← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

وهذا ما اختاره الروياني، ولم يحك الماوردي عن الأصحاب سواه. ووجه ثبوته على المستأجر: أنه تسلم ذلك فارغاً، وإنما حصل الامتء بفعله؛ فكان عليه، كتنظيف الدار عن الكناسة والأتون عن الرماد، وهذا ما صححه الرافعي، واختاره الماوردي لنفسه، وبه أجاب القاضي أبو الطيب، والبندنيجي وابن الصباغ، والمتولي. فعلى هذا: إذا لم يفعله المستأجر لا يثبت له خيار. وفيه وجه: أنه يثبت له. وفي الحاوي: أنه يجبر على ذلك. وهذا كله في خلال المدة، أما إذا انتهت المدة، فهل يجب على المستأجر تنظيف ما تسلمه فارغاً؛ ليسلمه كما تسلمه أم لا؟ قال الأصحاب: إن كان الموجود القمامات المجتمعة في زمن إجارته، وجب عليه إزالتها؛ وكذا الرماد عند الإمام. وفي التهذيب: أنه لا يجب؛ لأن طرح الرماد من ضرورة استيفاء المنفعة. وأما كسح البئر وتنقية البالوعة، فلا خلاف في عدم وجوب ذلك. ومستنقع الحمام- وهو الذي يجتمع فيه الماء الوسخ- حكهم حكم البالوعة عند بعضهم في الدوام والانتهاء. وحكى في البحر: أن القاضي في الجامع حكى عن بعض أصحابنا: أن كسحه على المكري أبدا، وهو المذهب؛ لأن التمكين من الانتفاع لا يكون إلا به ولا يشبه الحش في الدار؛ لأن معظم الانتفاع لا يكون به بخلاف الحمام. ثم القمامات التي وقع [فيها] الكلام القشور وما يسقط من الطعام ونحوه، أما التراب الذي حصل من هبوب الرياح، فلا يجب على المستأجر؛ لأنه حصل بغير فعله. قال الرافعي: لكن قد قيل: إن الثلج إذا وقع في العرصة وجف ولم يمنع الانتفاع كان ملحقاً بكنس الدار وكذا إن كثف على الظاهر، ومنه من ألحقه بتنقية البالوعة، وإن كان قد حصل لا بفعله، [فيجب أن يكون التراب أيضاً كالنكاسات في أثناء الإجارة وإن حصل لا بفعله].

стр. 5357

تنبيه: الكسح: الكنس. والبئر مؤنثة مهموزة وتخفف بتركه، وجمع القلة: أبؤر؛ كأفلس وأبار بإسكان الباء وبعدها همزة، ومن العرب من يقلب الهمزة فيقول: آبار بمد أوله وفتح الباء [والكثرة بئار] بكسر الباء وبعدها همزة. البالوعة، والبلوعة: ثقب في وسط الدار تنصرف فيه الأوساخ. قال: وعلى المكري الإشالة والحط، أي إشالة الحمل وحطه، وإركاب الشيخ، أي بأن يمسك بيده، أو يضع له ركبته؛ ليركب عليها على العادة، وإبراك الجمل للمرأة؛ لاقتضاء العرف، وفي معنى المرأة: الرجل الضعيف؛ بسبب مرض أو نحافة، وكذا من جاوز الحد في السمن؛ كما صرح به الماوردي. والاعتبار في القوة والضعف بحالة الركوب، لا بحالة الإجارة؛ صرح به أبو الطيب وغيره. ولو كان المستأجر بغلاً أو حماراً؛ وجب عليه تقريبه من المرأة ومن في معناها؛ ليسهل الركوب. ويجب عليه بعد الإركاب سوق الدابة وتعهدها، وإعانة الراكب في النزول على العادة. وعليه إنزال الراكب؛ لقضاء الحاجة، والطهارة وصلاة الفرض؛ إذا طلب المستأجر ذلك ولو في أول وقت الصلاة، وإذا نزل انتظره، ولا يلزم المستأجر المبالغة في التخفيف ولا الاقصر، ولا الجمع، وليس له الإبطاء والتطويل، فإن كانت التطويل طبعاً فيه وعادة؛ كان عيباً فيه، وللجمال الخيار في فسخ الإجارة، والصبر عليه، وهكذا لو كان عسر الركوب إلا أن يستبدل الراكب بنفسه غيره صرح به الماوردي، ولا يجب إنزال المستأجر لصلاة النفل والأكل والشرب؛ ليأتيها على الراحلة. واعلم أن ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في وجوب ما ذكرناه على المكرين بين أن تكون الإجارة واردة على العين أو على الذمة، وهو ما صرح به الماوردي. وقال الرافعي: إن محله إذا وردت على الذمة، أما إذا وردت على عين الدابة، فالذي يجب على الآجر التخلية بينها وبين المستأجر، وليس عليه أن يعينه في

стр. 5358

الركوب ولا في الحمل وإن هذا ما يوجد للأكثرين في نوعي الإجارة، وإن الإمام حكى وراءه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يفترق في إجارة الذمة بين أن يقع العقد على التبليغ مثل أن يقول: ألزمت ذمتك تبليغي إلى موضع كذا على الدابة صفتها كذا فتقع الدابة تبعاً فتلزم الإعانة، وبين أنه تقع على الدابة بأن يقول: ألزمت ذمتك منفعة دابة صفتها كذا؛ لأركبها إلى موضع كذا فلا يجب. والثاني: أنه يجب الإعانة على الركوب في إجارة العين أيضاً. والثالث: أنها تجب في الحمل سواء كانت الإجارة في الذمة أو على العين لاطراد العادة بالإعانة على الحط والحمل وإن اختلفت في الركوب، وهذا ما اختاره في الوسيط ووضع الحط وحمله؛ كالحمل. فرع: أجرة الدليل والسائق والقائد ينظر فيه، فإن اكترى بهيمة بعينها فليس على الآجر غيرها وإن اكترى منه الركوب أو الحمولة في الذمة كان ذلك على الآجر قاله في البحر. تنبيه: الإشالة: الرفع يقول: أشلته، بضم الهمزة، إشالة [بكسرها] كأقمته أقيمه إقامة، وانشال هو، قال الجوهري: ويقال شُلْتُه أَشُوله شَوْلاً أي: رفعته. إبراك الجمل، قال أهل اللغة: يقال: برك البعير يبرك- بضم الراء- أي: استناخ، وأبركته أنا فبرك. قال ابن فارس: هو مشتق من البرك بفتح الباء وإسكان الراء وهو الصدر؛ لأنه يقع صدره على الأرض. وأصل هذه الكلمة من الثبوت قال: وللمكتري أن يستوفي المنفعة بالمعروف؛ لأن إطلاق العقد يقتضي المتعارف؛ فألحق بالمشروط؛ وهذا اللفظ من جوامع الكلم؛ لأنه ينظم مسائل كثيرة صرح بها الأصحاب. فمنها: أن من استأجر ثوباً للبس كان له أن يلبسه بالنهار وفي الليل إلى وقت النوم، وليس له أن ينام فيه ليلاً، وكذا في وقت القيلولة على وجه، وبه جزم في الوجيز. والصحيح: وهو الذي أورده الأكثرون- الجواز، ومحله في القميص الأسفل، أما الأعلى، فيلزمه نزعه في سائر [أوقات] الخلوة؛ لأنه إنما يلبس

стр. 5359

عادة في وقت الخروج إلى الطريق ودخول الناس عليه. ولا يجوز له الاتزار بالقميص المستأجر للبس؛ لأنه أضر من اللبس، وهو غير متعارف في لبس القميص، وفي الارتداء به وجهان حكاهما شيوخ الطريقين. وأظهرهما: الجواز؛ لأن ضرر الارتداء دون ضرر اللبس ومن هذا يظهر: أنه لو صرح بالاستئجار للارتداء، لا يجوز له الاتزار به؛ كما صرح به في التتمة. ويجوز له أن يتعمم به؛ لأنه أخف ضرراً. ومنها: إذا استأجر داراً للسكنى كان له أن ينقل الأمتعة إليها، وهل له أن يضع فيها ما يسرع إليه الفأر وينقب بسببه الحيطان؟ فيه وجهان: أصحهما: الجواز؛ لأنه معتاد ولا يجوز له أن يضع التراب والرماد في أصل حيطانها ولا ربط الدواب فيها، ولا أن يسكنها حداداً ولا قصاراً؛ لإضرار ذلك بجدرانها. قال في البحر: فإن قيل: أليس قلتم: إذا استأجر أرضاً للزراعة، يجوز له أن يزرع أضر زرع، فهلا قلتم في السكنى مثله؟ قيل: الفرق: أن السكنى لا تتضمن الإضرار بالدار، فإذا أسكنها ما يضر بها لم يجز، والزرع متضمن الإضرار بالأرض، فإذا أطلق، فقد رضي بأكثر الضرر. وهذا جواب عما أورده الرافعي سؤالاً على جواز إطلاق الإجارة للسكنى. ومنها: من استأجر راحلة للركوب، كان له النوم عليها في الوقت المعتاد بالنوم فيه، وليس له ذلك في غير وقته؛ لأن النائم يثقل. وله استنهاض الدابة بالضرب، وكبح اللجام، وركض الرجل على العادة؛ روى جابر قال: "سَافَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَاشْتَرَى مِنِّي بَعِيراً، وَحَمَلَنِي عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ يَسُوقُهُ وَأَنَا رَاكِبُهُ، وَإِنَّهُ لَيَضْرِبُهُ بِالْعَصَا".

стр. 5360

ومنها: للمستأجر للركوب وضع الرجل والجلوس على الدابة على الوسط المعتاد، وليس لأحد المتآجرين أن يضع الرجل مكبوباً ولا مستلقياً والمكبوب: أن يجعل مقدم الجمل أو الزاملة أوسع من المؤخر، وهذا أنفع للدابة وأضر للراكب، والمستلقى عكسه كما قاله أبو إسحاق، وقيلك المكبوب: أن يضيق المقدم والمؤخر، والمستلقي: أن يوسعهما جميعاً، وهو قول أبي علي الطبري. وقيل: المكبوب تقديم المحمل إلى مقدم البعير، وهو أوطى للركوب، والمستلقيك تأخير المحمل إلى مؤخرة البعير، وهو أسهل على البعير، وهذا قول ابن أبي هريرة. ومنها: إذا كان في الطريق مراحل معلومة، جرت العادة بقطعها في كل يوم مرحلة، فليس للمستأجر أن يزيد عليها عند إطلاق العقد، وكذا ليس للأجير تكليفه ذلك. وهكذا الحكم في النزول في البلد أو في ظاهرها. وفي السير في الليل والنهار يتبع فيه العادة، فإن لم تكن ثم عادة في المراحل، ولا في السير في وقت مخصوص، ولم يقع في ذلك شرط في حال العقد، فسد. وإن وقع شرط بأن يسير في كل يوم قدراً معلوماً، جاز. قال أبو إسحاق: وقد جرت العادة في قطع البادية إلى مكة في أيام الحج بما لا تطيقه الحمولة؛ فلا يجوز الإطلاق في ذلك؛ لأن الإطلاق لا يمكن حمله عليه؛ لما فيه من حمل الحمولة على ما لا تطيق. ومنها: إذا كانت العادة به جارية بأن ينزل الراكب ويمشي في الرواح، فإن شرط مع ذلك النزول، اتبع الشرط. قال الإمام: ويعترض في شرط النزول إشكال لقطع المسافة ويقع في إكراء

стр. 5361

العقب لكن الأصحاب احتملوه بناء على التساهل، وإن شرط بألا ينزل اتبع الشرط، وإن أطلق العقد، فإن كان الراكب امرأة أو مريضاً فلا يجب النزول، [وإن كان رجلاً قوياً فوجهان؛ لتعارض اللفظ والعادة، وكذل كحكم النزول] على العقاب الصعبة، والأقيس في تعليق القاضي الحسين: أن له الركوب. قال: وإن اكترى أرضاً، ليزرع الحنطة؛ زرع مثلها؛ لأن المعقود عليه منفعة الأرض، والزرع طريق في الاستيفاء، فلا يتعين؛ كما إذا كان له حق على غيره، فإنه مخير بين أن يستوفيه بنفسه أو بغيره؛ ومن طريق الأولى، يجوز له أن يزرع ما دونها؛ كالشعير والقرظ. ولا يجوز أن يزرع ما فوقها، كالأرز، والذرة؛ لما في ذلك من الإضرار بالآجر؛ فإن الأرز يحتاج إلى السقي الدائم؛ فيذهب قوة الأرض، والذرة تنشر عروقها في الأرض؛ فتستوفي قوتها. وعن البويطي: أنه لا يجوز العدول إلى غير الزرع المعين، فمن الأصحاب من قال: أنه قول للشافعي رواه، ومنهم من قال: إنه رآه، والمذهب الأول، فعلى هذا لو قال: أكريتك لتزرع الحنطة ولا تزرع غيرها، ففي المسألة ثلاثة أوجه حكاه ابن أبي هريرة: أحدها: أن العقد فاسد، وهو ما ذكره ابن كج، وذكر الروياني أنه المذهب. والثاني: أن العقد صحيح والشرط فاسد، وهذا ما اختاره الإمام، ولم يحك أبو الطيب غير هذين الوجهين. والثالث: صحة العقد والشرط؛ لأن المستأجر ملك المنفعة من جهة المؤجر فملك بحسب التمليك، وهذه الأوجه شبيهة بالأوجه المذكورة فيما إذا نوى بوضوئه استباحة صلاة بعينها ونفى غيرها، ومحل ما ذكرناه: إذا لم يعين الحنطة للمستأجر على زراعتها، أما لو عينها بأن قال: أجرتك لتزرع هذه الحنطة، فإن قال: ولا تزرع غيرها، ففي التهذيب: الجزم بالفساد، وإن لم يتعرض للنفي، فعن ابن القطان حكاية وجهين: أحدهما: أن العقد فاسد؛ لأن تلك الحنطة قد تتلف فتتعذر الزراعة. والثاني: وهو اختيار القاضي ابن كج: أنه كتعيين الجنس، وهو ما حكاه

стр. 5362

الماوردي مستشهداً به على داود في أصل المسألة. فرع: لو زرع [الذرة أو الأرز، والإجارة واقعة على زراعة القمح؛ فللآجر إجباره على القلع؛ لتعديه، وهل يكون ضامناص لرقبة الأرض حتى يضمن قيمتها إذا غصبت أو تلفت بسيل [مثلاً؟] فيه وجهان: أحدهما: وهو قول الشيخ أبي حامد أنه يضمنها. والثاني: وهو الأصح في الحاوي لا؛ لأن تعديه في المنفعة، لا في الرقبة، ثم إذا قلع الزرع، نظر: فإن أمكن زراعة الحنطة زرعها، وإلا لم تزرع، وعليه [الإجارة] لجميع المدة؛ لأنه المفوت للعقد على نفسه. ثم إن لم تمض مدة لمثلها أجرة فذاك، وإن مضت فما المستحق؟ الحكم فيه كما لو لم يتفق القلع حتى مضت المدة، وحصلت الذرة، وحاصل ما قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها: وهو ما نص عليه في المختصر، وبه قطع أبو علي الطبري، والقاضي أبو حامد، وكذا ابن سريج؛ كما حكاه ابن كج والماوردي: أن المالك بالخيار بين أن يأخذ المسمى في مقابله زرع القمح وأجرة المثل فيما زاد على ذلك، وبين أن يأخذ أجرة المثل [في زراعة] الذرة؛ لأنه أخذ شبها من أصلين: من الغصب؛ لأنه ابتدأ بالزرع وهو غير مأذون له فيه، ومن استئجار البهيمة إلى موضع فيجاوزه، فلما أخذ شبهاً منهما خير بينهما. والثاني: وهو اختيار المزني والقاضي الحسين أن الواجب المسمى وأجرة المثل للزائد، كما سنذكره فيما إذا اكترى دابة إلى موضع، فجاوزه؛ وهذان القولان لم يحك ابن القطان سواهما. والثالث: أن الواجب أجرة المثل، وهو الذي صححه الروياني، وهو مع الذي قبله أثبتهما المزني وأبو إسحاق وأبو علي بن أبي هريرة، وحملا تخيير [الشافعي عليهما]، وهي الطريقة التي جعلها الرافعي أظهر، وحكاها الشيخ أبو حامد ومن تابعه، والقاضي الحسين عن ابن سريج أيضاً. وقد بنى الشيخ أبو محمد في السلسلة قول الرجوع بأجرة المثل: على أن

стр. 5363

البائع إذا أتلف المبيع قبل القبض ينفسخ العقد، ويقدر كأن العقد لم يكن، وقول التخيير: على أن البيع لا ينفسخ، ويثبت للمشتري الخيار. قال الرافعي: وهذا البناء ليس بواضح؛ لأن المكري هو الذي يقع في رتبة البائع، ولم يوجد منه إتلاف، وإنما المكتري هو الذي فوت المنفعة على نفسه فكان بإتلاف المشتري أشبه. وهذا الخلاف بعينه يجري فيما إذا استأجر داراً، فأسكنها الحدادين والقصارين، أو دابة ليحمل عليها قطناً فحمل حديداً، أو ليقطع بها مسافة إلى ناحية فقطع بها مسافة أخرى أطول من تلك، كما حكاه القاضي أبو الطيب وفيه نظر، وفيما إذا اكترى غرفة ليضع فيها مائة من من الحنطة فأبدلها الحديد، وفي كل صورة لا يتميز فيها المستحق عما زاد. ولو استأجر للزراعة فغرس أو بنى، فالواجب أجرة المثل ومنهم من طرد الخلاف فيه. قال: وإن استأجر دابة ليركبها أركبها مثله أي: في الطول والقصر والضخامة والنحافة كما يجوز أن يؤجرها من غيره، وعن المزني أنه لا يجوز وبنى عليه ما تقدم ومن طريق الأولى: جواز إركابه دونه، ولا يجوز أن يركبها [من] هو فوقه؛ وهذا الحكم لا يختص بمسألة الدابة، بل هو جار في كل مستوفى؛ حتى إذا اكترى ثوباً للبس يجوز أن يلبسه من هو مثله؛ وإذا استأجر دابة لحمل القطن كان له حمل الصوف والوبر والتبن وبالعكس، ولو استأجر لحمل الحديد كان له حمل الرصاص والنحاس، ولو استأجر لحمل القمح؛ كان له حمل قدره من الشعير؛ إن كان التقدير بالكيل؛ لأنه دون حقه. وإن كان التقدير بالوزن، فلا؛ لأن الشعير ينتفش، فهو كالقطن مع الحديد لا يجوز أن يوضع أحدهما مكان الآخر. ولو استأجر دابة، ليركبها بإكاف، كان له أن يركبها بالسرج؛ [لأنه أخف، ولو عكس لم يجز؛ قاله القاضي الحسين. ولو اكتراها لحمل متاع، فأبد السرج] بالإكاف، قال القفال: يجوز إذا لم يكن أثقل من السرج، ولو عكس لم يجز، قال الروياني: وفيه نظر عندي.

стр. 5364

ولو استأجر للحمل، فأراد أن يركب من لا يزيد وزنه على وزن المحمول، فقد أطلق الماوردي القول بالمنع. وقال في التتمة: يرجع إلى أهل الصنعة؛ فإن قالوا: لا يتفاوت الضرران جاز، وإلا فلا. ولو استأجر للركوب؛ فأراد أن يحمل، قال القاضي الحسين: له ذلك، إذا كان مثل ضرر الركوب أو دونه. وقال الرافعي: الأظهر المنع في الطرفين، وهو قضية ما في التهذيب. وكما يجوز أن يركب مثله يجوز له إذا اكترى إلى بلد أن يركب إلى مثل تلك المسافة من ناحية أخرى إذا كان مثلها في السهولة والحزونة والأمن. وفي الرافعي حكاية عن "شرح المفتاح" منع ذلك؛ لأنه قد يكون للمكري غرض في ذلك الموضع، وهو ما جزم به القاضي الحسين في ضمن فرع أوله: إذا اكترى دابة [ليركب فرسخين- لم يجز حتى يبين الجهة]. قال: وإن أكل بعض الزاد [أي] الذي قدره ووصفه حالة العقد كما هو المعتبر فيه. [قال:] وقيمته تختلف في المنازل جاز أن يبدله؛ لأن له فيه غرضاً [صحيحاً]، قال: وإن لم تختلف ففيه قولان: أحدهما: يبدله كما يبدل ما سرق منه أو تلف بغير الأكل أو أكل الجميع وكالحمل بدل الماء الذي شربه وهذا ما اختاره المزني، وهو الأصح في تعليق القاضي الحسين. والثاني: لا يبدله اعتباراً بالعرف المعهود فيه، وهو أن الزاد إذا فني بالأكل لا يبدل، وهذا الخلاف نازع إلى تعارض العرف واللفظ؛ فإن العقد تناول حمل كذا من موضع كذا إلى موضع كذا وهو شبيه بالخلاف المذكور في المشي في وقت الرواح.

стр. 5365

وفي [البحر] أنه قيل: [إن] الوجهين في النزول في وقت الرواح مأخوذان من هذين القولين، وهذه الطريقة هي الصحيحة. وفي المهذب، والحاوي: ما يفهم إجراء الخلاف في الإبدال مطلقاً؛ فإنه قال: إذا أكل بعض الزاد فهل له إبداله؟ فيه قولان. وقال أبو إسحاق: إن كانت أسعار الزاد في المنازل متساوية في الرخص والغلاء وكان انقطاعه مأموناص لم يكن له الإبدال، وإن كان ينتقل إلى منازل يغلو فيها أثمان الزاد؛ فيبدل ولا يختلف القول فيه؛ لأن العرف [جار] فيه. قال: [وإن اكترى دابة إلى مكان، فجاوزه، لزمه المسمى في المكان؛ لأنه استوفى المنفعة المقابلة له]؛ فاستقر عليه، كما لو اشترى طعاماً فقبضه وزيادة على وجه التعدي. قال: وأجرة المثل لما زاد؛ لأنه تعدى بها فكان كالغاصب، ويخالف ما إذا اكترى لزراعة القمح فزرع الذرة حيث تجب أجرة مثل الجميع على قول؛ لأن ثم فعل المستحق لا يتميز عن الذي تعدى به؛ فلم يمكن إفراده بحكم، بخلاف ما نحن فيه. وأيضاً: فإن ابتداء فعله ثم عدوان؛ فوجب أجرة المثل، والتعدي هنا إنما وجب بعد قطع المسافة؛ فكانت أجرة المثل واجبة إذ ذاك ولا خلاف أنه لا يضمن الدابة قبل المجاوزة، وأما بعدها، فيضمنها إن لم يكن صاحبها معها، وإن كان وتلفت في حال العلف والاستراحة فلا ضمان، وإن تلفت في حال الحمل فينظر: إن كان بسبب وقوع في بئر أو غيره ضمن جميع القيمة، وإن لم يحدث سبب ظاهر فكذلك على وجه في الرافعي في آخر الباب، والأصح: أنه لا يضمن الكل لكن هل يضمن النصف أو القسط؟ فيه خلاف سيأتي، وهذا إذا لم يشمل الكراء العود إلى الموضع الذي اكترى منه، أما إذا شمله كما إذا اكترى من مكة إلى مر الظهرن وليرجع إلى مكة فجاوزها إلى عسفان نظر فإن كان قد شرط عليه تسليمها بمكة فالحكم كما تقدم، صرح به الماوردي وفي صحة العقد مع هذا الشرط شيء سيظهر لك من بعد، وإن لم يشترط فإن كان الطريق بين مر

стр. 5366

وعسفان، كالطريق بين مر ومكة في السهولة والأمن والقدر ولم يقم [بمر] أكثر من المدة التي قدراها عند العقد [أو ما جرت] العادة به عند الإطلاق لم يضمن بالخروج من مر، فإذا مضى القدر الذي [لو] رجع إلى مكة [فيه] لوصل إليها، انقضى زمان استحقاقه ووجب عليه تسليم الدابة إلى المالك أو وكيله إن وجده ثم، وإلا فإلى الحاكم كما سنذكره، فإن تعدى ذلك ضمن. فروع: إذا اكترى دابة إلى بلد فبلغ عمارتها فللمكتري استرداد الدابة ولا يلزمه تبليغه داره كذا أطلقه بعضهم. وقال الماوردي مثل ذلك فيما إذا كان البلد واسعاً أما إذا كان صغيراً تتقارب أقطاره جاز أن يركب إلى منزله. قلت: ويتجه أن يتخرج على القولين فيما إذا استاجر حمالاً يحمل وقراً إلى داره، وهي ضيقة الباب هل عليه إدخاله الدار [أم لا؟]. ووجه الثبوت: النظر إلى العرف، ثم على الأول: إذا لم يكن صاحب الدار

стр. 5367

معها عليه أن يسلمها إلى وكيله إن كان له وكيل هناك، وإلا فإلى الحاكم فإن لم يكن [هناك] حاكم فإلى أمين فإن لم يجد أميناً ردها أو استصحبها إلى حيث يذهب كالمودع يسافر بالوديعة للضرورة. إذا اكترى دابة إلى مكة لم يكن له الحج عليها، وإن اكتراها ليحج عليها ركبها إلى منى [ثم إلى عرفات ثم إلى المزدلفة ثم إلى منى ثم إلى مكة للطواف، وهل يركبها من مكة إلى منى] لأجل الرمي؟ فيه وجهان: قال: وإن حمل عليها أكثر مما شرط أي: مما لا يقع التفاوت به بين الكيلين فتلفت وهي في يده أي: بسبب ذلك ضمان قيمتها؛ لأنه صار غاصباً، وأبدى القاضي ابن كج احتمالاً في أنه لا يضمن الكل. قال: وإن كان صاحبها معها ضمن نصف القيمة في أحد القولين؛ لأن تلفها بمضمون وغيره فقسمت القيمة عليهما نصفين؛ كما لو جرحه واحد جراحة وآخر جراحات، وهذا ما صححه الشيخ أبو محمد في السلسلة. والقسط في الآخر مؤاخذة له بقدر الجناية، [وهذا ما رجحه الإمام وغيره، وحكى القاضي الحسين عن بعضهم القطع به. فعلى هذا: إذا استأجر على حمل أربعين رطلاً فحمل عليها خمسين؛ ضمن خمس قيمتها، ويخالف الجراحة؛ لأن هنا التوزيع متيسر، بخلاف الجراحات، فإن مكانتها لا تنضبط، ولا معنى لرعاية مجرد العدد. وأصل هذا الخلاف: ما إذا أمر الإمام الجلاد أن يضرب الشارب ثمانين فضربه إحدى وثمانين، فمات [المجلود] كم يضمن [الجلاد] وفيه الخلاف المشهور، وفي شرح المختصر حكاية قول ثالث: أنه يضمن جميع القيمة؛ كما لو انفرد باليد وبعضهم حكاه وجهاً. أما إذا كانت الزيادة مما يقع التسامح بها كالمكوك والمكوكين، فلا ضمان عليه بسببه ولا أجرة؛ قاله البندنيجي وغيره. ولو تلفت الدابة بسبب غير الحمل، فإن تلفت في يده ضمنها، وإلا فلا

стр. 5368

ضمان؛ لأنا حيث ضمناه في المسألة قبلها، ضمناه بالجناية، ولا جناية. وعلى كل حال فما الواجب عليه من الأجرة؟ حاصل ما قيل فيه أربعة أقوال: ثلاثة منها ذكرناها فيما إذا استأجر [لزراعة القمح] فزرع الذرة. ورابعها: أنه يخير المالك بين أخذ المسمى وما نقص من الدابة بسبب الزيادة، وبين أن يأخذ أجرة المثل والمشهور أن عليه أجرة المثل لما زاد. فرعان: أحدهما: إذا لم يحمل المستأجر على الدابة شيئاً بنفسه، ولكن سلم ذلك إلى الآجر حتى حمله على البهيمة نظر: إن كان الآجر جاهلاً بالحال بأن لبس عليه وقال: إنه القدر المستأجر عليه، وهو كاذب، ففيه طريقان: أحدهما: أن الحكم كما لو حمله المستأجر بنفسه. والثاني: وهو ما حكاه القاضي الحسين أن المسألة على قولين في تعارض المباشرة والغرور، فإن اعتبرنا الغرور فهو كما لو حمله المستأجر أيضاً وهذا هو الظاهر، وبه أجاب الغزالي، وإن اعتبرنا المباشرة فلا ضمان ولا أجرة للزائد، وإن كان المكري عالماً بالزيادة نظر: إن لم يقل المكتري شيئاً ولكن حمله المكري فلا ضمان ولا أجرة، ولا فرق بين أن يضعه على الأرض فيحمله المكري على البهيمة أو بين أن يضعه على ظهر الدابة وهي واقفة فيسيرها المكري. وإن قال المستأجر للآجر: احمل هذه الزيادة فأجابه، قال في التتمة: فهو مستعير للدابة في الزيادة فلا أجرة، ويجب الضمان، وفي كلام الأئمة ما ينازع فيه. الثاني: إذا كال المكري وحمل على البهيمة؛ فلا أجرة له لما زاد؛ سواء كان غالطاً أو عامداً وسواء كان المكتري جاهلاً بالزيادة أو عالماً فسكت، ولا يجب عليه ضمان البهيمة. وللمستأجر مطالبة المكري بردها إلى الموضع المنقول منه، وليس للمكري ردها بدون رضى المستأجر، ولو لم يعلم المكتري حتى عاد إلى البلد المنقول منه، فله أن يطالب المكري بردها.

стр. 5369

وأصح الوجهين، أو القولين: أن له المطالبة ببدلها في الحال؛ كما لو أبق العبد المغصوب من يد الغاصب، كذا حكاه الرافعي والبندنيجي. وحكى الماوردي الخلاف على غير هذا النحو فقال: لو دعا المالك إلى المطالبة برد العين ودعا الجمال إلى رد مثلها في الحال؛ ففيه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق، وابن أبي هريرة: أن القول قول رب المال، وله أن يأخذ الجمال بالرد؛ كالغاصب. والثاني: أن القول قول الجمال؛ لأن الزيادة لما اتصلت فارقت حكم الغصب وصارت كالمستأجر عليها، وهذا إذا كان المحمول مما له مثل، أما إذا كان لا مثل له كالدقيق والسويق؛ لزم الجمال رد الزيادة بعينها على الوجهين معاً. قال: وللمكتري أن يكري ما اكتراه بعد قبض العين: أي من الآجر وغيره؛ لقوة حاله بقبض المعقود عليه، ولا يجوز أن يكري قبل القبض من غير المكري في أصح الوجهين؛ لنهيه ﷺ عن بيع ما لم يقبض، والإجارة بيع؛ ولأنه ملك المنافع بعقد معاوضة؛ فلم يكن له أن يعقد عليها عقد معاوضة قبل القبض كالمبيع وهذا ما صححه الإمام هنا أيضاً، وادعى عند الكلام في التصرفات في المبيع قبل القبض نفي خلافه. والوجه الثاني: أنه يجوز؛ لأن المعقود عليه المنافع، والمنافع لا تصير مقبوضة بقبض العين فلم يؤثر فيها القبض، وهذا قول ابن سريج. وأجاب القاضي أبو الطيب عما ذكره [أبو العباس] بأن قبض المكتري يتعلق به الضمان؛ بدليل أن المدة إذا انقضت في يد الآجر، كانت من ضمانه، ولم تستقر له الأجرة، وإذا انقضت المدة والعين في يد المستأجر استقرت عليه الأجرة، ولزمه ضمان المنافع؛ فثبت بهذا أن القبض ينقل الضمان؛ فصار بمنزلة قبض الأعيان. وقد بنى الماوردي الوجهين على الخلاف السابق في أن مورد عقد الإجارة ماذا؟ فإن قلنا: موردها العين؛ لم يصح، وإلا صحت. وهذا البناء يقتضي أن يكون الصحيح الصحة؛ فإن الأصح عنده وعند غيره: أن مورد الإجارة المنفعة.

стр. 5370

قال: ويجوز من المكري أي: قبل القبض في أصح الوجهين؛ لأن المعقود [عليه] في قبضه [وهذا قول ابن سريج. والوجه الثاني: لا يصح كما لا يصح بيع المبيع من بائعه قبل قبضه على الأصح]، وهذا ما صححه في "البيان". وقال أبو الطيب: إنه المذهب المشهور. وفي تعليق للبندنيجي أنا إذا جوزنا الإجارة من الأجنبي فمنه أولى، وإلا فوجهان، كما قلنا إن بيع المبيع قبل القبض من الأجنبي لا يصح، وفي صحته من البائع وجهان، وعند الاختصار يكون في صحة الإجارة قبل القبض من الأجنبي والآجر ثلاثة أوجه: ثالثها: يصح من الآجر دون الأجنبي، وهكذا فعل في المهذب. ولا فرق فيما إذا أجرها من الآجر أو من غيره بين أن يكون بقدر الأجرة الأولى أو أكثر منها أو أنقص، و [قد ذكرت في البيع: أنه إذا باع المبيع من البائع قبل القبض بقدر الثمن الأول: أنا إن جوزناه بغير جنس الأول وقدره، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان؛ لأن ذلك في معنى الإقالة. ويظهر جريان مثل هذا هنا. واعلم أن كلام الشيخ يقتضي أن استئجار الآجر ما أجره من مكتريه بعد القبض جائز، وإنما الخلاف فيما قبل القبض وهو ما أورده القاضي أبو الطيب والجمهور. وقد حكى الماوردي وطائفة من المراوزة في صحة ذلك بعد القبض وجهين – أيضاً- لكن الماوردي بناهما على اختلاف بين أصحابنا في أن المنافع تحدث على ملك الآجر أو على ملك المستأجر؟ فإن قلنا بالأول صح، وإلا فلا. وغيره بنى ذلك على خلاف سيأتي في أن المستأجر إذا ابتاع العين المستأجرة، هل تنفسخ الإجارة أم لا؟ فإن قلنا بانفساخها لأجل أن ملك الرقبة وملك المنفعة بالإجارة لا يمكن امتنع الاستئجار هنا؛ لأن الملك إذا قطع الدوام فمنعه الابتداء أولى. وإن قلنا: لا تنفسخ الإجارة لم يمتنع الاستئجار هنا؛ لأنه قد عقل أن يجتمع الملك في الرقبة والملك في المنفعة بالإجارة. ومنهم من علل وجه المنع بأنه: لو صح لأدى إلى أن يكون الشيء مضموناً له

стр. 5371

وعليه؛ لأن الضمان لم ينتقل بالقبض عنه إلى المستأجر، وذلك لا يجوز. وقد نسب بعضهم وجه المنع إلى ابن سريج، ووجه الجواز إلى ابن الحداد، وعد ذلك من مناقضاته؛ لأنه حاكم بانفساخ الإجارة إذا اشترى المستأجر ما استأجره؛ لامتناع اجتماع الملك والإجارة. وذكر عن الشيخ أبي علي أنه قال: فإن قال من يضره الاستئجار السابق لم يمنع صحة الملك اللاحق كذلك الملك السابق، وجب ألا يمنع صحة الاستئجار اللاحق لكن تنفسخ الإجارة إذا [اجتمع الأمران] كما انفسخت هناك. فالجواب: أن ما ينفسخ إذا كان سابقاً وجب ألا يصح [إذا كان طارئاً على الملك]. قلت: وقد يظهر في دفع ما قدر ابتداؤه انتصاراً لابن الحداد أمراً آخر، وهو أن ابن الحداد لا يقول مع القول بصحة الإجارة بانفساخها ولو قال به لكان ملازماً للانعقاد، وحينئذ فلا يكون للقول بصحتها؛ معنى لأنها إذا انفسخت عادت المنفعة إلى الذي أجره وهو المستأجر، وكل ما لا يترتب عليه ما هو المطلوب منه فهو باطل. فرع: إذا أجر الحر نفسه، ومكن المستأجر من منافعه، فهل يجوز له أن يؤجره، بناء على منع الإجارة قبل التسليم؟ فيه وجهان، أصلهما: أن الحر إذا سلم نفسه إلى المستأجر، فلم يستعمله، هل يستحق الأجرة بمضي المدة أم لا؟ فإن قلنا: تستقر الأجرة، فقد جعلناه قابضاً للمنافع؛ فيعقد عليها. وإن قلنا: لا تستقر؛ فلم نجعله قابضاً للمنافع؛ فلا يعقد عليها. والذي صار إليه الأكثرون: أن له الإيجار ولو كانت الإجارة على عمل في الذمة، ففي جواز نقلها للغير كلام نذكره في أواخر الباب. قال: وإن تلفت العين المستأجرة، أي: مثل إن كانت أرضاً فغرقها السيل أو حيواناً فمات أو ثوباً فاحترق بعد القبض في أثناء المدة. قال: انفسخت الإجارة فيما بقي، لفوات المعقود عليه- وهو المنفعة- قبل

стр. 5372

قبضها؛ لأنها إنما تحدث شيئاً فشيئاً، وما سبق من القبض، فأثره في جواز التصرف [وجواز التصرف] لا ينافي الفسخ؛ كما يجوز للبائع التصرف في الثمن قبل القبض [ويملك الفسخ بسبب الإفلاس به. وذهب أبو ثور إلى أن العقد لا ينفسخ؛ لأنه تلف بعد القبض] المستحق بالعقد؛ فأشبه تلف المبيع بعد القبض، حكى عنه ذلك القاضي أبو الطيب وغيره، وحكى عنه القاضي الحسين أن المنفعة تدخل في ضمان المستاجر بنفس العقد كما أن مذهبه دخول المبيع في ضمان المشتري بمجرد العقد. قال: دون ما مضى أي: إذا كان لمثله أجرة؛ لاستقراره بالقبض وهذا ما دل عليه أكثر الأصحاب، وهو الأصح في البحر وغيره. قال: وقيل فيما مضى قولان: وجه الامتناع ما ذكرناه. ووجه مقابله: أن العقد واحد، فلا سبيل إلى فسخه في شيء دون شيء، وقد انفسخ في شيء، فوجب أن ينفسخ في الباقي]، وهذا الخلاف أصله ما إذا باع عبدين فتلف أحدهما قبل القبض فإن العقد ينفسخ فيه وهل ينفسخ في الباقي؟ على طريقين، أما إذا لم يكن لما مضى أجرة، انفسخ في جميع المدة. ولا فرق في جريان الخلاف بين أن يكون التلف بآفة سماوية، أو بإتلاف المستأجر. وعن ابن أبي هريرة: أنها إذا تلفت بفعل المستأجر، استقرت عليه الأجرة؛ كما يستقر الثمن على المشتري بإتلافه المبيع. والمذهب الأول؛ لأن البيع ورد على العين؛ فجعل إتلافها قبضاً، والإجارة وردت على المنافع، ومنافع الزمان المستقبل معدومة لا يتصور ورود الإتلاف عليها. التفريع: إن قلنا: ينفسخ العقد فيما مضى، فالواجب على المستأجر أجرة المثل، وله استرداد ما دفعه، فإن كان من نوع أجرة المثل، جاءت فيه أقوال التقاص. وإن قلنا: لا ينفسخ، فهل يثبت للمستأجر الخيار؟

стр. 5373

قال في البحر: إن كانت الأجرة عرضاً، فنعم؛ لتضرره بالتبعيض. وإن كانت نقداً، فلا؛ إذ [لا تبعيض]. ومنهم من خرجه على وجهين. والماوردي وغيره حكوا الوجهين مطلقاً، وصحح الإمام والبغوي منهما المنع؛ لأن المنافع قد صارت مستوفاة مستهلكة. والذي أجاب به ابن الصباغ والبندنيجي وآخرون- الثبوت، وإيراد القاضي الحسين يقتضي ترجيحه في موضع، وجزم به عند الكلام في حصول السيل على الأرض في بعض المدة؛ لأن جميع المعقود عليه لم يسلم له. فعلى هذا: إن فسخ، فالحكم كما تقدم. وإن أجاز، أو قلنا: لا خيار له. قال الرافعي: وجب قسط ما مضى من المسمى والتوزيع يكون على قيمة منفعة المدتين، لا على قدر المدتين، فإذا كانت الإجارة على سنة، و [قد] مضت أربعة أشهر في يد المستأجر، وأجرة مثلها مائة، وأجرة باقي السنة خمسون استقر عليه ثلثا الأجرة. والاعتبار في حالة التقويم بحالة العقد دون ما يطرأ من بعد، كما صرح به القاضي الحسين وغيره. وفي الحاوي والبحر حكاية قول مخرج: أنه إذا أجاز، فليجز بكل الأجرة، أو يفسخ، كما قيل في البيع. واعلم أنه يلتحق بتلف العين المستأجرة في انفساخ الإجارة طرآن الحيض على من استؤجرت عينها لكنس المسجد في أثناء المدة أو ابتدائها، دون ما إذا ألزمت ذمتها كنسه؛ لإمكان تفويضها الكنس إلى غيرها، وأن تكنس بعد الاغتسال. وكان بعض مشايخنا يقول: ينبغي في الصورة الأولى أن يخرج الانفساخ على الخلاف الآتي فيما إذا تلف الثوب المستأجر على خياطته حتى يقال: على وجه لا ينفسخ، وتكنس قذر المسجد. قلت: وقد يجاب عن ذلك بأن كلام الأصحاب محمول على ما إذا وقع الاستئجار بالريع المرصد لذلك أو هو الغالب وإذا كان كذلك فكنس غيره غير

стр. 5374

ممكن فلذلك جزم فيه بالانفساخ، ثم على تقدير أن تكون الإجارة قد وقعت من آحاد الناس بماله فيشبه أن يكون القول بصحتها كالقول في الاستئجار على الآذان، فإن صح فقد ملك المسلمون تلك المنفعة، وفي استعمال المرأة في كنس [غير] المسجد تفويت لتلك المنفعة على مستحقها وذلك لا يجوز. قال: فإن وجد به عيباً أو حدث فيه عيب؛ أي: والعقد على عينه ثبت له خيار الفسخ؛ لتضرره بالبقاء، كذا أطلقه الجمهور. قال الرافعي: والوجه ما قاله المتولي، وهو أنه إن أراد أن يفسخ في جميع المدة، فهو كما لو اشترى عبدين، فتلف أحدهما، ثم وجد بالقائم عيباً، وأراد الفسخ فيهما. وإن أراد الفسخ فيما بقي من المدة، فهو كما لو أراد الفسخ في العبد القائم وحده، وحكمهما مذكور في البيع. ومهما امتنع الفسخ، فله الأرش. ثم هذا الخيار، هل هو على الفور أو على التراخي؟ قال في الحاوي: إنه على التراخي؛ لأنه يتجدد بمرور الأوقات لحدوث النقص فيها، فلو أجاز [العقد] ثم أراد أن يفسخ، قال الرافعي في أواخر الباب: ينظر: إن كان ذلك العيب لا يرجى زواله- كما إذا انقطع الماء، ولم يتوقع عوده- فليس له الفسخ؛ لأنه عيب واحد وقد رضي به. وإن كان بحيث يرجى زواله، فله الفسخ ما لم يزل؛ لأنه يقدر [كل ساعة] زواله فيتجدد الضرر، وهذا كما قلنا في زوجة المولى إذا تركت المطالبة بعد انقضاء مدة الإيلاء، وكما لو استأجر عبداً، فأبق قبل القبض، وأجاز، ثم أراد الفسخ فإن له ذلك ما لم يعد، فلو زال العيب قبل علم المستأجر بزواله؛ كما إذا تشعثت الدار، فلم [يختر المستأجر] الفسخ حتى عمرها المؤجر ففي بقاء الخيار وجهان في البحر. قال: ... فإن فسخ لزمه أجرة ما مضى أي إذا كان لمثله أجرة؛ لأنه مضمون بالعقد، أما إذا لم يكن لمثله أجرة فلا شيء عليه واسترجع الأجرة إن كان قد

стр. 5375

دفعها، ثم المرجوع به إذا كان لمثل ما مضى أجرة ماذا؟ قال الأصحاب: ذلك ينبني على أن الفسخ في هذه الحالة يرفع العقد من حينه أو أصله، وفيه الطريقان السابقان، فإن رفعه من أصله كان اللازم أجرة المثل، وإن رفعه من حينه فاللازم ما يقابل المدة من المسمى على النعت الذي تقدم وعلى هذا ينبغي ملاحظة ما قاله المتولي، ولو أجاز المستأجر العقد استحق عليه جميع المسمى. وفي ابن يونس: أنه قيل: تقوم المنفعة سليمة من العيب [وتقوم وبها] ذلك العيب، ثم تقسم الأجرة على القيمتين، فيجب عليه من الأجرة بقدر ما يخصها من العيب وتسقط الزيادة على ذلك، وهذا لم [أره لغيره] فيما وقفت عليه على هذا النحو بل المذكور في المهذب: أنه إذا اكترى داراً فتشعثت فبادر المكري إلى إصلاحها لم يكن للمستأجر ردها فإن لم يبادر ثبت له الفسخ؛ لأنه يلحقه ضرر بنقصان المنفعة وإن رضي بسكناها ولم يطالب بالإصلاح فهل يلزمه جميع الأجرة فيه وجهان: وجه عدم اللزوم: أنه لم يستوف جميع ما استحق من المنفعة فلم تلزمه جميع الأجرة كما لو اكترى داراً سنة فسكنها بعض سنة ثم غصبت، فإن كان الشيخ عني بالتشعث ما يفهم في العرف من تكسير البلاط وزوال بعض البياض وانكسار جزع ونحو ذلك، فكلام ابن يونس موافق لكن يشكل على ذلك الفرق بين ذلك وبين [ما إذا اطلع] المشتري على عيب بالمبيع وأجاز فإنه لا يرجع بالأرش، وإن كان الشيخ قد عنى بالتشعث زوال سقف الدار [ونحوه فالخلاف الذي ذكره يشبه أن يكون مبنياً على أن إحراق سقف الدار] هل ينزل بمنزلة تلف أحد العبدين أو منزلة اليد من العبد؟ وفيه خلاف مذكور فيما تقدم، فمن قال: يخير بالقسط بناه على أنه كأحد العبدين، ومن قال: يخير بجميع المسمى بناه على أنه كاليد من العبد، وعلى هذا فالحكم في البيع والإجارة واحد ولا يكون كلام ابن يونس منطبقاً على هذا، واعلم أن العيب الذي يثبت الخيار في الإجارة، هو ما يؤثر في المنفعة تأثيراً يظهر به [تفاوت الأجرة، لا ما يظهر به] تفاوت قيمة الرقبة، فإن مورد العقد المنفعة، وذلك مثل: مرض العبد، وضعف

стр. 5376

بصره، والجذام، والبرص في المستأجر للخدمة دون المستأجر لرعي المواشي والبناء، وكون لبن المرضعة لا يستمرئ الطفل [به] لعلة في اللبن؛ كما صرح به الماوردي، وكون الطفل لا يقبل لبن المرضعة، على أحد الوجهين في تعليق القاضي الحسين. وحكى الرافعي في هذه الصورة وجهين: أحدهما: ينفسخ. والثاني: يبدل الصبي بغيره. وكذا كون الأجير كافراً والمستأجر عليه بناء مسجد أو نحر أضاحي، ووقع العقد على عينه وإن وقع على ذمته، قيل له: إن استَنَبْتَ مسلماً؛ فلا خيار للمستأجر، وإن أردت أن تفعل بنفسك، كان للمستأجر الخيار؛ قاله الماوردي. ومرض الدابة وعرجها بحيث تتأخر عن القافلة عيب، وكذا [لو كان] البعير المستأجر للركوب صعب الظهر أو خشن السير. و [كذا] انهدام حائط في الدار، وانكسار جذع فيها- عيب؛ ولكن لو بادر الآجر إلى الإصلاح؛ فلا خيار. وتغير ماء البئر في الدار المستأجرة بحيث يمنع الشرب- إن كانت العادة بالشرب من الآبار- عيب. وكذا إن لم تكن العادة جارية بالشرب منها ومنع تغيره الطهارة. ولو قال ماء البئر، فإن كان مععهوداً في وقته، فلا خيار. وإن كان غير معهود في ذلك الوقت فإن كان مع نقصانه كافياً لما يحتاج إليه المستأجر من شرب أو طهارة- فلا خيار، وإن قصر عن ذلك، فله الخيار، وتغير ماء الرحا لا يثبت الخيار وكذا نقصه في الوقت المعتاد ويثبت إذا نقص في غير وقته وعدم دخول الناس الحمام؛ لفتنة حادثة أو خراب الناحية- عيب؛ صرح به في البحر. وفي الحاوي: أن خراب ما حول الدار المستأجرة، وبطلان السوق الذي فيه الحانوت المستأجر- لا يثبت الخيار؛ لأنه عيب حدث في غير المعقود عليه ولا فرق في ثبوت الخيار بالعيب على المذهب بين أن يكون قد حصل بآفة سماوية أو بفعل المستأجر.

стр. 5377

وقال الإمام: قد يختلج في الصدر خلاف، وذلك إذا حصل بفعل المستأجر؛ لتضمن الرضا بالعيب. قال: فإن كانت داراً فانهدمت أو أرضاً فانقطع ماؤها، ففيه قولان: أحدهما: تنفسخ، لأن المقصود السكنى والزراعة وقد فات ذلك فأشبه موت العبد المستأجر، فعلى هذا يكون الحكم في الانفساخ وغيره كما تقدم. والثاني: يثبت له الخيار لأن بعض المعقود عليه موجود والانتفاع به على الجملة ممكن [فأشبه العيب وهذه الطريقة هي المشهورة. وقيل: في الانهدام تنفسخ؛ لأنها لا تبقى داراً وفي انقطاع الماء لا تنفسخ؛ لأن مسمى الأرض باقٍ [والزرع ممكن] بالأمطار، وسوق ماء آخر إليها، وهذا ظاهر النص في الصورتين، وهو الأصح حيث يثبت الخلاف. ثم إذا قلنا بثبوت الخيار، فينظر: فإن كان الانهدام أو الانقطاع طرأ قبل مضي مدة لمثلها أجرة، كان بالخيار بين أن يخير بكل الأجرة أو يفسخ. وقيل: إن اختار الإجارة، كانت بالحصة؛ وفي هذا نظر. وإن كان بعد مضي مدة لمثلها أجرة؛ فله الخيار في المستقبل، وهل له الخيار في الماضي؟ فيه وجهان في الحاوي. فإن أثبتنا له الخيار في الماضي والمستقبل، فاختار الإجازة في الماضي والفسخ في المستقبل لزمه حصة الماضي من المسمى. قال الماوردي: وقد خرج قول آخر: أنه إن أقام على الماضي بكل الأجرة وإلا فينفسخ. ومحل ثبوت الخيار في الأرض إذا امتنعت الزراعة، أما لو قال الآجر: أنا أسوق إليها الماء من موضع آخر، وساقه سقط الخيار؛ كما لو بادر إلى إصلاح الجدار. قال: وإن غصبت العين حتى انقضت المدة فهو كالمبيع إذا تلف قبل القبض وقد بيناه في البيع، استغنى الشيخ- ﵁ بما ذكره في البيع عن الإعادة هنا فلا بدل من تجدد العهد به فنقول: إذا غصب العين المستأجرة أجنبي

стр. 5378

حتى انقضت المدة فهل تنفسخ الإجارة؟ فيه طريقان: أحدهما: حكاية قولين فيه كما هي طريقة الشيخ في البيع فالصحيح منهما: الانفساخ كما حكاه الماوردي، وهو نظير ما حكيناه في البيع عن أبي الطيب والمتولي، وقد حكى الرافعي أنه هاهنا منصوص عليه للشافعي وبه أجاب أكثر الأصحاب. والقول الثاني: لا تنفسخ بل يثبت للمستأجر الخيار، وقد حكينا عن القاضي الحسين والإمام وغيرهما أنهم صححوه في نظير المسألة من البيع، وكان مقتضى التشبيه أن يكون هو الصحيح عندهم هنا أيضاً كما صار إليه الروياني لكنهم رجحوا الأول هاهنا. وقال الإمام في باب الوصية: إنه المذهب الصحيح. وفرق القاضي الحسين في آخر باب التحالف بأن المعقود عليه في باب البيع المال وما وجب على الجاني مال والمال قابل للعقد ابتداء؛ فلهذا تعدى العقد من العين إلى بدلها بخلاف الإجارة فإن المعقود عليه المنفعة، وما وجب على المتلف للمنفعة مال والمال لا يقبل عقد الإجارة ابتداء؛ فلهذا لم يتعد العقد من المعقود عليه إلى بدله؛ لأنه غير قابل لجنس العقد الذي ورد على أصله، وبهذا الفرق فرق المتولي أيضاًز والطريق الثاني: لا تنفسخ قولاً واحداً كما حكاه [الروياني] وهو نظير الطريق الذي حكاها صاحب العدة عن أبي العباس في نظير المسألة في البيع. وإن كان الغاصب الآجر بعد أن سلمها أو منعها ابتداء ولم يسلمها حيث وجب عليه التسليم ففيه طريقان: أحدهما: القطع بانفساخ الإجارة. والثاني: طرد القولين اللذين في غصب الأجنبي، صرح بهما الماوردي والمتولي، وإن كان الغاصب المستأجر استقرت عليه الأجرة كما تستقر عليه إذا أتلف المبيع. وصورة غصبه: أن يأخذ العين من الآجر من غير إذنه قبل إقباضه الأجرة الحالة.

стр. 5379

تنبيه: في قول الشيخ: حتى انقضت المدة، ما يفهمك أن الخلاف المذكور في الانفساخ لا يطرد فيما إذا كان العقد على عمل معين؛ مثل: أن يستأجر بعيراً ليركبه إلى موضع كذا فيغصب وتمضي مدة يمكن المضي فيها إلى ذلك الموضع كما صرح به في المهذب، وكلام الماوردي، والروياني في البحر يفهم أن الخلاف يطرد في هذه الحالة أيضاً فإنهما قالا بعد حكاية الخلاف في الانفساخ: إذا كان الغاصب أجنبياً. والأصح: أنه لا يبطل فعلى هذا إن كان الركوب مقدراً بمدة يخير بين شيئين: أحدهما: المقام على الإجارة والرجوع على الغاصب. والثاني: فسخ الإجارة، وإن كان الركوب مقدراً بالمسافة كان خياره بين ثلاثة أشياء: - الفسخ والرجوع بالمسمى. - الإجازة والرجوع على الغاصب. - الإجازة وركوب البعير إلى المسافة. وفي النهاية عند الكلام في موت الرضيع: حكاية خلاف عن العراقيين يعضد إجراء الخلاف الذي يفهمه كلام الماوردي [وسنذكره، وكذلك فيها، وفي الوسيط ما يقتضيه]؛ فإنهما حكيا- فيما إذا حبس المكري الدابة ولم يسلم ولم يكن قد عين مدة وجهين: أحدهما: ينفسخ، واختاره الإمام بعد أن نسبه إلى المراوزة؛ لأن المدة وإن ذكرت فليست معينة، وإنما المطلوب المنفعة فيها فليكن الاعتبار بمضي زمان إمكان الانتفاع؛ ولأن المكتري لو حبسها هذه المدة استقرت عليه الأجرة كما لو حبسها المدة المسماة، فإذا سوينا بين نوعي الإجارة في حق المكتري؛ وجب أن نسوي بينهما في حق المكري. والثاني: وهو الذي أجاب به العراقيون- أنها لا تنفسخ. قال في الوسيط: لكن يقال: قد تأخر حقه فله الخيار إن شاء؛ لأن الوقت

стр. 5380

غير معين. قال الرافعي: وعدم الانفساخ به أجاب الأكثرون، ورواية الأصحاب في الخيار تخالف ما رواه فإنهم قالوا: لا خيار للمكتري كما لا خيار للمشتري إذا امتنع البائع من تسليم المبيع مدة ثم سلم. قلت: الوجه ما رواه الغزالي وبه أجاب الماوردي، ويخالف امتناع البائع من التسليم فإن الإجارة لا تراد للدوام ولا في كل وقت وزمان بل عند الحاجة إليها. فإذا تعذر عليه السير في الوقت الذي استأجر فيه فقد فات المطلوب؛ فلذلك ثبت له الخيار، [والملك يراد للداوم، فأي وقت حصل فيه التسليم حصل الغرض؛ فلذلك لم يثبت له خيار. والله أعلم]. فروع: لو ابتدر الآجر حين الغصب إلى انتزاع المغصوب، فإن لم تمض مدة لمثلها أجرة، فلا خيار للمستأجر، واستحق عليه تمام المسمى. وإن مضت مدة لمثلها أجرة، فإن قلنا بالانفساخ في مدة الغصب فالحكم كما سنذكره فيما لو هرب المكري، والعقد على منفعة، وهي مقدرة بالمدة. وإن قلنا بعدم الانفساخ، ثبت له الخيار لا غير. ولو قدر الآجر على انتزاع المغصوب من الغاصب، فهل يجب عليه ذلك؟ فيه وجهان: أصلهما ما إذا احتاجت الدار المستأجرة إلى إعادة جدار أو جذع أو مفتاح ضاع في يد المستأجر، وفيه خلاف: مذهب العراقيين- وهو الأظهر-: أنه لا يجب عليه ذلك؛ لما فيه من إلزام عين لم يتناولها العقد؛ فأشبه ما إذا احتاجت الدار إلى باب أو ميزاب. والذي صار إليه القاضي الحسين والشيخ أبو محمد: أنه يجب؛ توفيراً للمنفعة؛ كما يجب عليه إقامة جدرانها، بل وإصلاح جذع منكسر وما يجري مجراه من مرمة لا يحتاج فيها إلى تجديد عين. قال الرافعي: وكلام السرخسي يوهم طرد الوجهين في عمارة يحتاج إليها

стр. 5381

لخلل قارن العقد كالباب، والميزاب. وإن جماعة أجابوا بعدم الإجبار على إقامة الجذع ونحوه، ومنهم البغوي، والمتولي [والعراقيون كما حكاه الإمام،] والدعامة التي تمنع الانهدام إذا احتيج إليها في معنى جذع [جديد] أو في [معنى] إقامة مائل، فيه تردد. قال: وإن مات الصبي الذي وقعت الإجارة على إرضاعه انفسخ العقد على المنصوص، أي: في الجامع والنفقات من الأم؛ لتعذر الاستيفاء بتعذر الإبدال؛ لاختلاف الصبيان في الرضاع؛ فلهذا لم نكتف في الاستئجار عليه بوصف الرضيع بل اشترطنا رؤيته. وقيل: فيه قول آخر؛ أنه لا ينفسخ؛ لأنه مستوفى به فلا تبطل الإجارة بموته كالراكب. قال: فإن تراضيا على إرضاع غيره جاز؛ لأن الحق لهما ولا يعدوهما وإن تشاحا أي: تمانعا في إرضاع غيره فسخ العقد لتعذر إمضائه، والفاسخ له- كما قال البندنيجي وغيره- المستأجر، ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي: أنه لا فرق في الرضيع بين أن يكون ولد المستأجرة أو لا. وحكى الإمام [أن محل الخلاف] فيما إذا كان غير ولدها، أما إذا كان ولدها: فإن فرعنا على أنها تنفسخ بموت الأجنبي فهنا أولى، وإلا فقولان منصوصان: وجه الانفساخ: أن لبنها لا يدر على الأجنبي دروره على ولدها، ثم قال: وهذا ضعيف لا أصل له، والمصير إلى الانفساخ باطل مطلقاً. قال في المهذب: وفي معنى موت الصبي أن يستأجر كحالاً فيبرأ أو من يقلع ضرسه فيسكن الوجع أو من يقتص له فيعفو عن القصاص فيكون على القولين، وقد حكى في مسألة الكتاب وجه: أن له إبدال الصبي مع بقائه، [وطرده متجه في باقي الصور [ومن أصحابنا] من أقام قلع وتد مقام الضرس عن سكونه]. وحكى القاضي في مسألة الاستئجار على قلع الضرس وجهاً: أن العقد لا

стр. 5382

ينفسخ، بل يبقى في ذمته إلى وقت هيجان الوجع، فحينئذ يقلعه، وهو قريب مما حكيناه من قبل عن اختيار أبي الطيب. وألحق الأصحاب بمسألة الرضيع ما إذا استأجره لرعي أغنام بأعيانها فتلفت، وما إذا استأجره لخياطة ثوب بعينه أو حفظه فتلف؛ كما حكاه الإمام، لكن الإمام حكى الخلاف في مسألة الثوب وجهين عن العراقيين، وقال: أصحهما أن العقد لا ينفسخ، وهذا ما جزم به الماوردي عند الكلام في الأجير المشترك. قال الإمام: وعلى هذا فقد حكى العراقيون وجهين فيما لو قال المستأجر: ليس عندي ثوب آخر، أو: لست آتي به والثياب عندي عتيدة في أن الأجرة تستقر إذا مضت [مدة] يتأتى فيها العمل أو لا تستقر، وإذا مضت المدة انفسخت الإجارة؟ وهذا ما أشتر إليه من قبل، وقد جزم في التهذيب في كتاب الخلع بالانفساخ عند الامتناع من الإبدال للعجز. والوجه المذكور في جواز إبدال الرضيع مع بقائه مطرد هنا، وقد حكاه المتولين وصححه الإمام عن العراقيين في كتاب الصداق، وقال: إنه الأظهر، وقال: إن الممكن من الفرق على منع الإبدال- بينه وبين إبدال الراكب-: أن منفعة الدابة لا تقع بالراكب، وإنما هي انتفاع من غير تأثر به، والثوب يتأثر بالخياطة، وتقع فيه وتبقى ما بقي، والأثر عند الشافعي كالعين على قول مذكور في كتاب التفليس، وإذا كان كذلك، فالأعيان لا يدخلها الإبدال في العقود الواردة على الأعيان. ثم قال: وقد اختلف الأئمة في تنزيل الوجهين: فمذهب العراقيين وطوائف من المراوزة: أنا إذا منعنا الإبدال نمنعه مع التراضي به، إلا أن يعرض عقد صحيح. وصار صائرون إلى أن محل الخلاف فيما إذا أراد المالك أن يبدل، فأبى الخياط، أما إذا تراضيا جاز بلا خلاف؛ وهذه طريقة القاضي. والذي حكاه الرافعي عن العراقيين والشيخ أبي علي: انفساخ الإجارة بتلف الثوب المعين، وبه أجاب ابن الحداد- فيما إذا اكترى دواباً في الذمة لحمل

стр. 5383

خمسة أعبد معينين، فمات اثنان، وحمل ثلاثة- أن له ثلاثة أخماس الكراء ويسقط خمساه؛ إذا تساوت أوزانهم، ويوافقه نص الشافعي فيما لو نكح امرأة على خياطة ثوب معين فتلف قبل أن تخيطه: أن لها مهر المثل، لكن الشيخ أبا علي صور المسألة في الثوب بما إذا وقع العقد على [عين] الدابة ليحمل عليها متاعاً بعينه، أو ليركبها مدة بجواز الإبدال، وأن العقد لا ينفسخ بهلاك المتاع والراكب، وفرق بأن العقد والحالة هذه يتناول المدة، ألا ترى أنه لو سلم الدابة، ولم يركب، تستقر الأجرة، وفيما إذا استأجر لخياطة الثوب المعين العقد يتناول العمل؛ ولهذا لو سلم نفسه مدة يمكن فيها الخياطة، ولم يخط، لم تستقر الأجرة. قال الرافعي: وفيما ذكره نزاع سنعرفه من بعد. قلت: النزاع الذي سيأتي فيما إذا وقع العقد على العين، كما إذا استأجره لخياطة ثوب بعينه، فسلم نفسه مدة تسع الخياطة، هل تستقر به الأجرة أم لا؟ وما ذكره الشيخ أبو علي وإن كان مشابهاً لهذه الصورة، فالمراد: إذا التزم الأجير خياطة الثوب في الذمة؛ فإنه صور المسألة كذلك، وسيأتي أن الإجارة إذا كانت على عمل في الذمة لا تستقر إلا بالعمل. فرع: لو لم يتلف الثوب المعين للخياطة، لكن بدا للمستأجر أن يقطعه. قال الإمام: الذي يتجه عندنا: أنه لا يجب عليه الإتيان به؛ ليقطع، ولكنا إذا فرعنا على أن أجرة الأجير تستقر [بعد مضي] مدة تسع العمل، فإذا لم يأت بالثوب حتى مضت تلك المدة بعد التمكين استقرت الأجرة. وإن قلنا: إن الأجرة لا تستقر بالتمكين ومضي المدة؛ يثبت للأجير الخيار، فإن فسخ تخلص، وسلمت [منافع نفسه] وإن لم يفسخ، فهو المتسبب في تفويتها. وأما المستأجر، فلا خيار له بحال؛ لأن العذر من جهته. قلت: وما قاله من عدم إلزامه القطع مع تفريعنا على أن الأجرة تستقر بالتمكين ومضي المدة لا شك في وضوحه، وأما على القول بعدم الاستقرار؛

стр. 5384

ففي كلام الأئمة ما ينازع فيه؛ فإن الرافعي حكى في المساقاة عند الكلام فيما إذا انقطع الماء، وقدر رب النخيل على رده: أن من استأجر قصاراً لقصارة ثوب بعينه يكلف تسليمه إليه، وحكيت في باب: ما يتم [به] البيع عن المتولي وغيره: أن من استأجر صباغاً؛ ليصبغ له ثوباً، وسلمه إليه – ليس له بيعه ما لم يصبغه، وكذلك لو استأجر صائغاً على عمل ذهب، ونظائر ذلك فلو تمكن المستأجر من المبيع لم يمتنع عليه البيع والله أعلم. قال: وإن مات الأجير في الحج أو أحصر قبل الإحرام [أي]: وقد وقع العقد على عينه، لم يستحق شيئاً من الأجرة؛ لأن الأجرة تقابل المقصود وابتداؤه من الإحرام، وقد فات بكماله وما قبله من السير تسبب فيه فأشبه من استؤجر على الخبز أو البناء فأحضر الآلة ومات وهذا هو المنصوص في عامة كتبه وعن الصيرفي والإصطخري: أنه يستحق قسطاً من الأجرة بقدر ما قطع من المسافة؛ لأنهما أفتيا سنة حصر القرامطة الحج بالكوفة بأن الأجراء يستحقون من الأجرة بقدر ما عملوا. ووجهه: أن الأجرة تقع في مقابلة السير والعمل جميعاً؛ ألا ترى أنها تختلف باختلاف المسافة طولاً وقصراً وفصل ابن عبدان فقال: إن قال: استأجرتك لتحج من كذا، فالجواب كما قالاه. وإن قال: على الحج، فالجواب كما حكي على النص، وهذا كالتفصيل الآتي عن ابن سريج. قال: وإن كان بعد الفراغ من الأركان أي: وقبل الإتيان بالرمي والمبيت استحق الأجرة أي بجملتها، وعليه دم لما بقي. أما وجوب الدم فلأنه دخل الحج نقص فكان عليه جبره بالدم كما في حجه عن نفسه، وأما استحقاقه تمام الأجرة فلإتيانه بما قابلته الأجرة والنقص الحاصل الدم جابره. فعلى هذا فلو نقصت قيمة الدم عن القدر الذي يجب حطه من الأجرة؛ ففي حط قدر التفاوت وجهان، وقيل: يلزمه أن يرد ما يقابل الفائت بجملته؛ لأن الدم كان جابراً لحق الله تعالى. وبعضهم جزم بهذا فيحصل في المسألة طريقان، وهما جاريان فيما إذا أحرم

стр. 5385

من دون الميقات، وهذا كله تفريع على القول بامتناع البناء على الحج كما هو الصحيح أما إذا جوزناه وكانت الإجارة على العين كما صورناه فقد انفسخت فيما بقي ووجب رد قسطه من الأجرة والمستأجر يستأجر من يرمى عنه ويبيت [ولا دم على الآجر، وإن كانت في الذمة استأجر وارث الآجر من يرمى عنه ويبيت] ولا حاجة إلى الإحرام؛ لأنهما يؤتى بهما بعد التحللين ولا يلزمه الدم ولا رد شيء من الأجرة، ذكره المتولي وسيأتي في كلام صاحب التهذيب ما يأتي ذلك. قال: وإن مات وقد بقي عليه بعض الأركان استحق بقدر ما عمل، كما لو استأجره على خياطة ثوب فخاط بعضه. وقيل: لا يستحق شيئاً؛ لأنه لم يسقط الفرض عن المستأجر وهو المقصود فأشبه ما لو التزم له مالاً ليرد عبده الآبق فرده بعض الطريق ثم هرب. وقد بنى بعضهم الخلاف [هاهنا] على الخلاف الآتي في [أن] البناء على الحج، هل يجوز أم [لا]؟ فإن قلنا يجوز استحق، وإلا فلا. وهذا البناء ضعيف؛ أن مقتضاه أن يكون الصحيح عدم الاستحقاق؛ لأن الصحيح عدم البناء. وقد حكى الكرخي وغيره: أن الصحيح الاستحقاق كما جزم به الشيخ، وحكاه ابن عبدان عن الجديد، و [حكى] المنع عن القديم. وحكى الإمام طريقة متوسطة، فقال: إن جوزنا البناء استحق لا محالة؛ لأن المستأجر بسبيل من إتمامه وإلا ففي الاستحقاق الخلاف. ولا فرق فيما ذكرناه على الأظهر بين أن يكون الباقي من أركان الحج الوقوف أو غيره، وقد قيل: إن القول بعد الاستحقاق مفروض فيما إذا كان الموت قبل الوقوف؛ أما إذا كان بعده، ففيه وجهان: قال: ويستأجر المستأجر من يستأنف الحج عنه أي: فلا يجوز البناء على حج الأجير؛ لأنها عبادة تفسد أولها بفساد آخرها فأشبهت الصوم والصلاة؛ ولأنه لو أحصر وتحلل ثم زال الحصر وأراد البناء عليه [لم يجز] وإذا لم يجز له البناء

стр. 5386

على فعل نفسه فأولى [أن لا يجوز] على فعل غيره، وهذا هو الجديد والقديم جواز البناء؛ لأن النيابة جارية في جميع أفعال الحج، فتجري في بعضها كتفرقة الزكاة. وقد خص صاحب التهذيب هذا بما إذا كان قبل التحللين أما إذا كان بعد التحللين فلا تجري؛ إذ لا ضرروة إليه لإمكان جبر ما بقي من الأعمال بالدم وأوهم بعضهم بإجراء الخلاف. ثم على قول البناء: إن مات الأجير وقد بقي وقت للإحرام بالحج أحرم الثاني به [ووقف الثاني بعرفة إن لم يكن الأول قد وقف ولا يقف إن كان قد وقف] ويأتي بباقي الأعمال، ولا بأس بوقوع إحرام الثاني وراء الميقات؛ فإنه مبنى على الإحرام الأول. وإن فات وقت الإحرام بالحج فيم يحرم الثاني؟ فيه وجهان: أحدهما: وبه قال [أبو] إسحاق- بعمرة؛ لفوات وقت الإحرام بالحج ثم يطوف ويسعى فيجزئانه عن طواف الحج وسعيه، ولا يبيت ولا يرمى فإنهما ليسا من أعمال العمرة، ولكنهما يجبران بالدم. والثاني: وهو الأصح: أنه يحرم بالحج ويأتي ببقية الأعمال والممنوع ابتداء الإحرام بالحج في غير أشهره وهذا بناء. فعلى هذا: إذا مات بين التحللين أحرم النائب إحراماً لا يحرم اللبس والقلم، وإنما تحرم النساء، وقد نسب الإمام الوجه الأول المحكي عن أبي إسحاق إلى العراقيين، ومقابله إلى المراوزة، والموجود في كتبهم تصحيح الوجه [الثاني] مع ذكر الأول. وهذا الذي ذكرناه مذكور فيما إذا حج الإنسان عن نفسه، ثم مات في أثناء الحج هل يجوز له البناء عليه؟ وشبه الخلاف في جواز البناء بالخلاف على الأذان والخطبة، وجواز الاستخلاف وإن اختلف الأظهر منها. أما إذا وقع العقد على حج في الذمة لم تنفسخ الإجارة بموت الأجير بل يستأجر من تركته من يحج عنه إن كان وقت الوقوف باقياً وإن لم يكن باقياً

стр. 5387

ثبت للمستأجر الخيار كما سنذكره. تنبيه: قول الشيخ استحق بقدر ما عمل هل يكون المستحق من المسمى، أو من أجرة المثل؟ [ثم قال]: لم يصرح أحد بذكره فيما وقفت عليه، والذي يقتضيه القياس: أن يتخرج على [الخلاف السابق] في أن الفسخ في المستقبل هل ينعطف على الماضي أم لا؟ فإن انعطف، كان المستحق له أجرة مثله، وإلا فالقسط من المسمى، ثم التوزيع [يكون على قولين. أحدهما: أنه يقسط على الأعمال وحدها؛ لما ذكرناه من قبل، وهذا يفهم كلام الشيخ من قبل. وقال ابن يونس: إنه الصحيح وأظهرهما في الرافعي: أنها تقسط على العمل والسير جميعاً؟] لأن للوسائل حكم المقاصد إذا وقعت تبعاً، وتعب الأجير في السير أكبر، فيبعد ألا يقابل بشيء مع كونه حصل بعض المقصود. وقال ابن سريج: إن قال: استأجرتك لتحج عني، فالتوزيع على الأعمال وحدها، وإن قال: لتحج من بلد كذا فالتوزيع على السير والعمل جميعاً، وحمل القولين على حالين. فرع: لو أحصر الأجير في هذه الحالة، فله التحلل، وإذا تحلل فعمن يقع ما أتى به؟ فيه وجهان: أصحهما: عن المستأجر، وهو ما حكاه الشيخ أبو حامد كما لو مات؛ إذ لم يوجد من الأجير تقصير. فعلى هذا: الحكم كما تقدم، ودم الإحصار على المستأجر. والثاني: عن الأجير، وهو ما حكاه القاضي أبو الطيب؛ كما لو أفسده؛ لأنه لم يحصل غرضه. فعلى هذا: دم الإحصار على الأجير. وإن لم يتحلل، وأقام على الإحرام حتى فاته الحج، انقلب الحج إليه؛ كما في

стр. 5388

صورة الإفساد، ثم يتحلل بعمل عمرة، وعليه دم الفوات. ولو حصل الفوات بسبب نوم أو تأخر عن القافلة، ونحو ذلك غير الإحصار- انقلب الحج إلى الأجير؛ كما في الإفساد ولا شيء للأجير. ومن أصحابنا من أجرى فيه الخلاف المذكور في الموت. [قال: وإن هرب المكري والعقد على منفعة، مثل: أن استأجره ليخيط له شهراً، أو هذا الثوب ثبت للمستأجر الخيار؛ [بين الفسخ والإبقاء؛] لتضرره بفوات بعض المعقود عليه في حالة، وبتأخر حقه في أخرى. والبقاء: بالمد مقصور مصدر بقي يبقى بقاء. قال: وإن كان [العقد] على مدة أي: ولم ينفسخ، انفسخ بمضي الوقت حالاً فحالاً، أي: كلما مضت لحظة انفسخ فيها وهو بتخفيف اللام. ووجه ذلك: أن المنافع تتلف بمضي الزمان. وقد قيل: إذا مضت مدة لمثلها أجرة انفسخ فيها، وهل ينفسخ في الباقي؟ فيه قولاً تفريق الصفقة، والصحيح الأول. قال البندنيجي: فعلى هذا إذا أحضر وأجاز المستأجر العقد، أجازه بالحصة. قال: وإن كان على عمل: أي كخياطة ثوب، أو بناء حائط- لم ينفسخ؛ لإمكان استيفاء المعقود عليه بعد مدة، فإذا قدر عليه طالبه به؛ لقدرته على القيام بالحق المتوجه عليه، ويجيء في هذه الصورة الوجه الذي اختاره الإمام وحكاه عن المراوزة فيما إذا لم يسلم العين حتى مضت مدة يمكن العمل فيها كما حكيناه من قبل؛ إذ لا يظهر فرق بينهما. واعلم أن الموجود في بعض النسخ: وإن هرب المكتري والعقد على منفعة، وفي بعضها: وهو المكري والعقد على منفعة، وعلى هذا يحتاج أن تقدر مع قوله: والعقد على منفعة: وعين ما تستوفي منه المنفعة، وإلا فمجرد هرب المكرى مع وجود ما يستوفى منه المنفعة لا يثبت خيار ولا غيره، وحينئذ يكون قد احترز بقوله: والعقد على منفعة عما إذا ورد العقد على ما في الذمة،

стр. 5389

وسيأتي حكمه]. قال: وإن هرب الجمال وترك الجمال [وفيها فضل] بيع ما فضل أي: عن حق المكتري وأنفق عليها؛ لأنه قد قدر على إنفاق ما تعين عليه من ماله فتعين طريقاً، وكذا ينفق من ثمن الفاصل أجرة من يخدمها كما صرح به الماوردي؛ [و] لأن إخدامها واجب على الآجر كطعمتها. قال الفوراني وغيره: ولا يجوز بيع جميع الجمال؛ خشية أن يأكل ثمنها إذا رأى في ذلك [مصلحة] بخلاف ما إذا لم تكن مستأجرة، والفرق أن هاهنا تعلق حق المكتري بأعيان الجمال، فليس لأحد تفويت منفعته، [والصانع بخلافه؛ قال مجلي: وهذا الفرق ضعيف؛ فإن البيع لا يفوت عليه منفعة؛] إذ البيع لا يفسخ الإجارة. قال: فإن لم يكن فيها فضل اقترض عليه أي: من بيت المال أو من المستأجر أو من غيره؛ لانتهاء الإمكان إليه. والمقترض والبائع هو الحاكم؛ لأنه الناظر في أموال الغائبين، وله أن يدفع ما يقترضه المستأجر لينفقه عليها إن وثق به، سواء كان القرض منه أو من غيره، كما صرح به في المهذب. وحكى القاضي أبو الطيب القولين الآتيين في هذه الصورة، وقال: إذا قلنا: إنه [لا] يجوز فدفعه إليه- كان كمن أنفق بغير حكم حاكم، وذلك موافق لما سيأتي فيما إذا أذن الحاكم للملتقط أن ينفق على اللقيط من ماله: هل يجوز أم لا؟ والمشهور هاهنا ما في المهذب، حتى ادعى الرافعي في باب اللقيط: أنه لم ير سواه، وأبدى الخلاف تخريجاً. وإن لم يثق به دفعه إلى أمين لينفقه، فإذا انتهت مدة الإجارة ولم يحضر الآجر باع الحاكم منها ما يقضي بثمنه ما اقترضه، ويحفظ باقيها، وإن رأى بيع الجميع كي لا تأكل نفسها- فعل. قال: وإن أمر الحاكم المستأجر أن ينفق عليها قرضاً جاز في أصح القولين؛

стр. 5390

لأنه موضع ضرورة؛ إذ قد لا يجد الحاكم غيره، وهذا موافق لما نص عليه الشافعي في أن للقاضي أن يأذن للملتقط أن ينفق على اللقيط من مال نفسه ليرجع، وعلى هذا قال: ويقبل قوله في النفقة بالمعروف أي: وإن نازعه الجمال فيما أنفق؛ لأنه أمين. وحكى الماوردي فيمن المقبول قوله في قدر النفقة في هذه الحالة- ثلاثة أوجه لأصحابنا، أشار إليها الشافعي في الأم. أحدها: أن القول قول المنفق، وهو الأصح في البحر. والثاني: أن القول قول الجمال؛ لأنه غارم. والثالث: أنه يرجع فيه إلى عرف الناس وعادتهم، فإذا وافق ذلك قول أحدهم فهو المعمول به، سواء وافق قول المنفق [أو قول] الجمال أو خالفهما، وهذا اختيار الشافعي. قال: وإن خالف قياس الأصول الموجبة لأحد المذهبين فقد يترك القياس إذا تفاحش إلى ما يكون عدلاً بين الناس. والقول الثاني: لا يجوز؛ ولأنه يؤدي إلى أن يكون مقبول القول فيما يستحقه على غيره كما ذكرنا من قبل، وهذا موافق ما نص عليه الشافعي في أن القاضي لا يأذن لواجد الضالة في الإنفاق عليها من مال نفسه ليرجع على صاحبها، بل يأخذ المال منه ويدفعه إلى أمين، ثم الأمين يدفع إليه كل يوم قدر الحاجة، وسنذكر إن شاء الله في باب اللقيط الفرق بينهما. وإذا تعذر على الحاكم الاقتراض من المستأجر وغيره باع الحاكم من الجمال بقدر الحاجة لينفق عليها من ثمنه، ولا يخرج على الخلاف في بيع المستأجر؛ لأنه محل ضرورة ويبقى في يد المستأجر إلى انتهاء المدة؛ ذكره الرافعي وغيره. قال: وإن لم يكن حاكم، فأنفق وأشهد أي: وشرط الرجوع رجع؛ لأنه حق على غائب؛ فجاز عند الضرورة أن يتوصل صاحبه إليه بحسب المكنة؛ كما يجوز لصاحب الدين الممنوع أن يتوصل إلى أخذه من مال من هو عليه جهراً أو سراً بحكم وغير حكم، وهذا هو الصحيح في تعليق القاضي الحسين. وقيل: لا يرجع؛ لأنه يصير حاكماً لنفسه ليستوفي حقه من مال غيره، وكما لا يرجع مستودع الدابة على ربها بثمن علوفتها، وإن أنفق وترك الإشهاد نظر: إن لم

стр. 5391

ينو الرجوع لم يرجع وإن نواع فوجهان في تعليق القاضي الحسين، فإن اختلفا في نية الرجوع فالقول قول المنفق. وهذا الكلام [قد] يفهم أن الخلاف جار فيما إذا ترك الإشهاد مع القدرة عليه وبدونها كما فهم الرافعي مثله في مسألة المساقاة، والمصرح به في كتب المذهب: أن محلهما إذا لم يقدر على الإشهاد، أما إذا قدر [عليه] فلم يفعله فلا يرجع وجهاً واحداً؛ صرح به مجلي. وقد أحال معظم الأصحاب الكلام في هذه المسألة على ما ذكروه في باب المساقاة فليطلب منه، وقد ألحق الإمام عدم القدرة على إثبات الواقعة عند الحاكم أو عسرها- بحالة عدم الحاكم، وإذا قلنا: يرجع عند عدم الحاكم، فاختلف الجمال والمنفق في قدر المنفعة: قال الرافعي: القول قول الجمال؛ لأن إنفاق المكتري لم يستند إلى ائتمان من جهة الحاكم. وفيه احتمال للإمام من جهة أن الشرع سلطه عليه، وهذا منهما محمول على الرجوع في حالة عدم الإشهاد، أما إذا اعتبرنا الإشهاد فالبينة تقطع الخصومة، وقد قال مجلي في كتاب اللقطة: إنه يجب عليه أن يشهد في كل دفعة. قال: وإن مات أحد المتكاربين والعين المستأجرة باقية- لم يبطل العقد؛ لأنه عقد معاوضة [على ما يقبل النقل] ليس لأحدهما فسخه من غير عذر فلم ينفسخ بموت أحد المتعاقدين كالبيع. قال: وإن هلكت العين المستأجرة في يد المستأجر من غير عدوان- لم يضمن)؛ لأنها عين قبضها ليستوفي منها ما ملكه فلم يضمنها بالقبض، كالنخلة إذا اشترى ثمرتها، ولا يشبه ما إذا اشترى سمناً وقبضه في بستوقة حيث تكون مضمونة في يده على أصح الوجهين في تعليق القاضي الحسين وغيره؛ لأنه أخذها لمنفعة نفسه ولا ضرروة في قبض السمن فيها، والمرجع في العدوان إلى العرف، فلو ربط الدابة في الإصطبل، وماتت- فلا ضمان. ولو انهدم عليها، فهلكت، أطلق الرافعي القول- حكاية عن الأصحاب- بوجوب الضمان. وقال غيره: ينظر: إن كان انهدامه في وقت عهد أن تكون الدابة فيه تحت سقف كجنح الليل في الشتاء والمطر الشديد في النهار- فلا ضمان.

стр. 5392

وإن كان في وقت لا يعهد ذلك فيه، ضمن؛ لأن التلف- والحالة هذه- جاء من ربطها في الإصطبل. ولو ضرب الدابة، أو كبحها باللجام، أو ركضها برجل، فإن فعل من ذلك ما يفعله العامة فلا شيء عليه وإن تعداه ضمن، ويخالف المؤدب إذا ضرب الصغير فمات، أو الزوج وزجته فماتت حيث يضمن بكل حال؛ لأن الآدمي يمكن تأديبه بغير الضرب بخلاف الحيوان؛ فقد حكى الإمام عن العراقيين في كتاب الرهن ما يقتضي أن العلة في ضمان الزوجة أمر آخر، [فإنه حكى أنهم] قالوا: لو قال السيد: اضرب عبدي فضربه ووالى الضرب عليه، فلا ضمان، بخلاف الزوج وإن كان مأذوناً من جهة الشرع في الضرب، وفرقوا: بأن الإذن في ضرب الزوجة مقيد بتوقي القتل وإبقائها والإبقاء عليها، والإذن في مسألة العبد لا تقييد فيه، قال: وكأنهم رأوا الأمر بالضرب أمراً بحسبه بالغاً ما بلغ، وهذا محتمل عندي؛ فإن الضرب يخالف القتل، والأمر به أراه مشعراً بالاقتصار عليه، ومن قتل إنساناً لا يقال ضربه، ولو قال: أدب عبدي فلا [يجوز أن] يشك في أنه لو قتله ضمنه؛ فإن التاديب مصرح بإبقاء المؤدب. فرع: إذا غصبت الدابة المستأجرة مع دواب سائر الرفقة، فذهب بعضهم في الطلب ولم يذهب المستأجر انبنى ذلك على أنه: هل يلزمه الرد عند انقضاء المدة أم لا؟ فإن قلنا: لا يلزمه الرد، لم يضمن. وإن قلنا: يلزمه؛ فإن استرد من ذهب دابته من غير مشقة ولا غرامة ضمن المستأجر المتخلف، وإن لحقتهم غرامة [أو مشقة] فلا ضمان؛ كذا حكاه العبادي في الزيادات. قال: وإن انقضت [مدة] الإجارة لزم المستأجر رد العين وعليه مؤنة الرد)؛ لأنه أذن له في إمساكها؛ لاستيفاء المنفعة من غير استحفاظ ولا إيداع، فإذا انقضت المدة وجب عليه الرد ومؤنته كالمستعير، وهو ظاهر كلام الشافعي، وبه قال الإصطخري. وقال البندنيجي: إنه المذهب، وهو الذي حكاه [القاضي الحسين] عن العراقيين.

стр. 5393

وقيل: يجب ذلك على المؤجر؛ لأنها أمانة في يده؛ فهي كالوديعة. واستغنى الشيخ بجعل مؤنة الرد على المؤجر- على هذا القول- بأن المستأجر لا يجب عليه الرد، بل التخلية؛ لأن المؤنة ملازمة لوجوب الرد، وهذا ما حكاه القاضي الحسين والإمام عن المراوزة، واختاره القفال والقاضي الحسين والغزالي. وقال الماوردي: إنه مذهب الشافعي، ولا وجه لمن خرج من أصحابنا في الإجارة من الرهن وجهاً آخر أن الرد واجب على المستأجر؛ لأن الرهن يغلب فيه حق المرتهن؛ فجاز أن يكون وجوب رده على وجهين، وفي الإجارة يستويان؛ فاختص بها المالك [بحق الملك] وخص القاضي أبو الطيب محل الخلاف بما إذا لم يشترط على المستأجر الرد، أما إذا اشترطه وجب بلا خلاف، ومنعه ابن الصباغ وقال: من لا يوجب الرد عليه ينبغي ألا يجوز شرطه، وهذا ما يقتضيه كلام القاضي الحسين؛ فإنه حكى أن صاحب التقريب فرع على القول الأول إذا شرط الآجر على المستأجر أن يرد الدابة إلى بلد الآجر لزمه الرد، وإن أطلق العقد، وكان المالك معه، رد عليه إذا بلغ الموضع الذي اكترى إليه، وإلا فعليه أن يرده إلى بلده. ثم قال: وهذا عندي غلط، ولا يلزمه الرد إلى بلد المكري، بل إذا بلغ الموضع المقصود، فهي مال غائب، حصل في يده، يسلمه للحاكم، أو يودعه أميناً، وعلى هذا المذهب: إذا شرط الرد بطل العقد؛ لأنه خلاف مقتضاه، لكنه لو خرج لا ضمان. ثم على الخلاف المذكور في الكتاب يتفرع مسألتان إحداهما: إذا أمسك العين المستأجرة بعد انقضاء المدة فتلفت في يده فعلى الأول: يضمن، وعلى الثاني لا ضمان، إلا أن يطالبه المالك بالتمكين منها فيمتنع، وعلى هذه الحالة حمل [ما] قابله النص. الثانية: وجوب الأجرة، فعلى الأول: تجب وإن لم يستعملها، وعلى الثاني: لا. قال الماوردي: ومحل الخلاف في هذه والتي قبلها: إذا لم يكن ثم عذر، أما إذا كان ثم عذر مانع [من الرد] فلا ضمان ولا أجرة، وكذا قاله في المهذب.

стр. 5394

ويلتحق بذلك: ما إذا ردها، فتلفت في الطريق؛ كما صرح به البندنيجي وابن الصباغ. وفي كلام الإمام ما يقتضي خلافه؛ فإنه قال في تضعيف وجه الضمان: ويبعد كل البعد أن يقال: إذا انقضت المدة، وهم المستأجر بالرد، فتلفت العين في يده من غير تقصير – يجب عليه الضمان. ومن أوجبه طرد القول في إثبات الضمان، وألحق العين بعد مدة الإجارة بالمستعار والمأخوذ سوماً. ولا نزاع في أن المستأجر إذا بذل العين للآجر فلم يقبلها: أنها تصير في حكم الوديعة، إلا أن يستعملها؛ ولو ترك الرد عليه بعد الطلب برضا الآجر، بقيت العين في يده عارية يضمنها بالقيمة، ولا يضمنها بالأجرة، صرح به الماوردي. فرع: إذا استأجر قدراً؛ ليطبخ فيها، ثم حملها بعد المدة على حمار ليردها، فسقط الحمار، وانكسرت القدر- قال العبادي في الزيادات: إن كان لا يستقل بحملها الراجل، فلا ضمان [عليه]، وإلا فعليه الضمان؛ لأن العادة أن القدر لا ترد بالحمار مع استقلال الآدمي بحملها. قال: وإن اختلفا في الرد فالقول قول المؤجر؛ لأن الأصل عدم الرد، وقد قبض العين لغرض نفسه؛ فكان كالمستعير، وقيل: القول قول المستأجر، وقد تقدم الكلام في ذلك وما قيل من الفرق بينه وبين الوكيل يجعل في مواضع؛ منها كتاب الرهن. قال: وإن هلكت العين [التي] استؤجر على العمل فيها في يد الأجير أي: من غير تفريط فإن كان العمل في ملك المستأجر أو في غير ملكه والمستأجر مشاهد له- لم يضمن؛ لأن المال غير مسلم إليه في الحقيقة، وإنما استعان المالك به في شغله، كما يستعين بالوكيل والتلميذ، وهذا ما نص عليه في الإملاء. وعن أبي سعيد الإصطخري، وأبي علي الطبري حكاية القولين [الآتيين] في هذه الحالة أيضاً.

стр. 5395

قال: وإن كان في غير ملك المستأجر؛ ففيه قولان: أصحهما: أنه لا يضمن؛ لأنه قبض العين لمنفعته ومنفعة المالك، فلم يضمنها من غير تعد كالعين المستأجرة ومال القراض والرهن، وهذا ما اختاره المزني. والقول الثاني: أنه يضمن؛ لقوله ﷺ "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ"؛ ولأنه أخذ العين لمنفعة نفسه من غير استحقاق فأشبه المستعير والمستام؛ ولأن الأجرة ترجع إليه فوجب أن يكون الضمان عليه، كما لو أجر دابة فتلفت تحت يد مستأجرها، فعلى هذا حكمه في الضمان حكم المستعير والمستام، ففي وجه [عند العراقيين]: يضمن القيمة وقت التلف. وفي وجه: يضمن ضمان الغصوب، وهو اختيار أبي حامد كما حكاه في البحر، ولا شك في ضمان الحر. وهذه الطريقة هي الصحيحة، وعليها يدل قول الشافعي في المختصر. والأجراء كلهم سواء؛ فما تلف في أيديهم من غير جنايتهم ففيه واحد من قولين: أحدهما: الضمان؛ لأنه أخذ الأجرة. والقول الآخر: لا ضمان إلا بالعدوان، ومن الأصحاب من قطع بالقول الأول؛ لما حكي عن الربيع أنه قال: كان الشافعي يرى أن الأجراء لا يضمنون، غير أنه كان لا يبوح به؛ مخافة [من] أجراء السوء، وأن القاضي يقضي بعلمه غير أنه كان لا يبوح به؛ مخافة قضاة السوء. وروى الحارث أن الشافعي سلم لقصار ثياباً مرتفعة فاحترق دكان القصار، واحترقت الثياب، فتشفع القصار إليه بقوم في الصبر عليه إلى أجل، فقال: لا أضمنه شيئاً؛ لأنه لم يصح عندي أن الصناع يلزمهم الضمان؛ كذا حكاه في البحر والقائل بهذا الطريق حمل قوله في المختصر: "ففيه واحد من قولين" على ترتيب من يفصل بين أن يتلف الشيء في يده بفعله من غير تعد، وبين أن يتلف بآفة سماوية، وهو أبو حنيفة؛ فإنه لا وجه إلا الضمان مطلقاً أو عدمه مطلقاً. وقد استدل المزني على ما اختاره بثلاثة أشياء:
следующие страницы →