Полный текст (9 685 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.
стр. 5601
إلى نقل المزني في "الجامع"، ثم قال: والذي أراه أن انتزاعه من يده واجب؛ لأنه قد خرج بدعوى رقه عن الأمانة في كفالته، وربما صارت استدامة يده ذريعة إلى تحقيق رقه.
آخر: لو شهدت البينة لمدعي الرق باليد، قال في "المهذب": إن كان المدعي الملتقط، لم يحكم له، وإن كان غيره فقولان، وكذا هما في "الحاوي"- أيضاً- لكنه قيد الصورة بما إذا شهدوا باليد قبل الالتقاط:
أحدهما: لا يحكم بأنها موجبة للملك كما لا يحكم بها للملتقط؛ لتغليظه حال اللقيط.
قال الماوردي: فعلى هذا هل يبقى في يده؟ فيه ما تقدم.
والقول الثاني- ذكره المزني في "جامعه الكبير"-: أنه يحكم له برقه بعد حلفه إنه كان في يده رقيقاً، بخلاف الملتقط؛ لأن في إقراره بأنه لقيط تكذيباً لشهوده بأن اليد موجبة للملك. ثم إحلافه هل هو واجب أم مستحب؟ فيه وجهان.
والمذكور في "الشامل": أن غير الملتقط إذا أقام بينة، شهدت له باليد، حكم له باليد، وكان القول قوله مع يمينه، وكذا هو في "تعليق" القاضيين أبي الطيب والحسين، وفي "التتمة".
وحكى الرافعي عن "الشامل" وغيره: أن المدعي إن أقام البينة على أنه كان في يده قبل [أن] التقطه الملتقط، قبلت، وتثبت يده، ثم يصدق في دعوى الرق؛ لأن من ثبتت يده على صغير مجهول الحال، وادعى رقه حكم له به؛ إذا لم يكن في يده غير التقاط، وبمثله أجاب صاحب "التهذيب" فيما إذا أقام الملتقط بينة على أنه كان في يده قبل أن التقطه.
لكن روى ابن كج في هذه الصورة عن النص: أنه لا يرق حتى يقيم البينة على سبب الملك؛ لأنه لما اعترف بأنه التقطه فكأنه أقر بالحرية ظاهراً؛ فلا تزال إلا عن تحقيق.
стр. 5602
قلت: وقضية ما حكيته آنفاً عن الرافعي وغيره في قبول قول من ادعى رق اللقيط وهو في يده: أن يجري هاهنا: فيقال: إن أقام غير الملتقط البينة بأنه كان في يده [حكم له بها، ويكون القول قوله في رقه مع يمينه جزماً. وإن أقام الملتقط البينة بأنه كان في يده]، فإن قبلنا قوله في دعواه الرق إذا كان في يده، حكم له باليد، وحلف على رقه، وإلا فلا، ولم أر ذلك لأحد من الأصحاب.
فرع: إذا كان مجهول النسب غير لقيط، فادعى رجل أنه مملوكه، وكان طفلاً لا يعقل- حكمنا أنه ملكه. وإن كان عاقلاً مراهقاً، وادعاه وأنكر الصبي ذلك- فهل يحكم له به أم لا؟ على وجهين في "تعليق" البندنيجين وبناهما غيره على الوجهين في المولود إذا ادعاه اثنان ولا قائف، هل يؤمر بالانتساب لسن التمييز أم ينتظر بلوغه؟ وفي "الحاوي أن الخنثى المشكل: هل يراجع لسن التمييز أم ينتظر بلوغه؟ وعلى قول القبول- وهو المشهور من قول الشافعي-: أنه كالثوب لابد من اليمين؛ لخطر شأن الحرية.
وهل ذلك مستحب أو واجب؟ فيه خلاف، والأول يحكى عن النص.
ثم إذا بلغ، وأقر بالرق لغير صاحب اليد، لم يقبل. وإن قال: أنا حر، فوجهان:
أصحهما- وبه أجاب ابن الحداد-: أنه لا يقبل إلا ببينة، وله تحليف السيد.
والثاني: وبه قال أبو علي الثقفي: أنه يقبل.
والوجهان عند الشيخ أبي علي مبنيان [على القولين] فيمن حكم بإسلامه بأبيه أو بالسابي، ثم بلغ، واعترف بالكفر هل يقبل؟
قال: "وإن قتل اللقيط عمداً، فللإمام أن يقتص من القاتل إن رأى ذلك، وله أن يأخذ الدية إن رأى ذلك" أي: سواء كان القاتل عبداً أو حراً، صدق على حرية اللقيط وإسلامه أو كذب؛ لأنه محكوم بإسلامه وحريته، ولا وارث له؛ فكان حق القصاص للمسلمين، ولنائبهم- وهو الإمام- العمل بما فيه المصلحة، وهذا هو المذكور في كتب العراقيين، وبه قطع بعض الأصحاب كما حكاه أبو الفرج
стр. 5603
الزاز، ونفى [أن يكون] في المسألة خلاف.
وحكى المراوزة قولاً آخر: أنه لا قود على القاتل؛ لأنه قد يدرأ بالشبهة.
ووجهه المتولي: بأن الإنسان لا يخلو عن ابن عم وإن تباعد عنه، والحق له على القاتل، ولا ندري حاله، ومن الجائز أنه طفل أو مجنون.
ووجهه غيره: بأنه لو وجب، لوجب لعامة المسلمين.
ومنهم من لا يستوفي القصاص، وهم الصبيان والمجانين، وأبطل صاحب "التقريب" هذه العلة؛ بأن الاستحقاق منسوب لجهة الإسلام لا على آحاد المسلمين، ولهذا لو أوصى من لا وارث له خاصاً [لجماعة] المسلمين، لا تجعل وصيته لارث، وقال: إن الخلاف مبني على أن اللقيط تجري عليه أحكام الإسلام، أو تتوقف فيه إلى أن يعترف بالإسلام؟ فإن قلنا بالأول، أوجبنا القصاص، وإن قلنا بالثاني، فقد فات الاعتراف بقتله فلا يجب.
قلت: وما قاله من الاستشهاد بمسألة الوصية قد يمنعه القائل بالأول؛ فإن لبعض أصحابنا وجهاً: أنه لا تصح الوصية- كما سنقف عليه في موضعه- وخرج الماوردي الخلاف في فصل آخر على القولين في أن اللقيط محكوم بحريته ظاهراً، أم هو مجهول الأصل كما تقدم.
وحكى الماوردي في موضع آخر: أن بعض أصحابنا كان يجعل القولين على حالين، ويقول: إن قتله قبل البلوغ وجب القود، وإن كان بعد البلوغ، فلا؛ لأنه كان يقدر على إظهار حاله. ثم قال: وهذا الفرق مسلوب المعنى؛ لأنه إن اعتبر حال الشبهة، ففي الحالين، وإن اعتبر حال الظاهر، ففي الحالين؛ فلم يكن للفرق بينهما وجه. وهذا منه يدل على اعتقاده إجراء القولين في حال الصغر والكبر، لكن كلام الشيخ في حال الصغر، وأما حال الكبر فسيأتي، وقد نسب القاضي الحسين والإمام قول عدم وجوب القصاص إلى رواية البويطي، والمتولي إلى رواية الربيع.
قال الرافعي: والمفهوم من كلام المعظم أنه غير منصوص عليه، جاء في
стр. 5604
المسألة بخصوصها ولكن قال قائلون: اللقيط لا وارث له، وقد روى البويطي قولاً: أنه لا قصاص بقتل من لا وارث له. فيتناول اللقيط تناول العموم الخصوص.
وعن أبي الطيب بن سلمة والقفال تخليجه من أحد القولين في أن من قذف اللقيط بعد بلوغه لا يحد، أما إذا قتل اللقيط خطأ [أو عمد خطأ] فالواجب فيه دية حر، توضع في بيت المال ميراثاً للمسلمين؛ كما يتحمل بيت المال جنايته الخطأ.
وقد حكى القاضي الحسين في كتاب الوصية: أن [مال] من لا وارث له من المسلمين يكون سبيله سبيل المال الضائع، ويشبه أن يجيء مثله في ديته.
قال الرافعي: وقياس من قال بالتوقف في أحكام اللقيط ألا يوجب الدية الكاملة، ولم أَرَ [من] ذكره.
وفي ابن يونس حكاية قولين عن رواية البصريين:
أحدهما: تجب فيه دية الحر.
والثاني: يوقف إلى أن يتبين أنه حر أم عبد، وهما مذكوران في "الإبانة"، وحكاهما القاضي الحسين أيضاً، وقال: إن المذهب الأول.
وحكى الرافعي في موضع آخر من الباب قولاً أن الواجب أقل من الأمرين من الدية والقيمة؛ بناءً على أن الحرية غير مستيقنة، فلا يؤاخذ الجاني بما لا يستيقن شَغْل ذمته به.
قال الإمام: وقياس هذا أن يوجب الأقل من قيمة عبد أو دية مجوسي؛ لإمكان الحمل على التمجُّس.
قال: [وإن] قطع طرفه عمداً، وهو موسر، انتظر حتى يبلغ؛ كي لا يفوت عليه حق التشفِّي والانتقام، وقد ادعى الإمام نفي الخلاف فيه إذا كان عاقلاً مميزاً، وهكذا لو كان معتوهاً موسراً.
وقيل: للإمام في هذه الحالة أن يعفو على مال، حكاه الماوردي.
стр. 5605
[و] عن القفال: أن له في حال جنونه أن يقتص، وعلى المذهب: يحبس القاطع إلى أوان الإفاقة؛ كما يحبس إلى أوان البلوغ.
قال: "وإن كان معسراً: فإن كان معتوهاً، كان للإمام أن يعفو على مال يأخذه، وينفقه عليه". أشار الشيخ بهذه التتمة إلى علة الحكم، وهي الحاجة إلى النفقة، مع أن العَتَهَ يخفي وقت زواله، وهذا نصه في "المختصر"، وادعى الإمام نفي خلافه، لكنه زاد في القيود: أن يتحقق مسيس الحاجة إلى المال، [ويبعد] توقع الإفاقة.
وقال المتولي: ليس تتضح هذه المسألة إلا على قول لنا: أن موجب العمد أحد الأمرين، وأن اللقيط إذا لم يكن له مال، فلا يجب على المسلمين نفقته، وإنما يجب إقراضه؛ فيجوز استيفاء المال على طريق المصلحة؛ لأنه أولى من الاستقراض، وربما لا يوجد من يقرضه. وعلى هذا: يجوز له أن يقتص على [وجه]، وهو مطرد في موضع جوزنا له أن يعفو على مال؛ لأنه أحد البدلين فكان له استيفاؤه.
وقيل: ليس له العفو على مال.
قال: "وإن كان عاقلاً، انتظر حتى يبلغ"؛ لما ذكرناه، وفي "الحاوي" حكاية وجه: أن له العفو؛ نظراً للحاجة إلى النفقة.
قال المتولي: فعلى هذا: لو بلغ، واختار أن يرد الدية، ويقتص، ففيه وجهان؛ كالوجهين فيما إذا عفا وليه عن شفعته لمصلحة، ثم بلغ، وأراد الأخذ بها، وصاحب "التقريب" بناهما على أن أخذ المال عفو كلي وإسقاط للقصاص، أم أخذُ المال سببه الحيلولة لتعذر استيفاء القصاص الواجب؟ وما ذكرناه في أخذ الأرش للقيط يجري في كل طفل يليه أبوه أو جده.
وحكى الإمام عن شيخه: أنه ليس للوصي أخذه، قال: وهو حسن إن جعلناه إسقاطاً، أما إذا جوزناه للحيلولة، فينبغي أن يجوز للوصي أيضاً.
стр. 5606
واعلم: أنه لا فرق فيما ذكره الشيخ بين أن يعترف الجاني بحرية اللقيط وإسلامه أو يجحدهما، ويجيء فيه قول آخر- بناءً على مأخذ صاحب "الحاوي"، وأبي الطيب بن سلمة-: أنه لا يجب القصاص، وعلى مأخذ صاحب "التقريب": إن بلغ فأعرب بالإسلام، بان وجوبه، وإلا بان عدمه.
قال: "وإن بلغ، فقذفه رجل، وادعى بأنه عبد، وقال اللقيط: بل أنا حر- ففيه قولان" أي: منصوصان في "المختصر":
أصحهما: أن القول قول القاذف" أي: في درء الحد؛ لأنه يحتمل أن يكون عبداً، والأصل براءة الذمة من الحد مع أنه يسقط بالشبهة، وهذا ما نص عليه في اللعان.
ومنهم من جزم به؛ بناءً على أن اللقيط غير محكوم بحريته ظاهراً، فعلى هذا يجب عليه التعزير.
والقول الثاني: أن القول قول اللقيط؛ لأنا حكمنا بحريته ظاهراً؛ فلا ننقضها بالدعوى.
وأيضاً: فكما وجب القصاص بالجناية عليه فكذلك يجب الحد بقذفه. وهذا ما نص عليه هنا، واختاره المزني، وصححه الشيخ أبو علي، ومنهم من قطع به، وحمل الأول على مجهول لم تعرف حريته بالدار.
ومن جزم بالأول، فرق بين القذف والقتل إن سلّم وجوبه: بأن المقذوف حي يمكنه إقامة البينة على حريته؛ فإذا عجز عنها، ضعف حاله، والمقتول لا يقدر على إقامة البينة بعد قتله؛ فعمل فيه ظاهر حاله كالدية.
ولا خلاف أن اللقيط لو سكت بعد القذف، ولم يدع الحرية، وطالب بالحد: أنه لا يجب، صرح به الماوردي وغيره.
قال: "وإن جنى عليه حر" أي: بأن قطع طرفه، وقال: أنت عبد، وقال: بل أنا حر- فالقول قول اللقيط، فيحلف، ويقتص منه؛ لأن القصاص وجب من جهة الظاهر والقيمة مشكوك فيها، فلو تركنا القصاص إلى الدية عدلنا من الظاهر إلى مشكوك فيه، وذلك ممتنع. وتخالف المسألة قبلها؛ لأن التعزير ثَمَّ واجب،
стр. 5607
وهو بعض الحد فهو متيقن، فإذا تركنا إليه، عدلنا من الظاهر إلى يقين ولأن القصد من القذف الزجر، والتعزير يحصله، ومن القصاص التشفي، وهو لا يحصل بالمال، ولأن القصاص آكد ثبوتاً من حد القذف، بدليل ثبوته لغير العفيف وللصغير على الكبير، بخلاف حد القذف، وهذا ما نص عليه.
"وقيل: فيه قولان؛ كالقذف"، والجامع: قدرة اللقيط على إقامة البينة على الحرية، وهذه الطريقة التي أوردها الفوراني.
قال: وإن بلغ القيط، ووصف الكفر: فإن كان قد حكم بإسلامه تبعاً لأبيه، [فالمنصوص: أنه لا يقر عليه.
أشار الشيخ بهذا الفصل إلى أمرين:
أحدهما: أن إسلام الطفل يحكم به تبعاً لأبيه].
والثاني: أنه إذا وصف الكفر بعد ذلك وبعد بلوغه، هل يقر عليه أم لا؟
والثاني مرتب على الأول، فنقول: إذا أسلم الأبوان قبل بلوغ الطفل، حم بإسلامه، سواء كان لقيطاً وغير لقيط، وهذا مما لم يختلف العلماء فيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١]، وهكذا الحكم فيما إذا أسلم الأب. وسواء كانا في دار واحدة، أو كان الأب في دار الكفر والابن في دار الإسلام، كما قاله القاضي في "الفتاوى".
وصوره بما إذا سبي الصغير مع أمه.
وأما إذا أسلمت الأم والأب كافر، فهو عندنا كذلك، خلافاً لمالك؛ فإنه أتبعه بأبيه في الكفر، ولم يتبعه لأمه في الإسلام كما لا يتبعها في الأمان، ولنا عليه قوله ﷺ : "الإِسْلامُ يَعْلُو وَلا يُعْلَى عَلَيْهِ".
وقوله ﷺ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ؛ كَمَا تنْتجُ الْإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ، هَلْ [تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ]؟! " قال: يا رسول الله،
стр. 5608
أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: "اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ"، فأخبر أن الأبوين معاً يهودان الصبي، وينصرانه، [وعنده يهوده أحدهما].
ومعنى قوله: "يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ" أي: على الإقرار بأن الله [تعالى] خالقه، وضرب لليهود والنصارى مثلاً بالإبل إذا أُنتجت من بهيمة جمعاء- أي: سليمة- سميت بذلك؛ لاجتماع السلامة لها في أعضائها، فتُجدع أنوف نتاجها، وتفقأ عيونها.
وأيضاً: فإنه يتبع الأم إذا كان حملاً فيتبعها إذا انفصل؛ كالأب، مع أنه يتبعها في الرق والحرية؛ لكونه منها حقيقة، فكانت التبعية بها في الإسلام أولى، ولبعض أصحابنا شيء في تبعيته للأم سنذكره في قتال المشركين، إن شاء الله تعالى.
ولا فرق عندنا في ذلك بين أن يبلغ الصبي سن التمييز، ويحكم بإسلامه إذا اعترف به أم لا، وإن كان لأصحاب أبي حنيفة تردد في منعه.
قال الإمام: وهو موضع التردد؛ لأن الجمع بين إمكان الاستقلال وبين إثبات التبعية بعيد؛ فإن البالغ العاقل لما قدر على الاستقلال، لم يتبع غيره في الإسلام اتفاقاً.
وحكم من بلغ مجنوناً، ثم استمر إلى أن أسلم أحد أبويه- حكم الصغير عندنا. ولو كان مجنوناً عند الإسلام، وقد بلغ عاقلاً، ففي تبعيته وجهان، أصحهما في "تعليق" القاضي الحسين الاستتباع-[أيضاً- كما] أن الأصح عود ولاية المال لأبيه. وهو الذي ذهب إليه أكثر الأصحاب كما قال الماوردي، وجعله القاضي أبو الطيب والمصنف في كتاب السير المذهب.
стр. 5609
ولو كان عند الإسلام بالغاً [عاقلاً]، ثم جن بعد ذلك، فهو كافر.
وإسلام الجد وإن علا من قبل الأبوين عند فقد مَنْ دونه، وكذا الجدة وإن علت من قبل الأبوين عند فقد من دونها- كإسلام الأب والأم في التبعية.
ولو كان ثم من هو أقرب منهما كافراً: كما إذا أسلم الجدُّ، والأبُ كافرٌ، أو الجدة، والأم كافرة، أو الجدة، والأب كافر- ففي الحكم بتبعية الولد في الإسلام وجهان:
أقربها في "الرافعي": الاستتباع؛ لأن سبب التبعية القرابة، ولأنها لا تختلف بحياة الأب وموته؛ كسقوط القصاص، وحد القذف.
والمذهب في "تعليق" القاضي الحسين: عدمه.
وسنذكر في باب قتال المشركين طريقين آخرين فيه.
وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب في باب دعوى الأعاجم: أن القاضي أبا الطيب قال: سمعت أبا الحسين الماسرجسي يقول: سمعت أبا علي بن أبي هريرة يقول: إذا كان الصغير ذميّاً، فأسلم جده، هل يكون إسلاماً له؟ فيه وجهان لأصحابنا، ووجه المنع: أن إسلام الجد لو كان إسلاماً له، لوجب أن يحكم بإسلام جميع الأطفال بإسلام جدهم آدم؛ لأنه جد الأجداد.
والماوردي حكى في الباب المذكور في تبعية ولد الولد لجده أو جدته ثلاثة أوجه، ثالثها: إن كان الأب أو الأم موجوداً، لم يتبع، وإلا تبع، [قال القاضي الحسين في باب دعوى الأعاجم: والوجهان في تبعية الجد دون الأب يجريان في انعقاده مسلماً إذا تقدم إسلام الجد وبقي الأب كافراً عند العلوق].
وإذا حكمنا بإسلامه تبعاً، أجرينا عليه جميع أحكام الإسلام، حتى لو كان عبداً أجزأ عتقه عن كفارة الظهار وغيرها، وكان للمعتق وطء المرأة المظاهر عنها في الحال.
فإذا تقرر ذلك، فبلغ الصبي، وعقل المجنون، ووصف الكفر- فالمنصوص في كتاب [السير]: المرتد الكبير أنه لا يقر عليه، ويقتل بالردة. وسواء حصل
стр. 5610
إسلام الأبوين بعد العلوق وقبل الانفصال، أو بعد الانفصال- كما صرح به الإمام- لأنه سبق الحكم بإسلامه جزماً في الظاهر والباطن؛ فأشبه من باشر الإسلام، ثم ارتد.
ومن أسلم أحد أبويه قبل العلوق، فإنه لا خلاف أنه لا يقر عليه، وخرج فيه قول آخر- أي من المسألة بعدها-: أنه يقر عليه؛ لأنه كان محكوماً بكفره حين خلق، فأزيل ذلك بطريق التبعية، فإذا استقل، انقطعت؛ فوجب أن يعتبر بنفسه. وهذا ما ادعى الإمام أنَّ مَيْلَ ظاهر النص الذي نقله المزني إليه، ومنهم من لم يثبت هذا القول أصلاً، وقطع بالأول.
فعلى هذا: لا يجب عليه إذا بلغ أو أفاق أن يتلفظ [بكلمة الإسلام ولا ببعض شيء مما أمضيناه من أحكام الإسلام. وعلى الثاني: يجب عليه أن يتلفظ] بكلمة الإسلام بعد البلوغ والإفاقة، حتى لو مات، مات كافراً، [كما] صرح به الرافعي في كتاب الظهار، وهل ينقض ما جرى من الأحكام؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا.
وأظهرهما: أنا [لا] نتبين الانتقاض، ويستدرك ما أمكن استدراكه حتى يسترد ما أخذه [منه] من النفقة من بيت المال كما حكيناه عن النص، وما أخذه من تركة قريبه المسلم، ويأخذ من تركة قريبة الكافر ما حرمناه منه، ويحكم بأن عتقه عن الكفارة لم يقع مجزئاً، ثم ينظر: فإن كان الكفر الذي كان عليه مما يقر عليه بالجزية، فلا نقاتله، ونقره بالجزية، وإن كان لا يقر عليه، ألحقناه بدار الحرب، فلو كان على اليهودية، وأراد أن ينتقل إلى النصرانية، فهو كمن انتقل من دين إلى دين، ومحله نكاح المشركات.
وحكم المحكوم بإسلامه تبعاً للسابي- كما ذكره الشيخ في قتال المشركين- حكم المحكوم بإسلامه تبعاً لأبيه، صرح به القاضي الحسين وغيره.
قال: وإن حكم بإسلامه تبعاً للدار، ثم بلغ ووصف الكفر- فالمنصوص:
стр. 5611
أنه يقال له: لا نقبل منك إلا الإسلام. ويفزعه، فإن أقام على الكفر، قبل منه؛ لأنا إنما حكمنا بإسلامه ظاهراً، واختياره عن نفسه أقوى منه، ومما يدل على أن الحكم بإسلامه ظاهراً: أنه لو ادعاه كافر، وقامت بينة على أنه ابنه، حكم بكونه كافراً، ويخالف المسألة قبلها؛ فإنه ثَمَّ مقطوع بإسلامه ظاهراً وباطناً، وكذلك يفارق المسبي؛ لأنا حكمنا بإسلامه تبعاً للسابي، مع علمنا بأن أبويه كافران، وهذا ما اختاره في "المرشد".
قال: "وخرج فيه قول آخر: أنه كالمحكوم بإسلامه بأبيه"، والجامع: الحكم بإسلامه ظاهراً، والقائل بظاهر النص هو أبو إسحاق.
ومن التعليل الذي ذكرناه يظهر لك: أن محل الخلاف إذا حكم بإسلامه تبعاً للدار وفيها كفار، أما إذا لم يكن فيه كفار أصلاً، فهو محكوم بإسلامه ظاهراً وباطناً؛ فلا يقر على كفره قولاً واحداً، كما صرح [به] الماوردي، وذكر تفصيلاً في أصل المسألة: وهو أنه إذا أبى إلا أن يكون مشركاً، سئل عن سبب شركه؟ فإن قال: لأن أبي [مشرك] وصرت إلى أتباع أبي، ترك لما اختاره لاحتماله، وأجري عليه أحكام الشرك، وإن قال: لست أعلم دين أبي: هل هو الإسلام أو غيره؟ ولكني أختار الشرك؛ ميلاً إليه ورغبة فيه- فهو محل الخلاف، والأصح: أنه لا يقبل منه، ويجعل إن أقام على ذلك مرتدّاً.
قال: "فإن بلغ، وسكت، وقتله مسلم، [فقد قيل:] لا قَوَد عليه؛ لأنه يحتمل أنه لم يصف الإسلام لاعتقاده الكفر، والقصاص يسقط بالشبهة، وهذا هو المنصوص، والمختار في "المهذب" و"المرشد". "وقيل: يجب"؛ لأنه محكوم بإسلامه؛ فوجب على قاتله القود كما قبل البلوغ. والقائل الأول فرق بأنه حينئذ محكوم بإسلامه تبعاً، وقد انقطعت التبعية بالبلوغ.
والقولان مبنيان على أنه لو اعترف بالكفر، هل يكون مرتدّاً أو كافراً أصليّاً؟ إن قلنا بالأول، وجب القصاص، وإلا فلا.
стр. 5612
قال الرافعي: لكن الأظهر منع القصاص، وإن كان الأظهر كونه مرتدّاً تعليلاً بالشهبة. وهذا منه إشارة إلى حالة الحكم بإسلامه تبعاً لأبيه أو السابي، وهي الصورة التي حكي في "المهذب" فيها الخلاف، وإلا إذا حكمنا بإسلامه تبعاً للدار، فالأظهر أنه كافر أصلي.
وحكى الإمام عن القاضي الحسين إجراء القول بمنع القصاص مع الحكم بأنه لو أعرب بالكفر لكان مرتدّاً. وعده من هفواته.
قال: "وقيل: إن الحكم بإسلامه تبعاً لأبيه، فعليه القود، وإن حكم بإسلامه بالدار، فلا قود [عليه] "؛ لضعف هذا، وقوة ذلك، كما تقدم.
والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ حكيا الخلاف في وجوب القود بقتل من حكم بإسلامه تبعاً لأبيه أو للسابي ثم قالا: فلو كان محكوماً بإسلامه والولد، فإن قلنا في الأولى لا يجب القصاص، فها هنا أولى، وإلا فوجهان، ثم حيث لا يجب القود فالذي أطلقه الأصحاب: أنه يجب دية مسلم، وقياس ما تقدم في حال الصغر لا يخفى.
ولو مات اللقيط بعد البلوغ، وقبل إعرابه بالإسلام، ورثه قريبه المسلم.
ولو مات له قريب مسلم، فإرثه منه موقوف، كذا حكاه القاضي الحسين.
وقال الإمام: أما التوريث منه فيخرج على ما إذا مات قبل الإعراب: هل ينقض الحكم الذي جرى في الصغر أم لا؟
وأما توريثه: فإن عني بالتوقف أن يقال له: أعرب عن نفسك بالإسلام، فهو قريب، ويستفاد به الخروج من الخلاف.
والذي حكاه غيره: أنه إذا مات له قريب مسلم قبل أن يعرب عن نفسه بشيء، أو أعتق عن الكفارة- فإن قلنا: لو أعرب عن نفسه بالكفر لكان مرتدّاً، أمضينا أحكام الإسلام. وإن كنا نجعله كافراً أصليّاً: فإن أعرب بالكفر تبينا أنه لا وارث له، ولا إجزاء عن الكفارة.
стр. 5613
وإن فات الإعراب بموت أو قتل، فوجهان:
أحدهما: إمضاء الحكم؛ كما لو مات في الصغر.
وأظهرهما في "الرافعي": يبين الانتقاض؛ لأن سبب التبعية الصغر، وقد زال، ولم يظهر في الحال حكمه في نفسه؛ فرد الأمر إلى الكفر الأصلي.
أما إذا بلغ، ومات، أو قتل قبل أن يتمكن من الإعراب فحكمه حكم ما لو كان ذلك قبل البلوغ، حكاه القاضي أبو الطيب هنا، والرافعي في كتاب الظهار.
قال: "وإن بلغ وباع واشترى، ونكح، وطلق، وجنى وجني عليه، ثم أقر بالرق" أي]: وصدقه المقر له، ولم يسبق منه إقرار بالحرية- فقد قيل فيه قولان:
أحدهما: يقبل إقراره؛ كما لو قدم رجل من بلاد الكفر لا يعرف نسبه فأقر بالرق، ولأن الإقرار أقوى من البينة، ولو قامت بينة على رقه، حكم بها، وكذلك إذا أقر. فعلى هذا: حكمه حكم الرقيق في جميع التصرفات في الماضي والمستقبل. ولو ادعى عليه رجل: أنه رقيق، فأنكره- كان له أن يحلفه.
والثاني: لا يقبل"؛ لأنه محكوم بحريته بظاهر الدار، وقد تعلقت به حقوق الله تعالى والعباد؛ فلم يقبل إقراره بما يسقطها، كما لو أقر بالحرية ثم أقر بالرق؛ فإنه لا يقبل منه. فعلى هذا: لا أثر لإقراره في التصرفات في الماضي والمستقبل. قال الإمام: اللهم إلا أن يكون اللقيط عبداً، وقد نكح؛ فإن في ضمن إقراره اعترافاً بأنها محرمة عليه؛ فلا يمكن القول بحلِّها.
ولو ادعى عليه رجل: أنه رقيقه، فأنكره- لم يكن له تحليفه؛ بناءً على الصحيح في أن اليمين مع النكول بمنزلة الإقرار، كما قاله ابن الصباغ، أما إذا جعلناها كالبينة فله التحليف؛ رجاء أن ينكل، فيحلف المدعي، ويستحق، قاله الرافعي. وهذه طريقة أبي الطيب بن سلمة.
وقيل: إذا أقر بالرق بعد الاعتراف بالحرية، يقبل، وحكى الإمام عن الصيدلاني القطع [به]؛ تشبيهاً بما إذا أنكرت الزوجة الرجعة في العدة، ثم أقرت بها؛ [حيث يقبل، وفي "تعليق" القاضي الحسين- حكاية عن القفال- فيما إذا ادعى عليه الرق فأنكره، ثم عاد، واعترف به- قبل منه؛ كما لو أنكرت الزوجة الرجعة
стр. 5614
في العدة ثم أقرت بها]. وهذا التشبيه أقرب.
قال: "وقيل: يقبل إقراره قولاً واحداً"؛ لما ذكرناه، وهذا ما نص عليه عامة الأصحاب كما قاله ابن الصباغ.
وقال البندنيجي: إنه المذهب، وذكر القاضي الحسين أن الشافعي نص عليه في "الأم"، قال: "وفي حكمه قولان:
أحدهما: يقبل في جميع الأحكام"؛ لأنها فرع الرق؛ فتثبت بثبوته، وهذا أظهر عند الغزالي. والثاني: [يفصل] فيقبل فيما عليه ولا يقبل فيما له"؛ كما لو قال: لفلان علي ألف، ولي عنده رهن بها؛ فإنه يقبل فيما عليه دون ماله، ولأنه أقر بما يضره ويضر غيره، فقبل فيما يضره دون ما يضر غيره؛ كما إذا أقر بدين على غيره وعليه. وهذا هو الأصح عند المسعودي، والبغوي، والروياني، وبه أجاب ابن الحداد.
أما التصرفات الصادرة بعد الحكم برقه، فحكمه فيها حكم الأرقاء على هذه الطريقة قولاً واحداً.
وفي "النهاية": أن بعض الأصحاب طرد قول التفصيل بين ماي ضره، ويضر غيره في المستقبل أيضاً، لكن الصحيح الأول وعليه يفرع، فإذا صدرت منه عقود، لا يقبل قوله في [فساد [أعواضها]، فإن كان في يده مال، استوفيت منه، وإن كانت مبيعة كما إذا باع عيناً فسلمت للمشتري]، والثمن إن لم يكن قد استوفاه، استوفاه السيد، وكان يتجه أن يجب له أقل الأمرين من الثمن أو القيمة- كما سنذكر في المهر بعد الدخول- لكن الفرق أن الصداق ركن في العقد، بخلاف الثمن.
وإن كان اللقيط امرأة فتزوجت، فالنكاح في حق الزوج كالصحيح، سواء كان ممن يحل له نكاح الإماء أم لا، كما صرح به البندنيجي وابن الصباغ والمتولي.
وعن ابن كج: أنه إن كان ممن لا يحل له نكاح الإماء، حكمنا بانفساخ
стр. 5615
النكاح، والأولاد منها قبل الإقرار بالرق أحرار، ولا يغرم الزوج قيمتهم، وللزوج الخيار في فسخ النكاح كما نص عليه في "المختصر"، فإن فسخ، سقط عنه المهر إن كان قبل الدخول، وإن كان بعده، وجب عليه أقل الأمرين من المسمى ومهر المثل، وهل يرجع به عليها إذا عتقت؟ فيه قولان في "تعليق" القاضي الحسين و"الحاوي"، وهما قولا الغرور.
وإن أمسكها، ففي "التهذيب" و"تعليق" القاضي الحسين و"الحاوي": أن عليه المسمى، وأنه إن طلقها قبل الدخول، فعليه نصف المسمى، وقياس ما قاله في "المهذب" والبندنيجي: أن النكاح بالنسبة إليها فاسد- أن يجب عليه أقل الأمرين إن كان بعد الدخول، وإن كان قبله، فلا شيء عليه، وعلى كل حال فلو كان الزوج قد دفع المهر إليها، فلا يغرمه ثانياً، وما يحدث من الأولاد بعد ذلك أرقاء.
قال المتولي: لأنه رضي بذلك حيث لم يفسخ.
وقال الإمام: هذا ظاهر إذا قبلنا الإقرار فيما يضر بالغير في المستقبل، أما [إذا] أجرينا قول التفصيل في المستقبل- أيضاً- فيحتمل أن يقال بحريتهم؛ صيانة لحق الزوج فإنهم من مقاصد النكاح؛ كما أَدَمْنا النكاح صيانة لحق الزوج في الوطء وسائر المقاصد، ويحتمل أن يقال برقهم، وهو ظاهر ما طلقه الأصحاب؛ لأن العلوق أمر موهوم فلا يجعل مستحقّاً بالنكاح بخلاف الوطء، وتردد أيضاً في أنا إذا أدمنا النكاح فنسلمها تسليم الحرائر أو تسليم الإماء؟ والظاهر الأول.
ولو طلق، نظر: إن كان الطلاق رجعيّاً فوجهان.
الذي ذكره الأكثرون: أنها تعتدُّ بثلاثة أقراء، وله الرجعة فيها.
والثاني: أن عليها الاعتداد بقُرْأين؛ لأن هذا حكم ثبت في المستقبل بعد ثبوت الرق. ولو كان اعترافها في أثناء العدة، أكملت عدة حرة. وهذا أصح عند أبي الفرج الزاز، وحكاه عن ابن سريج.
ولو كان الطلاق بائناً، فأصح الوجهين: أن الحكم كما في الطلاق الرجعي؛
стр. 5616
لأن العدة [فيهما] لا تختلف. والثاني: أنها تعتد عدة الإماء مطلقاً.
وإذا فسخ الزوج نكاحها، فهو شبيه بالطلاق البائن، وإن مات عنها، فعدتها: شهران وخمس ليال؛ لأن عدة الوفاء تجب لحق الله- تعالى- ولا حق له فيها، وهذا إذا كان قبل الدخول [بها]؛ فإن جرى الدخول، فعليها الاستبراء.
قال الإمام: والقول في أنه بقرء أو قرأين على الذي سبق. وقد ذكرته أنا في كتاب العدد.
ولو كان اللقيط عبداً، وقد تزوج، حكمنا بانفساخ النكاح من الآن، فإن كان قبل الدخول، وجب لها نصف المهر، وإن كان بعده، وجب لها كله، ولو كان قد قتل عبداً عمداً، وجب عليه القصاص على القولين معاً، وكذا تجب القيمة في رقبته إن كان خطأ على القولين معاً؛ لأن وجوب القصاص وتعلق القيمة بالرقبة يضره ولا يضر غيره.
وفي "التهذيب": أنه إن كان في يده مال، أخذ الأرش منه.
قال الرافعي: وهو خلاف قياس القولين؛ لأن أرش الخطأ لا يتعلق بما في يد الجاني حرّاً كان أو عبداً.
وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب: أنا إن قلنا: يقبل إقراره فيما لا يضر غيره، فإن الدية تكون في بيت المال.
ورجح ابن الصباغ الأولى، وقال: إن كانت قيمته أقل من أرش الجناية، فينبغي أن يجب الفاضل في بيت المال، ولا يسقط حقه منه بإقرار الجاني بالرق.
وحكى الماوردي قولاً: أن الفاضل عن قدر قيمته يتعلق بذمته إلى أن يعتق؛ تفريعاً على ما عليه التفريع.
ولو جنى عليه حر عمداً، لم يجب عليه القصاص، وإن قطع يد حر خطأ، وجب له عليه أقل الأمرين من نصف القيمة أو نصف الدية إن قلنا: إن جراح العبد مقدرة.
وفي "النهاية" حكاية وجه: أنه إذا كان نصف الدية أقل، وجب نصف القيمة، أما إذا أقر بالرق، ولم يسبق منه تصرف يناقض ما أقر به، قبل إقراره.
стр. 5617
وعن رواية صاحب "التقريب" قول: أنه لا يقبل؛ لأنه محكوم بحريته بالدار؛ فلا يغير بإقراره؛ كمن حكم بإسلامه بالدار، ثم بلغ ووصف الكفر، ولو كذبه المقر له، سقط إقراره، فلو عاد، وصدقه، لم يسلم إليه.
ولو أقر اللقيط بالرق لغيره، فالمذهب المنصوص: أنه لا يقبل، ويحكم بحريته، وبه جزم الفوراني؛ لأنه لما أقر للأول، كان تقديره: أنه لا يملكني أحد سواه، فإذا كذبه، خرج عن أن يكون مملوكاً لأحد؛ فصار ما لو أقر على نفسه بالحرية ثم أقر بالرق، وقد قيل: يقبل، وينسب إلى تخريج ابن سريج- كما حكاه البندنيجي- والله أعلم.
стр. 5618
كفاية النبيه
شرح التنبيه
الجزء الثاني عشر
يحتوي على الأبواب التالية:
الوقف- الهبة- الوصية- العتق- التدبير
الكتابة- عتق أم الولد- الولاء
كتاب الفرائض
стр. 5619
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب الوقف
الوقف, والتحبيس, والتسبيل: بمعنىً, وهو في اللغة: الحبس, يقال: حبست الأرض, وأحبستها, ووقفت الأرض وغيرها, أقفها وقفًا, ولا يقال: أوقفتها, إلا في لغة رديئة.
وقال الجوهري وغيره: وليس في الكلام "أوقفت" إلا في حرف واحد: أوقفت عن الأمر الذي كنت عليه.
قال أبو عمرو: كل شيء أمسكت عنه تقول [فيه]: "أوقفت".
قال الكسائي: يقال: ما أوقفك هنا, أي: ما صيرك إلى الوقوف.
وجمع الوقف: وقُوُفٌ وأوقاف.
وحقيقته شرعًا -على الصحيح-: حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه, ممنوع من التصرف في عينه, وتصرف منافعه إلى وجه من وجوه [البر] , يقصد به التقرب إلى الله تعالى.
وإن شئت قلت: حبس ما يمكن الانتفاع به ... إلى آخره؛ ليدخل الكلب المعلَّم على رأي.
وسمي هذا التصرف وقفًا؛ لأن عين المال تبقى موقوفة, وسمي حبسًا؛ لأن المال يصير محبوسًا [على جهة معينة].
стр. 5620
وسمي سبيلًا؛ لأن الثمرة [تصير] مسبلة.
قال الشافعي –﵀: ولم يحبس أهل الجاهلية –فيما عملته- دارًا ولا أرضًا [تبرُّرًا].
والأصل في مشروعيته: ما روى أبو داود مسندًا عن نافع [عن] ابن عمر قال: أصاب عمر أرضًا بخيبر, فأتى رسول الله ﷺ فقال: أصبت أرضًا لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه, وكيف تأمرني؟ فقال: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها", فتصدق بها عمر: أنه لا يباع أصلها, ولا توهب, ولا تورث, للفقراء, والقربى, والرقاب, وفي سبيل الله, وابن السبيل. وفي رواية: والضيف – لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف, ويطعم صديقًا غير متموِّل فيه.
وفي رواية: غير متأثِّل مالًا. أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
وقال يحيي بن سعيد –وهو الأنصاري-: نسخها لي عبد الحمي بن عبد الله [بن عبد الله] بن عمر بن الخطاب- يعني صدقة عمر بن الخطاب-: بسم الله الرحمن الرحيم, هذا ما كتب عمر في ثمغ, فقص [من خبره] نحو حديث نافع قال: "غير متأثل مالًا فما عفا عنه من ثمره فهو للسائل والمحروم", قال: وساق القصة, وإن شاء ولى ثمغ اشترى من ثمره رقيقًا لعمله, وكتب معيقيب –وشهد عبد الله بن الأرقم: بسم الله الرحمن الرحيم, هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين: إن حدث فِىَّ حدثٌ أن ثمغًا وصرمة ابن الأكوع والعبد الذي فيه والمائة سهم التي بخيبر ورقيقه الذي أطعمه محمد ﷺ بالوادي –تليه حفصة ما عاشت, ثم يليه ذوو الرأي من أهلها, ألا يباع, ولا يشترى, ينفقه حيث رأى, من السائل والمحروم, وذوي القربى, ولا جناح على وليه إن أكل, أو آكل, أو اشترى
стр. 5621
رقيقًا منه".
ومعيقيب: هو ابن أبي فاطمة, وعبد الله بن الأرقم القرشي الزهري, ولهما صحبة.
وثمغٌ: بفتح الثاء المثلثة, وبعدها ميم ساكنة –وقيدها بعضهم بالفتح- وغين معجمة, وصرمة ابن الأكوع: هما مالان معروفان بالمدينة كانا لعمر بن الخطاب فوقفهما.
وأكل: أي أطعم, آكله إيكالًا: أطعمه.
وقد قيل: إن ما وقفه عمر [بن الخطاب] من أرض خيبر صدقة تصدق بها في الإسلام.
قال: الوقف قربة مندوب إليها؛ لقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] , وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ﴾ [آل عمران: ١١٥] والوقف خير؛ فاندرج تحت عموم ذلك. ولقوله ﷺ : "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء: من صدقةٍ [جارية] , أو علم ينتفع به, أو ولدٍ صالح يدعو له" كما أخرجه أبو داود ومسلم وغيرهما.
وحمل العلماء الصدقة الجارية على الوقف, وقد قال الشافعي في القديم: ولقد بلغني أن ثمانين نفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ من الأنصار تصدقوا بصدقات محرمات موقوفات.
وقال جابر: ما بقي أحد من أصحاب رسول الله ﷺ له مقدرة إلا وقف.
وهذه الوقوف [جارية على سبلها] إلى اليوم بمكة والمدينة.
стр. 5622
واحترز الشيخ بقوله: مندوب إليها عن القربة الواجبة, ولأن القرب منها ما قام دليل عليه بخصوصه, كالعتق وصلة الرحم وغير ذلك, ومنها ما اندرج في عموم قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧] ونحوه؛ فتبين أن الوقف من الأول وهو آكد من الثاني؛ لتظافر الدليل العام والخاص عليه.
قال: ولا يصح إلا ممن لا يجوز تصرفه في ماله؛ لأنه تصرف في المال, ويعتبر مع جواز التصرف في المال أن يكون أهلًا للتبرع فإن المكاتب من يجوز تصرفه في ماله ولا يصح وقفه.
قال: ولا يصح إلا في عين معينة, فإن وقف شيئاً في الذمة بأن قال: وقفت فرسًا أو عبدًا, لم يصح؛ لأنه إزالة ملك على وجه القربة؛ فلم يصح في عين الذمة كالعتق والصدقة, وهكذا الحكم فيما لو ثبت له في ذمة شخص فرس أو عبد فوقفه, ولو وقف أحد العبدين أو إحدى داريه ففيه وجهان في "الوسيط", وأصحهما: المنع كما في الهبة, ومن جوز قاسه على العتق.
قال الإمام: وهذا التردد يضاهي تردد الأصحاب في أن الوقف هل يقبل التعليقَ [قبولَ] العتق له, ويلتفت على أن الوقف إذا اقترن بالشرط المفسد هل يفسد أم ينفذ نفوذ العتق؟ ثم إذا صححناه طالبناه بالتعيين, فإن أفضى الأمر إلى الإقراع أقرع, كما في العتق.
قال: ولا يصح إلا في عين يمكن الانتفاع بها مع بقائها على الدوام كالعقار والحيوان والأثاث أي –سواء كان مفرزًا أو مشاعًا.
ووجه صحة وقف هذه الأنواع –مع ما ذكرناه من حديث عمر-: ما روي أن النبي ﷺ بعث عمر ساعيًا على الصدقات, فلما رجع شكا العباس وخالدًا و [ابن] جميل, فقال ﷺ : "ما نقم ابن جميل, إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله تعالى ورسوله, وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا؛ إنه قد احتبس أدراعه, وأعتاده في سبيل الله ". وروي: "أدراعه وأعتده". والأعتد, قال القاضي الحسين: الخيل.
стр. 5623
و [بعضهم] روى أن أم معقل جاءت [إلى] النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله, إن أبا معقل جعل ناضحه في سبيل الله, وإني أريد الحج, فأركبه؟ فقال النبي ﷺ : "اركبيه؛ فإن الحج والعمرة من سبيل الله".
وذكر الشيخ العقار –وإن كان مجمعًا على جواز وقفه- لنقيس عليه ما ذكره معه؛ بجامع اشتراكهما فيما ذكره.
وأيضاً: فالمسلمون متفقون على وقف الحصر والقناديل والزلالي في جميع الأعصار من غير إنكار.
ولا فرق في الحيوان بين أن يكون بهيمًا أو آدميًّا, ولا في [الآدمي بين] المسلم والكافر, ولا في [الكافر بين] أن يكون كتابيًّا أو وثنيًّا, كما صرح به القاضي الحسين.
تنبيه: الأثاث –بفتح الهمزة-: متاع البيت ونحوه, قال الفراء: لا واحد له من لفظه.
وقال أبو زيد: الأثاث يقع على المال أجمع من الإبل والغنم والبقر, ومتاع البيع, واحدته: أثاثة, والأول بكلام الشيخ أمسُّ.
[قال]: فإن وقف مالًا ينتفع به مع بقائه كالأثمان والطعام, أو مالاً ينتفع به على الدوام كالمشموم –لم يجز؛ لأنه ليس في معنى المنصوص عليه, فلا يمكن إلحاقه, مع أن تسبيل الثمرة وتحبيس الأصل غير ممكن فيه.
وفي الأثمان وجه: أنه يجوز وقفها؛ بناء على جواز إجارتها, وبه جزم الفوراني عند التصريح بكونها للزينة, وقد حكاه أبو ثور عن الشافعي. قال البندنيجي: وليس بشيء.
стр. 5624
قد ألحق الماوردي بما لا منفعة فيه وقف الخصي من الغنم.
وقال في "البحر": وعندي يحتمل وجهًا: أنه لا يجوز؛ لأنه ينتفع بصوفه كما ينتفع من الأنثى بلبنها ونسلها, ورأيته عن أصحابنا.
واعلم أن ما ذكره الشيخ من كون الوقف لا يصح إلا في عين يمكن الانتفاع بها مع بقائها على الدوام, صحيح, لكنه لا يكفي في ضبط ما يجوز وقفه؛ لأن الحر, والموصى بمنفعته, وأم الولد, والكلب المعلَّم يمكن الانتفاع بهم على الدوام, ومع هذا لا يصح وقف الحر ولا الموصى بمنفعته من مالك المنفعة اتفاقًا, وكذا وقف أم الولد, كما جزم به البندنيجي, وهو عند غيره الأصح؛ بناء على أن الوقف ينقل الملك, وهو المذهب.
ومن قال: إن الوقف لا ينقل الملك, جوزه على وجه, كما صرح به الماوردي وغيره, وحكى الخلاف, ولم يثبته.
وقال القاضي الحسين في "تعليقه": إن الظاهر الجواز, وهو الذي [اختاره] في "المرشد". وعلى هذا: إذا مات السيد هل يبطل الوقف؟ [قال المتولي]: لا؛ بل تبقى منافعها للموقوف عليه؛ كما لو أجرها ومات, ويكون لها الرجوع بعوض منافعها. وفي "الحاوي" و"النهاية": أنه يبطل بلا خلاف. قال الإمام: لأن الحرية تنافي الوقف دون الإجارة, وهذا قضية كلام ابن كج.
وأما الكلب, فجزم المعظم بمنع وقفه, وإن جازت إجازته؛ لعدم الملك فيه كالحر.
وممن جزم به: البندنيجي [والماوردي] والقفال كما حكاه القاضي الحسين, والقاضي أبو الطيب حكاه عن النص, وقد أجاز بعضهم وقفه.
واختلفوا في أصله: فالشيخ أبو حامد كما حكاه عنه في "الإبانة", والماوردي والقاضي الحسين بنوه على جواز إجازته.
ومنهم من بناه على جواز هبته.
ومنهم من بناه على أن الوقف لا يقتضي نقل الملك, وقد حكى في "البحر" طريقة
стр. 5625
قاطعة بهذا الوجه, ونسبها الفوراني إلى القفال, واختارها في "المرشد".
ومن خرج هذا الوقف على ما ذكرناه يلزمه تجويز وقف الموصى له بالمنفعة ولم يجوزه؛ فلا جرم كان الأصل عند المعظم [المنع] , وحينئذ فلو قال الشيخ: ولا يصح الوقف إلا في عين يمكن بيعها ويمكن الانتفاع بها على الدوام –كما قال القاضي أبو الطيب- لكان شاملًا لما يجوز وقفه على الصحيح, وعليه ينطبق أن المكاتب لا يجوز وقفه على الصحيح, وبه جزم الماوردي.
فإن قلت: ما ذكرته وإن كان مانعًا فهو غير جامع؛ لأمرين:
أحدهما: أنه يقتضي أن وقف الأشجار لثمارها, والمواشي لأصوافها وألبانها ونتاجها, والفحل لطروقه على بهائم أهل القرية– لا يجوز؛ لأن ما وقف غير منتفع به, وإنما الانتفاع حاصل بما صدر عنه, والانتفاع به حقيقة: كالدار تسكن والدابة تركب, والثوب يلبس ونحوه؛ ولهذا قال الغزالي: يجوز وقف كُلِّ مُتعين تحصل منه فائدة, أو منفعة لا تفوت العين باستيفائها.
الثاني: أنه يقتضي أن وقف المعلق عتقه لا يصح, وكذا المدبر إذا قلنا: إن التدبير عتق بصفة؛ لأنهما على قولنا: إن الوقف لا ينقل الملك, إذا مات السيد عَتَقَا؛ فهو مال لا ينتفع به مع بقائه على الدوام, مع أن وقفهما صحيح اتفاقًا.
قلت: الجواب عن الأول: أن أهل العرف يعدون [مثل] هذه الأعيان منتفعًا بها,
стр. 5626
وكذلك حملة الشرع حيث قالوا في شرائط المبيع: أن يكون منتفعًا به, ولولا شمول الاسم النوعين لما كان كلامهم به مستقيمًا.
وعن الثاني من وجهين:
أحدهما: أنه فرع على الصحيح في أن الملك ينتقل بنفس الوقف؛ لأن الحدود إنما تذكر لحصر ما عليه آحاده, وحينئذٍ فلا يعتق واحد منهما بموت الواقف –كما صرح به الماوردي وغيره- إلا أن يقول: الاعتبار في التعليق بحاله [التعليق لا حالة] وجود الصفة –كما حكاه المراوزة- فحينئذٍ [يعتق بكلٍّ, وقد يقال: إذا نظرنا إلى حالة وجود الصفة مع قولنا: إن الملك للواقف] , يكون في نفوذه الخلاف الآتي في تنجيز عتق الموقوف, وقد أغرب في "التهذيب"؛ حيث جعل التفريع على قولنا: إنه ينتقل إلى الله تعالى, كالتفريع على أنه لا ينتقل حتى ينفذ العتق.
[و] الثاني: أن الشيخ اعتبر إمكان الانتفاع بالعين مع بقائها على الدوام, والإمكان موجود؛ لأن احتمال موتهما قبل موت السيد قائم.
ومن هذا الجواب يظهر لك أنه لا يشترط في الموقوف أن يكون [بحيث] تحصل منه منفعة في الحال؛ بل يجوز وقف الأرض الخراب –كما صرح به الماوردي- لإمكان عمارتها, والعبد والجحش الصغيرين, والزمن الذي يرجى زوال زمانته –كما صرح به الأصحاب- قياسًا على جواز نكاح الرضيعة.
وكذا يجوز وقف العين بعد إجازتها كما يجوز وقف [ماله] المغصوب, وهذا ما أجاب به في "البحر" في كتاب الإجارة قبيل باب كراء الإبل, وقال: إنه لا يرجع من وقف عليه بشيء من أجرة مدة الإجارة قولًا واحدًا.
وفي "فتاوى" القفال: تخريجه على الوقف المنقطع الأول.
وزاد بعضهم فقال: إن وقف على مسجد صح؛ لمشابهته الإعتاق.
وإن وقف على إنسان, فإن قلنا: الملك في الوقف للموقوف عليه, فهو على
стр. 5627
الخلاف في بيع المستأجر: فإن لم نصححه فكذلك الوقف, وإن صححناه جرى الخلاف في الوقف المنقطع أول, وإن قلنا: ينتقل إلى الله تعالى, فوجهان؛ لافتقاره إلى القبول. ووقف الورثة الموصى بمنفعته مهراً مثلًا, كوقف المستأجر.
فرع: إذا استأجر أرضًا ليبني فيها أو يغرس, ففعل, ثم وقف البناء والغراس –ففي صحة الوقف وجهان:
أصحهما –وبه قال ابن الحداد-: [الصحة] , وهو الذي حكاه الماوردي في كتاب الإجارة.
ووجه المنع: أن مالك الأرض بسبيل من قلعه؛ فكأنه ما لا ينتفع به.
وهما كالوجهين في أنه لو أراد بيع البناء والغراس هل يجوز؟
ولو وقف هذا أرضه وهذا بناءه جاز بلا خلاف؛ كما لو اجتمعنا على البيع. وإذا قلنا بصحة الوقف ومضت المدة, قال الماوردي: لم يكن لرب الأرض أن يبذل له قيمة ذلك؛ وإنما له أن يأخذ الواقف بقلعه إن بذل له أرش نقصه, وإذا قلعه لزمه أن ينقله إلى أرض أخرى يكون وقفها فيها جاريًا على سبيله, وكذلك قاله في "التهذيب" في كتاب العارية.
وقال الرافعي: إذا قلع مالك الأرض البناء, فإن بقي منتفعًا به بعد النقل فهو وقف كما كان, وإن لم يبق فيصير ملكًا للموقوف عليه أو يرجع إلى الواقف؟ فيه وجهان, وأرش النقص الذي يوجد يسلك به مسلك الوقف.
قال: ولا يجوز إلا على معروف وبر, أي: إذا كان الوقف على جهة عامة كالوقف على الأقارب والفقراء والقناطر وسبل الخير, فإن وقف على قاطع الطريق أو على حربى أو مرتد لم يجز؛ لأن القصد بالوقف القربة وبالأول تحصل, وفي الثاني إعانة على معصية؛ فهو ضد المراد.
والمعروف الإحسان, والبر: اسم جامع للخير, واصله الطاعة؛ فهو اعم من المعروف.
стр. 5628
قال: وإن وقف على ذمي جاز؛ لأن الوقف يجري مجرى صدقة التطوع, وصدقة التطوع على الذمي جائزة؛ فكذلك الوقف.
فإن قيل: يظهر أن المراد بالذمي غير معين, وهو من عقدت له الذمة؛ كما أن مراده بقاطع الطريق والمرتد والحربي ليس شخصًا معينًا, بل من يقطع الطريق ومن يرتد ومن يحارب, وإلا فهو كما لو وقف على زيد مثلًا وكان قاطع الطريق؛ فإنه يصح جزمًا, وكذا لو وقف عليه وهو مرتد أو حربي على أحد الوجهين.
قلت: ليس الأمر كذلك؛ بل المراد الواحد المعين؛ فإن هذه الصيغة ليس فيها عموم, وما ذكر من [أن] المراد بقاطع الطريق واحد غير معين فصحيح؛ لأنه مضاف إلى الطريق, ومثل ذلك يقتضي العموم كما في [ابن] السبيل, وما ذكر من أن المراد بالحربي والمرتد واحد غير معين, ممنوع؛ لما ذكرناه.
والشيخ اقتصر فيهما على الصحيح, وهو منع الوقف عليهما –كما هو مذكور في
стр. 5629
"الحلية" و"الرافعي"- لأنهما منقولان عن قرب, والوقف صدقة جارية؛ فكما لا يصح وقف ما لا [دوام له] لا يصح الوقف على من لا [دوام له] , ولك أن تقول: وقف ما لا دوام له لا يبقى له أثر بعد فواته, وإذا فات الموقوف عليه أولًا انتقل الوقف إلى من بعده؛ فمقصود الوقف حاصل وهو الدوام. ثم من جوز الوقف على المرتد [يجب] أن يقول ببقاء ملكه, والله أعلم.
وقد ذهب بعض الأصحاب إلى أن الوقف على الجهة العامة لا يشترط فيه [وجود] القربة؛ بل الشرط انتفاء المعصية حتى جوز الوقف على مساكين أهل الذمة والأغنياء من المسلمين؛ كما لو وقف على ذمي بعينه أو مسلم بعينه –وكان غنيًا- نظرًا لكونه جهة تملك, وهذا ما اختاره الإمام وشيخه بعد أن حكى عن المعظم الأول, وأنهم استدلوا بأنه لا يجب استيعاب المساكين إذا وقف عليهم, ويجوز الاقتصار على ثلاثة منهم, ولو كان القصد التملك لما جاز مثل ذلك.
وقال الرافعي: إن ما اختاره الإمام أشبه, وإنه مطرد في جواز الوقف على الفساق.
واستشهد له بأن ابن الصباغ صحح الوقف على النازلين بالكنائس من مارة أهل الذمة وقال: إنه وقف عليهم لا على الكنيسة.
وإن الأشبه توسط ذهب إليه بعض المتأخرين, وهو تصحيح الوقف على الأغنياء, وإبطال الوقف على اليهود والنصارى وقطاع الطريق وسائر الفساق؛ لتضمنه الإعانة على المعصية.
ولا خلاف أن الوقف على شراء آلة برسم قطاع الطرق والمحاربين لا يجوز, وكذا على البيع والكنائس وكتب التوراة والإنجيل؛ لأنها محرمة لا لكونها منسوخة, كما قاله البندنيجي والقاضي أبو الطيب؛ لأن النسخ لا يذهب حرمتها, والقاضي الحسين علله بكونها منسوخة, وحكاه في "الحاوي" عن بعض الأصحاب وقال: إنه فاسد.
وسواء فيما ذكرناه المسلم والذمي, حتى لو رفع إلينا وقف أهل الشرك نقضناه,
стр. 5630
اللهم إلا أن يكون شيئاً وقفوه المبعث على كنائسهم القديمة, فنقره حيث تقر الكنائس.
وقال في "الحاوي": إنه لو وقف دارًا على أن يسكنها فقراء اليهود, فإن جعل لفقراء المسلمين نصيبًا معهم جاز, وإلا فوجهان, وجه المنع: أنهم إذا انفردوا بسكناها, صارت ككنائسهم, وهو مخرج -أيضاً- مما ذكرناه من قبل, وسنذكر في باب الوصية مسائل تشابه ما نحن فيه, ولا يبعد جريان خلاف في جواز الوقف عليها؛ [أخذًا] مما ذكرناه.
فروع:
إذا وقف على سبيل الله, أو: [على] أن تصرف منفعته إلى الله -صرفت المنفعة إلى الغزاة الذين لا حق لهم في الديوان, كما قال القاضي أبو الطيب, ولا يرد علينا حديث [أبي] معقل؛ لأنه-﵇[يجوز أن يكون] علم أن [أبا] معقل جعل الحج والعمرة من سبيل الله في وقفه.
وعندنا لو أراد بـ "سبيل الله" الحج والعمرة صح, وصرفت نفقته إليهما, وكلامنا عند الإطلاق.
ولو وقف على سبيل الخير أو البر أو الثواب صرف إلى أقارب الواقف, فإن لم يوجدوا فإلى أهل الزكاة.
وذكر القاضي الحسين: أنه إذا وقف على سبيل الخير صرف إلى أهل الأصناف الذين يأخذون لحاجتهم دون العاملين.
وذكر في "التهذيب" أن الموقوف على سبيل البر يجوز صرفه إلى ما فيه صلاح المسلمين من أهل الزكاة وإصلاح القناطر وسد الثغور ودفن الموتى وغيرها.
وفرق بعض الأصحاب -كما حكاه الإمام عن رواية شيخه والعراقيين- فقال: إذا وقف على جهة الخير صرف إلى مصارف الزكاة, ولا يبني به مسجدًا ولا رباطًا, وإذا وقف على جهة الثواب صرف إلى أقاربه.
قال الإمام: ورأيت في بعض تعاليق شيخي: أنه لا فرق بين لفظ الثواب والخير,
стр. 5631
وحكى أن ذلك نص الشافعي, وأن بعض القياسين [ذهب] إلى أن الثواب والخير لا يختصان بجهة من جهات القرب, ولكنهما يحملان على جميع جهات الخير, وهذا هو الحق الذي لا يجوز غيره, ولا ينقدح فيه تردد, إلا في أنه لا يُبْنَى بالريع رباط ولا مسجد.
وقال الرافعي: إن جواب الأكثرين الأول, وقالوا: لو جمع بين سبيل الله وسبيل الثواب وسبيل الخير, صرف الثلث إلى الغزاة المذكورين في الزكاة, والثلث إلى أقاربه, والثلث إلى الفقراء, والمساكين والغارمين, وابن السبيل, وفي الرقاب.
وفي "تعليق" أبي الطيب: أن الثلث الثاني يصرف إلى [الفقراء والمساكين, ويبدأ بأقاربه.
وقال البندنيجي: إن هذا الثلث يصرف إلى فقراء] أقرب الناس إلى الوقف.
ويجوز الوقف على أكفان الموتى ومؤنة الغسالين والحفارين, وعلى شراء الأواني والظروف لمن تكسرت عليه.
وعلى المتفقهة: وهو المشتغلون بتحصيل الفقه مبتدئهم ومنتهيهم, وعلى الفقهاء, ويخل فيه من حصل شيئاً منه وإن قل, كذا قاله الرافعي.
والذي حكاه القاضي الحسين: أنه إذا وقف على [الفقهاء صرف إلى من يعرف من كل علم [من الأحكام] شيئاً, فأما من تفقه شهرًا أو شهرين فلا. ولو وقف
стр. 5632
على] المتفقهة صرف إلى من تفقه يومًا مثلًا؛ لأن اسم المتفقه ينطلق عليه, بخلاف الأول.
ولو وقف على الصوفية, قال الرافعي: فالذي رأيته بخط بعض المحصلين: أن الشيخ أبا محمد لم يصحح الوقف عليهم؛ إذ ليس للتصوف حدٌّ يوقف عليه, والمشهور: الصحة؛ فيصرف إلى كل من كان منشغلًا بعبادة الله تعالى في أغلب أمره, فأما ما كان مشتغلًا بالأكل والرقص والسماع فلا, كذا قاله القاضي الحسين في "التعليق".
وقال الغزالي [في "الفتاوى"]: لا بد في الصوفى من العدالة ومن [تركه الحرفة]. نعم, لا بأس بالخياطة والوراقة وما يشبههما إذا كان يتعاطاها أحيانًا في الرباط لا في حانوت, ولا تقدح قدرته على الاكتساب والاشتغال بالوعظ والتدريس, ولا أن يكون له من المال قدر ما لا تجوز الزكاة فيه, أو لا يفي دخله بخرجه. وتقدح الثروة الظاهرة والعروض من الكثرة. ولا بد أن يكون في زي القوم, إلا إذا كان مساكنهم في الرباط؛ فتقوم المخالطة والمساكنة مقام الزي, وليس يشترط لبس المرقَّعة من يد شيخٍ, كذا ذكره المتولي.
قال: ولا يجوز أن يقف على نفسه أي: وإن ذكر بعده مالًا؛ كالفقراء والمساكين؛ لقوله ﷺ : "حبس الأصل, وسبل الثمرة", وتسبيل الثمرة يمنع أن
стр. 5633
يكون فيها حق, ولأن الوقف صدقة ومعناه تمليك المنفعة جزمًا, وتمليك الموقوف على رأي, والموقوف ومنفعته ملكه؛ فلا يمكن أن يتصدق بها على نفسه, ولا أن يملك نفسه ذلك, كما لا يجوز أن يملكها بالبيع, وهذا ما حكاه في "البحر" عن نصه في القديم.
وذهب ابن سريج وأبو عبد الله الزبيري من أصحابنا إلى صحة ذلك –كما حكاه القاضي أبو الطيب والماوردي وغيرهما- تمسكًا بما روي أن عثمان لما وقف بئر رُومة, قال: "دلوي فيها كدلاء المسلمين", وحكاه في "البحر" عن المذكورين, وعن محمد بن عبد الله الأنصاري, وقال: إن الاختيار جوازه واستحسنه.
وعن القاضي ابن كج: أنه نقل عن ابن سريج أنه صحح الوقف, وألغى الشرط والإضافة إلى نفسه. وهذا بناء على أنه لو اقتصر على قوله: وقفت, صح الوقف كما سنذكره.
والمنتصرون للأول قالوا: عثمان –﵁ لم يقل ذلك شرطًا, ولكن أخبر أن للواقف أن ينتفع بالأوقاف العامة؛ كالصلاة في [البقعة التي] جعلها مسجدًا وما أشبه ذلك, وتفارق الأوقاف العامة الخاصة؛ لأن العامة عادت إلى ما كانت عليه من الإباحة, بخلاف الخاصة؛ فإنها تقتضي ملك مخصوصين فلم يجز أن ينتفع بها.
التفريغ:
أن قلنا بالصحيح, فطريق تصحيح الوقف –كما قال ابن يونس وصاحب "رفع التمويه"-: أن يقف على أولاد أبيه الذين من صفتهم [كذا وكذا] , ويذكر صفات نفسه, [أو يقف على
стр. 5634
نفسه] , ويرفع الأمر إلى حكم يرى ذلك ليحكم به, وفي الأول بحث سأذكره, ولو لم يفعل ذلك, وقال: وقفت على فلان, فإذا مات عاد إلى نفسي, ثم على الفقراء: فهل يصح؟ فيه وجهان في "تعليق" القاضي الحسين.
ولو استبقى التولية لنفسه وشرط أجرة, ففي صحة الشرط وجهان يبنيان على أن الهاشمي إذا انتصب عاملًا للزكاة: هل له أن يأخذ سهم العامل؟
ولو وقف على الفقراء فافتقر ففي جواز الأخذ له وجهان:
المجزوم به في "الحاوي" والذي مال إليه الرافعي: الجواز.
وفي "الوسيط": ترجيح المنع. وهذا ينقدح طرده في الصورة الأولى التي فرضها ابن يونس في تصحيح الوقف على نفسه لولا أن الغزالي وجهه بأن مطلق الوقف ينصرف إلى غير الواقف.
وإن قلنا بقول الزبيري ففي "الحاوي" وجهان:
أحدهما: يبقى على حقه على التأبيد يخلفه فيه ورثته وذرية ذريته ما بقوا, فإذا انقرضوا عاد حينئذ إلى جماعة الفقراء والمساكين.
[والوجه الثاني: أنه يقدم مدة حياته, فإذا مات عاد للفقراء والمساكين] دون
стр. 5635
ورثته, إلا أن يكونوا من جماعة الفقراء.
فروع:
قال في "الحاوي": لو وقف رجل وقفًا ليحج عنه جاز, ولا يكون وقفًا على نفسه؛ لأنه لا يملك شيئاً من غلته, فإن ارتد عن الإسلام لم يجز أن يصرف الوقف على الحج؛ لأن الحج عن المرتد لا يصح, وصرف في الفقراء والمساكين, فإن عاد إلى الإسلام أعيد الوقف إلى الحج عنه, وهذا منه يظهر أنه تفريع على [أنه يجوز] النيابة في حج التطوع.
ولو وقفها في الجهاد عنه جاز, فلو ارتد الواقف عن الإسلام كان الوقف على حاله يصرف على المجاهدين عنه؛ لأن الجهاد يصح عن المرتد.
ولو وقف ضيعة على أن يصرف ريعها على عمارتها وحق السلطان وما حصل بعد ذلك [في تبعاتي] في الزكاة والكفارات.
قال أبو العباس ابن سريج: [يصح] ويصرف للفقراء والمساكين؛ لأن الظاهر أنه أخرج زكاته وكفاراته, وإنما خاف التقصير فكان تطوعًا عنه, حكاه ابن الصباغ, وفي "التتمة" [حكاية عن ابن سريج]: أنه يصح, ويصرف إلى من تصرف إليه الزكاة والكفارات.
وفي "الوسيط" وغيره: أنه إذا وقف وشرط أن تصرف من الريع ديونه وزكاته, فهو كما لو وقف على نفسه.
قال: ولا على مجهول كرجل غير معين؛ لتعذر تنفيذ الوقف في مستحقه.
وعن الشيخ أبي محمد احتمال فيما إذا وقف على أحد الرجلين على قولنا: إن الوقف على المعين لا يفتقر إلى القبول, وقد أقامه الغزالي وجهًا, وذكر أنه مخرج من وقف أحد العبدين, وعلى هذا يطالب الواقف بالبيان, فإن تعذر الرجوع إليه بموت أقرع.
стр. 5636
ولو قال: وقفت على من شاء زيدٌ, كان باطلًا, ولو قال: على من شئت –وكان قد عين من شاءه [عند الوقف –جاز وأخد ببيانه] , ولو لم يعينه إذ ذاك لم يجز.
قال: ولا على من لا يملك الغلة كالعبد أي: إذا قصد الوقف على نفسه والحمل؛ لأنه تمليك منجز فلا يصح على ما ذكرنا؛ كالبيع والهبة.
واحترزنا بلفظ "التمليك" عن الإرث في حق الحمل, وبلفظ "التنجيز" عن الوصية.
وفي "البحر": أن الشيخ أبا محمد حكى في "المنهاج" وجهين: أن الوقف عن الحمل يصلح كما يملك بالإرث. وفي "الحاوي" وغيره: أن منع الوقف على العبد مبني على قولنا: إنه لا يملك, أما إذا قلنا: إنه يملك, صح, فإذا عتق كان له, وكان على قياس هذا: أنه إذا وقف على عبد فلان [فباعه] أو وهبه يكون الوقف مستمرًا, لكن المتولي قال: إن الاستحقاق منوط بكونه عبد فلان, فإذا باعه أو وهبه زالت صفة الاستحقاق.
قال الرافعي: ولك أن تقول: الخلاف في أنه ملك مخصوص بما إذا ملكه السيد, فأما إذا ملكه غير السيد, فلا خلاف أن [لا] يملك, وحينئذ إذا كان الواقف غير السيد كان الوقف على من لا يملك؛ فأي معنى لقوله: أو ملكه السيد ملك؟!
قلت: قد تكرر من الرافعي ومن غيره القول بأنه: لا خلاف في أن العبد لا يملك بتمليك غير السيد, وقد تقدم منه ومن غيره: أن العبد يملك بالشراء وبالقرض على رأي من جهة غير سيده, وإذا ملك ببدلٍ فبدونه من طريق الأولى, وسأذكر في أول كتاب "الهبة" وأواخر "باب العتق" ذلك منقولًا عن الأصحاب صريحًا؛ فاطلبه تجده.
فأما إذا أطلق الوقف عليه فهو على سيده؛ كما لو وهب منه, أو أوصى له, وإذا شرطنا القبول جاء الخلاف في أن العبد هل يستقل بقبول الهبة والوصية أم يحتاج إلى إذن السيد؟ وكذا في السيد لو قبل هل يصح؟ والأصح في الأخيرة: لا؛ لأن الخطاب لم يجر معه.
وحكى ابن الصباغ عن القاضي أبي الطيب في "المجرد": أنه لو وقف على العبد
стр. 5637
وقلنا: إنه يملك, صح الوقف عليه, وكان للسيد أخذ الريع منه, فإذا عتق كان له, وإن قلنا: إن العبد لا يملك, فهو كما لو وقف على بهيمتةٍ للغير, وظاهر المذهب في البهيمة: أنه يصح, ويكون وقفًا على مالكها, وينفق عليها من ريعه, فإذا نفقت تكون لصاحبها. وما ذكره عن القاضي صدره يقتضي أن تكون المسألة مفروضة فيما إذا قصد تمليك العبد, وعجزه يقتضي الإطلاق؛ فإنه لو قصد تمليكه بعد أن يشبه بالبهيمة التي الوقف عليها لا يقتضي التمليك, وأن تصرف السيد, ثم المختار في البهيمة ظاهر المذهب.
وفي "ألرافعي" و"التهذيب": أن الصحيح فيها البطلان, وبه جزم الماوردي؛ كما لا تصح الوصية إليها ولا الهبة.
وأما إذا صححنا وشرطنا القبول فالقابل المالك, والخلاف كما حكاه المتولي يجرى فيما إذا وقف على علف بهائم القرية المملوكة أو على بهائم فلان, بخلاف ما لو وقف على الوحوش أو على علف الطيور المباحة؛ فلا يصح جزمًا.
وحكم المدبر والمعلق عتقه بصفة وأم الولد, حكم القن, وكذا المكاتب عند الشيخ أبي حامد.
وفي "الحاوي" إطلاق القول بالصحة, سواء كان على معين أو على المكاتبين.
وفي "التتمة" أن الوقف على المكاتبين صحيح.
ثم إذا عجز بعضهم كان الحكم في استرجاع ما دفع إليه كما [هو] في الزكاة, وكذا إن كان على مكاتب بعينه يصح في الحال, وتصرف الفوائد إليه, ويلزم حكمه إذا عتق إن أطلق الواقف الوقف, وإن قيد بحال الكتابة بطل استحقاقه, وإذا عجز بان [أن] الوقف منقطع الابتداء, وهذا فيه [نظر, بل] ينبغي أن يتخرج على أنه هل يسترجع [منه ما أخذه] أم لا؟ فإن استرجع فالحكم كذلك؛ وإلا فليس بمنقطع الابتداء, [ويؤيد ذلك: أن تصرفات المكاتب بحكم الملك لا ينقضها عند عجزه].
ولو وقف على الأرقاء الموقوفين لسدانة الكعبة وخدمة قبر النبي ﷺ صح على
стр. 5638
الأصح؛ كما لو وقف على علف الدواب في سبيل الله.
ولو وقف على المقبرة لتصرف الغلة إلى عمارة القبور, قال المتولي: لا يجوز؛ لأنه ليس فيه قربة.
ولو وقف على هذه الدار على أن يأكل فوائدها طارقوها صح على أطهر الوجهين.
ولو وقف على عمارة دار زيد: فإن لم يكن زيد [قد] وقفها لم يصح, وإن كان قد وقفها صح.
قال الماروردي: لأن الوقف طاعة, وحفظ عمارته قربة؛ كما لو وقفها على مسجد أو رباط.
فإن قيل: الوقف عندكم على من لا يملك غير صحيح, والوقف على مسجد ورباط قنطرة وفرس في سبيل الله صحيح, وإن لم يصح أن يكون شيء من ذلك مالكًا؟
قيل: هذا وقف على كافة المسلمين, وإنما عيّن مصرفه في هذه الجهة؛ فصار مملوكًا مصروفًا في هذه الجهة في مصالحهم.
قال: فإن وقف على من يجوز [أي]: كأولاده الموجودين أو رجلٍ بعينه, ثم على من لا يجوز كأهل الحرب ونحوهم – بطل الوقف في أحد القولين؛ لأن المقصود بالوقف إيصال الثواب على الدوام حتى يتميز عن العواري, [ولم يحصل] , وصح في الآخر, لأن مقتضى الوقف القربة والثواب, فإذا بين مصرفه في الحال سهل إدامته على وجه الخير, وهذا نصه في "المختصر", وهو مع الأول في "حرملة", وهذا الوقف يلقب به "المنقطع الانتهاء".
وبنى المتولي القولين على أن البطن الثاني يتلقون الوقف من الواقف أو من الموقوف عليه؟.
فإن قلنا بالأول فلا بد من بيان من ينتهي إليه الاستحقاق.
وإن قلنا بالثاني فلا حاجة إليه.
قال الرافعي: وهذا البناء ترجيح قول البطلان؛ لأن قول التلقي من الواقف
стр. 5639
أرجح وأصح, وإلى ذلك ذهب المسعودي والإمام, لكن الأكثرون قالوا: أصح القولين صحة الوقف, ومنهم القضاة أبو حامد والطبري [والروياني] , ووافقهم صاحب "التهذيب".
وعن صاحب "التقريب" قول ثالث في المسألة: وهو الفرق بين أن يكون الموقوف عقارًا فلا يجوز إنشاؤه منقطع الآخر, وبين أن يكون حيوانًا فيجوز؛ لأن مصير الحيوان إلى الهلاك, وكما يجوز فوات الموقوف عليه مع بقاء الموقوف يجوز عكسه إن قلنا بالصحيح.
قال: ويصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف أي: بعد انقراض الموقوف عليه أولًا؛ لأن قصده الثواب, وهو أبلغ فيه فكان الصرف إليه أولى من غيره, ولأن العادة جارية بأن الإنسان إذا أراد أن يتصدق بشيء بدأ بأقاربه؛ فيجعل كأنه صرح بذلك, وهذا نصه في "المختصر", وهو الأصح عند القاضي الحسين. ثم [إن] المراد بأقرب الناس إلى الواقف ماذا؟ فيه ثلاثة أوجه.
أحدها –وهو ما حكاه القاضي الحسين عن تخريج ابن سريج -: الجيران, وهو أبعدها.
والثاني: أقاربه الوارثون, حكاه المراوزة.
والثالث –وهو الأصح, والمذكور في طريقة العراق, وينسب إلى رواية حرملة -: أنه أقربهم رحمًا وإن كان غير وارث, حتى يقدم ابن البنت على ابن العم.
فلو اجتمع جماعة فمن المقدم منهم؟ سيأتي الكلام فيه في "باب الوصية" –إن شاء الله تعالى – فإن بعض الأصحاب أحال الكلام فيه عليه, ثم الاعتبار بالأقرب –كما قال في "البحر" –حالة رجوع الوقف إليهم, لا يوم الابتداء بالوقف.
قال: وهل يختص به فقراؤهم, أو يشترك فيه الفقراء والأغنياء؟ فيه قولان:
وجه الاختصاص –وهو المذكور في "حرملة", والصحيح -: أن مصرف الصدقات: الفقراء.
ووجه الاشتراك – وهو منصوص عليه في "المختصر", وظاهر رواية الربيع -: أن
стр. 5640
اسم القرابة يشمل الجميع, والغني كالفقير في باب الوقف.
وقيل: يختص به الفقراء قولًا واحدًا؛ لما تقدم, وهذا ما نسب إلى ابن سريج, وبه قال جمهور الأصحاب كما قاله الماوردي, وحملوا رواية المزني والربيع المطلقة على رواية حرملة المقيدة بالفقر.
وهذا الخلاف جارٍ بلا شك عند الأصحاب في الوقف على القرابة, لكن هل يجري مثله فيما إذا قلنا: أقرب الناس إلى الواقف الجيران؛ الظاهر: أنه لا يجري؛ فإن الماوردي حكى فيما إذا وقف على الجيران: أنه لا فرق فيهم بين الغني والفقير, وأقصى درجات ذلك: أن يكون كالتصريح, ثم إذا قلنا: بالاختصاص بالفقراء فهل هو على سبيل الوجوب أو الاستحباب؟ فيه وجهان.
فإذا قلنا: على سبيل الوجوب, فلو افتقر من كان غنيًا عند موت الموقوف عليه أولًا صرف إليه, ولو كان الكل أغنياء [كان] كما لو كان الكل فقراء وانقرضوا, و [قد] قال ابن الصباغ في ذلك: إنه يصرف إلى الفقراء والمساكين.
وقال في "البحر": الذي نص عليه الشافعي: أن الإمام يجعلها حبسًا على المسلمين يصرف غلتها في مصالحهم.
وقال: أن القاضي الطبري صار إليه ورجحه.
وقيل على قول الصحة: لا يصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف, بل يصرف إلى المصالح العامة مصارف الخمس؛ فإنها أعم الخيرات, والأعم أهم.
قال [الإمام]: وعلى هذا لا يتصرف فيه غير الولي على رأي الظاهر, ولا يبعد عن الاحتمال رد ذلك إلى نظر الناظر في الوقف, وقيل: بل إلى مستحق الزكاة غير العامل, وهذا جعله الروياني في "البحر" مع الذي قبله وجهًا واحدًا.
وقيل: بل إلى المساكين؛ لأن سد الخلات أهم الخيرات.
وعلى هذا فهل يقدم جيران الوقف؟ فيه وجهان, أشبههما: المنع؛ لأنا لو
следующие страницы →