Полный текст (9 685 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.
стр. 5391
ينو الرجوع لم يرجع وإن نواع فوجهان في تعليق القاضي الحسين، فإن اختلفا في نية الرجوع فالقول قول المنفق. وهذا الكلام [قد] يفهم أن الخلاف جار فيما إذا ترك الإشهاد مع القدرة عليه وبدونها كما فهم الرافعي مثله في مسألة المساقاة، والمصرح به في كتب المذهب: أن محلهما إذا لم يقدر على الإشهاد، أما إذا قدر [عليه] فلم يفعله فلا يرجع وجهاً واحداً؛ صرح به مجلي. وقد أحال معظم الأصحاب الكلام في هذه المسألة على ما ذكروه في باب المساقاة فليطلب منه، وقد ألحق الإمام عدم القدرة على إثبات الواقعة عند الحاكم أو عسرها- بحالة عدم الحاكم، وإذا قلنا: يرجع عند عدم الحاكم، فاختلف الجمال والمنفق في قدر المنفعة: قال الرافعي: القول قول الجمال؛ لأن إنفاق المكتري لم يستند إلى ائتمان من جهة الحاكم. وفيه احتمال للإمام من جهة أن الشرع سلطه عليه، وهذا منهما محمول على الرجوع في حالة عدم الإشهاد، أما إذا اعتبرنا الإشهاد فالبينة تقطع الخصومة، وقد قال مجلي في كتاب اللقطة: إنه يجب عليه أن يشهد في كل دفعة.
قال: وإن مات أحد المتكاربين والعين المستأجرة باقية- لم يبطل العقد؛ لأنه عقد معاوضة [على ما يقبل النقل] ليس لأحدهما فسخه من غير عذر فلم ينفسخ بموت أحد المتعاقدين كالبيع.
قال: وإن هلكت العين المستأجرة في يد المستأجر من غير عدوان- لم يضمن)؛ لأنها عين قبضها ليستوفي منها ما ملكه فلم يضمنها بالقبض، كالنخلة إذا اشترى ثمرتها، ولا يشبه ما إذا اشترى سمناً وقبضه في بستوقة حيث تكون مضمونة في يده على أصح الوجهين في تعليق القاضي الحسين وغيره؛ لأنه أخذها لمنفعة نفسه ولا ضرروة في قبض السمن فيها، والمرجع في العدوان إلى العرف، فلو ربط الدابة في الإصطبل، وماتت- فلا ضمان.
ولو انهدم عليها، فهلكت، أطلق الرافعي القول- حكاية عن الأصحاب- بوجوب الضمان.
وقال غيره: ينظر: إن كان انهدامه في وقت عهد أن تكون الدابة فيه تحت سقف كجنح الليل في الشتاء والمطر الشديد في النهار- فلا ضمان.
стр. 5392
وإن كان في وقت لا يعهد ذلك فيه، ضمن؛ لأن التلف- والحالة هذه- جاء من ربطها في الإصطبل.
ولو ضرب الدابة، أو كبحها باللجام، أو ركضها برجل، فإن فعل من ذلك ما يفعله العامة فلا شيء عليه وإن تعداه ضمن، ويخالف المؤدب إذا ضرب الصغير فمات، أو الزوج وزجته فماتت حيث يضمن بكل حال؛ لأن الآدمي يمكن تأديبه بغير الضرب بخلاف الحيوان؛ فقد حكى الإمام عن العراقيين في كتاب الرهن ما يقتضي أن العلة في ضمان الزوجة أمر آخر، [فإنه حكى أنهم] قالوا: لو قال السيد: اضرب عبدي فضربه ووالى الضرب عليه، فلا ضمان، بخلاف الزوج وإن كان مأذوناً من جهة الشرع في الضرب، وفرقوا: بأن الإذن في ضرب الزوجة مقيد بتوقي القتل وإبقائها والإبقاء عليها، والإذن في مسألة العبد لا تقييد فيه، قال: وكأنهم رأوا الأمر بالضرب أمراً بحسبه بالغاً ما بلغ، وهذا محتمل عندي؛ فإن الضرب يخالف القتل، والأمر به أراه مشعراً بالاقتصار عليه، ومن قتل إنساناً لا يقال ضربه، ولو قال: أدب عبدي فلا [يجوز أن] يشك في أنه لو قتله ضمنه؛ فإن التاديب مصرح بإبقاء المؤدب.
فرع: إذا غصبت الدابة المستأجرة مع دواب سائر الرفقة، فذهب بعضهم في الطلب ولم يذهب المستأجر انبنى ذلك على أنه: هل يلزمه الرد عند انقضاء المدة أم لا؟ فإن قلنا: لا يلزمه الرد، لم يضمن. وإن قلنا: يلزمه؛ فإن استرد من ذهب دابته من غير مشقة ولا غرامة ضمن المستأجر المتخلف، وإن لحقتهم غرامة [أو مشقة] فلا ضمان؛ كذا حكاه العبادي في الزيادات.
قال: وإن انقضت [مدة] الإجارة لزم المستأجر رد العين وعليه مؤنة الرد)؛ لأنه أذن له في إمساكها؛ لاستيفاء المنفعة من غير استحفاظ ولا إيداع، فإذا انقضت المدة وجب عليه الرد ومؤنته كالمستعير، وهو ظاهر كلام الشافعي، وبه قال الإصطخري.
وقال البندنيجي: إنه المذهب، وهو الذي حكاه [القاضي الحسين] عن العراقيين.
стр. 5393
وقيل: يجب ذلك على المؤجر؛ لأنها أمانة في يده؛ فهي كالوديعة. واستغنى الشيخ بجعل مؤنة الرد على المؤجر- على هذا القول- بأن المستأجر لا يجب عليه الرد، بل التخلية؛ لأن المؤنة ملازمة لوجوب الرد، وهذا ما حكاه القاضي الحسين والإمام عن المراوزة، واختاره القفال والقاضي الحسين والغزالي.
وقال الماوردي: إنه مذهب الشافعي، ولا وجه لمن خرج من أصحابنا في الإجارة من الرهن وجهاً آخر أن الرد واجب على المستأجر؛ لأن الرهن يغلب فيه حق المرتهن؛ فجاز أن يكون وجوب رده على وجهين، وفي الإجارة يستويان؛ فاختص بها المالك [بحق الملك] وخص القاضي أبو الطيب محل الخلاف بما إذا لم يشترط على المستأجر الرد، أما إذا اشترطه وجب بلا خلاف، ومنعه ابن الصباغ وقال: من لا يوجب الرد عليه ينبغي ألا يجوز شرطه، وهذا ما يقتضيه كلام القاضي الحسين؛ فإنه حكى أن صاحب التقريب فرع على القول الأول إذا شرط الآجر على المستأجر أن يرد الدابة إلى بلد الآجر لزمه الرد، وإن أطلق العقد، وكان المالك معه، رد عليه إذا بلغ الموضع الذي اكترى إليه، وإلا فعليه أن يرده إلى بلده.
ثم قال: وهذا عندي غلط، ولا يلزمه الرد إلى بلد المكري، بل إذا بلغ الموضع المقصود، فهي مال غائب، حصل في يده، يسلمه للحاكم، أو يودعه أميناً، وعلى هذا المذهب: إذا شرط الرد بطل العقد؛ لأنه خلاف مقتضاه، لكنه لو خرج لا ضمان.
ثم على الخلاف المذكور في الكتاب يتفرع مسألتان
إحداهما: إذا أمسك العين المستأجرة بعد انقضاء المدة فتلفت في يده فعلى الأول: يضمن، وعلى الثاني لا ضمان، إلا أن يطالبه المالك بالتمكين منها فيمتنع، وعلى هذه الحالة حمل [ما] قابله النص.
الثانية: وجوب الأجرة، فعلى الأول: تجب وإن لم يستعملها، وعلى الثاني: لا.
قال الماوردي: ومحل الخلاف في هذه والتي قبلها: إذا لم يكن ثم عذر، أما إذا كان ثم عذر مانع [من الرد] فلا ضمان ولا أجرة، وكذا قاله في المهذب.
стр. 5394
ويلتحق بذلك: ما إذا ردها، فتلفت في الطريق؛ كما صرح به البندنيجي وابن الصباغ.
وفي كلام الإمام ما يقتضي خلافه؛ فإنه قال في تضعيف وجه الضمان: ويبعد كل البعد أن يقال: إذا انقضت المدة، وهم المستأجر بالرد، فتلفت العين في يده من غير تقصير – يجب عليه الضمان.
ومن أوجبه طرد القول في إثبات الضمان، وألحق العين بعد مدة الإجارة بالمستعار والمأخوذ سوماً.
ولا نزاع في أن المستأجر إذا بذل العين للآجر فلم يقبلها: أنها تصير في حكم الوديعة، إلا أن يستعملها؛ ولو ترك الرد عليه بعد الطلب برضا الآجر، بقيت العين في يده عارية يضمنها بالقيمة، ولا يضمنها بالأجرة، صرح به الماوردي.
فرع: إذا استأجر قدراً؛ ليطبخ فيها، ثم حملها بعد المدة على حمار ليردها، فسقط الحمار، وانكسرت القدر- قال العبادي في الزيادات: إن كان لا يستقل بحملها الراجل، فلا ضمان [عليه]، وإلا فعليه الضمان؛ لأن العادة أن القدر لا ترد بالحمار مع استقلال الآدمي بحملها.
قال: وإن اختلفا في الرد فالقول قول المؤجر؛ لأن الأصل عدم الرد، وقد قبض العين لغرض نفسه؛ فكان كالمستعير، وقيل: القول قول المستأجر، وقد تقدم الكلام في ذلك وما قيل من الفرق بينه وبين الوكيل يجعل في مواضع؛ منها كتاب الرهن.
قال: وإن هلكت العين [التي] استؤجر على العمل فيها في يد الأجير أي: من غير تفريط فإن كان العمل في ملك المستأجر أو في غير ملكه والمستأجر مشاهد له- لم يضمن؛ لأن المال غير مسلم إليه في الحقيقة، وإنما استعان المالك به في شغله، كما يستعين بالوكيل والتلميذ، وهذا ما نص عليه في الإملاء.
وعن أبي سعيد الإصطخري، وأبي علي الطبري حكاية القولين [الآتيين] في هذه الحالة أيضاً.
стр. 5395
قال: وإن كان في غير ملك المستأجر؛ ففيه قولان:
أصحهما: أنه لا يضمن؛ لأنه قبض العين لمنفعته ومنفعة المالك، فلم يضمنها من غير تعد كالعين المستأجرة ومال القراض والرهن، وهذا ما اختاره المزني.
والقول الثاني: أنه يضمن؛ لقوله ﷺ "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ"؛ ولأنه أخذ العين لمنفعة نفسه من غير استحقاق فأشبه المستعير والمستام؛ ولأن الأجرة ترجع إليه فوجب أن يكون الضمان عليه، كما لو أجر دابة فتلفت تحت يد مستأجرها، فعلى هذا حكمه في الضمان حكم المستعير والمستام، ففي وجه [عند العراقيين]: يضمن القيمة وقت التلف.
وفي وجه: يضمن ضمان الغصوب، وهو اختيار أبي حامد كما حكاه في البحر، ولا شك في ضمان الحر.
وهذه الطريقة هي الصحيحة، وعليها يدل قول الشافعي في المختصر.
والأجراء كلهم سواء؛ فما تلف في أيديهم من غير جنايتهم ففيه واحد من قولين:
أحدهما: الضمان؛ لأنه أخذ الأجرة.
والقول الآخر: لا ضمان إلا بالعدوان، ومن الأصحاب من قطع بالقول الأول؛ لما حكي عن الربيع أنه قال: كان الشافعي يرى أن الأجراء لا يضمنون، غير أنه كان لا يبوح به؛ مخافة [من] أجراء السوء، وأن القاضي يقضي بعلمه غير أنه كان لا يبوح به؛ مخافة قضاة السوء.
وروى الحارث أن الشافعي سلم لقصار ثياباً مرتفعة فاحترق دكان القصار، واحترقت الثياب، فتشفع القصار إليه بقوم في الصبر عليه إلى أجل، فقال: لا أضمنه شيئاً؛ لأنه لم يصح عندي أن الصناع يلزمهم الضمان؛ كذا حكاه في البحر والقائل بهذا الطريق حمل قوله في المختصر: "ففيه واحد من قولين" على ترتيب من يفصل بين أن يتلف الشيء في يده بفعله من غير تعد، وبين أن يتلف بآفة سماوية، وهو أبو حنيفة؛ فإنه لا وجه إلا الضمان مطلقاً أو عدمه مطلقاً.
وقد استدل المزني على ما اختاره بثلاثة أشياء:
стр. 5396
أحدها: قال: قطع الشافعي بأنه لا ضمان على الحجام يأمره الرجل أن يحجمه أو يختن غلامه أو يشرط دابته.
والثاني: قال: ما علمت أحداً ضمن الراعي بالمنفرد بالرعي.
والثالث: قال الشافعي: لو اكترى رجلاً ليخيط متاعه في دكانه، فاحترق المتاع، لا ضمان عليه.
فإذا ألقوا عن هؤلاء الضمان؛ لزمهم إلقاؤه عن الصانع- يعني: عن الأجير المشترك- وقد وافقه الغزالي في مسألة الراعي، فادعى الإجماع فيها وكتب الأصحاب كافة من "الحاوي" و"الشامل" و"تعليق" أبي الطيب، وغيرها مصرحة بأن الأمر فيما ذكره المزني خلا الحر- كما هو مذكور في غيره حرفاً بحرف حتى جعل ابن الصباغ إذنه للراعي بالرعي في موات بمنزلة رعيه في ملكه؛ فلا يضمن وإن لم تكن مشاهدة.
فرع: إذا ضاع حلي الطفل في يد المرضعة هل تضمنه؟
قال الماوردي إن قيل: إن الأجراء يضمنون- انبنى ذلك على أن الأجرة للرضاع والخدمة تبع أو للخدمة والرضاع تبع؟ فعلى الأول: [لا] ضمان وعلى الثاني: لا تضمن إن كانت منفردة، وتضمن في أحد القولين إن كان مشتركاً.
واعلم أن ظاهر كلام الشيخ يقتضي إجراء الخلاف في الأجير المشترك والمنفرد كما هو ظاهر النص في "المختصر"؛ لأن كل ما فسر به المشترك والمنفرد كما سنذكره عن الجمهور ينطبق عليه كلامه، وقد صرح بذلك صاحب الإفصاح وصححه الروياني في البحر، والقاضي الحسين وغيرهما، وقد روي عن ابن أبي أحمد [وأبي الحسن بن القطان] والقفال: أن الأجير المنفرد لا يضمن قولاً واحداً، وإنما الخلاف في المشترك، والأجير المشترك على الصحيح عند الروياني وغيره، هو الذي يتقبل العمل في ذمته كما هو دأب الخياطين والقصارين، والحمالين ونحو ذلك، فإذا التزم لواحد أمكنه أن يلتزم لغيره مثل ذلك العمل؛ فكان مشتركاً بين الناس، والمنفرد: هو الذي أجر نفسه مدة مقدرة لعمل فلا يمكنه تقبل مثل ذلك العمل لغيره في هذه المدة، وعبر القاضي الحسين عن هذا بأن المشترك: هو الذي لا يستحق الأجرة إلا بالعمل، والمنفرد: هو الذي يستحقها بالتمكين ومضي المدة وقيل: المشترك هو الذي يشارك في الرأي، فيقال له:
стр. 5397
اعمل في أي موضع شئت، والمنفرد: هو الذي عين عليه العمل وموضعه.
وقيل: المشترك هو الذي لا يضيق عليه وقت العمل، سواء ورد على عينه أو في ذمته؛ فإن له أن يؤخر العمل عن وقت العقد من غير فرق وإن ورد على عينه فيعمل لغيره.
والمنفرد هو الذي يضيق عليه وقت العمل؛ فلا يمكنه من العمل لغيره فيه.
قال مجلي: وهذا يقع بشيئين:
أحدهما: أن يقع العقد على مدة معلومة.
والثاني: أن يرد على عين الأجير.
فإن قيل: إذا لم يضيق الوقت عليه، فالظاهر: أنه يتعين العمل عقيب العقد في مطلق الإجارة؛ فيصير بمثابة المضيق.
قيل: ليس كذلك فإن المضيق تنفسخ الإجارة بمضي المدة من غير عمل فيها، وهاهنا لو مضت مدة تتسع للعمل، ولم يعمل، لم ينفسخ العقد، وقد فسر الماوردي المنفرد بالذي يكون عمله في ملك المستأجر أو في غير ملكه والمستأجر مشاهد له وحكى اختلافاً فيما إذا كان الأجير يعمل بحانوت نفسه لمستأجر واحد ولا يعمل لغيره ومستأجره غائب عن عمله هل يلتحق بالأجير المنفرد أو المشترك؟ فالذي صار إليه أبو إسحاق وهو مذهب البصريين: الأول؛ والذي صار إليه ابن أبي هريرة وهو مذهب البغداديين [الثاني].
قال: ويستحق الأجرة لما عمل في ملك المستأجر أي: أو بحضرته إلى أن هلكت؛ لأن العين كما ذكرنا تحت يد مالكها، فالعمل يسلم له أولاً فأولاً، ولا فرق في ذلك بين أن يوكن العمل قصارة ويقول: إنها عين أو أثر.
قال: ولا يستحق لما عمل في غير ملكه أي: ولا عند غيبته إذا فرعنا على الصحيح في أن يده يد أمانة؛ لأنه لم يسلم ما عمله فشابه المبيع إذا تلف قبل القبض؛ وهذه طريقة أهل العراق، وبنى القاضي الحسين ذلك فيما إذا كانت الصنعة قصارة على أنها كالعين كما ذكرنا في باب التفليس أنه الصحيح الصنعة قصارة على أنها كالعين كما ذكرنا في باب التفليس أنه الصحيح.
وقال: إذا قلنا إنها أثر استحق الأجير أجرة ما عمل.
قال في البحر: وهذا لا يصح، لأن القصارة وإن كانت أثراً لابد [من] أن
стр. 5398
تصل إلى يد صاحبه وفيه الأثر حتى تقرر الأجرة ويستقر حكم العمل فلا وجه لهذا القول وما قاله مصادرة أما إذا قلنا: إن الأجير يضمن فقد أطلق في "المهذب" استحقاق الأجرة، وهو ما حكاه الغزالي عن العراقيين؛ لأنه يقوم عليه معمولاً فيصير بما يغرمه مسلماً للعمل فيستحق الأجرة، وأطلق الماوردي القول بأنه لا يستحق.
وقال القاضي الحسين: إن قلنا: إن الصنعة أثر استحق الأجرة، وإن قلنا: إنها كالعين فالمالك يغرمه قيمة ثوب غير مقصور.
قال الغزالي: والصحيح عدم الاستحقاق فإنه لا ضمان، وعلى الخلاف المذكور في أن القصارة ونحوها عين أو أثر ينبني حق الحبس كما صرح به في المهذب وغيره.
فإن قلنا: إنها عين كان له حق الحبس وإلا فلا.
وعن أبي يعقوب الأبيوردي: أن الصنعة إن لم يكن لها أثر قائم لم يكن له الحبس قولاً واحداً، وإن كان له عين مال فيه كالصبغ ونحوه جرى الخلاف فيه.
فروع: ذكرها القاضي الحسين.
إذا أتلف أجنبي العين التي عمل الأجير فيها استحق الأجير الأجرة على المستأجر إن قلنا: إنها أثر ورجع صاحب الثوب على المتلف بقيمته مقصوراً، وإن قلنا: إنها كالعين انبنى ذلك على أن الأجنبي إذا أتلف المبيع قبل القبض هل ينفسخ العقد أو يثبت الخيار؟
فإن قلنا: ينفسخ انفسخت الإجارة هاهنا ورجع الأجير على المتلف بالأجرة، ورجع المالك عليه بقيمة الثوب [غير مقصور].
وإن قلنا: لا ينفسخ وثبت الخيار فهكذا الحكم في مسألتنا، فإن فسخ فالحكم كما تقدم وإن أجاز العقد غرم للأجير الأجرة ورجع على المتلف بقيمة الثوب مقصوراً، ولو أتلف صاحب الثوب الثوب تقررت عليه الأجرة.
ولو أتلف الأجير الثوب انبنى على أن جناية البائع كالآفة السماوية أو كإتلاف الأجنبي، فإن جعلناها كالآفة السماوية غرم للمالك قيمة الثوب مقصوراً إن
стр. 5399
جعلنا الصنعة أثراً واستحق الأجرة.
وإن قلنا: كالعين لم يستحق الأجرة واستحق عليه قيمته غير مقصور، وإن جعلناها كجناية الأجنبي فيلزمه [قيمة العين ثم إن قلنا: القصارة أثر لزمه قيمته مقصوراً، وإن قلنا: إنها كالعين فللمالك الخيار على الأصح، وحكى في البحر عن بعض الخراسانيين أنا إذا قلنا: إنه كالآفة السماوية فلا أجرة للقصار وإن قلنا: إن القصارة أثر].
قال: وإن اختلف المستأجر، والأجير المشترك في رد العين؛ أي: مع قولنا: إنه غير ضامن فقد قيل: القول قول المستأجر، وقيل: القول قول الأجير وتوجيههما تقدم في الوكيل بجعل.
أما إذا قلنا: إنه ضامن فالقول قول المستأجر قولاً واحداً كالمعير.
قال: وإن باع المكري العين من المكتري جاز؛ لأنه في يده من غير حائل فهو كبيع المغصوب من الغاصب.
ولأن الملك في الرقبة خالص له وعقد الإجارة إنما ورد على المنفعة، فلا يمنع من بيع الرقبة؛ كما أن تزويج الأمة لا يمنع من بيعها.
وقد أشار في الوسيط إلى خلاف في صحة البيع بقوله: والظاهر الصحة وأذكره بعضهم؛ لكونه لم يجده في النهاية، بل وجد فيها نفي الخلاف في المسألة، وكذلك في أكثر الكتب المشهورة، وبعضهم قال: إنه مصرح به في المحيط، وكان يستخرجه من أصول في المذهب سأذكرها.
قال: ولم تنفسخ الإجارة بل يستوفى ما بقي بحكم العقد؛ لأن الملك لا ينافيها، ولهذا يستأجر ملكه من المستأجر وهذا هو الأصح ولم يورد الماوردي هنا سواه.
وعن ابن الحداد وغيره: أن الإجارة تنفسخ، [وهو محكي في الحاوي في كتاب الصلح]؛ لأنه إذا ملك الرقبة حدثت المنافع على ملكه تابعة للرقبة، إذا
стр. 5400
كانت المنافع مملوكة له، لم يبق عقد الإجارة عليها، كما أنه لو كان مالكاً في الابتداء، لم يصح منه الاستئجار، [و] شبه بما إذا ملك أمة؛ فإنه لا يجوز أن يتزوجها، ولو تزوج أمة، ثم اشتراها، انفسخ النكاح.
والقائلون بالأول قالوا: إنما ينتقل للمشتري ما كان للبائع والبائع لا يملك حين البيع المنفعة؛ فلم ينتقل إلى المشتري.
[ويخالف النكاح؛ فإن السيد مالك لمنفعة بضع الأمة المزوجة؛ بدليل أنها لو وطئت بشبهة كان المهر له لا للزوج، فإذا باع انتقلت منافع البضع إلى المشتري] فاجتمع شيئان فقدم أقواهما وهو النكاح.
التفريع: إن قلنا بالصحة فعليه فرعان:
أحدهما: لو تلفت المنافع قبل انقضاء مدة الإجارة انفسخت الإجارة ورجع على الآجر بحصة ما بقي من المدة، وفي انفساخها في الماضي الطريقان السابقان.
الثاني: لو انفسخ البيع قبل تمام المدة، كان للمستأجر أن يستوفي المنفعة إلى انقضاء المدة.
وإنقلنا بمذهب ابن الحداد فعليه فرعان:
أحدهما: أن المستأجر، هل يرجع على الآجر بأجرة بقية المدة أم لا؟ فيه وجان:
أحدهما: لا، وبه قال ابن الحداد؛ لأن المنافع قائمة في يده، وأيضاً فإنه لو اشترى زوجته لا يسقط مهرها.
[وأصحها في الرافعي: أنه يرجع؛ لأن الأجرة إنما تستقر بسلامة المنافع للمستأجر [على موجب الإجارة] ولم تسلم، ويخالف المهر؛ فإن استقراره لا يتوقف على سلامة المنفعة للزوج؛ بدليل استقراره بالموت.
الثاني: العين في بقية مدة الإجارة: هل ترد إلى البائع حتى ينتفع بها في قدر المدة الباقية من مدة الإجارة أم لا؟ فيه وجهان في النهاية:
أحدهما: أنها ترد إليه.
стр. 5401
والثاني- وهو الأصح-: أنها لا ترد، والمنافع تحدث على ملك المشتري بعد انفساخ الإجارة.
قال الإمام: وهذا الخلاف يناظر ما إذا باع المكري الدار من غير المكتري، وصححناه، ثم انفسخت الإجارة بعيب فالدار هل ترد للبائع، لينتفع بها في بقية المدة، أم تكون للمشتري؟
ثم هذا الخلاف جار، سواء قلنا: إن المستأجر يرجع على البائع بالأجرة أم لا، ولا تعلق لأحد الخلافين بالثاني؛ فإن سبب الخلاف في ارتداد المنافع إلى البائع تخيلنا استثناء المنافع عن استحقاق المشتري، وسبب الخلاف [في الرجوع] بالأجرة وعدمه: انتساب المشتري إلى جلب الملك وهو السبب الفاسخ، وكان شيخي يقول: إذا حكمنا بارتداد المنافع إلى البائع [في بقية المدة استرد المشتري قسطاً من الأجرة وجهاً واحداً، وإن قلنا: لا ترد المنافع إلى البائع] فهل يسترد المشتري قسطاً من الأجرة؟ فعلى وجهين وهذا ليس وراءه تحصيل.
قلت: ومن القول بانفساخ الإجارة ورجوع منفعة المدة الباقية إلى الآجر البائع وعدم رجوع المشتري عليه بقسطها من الأجرة تمسك القائل بتصحيح ما أوهمه لفظ الغزالي من عدم صحة البيع؛ لكون ذلك ملازماً للبيع؛ فتصير المنفعة في بقية المدة كالمستثناة كما أشار إليه كلام أبي الطيب الذي سنذكره من بعد، والاستثناء باللفظ إذا كان مبطلاً للعقد كان الاستثناء بالشرع مثله.
دليله: بيع الجارية واستثناء حملها وإذا كانت حاملاً بحر، والله أعلم.
واعلم أن الخلاف المذكور في انفساخ الإجارة وعدمه يتخرج عليه مسائل:
стр. 5402
منها: إذا أوصى لزيد برقبة دار ولعمرو منفعتها، فأجرها عمرو من زيد هل يصح؟ فيه وجهان:
ومنها لو مات المستأجر ووارثه المؤجر ففي انفساخ الإجارة الوجهان.
ومنها: إذا أجر داراً من أبيه ومات الأب في المدة ولا وارث له سوى المستأجر وعليه ديون مستغرقة وقلنا: إن الدين لا يمنع الإرث كما هو الجديد، أما إذا قلنا بالقديم فالإجابة باقية قولاً واحداً، وقد ادعى الروياني أن الانفساخ في هذه الصورة هو ظاهر المذهب وهو ما جزم به الماوردي وفرق بينه وبين البيع من المستأجر: بأنه بالإرث صار قائماً مقام المؤجر فلم ينفذ له عقد على نفسه وهو في البيع لا يقوم مقام البائع إلا فيما سمي بالعقد فعلى هذا قال ابن الحداد: الابن غريم يضارب بأجرة بقية المدة مع الغرماء وهذا بخلاف قوله في الشراء فمنهم من تكلف له فرقين:
أحدهما: أن الانفساخ في صورة الشراء حصل باختيار المستأجر، وفي الإرث لا صنع للمستأجر؛ فلا يسقط حقه.
والثاني: أن هناك الإجارة وإن انفسخت فلا تخرج المنافع من يده، وهاهنا تخرج، لأن الدار تباع في الديون وأبطل الأول بأنه لا فرق في سقوط الأجرة بين
стр. 5403
أن يفوت [محل] المنافع بفعله أو لا؛ كما إذا انهدمت الدار المستأجرة أو هدمها فإنه يرجع بالأجرة وأبطل الثاني فإنا لا نسلم أن المنافع تبقى للمشتري ثم إذا سلمنا ذلك فبقاؤها ليس من مقتضى الإجارة بل لحدوثها على ملكه بسبب ملك الرقبة والتملك بغير جهة الإجارة لا يقتضي استقرار الأجرة.
وقد حكى في البحر [عن القاضي الطبري] فرقاً آخر ومعناه: أن في مسألة البيع ما فات على المستأجر من الأجرة جبره نقص الثمن، وما فات على الآجر من الثمن بسبب كونها مستأجرة جبرته الأجرة، فلو أوجبنا في هذه الحالة الأجرة لأضررنا بالبائع وفي مسألة الإرث لم يفت على الميت شيء بسبب الإجارة حتى يجعل الأجرة جابرة له ولا حصل للمستأجر شيء حتى يجعل الأجرة في مقابلتهن فلو لم نوجب له الأجرة لأضررنا به وكان ابن الحداد يراع نفي الضرر في الصورتين.
قال الروياني: وهذا فيه نرظ؛ لأنه يؤدي إلى جهالة الثمن وهي تبطل البيع، وفيما قاله نظر ومن تمام هذه المسألة أن المؤجر لو مات عن ولدين أحدهما المستأجر، وقلنا بمذهب ابن الحداد: لا تنفسخ الإجارة إلا فيما انتقل إليه بالإرث وهو النصف وله الرجوع بنصف أجرة ما انفسخ العقد فيه فيما ورثه أخوه وهذا ما حكاه الماوردي.
قال الرافعي: وهو مستبعد عند الأئمة لأنه يؤدي إلى أن يرث المستأجر نصيبه بمنافعه والآجر نصيبه مسلوب المنفعة، والله أعلم.
قال: وإن باع من غيره لم يصح في أحد القولين [أي: سواء أذن المستأجر أو لم يأذن كما ذكره المتولي؛ لأن] يد المستأجر مانعة من التسليم بحق فكانت أولى بمنع البيع من يد الغاصب التي تمنع منه بظلم، وهذا ما صححه الشيخ أبو علي.
ويصح في الآخر، ويستوفي المستأجر ما بقي؛ [فإن لم يعلم المشتري بالإجارة ثبت له الخيار] لأن ثبوت العقد على المنفعة لا يمنع من بيع الرقبة، كالأمة المزوجة، وهذا هو الصحيح في الحاوي، وتعليق البندنيجي وغيرهما.
فإن قيل: هل يمكن أن يكون مأخذ [هذا] الخلاف في أن العقد يرد على
стр. 5404
العين أو [على] المنفعة.
فإن قلنا: يرد على العين امتنع.
وإن قلنا: يرد على المنفعة فلا.
قلت: لا يمكن؛ لأمرين:
أحدهما: أن هذا الخلاف حكاه الماوردي وغيره قولين، وما ذكرته وجهين، ولا يمكن تخريج قولين على وجهين.
والثاني: أن الخلاف المذكور في أن الإجارة ترد على العين أو المنفعة مذكور بعينه كما ذكره القاضي الحسين في عقد النكاح على الزوجة، ولم يمنع صحة بيع المزوجة اتفاقاً؛ فظهر أنه لا يصلح أن يكون مأخذ الخلاف.
ولكن الإمام حكى عن الأئمة أنهم بنوا هذا الخلاف على ما إذا باع داراً واستثنى سكناها سنة؛ ففي صحة البيع قولان:
فإن قلنا: لا يمنع البيع عند الاستثناء؛ صح بيع الدار المكراة، وإلا فلا؛ هذه طريقة القاضي الحسين وسنذكر عن غيره خلافها.
ثم إذا قلنا بصحة البيع، فوجد المستأجر عيباً بالمستأجر ففسخ الإجارة، فلمن تكون المنفعة فيما بقي من مدة الإجارة؟ فيه وجهان:
اختار ابن الحداد منهما: أنها تكون للمشتري.
واختار أبو زيد: أنها [تكون] للبائع؛ وهذا ما صححه في البحر.
وحكي أن القاضي الطبري قال: وعلى هذا يجوز أن يبيع عيناً ويستثنى منفعتها مدة.
قال ابن الصباغ والروياين: وهذا التخريج خلاف مذهب الشافعي.
والفرق بينهما ذكرته في باب ما يجوز بيعه.
وقد بنى المتولي الخلاف في أن منفعة المدة الباقية تعود إلى البائع والمشتري على أن الفسخ يرفع العقد من أصله أو من حينه إن قلنا بالأول، فهي للمشتري، وإلا فللبائع.
стр. 5405
وقال: إنهما لو تقايلا وقلنا: إنها عقد، فهي للبائع، وكذا إن قلنا: إنه فسخ على الصحيح، وحكم هبة العين المستأجرة حكم بيعها، وفي رهنها طريقان حكاهما الماوردي في كتاب الصلح:
أحدهما: طرد القولينك
والثاني: القطع بالبطلان.
فرعان:
أحدهما: إذا أقر الآجر بالعين المستأجرة لغير المستأجر ففي قبول إقراره بالرقبة قولان:
أحدهما: [لا؛] كما لو أقر بما باعه لغير المشتري.
والثاني: نعم؛ لأنه مالك في الظاهر غير متهم في الإقرار، ويخالف إقرار البائع؛ لأنه يصادق ملك الغير؛ [وهذا هو الأظهر، والمنصوص في "عيون المسائل".
قال الرافعي]: وقد ينبني الخلاف على أن المكري هل له بيع المستأجر؟ إن قلنا: نعم، صح إقراره، وإلا فهو على الخلاف في إقرار الراهن.
وإذا قلنا: يقبل إقراره؛ ففي بطلان حق المستأجر من المنفعة أوجه:
أظهرها: أنه لا يبطل.
والثاني: يبطل؛ تبعاً للرقبة؛ كالعبد إذا أقر على نفسه بالقصاص، يقبل، ويبطل حق السيد تبعاً.
والثالث: إن كان المقر به في يد المكتري؛ فلا تزال يده حتى انقضاء مدة الإجارة، وإن كان في [يد] المقر له، فلا ينزع من يده.
وإذا قلنا: يبطل حق المكتري فهل له تحليف المكري؟ فيه الخلاف المذكور في أن المرتهن هل يحلف الراهن إذا أقر بالمرهون وقبلناه.
الثاني: بيع الحديقة المساقى عليها في المدة يشبه بيع المستأجر.
قال الرافعي: ولم أر له ذكراً، نعم في فتاوى صاحب التهذيب: أن المالك إن
стр. 5406
باعها قبل خروج الثمرة لم يصح؛ لأن للعامل حقاً في ثمارها؛ فكأنه استثنى بعض الثمرة وإن كان بعد خروج الثمرة لم يصح البيع في الأشجار ونصيب المالك من الثمار ولا حاجة إلى شرط القطع؛ لأنها مبيعة مع الأصول ويكون العامل مع المشتري [كما كان مع البائع].
قلت: وقد ذكرت لمنع البيع قبل انتهاء مدة العمل في المساقاة وجهاً ظاهراً في باب ما يجوز بيعه فليطلب منه.
قال: وإن كان أي المستأجر عبداً فأعتقه عتق؛ لأن الحيلولة لا تمنع العتق، دليله: صحة عتق المغصوب والآبق؛ ولأن الإجارة عقد على منفعة فلم يمنع العتق كالنكاح، [ولا تنفسخ الإجارة كالنكاح].
قال: ويلزم المولى للعبد أقل الأمرين من أجرته أو نفقته.
أما وجوب أجرة المثل إذا كانت أقل من النفقة؛ فلأن الحرية قطعت سبب وجوب النفقة- وهو الرق- وقد فوت السيد عليه منافعه في باقي مدة الإجارة؛ فضمن بدلها، كما لو أكرهه على العمل.
وأما وجوب النفقة إذا كانت أقل من أجرة المثل؛ فلأن العتق إنما يقع على ما هو مملوك للسيد، والمنفعة في حال العقد لم تكن مملوكة له، فلم ينلها العتق، وامتنع أن يرجع ببدلها، [فوجبت النفقة؛ لأنه] كالباقي على ملكه؛ بدليل أنه يملك بدل منفعته بحق الملك.
وهذا الوجه على هذا النعت لم أره فيما وقفت عليه، بل المحكي في المهذب وغيره أن العبد هل يستحق على السيد أجرة المثل أم لا؟ فيه قولان:
القديم: نعم، والجديد: لا، فعلى هذا هل يرجع السيد [بنفقته؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها تجب في بيت المال.
والثاني: وهو الأشبه في الرافعي والمختار في المرشد أنها تكون على السيد] استيفاء لما تقدم من حكمي الإجارة والنفقة؛ فقد حكى صاحب
стр. 5407
التقريب وراء ذلك وجهين:
أحدهما: أن الإجارة تنفسخ بالعتق.
والثاني: أن العبد يثبت له الخيار بين فسخ الإجارة والبقاء عليها؛ كما ثبت للأمة إذا عتقت تحت عبد.
والمذهب الأول، وهو الذي أورده الجمهور، ومنهم صاحب التهذيب، وقال: إن الحكم في أم الولد إذا أجرها سيدها، ثم مات قبل انقضاء المدة كذلك.
وحكى وجهاً آخر: أن الإجارة تنفسخ بموت سيدها، وهو ما أورده [في] البحر؛ لأنه انتهى ملكه؛ فصار كما لو أوصى بمنفعة عبده لشخص مدة حياته، ثم مات، وأاجره الموصى له، ثم مات قبل انقضاء مدة الإجارة- فإنها تنفسخ في الباقي.
والإمام في مثل هذه الصورة يقول: تبينا أن الإجارة لم تصح في ذلك القدر.
وحكم المعلق عتقه بصفة إذا أجر ثم وجدت الصفة حكى أم الولد.
فرع: إذا انفسخت إجارة المعتق بسبب من الأسباب؛ فالمنافع في المدة الباقية لمن تكون؟
стр. 5408
قال المتولي: [إن قلنا إن للمعتق الرجوع على السيد بالأجرة عادت إلى المعتق].
وإن قلنا: لا يرجع عليه [بها] فالمنافع تكون للمعتق أو للسيد؟ فيه وجهان.
فرع: إذا أجر عبده، ثم مات، فأعتقه الوارث، فالحكم كما تقدم إلا في الرجوع على المعتق؛ فإنه لا يثبت.
فرع: للأب والوصي إجارة الصبي وماله كما يصح منهما بيع ماله.
وحكى الإمام عن رواية صاحب التقريب وجهاً: أنه لا يجوز للأب إجارته.
فعلى الأول: لا يجوز أن يجاوز بالإجارة مدة بلوغه بالسن.
فلو أجره ثم بلغ في أثناء المدة، فهل تنفسخ الإجارة فيما بقي؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه متصرف المولى عليه حين كان له التصرف، فأشبه [ما لو] باع له شيئاً أو اشترى له شيئاً.
والثاني: يبطل؛ لأنه عقد على منافع لا يجوز له التصرف فيها؛ لأن المولى عليه بعد بلوغه يجوز له التصرف في منافع نفسه وماله دون غيره.
ومن هذه العلة يفهم أن محل الخلاف إذا بلغ رشيداً، أما لو بلغ سفيهاً؛ فلا.
قال القاضي أبو الطيب بعد حكاية ما حكيته من الخلاف: ومن أصحابنا من قال: إن أجره مدة يتيقن أن يبلغ الصبي قبل مضيها؛ فإن العقد يبطل فيما يتيقن فيه البلوغ، وهل يبطل في الباقي؟ فيه قولاً تفريق الصفقة.
وإن أجره مدة لا يتيقن بلوغه قبل انقضائها، لكنه بلغ بالاحتلام فإن العقد يكون صحيحاً في جميع المدة لازماً؛ كما نقول في السيد إذا أعتق العبد بعدما أجره مدة.
وهذه الطريقة هي الصحيحة عند الروياني في الحلية.
وحكى الرافعي طريقة أخرى فيما إذا أجره مدة يعلم بلوغه في أثنائها بالسن- أن العقد باطل في الجميع قولاً واحداً؛ كما إذا أجر الراهن المرهون مدة يحل الدين قبل انقضائها.
وصححها البغوي والذي صححه الإمام والمتولي عند البلوغ بالاحتلام الانفساخ.
стр. 5409
وصحح الروياني في الحلية وغيره عدمه.
ثم إذا قلنا بعدم الانفساخ، فهل يثبت [له] الخيار؟
فيه وجهان في طريق المراوزة:
أظهرهما: لا.
وقد جعل الإمام الخلاف في انفساخ العقد إذا أورده على ماله مرتباً على الخلاف في انفساخه إذا ورد على نفسه، وأولى بعدم الانفساخ.
والخلاف في ثبوت الخيار في هذه الحالة مرتب على الخلاف في التي قبلها، وأولى بألا يثبت، كذا حكاه في آخر الباب. ولو أجر [الولي مال المجنون، فأفاق في أثناء المدة، فهو في معنى البلوغ بالاحتلام.
قال: وإن أجر] العين قبل انقضاء المدة من غير المستأجر- لم يجز.
صورة المسألة: أن يؤجر داره مثلاً شهراً ثم يؤجرها من آخر الشهر الذي يليه، فلا يصح.
الثاني: لأمرين:
أحدهما: أنه أجر ما لا يقدر على تسليمه فشابه إجارة الآبق.
والثاني: أن إمكان إيصال الشروع في الاستيفاء بالعقد لم يوجد.
قال: وإن أجرها من المستأجر جاز في أظهر القولين، قال البندنيجي: وهو المنصوص؛ لأن الدار في يد المستأجر والمنفعة [تقع] متوالية في ملكه فصار القبض معجلاً؛ كما لو أجرها منه ابتداء الشهرين وقد صار إلى ترجيح هذا القول صاحب التقريب [وغيره].
والقول الثاني: إنه لا يجوز؛ كما لا يجوز أن يؤجرها من غيره، وهو الذي صححه في الوسيط.
وقال الروياني [في البحر] والبندنيجي: إنه الأقيس، وأن نظير المسألة ما إذا باع الثمرة قبل بدو الصلاح من غير شرط القطع، إن باعها من غير صاحب الأصل لم يجز، وإن باعها منه فوجهان، وقد احتج الغزالي لقول المنع بأن العقد الأول قد ينفسخ فلا يتحقق شرط العقد الثاني وهو الاتصال بالأول، ولناصر الأول أن يقول: الشرط رعاية الاتصال ظاهراً، وذلك لا يقدح فيه الانفساخ
стр. 5410
العارض؛ ألا ترى أنه يجوز [السلم عندنا في المعدوم في الحال الموجود وكذا المحل وإن كان المسلم إليه قد يموت فيحل عليه الحق والمسلم فيه منقطع فلا يوجد شرط القطع، وكما يجوز أن يؤجر الشهر الثاني من المستأجر يجوز أن يؤجره من المستأجر منه ولا يجوز أن يؤجرها من المستأجر منه إذا كان المستأجر قد أجرها كما حكاه في التهذيب.
وعن فتاوى القفال: أنه يجوز]؛ لأنه الذي عاقده [فيضم إلى ما استحق بالعقد الأول الشهر الثاني].
ولا يجوز أن يؤجرها من المستأجر ولو أجر داره سنة ثم باعها وجوزناه لم يكن للمشتري أن يؤجر السنة الثانية من المكتري، وترددوا في أن الوارث هل يتمكن منه إذا مات مورثه المؤجر.
فرع: يجوز أن يؤجر الحيوان من آدمي وغيره شهراً [في] النهار دون الليل بخلاف غيره؛ لما في إدامة استعمال الحيوان من الإضرار به بخلاف غيره، وأوقات الصلوات من النهار مستثناة، وكذا سننها الرواتب وأوقات الطهارة ولا ينقص من الأجرة شيء، ولا فرق بين صلاة الجمعة وغيرها.
وعن ابن سريج كما حكاه الرافعي في أواخر الباب: أنه يجوز له ترك الجمعة بهذا السبب والسبوت في استئجار اليهود تقع مستثناة إذا اطرد عرفهم بذلك ذكره الغزالي في فتاويه.
قال: وإن انقضت مدة الإجارة وفي الأرض زرع فإن كان بتفريط من المستأجر أي بأن زرع ما يستحصد في تلك المدة أو أخر البذر جاز إجباره على قلعه وتسوية الأرض لتعديه كالغاصب، وهذا لفظه في التهذيب.
قال: وجاز تركه بأجرة؛ لأن الحق للمالك فجاز تركه برضاه، قال في التتمة: ولا يجوز إجباره على القلع قبل انتهاء المدة؛ لأن منفعة الأرض في الحال ملكه وهل له منعه من زراعة ما لا يدرك في تلك المدة ابتداء؟
قال الشيخ في المهذب: يحتمل ألا يمنع زرعه كما لا يقلع إذا زرع، وما ذكرناه عن التهذيب يقتضي المنع.
стр. 5411
قال: وإن لم يكن بتفريط منه أي: بأن يكون لتأخير المطر، أو لكثرته، أو لحر أو برد، أو لكون الجراد أكل رؤوس الزرع فنبت ثانياً وتأخر الإدراك لذلك.
قال: فقد قيل: يجوز إجباره؛ لأنه مفرط بترك الاستظهار في مدة الإجارة.
وقيل: لا يجوز؛ لأن هذه الموانع ليست من صنعه وهو معذور في ترك الزيادة على المدة المحتاج إليها عادة، وهذا ما قال المتولي: إنه المذهب، وجزم به القاضي الحسين؛ فعلى هذا يجب على المستأجر أجرة المثل لما زاد، وهذا كله إذا استأجر للزراعة وأطلق وجوزناه كما هو الصحيح، أما إذا عين زرعاً نظر: إن عين ما [لا] يستحصد في تلك المدة فالحكم فيما إذا زرع ما لا يستحصد فيها، أو ما يستحصد في تلك المدة كما إذا استأجر لزراعة الحنطة شهرين: فإن شرط القلع بعد مضي المدة جاز وكأنه لا [يبغي إلا الفضل] ثم لو تراضيا على الإبقاء بعد ذلك مجاناً لو تأخر فلا بأس، وإن شرط الإبقاء فسد العقد للتناقض بينه وبين التأقيت، فلو زرع لم يقلع زرعه مجاناً للإذن، بل يؤخذ منه أجرة المثل لجميع المدة، وإن أطلقا العقد ولم يتعرضا لقلع ولا إبقاء فوجهان:
أحدهما: وهو ظاهر كلام الشافعي كما حكاه الماوردي وبه قال الشيخ أبو محمد: أنه فاسد؛ لأن العادة في الزرع الإبقاء فكان كما لو شرطا.
وأصحهما في الرافعي وبه جزم القاضي الحسين: أن التأقيت يحضر المعقود عليه فيمنفعة تلك المدة فعلى هذا إن توافقا بعد المدة على إبقائه مجاناً أو بأجرة فذاك وإن أراد المالك إجباره على القلع فوجهان:
أحدهما وبه قال أبو إسحاق: أنه يتمكن منه.
[وأشبههما] ويحكى عن القفال: أنه لا يتمكن منه؛ لأن العادة في الزرع الإبقاء.
وعلى هذا فأظهر الوجهين أن له أجرة المثل للزيادة.
وفيه وجه لا؛ لأنه إذا أجر مدة لا يدرك فيها الزرع كان معيراً للزيادة على تلك المدة.
قال أبو الفجر السرخسي: إذا قلنا لا يقلع بعد المدة [لزم تصحيح العقد فيما إذا شرط الإبقاء بعد المدة] وكأنه صرح بمقتضى الإطلاق ولو عين ما يشك
стр. 5412
في أنه هل يستحصد في تلك المدة أم لا؛ كما إذا استأجر لزراعة البر خمسة أشهر- فإنه يجوز أن يحصد فيها في بعض البلاد وبعض السنين.
قال الماوردي: حكمه حكم ما ذكرناه فيما إذا علم أنه يستحصد؛ إسقاطاً للشك واتباعاً لليقين.
فرع: إذا انقضت مدة الإجارة للبناء والغراس، والبناء والغراس [قائم فالحكم] فيه كالحكم فيما لو رجع المستعير في العارية وقد ذكرناه، ومن تتمته: أنه لو شرط في الإجارة للبناء والغراس التبقية بعد المدة ففي الصحة وجهان:
أرجحهما عند الإمام والبغوي: الفساد.
والثاني وهو الذي أجاب به العراقيون أو معظمهم وكذا الماوردي: الصحة؛ لأن الإطلاق يقتضي الإبقاء فلا يضر شرطه ويصير مستعيراً على مذهب الشافعي؛ فلا يلزمه [الأجرة].
قال الرافعي: وبهذا يتأيد كلام السرخسي في مسألة الزرع.
قال: وإن كانت الإجارة على عمل في الذمة جاز أن تعقد بلفظ السلم؛ لمساواته السلم في الثبوت في الذمة.
وصورة ذلك أن يقول: أسلمت إليك هذا الدينار أو ديناراً في ذمتي في خياطة ثوب من صفته كذا وكذا، ويبين نوع الخياطة إن اختلف إلى فارسية ورومية. والفارسية بغرزة والرومية بغرزتين، أو في بناء حائط في موضع كذا طوله كذا [وعرضه كذا] وارتفاعه كذا ويصف ما يبنى به.
قال: وإن عقد بلفظ السلم اعتبر فيه قبض الأجرة في المجلس؛ لأنه سلم وإن عقد بلفظ الإجارة فقد قيل: يعتبر أي القبض اعتباراً بالمعنى؛ فإن معناه معنى السلم، وهذا هو الأصح عند العراقيين، والشيخ أبي علي والبغوي.
وقال في التتمة في كتاب الحج: إنه المذهب.
وقيل: لا يعتبر اعتباراً بلفظه وهو ما اختاره مختارون، وهذه القاعدة مطردة في مسائل السلم بلفظ الشراء كما حكاه أبو الطيب، والشراء بلفظ السلم، والبيع بلا ثمن، والهبة بثمن، والقراض على أن الربح لأحدهما، والمباضعة على أن الربح بينهما، ولكن الأصح في بعض النظر إلى اللفظ إذا كان المعنى بعيداً، وفي
стр. 5413
بعض النظر إلى المعنى إذا كان قريباً، وما ذكره الشيخ هو المشهور.
وحكى مجلي فيما إذا عقد بلفظ السلم [أو بلفظ] الإجارة ثلاثة أوجه:
أحدها: يشترط قبض الأجرة في المجلس.
والثاني: لا يشترط والقائل به يقول: يتبع المعنى لا الاسم.
والثالث: إن كان بلفظ السلم اشترط، وإن كان بلفظ الإجارة فلا.
وعلى كل حال فلا يجوز أن تكون الأجرة في هذه الحالة مؤجلة كما صرح به في المهذب؛ كي لا يكون بيع دين بدين.
وفي الحاوي: أنه إن عقد على ما في الذمة حالاً جاز أن تكون الأجرة فيه حالة ومؤجلة، وإن عقد على مؤجل كاستئجار بعير [في الذمة] يركبه إلى مكة بعد شهر من وقته لم يجز تأجيل الأجرة فيه؛ لأنها تصير ديناً بدين، وهل يلزم تعجيل قبضها قبل الافتراق أم لا؟ [فيه وجهان]:
قال: ولا تستقر الأجرة في هذه الإجارة إلا بالعمل؛ لأن المعقود عليه ما في الذمة فلا يستقر بدله من غير استيفاء كالمسلم فيه.
وفي الرافعي، والوسيط: أن الإجارة إذا وردت على الذمة وسلم دابة بالوصف المشروط فمضت المدة عند المكتري استقرت الأجرة لتعيين حقه بالتسليم وحصول التمكين.
ويمكن أن يحمل ما قاله الشيخ على ما إذا اعتمد العقد العمل كما صورناه، وما قاله الرافعي وغيره على ما إذا اعتمد الدابة؛ كما إذا قال: آجرتك دابة في ذمتي من صفتها كذا وكذا إلى موضع كذا فسلمها، كما سنذكر مثله عن الشيخ
стр. 5414
أبي محمد من بعد، ويدل عليه أن لفظ الغزالي إذا حبس المكري الدابة التي استأجرها استقرت عليه الأجرة، وإن لم يستعملها حتى مضت المدة في حبسه؛ سواء كانت الإجارة واردة على عين الدابة أو على الذمة.
وفي التتمة: أنه إذا التزم في ذمته عملاً من الأعمال ثم سلم نفسه إليه ليستعمله.
وقلنا: إن تسليم النفس في الإجارة على منفعة محصورة يحصل تسليمها أو سلم عبده ليستعمله، أو أذن لعبده حتى التزم في ذمته عملاً وسلم نفسه- هل تستقر الأجرة بمضي مدة يمكن فيها الإتيان بذلك الفعل أم لا؟ فيه وجهان:
قلت: ولا بد مع ذلك من ملاحظة إجبار من له دين حال في ذمة إنسان بذله إليه لقصد براءة الذمة لا غير، أما إذا لم يجبره على قبضه فلا يتجه الاستقرار أصلاً.
قال: ويجوز أن يعقد على [عمل] معجل ومؤجل [كالسلم]؛ وصورة المعجل أن تقول: أسلمت إليك في خياطة هذا الثوب حالاً [أو ألزمت ذمتك خياطة هذا الثوب حالاً أو استأجرتك على تحصيل خياطة هذا الثوب حالاً].
وصورة المؤجل: أن يقول ما ذكرناه ويذكر بدل قوله حالاً إلى شهر مثلاً.
قال: وإن هلكت العين [أو غصبت أي العين] التي سلمها الآجر للمستأجر؛ ليستوفي منها ما في الذمة لم تنفسخ الإجارة بل يطالب بالبدل؛ لأن المعقود عليه ما في الذمة، وهو باق وليس للمستاجر في هذه الحالة مطالبة الغاصب بالأجرة اتفاقاً.
ومن هذا يظهر أنها إذا تعيبت لا فسخ له، بل يردها ويطالب ببدلها من طريق الأولى.
واعلم أن العين المسلمة عن هذه الإجارة وإن لم ينفسخ العقد بتلفها؛ فإنه يثبت فيها حق واختصاص حتى يجوز له إجارتها.
ولو أراد المكري إبدالها، فهل له ذلك دون رضى المكتري؟ فيه وجهان:
أصحهما عن المعظم: لا؛ لما فيها من حق المكتري.
والثاني عن الشيخ أبي محمد: أنه يفرق بين أن يعتمد اللفظ الدابة بأن يقول:
стр. 5415
أجرتك دابة في ذمتي من صفتها كذا [فلا يجوز إبدال التي] سلمها أو لا يعتمد بأن يقول: التزمت إركابك على دابة صفتها كذا، فيجوز الإبدال، وهذا ما اختاره في الوسيط ويترتب على الوجهين ما إذا أفلس المكري بعد تعيين الدابة، هل يقدم المكتري بمنفعتها؟ والأصح: [التقديم]، وهو المذكور في التهذيب. ولو أراد المكتري أن يعتاض عن حقه في إجارة الذمة، قال الرافعي: إن كان قبل أن يسلم دابة لم يجز؛ لأنه اعتياض عن مسلم فيه وإن كان بعد التسليم جاز؛ لأن الاعتياض- والحالة هذه- واقع في حق [عن عين].
وفي التتمة: أنه هل يجوز أن ينقل هذه المنفعة إلى غيره بعقد الإجارة أم لا؟
ينبني ذلك على أن تسليم الأجرة في المجلس هل هو شرط أم لا؟ فإن اعتبرناه- لم يجز- وإلا فالحكم كما ذكرناه فيما لو استأجر عين مال.
قال: وإن [هرب المكري، اكترى عليه؛ لأنه حق في ذمته] تدخله النيابة فحصله الحاكم للمستحق؛ كمن أسلم في طعام إلى أجل، فهرب المسلم إليه عند حلوله – فإن الحاكم يستوفي لصاحب الحق حقه من ماله.
والإكراء يكون بمال المكري إن أمكن، وإلا فيما يقترض عليه من مال بيت المال أو من المستاجر أو [من] غيره.
ولا يجوز في هذه الصورة أن يفوض القاضي الأمر في الإكراء إلى المكتري كما نص عليه في البويطي؛ لأن حرصه على استيفاء حقه يمنعه من النظر للغائب.
وهذا النص: شبيه بما حكيناه عن العراقيين في كتاب الرهن؛ أنهم لا يجوزون أن يكون المرتهن وكيلاً في بيع الرهن في غيبة الراهن؛ لهذا المعنى.
قال: فإن تعذر ذلك؛ ثبت للمكتري الخيار بين أن يفسخ وبين أن يصبر إلى أن يجده؛ لأنه تأخر حقه؛ فثبت له الخيار؛ كما لو أسلم في شيء فتعذر.
وإذا فسخ لا يقترض عليه الحاكم لوفاء الأجرة؛ لأنها دين، وبالاقتراض يجدد مثله.
فرع: إذا كانت الإجارة على الحج في الذمة، ولم يحج الأجير في السنة الأولى، فهل تنفسخ الإجارة أم لا؟
стр. 5416
قال الأصحاب: إذا أطلق العقد، كان محمولاً على السنة الأولى، منزلاً منزلة تعيينها ولو عين، فأخر الحج عنها، فهل تنفسخ الإجارة؟ فيه طريقان حكاهما الإمام:
أظهرهما: أنه على قولين؛ كما في المسلم فيه إذا انقطع، وأصحهما: عدم الانفساخ.
والطريق الثاني: القطع بهز
فعلى هذا: إن كان الاستئجار من المغصوب، ثبت له الخيار، وكذا إن كان المستأجر للميت قد تطوع بالأجرة من ماله، فله الخيار. وإن كان الاستئجار] للميت بماله، فالذي صار إليه العراقيون: أنه لا خيار؛ لأن الأجرة لتحصيل الحج؛ فلا انتفاع باستردادها.
وتوقف الإمام فيما ذكروه؛ فإن الورثة تستفيد بالفسخ صرف الأجرة إلى من هو أحرى بالتحصيل.
وأيضاً فإنهم إذا استردوها، تمكنوا من إبدالها بغيرها.
وأورد البغوي وغيره: أن على الوارث مراعاة النظر للميت: فإن كانت المصلحة بفسخ العقد، لخوف إفلاس الأجير أو هربه، فلم يفعله – ضمن.
قال الرافعي: وهذا هو الأظهر، ويجوز أن يحمل المنسوب إلى العراقيين على أحد أمرين رأيتهما للأئمة:
أحدهما: صور بعضهم المنع فيما لو كان الميت قد أوصى بأن يحج عنه إنسان بمائة- مثلاً ووجهه بأن الوصية مستحقة الصرف إلى المعين.
الثاني: حكى الحناطي أن أبا إسحاق ذكر في الشرح أن للمستأجر للميت أن يرفع الأمر للحاكم ليفسخ العقد إن كانت المصلحة تقتضيه، وإن لم يستقل به فإذا نزل ما ذكروه على التأويل الأول لم يقع خلاف، وإن نزل على الثاني بان أمره.
فرع: ذكره الإمام في باب الإجارة على الحج:
إذا قال: ألزمت ذمتك أن تحصل لي حجة بنفسك، قال الصيدلاني: الإجارة صحيحة ومتضمنة أن يكون هو الحاج، ولا ينيب غيره مناب نفسه، وهذه الصورة من قسم إجارة الذمة.
وهذ زلل عظيم، فإن ربط الشيء بمعين حتى لا يقوم غيره مقامه مع اعتقاد
стр. 5417
التحاق ذلك بالديون- متناقض، والإجارة على الذمة قسم من أقسام السلم، والسلم في شجرة معينة باطل. انتهى.
ويقرب مما ذكره الصيدلاني في البعد- وإن لم يكن في معناه- ما صار إليه القاضي الحسين فيما إذا قال: استأجرتك لكذا، أو لتفعل كذا- أن هذه إجارة ذمة، ولا تكون إجارة عين ما لم يقل: استأجرت عينك أو نفسك لكذا أو لتعمل كذا.
والأظهر: أن هذه إجارة عين.
قال: وإن دفع إليه ثوباً فقطعه قميصاً [ثم اختلفا]؛ فقال صاحب الثوب: أمرتك أن تقطعه قباء، فعليك الأرش، وقال الخياط: بل أمرتني بقميص فعليك الأجرة؛ تحالفا على ظاهر المذهب؛ لأنهما اختلفا في صيغة العقد مع اتفاقهما على أصله؛ فاقتضى أن يتحالفا؛ كالمتبايعين. [و] لأن كلا منهما يصير منكراً ومدعياً [عليه]؛ فالخياط يدعي الأجرة، وينفي الضمان، ورب الثوب يدعي الضمان، وينفي الأجرة.
ولأنهما لو اختلفا والثوب صحيح، فقال رب الثوب: استأجرتك لتخيطه قميصاً، وقال الخياط [بل استأجرتني]: لأخيطه قباء تحالفا عليه، ولا يختلف قول الشافعي في ذلك، وإذا كان كذلك وجب إذا اختلفا بعد قطع الثوب أن يتحالفا عليه؛ لأن ما أوجب التحالف [مع بقائه أوجب التحالف] مع تغير أحواله، كذا قاله الماوردي.
ومراد الشيخ بظاهر المذهب: ظاهر نصه في الجامع الكبير كما سنذكره مع نصه في الإملاء على التحالف فيما إذا سود الصباغ ثوب إنسان وقال له: هكذا أمرتني، وقال مالك الثوب: بل أمرتك بصبغه أحمر، وقد روى القاضي أبو الطيب أن الشافعي قال في اختلاف العراقيين: كان ابن أبي ليلى يقول: إن القول قول الخياط.
وقال أبو حنيفة: القول قول رب الثوب، وهذا أصح القولين، وغير القاضي
стр. 5418
يرونه أشبه القولين، وإن المزني نقل هذه المسألة إلى المختصر وجامعه الكبير وذكر هذين القولين ثم قال: قال الشافعي: وكلاهما مدخول؛ لأن الخياط يدعي الأجرة، وينفي الضمان، ورب الثوب ينفي الأجرة، ويدعي الضمان؛ فلا أقبل قولهما، وأردهما إلى أصل القياس على السنة، فيحلف كل واحد منهما لصاحبه، وأرد الثوب على صاحبه، ولا أجرة للخياط، ولا ضمان عليه.
فاختلف الأصحاب من أجل هذه الروايات في هذه المسألة على خمسة طرق:
أحدها: أن المسألة على قول واحد وهو ما ذكره الشيخ، وما قاله في الجامعين فهو حكاية مذهب الغير ويؤيدها قوله بعد حكاية كلامهما: وكلاهما مدخول؛ وبهذه الطريقة قال أبو علي الطبري في الإفصاح، وصاحب التقريب، والشيخ أبو حامد، ومتأخرو الأصحاب؛ كما قال الماوردي بعد أن صححها.
وحكى في البحر: أن القاضي الطبري قال: إنما نقل ذلك صاحب الإفصاح من الجامع الكبير، وليس ذلك مذهب الشافعي، وإنما ذلك حكاية عن غيره.
والطريق الثاني: أن المسألة على قولين:
أحدهما: ما ذكرناه.
والثاني: أن القول قول المالك لإعراضه عن مذهب ابن أبي ليلى، وقوله: إن مذهب أبي حنيفة أشبه.
ووجهه: أنهما لو اختلفا في أصل الإذن كان القول قوله؛ فكذلك في صفته؛ كما إذا قلنا فيما إذا اختلف في صفة الإذن في الوكالة: إن القول قول الموكل، ونظائر ذلك.
ولأن الخياط معترف بأنه أحدث نقصاً في الثوب، ويدعي أنه مأذون له فيه،
стр. 5419
والأصل عدمه، وهذا ما اختاره المزني، وصححه الأكثرون، ومنهم القاضي الروياني، وقال: إن قول التحالف لا يصح؛ لأن الاختلاف واقع في الإذن لا في الأجرة والغرم، فكان القول قول الآذن.
والطريق الثالث: أن المسألة على قولين لا غير:
أحدهما: أن القول قول الخياط؛ لأنهما اتفقا على الإذن في القطع، والظاهر أنه لا يتجاوز المأذون.
ولأن المالك يدعي عليه الغرم والأصل عدمه؛ وبهذه العلة فارقت هذه المسألة مسألة الوكالة، وقد ذكرت الفرق بينهما في باب الوكالة.
والثاني: أن القول قول المالك لما ذكرناه.
وما استدل به من كونهما اتفقا على القطع يبطل بما إذا دفع إليه ثوباً، وقال: هو وديعة، فقال الآخر: هبة- فإن القول قول الدافع مع اتفاقهما على القبض.
وما ذكر من أن الظاهر أنه لا يتجاوز المأذون- لا يصح مع تجويز الخطأ والنسيان، مع أن العرف إنما يستعمل في إطلاق العقود لا في التنازع.
دليله: أن العطار أو الدباغ لو اختلفا في شيء من آله العطر أو الدباغ؛ لم يرجح قول أحدهما.
وما ذكر من كون المستاجر يدعي عليه الغرم والأصل عدمه يبطل بما لو اختلفا في [أصل] الإذن؛ وهذه طريقة ابن سريج، وأبي إسحاق، وابن أبي هريرة، والقاضي أبي حامد، كما حكاه الماوردي، وصار إليه الأكثرون؛ كما قال الرافعي، وصححها تبعاً للروياني.
واحتج القائلون بأنهما قولان للشافعي بأنه قال لأحدهما: هو أشبه القولين.
وفي البحر: أن القاضي أبا حامد قال: القول قول رب الثوب قولاً واحداً ولم يحك قولاً ثانياً في المسألة.
الطريق الرابع: أن المسألة على ثلاثة أقوال:
ظاهر المذهب: القول قول المالك.
القول قول الخياط، وهذه الطريقة معزوة في شرح الجويني إلى القفال، وقد حكاها القاضي أبو الطيب والبندنيجي والشيخ في المهذب عن بعض أصحابنا،
стр. 5420
وقال الماوردي: لعلها طريقة أبي الطيب بن سلمة وأبي حفص بن الوكيل.
والطريق الخامس: حكاه أبو الفرج السرخسي في أماليه عن ابن سريج: أنه [إن جرى] بينهما عقد، فليس إلا التحالف؛ كسائر الاختلافات في بقية المعاوضات.
وإن لم يجر فالخياط لا يدعي الأجرة، وإنما النزاع في الأرش، ففيه القولان المذكوران في الطريقة الثالثة.
التفريع:
إن قلنا بظاهر المذهب، وهو التحالف فلا تخفى كيفيته مما تقدم في البيع، والمالك هنا في رتبة البائع ثم والحكم بعد جريانه مذكور في الكتاب.
قال: ولا يستحق الخياط الأجرة؛ لأن التحالف يوجب رفع العقد، فتصير كأن لا عقد، وحينئذ فلا أجرة؛ لأن العمل غير مأذون فيه.
فعلى هذا: إن كان الخيط من نفس الثوب، لم ينزع وإن كان من الخياط، فله نزعه، وإن بذل له رب الثوب قيمته، لم يلزمه القبول.
ولو قال: أنا أشد خيطي في طرف خيطك حتى إذا جررت خيطك دخل خيطي مكانه- لم يلزمه ذلك أيضاً.
وهكذا الحكم في كل موضع قلنا: لا يستحق الأجرة.
قال: وهل يلزمه أي الخياط أرش النقص؟ فيه قولان: أي منصوصان في [الإملاء]:
أحدهما: يلزمه؛ لأنهما إذا تحالفا فكأن لا عقد و [لو] لم يتعاقدا وقطع لزمه الأرش، فكذلك هاهنا.
стр. 5421
والثاني: لا يلزمه؛ لأنه نفى بيمينه ما ادعي عليه من العدوان؛ فوجب أن يعمل بموجبها كيمين صاحب الثوب في نفي الأجرة.
وأيضاً: فإنه لو لم يحلف لكان لا يلزمه إلا أرش النقص، فلا بد وأن يكون ليمينه فائدة؛ وهذا ما رآه المزني في الجامع الكبير، وهو الأصح، وبه جزم الماوردي، والقاضي الحسين.
ثم على الأول، فيما يغرمه من الأرش ثلاثة أقوال حكاه الماوردي:
أحدها: ما بين قيمة الثوب صحيحاً ومقطوعاً قميصاً لأنه أثبت بيمينه: أنه لم يأذن في هذا القطع، وقد اختار هذا أبو إسحاق وصححه الإمام.
والثاني: ما بين قيمته مقطوعاً قباء ومقطوعاً قميصاً، فيقال: كم قيمة الثوب صحيحاً؟ فإذا قيل: عشرون، قيل: وكم قيمته مقطوعاً قباء؟ فإذا قيل: خمسة عشر، قيل: وكم قيمته مقطوعاً قميصاً؟ فإذا قيل: ثلاثة عشر؛ لزمه درهمان.
فلو خرجت القيمتان متساويتين، فلا شيء عليه.
ووجه هذا: أن أصل القطع مأذون فيه، وإنما تعدى بالزيادة.
قال الإمام: وهذان القولان محلهما إذا جرى ابتداء القطع على حسب الإذن، ثم ترتب عليه قطع يخالف الإذن، أما إذا كان القطع المنفي باليمين على وجه لا يترتب شيء منه على جنس القطع المأمور به، فيجب القطع بإيجاب إتمام الضمان.
وقد حكى الشيخ أبو محمد هذين القولين وجهين، وبناهما على أصلين:
أحدهما: القولان فيما إذا اكترى أرضاً ليزرعها حنطة، فزرعها ذرة- ففي قول: عليه أجرة المثل؛ نظراً إلى أن ابتداء الفعل عدوان، وفي قول: يغرم تفاوت ما بين الزرعين.
والأصل الثاني: الخلاف في أن الوكيل إذا باع بالغبن الفاحش كم يغرم: هل جميع قدر الغبن أو يحط عنه ما يتغابن بمثله؛ لأنه كالمأذون فيه؟
ولم يرتض الإمام البناء على الأصل الأخير.
والقول الثالث: أن ما يصلح من القميص للقباء لا يلزمه ضمانه، وما لا يصلح [له] يلزمه ما بين قيمته صحيحاً ومقطوعاً؛ وهذا ما اختاره ابن أبي هريرة وأدرجه الروياني في البحر في القول الثاني.
стр. 5422
ثم إذا قلنا: إنه يغرم تفاوت ما بين القطعين، فهل يستحق الأجرة للقدر الذي يصلح للقباء من القطع؟
فيه وجهان عن ابن أبي هريرة:
أحدهما: نعم، وبه أجاب في التهذيب، وضعفه ابن الصباغ؛ لأنه لم يقطعه للقباء، وإن قلنا: إن القول قول الخياط فلا بد من اليمين، وفي كيفيتها وجهان حكاهما الماوردي:
أحدهما- وهو ما حكاه ابن الصباغ والبندنيجي والإمام-: أنه يحلف إنه ما أذن له في قطعه قباء ولقد أذن له في قطعه قميصاً.
والثاني-: وهو قول الشيخ أبي حامد، وهو الذي صححه الماوردي-: أنه يحلف إنه أذن في قطعه قميصاً.
ثم إذا حلف فلا أرش عليه، وهل يستحق الأجرة؟ فيه وجهان:
أحدهما- وهو قول ابن أبي هريرة وطائفة، والأصح في تعليق البندنيجي والبحر-: نعم؛ عملاً بتصديقه.
فعلى هذا: أي أجرة يستحق؟ فيه وجهان في الحاوي وغيره:
أحدهما: الأجرة التي ادعاها- عملاً بما ذكرناه.
قال الإمام: وهذا الذي صرح به شيخي، وهو بعض ما ذكره الصيدلاني وغيره.
والثاني: أجرة المثل، وهو الذي أورده القاضي أبو الطيب، والقاضي الحسين، والبندنيجي.
وفي الذخائر: أن هذا إذا كان دون ما ادعى: أنه المسمى، أما إذا كان المسىم أقل، فلا يجب سواه؛ وهو مستنبط من كلام الإمام.
وعلى هذا القول: على الخياط تسليم الثوب مخيطاً؛ لأن الخيوط إن كانت لرب الثوب؛ فهو أحق بها، وإن كانت للخياط؛ فقد صارت تابعة لعمله.
والأظهر في الرافعي، وبه قال أبو إسحاق وأبو علي الطبري:
أنه لا يستحق الأجرة؛ لأنه في الأجرة مدع؛ فيكون القول قول المنكر، وفائدة اليمين: دفع الغرم عن نفسه.
فعلى هذا: للخياط أخذ الخيط إن كان ملكه، وهو منتفع به، كما قيده الإمام، وعليه ضمان ما نقص من الثوب بأخذه؛ كما إذا صبغ ثوب الغير بصبغ من عنده، ثم نزعه.
стр. 5423
فعلى هذا: له أن يعرض اليمين على المالك، فإن حلف انتهت الخصومة، وإن نكل فوجهان:
أحدهما: تثبت له الأجرة بالنكول مع اليمين السابقة، وبه قال القاضي الحسين.
والثاني: لا بد من الحلف ثانياً؛ حكاه مجلي.
فإن قلنا: إن القول قول المالك مع يمينه؛ ففي كيفيتها وجهان فيالحاوي:
أحدهما: أنه يحلف بالله ما أمره بقطعه قميصاً نفياً لما ادعاه الخياط، ولا يحلف لإثبات ما ادعاه من إذنه في القطع قباء، وهذا ما أبداه ابن الصباغ احتمالاً لنفسه.
والثاني: أنه يحلف على النفي والإثبات، فيقول: والله ما أمرته بقطعه قميصاً ولقد أمرته بقطعه قباء.
قال: وهذا غير صحيح؛ لأن ذلك إنما يكون عند التحالف وإذا حلف قال ابن الصباغ: وجب الغرم على الخياط وجهاً واحداً، والفرق بين الغرم والأجرة الواجبة بيمين الخياط: أن الأجرة إنما تجب له بثبوت الإذن في قطعه قباء، وذلك يثبت بيمينه، وفي مسألتنا الغرم وجب بالقطع، وإنما يثبت باليمين عدم الإذن في قطعه.
ثم في قدر الغرم الأقوال السابقة.
وحكى أبو الفرج السرخسي فيه وجهين كما في وجوب الأجرة، ولا خلاف في أن اختلاف المتعاقدين في الأجرة أو في المدة أو في قدر المنفعة بأن قال المكري: أكريتها إلى خمسة فراسخ، فقال: بل إلى عشرة، أو في قدر المستأجر بأن قال: أكريتك هذا البيت من هذه الدار، فقال: بل جميع الدار- يوجب التحالف كما في البيع، وإذا تحالفا فسخ العقد، وعلى المستأجر أجرة المثل؛ لما استوفاه.
فرع: لو قال للخياط: إن كان يكفيني هذا الثوب قباء فاقطعه، فقطعه فلم يكفه- ضمن الأرش؛ لأن الإذن مشروط بشيء ولم يوجد، ولو قال: هل يكفيني قباء؟ فقال: نعم، فقال: اقطعه فقطعه- لم يضمن لأن الإذن مطلق.
فرع: لو أتى الخياط لرب الثوب بثوب، فقال: هذا ثوبك، فقال: بل غيره، قال البندنيجي: القول قول الأجير.
وهكذا الحكم في كل الأجراء، فإذا حلف، فقد اعترف بثوب لرب الثوب، وهو لا يدعيه.
تنبيه: القباء ممدود، وجمعه: أقبية، وتقبيت القباء: لبسته.
стр. 5424
قال الجواليقي: [قيل]: هو فارسي معرب.
وقيل: عربي مشتق من القبو، وهو الضم والجمع.
ولنختم الباب بفروع تتعلق به.
يجوز الاستئجار لحفر الآبار مقدراً بالمدة؛ بأن يقول: تحفر لي شهراً، وبالعمل؛ بأن يذكر الطول العرض والعمق ويعين الموضع، وإذا وقع ذلك وجب على الأجير إخراج التراب المحفور، وإن انهار شيء من جوانب البئر لم يلزمه إخراجه، وإذا انتهى إلى موضع صلب أو حجارة نظر: إن كان يعمل فيه المعول وجب حفره على أظهر الوجهين، وبه قال القاضي أبو الطيب.
والثاني: لا: وبه قال ابن الصباغ؛ لأنه خلاف ما اقتضته المشاهدة فيكون له فسخ العقد، وإن لم يعمل فيه المعول أو نبع الماء قبل أن ينتهي إلى القدر المشروط وتعذر الحفر انفسخ العقد في الباقي، ولا ينفسخ [فيما مضى] على أصح الطريقين فتوزع الأجرة المسماة على ما عمل وما بقي، وإذا استأجر لحفر قبر وجب بيان طوله وعمقه وموضعه وإذا وضع الميت في القبر لا يجب على الأجير رد التراب عليه.
[ولو] استأجر لضرب لبن قدر بالزمان أو العمل، وإذا قدر به بين العدد والقالب وإن كان القالب معروفاً فذاك وإلا بين طوله وعرضه وسمكه، وعن القاضي أبي الطيب: الاكتفاء بمشاهدة القالب، ويجب بيان الموضع الذي يضرب فيه [اللبن]؛ لاختلافه بقرب الماء وبعده، ولا يجب عليه [بعد الضرب إقامته حتى يجف، ولو استأجر لطبخ اللبن فطبخه لم يجب عليه] إخراجه من الأتون.
وإذا استأجر للرعي وجب بيان المدة وجنس الحيوان، ثم يجوز على قطيع معين ويجوز في الذمة، وحينئذ فأظهر الوجهين في المهذب: أنه يجب بيان العدد.
والثاني- وبه أجاب ابن الصباغ والقاضي الروياني-: أنه لا يجب ويحمل على ما جرت العادة بأن يرعاه الواحد. قال الروياني: وهو مائة رأس من الغنم على التقريب، فإن توالدت قال ابن الصباغ: لا يلزمه رعى أولادها إن ورد العقد
стр. 5425
على أعيانها، وإن كان على الذمة وجب.
وإذا استأجر الوراق للكتابة جاز وعلى من يكون الحبر؟ فيه ثلاثة طرق أشبهها: أن الرجوع فيه إلى العادة فإن اضطربت وجب البيان وإلا فيبطل، وأشهرها: القطع بأنه لا يجب على الوراق؛ لأن الأعيان لا تستحق بالإجارة.
والثالث: أنه على الخلاف في أن اللبن يتبع في الاستئجار [على الحضانة] أم لا؟ فإن أوجبناه على الوراق فهو كاللبن في حق الرضاع لا يجب تقديره، ولو صرح باشتراطه عليه كان كما لو صرح بالرضاع والحضانة، وإن لم يوجبه عليه فشرط عليه فسد العقد وإن لم يكن معلوماً، وإن كان معلوماً ففيه طريقان:
أحدهما: القطع بالصحة؛ لأن المقصود الكتابة والحبر تبع.
والثاني: أنه شراء أو استئجار.
وإذا استأجر الخياط والصباغ وملقح النخل والكحال فالقول في الخيط والصبغ وطلع الفحال والكحل كما ذكرنا في الحبر.
وقال في البحر: إن الكحل إذا شرط أن يكون على الكحال فسد العقد.
وفيه وجه وفرق الإمام وشيخه بين الخيط والحبر والصبغ، [فقطعا في الخيط بأنه لا يجب على الخياط، وعلى ذلك جرى الغزالي وأورد في الحبر والصبغ] الطريق الثاني والثالث من الطرق الثلاثة التي أوردناها.
ويجوز الاستئجار للخروج إلى بلد السلطان ليتظلم للمستأجر، ويعرض حاله في المظالم، ويسعى في أمره عند من يحتاج، مع التقيد بالمدة، وإن كان في ذلك نوع جهالة كما لو استأجره يوماً ليخاصم عنه غرماءه، ولو بدا للمستأجر فله أن يستعمله فيما ضرره مثل ذلك.
وإذا استأجر للخبز وجب بيان الأقراص وغلظها ورقها، وأنه يخبز في تنور [أو فرن] وآلات الخبز على الأجير إن كانت الإجارة في الذمة، وإلا فعلى المستأجر، وليس على الأجير إلا تسليمه نفسه، والقول فيمن عليه الحطب كما في الحبر في الوراق.
وإذا اكترى دابة [ليحمل عليها [كذا منا] ويركبها فحمل عليها
стр. 5426
وركب] وأخذ في السير فأراد المكري أن يعلق عليها مخلاة أو سفرة إما من قدام القتب أو من خلفه أو أن يردفه رديفاً- كان للمستأجر منعه.
وإذا استأجر من يكتب له صكاً على هذا البياض فكتبه خطأ قال في الفتاوى: عليه نقصان الكاغد، وكذا لو أمره أن يكتب بالعربية فكتب بالعجمية أو بالعكس.
ولو اكترى دابة ليحمل عليها حطباً من موضع كذا إلى دارة يوماً إلى الليل فركبها في عوده فعطبت- ضمن؛ لأنه استأجرها للحمل لا للركوب، وقيل: لا يضمن للعرف، ولو اكترى دابة شهراً ليقضي عليها الحقوق، ويشيع عليها الموتى قاله في البحر: لا يجوز.
وكذا لو استأجر شيئاً في أول النهار؛ ليرده بالعشي لم يجز؛ لأنه لا يعرف، وفيه وجه آخر: أنه يجوز ويرده بعد الزوال.
قال القاضي الحسين: وإذا اكترى دابة ليركبها إلى موضع كذا ويشتري الحنطة هناك ويحملها عليها إلى بلد العقد- لم يجز؛ لأن شراء الحنطة لا يتفق في الحال فربما يتراخى إلى يوم أو يومين؛ فيجهل المدة.
وفي الرافعي: أنه إذا اكترى دابة إلى بلد ليعود عليها راكباً فله أن يجاوز ذلك البلد؛ لأنه يستحق أن يقطع قدر تلك المسافة ذهاباً وإياباً، ثم إن قدر في هذه الإجارة مدة مقامه في المقصد فذاك، وإلا فإن لم يزد على مدة المسافرين انتفع بها في الإياب، وإن زاد حسبت عليه الزيادة.
والذي ذكره الإمام: أن العادة إن كانت فيمن انتهى إلى ذلك البلد لا يرجع على فوره بل يبيت ثم يصبح، فإذا بات لا يحسب عليه وقت المبيت من المدة وإن كانت العادة [به] جارية بأن ينقلب على فوره، فإن أقام على خلاف المعهود حسب ذلك عليه من مدة إيابه، ولو اضطربت العادة فالأصح حمل مطلق العقد على الانقلاب على البدار، ومن أصحابنا من زعم أنه متى لم يبين بطل العقد، ولو خرج بالدابة في وقت الأمن ثم حدث خوف في الطريق، فإن سار فيه وضاعت الدابة ضمن، وإن [مكث] في ذلك المكان؛ احتياطاً للدابة قال الإمام:
стр. 5427
كان في حكم المودع المؤتمن في تلك المدة؛ يعني: لا تحسب عليه، وإن استأجر وفي الطريق خوف ثم رجع وذلك الخوف قائم فماتت الدابة فلا ضمان عليه؛ لأن الحرص في العقد جرى مع العلم بالخوف القائم فيضمن الرضا [به].
ولو استأجر طاحونتين متقابلتين [ثم نقص] الماء وبقي ما يدير به إحداهما ولم يفسخ- قال العبادي: يلزمه أجرة أكثرهما ولو دفع غزلاً إلى نساج واستأجره لينسجه ثوباً طوله عشرة في عرض معلوم فجاء بالثوب وطوله أحد عشر لا يستحق شيئاً من الأجرة.
قال المتولي: لأنه في آخر الطاقة الأولى من الغزل صار مخالفاً لأمره، فإذا بلغ طولها عشرة كان من حقه أن يعطفها ليعود إلى الموضع الذي بدأ منه، فإذا لم يفعل وقع ذلك وما بعده في غير الموضع المأمور، وإن جاء به وطوله تسعة فإن كان طول السدى عشرة استحق من الأجرة بقدره، لأنه لو أراد أن ينسج عشرة لتمكن منه، وإن كان طوله تسعة لم يستحق شيئاً لمخالفته في الطاقة الأولى فلو كان الغزل المدفوع إليه مسدَّى واستأجره كما ذكرناه، ودفع إليه من اللحمة ما يحتاج إليه، فجاء به أطول في العرض المشروط- لم يستحق للزيادة شيئاً، وإن جاء به أقصر في العرض فإن كان أنقص نظر. إن كان ذلك لمجاوزته القدر المشروط [من الصفاقة لم يستحق شيئاً من الأجرة؛ لأنه مفرط؛ لمخالفته أمره، وإن راعى المشروط] في صفة الثوب رقة وصفاقة فله الأجرة؛ لأن الخلل والحالة هذه من السدى، وإن كان أزيد فإن أخل بالصفاقة لم يستحق شيئاً [من الأجرة] وإلا استحق الأجرة بتمامها؛ لأنه زاده خيراً [إذا راعى الصفات المشروطة]، كذا قال المتولي هذا الفرع بجملته، والله أعلم.
стр. 5428
باب الجعالة
الجعالة: بكسر الميم عن الجوهري، وبفتح الجيم عن الأزهري، والجعل بضم الجيم: ما يجعل للإنسان على عمل يحصله.
والأصل في مشروعيتها من الكتاب قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢]، وكان حمل البعير عندهم معلوماً كالوسق، وشرع من قبلنا إذا لم يرد في شرعنا ما يخالفه كان شرعاً.
ومن السنة: ما روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري: أن رهطاً من أصحاب رسول الله ﷺ انطلقوا في سفرة سافروها، فنزلوا بحي من العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم. قال: فلدغ سيد ذلك الحي؛ فسعوا له بكل شيء لا ينفعه [شيء]، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا بكم؛ لعل أن يكون عند بعضهم شيء ينفع صاحبكم! فقال بعضهم: إن سيدنا لدغ فهل عند أحد منكم؟ يعني: رقية، فقال رجل من القوم: إني لأرقي، ولكن استضفناكم فأبيتم أن تضيفونا، ما أنا براقٍ حتى تجعلوا لي جعلاً، فجعلوا له قطيعاً من الشاء، فأتاه فقرأ عليه بأم الكتاب، وتفل حتى برأ كما أنشط من عقال؛ فأوفاهم جعله الذي صالحوه عليه، فقال: اقتسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله ﷺ فنستأمره؛ فغدوا على رسول الله ﷺ فقال: "مِنْ أَيْنَ عَلِمْتُمْ أَنَّهَا رُقْيَةُ؟! " أَحْسَنْتُمْ، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ" وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه.
ولأن الحاجة قد تدعو إلى ذلك في رد ضالة وآبق؛ فجاز كالمضاربة.
стр. 5429
قال: وهو أن يجعل، أي: المطلق التصرف، لمن عمل له عملاً، أي: يجوز بذل الأجرة في مقابلته على الجملة عوضاً، فيقول: من بنى لي حائطاً، أو: رد لي آبقاً- فله كذا؛ فإذا عمل [له] ذلك، أي: من سمع ذلك منه أو من غيره – كما ذكره القاضي الحسين- استحق الجعل؛ لما ذكرناه مع قوله- ﵇: "الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ". ثم إن كان الجعل في الذمة فقد استقر، وإن كان معيناً وجب تسليمه؛ فلو تلف قبل إقباضه نظر:
إن تلف قبل المطالبة كان فيما يرجع به قولان:
أحدهما: قيمته.
والثاني: أجرة المثل.
وهما مبنيان على أنه مضمون ضمان يدٍ، أو ضمان عقد؛ كالقولين في الصداق.
قال الإمام عند الكلام في مسألة العلج: ووجه المشابهة: أن المنفعة في الجعالة فائتة بعد تسليم العمل على وجه يستحيل تداركها؛ كما أن البضع بعد الوطء في حكم الفائت.
وإن كان بعد الطلب، وامتنع من إقباضه متعدياً: فإن قلنا: إنه مضمون بالعقد، فقد قال القاضي الحسين: تلفه بعد الامتناع بمثابة إتلاف الجاعل نفسه؛ فيكون بمثابة ما لو أتلف البائع المبيع قبل القبض، وفيه قولان. أما إذا عمل من لم يسمع قول المالك ومن يقوم مقامه فهو كما لو عمل قبل الإذن، وأبدى الشيخ أبو محمد تردداً فيما إذا رده من لم يسمع؛ طمعاً في حصول أجرة.
تنبيهات:
أحدها: تمثيل الشيخ ببناء الحائط يدل على أن الجعالة تجوز حيث تجوز الإجارة، كما إذا قال: من رد عبدي الآبق من البصرة، أو: خاط لي هذا الثوب، ونحو ذلك. وتمثيله برد الآبق يدلع لى جوازها فيما لم تجز الإجارة فيه، للجهالة [فيه]. وعلى المثال الأول ينطبق ما حكاه المزني عن الشافعي في "المنثور" أنه قال: [لو قال]: أول من يحج عني فله دينار، فحج عنه إنسان استحق الدينار،
стр. 5430
ولكن المزني قال بعد ذلك: وكان ينبغي أن يستحق أجرة المثل؛ لأنه إجارة فلا يصح بغير تعيين. وهذا منه يدل على اعتقاده [اختصاص] الجعالة بالمجهول الذي لا يتقدر بحيث تجوز الإجارة عليه؛ كما في المضاربة، والأكثرون على ما حكاه الشيخ، ونسبوا المزني إلى الغلط.
وقد أبدى الغزالي في هذا الباب مذهب المزني احتمالاً، وحكاه الإمام عن بعض الأصحاب فقال: إنه الأصح. وإليه أشار في "الوسيط" في كتاب الحج، بقوله بعد حكاية ما نقله المزني عن الشافعي: وأشار بعض الأصحاب إلى تزييفه. فعلى هذا: لو عمل العامل ما وقع العقد عليه من بناء وخياطة وحج ونحو ذلك، استحق أجرة المثل؛ لوجود الإذن، وفيه وجه: أنه يفسد؛ لأنه ليس موجهاً نحو معين؛ [كما لو قال: وكلت كل من أراد بيع داري؛ فإنه لا يصح التوكيل].
الثاني: قول الشيخ: وهو أن يجعل لمن عمل له عملاً .. إلى آخره، فيه: [كما] لو قال: من رد عبد فلان الآبق فله [علي] كذا، فرده إنسان- لا يستحق عليه المسمى. وقد يستدل له بأن العمل لم يقع له؛ فلم يصح كالإجارة، ويؤيده: أنه لا يجوز لأحد بهذا القول وضع يده على الآبق؛ فكيف يستحق الأجرة؟ ولم أر هذا منقولاً، بل المجزوم به في "الرافعي" و"الحاوي": أنه يستحق عليه؛ لالتزامه، وليس كما [إذا] التزم [الثمن] في بيع غيره، والثواب على هبة غيره؛ لأنه عوض تمليك فلا يتصور رجوعه به على غير من حصل له الملك، والجعل ليس عوض تمليك، وهذا نازع إلى أن العوض في يد الجاعل مضمون ضمان يد، وقد ذكرنا على قول أنه مضمون ضمان عقد؛ فيتأيد به ما يفهم من كلام الشيخ، ويقوم مقام قول المالك: من رد عبدي فله كذا؛ قول غيره بإذنه: قال فلان: من رد عبدي فله كذا؛ إذا كان القائل ممن يعتمد على قوله، ويستحق على الإذن الجعل دون القائل. ولو قال ذلك بغير إذن فلا جعل على واحد منهما، وكذا لو قال من لا يعتمد على قوله. ويقوم مقام، قوله: من رد عبدي فله كذا، قوله: إن رده إنسان، أو: إن رددت فلك كذا، أو: رده ولك كذا.
следующие страницы →