Полный текст (9 685 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.
стр. 5566
النص] "وقيل: لا يجوز"؛ إذ لا ولاية [له] على المالك، ويخالف الحاكم؛ لأنه مرصد للمصالح وهذا منها، وهو أظهر عند البغوي.
وهذا كله فيما إذا كان زمن أمن، أما إذا كان زمن الفساد والنهب فيجوز التقاطها- كما سيأتي- فيما لا يمتنع من صغار السباع، ذكره المتولي وغيره، وألحق الماوردي بذلك ما إذاعرف مالكها فأخذها ليردها إليه، وأنها تكون أمانة في يده إلى أن يردها إليه مع حكاية الخلاف السابق عند عدم معرفته.
قال: "وإن كان مما لا يمتنع" أي: من صغار السباع "كالغنم وصغار الإبل والبقر، جاز التقاطه" أي: للحفظ والتملك؛ لقوله ﷺ في حديث زيد بن خالد لما سئل عن الغنم: "هي لك [أو] لأخيك أو للذئب"؛ فثبت فيها بالنص، وقيس الباقي عليها، وفي معنى ما ذكر: الكسير من كبار الإبل.
قال: فإن التقطه فهو بالخيار بين أن يحفظها على صاحبها ويتبرع بالإنفاق عليها، وبين أن يعرفها سنة ثم يتملكها، وبين أن يأكلها ويغرم قيمتها إذا جاء صاحبها أو يبيعها في الحال" أي بأن ينقلها إلى بلد "ويحفظ ثمنها على صاحبها، ويعرفه سنة ثم يتملكه"؛ لأنه إذا لم يفعل ذلك، فاستبقى الحيوان غير متبرع بنفقته، احتاج إلى نفقة دائمة تذهب قيمة الحيوان وغيرها، وفي ذلك إضرار بالمالك.
وفي "الحاوي": أن له أن يتملكها في الحال ويستبقيها، كما له أن يأكلها.
وحكى وجهاً عن الأصحاب: أنه إذا أراد أن يستبقيها في يده أمانة لا يجوز ويضمنها؛ لأنإباحة أخذها مقصور على الأكل المؤدي للضمان دون الائتمان.
وعلى المذهب: إذا استبقاها، ثم عن له تملكها بالإنفاق عليها، ولا حمى للمسلمين، فلينفق بإذن الحاكم إن أراد الرجوع، [فلو لم يستأذنه] مع القدرة، لم يرجع، وإن لم يقدر على إذنه فأنفق ولم يشهد لم يرجع، وإن أشهد واشترط الرجوع فهل يرجع؟ فيه وجهان في "الحاوي"، وقد يطلب [الفرق] على هذا
стр. 5567
بين هذه المسألة وبين ما إذا أنفق مؤنة التعريف؛ فإن الماوردي حكى في رجوعه عند الإشهاد مع وجود الحاكم وجهين، وهل يجوز بيع جزء منها لنفقة الباقي؟
قال الإمام: نعم؛ كما يباع جميعها.
وحكى عن شيخه احتمالاً: أنه لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى أن يأكل بقيتها، وهذا ما أورده أبو الفرج الزاز، وإن كان ثم حمى وأنفق فهو متبرع.
فرع: إذا تملكها، ثم نوى أن يسقط [عنه] ملكه ويحفظها على مالكها، لم يسقط عنه الضمان، وهل يزول ملكه عنها؟ فيه وجهان في "الحاوي".
فإن قلنا: لا يزول، أو: لم يقصد حفظها لمالكها، ثم أفلس كان صاحبها أحق بها من الغرماء، وإذا اختار الأكل فأكل فظاهر كلام الشيخ: أنه لا يجب التعريف بعده كما هو ظاهر النص.
وبه قال بعض الأصحاب، وصححه القاضي الحسين. وحكي وجه آخر: أنه يجب، وأجري في وجوب إفراز القيمة من ماله بعد الأكل، كما سنذكره.
قال: "فإن وجد في البلد" أي: ما يمتنع من صغار السباع وما لا يمتنع منها "فهو لقطة يعرفها سنة"؛ لفقد ما أشار إليه النبي ﷺ من العلة وهي الاستقلال؛ لأن الصغار والكبار يخاف عليها في البلد، ولأن البهائم في العمران لا تهمل،
стр. 5568
وفي الصحراء [قد] تهمل وتسرح؛ فيحتمل أن صاحبها لم يصلها، وهذا هو الأصح، وبه قال أبو إسحاق. وحكم القرية وما جاورها حكم البلد.
قال: "إلا أنه إذا وجدها في البلد لا يأكل"؛ لإمكان البيع، "وفي الصحراء يأكل" أي: ما يجوز له التقاطه وهو مما لا يمتنع؛ لتعذر بيعه إلا بمشقة تحصل بسبب نقلها إلى البلد.
قال: "وقيل هو كما لو وجده في الصحراء لا يأخذ الممتنع، ويأخذ غير الممتنع"؛ لعموم الخبر، إلا أنه ليس له الأكل في البلد، وله الأكل في الصحراء، وهذا قد أثبته بعضهم وجهاً، وبعضهم قولاً.
وحكى عن القاضي أبي حامد حكاية طريقين آخرين:
أحدهما: القطع بالأول.
والثاني: القطع بالثاني.
وعنه: أنه يجوز الأكل في البلد أيضاً؛ قياساً على ما يتسارع إليه الفساد.
وعن صاحب "التقريب" وجه: أن ما لا يمتنع لا يلتقط في العمران؛ لأن الحيوان لا يكاد يضيع.
فرع: صغار ما لا يؤكل: كالجحش والفلو، يجوز التقاطها، وحكمه في الإمساك والبيع حكم المأكول، وهل يجوز تملكها في الحال؟ فيه وجهان:
أحدهم: نعم، كما يجوز أكل ما [لا] يؤكل.
وأصحهما: المنع؛ لأن الشاة إنما جاز أكلها للحديث.
قال: "وإن كان ما وجده مما لا يمكن حفظه كالهريسة وغيرها" أي: ما يتسارع إليه الفساد [كالشواء والبطيخ] والخيار "فهو مخير بين أن يأكل وبين أن يبيع" كما سبق في الغنم، والبيع أولى، فإن أكل عزل قيمته مدة التعريف وعرف، [أي: اللقطة] "سنة" أي: إذا كان في البلد، ثم "يتصرف فيها"؛ لأنه ليس له أن يتصرف في اللقطة قبل الحول، فإذا أكل أقيمت القيمة مقامها.
стр. 5569
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه الذي يعزل القيمة، فإذا عزلها صارت ملكاً لصاحب اللقطة، فإن تلفت من غير تفريط لا ضمان على الملتقط، كما صرح به القاضيان أبو الطيب والحسين وغيرهما.
وفي "الرافعي": أنه يرعف الأمر إلى الحاكم ليقبض عن صاحب المال.
وقال في "الإشراف": أنه الوجه المنقاس.
فإن لم يجد حاكماً فهل للملتقط بسلطان الالتقاط أن ينيب عنه؟ فيه احتمال للإمام. وإذا فرزها، قال الغزالي: لم تصر ملكاً لصاحب المال، لكن هو أولى بتملكها، ويقدم بها عند إفلاس الملتقط. وفي ذلك نظر؛ لأنه لو كان كذلك لما سقط حقه بهلاك القيمة المفروزة، وقد نص على السقوط وعلى أنه إذا مضت مدة التعريف كان له أن يتملك تلك القيمة، وهذا يقتضي صيرورتها ملكاً لصاحب اللقطة.
стр. 5570
قال: "وقيل: يعرف، ولا يعزل القيمة"؛ لأن البلد إذا لم يعزل مرض، وإذا عزل أماننة، والقرض- لأنه في الذمة- لا يخشى هلاكه، وهذا قول أبي إسحاق، وهو الأظهر في "الرافعي".
أما إذا كان في الصحراء، فقد قال الإمام: الظاهر أنه لا يجب التعريف؛ لأنه لا فائدة فيه في الصحراء.
وإذا تأخر بعد العثور على المستحق فقد حكى القاضي الحسين قولاً في عدم وجوب التعريف؛ أخذاً من عدم وجوبه في الشاة في الصحراء، ثم قال: والصحيح الفرق، وهو أن الطعام يمكن تعريفه حيث وجد، بخلاف الشاة في المفازة.
وحكي قول آخر قال به أبو إسحاق وابن أبي هريرة وطائفة: أنه لا يجوز له الأكل في البلد، بل يبيع؛ لأن البيع متيسر في العمران.
والأول أرجح عند عامة الأصحاب، ومنهم من قطع به كالشيخ.
وحكى الماوردي أن أبا علي الطبري حمل القولين على اختلاف، وقال: إن تيسر البيع فلا يأكل، وإلا فيأكل.
وقال الصيمري: إن كان الآخذ فقيراً أكل، وإن كان غنياً لم يسغ الأكل.
ولا خلاف أنه إذا لم يقدر على البيع جاز له الأكل، قاله القاضي الحسين.
فرع: إذا اختلفت القيمة يوم الأخذ ويوم الأكل ففي بعض الشروح: أنه إن أخذ للأكل غرم قيمته يوم الأخذ، وإن أخذ للتعريف اعتبر قيمته يوم الأكل.
قال: وإذا أراد البيع رفع إلى الحاكام لولايته، فإن لم يكن حاكم باع بنفسه وحبس ثمنه؛ لأنه موضع ضرورة، فلو باع بنفسه مع وجود الحاكم فأظهر الوجهين- وبه قال أبو حامد وأبو الطيب في "تعليقه"-: أنه لا يجوز، بل لابد من استئذانه.
ووجه الثاني: أن الملتقط ناب عن المالك في الحفظ؛ فكذلك في البيع. وهذا الترتيب في الخلاف يجري في كل موضع جوزنا فيه بيع اللقطة كما نبه عليه الرافعي.
стр. 5571
وفي "الحاوي": أن قول المنع هنا لا يأتي في واجد الشاة؛ لأن يده على الشاة أقوى لما استحقه عاجلاً من أهلها.
فرع: لو حضر المالك في زمن الخيار كان له فسخ البيع وجهاً واحداً لبيعها في حقها؛ كالوكيل، قاله الماوردي.
قال: وإن كان ما وجده [مما يمكن حفظه] كالرطب، فإن كان الحظ في بيعه باعه، وإن كان [الحظ] في تجفيفه جففه إحرازاً للحفظ، ولو احتاج إلى بيع البعض لأجل التجفيف باعه.
فروع:
إذا وجد كلباً يقتنى فهل يجوز التقاطه لغير الحفظ؟
الذي مال إليه الإمام: لا؛ لأن الاختصاص به بالعوض ممتنع، ولا بعوض يخالف وضع اللقطة.
وقال أكثرهم: يعرفه سنة ثم يختص به وينتفع، فإن ظهر صاحبه بعد ذلك وقد تلف لم يضمنه، وهل عليه أجرة المثل لمنفعة تلك المدة؟ فيه وجهان؛ بناء على إجارته، وجعل ابن الصباغ الانتفاع به مخرجاً على [جواز] إجارته.
ولو وجد خمراً أراقها صاحبها، فأخذها، قال في "المهذب": لم يلزمه تعريفها، وإذا صارت عنده خلا فهل هو للمريق أو الآخذ؟ فيه وجهان، الوجه الثاني: كون المريق أسقط حقه منها، بخلاف الغصب؛ فإنه حينئذ مأخوذة بغير رضاه.
стр. 5572
وجزم الرافعي بأن المحترمة إذا ضاعت من صاحبها، بأنها تعرف كالكلب.
ولو ضاعت اللقطة من الملتقط، فوجدها غيره أطلق الجمهور: أن الأول أحق بها.
وقيل: الثاني أحق إذا لم يكن الأول قد تملكها، حكاه ابن كج.
ولو تماشى اثنان، فرأى أحدهما لقطة، فقال الآخر: ناولنيها، فأخذها لنفسه، كان هو الملتقط، وإن أخذها للآمر فوجهان بناءً على جواز التوكيل في الاحتطاب والاحتشاش. والله أعلم.
стр. 5573
باب اللقيط
اللقيط، والملقوط، والمنبوذ، والمدعى: اسم للطفل الذي يوجد مطروحاً، وهو "فعيل" بمعنى "مفعول"؛ كقتيل، ورهين، ودهين، وخصيب. وسمى لقيطاً؛ لأنه يلتقط، ومنبوذاً؛ لأنه ينبذ، ويرمى.
وأصل الالتقاط: وجود الشيء على غير طلب.
وهو في الشرع: دفع صبي لا متعهد له للقيام بحضانته.
فمن هو مستغن عن الحضانة محتاج إلى الكفالة كالمميز، لا يدخل في ذلك، وللإمام احتمال في جواز التقاطه.
وقربه بعضهم من منع التفرقة بينه وبين أمه، إلحاقاً بغير المميز، وهو ما اقتضاه كلام القاضي الحسين عند ازدحام شخصين على الالتقاط؛ حيث قال: يقرع بينهما، سواء كان ابن سبع، أو أقل، أو أكثر، وحكاه البندنيجي عن الشافعي في "الأم". وقال الرافعي: إنه الأوفق لكلام الأكثرين.
فعلى هذا ينبغي أن يقال: هو في الشرع أخذ صبي لا متعهد له للقيام بترتبيه.
قال: [و] التقاط المنبوذ فرض على الكفاية"؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] فوجبت المعاونة على كفالة الطفل؛ لأنها من البر والتقوى، ولأنه آدمي له حرمة فوجب حفظه؛ كالمضطر إلى طعام الغير، بل أولى؛ لأن البالغ ربما احتال لنفسه، والطفل لا حيلة له. فعلى هذا إذا التقطه أهل الحضانة سقط الفرض عمن علم به، وإلا أثم من علم به من أهل تلك الناحية.
قال: "فإذا وجد لقيط حكم بحريته" أي: ظاهراً لما روى [الزهري] أن رجلاً من بني سليم يقال له أبو جملية وجد منبوذاً، فأتى به عمر، فقال له عمر: ما حملك على أخذ هذه النسمة؟ فقال: وجدتها، ضائعة؛ فأخذتها، فقال عريفه:
стр. 5574
يا أمير المؤمنين، إنه رجل صالح، فقال: كذا؟ قال: نعم، فقال عمر- ﵁: [اذهب] فهو حر، ولك ولاؤه، وعلينا نفقته. فحكم عمر- ﵁ بحريته، و"العريف" في الحديث المراد به: المعرف الذي قال: هو رجل صالح.
وقول عمر- ﵁: "ولاؤه"، المراد به: ولايته التربية والحضانة، لا ولاية الإعتاق، ولأن الرق طارئ والحرية أصل؛ فكان الحر في الظاهر على حكم الأصل أولى.
وفي "الحاوي" حكاية قول آخر عن الشافعي: أنه مجهول الأصل؛ لإمكان رقه وحريته، وهذا ما أبداه الإمام تخريجاً.
قال: فإن كان معه مال متصل به، أو تحت رأسه فهو له؛ لأن ذلك منسوب إليه فحكم بأنه له؛ كالبالغ؛ لأن الصبي يملك كما يملك البالغ.
وصورة ذلك: أن تكون عليه حلي، أو ثياب ملبوسة أو ملفوفة عليه أو مفروشة تحته، أو دراهم أو دنانير مربوطة في ذيله، أو في السفط الذي هو فيه، أو منثورة عليه، أو كان على دابة أو على الأرض وعنانها بيده، أو مربوطاً برجله [أو ثيابه]، أو كان في خيمة، أو في دار لا يعرف مالكها فليس فيها غيره، وكل ما على الدابة التي حكمنا بكونها له، فلو كان عليها شخصان كانت بينهما، ولو كان في ضيعة أو بستان ليس فيه غيره فهل يحكم [بكونه] له؟ فيه وجهان في "الحاوي"؛ لأن ذلك لا ينسب إلى السكنى، بخلاف الدار.
ولو كان تحت بساطه الذي هو جالس عليه دراهم فهل تكون له؟ فيه وجهان في "الحاوي"، والمذكور في "النهاية": أن حكمه حكم الفراش.
قال: وإن كان مدفوناً تحته [لم يكن له؛ كالبائع لا يحكم بكون ما هو مدفون تحته]، وكذا لو كان بالبعد منه لا يحكم بكونه له. ثم إطلاق الشيخ
стр. 5575
يقتضي أنه لا فرق [في المدفون] بين أن يكون قريباً بحيث يكون بينه وبين الطفل بقدر ما بينه وبين المال الذي يعد قريباً منه، أو لا، ولا بين أن يكون في ثوب اللقيط رقعة تدل على ما تحت اللقيط مدفوناً له أو لا، وقد حكى الإمام في حالة القرب ووجود الرقعة وجهين، أظهرهما في "الوسيط": اتباع ما فيها، ثم قال الإمام: وليت شعري، من عول على الرقعة، ما قوله إذا أرشدت إلى دفن بعيد، وإلى دابة مربوطة بالبعد؟ وفيه تردد ظاهر.
قال: "وإن كان بقربه، فقد قيل: هو له"؛ كما لو كان بقرب البالغ، فادعاه فإنه يكون له، كما حكاه المتولي وغيره وهذا قول ابن أبي هريرة.
[قال]: "وقيل: ليس له"؛ لأن يده لا تثبت إلا على ما كان متصلاً به، وهو ظاهر النص، والأصح في التهذيب وغيره، وبه جزم القاضي أبو الطيب، وقال: ويفارق البالغ، لأن البالغ يراعيه؛ فتثبت يده عليه بالمراعاة، والصبي لا يتصور المراعاة منه؛ فوزانه من البالغ: أن يكون المال بعيداً منه بحيث لا يمكنه مراعاته؛ فإنه لا يكون تحت يده.
وعكس الماوردي الفرق فقال: ما بقرب البالغ لا يحكم بكونه له، بخلاف الصبي؛ لأن الكبير يقدر على إمساك ما يفارقه من مال أو فرس، فإذا لم يفعل ارتفعت يده؛ فزال الملك، والصغير يضعف عن إمساك ما يفارقه؛ فجاز أن ينسب إليه ملكه، وأنه في حكم ما بيده.
قال: "وإن وجد في بلد المسلمين" أي: سواء خطه المسلمون: كبغداد، والبصرة، والكوفة، أو [لم] يخطوه، لكنهم فتحوه: إما صلحاً على أن تكون رقبته لنا أو لهم وعليهم الجزية، وإما عنوة وتركناهم فيه بالجزية.
قال: وفيه مسلمون، أو في بلد كان لهم ثم أخذه [الكفار]، أي: وفيه مسلمون- كطرسوس، والمصيصة- فهو مسلم، أي: محكوم بإسلامه ظاهراً؛ لأن المسلمين إن كانوا أكثر فالظاهر أنه منهم، والحكم يتبع الظاهر.
стр. 5576
وإن كان الأكثر خلافهم فهو متردد بين أن يكون مسلماً أو كافراً، والدار دار الإسلام، فغلبناه؛ لعلوه وانحطاط غيره عنه.
وقال الإمام في الثانية: يجوز أن تجري هذه الدار مجرى دار الكفر؛ لغلبة الكفر عليها.
أما إذا أخذ الكفار بلد المسلمين، ولم يبق فيه من يتظاهر بالإسلام فهو كافر – كما سنذكره في بلد الكفار- نص عليه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما.
وعن أبي إسحاق: أنه مسلم؛ لأن الدار دار إسلام، وربما يبقى فيها من يكتم إسلامه [أو إيمانه].
قال: وإن وجد في بلد فتحه المسلمون ولا مسلم فيه، أو في بلد الكفار ولا مسلم فيه فهو كافر؛ لأن حكم الإسلام إنما يغلب في حالة الاحتمال، ولا احتمال في هذه الحالة، وادعى الإمام: أن أئمتنا لم يختلفوا في الأولى، وعدم الاختلاف في الثانية الأولى.
وفي "التتمة" حكاية وجه مخرج فيما إذا وجد في بلد فتحه المسلمون، وأقر الإمام أهلها فيها على خراج يؤدونه: أنه يكون مسلماً؛ لجواز أن يكون فيها مسلم لم يظهر إسلامه.
قال: وإن وجد في بلد الكفار وفيه مسلمون، فقد قيل: هو مسلم؛ تغليباً للإسلام، كما ذكرنا، [وهذا قول ابن أبي هريرة، وهو ظاهر كلام الشافعي، كما قال الماوردي].
وقيل: هو كافر؛ تغليباً لحكم الدار، ولا فرق عند الفوراني بين المجتاز والمقيم من المسلمين في ذلك [البلد]، وأنه لو نفى من في البلد المسلمين اللقيط عنه، لا ينتفي الإسلام عنه، بل يحكم بإسلامه، وفي "تعليق" القاضي الحسين وغيره فرض المسألة في التجار الساكنين والأسارى، ورأى الإمام ترتيب الخلاف في الأسارى على التجار، [وأنه] يشبه أن ذلك في قوم
стр. 5577
مَسْبِيِّين؛ لأنهم ممنوعون في الخروج من البلدة، وأما المحبوسون في المطامير فيتجه ألا يكون لهم أثر؛ كما لا أثر [لطروق العابرين من المسلمين].
فرع: حيث حكم على اللقيط بأنه كافر، فلو كان أهل البقعة أصحاب ملك مختلفة، قال الرافعي: فالقياس أن يجعل من خيرهم ديناً.
ثم إذا حكمنا بكونه مسلماً: فإن كان لكونه وجد في بلد المسلمين ولا كافر فيه، فهو مسلم ظاهراً وباطناً، وإن كان لكون فيه مسلمون وكفار، فهو محكوم بإسلامه في الظاهر، دون الباطن؛ قاله الماوردي.
تنبيه: كلام الشيخ يقتضي أن البدل متى كان فيه مسلمون كان اللقيط مسلماً، وأنه إذا لم يكن فيه مسلم أنه لا يكون مسلماً- قد يوهم أنه إذا وجد فيه مسلم واحد يكون في موضع النظر أو يكون فيه خلاف، وقد صرح القاضي أبو الطيب وغيره من العراقيين والمراوزة بأنه ملحق بما إذا كان فيه مسلمون.
قال: "فإن التقطه حر أمين مسلم مقيم، أقر في يده"؛ لقصة أبي جميلة مع عمر، وقد ادعى الإمام أن ذلك مجمع عليه، وأنه لا يحتاج إلى مراجعة الإمام في ابتداء الأخذ ولا في دوامه، كما في أخذ اللقطة.
ولأنه لابد له من أن يكون في يد من يكفله، فكان الملتقط أحق به.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون الملتقط غنياً أو فقيراً، وفي كلام الشيخ من بعد ما يدل عليه.
وفي "المهذب" حكاية وجه: أنه لا يقر في يد الفقير؛ لأنه لا يتفرغ للحضانة لاشتغاله بطلب القوت.
قال: ويستحب أن يشهد عليه وعلى ما معه، وقيل: يجب [ذلك]، وتوجيههما ما تقدم في اللقطة، وقد أثبت بعضهم هذا الخلاف وجهين، وبعضهم قولين بالنقل والتخريج؛ لأنه نص هنا على الوجوب، وفي اللقطة على الاستحباب.
стр. 5578
ومنهم من أقر النصين، وهو الأظهر في "الرافعي"، وفرق بأن القصد من اللقطة المال والإشهاد في التصرفات المالية مستحب، وفي اللقيط يحتاج إلى حفظ الحرية والنسب؛ فوجب الإشهاد؛ كما في النكاح.
وأيضاً: فاللقطة يشيع أمرها بالتعريف، ولا تعريف في اللقيط.
وحكى الإمام وجهاً فارقاً بين أن يكون الملتقط ظاهر العدالة؛ فلا يكلف الإشهاد، أو مستورها؛ فيكلف؛ ليصير الإشهاد قرينة تغلب على الظن الثقة به، وهذا الوجه قريب الشبه من وجه حكيناه في عدم وجوب الإشهاد على أخذ الراهن الرهن؛ لينتفع به إذا كان ظاهر العدالة.
ثم إذا أوجبنا الإشهاد فلم يفعله، قال في "الوسيط": لا تثبت له ولاية الحضانة، ويجوز الانتفاع.
قال الرافعي: وهذا يشعر باختصاص الإشهاد الواجب بابتداء الالتقاط، وفيما ادعاه من الإشعار نظر.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أن للملتقط ولاية حفظ مال اللقيط كما له حفظ نفسه، وهو وجه حكاه الإمام مع وجه آخر: أنه يتعين عليه رفعه إلى القاضي؛ لأن إثبات اليد على المال يفتقر إلى ولاية عامة أو خاصة، ولا ولاية للملتقط، وإيراد البغوي يقتضي ترجيح الأول، وبه جزم الماوردي؛ حيث قال: لو كان الملتقط أميناً عليه [وعلى] ما معه فيقران في يده، وهل يكون للحاكم عليه نظر أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما- وهو قول أبي علي الطبري-: لا نظر له عليه، ولا اجتهاد له فيما إليه؛ كما لا نظر له في اللقطة على واجدها إذا كان أميناً.
والثاني- وهو قول أبي علي بن خيران-: للحاكم عليه في المنبوذ نظر، وله في كفالته اجتهاد؛ لأنه الولي على الأطفال، [وخالف] اللقطة؛ لأنها كسب.
فإن قيل: هذا عين الخلاف الذي حكاه الإمام؛ فلا جزم.
قلت: لو كان كذلك للزم أن يكون في الافتقار إلى إذن القاضي في استمرار المنبوذ في يد ملتقطه خلاف، وقد ادعى الإمام الإجماع على عدم اعتباره، لكن
стр. 5579
يظهر أن المراد من الخلاف: أن اثنين لو التقطا، وتنازعا هل يقرع بينهما؟
وللقاضي مدخلفي ذلك فيرجح واحداً بالاجتهاد، كما قال مثل ذلك في مقاعد الأسواق كما حكيته عنه من قبل.
ويؤيده: أنه حكي عن ابن خيران أن عند تنازع الملتقطين في حضانته أن القاضي يرجح أحدهما.
فإن قيل: قد حكى الماوردي وجهين في أن الملتقط هل يكون خصماً فيما نوزع فيه اللقيط من أمواله أم لا، وذلك يدل على أن الخلاف في ثبوت أصل ولايته.
قلت: لا منافاة في ثبوت ولاية الحفظ وعدم المخاصمة، فإن المودع تثبت له ولاية الحفظ، وليس له المخاصمة على الأصح.
قال: فإن كان له مال كان نفقته في ماله؛ لأنه لو كان في حضانة أبيه الموسر، وله مال كانت نفقته في ماله؛ فهنا أولى.
قال: ولا ينفق عليه الملتقط من ماله بغير إذن الحاكم، [أي]: إذا أمكن؛ لأن الذي يلي التصرف في مال الطفل بغير تولية أبوه وجده، وأما ما عداهما من العصبات فليس له ولاية وإن كان حاضناً؛ فالملتقط أولى، وهذا ما ادعى الإمام نفي خلافه، وكذلك الماوردي، وقال: سواء قلنا: إن للحاكم عليه نظراً أم لا.
وفي الجيلي: أن في "الحاوي" حكاية وجه: أن له أن ينفق بغير إذن الحاكم.
قال: فإن أنفق [عليه من] غير إذنه، ضمن؛ لتصرفه في مال الغير بغير إذنه؛ فأشبه ما لو كان للطفل مال مودع عند إنسان، فأنفق عليه منه بغير إذن وليه؛ فإنه يلزمه الضمان.
وفي كتاب ابن كج وجه غريب: أنه لا يصير ضامناً.
стр. 5580
قال: فإن أذن له الحاكم، جاز؛ لأنه أمين، فإذا فوض إليه الحاكم، الإنفاق صار ولياً؛ كالوصي، وهذا ما جزم به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ"، وقيل فيه قولان:
أصحهما: أنه يجوز كما ذكرناه.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه يكون قابضاً من نفسه ومقبضاً، وذلك ليس لغير الأب والجد.
قال الإمام بعد حكايته هذا الوجه عن العراقيين: وهذا لا أعرف له وجهاً، ولا آمن أن يكون غلطة من الناسخ.
قلت: قد يظهر وجهه على طريق من أوجب على الملتقط تسليم المال إلى الحاكم؛ فإنه إذا وجب كان في إنفاقه إسقاط لذلك الواجب فيتحد القابض والمقبض، لكن قد قلنا: إن الآجر لو أذن للمستأجر في صرف الأجرة في العمارة، جاز، ولم يخرج على اتحاد القابض والمقبض، وهذا أولى.
وعلى هذا قال الماوردي: ففي كيفية ما يفعل وجهان:
أحدهما: أنه يؤخذ من مال المنبوذ [القدر] الذي ينصرف في نفقته، ويدفع إلى أمين، يتولى شراء ما يحتاج إليه المنبوذ من طعام وكسوة، ثم يدفعه للملتقط حتى يطعمه ويكسوه؛ لأنه أحوط.
والثاني: يأخذ قدر النفقة، ثم يدفع إلى الملتقط؛ ليتولى شراء ذلك بنفسه؛ لما فيه من حق الولاية عليه.
قال: "وإن لم يكن حاكم، فأنفق من غير إشهاد، ضمن؛ لأنه ترك الاحتياط".
стр. 5581
وفي "النهاية" وجه: أنه لا يضمن؛ فيجوز أن يكون عند تعذر الإشهاد، ويجوز أن يكون مع القرة عليه، وإلى ذلك أشار الرافعي بقوله: وفيه وجه: إما مطلقاً، وإما عند تعذر الإشهاد؛ كما ذكرنا في مسألة الجمال.
قال: وإن أشهد ففيه قولان، وقيل وجهان:
أحدهما: يضمن؛ لأنه أنفق بغير إذن معتبر، فكان كما لو أنفق مع وجود الحاكم؛ فعلى هذا: يدفع المال إلى أمين لينفقه عليه.
"والثاني: لا يضمن"؛ لأنه محل الحاجة؛ فإنه لا يجوز تضييع الصبي به، وهو أحق به من سائر الناس، وهذا أصح، وبه جزم المتولي.
قال القاضي الحسين: وهذا الخلاف كالخلاف فيما لو هرب الجمال، فأنفق المستأجر على الجمال بمحضر الشهود دون إذن الحاكم. ثم قال: ويمكن أن نفرق بأن هناك يريد أن يرجع على [الغير بمال؛ فلم يجز له ذلك، وفيما نحن فيه ليس يريد أن يرجع على] أحد بشيء.
وفي "الحاوي": أن من أصحابنا من جعل المستأجر يرجع، وجعل الملتقط ضامناً؛ لأن المستأجر مضطر إلى استيفاء حقه، وليس الملتقط مضطراً إلى التقاطه. ثم قال: وهذا لا وجه له؛ لأنه ربما وجده ضائعاً في مهلكة فلزمه أخذه.
وعلى الأصح قال مجلي: يجب أن يشهد في كل مرة.
قال: "فإن لم يكن له مال وجبت نفقته في بيت المال" أي: من سهم المصالح- كما صرح به الإمام وغيره- لقول عمر في خبر أبي جميلة: "لك ولاؤه وعلينا نفقته".
وقد روي أن عمر- ﵁ استشار الصحابة في نفقة اللقيط، فأجمعوا على أنها في بيت المال، كما حكاه القاضي الحسين والإمام. ولأن البالغ المعسر ينفق عليه من بيت المال؛ فاللقيط العاجز أولى.
قال: "فإن لم يكن في بيت المال شيء" أي: أو كان ولكن ثم ما هو أهم [من ذلك كسد ثغر] يعظم ضرره لو ترك "ففيه قولان:
стр. 5582
أحدهما: يستقرض له في ذمته" أي: من المسلمين؛ كالمضطر إلى الطعام يجبر من هو معه على دفعه ببدله، وهذا ما قال به الأكثرون كما حكاه أبو الطيب. فعلى هذا: لو امتنع أهل تلك البلدة من الإقراض، حصرهم الحاكم، وأحصى نفسه معهم، وقسط نفقته عليهم بالحصص، ثم ينظر:
فإن حصل في بيت المال شيء قبل بلوغ اللقيط ويساره، قضاه منه.
قال القاضي أبو الطيب: لأنه لما وجب الإنفاق عليه منه ابتداء، وجب القضاء منه في الثاني؛ كما نقول في ماله. وهذا يوهم أن القضاء يكون من سهم المصالح؛ لأنه ابتداء يجب فيه، وليس الأمر كذلك؛ بل القضاء يكون من سهم الفقراء والمساكين والغارمين؛ لأنه دين ثبت في ذمة اللقيط على هذا القول.
ولو بان رق اللقيط أو غناه، رجع على سيده أو في ماله.
وكذا لو اكتسب قبل حصول شيء في بيت المال، قضى ما أقرض له من كسبه.
ولو حصل لبيت المال واللقيط مال دفعة واحدة، قضى من مال اللقيط.
قال: "والثاني: يقسط على المسلمين من غير عوض؛ لأنه آدمي محتاج له حرمة وقد عجز عن نفقته فكانت على المسلمين؛ كنفقة المجنون والفقير الزمن، وهذا ما يقتضي إيراد الغزالي ترجيحه".
فعلى هذا: إن قام بها البعض، اندفع الحرج عن الباقين، وإن امتنعوا طالبهم الإمام، فإن أصروا قاتلهم؛ فإن تعذر الإنفاق، استقرض على بيت المال، وأنفق عليه.
ثم حيث قلنا بالتقسيط فذاك عند إمكان الاستيعاب، أما إذا كثروا وتعذر التوزيع عليهم، قال الإمام: يضربها الإمام على من يرى منهم باجتهاده، فإن استووا في نظره تخير.
وحكى الإمام: أن هذا الخلاف يجري فيمن أنفق على فقير مضطر بالغ
стр. 5583
بأمر الإمام عند خلو بيت المال عن مال، ولم يقصد المنفق تبرعاً هل يرجع به على بيت المال أم لا؟
وأما الفقير إذا أيسر، فلا يرجع عليه بحال، وما ذكره المصنف هو طريقة أبي إسحاق المروزي، والشيخ أبي حامد والقاضي أبي الطيب، وابن الصباغ، ووراءها طريقان:
أحدهما: ذكر في "المهذب" و"الحاوي": أن اللقيط إذا لم يكن له مال ففي نفقته قولان:
أحدهما: أنها في بيت المال، وهو الأصح، فعلى هذا لا يرجع على أحد بما أنفق.
والثاني: لا يجب في [بيت] المال؛ لجواز رقه أو حريته، وله مال أو قريب موسر تلزمه نفقته؛ فتكون على سيده وفي ماله وعلى قريبه، وبيت المال لا يلزم فيه إلا ما لا وجه له سواه.
فعلى هذا: يجب على الإمام أن يقرض له ما ينفق عليه من بيت المال أو من أحد من المسلمين، فإن لم يمكن جمع الإمام من له مكنة، وعد نفسه منهم، وقسط نفقته عليهم، فإن بان عبداً أو له قريب أو مال رجع على مولاه وفي ماله وعلى قريبه، فإن لم يكن ذلك، رجع في كسبه، فإن لم يكن له كسب، قضى من سهم من يرى من المساكين أو الغارمين.
والطريق الثاني- حكاه القاضي الحسين-: أن نفقته عند عدم ماله في محلها قولان:
أحدهما: في بيت المال، فإن لم يكن ذلك، رجع في كسبه، فإن لم يكن له كسب، قضى من سهم من يرى من المساكين أو الغارمين.
والثاني: يجب على كافة الناس، والإمام يحسب مياسير البلد، ويضرب على جماعة منهم.
فعلى هذا: إذا بلغ اللقيط، قال الصيدلاني: ليس لهم الرجوع عليه، ومن أصحابنا من قال: لهم الرجوع؛ كما في المضطر.
стр. 5584
فرع: حيث قلنا: يستقرض، فلو أمر الحاكم الملتقط أن ينفق عليه قرضاً؛ ليرجع- قال الشافعي هنا في "المختصر"، وفي الدعاوى: إنه يجوز.
وقال في "الأم" في الضالة: أنه لا يأذن لواجدها في الإنفاق عليها من مال نفسه ليرجع على صاحبها، بل يأخذ المال منه، ويدفعه إلى أمين، ثم الأمين يدفع إليه كل يوم.
فمن الأصحاب من جعل في المسألتين قولين، أشبههما عند الشيخ أبي حامد: الجواز؛ لما في ذلك من العسر.
ومنهم من أقر النصين، وفرق بأن اللقيط لا ولي له ظاهر؛ فجاز أن يجعل القاضي الملتقط ولياً، وصاحب اللقطة قد يكون رشيداً لا يولى عليه.
وهذا الخلاف مفرع على القول بأن للملتقط أن ينفق على اللقيط من ماله بإذن الحاكم، أما إذا قلنا: ثم إنه لا يجوز، فهاهنا من طريق الأولى، صرح به القاضي الحسين عن شيخه.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ قد يفهم أنه لا فرق بين اللقيط المحكوم بإسلامه أو بكفره في الإنفاق عليه من بيت المال، وهو وجه حكاه الأصحاب واستقربه الرافعي؛ فإنه لا وجه لتضييعه، وفيه نظر للمسلمين؛ فإنه إذا بلغ، أعطى الجزية.
والصحيح: أن ما ذكره في اللقيط المحكوم بإسلامه، ويدل عليه أنه قال: والثاني: يقسط على المسلمين. فلو كان المراد الذمي والمسلم، لما اختص المسلمون بذلك.
وقد جزم في "الحاوي" بأن المحكوم بكفره لا ينفق عليه من بيت المال؛ لأن مال بيت المال مصون لصالح المسلمين دون المشركين.
ثم إن تطوع أحد من المسلمين أو من أهل الذمة بالنفقة عليه، وإلا جمع الإمام أهل الذمة الذين كان المنبوذ بين أظهرهم، وجعل نفقته مقسطة عليهم؛ ليكون ديناً لهم إذا ظهر أمره، فإن ظهر له سيد أو قريب موسر رجع بها عليه، وغن لم يظهر ذلك كانت ديناً عليه، يرجعون بها في كسبه، وهذا ظاهر النص كما حكاه القاضي الحسين.
стр. 5585
قال: وإن أخذه عبد [أي]: بدون إذن سيده أو فاسق، [لم يقر في يده] أي: يخشى منه استرقاقه انتزع منه؛ لاشتغال العبد بخدمة السيد، وتهمة الفاسق أن يسترقه، ولأنهما ليسا من أهل الأمانة والولاية، وبهذا خالف التقاط المنبوذ اللقطة حيث تصح من العبد والفاسق على قول؛ لأن اللقطة جهة اكتساب، والعبد والفاسق في الكسب سواء.
أما إذا أذن السيد لعبده في التقاطه، جاز، وكان السيد هو الملتقط، وهو نائبه في الأخذ والتربية.
ولو كان الملتقط يؤمن على اللقيط من استرقاقه وهو غير مأمون على ماله، قال الماوردي: فهذا يقر المنبوذ في يده وينزع المال منه؛ لأنه قد صار له بالتقاطه حق في كفالته، فما لم يخرج عن حد الأمانة [فيه] كان مقراً معه، وليس يراعي فيه العدالة؛ فيكون جرحه في شيء جرحاً في كل شيء، وإنما تراعى فيه الأمانة، وقد يكون أميناً في شيء وإن كان غير مؤتمن في غيره.
وهذا يوافق كلام المصنف في أول الباب، وكلام غيره يقتضي أنه ينزع؛ لأنه جعل العدالة شرطاً، حتى زاد الرافعي فقال: المبذر المحجور عليه لا يقر اللقيط في يده؛ فإنه ليس مؤتمناً شرعاً، وإن كان عدلاً، وفرع الماوردي على ما قرره: أن الملتقط لو كان أميناً على ماله غير أمين على نفسه: إما من استرقاقه، وإما لأنها ذات فرجح فينزع المنبوذ منه، وفي إقرار المال معه وجهان، ووجه التقرير هنا بعيد جداً.
فرعان:
من نصفه حر ونصفه رقيق إذا التقط منبوذاً في نوبة نفسه ففي استحقاقه الكفالة وجهان في "الحاوي".
وفي "المعتمد": المكاتب إذا التقط بغير إذن سيده لم يقر في يده عند الجمهور.
وفي "الحاوي": أنا إن عللنا المنع في العبد بكونه ليس بأهل الولاية؛ فكذلك
стр. 5586
هاهنا: وإن عللناه بكونه مشتغلاً بخدمة السيد، فالمكاتب مستحق للكفالة؛ لأنه أملك من السيد بمنافع نفسه.
ثم على المشهور: لو كان الالتقاط بإذن سيده على أن يكون هو كافله، خرج على تبرعاته بإذن السيد، وإن أذن له في أن يلتقطه للسيد جاز.
قال الرافعي: ويشبه أن يكون على الوجهين في التوكيل في الاصطياد.
قال: وإن أخذه كافر أي: عدل في دينه، فإن كان اللقيط محكوماً بإسلامه، لم يقر في يده؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١] ولأنه غير مأمون عليه في يده من أن يسترقه، وفي دينه أن يفتنه، وفي ماله أن يتلفه؛ لأن عداوة الدين تبعث على ذلك كله.
قال: وإن كان محكوماً بكفره أقر في يده؛ لأنه أهل للحضانة، بدليل ولده. وكذا لو التقطه مسلم أقر في يده.
قال: "وإن أخذه ظاعن" أي: مسافر، [فإن] لم تختبر أمانته، لم يقر في يده"؛ لأنه لا يؤمن أن يسترقه في غيبته، وهذا بخلاف ما لو أخذه من لم تختبر أمانته، وكان مقيماً، فإنا لا ننزعه من يده؛ لأن الظاهر الأمانة، لكن يوكل به الإمام من يراقبه من حيث لا يدري؛ كي لا يتأذى؛ فإذا وثق به، صار كمعلوم الأمانة.
قال: وإن اختبرت نظر فإن كان ظاعناً إلى البادية واللقيط في الحضر لم يقر في يده"؛ لأنه ينقله من العيش في الرخاء إلى العيش في الشقاء.
ولأن البلد أرفق باللقيط [وأحظ له]؛ لوجود من يعلمه، ويؤدبه فلا يفوت عليه ذلك، ولأنه أرجى لظهور نسبه، وأبعد عن استرقاقه.
فعلى العلة الأولى: لو نقله إلى موضع قريب من البلد يسهل تحصيل ما يراد منها، أقر في يده، وهو المنصوص، وبه أجاب المعظم.
стр. 5587
وعلى العلة الثانية والثالثة: ينتزع.
قال: "وإن كان ظاعناً إلى بلد آخر"، أي والطريق آمن، وبينهما أكثر من يوم وليلة ودون مسافة القصر، بحيث أن تكون أخباره متصلة، والورود منه كثير- "ففيه وجهان":
أحدهما: يقر في يده؛ لتساوى البلدين، وهو ظاهر النص؛ كما قاله في "المهذب"، واختاره في "المرشد".
والثاني: لا يقر؛ لأن مقامه في البلد الذي وجد فيه أرجى لظهور نسبه، وأبعد عن استرقاقه، وهذا هو المذهب في "تعليق" القاضي الحسين.
أما إذا كان الطريق مخوفاً، أو كان بينهما مسافة شاسعة؛ بأن تصير أخباره منقطعة، والطارئ إليه أو منه نادر: كمن بالعراق إذا أراد نقله إلى المشرق أو المغرب- فلا يقر في يده وجهاً واحداً.
وإن كان بينهما أقل من يوم وليلة، أقر وجهاً واحداً كما قاله الماوردي.
ويجيء فيما ذكرناه من قبل وجه: أنه يمتنع؛ مراعاة لحفظ النسب.
وعلى قول الجواز: لو كان المنقول إليه قرية، والمنقول عنه بلد، فهل يجوز؟ فيه وجهان في "الحاوي".
قال المتولي: ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يريد سفر نقلة أو تجارة أو زيارة.
قال: وإن كان اللقيط في البادية، وأخذه حضري يريد حمله إلى الحضر جاز؛ لأنه أرفق باللقيط.
وحكى عن القاضي الحسين وجه: أنه لا يجوز؛ نظراً للنسب.
قال: وإن كان بدوياً: فإن كان له موضع راتب، أقر في يده؛ [لأن الحلة كالقرية].
وإن كان ينتقل من موضع إلى موضع، أي: لطلب الماء والكلأ- فقد قيل: يقره [في يده]؛ لأنه أرجى لظهور نسبه، وهذا ما اختاره في المرشد.
стр. 5588
وقيل: لا يقر؛ لأن اللقيط يشقى بالتنقل، وفيه تضييع لنسبه.
قال: وإن التقطه رجلان من أهل الحضانة، وأحدهما موسر، والآخر معسر- فالموسر أولى؛ لأنه أرفق بالطفل؛ فإنه ربما يوسع عليه، والفقير قد يشتغل بطلب القوت عن الحضانة.
وقيل: هما سواء.
والأول أصح، وبه قال أبو إسحاق.
فعلى هذا: لو تفاوتا في الغنى، فهل يقدم أكثرهما مالاً؟ فيه وجهان في "النهاية".
قال: وإن كان أحدهما مقيماً والآخر ظاعناً أي: واللقيط [في البادية] فالمقيم أولى؛ لأنه أرفق بالطفل، وأحوط لنسبه.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه ينظر:
إن كان الظاعن له موضع راتب في البادية، فهو أولى، وإلا فإن قلنا: له حق الكفالة، كانا سواء.
ولو كان أحدهما ظاهر العدالة بالإخبار، والآخر مستورها – قدم الأول عند الشيخ أبي محمد وغيره.
وقيل: هما سواء.
ولو كان أحدهما كامل الحرية، والآخر متبعضها، وقلنا: له حق الكفالة- فالحر أولى، قاله الماوردي.
وإن كان أحدهما مسلماً، والآخر كافراً، واللقيط كافر- فهما سواء، وقيل: المسلم أولى ليعلمه [دينه]، وهذا خرجه الماوردي من مذهب ابن خيران، كما سنذكره.
وفي بعض الشروح تقديم [الكافر] لأنه على دينه.
ولا تقدم المرأة على الرجل، بخلاف الأم حيث قدمت على الأب؛ لأن الرجل
стр. 5589
هنا لا بد له من امرأة تكفله، وهي مساوية للأخرى في كونهما أجنبيتين.
قال: "وإن تساويا وتشاحا أقرع بينهما"؛ لتساويهما في الالتقااط، وتعذر اجتماعهما على حضانته؛ لما في ذلك من المشقة، وعدم إمكان المهايأة؛ لكونها تضر بالطفل لتبدل الأيدي وقطع الألفة واختلاف الأخلاق، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] وعن ابن خيران- كما حكاه الماوردي والمصنف-: أنه لا يقرع بينهما بل الحاكم يجتهد، ويقدم من يراه أولى، فإن تساويا في نظره، فلا سبيل إلى التوقف. ونسب في "الوسيط" هذا الوجه لابن أبي هريرة، ولعلهما قالا: ولا يخير الصبي بينهما، وإن [كان ابن سبع فأكثر، كما يفعل بين الأبوين؛ لأن التعويل تم على الميل الناشئ من الولادة.
وقال الإمام: يجوز أن يقال: يخير، ويجعل اختياره أولى من القرعة. ثم إنه صور المسألة [إذا] التقطاه صغيراً، ثم لم يتفق انفصال الخصومة إلا بعد بلوغ الصبي سن التمييز. وهذا أحوجه إليه تردده في جواز التقاط المميز. وكلام القاضي الحسين وغيره مطلق.
وأيضاً: فإن بقاء اللقيط في يديهما هذه المدة مستبعد.
قال: "فإن ترك أحدهما حقه" أي: لو غاب "أقر في يد الآخر"؛ لأن المنع كان بحقه، وإلا فهو له حق الالتقاط.
"وقيل: يرفع [الأمر] إلى الحاكم حتى يقر في يد الآخر".
قال الرافعي: كما لو ترك حقه بعد خروج القرعة له؛ فإنا لا نجيز ذلك، وكما لو ترك المنفرد حقه، وسلم اللقيط لأمين بغير إذن الحاكم، وللحاكم على هذا أن يقرع بين الذي لم يترك وبين أمين آخر يعينه.
قال: "وليس بشيء"؛ لأن الحق [كان] لهما، فإذا ترك أحدهما حقه ثبت
стр. 5590
للآخر؛ كالشفعة.
ثم اعلم أن ما حكيناه عن الرافعي مصرح بأن محل الخلاف قبل خروج القرعة.
وفي "الحاوي" أجراه في الحالين معاً، وهو الذي يقتضيه إطلاق الشيخ هنا، ومنه يؤخذ أنه إذا كان منفرداً بالالتقاط: أن له أن يترك حقه، ويسلمه إلى الحاكم- وإن لم يكن له عذر- ولا يلزم بحفظه، كما صرح به الماوردي وغيره، بخلاف الوديعة على أحد الوجهين.
وعن ابن كج وغيره حكاية الوجهين هنا- أيضاً- بناء على أن الشرع في فروض الكفايات هل يلزم الإتمام؟ وهل يصير الشارع معيناً له؟ لكن الذي رأى ابن كج ترجيحه: الأول.
ومن قال باللزوم، قال: إذا ترك أحد الملتقطين حقه لا يتركه الحاكم، بل يقرع بينه وبين صاحبه: فإن خرجت القرعة عليه ألزمه القيام بحضانته، كذا صرح به الإمام.
ولا خلاف في أنهما لو تساويا إلى المنبذو ولم يضع يده أحدهما عليه، وقال كل منهما: أنا آخذه وأحضنه- أن للحاكم أن يجعله في يد من يراه منهما أو من غيرهما، نعم: لو سبق أحدهم بالوقوف على رأسه من غير أخذ فهل يقدم بذلك؟ فيه وجهان عن الشيخ أبي محمد، وأظهرهما المنع.
قال: "وإن ادعى كل منهما أنه الملتقط، فإن كان في يد أحدهما فالقول قوله مع يمينه"؛ لأ اليد تشهد له، "وإن كان في يديهما أقرع بينهما؛ لأن الكفالة لا تتبعض، ولا يمكن المهايأة فيها؛ لما ذكرناه؛ فتعينت القرعة. وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ، ويجيء فيه وجه ابن خيران: أن الحاكم يقدم أحدهما بالاجتهاد، وفي "المهذب" و"المرشد": أنهما يتحالفان، فإن حلفا أو نكلا، صارا كالملتقطين يقرع بينهما على المذهب، وعلى قول أبي علي بن خيران: يقره الحاكم في يد من هو أحوط له.
والظاهر أن المراد من التحالف هنا: الحلف من كل منهما، كما هو مذكور في
стр. 5591
باب التحالف، [و] حينئذ يكون موافقاً لما ذكرناه أولاً، وقد أشار إلى ذلك ابن الصباغ في أثناء الفصل.
قال: "وإن لم يكن في يد واحد منهما، سلمه الحاكم إلى من يرى منهما أو من غيرهما"؛ لأنه لم يثبت لهما حق الكفالة، و"إن قام أحدهما ببينة حكم له"؛ عملاً بها، ولا يكفى فيها إلا شاهدان؛ لأنهما يثبتاان الكفالة، وليست بمال.
قال: وإن أقاما بينتين مختلفتي التاريخ، قدم أقدمهما تاريخاً؛ لثبوت سبقه إلى الالتقاط، ويفارق هذا ما إذا اختلف اثنان في مال، فأقام أحدهما بينة بالملك من سنة، والآخر بالملك من سنتين [حيث] سوينا بينهما على قول؛ لأن الملك قد ينتقل عن الأسبق إلى الأحدث، وليس كذلك هنا؛ فإن يد الملتقط لا تنتقل عنه من غير أن يتغير حاله، وإن كان باقياً بحاله كان حق الالتقاط ثابتاً له، وكان أولى.
قال الشيخ أبو الفرج الزاز: وهذا إذا قلنا: إن من التقط لقيطاً، ثم نبذه، لم يسقط حقه، فإن أسقطناه، فهو على القولين في الأموال.
قال: وإن كانتا متعارضتين، أي: بأن كانتا مطلقتين أو مؤرختين وقتاً واحداً، أو إحداهما مطلقة والأخرى مؤرخة- سقطتا في أحد القولين، وصار كما لو لم تكن لهما بينة". لعدم المرجح.
والقول الثاني: أنهما تستعملان بالقرعة، ولا يجيء قول الوقف؛ لما في ذلك من الإضرار بالطفل، ولا قول القسمة؛ لعدم إمكانها، وعلى هذا: من خرجت له القرعة هل يحلف معها؟ فيه قولان.
قال: وإن ادعى [مسلم نسبه]، لحق به؛ لأنه أقر له بحق لا ضرر فيه على غيره؛ فأشبه ما لو أقر له بمال.
وأيضاً: فإن إقامة البينة على النسب تعسر، فلو لم نثبته بالاستلحاق،
стр. 5592
لضاع كثير من الأنساب.
قال: وتبعه في الإسلام؛ لأنه ابنه ولا فرق بين أن يكون في يد الملتقط أو [في يد] غيره [أو في يده ويد غيره]، وقد تنازعا في التقاطه، ويسلم إليه؛ ليكفله، وكذلك ماله، ويعامله معاملة الأولاد في كل شيء، كما صرح به البندنيجي.
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق بين الحر والعبد، وهو المذهب، وبه جزم في "المهذب"، وكذا القاضي أبو الطيب وابن الصباغ، إلا أنه إذا استلحقه العبد لا يسلم إليه.
وفي "الحاوي" حكاية وجه: أن العبد لا ينفذ استلحاقه ما لم يصدقه السيد، وغيره حكاه قولاً منصوصاً في الدعاوى، وعن [الشيخ] الشريف ناصر الدين العمري حكاية طريق قاطع بالأول إذا كان مأذوناً له في النكاح، ومضى من الزمان ما يحتمل حصول الولد، وتخصيص القولين بما إذا لم يكن مأذوناً، وسيأتي الكلام في ذلك مرة أخرى، إن شاء الله تعالى.
قال: لو بلغ اللقيط وأنكر النسب فهل ينقطع؟ فيه وجهان، محلهما كتاب الإقرار، فلو أقام آخر بينة: أنه ولده، كانت البينة أولى من الدعوى، فيقدم بها، وينقطع نسبه من الأول.
فلو أقام آخر بينة: أنه ولد على فراشه، كانت أولى من البينة المطلقة، كذا قاله البندنيجي [وغيره] في باب عقل من لا يعرف نسبه.
قال: "فإن كان هو الملتقط استحب أن يقال له: من أين هو ابنك؟؛ كي لا يعتقد أنه يصير ابناً له بالالتقاط والتربية.
فرع: لو كان للمستلحق امرأة وقد أنكرت كونه ابنها لم يلحقها، صرح به القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ وغيرهما.
стр. 5593
قال: وإن ادعاه كافر لحق به؛ [لأنه] كالمسلم في النسب، ولأنه أقوى في الفراش من العبد؛ فإنه يثبت له بالنكاح والوطء في ملك اليمين؛ فكان استلحاقه أولى.
قال: وإن أقام البينة على ذلك تبعه الولد في الكفر، وسلم إليهن عملاً بالبينة، وإن لم يقم البينة، لم يتبعه في الكفر؛ لأن الولد يحتمل ان يكون كافراً، ويحتمل أن يكون مسلماً؛ لكون أمه مسلمة، وقد حكمنا بإسلامه بالدار فلا ننقضه مع الاحتمال، ولأنه أقر بما يضره، وما يضر غيره، فقبلنا قوله فيما يضر به من لزوم مؤنة الطفل، ولم نقبله فيما يضر بالطفل وهو جعله كافراً، وهذا ام نص عليه [في هذا النعت في "الإملاء" كما قاله القاضي الحسين، وحمل عليه قول] أبي إسحاق المروزي، قوله في "الدعاوى والبينات" جعلته مسلماً. وقوله هاهنا: "أحببت أن أجعله مسلماً".
قال: "ولم يسلم إليه؛ كي لا يفتنه، وهو ظاهر كلام الشيخ هنا، وإطلاق غيره يقتضي أن ذلك على وجه الوجوب".
وقال في "المهذب": [و] يستحب أن يسلم إلى مسلم إلى أن يبلغ؛ احتياطاً للإسلام.
قال: "وقيل: إن أقام البينة جعل كافراً قولاً واحداً؛ لما سبق، وإن لم يقم البينة، ففيه قولان".
وجه جعله كافراً- وهو ما استنبط من قوله هنا: "أحببت أن أجعله مسلماً"-: إن كل ما يثبت به نسبه يثبت به دينه كالبينة، وعلى هذا: يحال بينه وبين اللقيط أيضاً، [ويكون] كما لو وصف ولد الذمي الإسلام، صرح به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ. وهذه طريقة أبي علي الطبري، والأولى أصح عند القاضيين الحسين والطبري وغيرهما، وجعل الماوردي محل الخلاف في الحكم يتبعه في الكفر إذا استلحقه قبل أن يصدر من اللقيط صلاة وصوم، أما إذا صدر منه ذلك
стр. 5594
والتزام شرائع الإسلام، فلا يغير عن حكم الإسلام".
قال: "وإن ادعته امرأة، لم يقبل في ظاهر النص إلا ببينة" أي: تشهد بالولادة، ولا يثبت بالقافة كما صرح به البندنيجي، وهو الأظهر في الطرق؛ لإمكان إقامة البينة على ذلك، بخلاف الرجل فإنه لا يمكنه ذلك؛ ألا ترى: أنه لو علق طلاقها على ولادتها لا يقع إلا ببينة، ولو علقه على حيضها قبل قولها مع يمينها؟
"وقيل: يقبل"؛ لأنها أحد الأبوين؛ فصحت دعوتها كالأب، ولأن لحوق الولد بالمرأة أقوى من الرجل؛ لمساواتها له في كل سبب، وانفرادها بالتحاق ولدها من الزنى، وإذا كانت آكد حالاً في ذلك كان قبول دعوتها أولى، وما فرق به يبطل بإمكان إقامة البينة على الفراش؛ فإن الأب متمكن منها، ومع ذلك لا يكلفها، وهذا ما قال الشيخ أبو حامد: إنه رآه الشافعي في اللعان أو في غيره. فعلى هذا: إن كانت فراشاً لزوج أو سيد، لم يلحق به، وإن كانت رقيقة، لم يتبعها في الرق. وحكى الإمام وجهين في كتاب اللعان، في أن القائف لو ألحق الولد بالزوج، هل ينزل منزلة البينة على ثبوت الولادة؟ وأصحهما: أن الولادة لا تثبت.
وقيل: إن كان لها زوج لم يقبل"؛ لأنه لو لحق بها لوجب لحوقه بزوجها؛ لأن الفراش لا يتبعض؛ بدليل: أنه يلحق به إذا قامت بينة على ذلك، ولا يجوز إلحاقه بالزوج مع جحوده بإقرارها؛ كما أن أحد الابنين لو أقر بأخ، لا يلحق بأخيه المنكر.
"وإن لم يكن لها" زوج "قبل؛ لوجود ما ذكرناه وانتفاء المانع، قال البندنيجي: وليس يعني بالزوج أن تكون في عصمة زوج؛ بل المراد أن تكون فراشاً لشخص لو ثبت نسب اللقيط منها بالبينة للحق صاحب الفراش، سواء كانت في عصمته أو في عدة طلاق أو وفاة. قال: "وإن ادعاه اثنان" أي: معاً، وهما ممن يصح استلحاقهما، [أي]: سواء كانا مسلمين أو مسلماً وكافراً [أو
стр. 5595
حرين] أو حر وعبد أو ذكرين أو امرأتين، "ولأحدهما بينة، أي: بأنه ولد على فرشه عند تنازع رجلين، أو ولدته عند تنازع امرأتين- "قضى له"؛ عملاً بالبينة، ويلحق الولد في هذه الحالة زوج المستلحقة إن كان العلوق به منه ممكناً، ولو أقامت البينة على أنه ولدها ولم تتعرض للفراش، ففي ثبوت نسبه من الزوج وجهان عن حكاية أبي الفرج الزاز.
قال: وإن لم يكن لواحد منهما بينة، أو لكل واحد منهما بينة- "عرض" الولد "على القافة"؛ لأن لها أثراً في الأنساب عند الاشتباه والاختلاف، كما ستعرفه في "باب ما يلحق به النسب".
وفي "المهذب" حكاية وجه: أنه لا مدخل للقافة في الحاق الولد بأمه، وإنما يحكم بها في الإلحاق بالأب.
ونسبه الماوردي إلى ابن أبي هريرةن وعلى الصحيح المنصوص- وهو دخولها فيه- إذا ألحقه بإحدى المرأتين عند عدم البينة فهل يلحق بزوجها؟ فيه وجهان في "الحاوي" و"النهاية"، والصحيح: اللحوق.
ولا فرق فيما ذكره الشيخ عند إقامة البينة بين أن يقول: إذا تعارضت البينتان في الأموال، تسقطان أو تستعملان، [و] على قول الاستعمال في الأموال في كيفيته ثلاثة أقوال، لا يجيء منها هاهنا شيء؛ لأنه لا يمكن القسمة ولا الوقف، ولا مدخل للقرعة في النسب، وإنما يدخل في المال؛ لأن [البينة] ترجح باليد فجاز أن ترجح بالقرعة، والنسب بخلاف ذلك.
قال القاضي أبو الطيب والحسين، والإمام وابن الصباغ، وغيرهم: لأن ترجيح إحدى البينتين يمكن بالقافة، وانتساب الطفل بعد البلوغ، وذلك أقرب من القرعة.
وفي "المهذب" حكاية وجه، وهو المجزوم [به] في "تعليق" البندنيجي في
стр. 5596
موضع منه، ويحكى عن الشيخ أبي حامد [أن] قول القرعة يأتي هاهنا – أيضاً- وأن من خرجت له القرعة هل يحلف معها؟ فيه وجهان. وفي موضع آخر من "تعليق" البندنيجي عند الكلام في تنازع المرأتين: أنه لا مدخل للقرعة في النسب؛ فإنه ليس على قول الشافعي موضع تسقط فيه الأقوال الثلاثة إلا هذا المكان.
ثم أثر استعمال البينة عند إلحاق القائف، أو انتساب الطفل، أو عند خروج القرعة- إن اعتبرناها تظهر فيما لو كان المتنازع في اللقيط امرأتين، ولكل منهما زوج؛ فإنا نلحق الولد بزوج من ألحقه القائف بها، أو انتسب إليها الطفل، أو خرجت عليها القرعة، وإن ماتت إحداهما أو زوجها، وقف من مال الميت نصيب ولد إلى أن يوجد القائف أو ينتسب الطفل.
وحكى الماوردي عن ابن أبي هريرة: أنا إذا قلنا بالتساقط عند تعارض البينتين لا نقول به هاهنا.
والفرق: أنهما لما تكافأتا في الأملاك، ولم يكن ما يرجح يد أحداهما جاز أن تسقطا، ولما أمكن ترجيح إحداهما في الانتساب بالقافة، لم تسقطا، وحكم لمن انضم إلى بينته بيان القافة.
قال: فإن كان لأحدهما يد، لم تقدم بينته باليد [فإن ألحقته القافة بأحدهما لحق به]؛ لأنها لا تدل على النسب فلا ترجيح بها، بخلاف يد المال؛ فإنها تدل على الملك عند تجردها فرجحت البينة بها.
وعن "الإيضاح" للمسعودي، و"أمالي" أبي الفرج الزاز: أن أحدهما لو أقام بينة على أنه في يده منذ سنة، والثاني على أنه في يده منذ شهر، وتنازعا في نسبه- فالتي هي أسبق تاريخاً أولى. وهذا كلام لا طائل تحته.
واعلم أنه لا فرق فيما ذكره الشيخ بين أن تكون اليد للملتقط [أو لغيره، نعم: لو كانت اليد للملتقط]، وقد استلحقه، وحكمنا له بالنسب ثم ادعاه آخر-
стр. 5597
فإنه يعرض مع الثاني على القائف: فإن نفاه عنه [بقي لاحقاً بالأول، وإن ألحقه بالثاني عرض مع الملتقط عليه: فإن نفاه عنه]، فهو للثاني، وإن ألحقه به، فقد تعذر العمل بقول القائفن فيوقف- كما سنذكره- وهذا ما حكاه الرافعي عن الشافعين وبه جزم البندنيجي.
وقيل: يعرض عليها دفعة واحدة كما لو تداعياه معاً.
وإن كان صاحب اليد غير الملتقط، وقد استلحقه وحكم له بالنسب، ثم جاء آخر وادعى نسبه؛ فقد حكى الإمام [و] الغزالي: أنه لا يلتفت إلى الثاني؛ لثبوت النسب من الأول معتضداً باليد. وإن لم يسمع استلحاقه إلا بعد ما جاء الثاني واستلحقه، ففيه وجهان:
أحدهما: يقدم صاحب اليد كما يقدم استلحاقه.
وأشبههما: التساوي؛ لأن الغالب من حال الأب أنه يذكر نسب ولده، ويشهره؛ فإذا لم يفعل، صارت يده كيد الملتقط في أنها لا تدل على النسب.
وحكى العمراني عن ابن القطان أنه قال: إذا ادعى رجلان نسب لقيط فهل يقدم السابق بالدعوى، وكذا هل يقدم صاحب اليد بها؟ فيه وجهان:
منهم من قال: يقدم.
فعلى هذا إذا سبق واحد وادعى ثبت نسبه، ولو كان في يد غيره، فلو ادعى نسبه بعد ذلك آخر لم يقبل وإن كان في يد المدعي ثانياً.
ولو ادعى [رجلان] نسبه معاً وكان في يد أحدهما قدم صاحبه اليد به.
ومنهم من قال في أصل المسألة: السابق والمتأخر سواء، ولا يقدم أحد باليد؛ بل يرى القائف.
فرع: إذا كذب أحد المدعين نفسه في دعواه النسب، وبقي الآخر مصراً عليه – قال العراقيون في أوائل كتاب الجنايات: إن نسب اللقيط يتعين من الآخر.
وحكى الفوراني في "الإبانة" ذلك قولاً مع قول آخر: أنه لا يتعين؛ بل يصير كما لو ولطئ رجلان امرأة، فأتت بولد يمكن أن يكون منهما، ونفاه أحدهما عن
стр. 5598
نفسه بغير لعان، وادعاه الآخر- فإنه لا يلحق بالمدعي بمجرد ذلك، ولا ينتفي عن الثاني؛ بل يعرض على القائف.
وفي "التهذيب" حكاية وجه في الصورة الأخرى.
قال: فإن ألحقته [القافة] بهما، أو نفته عنهما، أو أشكل عليها، [أو] لم تكن قافة- ترك حتى يبلغ فينتسب إلى من تميل إليه نفسه"؛ لما سيظهر في "باب ما يلحق به النسب".
وقد حكى الماوردي قولاً: أنه لا ينتظر البلوغ؛ بل سن التمييز سبع سنين أو ثمان، وهو مذكور ثم عن القديم.
ثم نفقة اللقيط في مدة الانتظار عليهما، فإذا انتسب إلى أحدهما، رجع عليه الآخر بما أنفق إن كان الإنفاق بإذن الحاكم، كما قيده الرافعي في الباب الثاني من العدد.
وفي "تعليق" البندنيجي: أنه لا رجوع لمن لم ينتسب الولد إليه؛ لأنه يقول: ما أنفقت إلا على ولدي. وهذا بين.
ولو وجد القائف بعد الانتساب، فألحقه بغير من انتسب إليه- قدم من ألحقه القائف به.
وفيه وجه: أنه لا ينقض ما فعل، كما ستعرفه في "باب ما يلحق به النسب".
وعن أبي إسحاق- فيما رواه ابن كج-: أن الانتساب يقدم على قول القائف.
قال: وعلى هذا إذا ألحقه القائف بأحدهما كان للآخر أن ينازعه، ويقول: ينتظر حتى يبلغ؛ فينتسب.
ولو أقام أحدهما بينة وألحقه القائف بالآخر فالعمل بالبينة.
ولو ألحقه القائف [بأحدهما]، فبلغ، وانتسب إلى غيرهما فهل يقبل منه؟ فيه وجهان في "الحاوي".
стр. 5599
وأكثر الفروع المذكور هاهنا في الكتب مذكورة في "باب ما يلحق به النسب" فما أخللت بذكره هنا فليطلب [ثَمَّ].
قال: "وإن ادعى رجل رقه" أي: من ملتقط وغيره كما صرح به في "الحاوي" "لم يقبل" أي، قوله؛ لأن الظاهر حريته، وفي قبول خلافه إضرار باللقيط.
ويخالف ما إذا ادعى نسبه حيث يقبل؛ لأن اللقيط لا نسب له فجاز أن يثبت بالدعوى مع أنه لا ضرر فيه، بل يثبت للقيط حقاً.
وفي "الحاوي" حكاية وجه: أنه إن ادعى رقه قبل أن يلتقط قبل كما في دعوى [النسب]، والذي عليه الأكثرون الأول.
وفي "الرافعي": أن اللقيط لو ادعى رقه، وهو في يده، قبل على أحد القولين، وبه جزم الفوراني كما في يد غيره.
ثم إذا بلغ! وأنكر الرق، فهل يستمر على الرق أو يكون القول قوله؟ فيه وجهان، وأصح القولين وبه أجاب في "الصرف": أنه لا يقبل، بل يحتاج إلى البينة، كما ذكره الشيخ.
قال: إلا ببينة تشهد بأن أمته ولدته" أي: فلا تكفي البينة بأنه ملكه مطلقاً؛ لأن البينة قد يكون اعتمادها على ظاهر يد كانت عليه، وتكون اليد يد التقاط، وأمر الرق صعب خطير؛ فاحتيج فيه إلى الاحتياط.
فإذا شهدت البينة بأن أمته ولدته عرف عدم استنادها إلى ظاهر اليد، والغالب أن ما تلده أمة الإنسان ملكه؛ فحكم له بالملك، وهذا ما نص عليه في "المختصر" هنا، وأنه يكفي في ذلك شاهدان، [أو شاهد] وامرأتان، أو أربع نسوة.
قال الماوردي: وتكون شهادتهن بملك الأم؛ عند الولادة مقبولة [تبعاً] للشهادة بالولادة، وهذا إذا لم يكن في ملك الأم منازع، فإن نوزع فيه لم تقبل شهادتهن
стр. 5600
بملك الأم فإذا ثبت ملكه لها سمعت شهادتهن بالولادة.
قال: "و [قيل] فيه قول آخر: أنه لا يقبل حتى تشهد بأن أمته ولدته في ملكه"، وهذا نصه في كتاب الدعاوى؛ لأن من اشترى جارية قد ولدت أولاداً يصدق أن يقال: بأن أمته ولدتهم، وليسوا ملكاً له، فإذا تعرضت بأنها ولدته في ملكه انتفى هذا الاحتمال، وهذا ما جزم به البندنيجي، وقال: إنه يكفي في ذلك شهادة رجلين، ورجل وامرأتين، وأربع نسوة.
وقال الإمام: لا تكفي هذه الشهادة أيضاً؛ لأن أمته قد تلد في ملكه حراً بالشبهة ومملوكاً للغير بوصية، ولا خلاف في أنها إذا شهدت أن أمته ولدته مملوكاً له أنه يكفي، ويقوم مقام ذلك إضافة الملك إلى السبي أو الشراء أو الهبة مع الإقباض، ولا بد في هذه الشهادة من رجل.
وقد قيل: إنه تكفي الشهادة بالملك المطلق كما لو شهدت في دار أو دابة أو غيرهما، ويحكى هذا عن نصه في الدعاوى، وعن القديم، وأن المزني اختاره، وكذلك ابن كج وأبو الفرج الزاز.
لكن الذي اختاره الإمام، والبغوي والروياني وآخرون: أن الإطلاق لا يكفي.
وحكى البندنيجي أن بعضهم حمل النصين على حالين: فحيث قال: تكفي، فذاك إذا كانت الدعوى قبل الحكم بحريته. وحيث قال لا تكفي، فذاك إذا كانت الدعوى بعد الحكم بحريته. وأنه ليس بشيء، وأن محل الخلاف في السماع مطلقاً إذا كان المدعى لرقه غير الملتقط، أما إذا كان هو الملتقط فلا يسمع وجهاً واحداً.
وقال الإمام: محلهما إذا كان المدعي هو الملتقط، أما إذا كان غيره، فيسمع وجهاً واحداً. والذي عليه الجمهور: أنه لا فرق، والصحيح في "الوجيز"، والمذهب في "تعليق" القاضي أبي الطيب: ما ذكره الشيخ أولاً، وبعضهم جزم به، وحمل نصه في الدعاوى على التأكيد.
فرع: إذا كان المدعي لرقه هو الملتقط، ولم يثبت رقه، قال في "الحاوي": يقر في يده مع ماله ولا ينزع منه؛ لما استحقه من كفالته بالالتقاط، وعزا ذلك
стр. 5601
إلى نقل المزني في "الجامع"، ثم قال: والذي أراه أن انتزاعه من يده واجب؛ لأنه قد خرج بدعوى رقه عن الأمانة في كفالته، وربما صارت استدامة يده ذريعة إلى تحقيق رقه.
آخر: لو شهدت البينة لمدعي الرق باليد، قال في "المهذب": إن كان المدعي الملتقط، لم يحكم له، وإن كان غيره فقولان، وكذا هما في "الحاوي"- أيضاً- لكنه قيد الصورة بما إذا شهدوا باليد قبل الالتقاط:
أحدهما: لا يحكم بأنها موجبة للملك كما لا يحكم بها للملتقط؛ لتغليظه حال اللقيط.
قال الماوردي: فعلى هذا هل يبقى في يده؟ فيه ما تقدم.
والقول الثاني- ذكره المزني في "جامعه الكبير"-: أنه يحكم له برقه بعد حلفه إنه كان في يده رقيقاً، بخلاف الملتقط؛ لأن في إقراره بأنه لقيط تكذيباً لشهوده بأن اليد موجبة للملك. ثم إحلافه هل هو واجب أم مستحب؟ فيه وجهان.
والمذكور في "الشامل": أن غير الملتقط إذا أقام بينة، شهدت له باليد، حكم له باليد، وكان القول قوله مع يمينه، وكذا هو في "تعليق" القاضيين أبي الطيب والحسين، وفي "التتمة".
وحكى الرافعي عن "الشامل" وغيره: أن المدعي إن أقام البينة على أنه كان في يده قبل [أن] التقطه الملتقط، قبلت، وتثبت يده، ثم يصدق في دعوى الرق؛ لأن من ثبتت يده على صغير مجهول الحال، وادعى رقه حكم له به؛ إذا لم يكن في يده غير التقاط، وبمثله أجاب صاحب "التهذيب" فيما إذا أقام الملتقط بينة على أنه كان في يده قبل أن التقطه.
لكن روى ابن كج في هذه الصورة عن النص: أنه لا يرق حتى يقيم البينة على سبب الملك؛ لأنه لما اعترف بأنه التقطه فكأنه أقر بالحرية ظاهراً؛ فلا تزال إلا عن تحقيق.
стр. 5602
قلت: وقضية ما حكيته آنفاً عن الرافعي وغيره في قبول قول من ادعى رق اللقيط وهو في يده: أن يجري هاهنا: فيقال: إن أقام غير الملتقط البينة بأنه كان في يده [حكم له بها، ويكون القول قوله في رقه مع يمينه جزماً. وإن أقام الملتقط البينة بأنه كان في يده]، فإن قبلنا قوله في دعواه الرق إذا كان في يده، حكم له باليد، وحلف على رقه، وإلا فلا، ولم أر ذلك لأحد من الأصحاب.
فرع: إذا كان مجهول النسب غير لقيط، فادعى رجل أنه مملوكه، وكان طفلاً لا يعقل- حكمنا أنه ملكه. وإن كان عاقلاً مراهقاً، وادعاه وأنكر الصبي ذلك- فهل يحكم له به أم لا؟ على وجهين في "تعليق" البندنيجين وبناهما غيره على الوجهين في المولود إذا ادعاه اثنان ولا قائف، هل يؤمر بالانتساب لسن التمييز أم ينتظر بلوغه؟ وفي "الحاوي أن الخنثى المشكل: هل يراجع لسن التمييز أم ينتظر بلوغه؟ وعلى قول القبول- وهو المشهور من قول الشافعي-: أنه كالثوب لابد من اليمين؛ لخطر شأن الحرية.
وهل ذلك مستحب أو واجب؟ فيه خلاف، والأول يحكى عن النص.
ثم إذا بلغ، وأقر بالرق لغير صاحب اليد، لم يقبل. وإن قال: أنا حر، فوجهان:
أصحهما- وبه أجاب ابن الحداد-: أنه لا يقبل إلا ببينة، وله تحليف السيد.
والثاني: وبه قال أبو علي الثقفي: أنه يقبل.
والوجهان عند الشيخ أبي علي مبنيان [على القولين] فيمن حكم بإسلامه بأبيه أو بالسابي، ثم بلغ، واعترف بالكفر هل يقبل؟
قال: "وإن قتل اللقيط عمداً، فللإمام أن يقتص من القاتل إن رأى ذلك، وله أن يأخذ الدية إن رأى ذلك" أي: سواء كان القاتل عبداً أو حراً، صدق على حرية اللقيط وإسلامه أو كذب؛ لأنه محكوم بإسلامه وحريته، ولا وارث له؛ فكان حق القصاص للمسلمين، ولنائبهم- وهو الإمام- العمل بما فيه المصلحة، وهذا هو المذكور في كتب العراقيين، وبه قطع بعض الأصحاب كما حكاه أبو الفرج
стр. 5603
الزاز، ونفى [أن يكون] في المسألة خلاف.
وحكى المراوزة قولاً آخر: أنه لا قود على القاتل؛ لأنه قد يدرأ بالشبهة.
ووجهه المتولي: بأن الإنسان لا يخلو عن ابن عم وإن تباعد عنه، والحق له على القاتل، ولا ندري حاله، ومن الجائز أنه طفل أو مجنون.
ووجهه غيره: بأنه لو وجب، لوجب لعامة المسلمين.
ومنهم من لا يستوفي القصاص، وهم الصبيان والمجانين، وأبطل صاحب "التقريب" هذه العلة؛ بأن الاستحقاق منسوب لجهة الإسلام لا على آحاد المسلمين، ولهذا لو أوصى من لا وارث له خاصاً [لجماعة] المسلمين، لا تجعل وصيته لارث، وقال: إن الخلاف مبني على أن اللقيط تجري عليه أحكام الإسلام، أو تتوقف فيه إلى أن يعترف بالإسلام؟ فإن قلنا بالأول، أوجبنا القصاص، وإن قلنا بالثاني، فقد فات الاعتراف بقتله فلا يجب.
قلت: وما قاله من الاستشهاد بمسألة الوصية قد يمنعه القائل بالأول؛ فإن لبعض أصحابنا وجهاً: أنه لا تصح الوصية- كما سنقف عليه في موضعه- وخرج الماوردي الخلاف في فصل آخر على القولين في أن اللقيط محكوم بحريته ظاهراً، أم هو مجهول الأصل كما تقدم.
وحكى الماوردي في موضع آخر: أن بعض أصحابنا كان يجعل القولين على حالين، ويقول: إن قتله قبل البلوغ وجب القود، وإن كان بعد البلوغ، فلا؛ لأنه كان يقدر على إظهار حاله. ثم قال: وهذا الفرق مسلوب المعنى؛ لأنه إن اعتبر حال الشبهة، ففي الحالين، وإن اعتبر حال الظاهر، ففي الحالين؛ فلم يكن للفرق بينهما وجه. وهذا منه يدل على اعتقاده إجراء القولين في حال الصغر والكبر، لكن كلام الشيخ في حال الصغر، وأما حال الكبر فسيأتي، وقد نسب القاضي الحسين والإمام قول عدم وجوب القصاص إلى رواية البويطي، والمتولي إلى رواية الربيع.
قال الرافعي: والمفهوم من كلام المعظم أنه غير منصوص عليه، جاء في
стр. 5604
المسألة بخصوصها ولكن قال قائلون: اللقيط لا وارث له، وقد روى البويطي قولاً: أنه لا قصاص بقتل من لا وارث له. فيتناول اللقيط تناول العموم الخصوص.
وعن أبي الطيب بن سلمة والقفال تخليجه من أحد القولين في أن من قذف اللقيط بعد بلوغه لا يحد، أما إذا قتل اللقيط خطأ [أو عمد خطأ] فالواجب فيه دية حر، توضع في بيت المال ميراثاً للمسلمين؛ كما يتحمل بيت المال جنايته الخطأ.
وقد حكى القاضي الحسين في كتاب الوصية: أن [مال] من لا وارث له من المسلمين يكون سبيله سبيل المال الضائع، ويشبه أن يجيء مثله في ديته.
قال الرافعي: وقياس من قال بالتوقف في أحكام اللقيط ألا يوجب الدية الكاملة، ولم أَرَ [من] ذكره.
وفي ابن يونس حكاية قولين عن رواية البصريين:
أحدهما: تجب فيه دية الحر.
والثاني: يوقف إلى أن يتبين أنه حر أم عبد، وهما مذكوران في "الإبانة"، وحكاهما القاضي الحسين أيضاً، وقال: إن المذهب الأول.
وحكى الرافعي في موضع آخر من الباب قولاً أن الواجب أقل من الأمرين من الدية والقيمة؛ بناءً على أن الحرية غير مستيقنة، فلا يؤاخذ الجاني بما لا يستيقن شَغْل ذمته به.
قال الإمام: وقياس هذا أن يوجب الأقل من قيمة عبد أو دية مجوسي؛ لإمكان الحمل على التمجُّس.
قال: [وإن] قطع طرفه عمداً، وهو موسر، انتظر حتى يبلغ؛ كي لا يفوت عليه حق التشفِّي والانتقام، وقد ادعى الإمام نفي الخلاف فيه إذا كان عاقلاً مميزاً، وهكذا لو كان معتوهاً موسراً.
وقيل: للإمام في هذه الحالة أن يعفو على مال، حكاه الماوردي.
стр. 5605
[و] عن القفال: أن له في حال جنونه أن يقتص، وعلى المذهب: يحبس القاطع إلى أوان الإفاقة؛ كما يحبس إلى أوان البلوغ.
قال: "وإن كان معسراً: فإن كان معتوهاً، كان للإمام أن يعفو على مال يأخذه، وينفقه عليه". أشار الشيخ بهذه التتمة إلى علة الحكم، وهي الحاجة إلى النفقة، مع أن العَتَهَ يخفي وقت زواله، وهذا نصه في "المختصر"، وادعى الإمام نفي خلافه، لكنه زاد في القيود: أن يتحقق مسيس الحاجة إلى المال، [ويبعد] توقع الإفاقة.
وقال المتولي: ليس تتضح هذه المسألة إلا على قول لنا: أن موجب العمد أحد الأمرين، وأن اللقيط إذا لم يكن له مال، فلا يجب على المسلمين نفقته، وإنما يجب إقراضه؛ فيجوز استيفاء المال على طريق المصلحة؛ لأنه أولى من الاستقراض، وربما لا يوجد من يقرضه. وعلى هذا: يجوز له أن يقتص على [وجه]، وهو مطرد في موضع جوزنا له أن يعفو على مال؛ لأنه أحد البدلين فكان له استيفاؤه.
وقيل: ليس له العفو على مال.
قال: "وإن كان عاقلاً، انتظر حتى يبلغ"؛ لما ذكرناه، وفي "الحاوي" حكاية وجه: أن له العفو؛ نظراً للحاجة إلى النفقة.
قال المتولي: فعلى هذا: لو بلغ، واختار أن يرد الدية، ويقتص، ففيه وجهان؛ كالوجهين فيما إذا عفا وليه عن شفعته لمصلحة، ثم بلغ، وأراد الأخذ بها، وصاحب "التقريب" بناهما على أن أخذ المال عفو كلي وإسقاط للقصاص، أم أخذُ المال سببه الحيلولة لتعذر استيفاء القصاص الواجب؟ وما ذكرناه في أخذ الأرش للقيط يجري في كل طفل يليه أبوه أو جده.
وحكى الإمام عن شيخه: أنه ليس للوصي أخذه، قال: وهو حسن إن جعلناه إسقاطاً، أما إذا جوزناه للحيلولة، فينبغي أن يجوز للوصي أيضاً.
следующие страницы →