← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.

стр. 5671

قال به الأئمة-: أنها تباع، وإلا فتَضِعْ ويضيق المكان بها من غير فائدة، وعلى هذا تصرف في مصالح المسجد. قال الرافعي: والقياس: أن يُشترى بثمن الحُصر حصرٌ، ولا يصرف لمصلحة أخرى. وفي "البحر": أن بعض أصحابنا قال في جذع المسجد ونحاتة أخشابه إذا طُبِخَ للمسجد جِصُّ وما يتعلق بمصلحته جاز أن يوقد تحته، فأما بيعه فلا يجوز. وإن أمكن أن ينتفع به مع بقاء عينه في منفعة أخرى بأن كان الجذع يمكن أن يتخذ منه باب أو ألواح، قال في "التتمة": يجتهد الحاكم ويستعمله فيما هو أقرب إلى مقصود الواقف، وإن كان شجرة فجفت أو قلعها الريح فحاصل ما ذكر في ذلك أربعة أوجه: أضعفها: أن الوقف ينقطع كما لو مات العبد، ويعود الحطب ملكًا للواقف. والثاني – وهو اقرب من الأول-: أنها تعود ملكًا للموقوف عليه. والثالث: يباع، لتعذر الانتفاع به بشرط الواقف، وهذا ما اختاره في "المرشد"، وما يصنع بثمنه فيه الخلاف السابق في قيمة ما أتلف من الوقف، و [قد] صدر البندنيجي كلامه [هنا] بأنها تصرف للموقوف عليه، ثم قال: والأولى أن يقال: يشتري بها ما يقوم مقامها؛ وهو اختيار صاحب "المرشد". والرابع: وهو الأصح-: لا يباع ولا ينتقل ملكًا لأحد، بل ينتفع بإجارته جِذْعًا إن لم يكن في استيفاء منفعته استهلاكه، وإن كان فالأصح: أنها تكون للموقوف عليه. وزَمَانة العبد الموقوف، قال الرافعي: كجفاف الشجرة. وفي "البحر" حكاية عن القاضي أبي الطيب: أن بيعه لا يجوز، ولا يختلف أصحابنا فيه.

стр. 5672

وفي "الحاوي": الجزم بجواز بيع الدابة الموقوفة عند زمانتها، وأنه يستبدل بثمنها؛ لأن للدابة مؤنة إن التُزِمَتْ أًجْحَفَتْ. وقال: يحتمل [عندي] في العبد [الموقوف] وجه: أنه يجوز بيعه؛ قياسًا على الدابة، وهو موافق لما جزم به فيما إذا جنى العبد الموقوف عمدًا في طرف [واقتص منه؛ حيث قال: إن بطلت منافعه بيع، واشترى به عبد نافع يكون وقفًا مكانه؛ كالبعير إذا عطب]. وإشراف الدار على الانهدام، والجذع على الانكسار: هل يجوز بيعه؟ قال الرافعي: فيه الخلاف. يعني الخلاف الذي في الحصر إذا بَلِيَتْ، وهذا يقتضي أن يكون الصحيح عنده الصحة أيضاً، وينبغي أن يكون هذا مفرَّعًا على جواز البيع [إذا انكسر] الجذع، أما إذا منعنا ثَمَّ فهاهنا أولى، وقد حكى الإمام عن الأكثرين منع بيع الدار، ثم إذا جوزنا البيع كان في مصرف الثمن الخلاف في قيمة ما أتلف، وصحح الإمام طريقة صرف الثمن إلى جهة الوقف، وقال فيما عداها: إنه لا أصل له في هذا المقام. [وإذا قلنا] بأنه يكون للموقوف عليه، فقال: لا تبيعوها وأقِلُّوها إلى ملكي – فالمذهب: أنه لا يجاب، بل ارتفاع الوقف على هذا موقوف على البيع، وأبعد بعض الأصحاب فأجابه، وزعم أنه ينقلب ملكًا من غير عقد وقول. قال الإمام: وهذا في غاية الضعف. ولو كان الموقوف حيوانًا مأكولاً وانتهى إلى حالة يقطع بموته إن لم يذبح، قال في "التتمة" يجوز ذبحه للضرورة، وهل يباع لحمه ويشترى به ما يقوم مقام

стр. 5673

الأصل، أو يصرف للموقوف عليه أو للواقف؟ فيه الخلاف المذكور في بدل ما أتلف، ولو لم يذبح حتى مات فالموقوف عليه أولى بجلده، وإذا دبغه ففي عوده وقفًا وجهان في "التتمة"، والظاهر: العود. ولا خلاف في أن المسجد إذا انهدم، وخربت المحلة، وتفرق الناس عنها، وتعطل المسجد – فلا يعود ملكًا بحال، ولا يجوز بيعه؛ كالعبد إذا عَتَقَ في زمن، ولأن الانتفاع به في الحال بالصلاة في العَرصْة ممكن، [لكن] لو خيف من أولي الفساد والعَرَامة نَقْضُ بنائه [وأَخْذُهُ]، نقض وحُفِظَ، وإن أراد الحاكم أن يعمر بنقضه مسجدًا آخر؛ جاز، وما كان أقرب إليه كان أولى، ولا يجوز صرفه في عمارة رباط أو مدرسة وبئر وحوض؛ كما لا يجوز صرف آلة الحوض وغيره إلى عمارة مسجدٍ. قال المتولي: إلا أن يؤخذ ذلك الحبس فيصرف إلى نوع آخر للضرورة، وعلى هذا: إذا كان على هذا المسجد أوقاف وقد خربت، قال المتولي: يصرف الحاصل من رَيْعه إلى عمارة مسجد آخر، بخلاف ما لو وقف على ثغر من الثغور فيعَطَّل: إما لاتساع رقعة الإسلام، أو لاستيلاء الكفار عليه – فإنه يجمع رَيْعُ وقفه؛ رجاء أن يعود، ولا يجوز صرفه إلى غيره. ولو وقف على قنطرة، فانخرب الوادي، وتعطلت تلك القنطرة، واحتيج إلى قنطرة أخرى – جاز النقل إلى ذلك الموضع. قال أبو عاصم العبادي: بخلاف المسجد الذي باد أهله؛ حيث تبقى عمارته، ويعمر بعد ما خرب إن أمكن، ليصلي فيه المارة. فرع: إذا عمر المسجد الخراب إنسان ولم يوقف الآلة، قال في "البحر": كانت عارية له يرجع فيها متى شاء. قال: وإن جنى خطأ وقلنا هو له أي: للموقوف عليه – فالأرض عليه؛ لأنها جناية

стр. 5674

صدرت من مملوكه الذي لا يقدر على بيعه فوجب [عليه] كجناية أم الولد، وهكذا الحكم فيما إذا قلنا: إن الملك للواقف يكون الأرش عليه. قال وإن قلنا: لله تعالى، فقد قيل في ملك الواقف؛ لأنه منع البيع بسبب من جهته وهو الوقف؛ فأشبه سيد أم الولد، وهذا قول أبي إسحاق، وهو الأصح في "المهذب" وغيره. وقيل: في بيت المال؛ لأنه إيجابه على الواقف والموقوف عليه متعذر؛ لزوال ملكهما، وتعلقه بالرقبة غير ممكن؛ لأنه لا يتعلق إلا بما يمكن بيعه، ولا ذمة له تنتظر؛ فوجب في بيت المال؛ كالحر المعسر إذا جنى خطأ ولا عاقلة له. ويفارق هذا أم الولد؛ لأن حكم الملك باق لسيدها، مع أنه يمكنه التخلص من عهدتها بعتقها. وقيل: في كسبه؛ لأن محله كان للرقبة، فإذا تعذر [تعلقه بها تعلق] بأقرب الأشياء إليها وهو الكسب المستفاد منها لحقوق النكاح، وبالقياس على النفقة. وعلى هذا: فلو لم يكن له كسب لم يجز إلا الوجهان السابقان، ثم أضعف الوجوه – كما قال الروياني-: إيجابه على الموقوف عليه؛ لأنه يؤدي إلى الإجحاف به بأن يجني جنايات كثيرة، ويفارق أم الولد؛ لأن هناك في أحد القولين لا يلزم السيد أكثر من قيمة واحدة لجميع جناياتها، وفي القول الآخر: يجب أرش جميع الجنايات عليه؛ لأنه يمكنه التخلص بعتقها، والموقوف عليه لا يمكنه أن يتخلص. وعلى كل حال: فكل من ألزمناه الأرشَ يلزمه أقل الأمرين من قيمته أو أرش الجناية كما قلنا في جناية أم الولد، [وهكذا حكمُ تكرُّرِ جناية أم الولد]. هذا هو المشهور في طريق العراقيين، وكذلك هو المذكور في "تعليق" القاضي الحسين و"الإبانة".

стр. 5675

وفي "النهاية" أنا إذا قلنا: الملك للموقوف عليه، ففيه وجهان: أحدهما: أن الفداء على الواقف مطلقًا. والثاني: أنا إن قلنا: إن الوقف لا يفتقر إلى القبول، فهو على الواقف، وإن قلنا: إنه يفتقر [إلى القبول]، فهو على الموقوف عليه؛ لأنه سبب إلى تحقيق المانع من البيع، وقد انضم إليه كونه مالكًا. [ولا فرق] على الصحيح في إيجاب الغرم على الواقف بين أن يكون الجاني مات عقيب الجناية أو يبقى، وبه قال ابن الحداد. وفيه وجه: أنه إذا مات عقيب الجناية بلا فصل أنه يسقط الفداء، كما لو جنى القِنُّ ومات، والقائلون بالأول فرقوا بأن القن تعلق الأرش برقبته، فإذا مات فات، وهاهنا تضمين الواقف كان بسبب كونه مانعًا من البيع بالوقف وقد تحقق، وهذا الخلاف يجري فيما إذا جنت أم الولد وماتت. فرع: إذا قلنا بوجوب الأرش على الواقف، فلو وجدت الجناية بعد موته، قال في "التتمة": لا يفدى من تركته؛ لأنها انتقلت إلى الوارث، والملك في الوقف: ما انتقل إليه، وهذا ما يرشد إليه قول الشيخ في ملك الواقف: وهو بعد الموت لا ملك له، فعلى هذا يتعلق بكسبه في وجه، وفي وجه: يكون في بيت المال. وفي "الجرجانيات": أنه إن ترك مالاً فعلى الوارث الفداء منه؛ لأن العبد ممنوع البيع بسبب صدر منه في حياته، فلزمه ضمان جنايته في ماله. قال: ويَنْظُر في الوقف مَنْ شَرَطَهُ الواقفُ، لأنه المتصرف بصدقته فهو أحق من يقوم بإمضائها وصرفها إلى مصارفها، وقد ثبت أن عمر – ﵁ – كان يلي أمر صدقته، ثم جعله إلى حفصة وبعدها إلى ذوي الرأي من أهلها، وأشار في "النهاية" إلى خلاف فيما إذا كان الوقف على معين، وشرط التولية لأجنبي هل يتبع شرطه إذا فرعنا على أن الملك في الوقف للموقوف عليه؟ وعلى الأول لا فرق بين أن يفوض النظر إلى واحد أو إلى أكثر منه. ويجوز أن يشترط لواحد العمارة وتحصيل الرَّيْع، [و] إلى آخر حفظه وقسمته،

стр. 5676

وكذا يجوز أن يشترط لواحد الحفظ واليد، ولآخر التصرف. قال: فإن شرط النظر لنفسه جاز؛ لأنه من أهل النظر فأشبه غيره، وبل أولى؛ [إذ النظر كان إليه]. [قال]: وإن لم يشترط أي: لنفسه ولا لغيره نَظَرَ فيه الموقوف عليه في أحد القولين؛ لأن النفع والفائدة ترجع إليه. والحاكم في القول الآخر؛ لأنه يتعلق به حق الموقوف عليه وحق من ينتقل إليه؛ فكان صاحب النظر العام أولى بالنظر فيه. وفي المسألة وجه آخر حكاه في "المهذب" وغيره: أنه للواقف؛ لأن النظر والتصرف كان إليه، فإذا لم يصرفه عن نفسه بقى على ما كان عليه، وهذا ما اختاره في "المرشد"، وقال: إنه إذا مات نظر فيه الحاكم. وبعضهم بنى الخلاف على أقوال الملك، ومنهم من قال إن قلنا: الملك للواقف، فالتولية له، وقيل: للحاكم؛ لتعلق حق الغير به، وإن قلنا: لله تعالى، فهي للحاكم. وقيل: للواقف إن كان على جهة عامة؛ فإن قيامه بأمر الموقوف [عليه] من تتمة القربة. وقيل: للموقوف عليه إذا كان على معين. وإن قلنا: الملك للموقوف عليه، فالتولية له. وذكر كثيرون: أن التولية في صورة السكوت للواقف، من غير حكاية خلاف ولا بناء على شيء، ومنهم القاضي الحسين، وكذا المتولي كما ذكر هنا؛ تمسكًا بأن عمر وعليًّا وفاطمة – ﵃ – كانوا ينظرون في أوقافهم [إلى الموت]، وقال في كتاب الإجارة: لا خلاف أن الواقف ما دام حيًّا فله أن يؤاجر وأما بعد موته: فإن جعل النظر فيه لغيره فذاك، وإلا فإن قلنا: الملك للواقف أو لله

стр. 5677

تعالى، فالحاكم يتولاه، وإن قلنا: الملك للموقوف عليه، فالمذهب: أن له أن يؤاجر وينفرد بالعقد إن كان واحدًا، وقد ذكر في المسألة وجه آخر: أنه لا يملك الإجارة، وقال الرافعي: الذي يقتضي كلام المعظم الفتوى به: [أن يقال]: إن كان الوقف على جهة عامة فالتولية للحاكم كما في الوقف على المسجد والرباط، وإن كان على شخص معين فكذلك إن جعلنا الملك لله تعالى، وإن جعلناه للواقف أو الموقوف عليه فالتولية كذلك. واعلم أنه لا بد فيمن ينظر في الوقف – من واقفٍ وغيره – من وصفين: الأمانة، والكفاية في التصرف، سواء كان الوقف على جهة عامة أو على معين مكلف رشيد، أو غير ذلك. وفي "الوسيط" وجه فيما إذا كان الوقف على بالغ: أنه لا تشترط العدالة. ولو شرط التولية للأفضلِ فالأفضلِ من بنيه، كان لأفضلهم حالة استحقاق النظر، حتى لو تحدد من هو أفضل ممن كان حال استحقاق التولية فاضلاً لم يكن إليه. نعم، لو تغير حال الفاضل حالة الاستحقاق فقد صار مفضولاً؛ فتنتقل الولاية إلى من هو أفضل منه، ولو جعلها للأفضل من ولده فهل يختص بالأفضل من الذكور أو بالأفضل من الذكور والإناث؟ فيه وجهان في "الحاوي". ولو لم يقبل الفاضلُ الولايةَ كانت لغيره، فلو عاد وطلبها بعد الرد ولم يكن من أهل الوقف بطلت ولايته ولم تعد إليه بالطلب؛ كالوصية، وإن كان من أهل الوقف فهل تكون له الولاية؟ فيه وجهان مبنيان على ما إذا لم يشترط النظر لأحد، كذا قال الماوردي. فروع: أحدها: الناظر في الوقف على المساجد إذا لم يشترط الواقف النظر لأحدٍ فهو

стр. 5678

للإمام، كما دل عليه الكلام السابق، فلو لم يكن سلطان عادل ففي "الرافعي" في كتاب الفرائض: أن لصلحاء القرية صرفه إلى عمارة المسجد ومصالحه إذا قلنا: إن من مات ولا وارث له ولم يكن سلطان عادل-: إن لمن في يده المال أن يصرفه في المصالح بنفسه. الثاني: لو شرط الواقف للمتولي من الريع شيئاً جاز، وإن كان أكثر من أجرة نفسه كما حكاه الماوردي، اللهم إلا أن يكون هو المتولي فقد تقدم الكلام فيه، ولو لم يذكر شيئاً ففي استحقاق أجرة المثل الخلاف المذكور في مسألة الغسال. ولو شرط [له] عُشْر الريع أجرة لعمله، ثم عزله – بطل استحقاقه، وإن لم يتعرض لكونه أجرة، ففي "فتاوى" القفال: أن استحقاقه لا يبطل. الثالث: للواقف أن يعزل من ولاه وينصب [غيره]؛ كما يعزل الوكيل وينصب غيره، وكان المتولي نائبًا عنه، وفيه وجه: أنه ليس له العزل؛ لأن ملكه قد زال فلا تبقى ولايته عليه، ويشبه أن تكون المسألة مفروضة في التولية بعد تمام الوقف، دون ما إذا وقف بشرط أن تكون التولية لفلان؛ لأن في فتاوى صاحب "التهذيب": أنه لو وقف [مدرسة] على أصحاب الشافعي، ثم قال لعالم: فوضت إليك تدريسها، أو: اذهب ودَرِّس فيها – كان له تبديله بغيره. ولو شرط في الوقف أن يكون هو مدِّرسها، أو قال حالة الوقف: فوضت [تدريسها] إلى فلان – فهو لازم لا يجوز تبديله؛ كما لو وقف على أولاده، وكذا جزم فيها [بأنه] لا يبدل القَيِّم الذي نصبه الواقف قبل موته. الرابع: قبول المتولي، قال الرافعي: يشبه أن يجيء فيه ما في قبول الموقوف عليه أو الوكيل. قال: ولا يتصرف الناظر فيه إلا على وجه النظر والاحتياط؛ لأنه نظر في مصالح

стр. 5679

الغير فاعتمد هذا المعنى كولي اليتيم، وتصرف الناظر يكون في: العمارة والإجارة وتحصيل الريع وحفظ الأصول والغلات وبيعها؛ ليصرف الثمن والأجرة للعمارة، أو ليقسمه على أرباب الوقف. قال: فإن احتاج [أي]: الوقف إلى نفقة أي: لكونه حيوانًا، أو احتاج غير الحيوان إلى مؤنة وعمارة تصونه عن الضياع – قال: أنفق عليه من حيث شرط الواقف وَفَاءً بشرطه. قال في "الإبانة": ويستحب إذا وقف شيئاً أن يقول: يصرف على عمارته من غلته، فما فضل فهو للموقوف عليه، وعلى ذلك جرى الإمام. قال: فإن لم يشترط أنفق عليه من [غلة الوقف]؛ [الوقوف الانتفاع به] على النفقة فحمل الوقف عليه. قال: ثم يصرف الباقي إلى الموقوف عليه؛ لأن الرَّيْع كان له [، و] في "تعليق" القاضي الحسين: أن من أصحابنا من قال: إن لم يشترط لم ينفق من كسبه، ويكون الأمر فيها كما لو لم يكن للموقوف ريع لعارض طرأ عليه، وكذلك حكاه الإمام عن بعض المصنفين، والحكم في ذلك: أنه ينظر: فإن كان حيواناً فزمن أو عطب خرج وجوب النفقة على أقوال الملك، فإن قلنا: [إنه] لله تعالى، كانت في بيت المال، [وإلا وجبت] على من له الملك، فإن حكمنا بأنه للواقف وقد مات كانت في بيت المال أيضاً، ومؤتة [تجهيز]

стр. 5680

العبد الموقوف إذا مات كنفقته في حال الحياة. وإن كان غير حيوان لم يجب على أحد عمارته؛ كالملك الخالص. وفي "الذخائر" شيء في ذلك لم أر نقله؛ لأن فيه ما يدل على غلط في النقل، وحكم بعض النفقة إذا عجز عنها كحكم كلها. قال: والمستحب ألا يؤجر الوقف أكثر من ثلاث سنين أي: إذا جوزنا الزيادة عليها كما هو الصحيح، كي لا تطول المدة فيغلب عليه، وقد ادعى القاضي الحسين والمتولي أن الحكام اصطلحوا على منع إجارته [أكثر من ثلاث سنين كمنا ذكرناه. وفي "أمالي" أبي الفرج: أن المذهب منع إجارته] أكثر من سنة إذا [لم] تمس الحاجة لعمارة وغيرها. واستغربه الرافعي، وهو مذكور في "النهاية" عند الكلام فيما إذا طلب الوقف بزيادة لكنه لم يذكر لفظ المذهب، بل حكاه عن بعض أصحابنا، ثم قال: إن له اتجاهاً في الوقف على جهات الخير. ثم على المشهور لو شرط [الواقف]: ألا يؤجر الوقف، ففي طريقة المراوزة ثلاثة أوجه: أظهرها عند الإمام، والغزالي: أنه يتبع شرطه. والثاني: المنع؛ لأنه يتضمن حجرًا على مستحق المنفعة. والثالث: إن منع مطلقاً فلا يتبع، وإن منع الزيادة على سنة اتبع؛ لأنه لائق بمصلحة الوقف، فعلى هذا: لو كان الصلاح في الزيادة على السنة ففي "الزيادات" للعبادي [حكاية وجه]: أنه يزاد. قال: فإن مات الموقوف عليه في أثناء المدة أي: بعد أن أجر، وقلنا: له الإيجار،

стр. 5681

أو كان الواقف قد جعل لكل ناظر أن يؤجر نصيبه، وكانت الإجارة بأجرة المثل- قال: انفسخت الإجارة؛ لأن المنافع بعد موته للنظر الثاني فلا يصح عقده عليها؛ كما لو أجر الموصى له بمنفعة دار مدة عمره الدار، ثم مات قبل فراغها؛ فإنها تنفسخ كما حكاه الرافعي في الإجارة، وهذا قول ابن أبي هريرة، وهو الأصح في "الرافعي" و"تعليق" القاضي الحسين، والأظهر عند الغزالي، واختاره القاضي الحسين [كما] قاله في "البحر" وصاحب "المرشد" فيما إذا لم يكن النظر مشروطًا له ولا مفوضًا إليه من جهة الحاكم، أما إذا كان كذلك فلا ينفسخ. فعلى هذا: هل ينفسخ فيما مضى؟ فيه قولان. قال: وقيل: لا تنفسخ؛ لأنه أجر عينًا ملك العقد عليها فأشبه ما لو أجر ملك الطِّلْق، وهذا ما اختاره في "المهذب" كما قاله ابن يونس، والأظهر في "الحاوي"، وقد بنى القاضي الحسين الخلاف على أن البطن الثاني يتلقون من الواقف أو [من] الموقوف عليه؟ فإن قلنا بالأول انفسخت، وإن قلنا بالثاني فلا، وهذا موافق لرأيه في أن الصحيح الانفساخ، ولم يستحسن الإمام الصيدلاني وطائفة عبارة الفسخ؛ لأن الانفساخ يشعر بسبق انعقادٍ، وردُّوا الخلاف إلى أنا هل نتبين البطلان أم لا؟! ثم على القول الثاني قال: ويصرف أجرة ما مضى إلى البطن الأول؛ لكون [أكثر] المنافع كانت في ذلك [الزمن حقًّا لهم]، وما بقي للبطن الثاني؛ لأن المنافع في هذا الزمن حقٌّ لهم فكان لهم عوضها. وعلى هذا: فلو كان الأول قد قبض تمام الأجرة رجع الثاني بها في تركته، ولا يطالب المستأجر بشيء، وإن كان الأول مفلسًا، لأن الثاني كما لزمه عقد الأول لزمه قبضه. أما إذا أجر الواقف أو ناظر من جهته أو الحاكم أو [أمين الحاكم]، ثم

стр. 5682

مات البطن الأول – لم تنفسخ الإجارة؛ لأن الذي عقدها له النظر على جميع البطون، قاله ابن الصباغ والماوردي والإمام في كتاب "الإجارة". ولا تنفسخ بموت الآجر كما صرح به الماوردي. وحكى الرافعي عن الروياني فيما إذا أجر الناظر، ثم مات الموقوف عليه أولاً أنه تنفسخ، ولو كان قد أجر بدون أجرة المثل؛ لجواز ذلك له- كما صرح به الإمام- قياساً على الإعاقة؛ فيظهر الانفساخ هنا جزمًا. فرع: إذا أجر الوقف، ثم طُلِبَ بزيادة نظر: إن كان الآجر الموقوف عليه بحكم الملك فلا أثر للزيادة، وإن أجره المتولي بالشرط أو الحاكم فكذلك الجواب على أصح الوجوه؛ قياساً على ما لو باع اليتيم ماله ثم ارتفعت الأسواق. والثاني: أنه يتبع؛ لأنه يتبين وقوعه على خلاف الغبطة في المستقبل، وعلى هذا: ينفسخ بنفسه، وأبدى الإمام احتمالاً في أنه يتوقف على إنشاء فاسخ. والثالث: إن كانت الإجارة سنة فما دونها لم يتأثر العقد، وإن كانت أكثر فالزيادة مقبولة، وهذا ما أورده أبو الفرج السرخسي في "الأمالي". ومحل الخلاف عند الإمام إذا تغيرت الأجرة بكثرة الطالبين، فأما إذا وجدنا زَبُوناً يزيد على أجرة المثل [فلا خير] فيما يزيده ولا حكم له، وغيره فرض الخلاف فيما إذا طُلِبَ بزيادة أو زادت الأجرة. قال: وتصرف الغلة على شرط الواقف: من الأثرة، والتقديم، والتأخير، والجمع، والترتيب، وإخراج من شاء بصفة، وإدخاله بصفة؛ لأن الصحابة – رضوان الله عليهم- وقفوا وقوفًا وكتبوا شروطهم: فكتب عمر ما ذكرناه في أول الباب، وكتب على كرم الله وجهه: "تصدقت ابتغاء رضوان الله؛ ليدخلني الجنة، ويصرف النار عن وجهي، ويصرفني عن النار، في سبيل الله وذوي الرحم القريب

стр. 5683

والبعيد"، وكتبت فاطمة – ﵂ لنساء رسول الله ﷺ ولفقراء بني هاشم وبني المطلب، ولم ينكر عليهم أحد. والأثرة- بفتح الهمزة والثاء المثلثة، وبضم الهمزة وكسرها مع إسكان الثاء-: الانفراد [بالشيء]، هذا أصله، ومثاله هنا: وقفت على أولادي بشرط إن كان [فيهم عالم] اختص بالجميع، أو جعل له نصيبان. ومثال التقديم والتأخير: [أن يقول]: بشرط أن يقدم الأَوْرع منهم بكذا، فإن فضل شيء كان للآخرين، أو يقول: وقفت على أولادي وأولادهم بشرط أن يقدم أولادي، فإذا انقرضوا فأولادهم، أو يقول: وقفت على أولادي وأولادهم بشرط أن يقدم أولادي، فإذا انقرضوا فأولادهم، أو يقول: وقفت على أولادي على أن يكون ريع السنة الأولى للذكور [خاصة] [والسنة الثانية للإناث. ومثال الجمع]: أن يقول: وقفت على أولادي وأولادهم بشرط أن يقدم أولادي، فإذا انقرضوا فأولادهم، ويطلق؛ فيدخل فيه أولاد البنين والبنات، الصغار والكبار، الأغنياء والفقراء، الذكر والأنثى [فيه] سواء، إلا أن يشترط التفاضل فيتبع شرطه، ولا يدخل أولاد أولاد الأولاد ومن أسفل منهم، إلا أن يقول: ما تناسلوا وتعاقبوا، أو: بطنًا بعد بطن، أو قال: أبدًا – كما ذكره البندنيجي – فإذا قال ذلك اتصل إلى انقراض نسله، ويصرف إلى الموجودين حالة حصوله ممن كان حالة الوقف، وممن حدث من بعد، ولا يصرف لمن كان مجننًا إذ ذاك. وفي "التتمة" وجه: أنه يصرف لمن كان مجننًا عند الوقف.

стр. 5684

وفي "أمالي" أبي الفرج وجه: أنه لا يصرف لمن حدث بعد الوقف إذا كان من البطن الأول، وإليه أشار القاضي الحسين في تعليقه بقوله: فالموجودون يدخلون ومن يحدث بعدهم فالظاهر أنه يدخل، ويعضده: أن البويطي نقل أنه إذا وقف على قرابته فحدث له قريب بعد الوقف لا يدخل، لكن الأصحاب غلَّطُوه [فيه]. ومثال الترتيب خاصة: أن يقول: وقفت على أولادي وأولاد أولادي ما تعاقبوا وتناسلوا [أبدًا]، يكون الأول فالأول، والأعلى فالأعلى، والأقرب فالأقرب، [أو يقول: على أولادي، فإذا انقرضوا فعلى أولادهم ما تناسلوا بطنًا بعد بطن، كما قاله البندنيجي، وبه أفتى أبو طاهر الزيادي، واختاره القاضي الحسين، وقال: إن من أصحابنا من قال في الصورة الأخيرة: يكون للجميع؛ لأن قوله: "بطنًا بعد بطن" يكون كذلك للضرورة، وهذا ما حكى في "فتاوى" القاضي [عن] أبي عاصم العبادي والشيخ أبي القاسم، [وحكى فيها أيضاً عن الشيخ أبي عاصم في "المسائل" أن ذلك للجمع – أيضاً- وهو بعيد؛ فإن وضع "ثم" للترتيب]. ولو قال: على أولادي، فإذا انقرضوا فعلى أولادهم، وإذا انقرض أولاد الأولاد فعلى أولادهم، وهكذا – ولو ألف مرة – لا يكون ذلك مستوعبًا لجميع النسل ما لم يقل: ما تناسلوا، أو: أبدًا، كما صرح به المحاملي والقاضي الحسين. ومثال الجمع والترتيب: أن يقول: وقفت على أولادي وأولاد أولادي، فإذا انقرضوا فعلى أولادهم ما تعاقبوا، [أو]: بطنًا بعد بطن- فيكون الأولاد وأولاد الأولاد مشتركين، وبعدهم يكونون مرتبين، وكذا لو قال: وقفت على أولادي ثم على أولادهم، ثم إذا انقرضوا فعلى أولاد أولادي ما تعاقبوا، فيكون الترتيب ثابتًا بين

стр. 5685

الأولاد وأولادهم، والاشتراك ثابتٌ بين أولاد أولاد الأولاد وإن سفلوا، وحيث وجد شرط الترتيب فلا يصرف إلى البطن الثاني شيء ما بقي من البطن الأول أحد، ولا إلى الثالث ما بقي من الثاني أحد، إلا أن يقول: من مات من أولادي فنصيبه لولده؛ فإنه يصرف إليه دون إخوته، كذا حكاه البندنيجي عن النص في "حرملة". قال الرافعي: والقياس فيما إذا مات واحد من البطن الأول أن يجيء في نصيبه عند الإطلاقِ الخلافُ المذكور فيما إذا وقف على شخصين ثم على المساكين، فمات واحد: إلى من يصرف نصيبه؟ ولم أَرَ له تعرضًّا، لكن الشيخ أبا الفرج السرخسي حكى وجهين: أحدهما: أن نصيب الميت لصاحبه. والثاني: أنه لأقرب الناس إلى الواقف، وبه قال صاحب "الإفصاح" في كتاب الشهادات. قلت: قد يظهر الفرق بين ما جمعه فيقال: الوقف على الأولاد [وأولاد الأولاد] القصدُ به تمليك القرابة على الجملة على النعت الذي شرطه، لا تمليك كل واحد منهم شيئاً مقدرًا، فإنه لو كان القصد ذلك لامتنع أن ينقص أحدهما عما استحقه حالة الوقف، وذلك ليس ممتنعًا؛ بدليل أنه إذا حصل له ولد أو ولد ولد شارك الموجود فيما كان ينفرد به، وإذا كان هذا هو المقصد فلا يعدل عنه عند إمكانه، وهو مع بقاء واحد ممكن، وليس كذلك الوقف على شخصين ثم على المساكين؛ فإن القصد ظاهر في تمليك كل منهما النصف؛ بدليل عدم تطرق النقص عنه، وهو لو قال: وقفت على هذا النصف وعلى هذا النصف، لم ينتقل نصيب أحدهما للآخر عند فقده؛ فكذلك [ها] هنا، وقد يُلَخَّصُ، فَيُقال: لما قبل نصيب الموجود دخول النقص عليه قبل الزيادة؛ لفهم المعنى، ولما لم يقبل نصيب أحد الرجلين

стр. 5686

النقص لم يقبل الزيادة؛ لفهم المعنى، والله أعلم. ومثال الإخراج بصفة والإدخال بصفة: أن يقول: وقفت على بناتي، فمن تزوجت سقط نصيبها، فإن طلقت عاد نصيبها، أو: من استغنى منهم خرج من الوقف ومن افتقر دخل، أو: من غاب خرج [منه] ومن حضر دخل فيه، وليس هذا بتعليق للوقف، بل هو تنجيز في الحال، وإنما ذلك تعليق للاستحقاق؛ فصار كما لو علق الوكالة على شرط لا يصح، وإذا وكله في الحال وعلق التصرف على شرط جاز، أما لو شرط أن يخرج من شاء من أرباب الوقف باختياره، ويدخل من يدخل فيه باختياره، أو يقدم من شاء ويؤخر من شاء- ففيه وجهان: أحدهما: أنه جائز؛ كما لو أدخله بصفة وأخرجه بصفة. والثاني: وهو الأصح في "الحاوي" وغيره، وبه جزم المعظم-: أنه لا يجوز، ويكون الوقف باطلاً. قال الماوردي: إلا أن يجعل آخره للفقراء؛ فيكون على قولين، وإذا قلنا بالصحة فإذا فعل ذلك مرة واحدة فهل له الزيادة عليها؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، وله أن يفعل ذلك ما عاش، فإذا مات فقد تعين على من فيه عند موته. قال الرافعي: وعلى قول الجواز- أيضاً- لو شرط ذلك لغيره ففيه وجهان: أصحهما: الفساد، فإن أفسدناه ففي فساد الوقف به خلاف مبني على أن الوقف كالعتق أم لا؟ وقال في "الوسيط": إن قال: وقفت بشرط أن أحرم المستحق، وأحول الحق إلى غيره متى شئت، أو: أرجع متى شئت- فهو فاسد. وإن قال: بشرط أن أغير مقادير

стр. 5687

الاستحقاق بحكم المصلحة، فهو جائز. وإن قال: أبقى أصل الوقف وأغير تفصيله، ففيه وجهان. قال الرافعي: وهذا لا يكاد يوجد لغيره، [ثم] فيه لبس؛ فإن التحويل من مستحق إلى مستحق المعدود في الرتبة الأولى، وتغيير مقادير الاستحقاق الذي جعله مثالاً للثانية- كل منهما مندرج فيما جعله موضع الوجهين، وهو إبقاء أصل الوقف وتغيير تفصيله. فروع متفرقة: إذا قال: وقفت هذا على سكان موضع، كذا فغاب بعضهم سنة، ولم يبع داره ولم يستبدل دارًا- لا يبطل حقه، ذكره العبادي. إذا قال: وقفت على زيد بشرط أن يسكن موضع كذا، ثم من بعده على الفقراء – فهذا وقف فيه انقطاع؛ لأن الفقراء إنما يستحقون بعد انقراضه، واستحقاقه مشروط [بشرط] قد تقدم. إذا وقف على أولاده لا يدخل فيه أولاد الأولاد على الأصح، وعليه نص في "البويطي"، وحكى أبو الحسن بن القطان وجهًا آخر: أنهم يدخلون. وخرجه صاحب "الإفصاح" قولاً للشافعي – ﵁ – كما حكاه في "الحاوي"، وغَلِطَ فيه. وقال القاضي الحسين في كتاب الوصية: نص الشافعي – ﵁ – في "المختصر" [على] أنه إذا أوصى لواحد بمثل نصيب أحد ولديه، وله بنت وبنت ابن [وعصبة- أعطى السدس، ولم أَرَ أنه مُوصىً له بالسدس؛ لأنه مثل نصيب ابنة الابن]؛ فيكون سبعًا. وهذا من كلام الشافعي – ﵁ – دليل على أن اسم الولد عند الإطلاق يتناول ولد الولد، حتى لو وقف على أولاده يدخل فيه أولاد

стр. 5688

الأولاد. انتهى. قلت: وقد يمنع أن [في] كلام الشافعي – ﵁ – دليلاً على ما ادعاه؛ لأن قوله: "أحد ولديه"- ولا ولد له من الصلب إلا واحد- قرينةٌ دالة على إرادة المجاز بإطلاق اسم الولد على ولد الولد؛ فاستعمل فيه كما سنذكره، وليس عند الإطلاق دلالة عليه. [والله أعلم]. وفي "النهاية" ترتيب أولاد البنات على الخلاف في أولاد البنين، وأولى بعدم الدخول، وهذا عند الإطلاق، وقد يقترن به ما يقتضي الجزم بخروجهم كما إذا قال: وقفت على أولادي، [فإذا انقرضوا فلأحفادي الثلث والباقي للفقراء، ولو وقف على أولاده ولم يكن له أولاد أولادٍ]، ففي "التتمة" وغيرها: أنه يحمل اللفظ عليهم؛ صيانة لكلام المُكَلَّف عن الإلغاء. ولو قال: وقفت على أولادي، فإذا انقرض أولاد أولادي فعلى الفقراء – وقلنا بعدم دخولهم عند الإطلاق- فهلا يكون الوقف منقطع الوسط أو يدخلون بعد انقراض أولاد الصلب؟ فيه وجهان في "المهذب" وغيره، أصحهما: أولهما، والخلاف المذكور في أولاد الأولاد [مع الأولاد] يجري في دخول أولاد أولاد الأولاد عند الواقف على الأولاد وأولادهم، ولا نزاع في أنه لو قال: على نسلي وعقبي أو ذريتي، دخل فيه [أولاد البنات وإن بعدوا. إذا وقف على أولاده وأولاد أولاده ممن ينتسب إليه دخل فيه أولاد البنين، دون أولاد البنات. وحكى ابن كج وجهًا: أنهم يدخلون. ولو وقف على البنين أو البنات لا يدخل الخنثى [المشكِل]، وفي [دخول] بني الأولاد عند الوقف على البنين وبنات الأولاد عند الوقف على البنات وجهان، [ومنهم من خصهما ببني البنين، وجزم بعدم دخول بني البنات].

стр. 5689

ولو وقف على البنين والبنات دخل الخنثى المشكل [على أصح الوجهين]، ووجه المنع: أنه لا يُعد منهما. والمنفي باللعان لا يستحق شيئاً. وعن أبي إسحاق: أنه يستحق، وأن أثر اللعان مقصور على الملاعن. إذا جُهِل شرط الوقف ولم نعرف مقادير الاستحقاق أو كيفية الترتيب، قال الإمام: إن لم نيئس من المعرفة وقفنا الأمر، وحملنا المستحق على الطلب، وإن أيسنا، فقد سمعت شيخي يقول: حق هذا أن ينزل منزلة الوقف الذي لا مصرف له إذا صححناه، وكان يحكي عن القفال فيه: أن الأصح الحمل على الجهة العامة. قال الإمام: ولا يتأتى هذا إذا عدمنا شرط الواقف وأشكل، مع العلم بانحصاره في معينين، فالوجه: وقف الرَّيْع إلى أن يصطلحوا. وغيره قال: إذا لم يكن الواقف حيًّا تقسم الغلة بينهم؛ إذ ليس بعضهم أولى بالتقديم والتفضيل من بعض، وإن كان حيًّا ففي "التهذيب" و"المهذب": أنا نرجع إليه – وكذا قال في "الحاوي" – وأنه لا يمين عليه، وأن وارثه يقوم مقامه في ذلك، وكذا عند عدم الوارث يرجع إلى الناظر من جهة الواقف دون الناظر من جهة الحاكم. وحكى فيما إذا اختلف الوالي من جهة الواقف والوارث في الشرط وجهين في أيهما يعمل بقوله. لو لم تُعرف الأرباب، قال الغزالي: جعلناه كوقف مطلق لم يذكر مصرفه؛ فيصرف إلى المصارف التي ذكرناها. إذا وقف داره رباطًا أو مدرسة وشرط اختصاصها بأصحاب الشافعي – ﵁ – أو أصحاب الرأي، اتبع شرطه. ولو وقفهما مسجدًا، وشرط [أن يصلي فيه طائفة معينون دون غيرهم، فإذا

стр. 5690

انقرضوا فعلى عامة المسلمين – ففيه وجهان: أحدهما: أن شرطه غير متبع؛ لأن جعل البقعة مسجدًا] كالتحرير فلا معنى لاختصاصه بجماعة، وعلى هذا قال في "التتمة": يفسد الوقف؛ لفساد الشرط. وقياس ما ذكرناه عن الإمام: أنه لا يفسد. والثاني- وبه جزم القاضي الحسين في "تعليقه"-: أنه يتبع حتى لا يجوز لغيرهم الصلاة فيه؛ لرعاية شرط الواقف، وحكى ذلك في آخر كتاب الجزيرة، وقال: إنه يكره. قال الرافعي: ويشبه أن تكون الفتوى به. ولو وقف مقبرة، وشرط اختصاصها بالغرباء أو بجماعة مخصوصين: فإن صححنا الشرط في المسجد فها هنا أولى، وإلا فوجهان؛ لترددها بين المسجد والمدرسة. والثاني أظهر؛ فإن المقابر للموتى كالمساكن للأحياء. ولو أطلق وقف ذلك كان لكل أحد أن يصلي في المسجد، ويعتكف فيه، ويسكن

стр. 5691

المدرسة بشرط الأهليَّة، وكذلك الرباط، ويدفن في المقبرة، ولا يختص واقف المسجد بالأذان فيه والإمامة، بل هو وسائر المسلمين فيه سواء. فائدة: الصفة والاستثناء عقيب الجُمَل المعطوف بعضها على بعض يرجعان [إلى الكل]: مثال الصفة: وقفت على أولادي وإخوتي وأحفادي المحاويجِ منهم. ومثال الاستثناء: وقفت على أولادي وأحفادي وإخوتي إلا أن يفسق واحد منهم. ورأى الإمام تقييد ذلك بقيدين: أحدهما: أن يكون العطف بالواو الجامعة، فأما إذا كان بكلمة "ثم"، قال: [فإنه] يختص الصفةُ والاستثناءُ بالجملة الأخيرة. والثاني: ألا يتخلل بين الجملتين كلام طويل، فإن تخلل كما إذا قال: وقفت على أولادي، على أن من مات منهم وأعقب فنصيبه بين أولاده للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن لم يعقب فنصيبه للذين في درجته، فإذا انقرضوا فهو مصروف إلى إخوتي، إلا أن يفسق واحد منهم – فالاستثناء يختص بالأخيرة. والصفة المتقدمة على جميع الجمل مثل أن يقول: وقفت على محاويج أولادي وإخوتي، كالمتأخرة عن جميعهم حتى تعتبر الحاجة في الكل. قال: وإن وقف على الفقراء جاز أن يصرف إلى ثلاثة منهم؛ لأن عرف الشرع في هذه اللفظة: ثلاثة في الزكاة، فحمل اللفظ عليها [في الوقف]، وهل يجوز الصرف إلى فقراء غير بلده؟ فيه وجهان مرتبان على جواز نقل الصدقة، وأولى بالجواز، والحكم فيما لو وقف على المساكين كالحكم فيما لو وقف على الفقراء، وإذا وقف على أحد الصنفين جاز أن يصرف للآخر، خلافًا لأبي إسحاق؛ حيث منع الصرف إلى المساكين عند الوقف على الفقراء، ولو وقف على [أحد] الصنفين فأقلُّ ما يجزئ: الصرف إلى ثلاثة من كل صنف.

стр. 5692

قال في "الحاوي": ولو وقف على الفقراء، فمن ادعى أنه فقير جاز الصرف إليه، ولا يكلف إقامة البينة على فقره، بخلاف ما لو وقف على الأغنياء من أقاربه؛ فإنه لا بد من إثبات الغنى بالبينة. ولو وقف على من افتقر فلا بد في الاستحقاق من سابق الغنى، [و] في هذه الحالة لا يقبل قوله في الفقر إلا ببينة، صرح به في "البحر". ويجوز الصرف لصغير فقير له أب غني، أو امرأة فقيرة لها زوج [غني]، أو رجل فقير له ابن غني، وهكذا لو لم يكن له مال وهو مشتغل بعمل يده كان من فقراء الوقف، وإن لم يكن من فقراء الزكاة، كذا جزم [به] في "الحاوي". وقال في "البحر": رأيت لبعض أصحابنا وجهًا: أنه لا يدفع إليهم. وحكى الرافعي فيما عدا الأخير أربعة أوجه عن حكاية الشيخ أبي علي في "الشرح": أحدها – وبه قال ابن الحداد-: أنه يجوز الصرف إليهم. والثاني- ويحكى عن أبي زيد والخضري-: المنع؛ لغنائه بالنفقة المستحقة له؛ فصار كمن حصلت [له] كفايته من كسبه أو من ضَيْعة موقوفة عليه. والثالث – عن الأودني، فيما نقله الفقيه أبو يعقوب-: أن من نفقته على قريبه يستحق دون الزوجة، والفرق: أنها تستحق عوضًا، وهي تستقر في ذمة الزوج كدين في ذمة الفقير حالٍّ أو مؤجلٍ، بخلاف القريب؛ فإن نفقته مواساة. والرابع: أن الزوجة يجوز الصرف لها دون من في نفقة القريب، والفرق: أن القريب يلزمه كفاية أمر القوت من كل وجه حتى الدواء وأجرة الطبيب؛ فاندفعت

стр. 5693

حاجته بالكلية, [والزوجة] واجبها [مقدر, وربما] لا يكفيها؛ فتبقى محتاجة, والحكم في صرف الوصية [إلى من] ذكرناه حكم ريع الوقف, قاله الرافعي في قسم الصدقات. قال: وإن وقف على قبيلة كبيرة أي: كبني تميم وبني هاشم والأنصار بطل الوقف في أحد القولين؛ لأن الموقوف عليه معينون فلا يمكن تعميمهم فبطل الوقف؛ كما لو وقف على قوم. وصح في الآخر, ويجوز أن يصرف إلى ثلاثة منهم؛ لأن كل من صح الوقف عليهم إذا كان عددهم محصورًا [صح] , وإن كان غير محصور, صرف إلى ثلاثة منهم كالفقراء والمساكين, فعلى هذا: هل يجوز الصرف إلى نسائهم إذا كان قد قال: وقفت على بني تميم؟ فيه وجهان. أما القبيلة الصغيرة فيجوز الوقف عليها اتفاقًا, وحكم الوقف على عشيرته حكم الوقف على القبيلة, وإذا صح كان كالوقف على الأقارب. وقد خرج الرافعي الخلاف في مسألة الكتاب على أن الوقف على الجهات العامة القصد فيه القربة أو التمليك, فعلى الثاني لا يصح؛ لتعذر الاستيعاب, وعلى الأول يصح. قال: والأشبه بكلام الأكثرين: أنه تمليك, وأنه يصح هاهنا, [وهو الذي صححه النواوي]. تنبيه: القبيلة: بنو الأب. قال الماوردي في "الأحكام السلطانية": أنساب العرب ست مراتب تجمع أنسابهم, وهي: شعب, ثم قبيلة, ثم عمارة, ثم بطن, ثم فخذ, ثم فصيلة:

стр. 5694

فالشعب: النسب الأبعد كعدنان, سمي شعبًا؛ لأن القبائل منه تتشعب. ثم القبيلة, وهي: ما انقسمت فيه أنساب الشعب, كربيعة ومضر, سميت قبيلة؛ لتقابل الأنساب فيها. ثم العمارة, وهي: ما انقسمت فيه أنساب القبيلة كقريش وكنانة. ثم البطن, وهو ما انقسمت فيه أنساب العمارة؛ كبني عبد مناف وبني مخزوم. [ثم الفخذ, وهو: ما انقسمت فيه أنساب البطن كبني هاشم وبني أمية]. ثم الفصيلة, وهي: ما انقسمت فيه أنساب الفخذ, كبني العباس وبني المطلب. فالفخذ يجمع الفصائل, والبطن تجمع الأفخاذ, والعمارة تجمع البطون, والقبيلة تجمع العمائر, والشعب يجمع القبائل, فإذا تباعدت الأنساب صارت القبائل شعوبًا والعمائر قبائل. وزاد غيره العشيرة قبل الفصيلة. قال: وإن وقف على مواليه وله موالٍ من أعلى وموالٍ من أسفل, فقد قيل: يبطل؛ لأنه وقفه على مجهول, وذلك أن المولى من أسماء الأضداد؛ لأنه يقع على المعتق [والمُعتق] , ولا يمكن حمل اللفظ فيه على العموم؛ لاختلاف معناهما, مع أن الذي يحمل على العموم أسماء الأجناس كالمسلمين؛ فلما تعذر ذلك بطل, وهذا أرجح عند الغزالي, وقال أبو الطيب: إنه ضعيف. وقيل: يصح, ويصرف إلى الموالي من أعلى؛ لأنهم أنعموا عليه بالإعتاق فكانوا أحق بالمكافأة, وأيضاً: فلاختصاصه بالعصوبة. قال الجيلي: فعلى هذا يدخل فيهم أولادهم. وقيل: يقسم بينهما, [وهو الأصح]؛ لتناول الاسم لهما بمعنى واحد على

стр. 5695

جهة التواطؤ, وهو الموالاة والمناصرة. قال شيخنا الشريف عماد الدين –﵀: وصيغة الجمع منه تتناول الكل؛ ضرورة أنه متواطئ, وهو معنىً واحدٌ مشترك [فيه] كاشتراك اللفظ بين معنيين مختلفين لا مشترك بينهما, وهذا ما اختاره ابن القطان, وصححه القاضي أبو الطيب والمتولي وغيرهم. وحكى المتولي وجهًا آخر: أنه يختص [الأسفل]؛ لأطراد العادة بإحسان السادة إلى العتقاء. ثم الوجوه المذكورة في الكتاب منسوبة إلى رواية الإصطخري, ولو لم يكن له إلا أحد الصنفين تعين, ولو كان له من جهة واحدٌ [ومن جهةٍ] اثنان تعين الصرف للجميع, قاله في "المحيط". [ولو كان قد قال: وقفت على مولاه, وليس له إلا مولً من أعلى وملىً من أسفل –قال في "المحيط"]: فلا ينقدح في هذه الصورة إلا أحد وجهين: إما البطلان؛ للاحتمال, وإما الصحة؛ حملًا على الأعلى, أما الجمع فلا وجه له. قال: فإن وقف على زيد وعمرو وبكر, ثم على الفقراء – [أي]: وأطلق –فمات زيد, صرفت الغلة إلى من بقى من أهل الوقف, فإذا انقرضوا صرفت الغلة للفقراء؛ لأنه لا يمكن صرفه إلى الفقراء قبل انقراضهم؛ لعدم شرط استحقاقهم, ولا يرده للواقف؛ لزوال ملكه عنه؛ فتعين صرفه لأهل الوقف, وهذا هو المنصوص في حرملة, وبه جزم القاضي الحسين. وفي "البحر": أن صاحب "الإفصاح" حكى ذلك, وأنه يحتمل أن يرجع نصيب الميت إلى الفقراء, ثم قال صاحب "الإفصاح": وهو الأصح, وقد ذكره الصيمري أيضاً –أما إذا شرط أن من مات منهم انتقل نصيبه لولده أو لبقية أهل الوقف, فإنه

стр. 5696

يتبع شرطه. ولو كان قد وقف على زيد, ثم على عمرو, ثم على بكر, ثم على الفقراء, فمات عمرو قبل زيد, ثم مات زيد –قال في "الحاوي": فلا حق فيها لبكر, وكانت للفقراء والمساكين؛ لأن بكرًا رُتِّب بعد عمرو, وجعل له ما كان لعمرو, وعمرو بموته قبل زيد لم يستحق فيه شيئاً؛ فلم يجز أن يتملك بكر عنه شيئاً. [وقال القاضي الحسين في "فتاويه": الأظهر: أنه يصرف إلى بكر, كما إذا قال: وقفت هذا على ولدي, ثم على ولد ولدي, ثم على الفقراء, فمات ولد الوالد, ثم الولد يرجع إلى الفقراء]. ولو وقف داره على زيد وعمرو: على أن لزيد [منها] النصف, ولعمرٍو الثلث –كانت بينهما على خمسة أسهم: لزيد ثلاثة أخماسها, ولعمرو خمساها. ولو وقف على زيد نصفها, وعلى عمرو ثلثها, ولم يقل في أصل الوقف: إنها عليهما –كان لكل منهما ما سمي له, وكان السدس الفاضل إذا صح الوقف فيه للفقراء. ولو وقف على أن لزيد جميعها, ولعمرو ثلثها –كان الموقوف على زيد ثلاثة أرباعها, وعلى عمرو الربع. ولنختم الباب بفروع تتعلق به: يستحب للقضاة أن [يجددوا إسجالات] الوقوف التي في ديوانهم كلما مضى زمان يخاف فيه [موت الشهود] , كذا قاله ابن الصباغ قبيل باب نصارى العرب, من كتاب الجزية. وحكى القاضي أبو الطيب ذلك ثم عن لفظ الشافعي –﵃ –وأنه [علله]

стр. 5697

فقال: [كي لا] تنقرض شهودها؛ فيؤدي ذلك إلى خفاء حالها [وبطلان الوقف]. إذا وقف على أهل بيته, صرف إلى قرابته من جهة الرجال والنساء, حكاه في "الشامل" عن "البويطي". وفي "الحاوي" حكاية ثلاثة أوجه [فيه]: أحدها: أنه يصرف إلى من ناسبه إلى الجد. والثاني: من اجتمع معه في الرحم. والثالث: إلى كل من اتصل به بنسب أو بسبب؛ قال ﷺ : "سلمان منا أهل البيت". إذا وقف على آله: ففيهم وجهان: أحدهما: إنهم أهل بيته. والثاني: أنهم من دان بدينه. إذا وقف على عياله فهم من في نفقته, وإن كان فيهم والدٌ وولد. ولو وقف على حشمه فهو على من في نفقته, سوى الوالد والولد. ولو وقف على حاشيته فهم المتصلون بخدمته. قال الماوردي: ولو وقف على يتامى بلد صرف إلى صغير مات أبوه, سواء كان فقيرًا أو غنيًا. ولو وقف على [اليتامى مطلقًا فهل يصرف إلى يتيم غنيٍّ؟ فيه وجهان.

стр. 5698

ولو وقف على] الأرامل فهن النساء [اللاتي لا أزواج] لهن, وفي اعتبار فقرهن وجهان عند الإطلاق, وهل يدخل فيهن الرجال الذين لا أزواج لهم؟ فيه وجهان. ولو وقف على الفتيان أو الشباب فهم من احتلم ولم يبلغ ثلاثين سنة. ولو وقف على الكهول فهم من له ما بين الثلاثين إلى الأربعين. ولو وقف على الشيوخ فهم من جاوزا الأربعين. إذا وقف على عمارة مسجد [جاز] , وتصرف الغلة إلى حفظ جدرانه وسقوفه, وكذا شراء سلم للصعود عليه إلى سطحه, ومكانس يكنس بها, ومساحٍ ينقل بها التراب, كما قاله أبو عاصم العبادي. ولو كان يصيب بابه مطر ويفسده جاز بناء مظلة فيه بحيث لا تضر بالمارة. وقال المارودي وصاحب "العدة": ويجوز أن يدفع من غلته أجور قيامه, و [لو] لم يجز أن يدفع منه أجور أئمته ومؤذنيه. وهل يجوز أن يشتري منه دهن قناديله؟ فيه وجهان, المذكور منهما في "التهذيب": المنع, وهو الأصح في "العدة", لكنه جزم بجواز شراء البواري, وصاحب "التهذيب": جزم بالمنع فيها [أيضاً]. وفي "تعليق" القاضي الحسين أنه لو وقف على إصلاح المسجد صرفت الغلة إلى ثمن الحصر والدهن ونحوهما, ولا يجوز صرف شيء من الريع إلى تزويقه. نعم, لو صرح بذلك في الوقف فهل يجوز؟ فيه وجهان في "تعليق" القاضي الحين وغيره. ولو صرح بأنه يصرف الريع في دهن سراجه جاز وضعه في جميع الليل, قال أبو

стр. 5699

عاصم العبادي: لأنه أنشط للمصلين. ولو فضل بعد ما يحتاج إليه المسجد من العمارة شيء فماذا يصنع به؟ فيه وجهان في "الحاوي": أحدهما – وهو قول ابن أبي هريرة -: أنه يكون محفوظًا للمسجد. والثاني –وهو قول ابن القطان -: أنه يشتري به عقارًا يوقف على المسجد. ولو بطل المسجد المعين لم يبطل الوقف عليه, صرح به الماوردي, وقال: إن غلته تصرف للفقراء والمساكين, وفيه نظر؛ لأنه ممن [جزم بأن] جعل المال مسجدًا معينٍا منقطع الانتهاء, فكيف إذا جعله ابتداء وانتهاء؟! نعم, يجوز أن يكون فرّع على الصحة مع الانقطاع. ثم كلام المتولي الذي حكيناه من قبل مصرح بأن ريع الوقف على المسجد إذا خرب يصرف إلى عمارة مسجد آخر. ولو وقف على المسجد مطلقًا ففي "التهذيب" التسوية بينه وبين أن يقف على عمارة المسجد. وفي "فتاوى" الغزالي: أنه يجوز صرف غلته إلى الإمام والمؤذن وبناء منارة إذا كان بهما تتوفر الصلاة فيه, وكان السلطان يعرض على وقفه فيأخذ ما فضل عنه بشرط أن يدخر للمسجد شيء من غلته وأجرته [ليستغلها, ولتوقع] واقعة. قال الرافعي: [ويشبه أن] يجوز بناء المنارة من الوقف على عمارة المسجد أيضاً. [و] قال في "الجرجانيات": في جواز الصرف في هذه الحالة إلى نقش المسجد وتزويقه وجهان.

стр. 5700

وفي "فتاوى" القفال: أنه لو قال: وقفت على [مسجد كذا, لم يصح ما لم يبين جهته فيقول: وقفت على] عمارته وهن سراجه [ونحو ذلك] , وهذا ما حكاه الإمام عن الشيخ أبي علي في كتاب الوصية حيث قال: لو وقف شيئاً على مسجد, واقتصر عليه ينبغي أن يُفَصل القول في الوقف: فإن قال: نويت تمليك المسجد منافع الوقف, فالوقف باطل, وكذا إذا قال: لم يكن لي نية. ولو قال: قصدت صرف الريع إلى مصالح المسجد, فالوقف حينئذ يصح. قال الإمام: وينبغي ان يحمل الإطلاق على هذه الحالة؛ لأنها عمت في الاستعمال [عمومًا] ظاهرًا. وتبعه الغزالي فيما نقله [ثم]. ولو كان في البقعة التي وقفت مسجدًا شجرةٌ جاز للإمام قلعها باجتهاده, ثم ينقطع حق الواقف عن الشجرة, قاله العبادي. وقال الغزالي في "الفتاوى": مجرد ذكر الأرض لا يخرج الشجرة عن ملكه؛ كبيع الأرض, وحينئذ فلا يكلف تفريع الأرض. قال الرافعي: وكلام غيره محمول على ما إذا وقف المسجد ووقف الشجرة عليه, وقد سئل [الأستاذ] أبو عبد الله الحناطي عن رجل غرس شجرة في المسجد كيف يصنع بثمارها؟ قال: إن جعلها للمسجد لم يجز أكل ثمارها من غير عوض, ويجب صرف عوضها إلى مصالح المسجد, ولا ينبغي أن تغرس الأشجار في المساجد؛ لأنها تمنع الصلاة. إذا كان في يد رجل أرض, فأقر أن غيره وقفها على زيد وعمرو, ثم على أولادهما, ثم على الفقراء, فصدقه زيد وعمرو –صارت وقفًا كذلك إن لم يسم الواقف, فإن كذبه الأولاد صرفت [الغلة] بعد وفاة زيد وعمرو للفقراء. ولو كذبه زيد وعمرو وأولادهما صارت للفقراء, فإن عادوا بعد التكذيب وصدقوا

стр. 5701

لم يعد الوقف إليهم, ولو صدق زيد وأولاده وكذب عمرو وأولاده –كان نصف الأرض وقفًا على زيد وأولاده والنصف الآخر للفقراء. ولو صدقه زيد وأولاد عمرو, وكذبه عمرو وأولاد زيد –كان النصف لزيد ثم للفقراء, ونصفه لأولاد عمرو ثم للفقراء. ولو عيّن المقر الواقف وقال: إنه والد الموقوف عليهما ولا ولد له غيرهما, فصدقاه – صارت بتصديقهما وقفًا, [لا] بالإقرار: ولو كذباه كانت لهما ميراثًا, فلو صدقه أولادهما فلا أثر لهما في حياة [زيد وعمرو] , ولكن إن ماتا وهي باقية في تركتهما صارت وقفًا, وإن لم تكن باقية فيه أخذ من تركة أبيهما قيمة الأرض وماذا يصنع بها؟ فيه وجهان: أحدهما: [أنها] تصير وقفًا. والثاني: يشتري بها مثل تلك الأرض, ويكون وقفًا جاريًا. ولو صدقه أحدهما, وكذبه الآخر – [كان] نصفها وقفًا على المصدق, والنصف الآخر ملكًا للمكذب, كذا قاله الماوردي. لو وقف دارًا, ثم أقر بأنها لشخص, وصدقه الموقوف عليه [لم يبطل الوقف, وسقط حق الموقوف عليه] من غلة الوقف, وتصرف إلى من بعده من أهل الوقف, قاله في "الحاوي" في كتاب الصلح. وإذا وقف طنجيرًا, أو فأسًا على قوم, أو [على] مدرسة, فانكسر في يد الموقوف عليه من غير تعدٍّ –فلا ضمان. وكذا لو وضع دنا فيه ماء على باب داره, فوقع الكوز الموضوع عليه من يد الشارب فانكسر –لا ضمان عليه, قاله القاضي الحسين.

стр. 5702

وبعد انكسار الطنجير والفأس والمرجل لا يجوز بيعه, بل يتخذ منه أصغر منه. إذا وقف أرضًا على معين, فأراد أن يغرس فيها: هل له ذلك؟ قال القاضي الحسين: يحتمل وجهين, وجه المنع: تغيير الوقف. ثم قال: ولا خلاف أنه لو أراد أن يجعل المُرَاح الموقوف دارًا أو حمامًا, أو البستان الموقوف موضعًا آخر – [مُنع]؛ لما فيه من تغيير شرط الواقف. إذا أغلق إنسان المسجد, ومنع الناس من الصلاة فيه, فإن وضع فيه متاعه فهل تجب عليه الأجرة؟ فيه وجهان. أصحهما في "تعليق" القاضي الحسين قبيل [باب] إقطاع المعادن: اللزوم, وهو ما جزم به المتولي في كتاب الغصب, وقال: إن الأجرة تصرف لمصالح المسلمين. ولو غلق الباب, ومنع الناس من الصلاة فيه لا غير, لم [تلزمه أجرة]؛ لأن المسجد لا تثبت عليه اليد, ويخالف ما لو حبس حرًا؛ لأن منفعة الحر تستحق بالإجارة, بخلاف منفعة المسجد؛ [فإنها تُستحق بالإجارة] والله أعلم. * * *

стр. 5703

باب الهبة الهبة, والهدية, وصدقة التطوع: أنواع من البر, يجمعها: تمليك العين من غير عوض, فإن تمَّحض فيها طلب الثواب من الله تعالى بإعطاء محتاج فهي صدقة, وإن حملت إلى مكان المهدي إليه؛ إعظامًا [له] وإكرامًا وتوددًا فهي هدية, وإلا فهبة. وبعضهم اشترط في الهدية: أن يكون بين المهدي والمهدى إليه رسول, كما حكاه الزبيري وجهًا فيما إذا حلف: لا يهدى إليه, فوهب منه خاتمًا أو نحوه يدًا بيد -لا يحنث, والشبه الول, وعلى هذا: فكل هديةٍ وصدقة تطوعٍ هبةٌ, ولا عكس. وقد قيل: إن الهدية مشتقة من الهداية؛ لأنه اهتدي بها إلى الخير والتالف. وقال أهل اللغة: يقال: وهبت له شيئاً, وهبًا ووهبًا -بإسكان الهاء وفتحها -وهبة, والاسم: الموهب, الموهبة, بكسر الهاء فيهما. والاتهاب: قبول الهبة, الاستيهاب: سؤالها, ووهّاب ووهابة: كثير الهبة. قال: الهبة منوب إليها؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] , قيل: المراد منه الهبة, [وقوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] والهبة بر] , وقوله تعالى: ﴿وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآية, يعني الهبة والصدقة, وقوله ﷺ : "تهادوا؛ فغن الهدية تذهب وحر الصدر, ولا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاةٍ" خرجه الترمذي.

стр. 5704

وقد وردت أخبار كثيرة تدل على ذلك, مع أن الأمة مجمعة على ذلك. قال: وللأقارب أفضل؛ لأن فيها صلة الرحم, وقد حث ﷺ عليها بقوله: "من سره أن يُنسأ في أجله ويوسع عليه في رزقه فليصل رحمه", وغير ذلك من الأخبار. قال: ويستحب لمن وهب لأولاده [شيئاً] أن يسوي بينهم, أي: فيعطي الأنثى مثل الذكر؛ لما روى عكرمة عن ابن عباس –﵁ – أن النبي ﷺ قال: "سوُّوا بين أولادكم في العطية", وفي رواية: "لو كنت مفضلًا لفضلت البنات", ولما روى مسلم بألفاظ مطولة: أن النعمان بن بشير قال: وهبني أبي هبة, ثم أتى [بي] النبي ﷺ , فقال: يا رسول الله, إن أم هذا أعجبها أن أشهدك على الذي وهبت لابنها, فقال النبي: "يا بشير, ألك ولدٌ غير هذا؟ " قال: نعم, قال: "كلهم وهبت له مثل هذا؟ " قال: لا, قال: "فلا تشهدني إذن؛ فلا تشهدني على الجور", وفي طريق آخر: "فكلهم أعطيت مثل ما أعطيته؟ " قال: لا, قال: "فليس يصلح هذا, وإني لا أشهد غلا على حق", وفي طريق آخر: "أشهد على هذا غيري" ثم قال: "أيسرك أن يكونوا في البر سواء؟ " قال: بلى, قال: "فلا إذن", وفي أخرى: "أفعلت هذا بولدك كلهم؟ " قال: لا, قال: "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" فرجع, أي: فرد تلك

стр. 5705

الصدقة. وفي أخرى: أنه –﵇ – أمره بردها. ولأنه يقع في نفس المفضول ما يمنعه من بره, فلو فاضل, قال ابن الصباغ والقاضي الحسين: فقد فعل مكروهًا, ولا إثم عليه. وفي "الرافعي" وجه: أن المستحب أن يعطي الذكر مثل حظ الأنثيين. قال: ولا يصح إلا من جائز التصرف في ماله غير محجور عليه؛ لأنه تصرفٌ في المال. واحترز بقوله: غير محجور عليه عن المكاتب يهب بغير إذن سيده. وفي "الحاوي": أن المفلس هل تصح هبته؟ فيه قولان. وكأنه يشير إلى القول الذي حكيناه في باب المفلس: أن تصرفاته تكون موقوفة, وهو بعينه يجري في هبة المكاتب, كما به الأئمة في كتاب الكتابة, وهذه صفة الواهب. وأما الموهوب له, قال الماوردي: فهو من صح أن يحكم له بالملك من مكلفٍ وغيره, ثم المكلف يقبل لنفسه وإن كان سفيهًا, وكذا حكم قبضه, وغير المكلف يقبل ويقبض له وليه في المال. ولو وكل في قبول الهبة, قال القاضي الحسين: فالشرط فيها أن يصرح الوكيل بالسفارة؛ كالقبول في النكاح. وأما من لا يحكم له بالملك كالجمل والبهيمة فلا يصح أن يكون موهوبًا منه, وقد ألحق بهما الهبة من المسجد عند إرادة تمليكه دون الصرف في مصالحه, كما حكاه الغزالي في الوصية. وهكذا الحكم إذا أطلقت الهبة له عند الشيخ أبي علي واستبعده الغزالي, وقال: الإطلاق محمول عرفًا على مصالحه. وأما العبد ففي صحة كونه موهوبًا له قولان مأخوذان –كما قال الماوردي –من اختلاف قوليه: هل يملك إذا ملك أم لا؟ وهذا إذا ملك العبد نفسه, أما إذا أطلق الهبة فهي لسيده. وهل يصح قبولها بدون إذنه؟ فيه وجهان:

стр. 5706

أصحهما: نعم, وهل يقوم قبول السيد مقام قبوله؟ فيه وجهان جاريان في قبول الوصية, وصار الإمام في باب الوصية إلى أنه لا يعتد بقبول السيد في الهبة؛ لأن القبول فيها كالقبول في سائر العقود, وقبول الوصية بخلافه؛ ألا ترى أنه يعتد به منفصلًا عن الإيجاب, واقعًا بعد خروج الموجب عن أهلية الإيجاب, وصادرًا من وارث [الموصي له] مع أنه لم يخاطب؟! ثم إذا جوزنا للعبد القبول بدون الإذن, فهل يجوز أن يقبل ما يلحق سيده منه ضرر كالعبد الزمن والدابة الزمنة؟ فيه وجهان في "تعليق" القاضي الحين في كتاب اللقيط, وسنذكر عن الإمام في كتاب العتق ما يقتضي الجزم بالمنع. والهبة من اللقطاء صحيحة وإن كانوا مجهولين, كما صرح [به] في "الوجيز" في باب اللقطة, وعلى هذا يقبل لهم القاضي. وقد استبعده الرافعي, [ثم] قال: ويجوز أن تنزل الجهة العامة منزلة المسجد حتى يجوز تمليكها بالهبة كما يجوز الوقف عليها. وهذا منه تصريح بأن الهبة بقصد التمليك للمسجد جائزة, ولعله محمول على هبة المسجد شيئاً يصرف في مصالحه كما صوره الأصحاب, وقالوا: يجوز أن يؤخذ ما اشترى له بالشفعة, ويجوز أن يأخذ له بالشفعة لهذا الغرض, كما صرح به القاضي الحسين وغيره في كتاب الوقف والشفعة, وقالوا: إن قيِّم المسجد يقبل له الهبة. وتصبح الهبة من الحربي على الأصح, وفي "الذخائر" حكاية وجه في كتاب الوصية: انها لا تصح منه؛ كما لا تصح [له] الوصية على وجه. قال: ولا تجوز هبة المجهول أي: العين أو القدر أو الصفة, ولا [تجوز] هبة ما لا يقدر على تسليمه أي: حسًّا أو شرعًا؛ لتعلق حق الغير به, و [لا] ما لم يتم ملكه كالمبيع قبل القبض؛ لأنه عقدُ يقصد به تمليك المال في حال الحياة فأشبه البيع.

стр. 5707

وضابطه: أن كل ما جاز بيعه من الأعيان جازت هبته, وما لا فلا, وهذا على الصحيح, وقد يأتي في بعض المسائل جواز هبة ما لا يصح بيعه على وجهٍ: فمنها: الآبق: هبته صحيحة عند ابن سريج –كما دل عليه كلام الماوردي –حيث قال عند الكلام في كيفية القبض للابن من كتاب البيع حكايةً عن محمد بن الحسن أنه قال أثناء كلامه: ألا ترى أنه لو وهب لابنه الصغير عبدًا آبقًا, جاز, ولو باعه لم يجز؟! وأن ابن سريج قال: إنما جازت هذه الهبة, ولم يجز البيع؛ لأن الآباق عذر يجوز في الهبة, ولا يجوز في البيع. ومنها: المرهون تصح هبته على وجهٍ, وفائدة صحتها: أنه إذا انفك الرهن يجبر الواهب على الإقباض, ولا يحتاج إلى تجديد عقد, وخالفت الهبة على هذا البيع؛ لأنها لا تفيد الملك في الحال, بل يشترط فيه التسليم, وهي ليست بموجبة للتسليم, بخلاف البيع. وهذا الوجه يجري في هبة المغصوب الذي لا يقدر على انتزاعه. ومنها: هبة الأرض المزروعة دون الزرع, تصح على وجه, لكنه جزم به الأكثرون, والوجه الآخر محكي في "زوائد" العمراني. ومنها: هبة الكلب المنتفع به, تصح على وجه, وهو جارٍ في جلد الميتة قبل الدباغ, وفي الخمور المحترمة. قال الإمام: وحق من جوًز الهبة فيها أن يجوزها في المجاهيل, وفي الآبق؛ [كالوصية]. ومنها: هبة الدين المستقرض من غير من هو عليه, لا تصح [إلا] على وجه, وإن جاز بيعه, وبه جزم الماوردي, لكن نص الشافعي –﵁ –على الجواز, واختاره في "المرشد". وهبته ممن هو عليه جائزة قطعًا, وتبرأ بها الذمة.

стр. 5708

ومنها: [هبة] المنافع, قال في "الجرجانيات": فيها وجهان؛ بناء على أن ذلك إعارة أم لا؟ وبيعها صحيح. وقد احترزنا بقولنا: "ما جاز بيعه من العيان جازت هبته, وما لا فلا" عن الدين [و] عن بيع الأوصاف سلمًا في الذمة؛ فإنه جائز, ولا تجوز الهبة على نحوه, مثل أن يقول وهبتك ألفًا في ذمتي, ثم يعينه في المجلس ويقبضه, كما صرح به الإمام في كتاب الصلح, والقاضي الحسين [هنا] , وقد ذكرنا في باب القرض عن "المهذب" أنه [إذا] قال: أقرضتك عشرة دراهم, ووصفها, ثم اقبضها في المجلس – صح وأنه لو عينها بعد مفارقة المجلس جاز, وإن طال لم يجز حتى يعيد لفظ القرض. وكان يتجه أن يجيء مثله هاهنا, وإن فرق بأن في القرض شائبة المعاوضة. قلت: فليخرج على الخلاف المذكور في نظير المسألة في القرض. قال: ولا يجوز تعليقه على شرط مستقبل, أي: مثل أن يقول: إذا جاء رأس الشهر فقد وهبتك [, ولا على شرط ينافي مقتضاه, أي: مثل أن يقول: وهبتك سنة] , أو: بشرط ألا أقبضك, أو: [أن] أقبضك, ولا تنتفع به؛ لأنه عقد يبطل بالجهالة؛ فبطل بذلك كالبيع. وقيل: تصح الهبة إذا اقترن بها شرط فاسد, ويلغو الشرط. وقيل: يختص بإلغاء الشرط بما إذا كان من قبيل التأقيت, [كما إذا قال]: وهبتك سنة, وهو مخرج مما سنذكره في "العمرى". وحكى في "الزوائد" عن صاحب "العدة": أنا إذا لم نبطل الهبة [بالشروط الفاسدة] , فوهب له جاملًا, واستثنى حملها –بقى الحمل للواهب. قال: وإن قال: أعمرتك هذه الدار, وجعلتها لك حياتك ولعقبك من بعدك –

стр. 5709

صح؛ لما روى مسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "أيما رجل أعمر رجلاً عمري له ولعقبه, فقال: أعطيتكما وعقبك, ما بقى منكم أحد, فهي لمن أعطيها وعقبه, لا ترجع لصاحبها؛ من أجل أنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث". ولأن هذه عين الهبة ولكنه طوّل على نفسه. وفي معنى قوله: مدة حياتك, [قوله: ما] حييت, أو: ما عشت, أو: ما بقيت. قال: وإن لم يذكر العقب, أي: بأن قال: أعمرتك هذه الدار حياتك [صح] أيضاً, وتكون له في حياته ولعقبه [من] بعد موته؛ لما روى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ["العمري جائزة" أخرجه البخاري ومسلم, وروى أبو داود أنه قال]: "من أعمر عمري, فهي له, ولعقبه يرثها من يرثه من عقبه"

стр. 5710

وخرجه النسائي. ولأن الأملاك المستقرة كلها مقدرة بالحياة, وتنتقل إلى الورثة؛ فلم يكن ما جعل له في حياته منافيًا لحكم الأملاك, و [هذا] هو الجديد [و] الصحيح, و [به قال في] القديم, وفي بعضه أنه ليس كذلك, وقد اختلف في كيفيته على طريقين مذكورين في الكتابة. قال: وقيل: فيه قول آخر: أنه باطل؛ لما روي عن جابر أنه قال: "إنما العمري التي أجاز رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك, فأما إذا قال: هي لك ما عشت, فإنها ترجع إلى صاحبها" خرجه أبو داود ومسلم. ومراد جابر عند هذا القائل: الرجوع في الحال, ولأنه تمليك عين إلى مدة؛ فهو كقولك: أعمرتك سنة, أو: عمري, أو: عمر زيد, وهذا رواه الزعفراني, [وبه] قال في "البحر", وقد كان بعض أصحابنا يغلب في قوله: جعلتها لك عمري, [أو]: عمر زيد – حكم العمري, ويجعلها أيضاً على قولين, وهو اختيار البغوي وجماعة من أصحابنا بـ"خراسان", ومن القول بالصحة [فيه] خرج إلغاء الشرط الفاسد في الهبة, والوقف كما ذكرناه, لكن الأكثرون على المنع في الصورة المذكورة. قال: وقيل: فيه قول آخر: أنه يصح, ويكون للمعمر في حياته, فإذا مات رجعت إلى المعمر, [أو إلى ورثته؛ تمسكًا بقول جابر, فإن المفهوم منه أنها تدفع إلى المعمر] بعد موت المعمر لا في الحال, وهذا تفسير أبي إسحاق القول القديم كما قاله الرافعي والقاضي أبو الطيب, ونسبه في "الحاوي" إلى ابن أبي هريرة, وهو أضعف من الذي قبله؛ لمخالفته القياس؛ فإن الإنسان لا يملك مؤقتًا, وقال
следующие страницы →