذلك الشيء فإذا أضيف إلى المنفعة اقتضى منفعة المنفعة وليس للمنفعة منفعة، وحكم إضافة لفظ الكراء بالمد إلى الدار أو إلى المنفعة حكم إضافة لفظ الإجارة إلى ذلك، وقد صرح بالصحة فيما إذا أضيف إلى المنفعة القاضي أبو الطيب حيث تكلم في الصور المصححة لمقصود المزارعة في كتاب المزارعة. قال: وبلفظ البيع؛ لأنه قد ثبت أنها بيع والبيع ينعقد بلفظه، وهذا ما حكي عن ابن سريج، والمعتبر عنده: أن نضيف العقد إلى المنفعة فيقول: بعتك منافع هذه الدار شهراً من الآن بكذا فلو أضافه إلى العين فقال: بعتك الدار شهراً بكذا كان بيعاً فاسداً لتأقيته. وحكى الشيخ في المهذب وغيره وجهاً آخر: أنه لا يصح عقد الإجارة بلفظ البيع، وادعى القاضي الحسين، وصاحب التهذيب: أنه الأصح، والإمام، والغزالي، والرافعي أنه الأظهر؛ لأن البيع مخصوص بالأعيان عرفاً. ويحكى عن أبي العباس الروياني حكاية طريقة أخرى قاطعة به. وحكى الإمام اتفاق الأصحاب على أنها تنعقد بلفظ التمليك لعدم اختصاصه بعقد.

стр. 5314

وحكى في التهذيب طرد الخلاف في لفظ البيع فيه، وقد تقدم في باب المساقاة حكاية وجه في انعقاد الإجارة بلفظ المساقاة. قال: وتصح على كل منفعة مباحة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فثبت جوازها على الإرضاع بهذه الآية مع كثرة الغرر فيه؛ لأن اللبن قد يقل ويكثر، وكذلك شرب الرضيع، فجوازها في غيره من طريق الأولى على أنه قد وردت أخبار وآثار في جوازها على غيره، وقد قال الشافعي: لو لم يكن في الإجارة إلا هذه الآية لكانت كافية في الدلالة عليها؛ ولأن المنافع كالأعيان، فإذا جاز عقد البيع على الأعيان جاز عقد الإجارة على المنافع. واعلم أن الشروط المعتبرة في المنفعة سبعة: أحدها: أن تكون مباحة، وليس المراد بها ما يعتبره الأصوليون فإن الاستئجار للحج وتفرقة الزكاة وغسل الميت وحمله ودفنه [وتعليم القرآن المفروض منه عيناً: وهو الفاتحة، وكفاية: وهو ما عدا الفاتحة كما صرح به الإمام فيكتاب الصداق] جائز [بالاتفاق إذا لم يتعين ذلك على المستأجر]، وكذا إذا تعين عليه بأن لم يكن ثمة غيره على أصح الوجهين، بل المراد [ألا] تكون محرمة. الثاني: أن تكون مقدوراً على تسليمها. الثالث: أن تكون معلومة القدر والصفة إما برؤية العين المؤجرة أو بالوصف إن حصل به الغرض. الرابع: أن يكون الشروع في استيفائها بالعقد، وهذا ما ذكره الشيخ مصرحاً به. الخامس: أن تكون متقومة، واحترز به عن المنفعة التافهة؛ كما إذا استأجر تفاحة للشم، فإنه لا يجوز كما لا يجوز بيع حبة من الحنطة وإن كان تفاحاً جاز كما قاله الرافعي فإنه لا يتقاعد عن استئجار الرياحين والمسك للشم، وقد نصوا على جوازه. السادس: ألا يتضمن العقد عليها استهلاك عين قصداً واحترز به عن استئجار الأشجار لثمارها والشاة للبنها والبركة لحيتانها، ونحو ذلك، وقد استثنى استئجار المرضعة للرضاع كما سنذكره على وجه، وكذا الدار التي فيها بئر فإنه يستوفي ماءها تبعاً لا قصداً، وجعل الرافعي المجوز للاستئجار على الرضاع الضرورة

стр. 5315

وألحق به في الحكم استئجار البئر ليستقي ماءها وغيره منع فيها كما سنذكره. ولو استأجر بركة ليحبس فيها الماء حتى يجتمع فيها السمك جاز. وفيه وجه: أنه لا يجوز. السابع: أن تكون واقعة لمن خرج عوضها عن ملكه واحترز به عن مسائل. منها: استئجار المسلم للجهاد لا يجوز؛ لأن الخطاب به متعلق بالمسلمين على العموم فيكون الأجير فيه قائماً بما خوطب به، ويستحيل أن يقع فعله عن غيره ويجوز للإمام استئجار الذمي عليه على الأصح؛ لأن المنفعة تعود للمسلمين دونه. ومنها: الاستئجار للأذان، وفي صحته ثلاثة أوجه: أحدها: وبه قال الشيخ أبو حامد، ويقال: إن ابن المنذر نقله عن الشافعي أنه لا يجوز لا للإمام ولا لغيره. والثاني: أنه يجوز لهما وهو الأظهر في الرافعي. وفي النهاية في كتاب الصداق. والثالث: يجوز للإمام ولا يجوز لغيره. وإذا قلنا بالجواز تبعت الإقامة. وما الذي يقابل الأجرة؟ فيه أربعة أوجه: أحدها: رعاية الوقت. والثاني: رفع الصوت. والثالث: [في] الإتيان بالحيلتين. والرابع: وهو الأصح جميع الأذان بجميع صفاته، وكل هذا مذكور في باب الأذان، وقد ألحق القاضي الحسين في فتاويه الاستئجار لقراءة القرآن الكريم على رأس القبر مدة بالأذان وتعليم القرآن وجزم [فيه] بالصحة. ومنها: الاستئجار لإمامة الصلوات المفروضة لا يجوز، وكذا في صلاة النفل والتراويح على أصح الوجهين، لأن الإمام يصلي لنفسه ومهما صلى اقتدى به من يريد، وإن لم ينو الإمامة على الأصح خلافاً لوجه حكاه العبادي في الزيادات أن من شرط صحة الاقتداء نية الإمامة، ومن جوز الاستئجار على ذلك ألحقه بالأذان لتأدي الشعار.

стр. 5316

ومنها: الاستئجار للتدريس والإقراء من غير أن يعين أشخاصاً للقراءة والاشتغال بالعلم لا يصح دون ما إذا عين أشخاصاً، أو مسائل محصورة، أو سوراً، أو آيات بعينها فإنه يصح. وعن الشيخ أبي بكر الطوسي تردد جواب في الاستئجار لإعادة الدرس وأبدى الإمام احتمالاً في جواز الاستئجار على التصدر للقراءة. قال: وفي استئجار الكلب للصيد، والفحل للضراب والدراهم والدنانير- أي للزينة- وجهان: أظهرهما أنه لا يجوز أما في الكلب؛ فلأنه يحرم اقتناؤه إلا للصيد والحراسة وما أبيح للحاجة لا يصح أخذ العوض عنه؛ كالميتة؛ لأنه لا قيمة لعينة فكذلك المنفعة. وأما في الفحل؛ فلما روى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري قال: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ". [وروى الشافعي في المختصر أنه ﷺ نَهَى عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ]. وروى مسلم عن جابر قال: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ [بَيْعِ] ضِرَابِ الْفَحْلِ". وعسب الفحل: الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفحل كما قاله الجوهري وأبو عبيد. ويؤيده رواية الشافعي. [وقيل: عسب الفحل: ماؤه، فعلى هذا يكون حديث أبي سعيد اقتضى النهي عن بيع ماء الفحل]. وقيل: عسب الفحل: ضرابه، قاله الجوهري أيضاً، فيكون المضمر البيع وتؤيده رواية جابر؛ ولأن فعل الضراب غير مقدور للمالك؛ لأنه يتعلق باختيار الحيوان.

стр. 5317

وأما في الدراهم والدنانير؛ فلأن منفعة التزين من النقدين لا تقصد إلا نادراً، والأغالب سواها، وهو التصرف فيها فصار حكم الأغلب هو المغلب، وإذا كان كذلك فكأن لا منفعة مع أن ما قصده فيه غررو فلا يعان عليه؛ ولأن هذه المنفعة لا تضمن بالغصب فلم يصح عقد الإجارة عليها كوطء الأمة. والوجه الثاني: الجواز؛ لأن هذه منافع تستباح بالإعارة فاستحقت بالإجارة كغيرها من المنافع، وهذا ما اختاره في مسألة الكلب صاحب المرشد والبحر، وكذلك الإمام في باب بيبع الكلاب، وقال: لا يتجه عندنا تخريج الخلاف فيه على أن المعقود عليه العين أو المنفعة، فإن هذا يبطل بإجارة الجرو. وقال الجيلي: إنه مبني عليه، وخرجه الماوردي على الخلاف في أن منافع الكلب مملوكة أو مستباحة، واختار ابن أبي هريرة صحة استئجار الفحل للضراب. قال الرافعي في البيوع: ويجوز أن يعطي صاحب الأنثى صاحب الفحل شيئاً على سبيل الهدية أي على الوجهين: واختار القاضي الطبري صحة إجارة الدراهم والدنانير كما حكاه عنه في البحر، وحكم إجارة الكلب للحراسة وجلد الميتة [كما حكاه القاضيالحسين حكم إجرة الكلب للصيد وحكم إجارة الأغنام لوجه من وجوه الانتفاع]. كما حكاه مجلي عن الشامل أو الطعام ليعاير به مكيالاً. كما قاله الماوردي، أو لتزيين الحوانيت- كما أبداه الإمام تخريجاً- حكم إجارة النقدين، والذي جزم به القاضي الحسين عدم الصحة في إجارة الطام للزينة، وعلى ذلك جرى في الوسيط وألحق الماوردي وغيره بصور الخلاف إجارة الأشجار للاستظلال بها أو لتجفيف الثياب عليها، أو لربط المواشي أو السفن إذا كانت هذه المنافع غير مقصودة منها في العرف وجزم بالجواز فيما إذا صار ذلك مقصوداً من منافعها، وأطلق البندنيجي القول بجواز إجارتها لنشر الثياب عليها وربط الدواب فيها، وهذا ما حكى الرافعي أن بعضهم صححه وإن جرى الخلاف؛ لأنها منافع مهمة، وأجرى في التهذيب الخلاف في استئجار الببغاء للاستئناس بصوتها، وبالجواز أجاب المتولي فطرده في كل ما يستأنس [بصوته] [أو بلونه]

стр. 5318

كالطاووس، وكذا أجاب به البندنيجي فيما إذا كان على الحائط صور مباحة فاستأجره للنظر إليها وألحقه باستئجار المصحف، أو الدفاتر، أو الحائط الذي عليه [شيء] مكتوب ليقرأه. فائدة: كثيراً ما يسأل عن محل الخلاف في استئجار الأشجار للاستظلال، ويقال: إن كان الموضع الذي يستظل فيه مباحاً [أو منفعته مملوكة للمستأجر فالاستظلال حاصل له بغير أجرة فلا يصح الاستئجار له؛ لأن بذل المال يكون سفهاً، ويشهد له أن العمراني في الزوائد حكى عن القاضي أبي الطيب أنه قال: لو استأجر بستاناً لينظر إليه لم يصح لما ذكرناه وإن كان مملوكاً] لصاحب الأشجار فالإجارة واقعة على الجميع فينبغي أن يصح جزماً. وجوابه من وجهين: أحدهما: أن المراد الصورة الأولى، وتكون فائدة الاستئجار الأمن من إزالة ذلك. الثاني: أن يصور المسألة بما إذا كان ظل الأشجار لا يصل إلى الموضع الذي يراد الاستظلال فيه إلا بإمالتها فيستأجرها ليميلها لأجل الاستظلال. قال: ولا يصح على منفعة محرمة؛ كالغناء والزمر وحمل الخمر .. أي: لا لأجل الإراقة؛ لأن ذلك محرم فلم يجز أخذ العوض عليه؛ كالميتة، والدم. ودليل تحريم حمل الخمر: الخبر المشهور، وفي معنى ذلك استئجار المرأة عبداً أجنبياً، والرجل حرة للخدمة وفي استئجار الأمة وجهان في العدة وكذا في استئجار الكافر للمسلم للخدمة إذا وقع العقد على عينه، والابن والده للخدمة [فيه] وجهان، ومن المتفق على منع الاستئجار له؛ لكونه محرماً- بناية البيع، والكنائس للتعبد، وتعليم السحر، والفحش، والتوراة، والإنجيل، وتعليم القرآن

стр. 5319

لكافر لا يرجى إسلامه دون ما إذا كان مرجو الإسلام، وكذا كتابة كافر القرآن كما صرح به الماوردي؛ لأنه ممنوع من مس المصحف، وكذا الحائض لكنس المسجد، وقطع عضو سليم من آدمي أو غيره أو سن صحيح أو الختان في وقت الحر الشديد والبرد الشديد، أو في صغير لا يحتمل ألمه كما صرح به القاضي الحسين، وأبدى في الوسيط احتمالاً في جواز استئجار الحائض لكنس المسجد وإن كانت تعصى به كما تصح الصلاة في الأرض المغصوبة. وحكى في الإبانة قبيل باب الصيد والذبائح: أن مسلماً لو أجر نفسه لذمي ليبني له كنيسة قال الشافعي: كرهته فمنهم من قال هي كراهة تحريم فإذا عمل لا يستحق أجرة. ومنهم من قال: بل كراهة تنزيه، ويصح العقد ويستحق الأجرة؛ لأن الكنيسة ما هي إلا بناء قلعة يسكنها كما يسكن الدار، أما الاستئجار على حمل الخمر للإراقة فجائز، كالاستئجار على كنس الخلاء وحمل الجيفة إلى المزبلة، وكذا الاستئجار لقطع يد متآكلة إذا قلنا بجواز القطع إذا صعب الألم وقال أهل الخبرة: إنه نافع. وعن الشيخ أبي محمد: أنه لا يجوز القطع في هذه الحالة أيضاً؛ لأن القطع إنما ينفع إذا وقعت الحديدة على محل صحيح، فعلى هذا يمنع الاستئجار. وقد قيل بمنع الاستئجار عليه مطلقاً، وهو مطرد في الاستئجار على قلع السن الذي كثر ألمه، وقد صار إلى [تصحيحه] فيهما القاضي الحسين وقال: إنما ينعقد جعالة؛ لأن الوجع يهيج ثم يسكن فلا يتحقق إمكان الوفاء بهذا العمل. ورأى الإمام تخصيصه بالقلع؛ لأن احتمال فتور الوجع في الزمان الذي يفرض فيه القلع غير بعيد، أما زوال الآكلة في زمان القطع فإنه غير محتمل، وأجرى الخلاف في الاستئجار للفصد والحجامة وبزغ الدابة؛ لأن هذه إيلامات إنما تباح للحاجة وقد تزول الحاجة. تنبيه: كلام الشيخ مصرح بأن الغناء حرام وكذلك ابن الصباغ حيث قال في باب بيع البراءة: أن استئجار الجارية للغناء لا يصح فإن حرام، وكلام القاضي أبي الطيب في باب بيع المصراة يقتضي خلافه فإنه قال: وأما قول مالك: إن الغناء حرام فلا نسلم [ذلك] وإنما قال الشافعي: إنه لهو ولعب وسخف وليس من أخلاق الدين.

стр. 5320

قلت: وليس ذلك بخلاف في المسألة، بل كلام الشيخ محمول على ما إذا تبعه شيء من آلة الملاهي المحرمة؛ كالمزمار ونحوه وما قاله القاضي محمول على ما إذا لم يصحبه شيء من آلة الملاهي المحرمة وقد صرح بهذا الحكم في الحالتين الماوردي والشاشي في الحلية كل منهما في كتاب السلم. آخر: الغناء: بكسر الغين والمد ولا تكتب إلا بالألف وفي رفع التمويه أنه يستعمل مقصوراً وأنه مشتق من الغنة: وهي: خروج الصوت من الأنف، وأما الغنى بالمال فمقصور يكتب بالياء. قال: ويصح الإجارة على منفعة عين معينة كاستئجار الدار للسكنى، والمرأة للرضاع والرجل للحج والبيع والشراء، والدابة للركوب، ويصح على منفعة في الذمة كالاستئجار لتحصيل الحج وتحصيل حمولة إلى مكان كما يصح البيع على معين وموصوف في الذمة. وقد استدل الأصحاب لصحة الاستئجار على الحج بأنه عمل تدخله النيابة فجاز العقد عليه كتفرقة الزكاة؛ ولأنه عمل معلوم يصح أخذ الرزق عليه فجاز أخذ الأجرة عليه؛ كبناء المساجد. واعلم أن الإجارة للرضاع مطلقاً تتضمن استقاء اللبن، ووضع الصبي في

стр. 5321

الحجر، وتلقيمه الثدي، وعصر الثدي عند الحاجة إليه، لكن هل الأصل فعلها واللبن تابع، أو اللبن هو المقصود والفعل يتبعه؟ فيه وجهان في الرافعي، وأصحهما الأول. والذي حكاه القاضي أبو الطيب [والمحاملي: أن الأصحاب اختلفوا: فمنهم من قال: العقد واقع على اللبن، والحضانة والخدمة تابعة. ومنهم من قال: العقد واقع على الحضانة والخدمة، واللبن تابع له. وقال المحاملي: وهو الصحيح. وقال في البحر: إنه المذهب. ووجه القاضي أبو الطيب] بأن العين لا تملك بالإجارة؛ ولهذا لا يجوز إجارة البئر لاستقاء الماء منها، ويجوز على طريق التبع كما إذا استأجر داراً؛ ليستعمل ماء البئر. وهذه العبارة تفهم خلاف ما يفهمه لفظ الرافعي، فإن لفظ الخدمة والحضانة لا يصدق عرفاً وشرعاً على وضع الصبي في الحجر وتلقيمه الثدي فقط، بل يصدق ذلك كما صرح به القاضي الحسين وصاحب البحر على حفظ الصبي، وتعهده، وغسل ثيابه ورأسه وخروقه، وتطهيره من النجاسات، وتدهينه، وتكحيله، وإضجاعه في المهد، وربطه، وتحريكه في المهد لينام. وإذا كان كذلك؛ لزم مما ذكره المحاملي وأبو الطيب أن عقد الإجارة على الرضاع يتناول ذلك كله، لكن أصلاً وتبعاً، كما يتناول في تفسير الرافعي اللبن ووضع الرضيع في الحجر. وقد حكى الماوردي: أنه إذا استأجر للرضاع وأطلق، هل عليها مع الرضاع حضانته وخدمته أم لا؟ فيه وجهان ينبنيان على أن المقصود اللبن أو الخدمة والرضاع، فإن قلنا: إن المقصود اللب،، لم يلزمها الحضانة والخدمة وإن قلنا: اللبن تابع لزمها الحضانة والخدمة، ومقتضى هذا البناء: أن يكون الصحيح اللزوم؛ إذ الصحيح كما ذكرنا أن العقد واقع على الحضانة والخدمة. وقد حكى الرافعي أن الأصح خلافه، وحكى الخلاف فيما إذا استأجر للحضانة، هل يستتبعها الرضاع؟ والذي جزم به القاضي الحسين عدم استتباع الحضانة للرضاع.

стр. 5322

وهذا كله إذا لم يصرح بهما، ولا ينفى أحدهما، فلو صرح بهما؛ بأن استأجر على الحضانة والرضاع، تعين الإتيان بهما؛ لكن المقصود [بالعقد]: اللبن، أو الحضانة والخدمة، أو هما [الجميع مقصود بالعقد]. فيه ثلاثة أوجه حكاها القاضي الحسين، وإن فائدتهما تظهر فيما إذا فقد أحدهما، هل [ينفسخ العقد أو يثبت الخيار؟ ثم قال: والوجهان في أن مطلق الإجارة على الإرضاع هل] يستتبع الحضانة؟ يمكن بناؤهما على هذا الأصل: إن جعلنا اللبن تابعاً لم يستتبعها، وإلا استتبعها. ولو صرح بالاستئجار على الرضاع، ونفى الحضانة، فقد حكى الرافعي عن الأكثرين: أن أصح الوجهين الصحة؛ كما لو استأجر للحضانة، ونفى الرضاع، وأن الإمام قال: محل الخلاف فيما إذا ورد العقد على صرف اللبن إلى الصبي، وقطع عنه وضعه في الحجر، أما الحضانة بالتفسر الذي ذكرناه، فلا خلاف في جواز قطعها عن الرضاع. قلت: وكلام القاضي الحسين مصرح بالخلاف فيها، ثم إن صح ما قاله الإمام، لزم أن يكون الأصح في هذه الحالة البطلان، إن قلنا بأن الأصح عند إطلاق العقد: أن اللبن تابع، كما حكاه من قبل، وقد حكي عن الأكثرين: أن الأصح [الصحة]. ولتعلم أيضاً أن محل جواز الاستئجار على البيع والشراء إذا لم يكن الاستئجار على بيع من معين ولا على شراء شيء معين، وكان مما يلحق المستأجر فيه كلفة؛ كما إذا استأجره على بيع ثوب أو عبد أو نحوهما، أو شراء ذلك، أما لو استأجره على بيع من معين أو شراء شيء معين لم يصح؛ لأنه استئجار على شيء غير مقدور على تحصيله. أو شراء شيء معين لم يصح؛ لأنه استئجار على شيء غير مقدور على تحصيله. حكاه الرافعي في أواخر هذا الباب. وحكى في البحر: أنه لو استأجره ليشتري له ثوباً بعينه جاز، ولو استأجره على كلمة البيع، أو كلمة تروج بها السلعة ولا تعب منها كالاستئجار على بيع [ما استقرت قيمته في البلد، كالخبز، واللحم ونحوهما لم تصح؛ لأنها منفعة] غير مقصودة غالباً. قال الرافعي: ولم يجعلوا ذلك من صور الوجهين. تنبيه: الحمولة، بضم الحاء، هي الأحمال، وبفتحها هي الإبل التي تحمل

стр. 5323

[عليها] الأحمال، والفرش صغارها قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً﴾ [الأنعام: ١٤٢]، ولا يحتاج في العقد على الحمولة إلى معرفة الحمولة إلا أن يكون المحمول زجاجاً ونحوه، أو يكون في الطريق مطر أو طين فيحتاج إلى وصف الحمولة في كل حال. قال: فإن كان على منفعة عين لم يجز إلا على عين [يمكن استيفاء المنفعة منها .. ؛ لأن المنفعة هنا كالعين في البيع، وصحة البيع تتعين له عيناً مقدوراً عليها فكذا الإجارة، ومن هذه القاعدة يؤخذ منه الاستئجار] في مسائل بعضها مذكور في الكتاب، وبعضها مصرح به في غيره فمنها استئجار منكوحة الغير للرضاع وغيره لا يجوز بغير إذنه؛ لأن أوقاتها مستغرقة لحق الزوج؛ فلا تقدر على توفية ما التزمته ويصح بإذنه، ومنهم من صححه بغير إذنه أيضاً، وهو المختار في المرشد؛ لأن محل الاستئجار غير محل النكاح ولا حق له في كسبها وخدمتها وعلى هذا، فللزوج فسخه كي لا يحيل حقه، نعم لو أجرت نفسها ولاحق لها ثم نكحت في المدة لم يكن له فسخها كما لو وقع ذلك بإذنه، فلو كان جاهلاً بالحال ففي الحاوي في كتاب النفقات: أن له الخيار لفات الاستمتاع عليه بالنهار ولا يسقط خياره برضا المستأجر بالاستمتاع. وحيث لا يثبت الخيار فللزوج أن يستمتع بها في أوقات فراغها ولو كانت الإجارة للرضاع فهل لولي الطفل منع الزوج من وطئها؟ فيه وجهان: وجه المنع خشية حبلها فينقطع اللبن، أو يقل فيضر بالطفل. ووجه الجواز: وهو الذي أجاب به العراقيون- أن الحمل موهوم فلا يمنع به المستحق. وفي التهذيب: أن الإصابة إن كانت تضر باللبن منع. وإذا منع الزوج فلا نفقة لها عليه. ولو أجر السيد الأمة المزوجة جاز، ولم يكن للزوج منعها من المستأجر؛ لأن يده يد السيد وحكم استئجار الزوج زوجته للرضاع وخدمة البيت مثل: الكنس، والطبخ، والغسل ونحوها مذكور في كتاب النفقات من هذا الكتاب، وربما بعض ما ذكرناه هنا مذكور فيه أيضاً.

стр. 5324

قال: وإن استأجر أرضاً للزراعة لم يجز حتى يكون لها ماء يؤمن انقطاعه، كماء النهر والمد بالبصرة والثلج والمطر في الجبل؛ ليثق بحصول المعقود عليه. قال: وإن كان بمصر لم يجز حتى يروي الأرض بالزيادة .. أي: إذا لم يكن لها شرب إلا من ماء النيل؛ لأن نيل مصر خوان لا يوثق بحصوله، بخلاف ما يروى من الأراضي بمد البصرة، فإنها يجوز إجارتها للزرع قبل ريها بالمد باتفاق الأصحاب كما حكاه الإمام؛ لأنه أثبت من كل ما عد، وكذا إجارة الجبل للزراعة قبل أوان المطر ووقوع الثلج الذي يكفي الأرض نداوته؛ لأن ذلك معلوم الوقوع والقليل منه يكفي كالكثير. ثم الظاهر أن ما أطلقه الشيخ في أرض مصر محمول على ما إذا كانت لا تروى بما يزيد من الماء في الغالب، كخمسة عشر ذراعاً فما دونها، أو كانت تروى من ذلك لكنه لا يتهيأ الاشتغال بعمارة الأرض بالزرع قبل حصول الماء عليها، كما صرح به ابن الصباغ والمتولي وأبو الطيب، أما إذا كانت الزراعة ممكنة قبل حدوث الزيادة وكانت الأرض تروى من الزيادة المعتادة التي لا تنقطع إلا نادراً فالعقد صحيح كما صرحوا به أيضاً. وعن القفال: ما يقتضي المنع في هذه الحالة أيضاً، فإنه صار إلى أن الأرض التي يكفيها المطر المعتاد والنداوة التي تصيبها من الثلج المعتاد في الجبل لا يجوز إجارتها للزراعة قبل حدوث ذلك متمسكاً بظاهر قول الشافعي في المختصر: وإن تكار الأرض التي لا ماء لها وإنما تسقى بنطف من السماء أو بسيل إن [جاء- فلا] يصحز ووجهه بأن السقي معجوز عنه في الحال والماء المتوقع لا يعرف حصوله، وبتقدير حصوله لا يعرف أنه هل يحصل في الوقت الذي يمكن الزراعة فيه أم لا؟ وهذا غرر ومقتضى هذا التعليل: أن يقول بطرد مذهبه في مسألتنا. [وقد] وافقه الماوردي فيما صار إليه فإنه شرط أن يكون الماء موجوداً حالة الاستئجار إلا في مد البصرة، والجمهور على الأول، وبه قال القاضي الحسين موجهاً ذلك: بأن توهم الانقطاع عند الحاجة لو منع صحة العقد لامتنع

стр. 5325

فيما إذا كان لها شرب من نهر أو عين أو بئر؛ لأنه ما من ماء إلا ويتوهم انقطاعه وأما النص فمحمول على ما إذا لم يكن في ذلك عرف جار وإنما يتفق ذلك نادراً، وقد اتفقوا على المنع في هذه الحالة. ويؤيد ذلك أن النطف- بإسكان الطاء- القليل الذي يقطر، ومنه سمى المنى نطفة، لأنها تقطر. وقد أغرب في البحر حيث قال: حكى في أرض البصرة وجهاً: أنه لا تجوز إجارتها إلا على شرط أنه لا ماء لها. فإن قيل: ظاهر كلام الشيخ يقتضي جواز الإجارة عند ري الأرض بمصر، وإن لم ينحصر الماء عنها، كما هو ظاهر نص الشافعي، وذلك يمنع من الزرع، فينبغي ألا يصح قبل انحساره؛ لعدم إمكان اتصال الشروع في الاستيفاء بالعقد. قلت: لأجل هذا منع بعض أصحابنا العراقيين فيما إذا كان الاستئجار لزراعة ما لا يمكن زرعه [مع] قيام الماء، كما حكاه الإمام، وحمل النص كما حكاه الشيخ أبو حامد على ما إذا كان المستأجر له زراعة الأرز؛ فإنها تمكن مع الماء. والصحيح عند القاضي الحسين وبه جزم القاضي أبو الطيب: أنه لا فرق بين الأرز وغيره، والنص جار على عمومه؛ لأن الماء إذا كان على الأرض فهو من مصلحتها؛ لأنه يخرق العروق التي فيها فكان بمنزلة العمارة. وأيضاً فإن الأرض التي لها شرب يصح إكراؤها للزراعة في غير يوم شربها على انتظاره؛ فينعقد العقد على استحقاق المنفعة، ثم يستوفيها على حسب العادة، فكذلك هاهنا [كذا قاله القاضي الحسين]. فإن قيل: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق بعد حصول الري في جواز الإجارة بين الأرض التي يعلم انحسار الماء عنها وقت الحاجة بأن يكون لها مقطع ينصب إليه الماء أو لا. والجواز ظاهر في الحالة الأولى دون الثانية؛ فإنه [لا تتحقق] القدرة على الانتفاع عند الحاجة؛ فينبغي أن يمنع في هذه الحالة. قلت: قد صار إلى هذا بعض المتقدمين، كما حكاه ابن أبي هريرة وجهاً،
следующие страницы →