← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

ولو قال: وقفت على من شاء زيدٌ, كان باطلًا, ولو قال: على من شئت –وكان قد عين من شاءه [عند الوقف –جاز وأخد ببيانه] , ولو لم يعينه إذ ذاك لم يجز. قال: ولا على من لا يملك الغلة كالعبد أي: إذا قصد الوقف على نفسه والحمل؛ لأنه تمليك منجز فلا يصح على ما ذكرنا؛ كالبيع والهبة. واحترزنا بلفظ "التمليك" عن الإرث في حق الحمل, وبلفظ "التنجيز" عن الوصية. وفي "البحر": أن الشيخ أبا محمد حكى في "المنهاج" وجهين: أن الوقف عن الحمل يصلح كما يملك بالإرث. وفي "الحاوي" وغيره: أن منع الوقف على العبد مبني على قولنا: إنه لا يملك, أما إذا قلنا: إنه يملك, صح, فإذا عتق كان له, وكان على قياس هذا: أنه إذا وقف على عبد فلان [فباعه] أو وهبه يكون الوقف مستمرًا, لكن المتولي قال: إن الاستحقاق منوط بكونه عبد فلان, فإذا باعه أو وهبه زالت صفة الاستحقاق. قال الرافعي: ولك أن تقول: الخلاف في أنه ملك مخصوص بما إذا ملكه السيد, فأما إذا ملكه غير السيد, فلا خلاف أن [لا] يملك, وحينئذ إذا كان الواقف غير السيد كان الوقف على من لا يملك؛ فأي معنى لقوله: أو ملكه السيد ملك؟! قلت: قد تكرر من الرافعي ومن غيره القول بأنه: لا خلاف في أن العبد لا يملك بتمليك غير السيد, وقد تقدم منه ومن غيره: أن العبد يملك بالشراء وبالقرض على رأي من جهة غير سيده, وإذا ملك ببدلٍ فبدونه من طريق الأولى, وسأذكر في أول كتاب "الهبة" وأواخر "باب العتق" ذلك منقولًا عن الأصحاب صريحًا؛ فاطلبه تجده. فأما إذا أطلق الوقف عليه فهو على سيده؛ كما لو وهب منه, أو أوصى له, وإذا شرطنا القبول جاء الخلاف في أن العبد هل يستقل بقبول الهبة والوصية أم يحتاج إلى إذن السيد؟ وكذا في السيد لو قبل هل يصح؟ والأصح في الأخيرة: لا؛ لأن الخطاب لم يجر معه. وحكى ابن الصباغ عن القاضي أبي الطيب في "المجرد": أنه لو وقف على العبد

стр. 5637

وقلنا: إنه يملك, صح الوقف عليه, وكان للسيد أخذ الريع منه, فإذا عتق كان له, وإن قلنا: إن العبد لا يملك, فهو كما لو وقف على بهيمتةٍ للغير, وظاهر المذهب في البهيمة: أنه يصح, ويكون وقفًا على مالكها, وينفق عليها من ريعه, فإذا نفقت تكون لصاحبها. وما ذكره عن القاضي صدره يقتضي أن تكون المسألة مفروضة فيما إذا قصد تمليك العبد, وعجزه يقتضي الإطلاق؛ فإنه لو قصد تمليكه بعد أن يشبه بالبهيمة التي الوقف عليها لا يقتضي التمليك, وأن تصرف السيد, ثم المختار في البهيمة ظاهر المذهب. وفي "ألرافعي" و"التهذيب": أن الصحيح فيها البطلان, وبه جزم الماوردي؛ كما لا تصح الوصية إليها ولا الهبة. وأما إذا صححنا وشرطنا القبول فالقابل المالك, والخلاف كما حكاه المتولي يجرى فيما إذا وقف على علف بهائم القرية المملوكة أو على بهائم فلان, بخلاف ما لو وقف على الوحوش أو على علف الطيور المباحة؛ فلا يصح جزمًا. وحكم المدبر والمعلق عتقه بصفة وأم الولد, حكم القن, وكذا المكاتب عند الشيخ أبي حامد. وفي "الحاوي" إطلاق القول بالصحة, سواء كان على معين أو على المكاتبين. وفي "التتمة" أن الوقف على المكاتبين صحيح. ثم إذا عجز بعضهم كان الحكم في استرجاع ما دفع إليه كما [هو] في الزكاة, وكذا إن كان على مكاتب بعينه يصح في الحال, وتصرف الفوائد إليه, ويلزم حكمه إذا عتق إن أطلق الواقف الوقف, وإن قيد بحال الكتابة بطل استحقاقه, وإذا عجز بان [أن] الوقف منقطع الابتداء, وهذا فيه [نظر, بل] ينبغي أن يتخرج على أنه هل يسترجع [منه ما أخذه] أم لا؟ فإن استرجع فالحكم كذلك؛ وإلا فليس بمنقطع الابتداء, [ويؤيد ذلك: أن تصرفات المكاتب بحكم الملك لا ينقضها عند عجزه]. ولو وقف على الأرقاء الموقوفين لسدانة الكعبة وخدمة قبر النبي ﷺ صح على

стр. 5638

الأصح؛ كما لو وقف على علف الدواب في سبيل الله. ولو وقف على المقبرة لتصرف الغلة إلى عمارة القبور, قال المتولي: لا يجوز؛ لأنه ليس فيه قربة. ولو وقف على هذه الدار على أن يأكل فوائدها طارقوها صح على أطهر الوجهين. ولو وقف على عمارة دار زيد: فإن لم يكن زيد [قد] وقفها لم يصح, وإن كان قد وقفها صح. قال الماروردي: لأن الوقف طاعة, وحفظ عمارته قربة؛ كما لو وقفها على مسجد أو رباط. فإن قيل: الوقف عندكم على من لا يملك غير صحيح, والوقف على مسجد ورباط قنطرة وفرس في سبيل الله صحيح, وإن لم يصح أن يكون شيء من ذلك مالكًا؟ قيل: هذا وقف على كافة المسلمين, وإنما عيّن مصرفه في هذه الجهة؛ فصار مملوكًا مصروفًا في هذه الجهة في مصالحهم. قال: فإن وقف على من يجوز [أي]: كأولاده الموجودين أو رجلٍ بعينه, ثم على من لا يجوز كأهل الحرب ونحوهم – بطل الوقف في أحد القولين؛ لأن المقصود بالوقف إيصال الثواب على الدوام حتى يتميز عن العواري, [ولم يحصل] , وصح في الآخر, لأن مقتضى الوقف القربة والثواب, فإذا بين مصرفه في الحال سهل إدامته على وجه الخير, وهذا نصه في "المختصر", وهو مع الأول في "حرملة", وهذا الوقف يلقب به "المنقطع الانتهاء". وبنى المتولي القولين على أن البطن الثاني يتلقون الوقف من الواقف أو من الموقوف عليه؟. فإن قلنا بالأول فلا بد من بيان من ينتهي إليه الاستحقاق. وإن قلنا بالثاني فلا حاجة إليه. قال الرافعي: وهذا البناء ترجيح قول البطلان؛ لأن قول التلقي من الواقف

стр. 5639

أرجح وأصح, وإلى ذلك ذهب المسعودي والإمام, لكن الأكثرون قالوا: أصح القولين صحة الوقف, ومنهم القضاة أبو حامد والطبري [والروياني] , ووافقهم صاحب "التهذيب". وعن صاحب "التقريب" قول ثالث في المسألة: وهو الفرق بين أن يكون الموقوف عقارًا فلا يجوز إنشاؤه منقطع الآخر, وبين أن يكون حيوانًا فيجوز؛ لأن مصير الحيوان إلى الهلاك, وكما يجوز فوات الموقوف عليه مع بقاء الموقوف يجوز عكسه إن قلنا بالصحيح. قال: ويصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف أي: بعد انقراض الموقوف عليه أولًا؛ لأن قصده الثواب, وهو أبلغ فيه فكان الصرف إليه أولى من غيره, ولأن العادة جارية بأن الإنسان إذا أراد أن يتصدق بشيء بدأ بأقاربه؛ فيجعل كأنه صرح بذلك, وهذا نصه في "المختصر", وهو الأصح عند القاضي الحسين. ثم [إن] المراد بأقرب الناس إلى الواقف ماذا؟ فيه ثلاثة أوجه. أحدها –وهو ما حكاه القاضي الحسين عن تخريج ابن سريج -: الجيران, وهو أبعدها. والثاني: أقاربه الوارثون, حكاه المراوزة. والثالث –وهو الأصح, والمذكور في طريقة العراق, وينسب إلى رواية حرملة -: أنه أقربهم رحمًا وإن كان غير وارث, حتى يقدم ابن البنت على ابن العم. فلو اجتمع جماعة فمن المقدم منهم؟ سيأتي الكلام فيه في "باب الوصية" –إن شاء الله تعالى – فإن بعض الأصحاب أحال الكلام فيه عليه, ثم الاعتبار بالأقرب –كما قال في "البحر" –حالة رجوع الوقف إليهم, لا يوم الابتداء بالوقف. قال: وهل يختص به فقراؤهم, أو يشترك فيه الفقراء والأغنياء؟ فيه قولان: وجه الاختصاص –وهو المذكور في "حرملة", والصحيح -: أن مصرف الصدقات: الفقراء. ووجه الاشتراك – وهو منصوص عليه في "المختصر", وظاهر رواية الربيع -: أن

стр. 5640

اسم القرابة يشمل الجميع, والغني كالفقير في باب الوقف. وقيل: يختص به الفقراء قولًا واحدًا؛ لما تقدم, وهذا ما نسب إلى ابن سريج, وبه قال جمهور الأصحاب كما قاله الماوردي, وحملوا رواية المزني والربيع المطلقة على رواية حرملة المقيدة بالفقر. وهذا الخلاف جارٍ بلا شك عند الأصحاب في الوقف على القرابة, لكن هل يجري مثله فيما إذا قلنا: أقرب الناس إلى الواقف الجيران؛ الظاهر: أنه لا يجري؛ فإن الماوردي حكى فيما إذا وقف على الجيران: أنه لا فرق فيهم بين الغني والفقير, وأقصى درجات ذلك: أن يكون كالتصريح, ثم إذا قلنا: بالاختصاص بالفقراء فهل هو على سبيل الوجوب أو الاستحباب؟ فيه وجهان. فإذا قلنا: على سبيل الوجوب, فلو افتقر من كان غنيًا عند موت الموقوف عليه أولًا صرف إليه, ولو كان الكل أغنياء [كان] كما لو كان الكل فقراء وانقرضوا, و [قد] قال ابن الصباغ في ذلك: إنه يصرف إلى الفقراء والمساكين. وقال في "البحر": الذي نص عليه الشافعي: أن الإمام يجعلها حبسًا على المسلمين يصرف غلتها في مصالحهم. وقال: أن القاضي الطبري صار إليه ورجحه. وقيل على قول الصحة: لا يصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف, بل يصرف إلى المصالح العامة مصارف الخمس؛ فإنها أعم الخيرات, والأعم أهم. قال [الإمام]: وعلى هذا لا يتصرف فيه غير الولي على رأي الظاهر, ولا يبعد عن الاحتمال رد ذلك إلى نظر الناظر في الوقف, وقيل: بل إلى مستحق الزكاة غير العامل, وهذا جعله الروياني في "البحر" مع الذي قبله وجهًا واحدًا. وقيل: بل إلى المساكين؛ لأن سد الخلات أهم الخيرات. وعلى هذا فهل يقدم جيران الوقف؟ فيه وجهان, أشبههما: المنع؛ لأنا لو

стр. 5641

قدمنا بالجوار لقدمنا بالقرابة بطريق الولى, وعلى قول التقديم فالفرق بينه وبين الوجه الذي حكيناه أولًا عن ابن سريج: أن ثمَّ يستحق الجار وإن كان غنيًا على رأي, وهاهنا لا بد أن يكون فقيرًا. قال الإمام: وينقدح على هذا القول –يعني القول بعدم تقديم الجار –جواز نقل الريع عن مساكين البلد, ومنع ذلك؛ تخريجًا على اختلاف القولين في نقل الصدقات. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن الوقف يعود ملكًا للواقف, والله أعلم. ومن صور هذا القسم: أن يوقف على قوم يمكن انقراضهم, كما إذا قال: وقفت على أولادي, فإذا انقرضوا فعلى أولاد أولادهم. ولم يقل بعد ذلك شيئاً آخر. وألحق بعضهم ما إذا قال: وقفت على أولادي, ثم بعدهم على هذا المسجد, [أو:] هذه القنطرة المعينة, أو: على هذا الرباط, ومنهم الماوردي, وكذا إذا جعل الوقف ابتداء على مسجد وقنطرة ورباط معين, كما ذكره القفال في "فتاويه". وبعضهم ألحق ذلك: بما إذا جعل المال للفقراء أو المساكين أو المساجد أو القناطر أو الرباطات, من غير تعيين أو وقف على ذلك ابتداء؛ فإنه وقف صحيح [في المال] والابتداء جزمًا, والقاضي الحسين حكى الوجهين فيما إذا جعل النهاية المسجد الجامع, وطردهما في "التهذيب" في الصور كلها, وفصل المتولي في الوقف على مسجد بعينه [أو رباط بعينه] , فقال: إن كان يبعد في الوهم خراب ذلك الموضع بأن كان في وسط بلدة صح, وإن كان لا يبعد في الوهم ذلك بأن كان في قرية أو على جادة فهو منقطع الانتهاء, فإذا خرب صرف إلى مسجد آخر, وإذا جعل الصرف إلى جهة العلماء نهاية الوقف صح [الوقف]؛ كما لو جعل نهايته لقراء القرآن والمجاهدين أو للفقراء.

стр. 5642

وفي "فتاوى" القفال وخلافه؛ لأنهم قد ينقطعون. فرع: إذا قال: وقفت على زيد وعلى الفقراء, فذاك ينبني على ما إذا أوصى لزيد وللفقراء, [ووقف النصف الآخر]: فإن جعلناه كأحدهم صح الوقف, ولا يحرم زيد, وإن قلنا: النصف له, صح الوقف في نصف الفقراء, ووقف النصف الآخر منقطع الانتهاء, [فإن لم يصح] , قال الرافعي: فيقع في تفريق الصفقة. قال: وإن وقف على من لا يجوز [ثم على من يجوز] مثل أن قال: وقفت على هذا العبد, أو على رجل, ثم على أولادي, ثم على الفقراء – فقد قيل: يبطل قولًا واحدًا؛ لأن الأول باطل؛ لعدم إمكان الصرف إليه في الحال, والثاني فرع الباطل, وهذه رواية المزني, وبها قال أبو إسحاق المروزي, وصححها الماوردي والبغوي وصاحب "المرشد". وقيل فيه قولان أي: كالمسألة قبلها: أحدهما: يبطل؛ لما سبق. والثاني: يصح؛ لأن الأول لما بطل صار كالمعدوم فصار الثاني كأنه مبتدأ به, وهذا الطريق رواه حرملة, وبه قال ابن أبي هريرة, والقاضي الطبري وابن الصباغ حكيا أن أصحابنا بنوا الخلاف على الخلاف في تفريق الصفقة, كما إذا باع عبده وعبد غيره, ومقتضى هذا البناء: أن يكون الصحيح من القولين الصحة, وعلى ذلك جرى في "البحر"؛ فقال: إن المذهب الجواز. لكنه بنى الخلاف على أن البطن الثاني ممن يتلقون؟ فإن قلنا: من البطن الأول, لم يصح, وإلا فهو على الخلاف في تفريق الصفقة. وحكى القاضي الحسين عن شيخه: أنا إن لم نصحح الوقف في المسألة الأولى فهاهنا أولى, وإن صححناه ثم فهاهنا وجهان, والفرق: أن هناك نقله إلى من يصح الوقف عليه للابتداء, وهو الأصل فسومح في الفرع, وهنا عكسه. ورأي الإمام عكس هذا البناء فقال: إن قلنا: إن منقطع الابتداء لا يصح, فمنقطع الانتهاء أولى, وإن قلنا: منقطع الابتداء يصح, ففي منقطع الانتهاء وجهان؛ لأن وضع الوقف على أن يدوم, وليس في منقطع الأول إلا أن مصرفه منتظر.

стр. 5643

قال الرافعي: والظاهر البطلان وإن ثبت الخلاف. وعلى مقابله قال الشيخ: فإن كان ممن لا يجوز الوقف عليه ممن لا يمكن اعتبار انقراضه كالمجهول أي: مثل إن وقف على رجل غير معين صرفت اللغة إلى من يجوز الصرف عليه, أي: في الحال؛ كي لا تبطل فائدة الصحة. وإن كان ممن يمكن اعتبار انقراضه كالعبد فقد قيل: يصرف في الحال إلى من يجوز الوقف عليه؛ إذ الأول كالمعدوم فانتقل [الوقف] إلى من بعده, وقيل: لا يصرف [إليه إلى أن] ينقرض أي: ويكون الريع للواقف وإلى ورثته [و] إن كان قد مات؛ لأنه لم يوجد شرط الانتقال إليه فلا ينتقل, وهذا هو المنصوص في "حرملة". وقال ابن الصباغ: إنه بعيد. وقال الشيخ أبو حامد: إنه المذهب. فعلى هذا ففي ثبوت الوقف في الحال وجهان: أحدهما: يثبت؛ لأنه يجزه ولكن تأخر الاستحقاق. والثاني: لا يثبت, بل هو ملك, وسبيله سبيل المعلق عتقه بصفةٍ. وقيل: يكون [لأقرباء] الواقف [إلى أن] ينقرض, ثم يصرف إلى من يجوز الوقف عليه؛ لأنه لا يمكن رده إلى الواقف؛ لأنه أزال ملكه فيه, ولا يمكن صرفه لمن يصح عليه الوقف؛ لأنه لا يوجد شرط الانتقال إليه, وهو انقراض العبد؛ فكان أقرباء الواقف أحق به, وهذا هو الأقيس في "الشامل", وإذا قلنا به جاءت التفاريغ المتقدمة. وحكى القاضي أبو الطيب وجهًا: أنه يصرف للفقراء والمساكين, ويبدأ [منه بأقرباء الواقف. وحكى الفوراني وجهًا: أن مصرفه إلى أن ينقرض من لا يجوز الواقف عليه؛ كالمصرف] في المنقطع الآخر, وهذا الوقف يسمى منقطع الابتداء, ومن صوره –كما قال الماوردي-: ما إذا وقف على ورثة زيد وزيد حي, ثم على الفقراء.

стр. 5644

وبقى خارجًا عما ذكره الشيخ أقسام: قسم يكون الوقف فيه صحيح الابتداء والوسط والانتهاء: وهو أن يوقف على ولده الموجود مثلًا, وعلى من يحدث له من الأولاد, ثم على أولادهم وأولاد أولادهم, وغير ذلك, فإذا انقرضوا فعلى الفقراء, فهذا صحيح جزمًا, وكذا إذا وقف على مدرسة موجودة ثم على مدرسة يستجدها, ثم على الفقراء, كما قاله القاضي الحسين. وقسم منقطع الابتداء والانتهاء والوسط: مثل: أن يوقف على عبد, ثم على رجل, ثم على أهل الحرب والقطاع, فهذا لا يصح جزمًا. وقسم صحيح الابتداء والانتهاء منقطع الوسط: مثل أن يقول: وقفت على ولدي, ثم من بعده على رجل أو عبد, ثم من بعده على الفقراء, فهذا يترتب على المنقطع الانتهاء. فإن قلنا: إنه يصح, فهاهنا أولى, وإلا فوجهان, والأصح – كما قال القاضي الحسين -: الصحة. وقد مثل القاضي هذا القسم بما إذا وقف على زيد, فإذا مات ولد زيد فعلى الفقراء. فإن قلنا بالصحة فالحكم في حال انتهاء الوقف إلى من لا يجوز الوقف عليه؛ كالوقف المنقطع الابتداء. وقسم منقطع [الابتداء] والانتهاء وصحيح الوسط: مثل: أن يقف على رجل, ثم على أولاده, ثم على المرتدين, فهذا يترتب على الوقف المنقطع الأول, وهاهنا أولى بالبطلان, وهو الأظهر. وقسم منقطع الابتداء والانتهاء ولا وسط له: كما إذا وقف على رجل غير معين, أو على من يختاره فلان, أو على من يولد له,

стр. 5645

أو على مسجد سيبنيه, قال في "التهذيب": فهو غير صحيح على الصحيح من المذهب. قال: وإن وقف على رجل بعينه, ثم على الفقراء, فرد الرجل أي: أصل الوقف بطل في حقه؛ لأن الوقف يتضمن إيجاب حق للموقوف عليه, وليس للواقف ولاية إيجاب الحق [له] بغير رضاه. [قال]: وفي حق الفقراء مأخذهما: أن البطن الثاني يتلقون الوقف من الواقف أم من الموقوف عليه أولًا؟ وفيه خلاف سبق. فإن قلنا بالأول صح, وإلا فلا, والقاضي أبو الطيب بناه على تفريق الصفقة, وعلى كلتا الحالتين فالبناء يقتضي أن يكون الصحيح الصحة. واعلم أن الأصحاب اختلفوا في أن الوقف على معين هل يفتقر إلى القبول أم لا؟ على وجهين, مع اتفاقهم أن الوقف على الجهة العامة كالفقراء والمساكين والرباطات لا يشترط فيه القبول, لتعذره, مع أنه شبيه بالتحرير. فأحد الوجهين –وهو الأصح عند الإمام وغيره, وبه جزم الفوراني -: الاشتراط؛ لأنه يبعد دخول عين أو منفعة في ملكه من غير رضاه, وعلى هذا فليكن متصلًا بالإيجاب كما في البيع والهبة, وسيأتي في الهبة حكاية وجه في عدم اشتراط القبول فيها على الفور, ولا يبعد [مجيء مثله] هنا. والثاني: لا يشترط, واستحقاق الموقوف عليه كاستحقاق العتيق منفعة نفسه, وهذا ما اقتضى إيراد صاحب "التهذيب" ترجيحه, وبه أجاب في "الاستقصاء", والروياني في "البحر" حيث قال: لا يحتاج لزوم الوقف إلى القبول, ولكن لا يملك عليه إلا باختياره, ويكفى الأخذ دليلًا على الاختيار في أول دفعة, ولا يشترط تكرره, وخصص في "التتمة" الوجهين بما إذا قلنا: إن الملك في الوقف

стр. 5646

منتقل إلى الموقوف عليه, أما إذا قلنا بغيره فلا يشترط. وكلام الشيخ هنا يجوز أن يكون مفرعًا على عدم اشتراط القبول؛ لأنه لو كان مفرعًا على اشتراطه فالرد إما أن يكون قبل القبول أو بعده, فإن كان بعده لم يكن صحيحًا؛ للزوم الوقف, والوقف بعد لزومه لا يرد, وإن كان قبله فإحالة البطلان على عدم ركن العقد –وهو القبول- أولى من إحالته على غيره وهو الرد, ويجوز أن يكون تفريعًا على اعتبار القبول, وعبر بالرد عن عدم القبول؛ لأنه إذا كان شرطًا ولم يأت الموقوف عليه به فقد رده, أو يكون الرد بعد القبول, ولا نقول: إنه بالقبول لزم, ويكون معنى قول الشيخ: فإذا صح الوقف لزم أي: من جانب الواقف؛ ولهذا نقول: إنه إذا وقف الشقص المشفوع صح, وللشفيع نقض الوقف, وحينئذ يكون الخلاف في صحة الوقف على الفقراء وبطلانه هو الخلاف السابق في الوقف المنقطع الابتداء, وأعاده؛ لأنه [في الصورة الأولى جرى لأجل ذلك في الموقوف عليه, وهنا جرى تخلل في العقد, وهذا هو] المذكور في "النهاية" والمفهوم من كلام الأئمة, وقد قال الأصحاب: إن الوقف يبطل بالرد في حق الراد, سواء شرطنا القبول أو لم نشترطه؛ كما في الوصية والوكالة, وقضية قول الشيخ: وإذا صح الوقف لزم ألا يتمكن من الرد, إذا قلنا بعدم اشتراط القبول, وهو ما أبدأه في "التهذيب" عن شيخه احتمالًا, وقال: إنه الأصح عندي, خصوصًا إذا قلنا: إن الملك زائل إلى الله –تعالى – كما لو أعتق عبده فرده. أما إذا رد الريع دون أصل الوقف, قال في "البحر": إن رد غلة واحدة كان على حقه فيما يحدث بعدها, ويعرض عليه الغلة الأخرى, فإن عاد بعد الرد يطلبها نظر: إن كان بعد إعطائها إلى من رجعت إليه لم يسترجع, وإن كان قبل ذلك ردت إليه. وحكى فيمن يرجع إليه الغلة المردودة إذا لم يكن شرط من جهة الواقف

стр. 5647

وجهين, كما لو مات: أحدهما: ترد إلى من معه. والثاني: ترد إلى الفقراء والمساكين. فرع: لو رد البطن الثاني فيما إذا كان [قد] وقف على زيد, ثم على عمرو, ثم على الفقراء – فهل يبطل برهم مع أنه لا يشترط قبولهم؟ فيه وجهان عند الغزالي وإمامه, وأجرى في "التتمة" الوجهين في اشتراط القبول منهم أيضاً, وبناهما على أنهم يتلقون ممن؟ فإن قلنا: من الواقف, فحكمهم حكم البطن الأول, وإلا فلا, واستحسنه الرافعي, وقال: لا يبعد ألا يتصل الاستحقاق بالإيجاب, ومع ذلك يعتبر القبول كما في الوصية. قال: وإن وقف وسكت عن السبيل أي: عن جهات المصرف, مثل أن قال: وقفت هذا –وسكت – بطل [الوقف] في أحد القولين؛ لأن الوقف يقتضي التمليك, فإذا لم يعين الملك بطل كما لو قال: بعت, أو: وهبت, وسكت ولم يعين المبيع منه والموهوب له, ولأنه لو وقف على مجهول بطل؛ فإذا أطلق كان أولى, وهذا ما قال الماوردي: إنه أقيس, والقاضي [الحسين] والغزالي: إنه الأظهر, والبغوي والرافعي: إنه الصحيح, والروياني: إنه اختيار القاضي أبي حامد. ويصح في الآخر؛ لأنه إزالة ملك عن جهة القربة فصح مطلقًا؛ كالأضحية والهدى, وهذا ما مال إليه الشيخ أبو حامد والمصنف وصاحب "البحر", وقال: إنه منصوص عليه, وغيره نسب القولين إلى نصه في "حرملة". وعلى الثاني قال الشيخ: ويصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف؛ لما سبق, ويجيء فيه ما تقدم من التفاريع, ومن هو الأقرب, وقد حكى الشيخ أبو حامد أن

стр. 5648

الشافعي نص هاهنا على أنه يسوي بين [فقراء] أقرباء الواقف وأغنيائهم, وتابعه المحاملي في ذلك. ثم إذا انقرضوا, قال في "التهذيب": صرف إلى الفقراء والمساكين. والمذكور في "تعليق" القاضي أبي الطيب و"الشامل": أنه يصرف ابتداء [إلى الفقراء والمساكين, فيبدأ] [بأقاربه المحتاجين؛ لأنهم أولى بصدقته؛ كما لو أوصى بثلث ماله مطلقًا, ولم يذكر الموصى له يصرف] للفقراء والمساكين, ويبدأ بأقاربه. وفي "الحاوي" أن ابن سريج حكى في مصرفه ثلاثة أوجه: أحدها: ما ذكرناه عن القاضي أبي الطيب, وزاد أنه يقدم أقرب الناس إليه نسبًا ودارًا من ذوي الحاجات, وهذا ما صححه الماوردي. والثاني: يصرف إلى وجوه البر والخير؛ لعموم النفع بها. والثالث – وهو المذهب -: أن الأصل وقف المنفعة له ولورثته وورثة ورثته ما بقوا, فإذا انقرضوا كانت في مصالح المسلمين, وكأنه وقف الأصل واستثنى المنفعة لنفسه ولورثته انتهاء. وحكى المتولي: أنه إذا أوصى بثلث ماله ولم يعين الجهة كان في صحة الوصية الخلاف المذكور. فرع: لو قال: نصف داري هذه صدقة محرمة ليصرف من غلتها إلى فلان كل شهر كذا –ولم يزد –ففي صحة الوقف وجهان, إن صح ففي الفاضل عن المقدار ثلاثة أوجه: أحدها: الصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف. والثاني: الصرف إلى الفقراء. والثالث: الصرف إلى الواقف. قال: ولا يصح الوقف إلا بالقول أي: سواء كان الوقف يضاهى التحرير, كوقف

стр. 5649

البقعة مسجدًا, أو لا يضاهيه ويتضمن نقل الملك كالوقف على معين, أو على الجهات العامة؛ لأنه إزالة ملك عن منفعة عين, أو عن عين ومنفعة على وجه القربة تبرعًا؛ فلم يصح بغير لفظٍ مع القدرة كشراء القريب والعتق. واحترزنا بلفظ "القربة" عن قضاء الديون وتقديم الطعام للضيف, وبلفظ "التبرع" عن الزكوات وكفارات, وبلفظ "القدرة" عن الأخرس؛ فإنه إذا عجز عن النطق صح منه الوقف بالإشارة المفهمة. قال المتولي ويخالف البيع حيث أثبتنا حكمه على طريقة بدون لفظ؛ لأن البيع كان معهودًا في الجاهلية والشرع ورد بإباحته فجرى عليه, والوقف لم نعهده في الجاهلية فاتبع فيه ما ورد في الشرع وهو اللفظ. قال: وألفاظه أي: الصريحة وقفت؛ لأنه موضوع له ومعروف به, وحبست وسبلت؛ لأنه ثبت لهما عرف الشرع بدليل حديث عمر. قال المتولي: ولأنهما تكررا في عرف الصحابة؛ فما نقل عنهم الوقف إلا بهذين اللفظين. وهذا هو الصحيح. وقيل: إن الألفاظ الثلاثة كناية, حكاه ابن كج عن رواية أبي حامد وأبي الحسين, وقد نسب هذا إلى الإصطخري, وبعضهم ينسب إليه أن لفظ: "التحبيس" و"التسبيل" كنايتان دون لفظ "الوقف". وبعضهم نسب إليه أن لفظ "التسبيل" خاصة كناية؛ تمسكًا بأنه –﵇ – غاير بين اللفظين في قصة عمر: فاستعمل التحبيس في الأصول, والتسبيل في الثمار التي ليست بموقوفة, وبأن "التسبيل" من "السبيل", وهو لفظ مبهم, و"التحبيس" معناه: حبس الملك في الرقبة عن [التصرفات المزيلة] فكان في معنى الوقف, وبذلك حصل في المسألة أربعة أوجه, والمذكور في أكثر الكتب: ما ذكره الشيخ, قال في "الإبانة": ويقوم مقام ذلك ما أدى معنى هذه الألفاظ.

стр. 5650

قال: وفي قوله: حرمت وأبدت, وجهان: أحدهما: انهما كنايتان؛ لنه لم يثبت لهما عرف لغوى ولا شرعى, وهذا قول ابن أبي هريرة, وهو الأظهر في "الرافعي", والأصح في "تعليق" القاضي الحسين و"البحر". والثاني: أنهما صريحان؛ لأن التحريم والتأبيد في غير الأبضاع لا يكون إلا بالوقف فحمل عليه, وهذا ما اختاره في "المرشد". وقال المتولي: إن ظاهر كلام الشافعي –﵁ – يدل عليه؛ فإنه قال: إذا قال في لفظ الصدقة: محرمة مؤبدة, انعقد الوقف. فلو لم يكن ذلك صريحًا لما كان مفيدًا للصراحة؛ إذ الكناية إذا اقترنت بها كناية أخرى لا تمنع مقتضاها, وقد ذكر ابن الصباغ ما ذكره المتولي احتمالًا لنفسه, ولا يخفى أن هذا تفريع على أن الألفاظ السابقة صريحة, أما إذا قلنا بأنها كناية أو بعضها فهذا أولى. قال: وإن قال: تصدقت, لم يصح الوقف؛ لتردد اللفظ بين صدقة التطوع والصدقة الواجبة والصدقة الموقوفة. قال: إلا أن ينويه أو يقرن به أي: بضم الراء, ويقال: بكسرها ما يدل عليه كقوله: صدقة محرمة, أو: مؤبدة, أو: صدقة لا تباع, وما [أشبه ذلك] أي: مما يدل على إرادة الوقف: كذكر شرط من شروطه, أو حكم من أحكامه؛ لأن به تترجح إرادة الوقف, وحكى الإمام عن بعضهم عدم الاكتفاء بلفظ "التحريم" و"التأبيد" مع لفظ الصدقة, [وأنه لا بد من التقييد بقطع التصرف عن العين كقوله: صدقة لا تباع, أو: لا توهب, أو: لا تورث؛ لأن لفظ "التحريم" و"التأبيد" مع لفظ "الصدقة"] قد يحملان على تأكد الملك في الرقبة على معنى أن الملك فيها مستمر لا ينقضه المتصدق. [قال الرافعي]: ويشبه ألا يعتبر هذا القائل في قوله: صدقة موقوفة, [مثل]

стр. 5651

هذا التفصيل, وأن هذا قول من ذهب إلى أن لفظ "التأبيد" و"التحريم" [ليسا] بصريحين. وحكى عن آخرين: أنهم رأوا أن لفظ "ما" لا يُلحق لفظ "الصدقة" بالصريح؛ لأنه صريح في التملك المحض الذي يخالف مقصوده الذي يخالف مقصوده مقصود الوقف؛ فلا ينصرف إلى غيره بقرينة [لا استقلال] لها, وأشار الإمام إليه – أيضاً –وبه يتحصل في إفادة لفظ "الصدقة" الوقف إذا اقترن به لفظ آخر ثلاثة أوجه, وظاهر المذهب على ما حكاه الإمام-: الذي حكاه الشيخ, وقال: إن الخلاف يجري إذا كان الوقف على معين كقوله: تصدقت على فلان وفلان صدقة محرمة [أو] مؤبدة, أو على جهة عامة كقوله: تصدقت على المساكين صدقة محرمة [مؤبدة] , وسلك فيما إذا تجرد لفظه عن لفظ آخر واقترنت به النية طريقًا آخر, فقال: إن كانت الإضافة إلى جهة عامة فمنهم من ينزل النية منزلة التقييد باللفظ؛ إقامة للفظ الصدقة مقام الكنايات في الطلاق والعتاق, وهو الذي صححه الرافعي, ومنهم من لم يكتف بالنية؛ فإن التصدق صريح في تمليك الرقبة, وإن كانت الإضافة إلى معين فالأصح أنه صدقة مقتضاها تمليك الرقبة؛ فإنها صريح في الباب, وأن لفظ التحريم إذا قلنا: إنه ليس بصريح, فاقترنت به النية –يجب القطع بصحة الوقف؛ لأنه ليس بتمليك للرقبة. وما قاله في اقتران النية عند الإضافة إلى جهة عامة لا اعتراض عليه؛ لأنه لا شيء غيرها يصرف اللفظ إليه فانصرف إلى الوقف, وما قاله من الإضافة إلى معين: إن فرضه مع كونه لم يذكر مالًا فصحيح؛ لأن الوقف الذي لا مال له غير صحيح عنده على الأصح, وقد وجد لفظ "الصدقة" نفاذًا [في موضوعه, فترتب عليه مقتضاه, ولا يجوز نقله عن] موضوعه لمجرد النية. وإن فرضه وقد ذكر له مالًا صحيحًا, فذكر المال قرينة ظاهرة على إرادة اللفظ؛ فنزل منزلة اقتران لفظ الصدقة بلفظ التحريم أو التأبيد؛ فلا يظهر الفرق في الحكم معنًى, وما أطلقه العراقيون من الاكتفاء بالنية

стр. 5652

يجب حمله على ما إذا كانت الإضافة إلى جهة عامة إذا فرعنا على [أن الوقف المنقطع الانتهاء صحيح]، فلا فرق بين الجهة العامة والإضافة إلى معين. وأصل الاختلاف بين العراقيين والمراوزة عند وجود مجرد النية يرجع إلى أصل، وهو أن لفظ الصدقة إذا تجرد عن القرائن والنية هل يحمل على الهبة أم لا؟ فيه وجهان حكاهما الماوردي: أحدهما – وبه قال البغداديون-: لا؛ كما لا يحمل على الوقف، وعلى هذا ينتظم ما قاله العراقيون من أنه إذا نوى حصل الوقف في الظاهر دون الباطن، فإن ذكر بأنه نوى لزم في الظاهر والباطن، وإن قال: ما أردت الوقف، قبل منه، فإن أنكر [ذلك] الموقوف عليه كان القول قوله مع يمينه؛ لأنه أعرف بنيته، كذا قاله ابن الصباغ. والوجه الثاني – وبه قال البصريون-: أنه يحمل على الهبة، وعلى هذا تجري مباحث الإمام، والله أعلم. تنبيه: يؤخذ من كلام الشيخ أن الألفاظ التي [ينعقد بها] الوقف ستة، كما صرح به أبو الطيب والماوردي وغيرهما: ثلاثة ألفاظ صريحة وهي الأُوَل، ولفظ واحد كناية جزمًا وهو الأخير، ولفظان مختلف في إلحاقهما بالأول أو بالأخير، وإذا كان كذلك لزم ألا ينعقد بلفظ غيرها، سواء كان مضاهيًا للتحرير كالمساجد أو لا، وعلى ذلك جرى القاضي الحسين والمتولي في موضع من كتابه والبغوي، ولم يحكوا سواه، وأن الوقف لا ينعقد بقوله: جعلت هذه البقعة مسجدًا؛ لأنه لم يوجد شيء من ألفاظ الوقف، وكذا أجاب به الأستاذ أبو طاهر، وقال: لأنه وصف البقعة بما هي متصفة به، قال – ﵇: "جُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا"، وكلام الغزالي في الوجيز ظاهر في أنها تصير مسجدًا بذلك، وإن لم يوجد شيء من ألفاظ الوقف؛ فإنه قال: لو أذَّ للصلاة في ملكه لم يصر مسجدًا [بذلك]، [وكذا إذا صلى]

стр. 5653

[ما لم] يقل: جعلته مسجدًا، وكذا المتولي في أوائل هذا الباب قال: إن عندنا يلزم الوقف بمجرد قوله: جعلت هذا الموضع مسجدًا. وحكى الإمام أن الأصحاب ترددوا في استعمال لفظ الوقف فيما يضاهي التحرير كما إذا قال مالك المنفعة: وقفتها على صلاة المصلين، وهي [يبغي جعلها] مسجدًا. قال الرافعي: فانظر ما بين الكلامين من التباعد. والأشبه: أنه لا [بأس باستعمالي لفظ الوقف، وأن قوله: جعلته مسجدًا يقوم مقامه؛ لإشعاره بالمقصود، واشتهاره [به]. قلت: وقد صرح في "الوسيط" بأن لفظ "الوقف" و"التحبيس" و"التسبيل" يستعمل فيها، وإن حكى الخلاف في الصورة التي حكاها الإمام، ومحل التردد الذي ذكرناه إذا خلا عن نية الوقف، أما إذا قصد بقوله: جعلتها مسجدًا، الوقف – صارت مسجدًا، صرح به القاضي الحسين، وكذا محله إذا كان ملكه على الأرض مستقرًّا قبل إرادة جعل البقعة مسجدًا، أما إذا ابتدأ بناء مسجد في موات ونوى به المسجد صارت مسجدًا، ولم يحتج إلى صريح القول بأنه مسجد، قال في "الحاوي": لأن الفعل مع النية يغنيان عن القول، ويزول ملكه عن الآية بعد استقرارها في مواضعها من البناء، وهي قبل الاستقرار باقية على ملكه، إلا أن يصرح قولاً: إنها للمسجد؛ فتخرج عن ملكه، ولو بنى بعضه لم يجبر على التمام، ولو سقط على إنسان لم يضمنه، سواء أستأذن الإمام أم لا. قال: وإذا صح الوقف لزم أي: ولا يفتقر إلى القبض كما صار إليه بعض العلماء، ولا إلى حكم حاكم كما صار إليه أبو حنيفة، ووجهه: ما ذكرناه في أول الباب من حديث عمر، ﵁. ووجه التمسك به على الأول: أنه لما أمره – ﵇ – بتحبيس الأمل

стр. 5654

وتسبيل الثمرة لم يأمره بالإقباض، ولو كان شرطًا لذكره، [و] لأنه جعل إليه التحبيس، وعند المخالف: لا يملك الواقف التحبيس؛ لأنه لا يصير موقوفًا لازمًا حتى يقبضه غيره، وذلك سبب من جهته. ووجه التمسك [به] على الثاني من وجهين: أحدهما: أن النبي ﷺ أمره بأن يحبس الأصول، وعند المخالف لا يقع تحبيس الأصل بحال؛ لأنه لا يلزم إلا من جهة الحاكم. والثاني: أن عمر – ﵁ – لما جعلها صدقة، ثم ذكر أحكامها فقال: "لا تباع، ولا توهب، ولا تورث" – دل على أن هذه الأحكام تتعلق بها إذا صارت صدقة، وإن لم يحكم بها حاكم، ولأنه تصرف يلزم إذا وجد في حال المرض من الثلث؛ فجاز أن يلزم في حال الصحة من غير حاكم. أصله: إذا بنى مسجدًا؛ فإنه يلزم من غير حاكم. وقال بعض أصحابنا: إذا اعتبرنا القبول في الوقف فلا بد من القبض فيه، وهو ما أفهمه كلامه في "المهذب" في باب الوصية حيث قال في توجيه رد الوقف بعد القبول: [إنه تمليك من جهة الآدمي من غير بدل؛ فيصح رده قبل القبض؛ كالوقف وهو فيه متبع للماوردي كما ستعرفه]. ثم قال: وإن شرط فيه الخيار أو شرط أن يبيعه إذا شاء بطل؛ لأنه إخراج مال على وجه القربة فلم يصح مع هذين الشرطين؛ كالصدقة والعتق، وحكى ابن سريج [وجهًا]: أنه يبطل شرط البيع، ويصح أصل الوقف، كذا حكاه الماوردي، ويوافقه مع حكاه ابن كج عنه فيما إذا وقف على نفسه: أنه يصح الوقف ويلغى الشرط والإضافة إلى نفسه، وفي "الرافعي" أن ابن سريج أبدى ذلك احتمالاً لنفسه في الصورتين، وحكى في باب الهبة وجهًا: أن الوقف لا يبطل بسائر الشروط الفاسدة، مخرَّجًا عن مسألة العُمْرَى، كما ستقف عليه، إن شاء الله تعالى.

стр. 5655

وله وجه مما ذكرناه في أن الوقف يضاهي العتق، وحكاه عن الإمام في باب عقد الهدنة أيضاً، وحكى الجيلي عن "المجرد" وجهًا: أن خيار الشرط يصح. قال: ولا يجوز أن يعلق ابتدؤه على شرط، فإن علقه على شرط أي: مثل أن قال: إذا جاء رأس الشهر فقد وقفته على الفقراء، وإذا جاء رأس الشهر فقد وقفته على ولدى ثم على الفقراء. قال: بطل؛ لأنه عقد يقتضي نقل المال في الحال لم يُبْنَ على التغليب والسِّراية؛ فلم يصح تعليقه على شرط؛ كالبيع والهبة، وهذا ما حكى الإمام والغزالي عن العراقيين القطع به؛ لأنه لم يوافق مصلحة الوقف، بخلاف المنقطع الابتداء. وحكى الإمام في موضع آخر عن بعض المراوزة تخريجه على الخلاف المذكور فيما إذا وقف على من سيوجد من أولاده، ثم على الفقراء، وهو المنقطع الابتداء، وأن التصريح أولى بالفساد، وعلى هذا يكون حكمه كما تقدم. وقال القاضي الحسين في "تعليقه": إن وجه الصحة مبني على أن الوقف لا يثبت بالشاهد واليمين؛ فيكون شبيهًا بالعتق، والعتق يصح تعليقه. ويقرب منه ما حكى الإمام عن شيخه أنه قال: وقعت في "الفتاوى" مسألة في زمان الأستاذ أبي إسحاق، وهي أن من قال: وقفت داري هذه على المساكين بعد موتي، فأفتى الأستاذ بأن الوقف يقع بعد الموت وقوع العتق في المُدَبَّر. وساعَدَهُ أئمةُ الزمان. قال الإمام: وهو تعليق على التحقيق، بل هو زائد عليه؛ فإنه إيقاع تصرف بعد الموت. فإن قيل: قد تقدم في [باب] الوكالة أنه [لو] قال: جاء رأس الشهر فقد وكلتك، لم يصح؛ لأن هذا تعليق الوكالة، وهو غير جائز.

стр. 5656

ولو قال: وكلتك بأن تبيع مالي أو تطلق زوجتي بعد شهر، صح؛ لأنه ليس بتعليق، وذلك يدل على الفرق بين اللفظين. قلت: تصوير الإمام التوكيل في الحال وتعليق التصرف على شرط – كما ذكرناه في باب الوكالة يُنجي من هذا السؤال. وقد حكى الرافعي عن "فتاوى" القفال في "الفتاوى" في المسألة التي أفتى فيها الأستاذ: أنه لو أوصى بالدار بعد ذلك كان رجوعًا. قال: وإن عُلق انتهاؤه على شرط بأن قال: وقفت هذا إلى سنة أي: وذكر مصرفًا صحيحًا بطل الوقف في أحد القولين؛ لأنه إخراج مال عن ملكه على وجه القربة فلم يصح إلى مدة؛ كالعتق والصدقة، لكن العتق نافذ والصداقة، وهذان باطلان، وهذا ما حكاه في "المهذب" لا غير. وقال الإمام: إنه المذهب الذي عليه الفتوى وإن صححنا الوقف المنقطع الآخر، فإن تصحيح ذلك يقرب من التأبيد؛ نظرًا [إلى الموقوف] عليه وتشبيهًا بالنكاح، وأما التصريح بالتأقيت فلا اتجاه له. قال: ويصح في الآخر، ويصرف [بعد السنة] إلى أقرب الناس [إلى الواقف]؛ تشبيهًا له بالمنقطع الانتهاء، وقد ادعى الجيلي أنه الأصح في أكثر

стр. 5657

الكتب، وعلى هذا تجيء التفاريع السابقة. وعن بعض الأصحاب: أنه يصح وينتهي الوقف بانتهاء المدة، كما قلنا في الوقف المنقطع الانتهاء. قال الإمام: [وهذا] لا يحل الاعتداد به، ولا يسوغ إلحاقه بالوجوه الضعيفة؛ فإنه في التحقيق عارية، والعارية يستحيل الحكم بلزومها. ومنهم من قال: الوقف الذي لا يشترط فيه القبول لا يفسد بالتأقيت على أحد الوجهين، ويتأبد على أحد الوجهين، والذي يشترط فيه القبول على رأي بعض الأصحاب الأصح [فيه] أنه يفسد بالشرط الفاسد في العقود المفتقرة إلى الإيجاب والقبول، وما هو من قبيل التحرير كالمساجد والمقابر فلا يفسد بفساد الشرط والتأقيت جزمًا، وما عداه مُطَّرح، كذا قاله الإمام في موضع، وعليه جرى في "الوسيط"، ولو شرط أن يعود الوقف إليه بعد السنة ملكًا فعن البويطي: أنه على قولين؛ أخذًا من مسألة العُمْرى والمذهب البطلان، وعلى قول الصحة يتأبد حكمه كحكم الوقف المنقطع الانتهاء. وقيل: يعود إليه ملكًا بعد السنة، صرح به في "الإبانة" وغيرها. قال: وينتقل الملك في الرقبة بالوقف عن الواقف في ظاهر المذهب؛ لأنه سبب يقطع تصرف الواقف في الرقبة بالوقف؛ فأزال الملك كالعتق، وهذا أصح في الطرق، وعليه فلمن ينتقل؟ قال الشيخ: فقيل: ينتقل إلى الله تعالى؛ لأنه معنى يزيل الملك، ولا يقصد به الانتفاع بالرقبة؛ فانتقل إلى الله تعالى، كالعتق، وهذا ما نص عليه هاهنا. قال: وقيل إلى الموقوف عليه؛ لأن ما أزال الملك عن العين لم يزل المالية نقله إلى الآدمي؛ كالصدقة، وهذا لم يذكره البندنيجي والمصنف في "المهذب"، وأورده القاضي أبو الطيب وغيره، وهو مأخوذ من قول الشافعي- ﵁ – في

стр. 5658

الشهادات: أقضي في الوقف بالشاهد واليمين، ولا أقضى في العتق بشاهد ويمين، والقائلون بالأول قالوا: [قبول] الشاهد واليمين فيه ليس لأجل أن الملك في الرقبة قد انتقل إلى الموقوف عليه؛ بل لأن المقصود منه المال، وما كان مالاً أو المقصود منه المال ثبت بالشاهد واليمين، وليس كذلك العتق؛ لأنه ليس بمال ولا المقصود ومنه المال؛ فلا يدخل فيه الشاهد واليمين، على أن بعضهم منع ثبوت الوقف بالشاهد واليمين. قال: وقيل: فيه قولان، ووجههما: ما ذكرناه، وهذا أظهر الطرق، وعليه أكثر الأصحاب كما حكاه في "البحر"، والصحيح عند الجمهور – وإن ثبت الخلاف -: انتقاله إلى الله تعالى، وفي "الحاوي" تضعيف خلافه. ومقابل ظاهر المذهب قول حكاه الفوراني والقاضي الحسين والإمام عن رواية بعض الأصحاب: أن الملك لا ينتقل، بل يبقى على ملك الواقف؛ لأنه حبَّس الأصل وسبَّل الثمرة، وذلك لا يوجب زوال الملك – أيضاً – وقد قال – ﵇: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثٍ، صدقة جارية ... " الحديث، وإنما يحصل له الثواب إذا كانت الرقبة باقية على ملكه؛ فتحصل له الزوائد والفوائد، ثم تصرف من ملكه في وجوه البر، فيحصل الثواب. وحكى في "الحلية" عن بعض الأصحاب القطع به، وبه قال القاضي الحسين في "تعليقه"، وهذا لا يوجد للشافعي – ﵁ – وكذلك البندنيجي أيضاً: أنه لا يعرف مذهبًا للشافعي، ﵁. وفي "الحاوي": أن القائل به أبو حفص بن الوكيل، وادعى القاضي أبو الطيب والمتولي أن ابن سريج خرَّجه، وكذلك الرافعي قال: إنه مخرج من نص الشافعي

стр. 5659

- ﵁ – على صحة الوقف المنقطع، وأنه يصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف، وأنه يحكي عن اختيار القاضي الحسين، وأشار إلى المتولي فإنه حكى ذلك [عنه]، والذي رأيته في "تعليقه": تضعيفه، وكذلك هو في غيره، وتمسك فيه الماوردي بأمرين: أحدهما: إجماعهم على الفرق بين الوقف والعواريِّ، دليلٌ على زوال الملك بالوقف وإن لم يزل بالعواري. والثاني: أن حكم الوقف بعد موت واقفه كحكمه في حياة واقفه، وهو لا يبقى له بعد الموت ملك؛ فدل على أنه لم يكن له في حال الحياة ملك. ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون الوقف على معين أو على جهة عامة [كالمساكين] إذا كان القصد تمليك ما يحصل من الوقف من ثمرة وغَلَّة [للمساكين]. وفي "الوجيز" ما يخرج [منه] طريقة أخرى، وهي أن الوقف إن كان على معين فهو ملك للموقوف عليه بلا خلاف، وإن كان على جهة عامة فالملك لله تعالى بلا خلاف. وفي "الحاوي" حكاية الخلاف في الوقف على معين، والجزم بأنه ينتقل إلى الله تعالى في الجهة العامة، أما ما لا يقصد به تمليك الرَّيْع كجعل البقعة مسجدًا أو مقبرة فذاك فلكُّ عن الملك كتحرير الرقيق؛ فينقطع عنها اختصاص الآدميين، وليس ذلك موضع الخلاف. ويلتحق بذلك – كما حكاه الإمام-: الرباطات والمدارس. واعلم أن الموجود في أكثر نسخ "التنبيه": "وينتقل الملك في الرقبة بالوقف عن الواقف في ظاهر المذهب، وقيل: إلى الله" بالواو، والمضبوط عن نسخة المصنف بالفاء كما ذكرناه، وهو الصواب، وبه ينتظم الكلام.

стр. 5660

قال: ويملك الموقوف عليه غلة الوقف أي: من ثمرة وأغصانٍ جرت العادة بقطعها كشجر الخِلَاف. قال: ومنفعته وصوفه ولبنه أي: وإن قلنا: إن الملك في الرقبة إلى الله تعالى أو للواقف؛ لأنه ليس مقصود الواقف إلا التقرب إلى الله – [ ] – بذلك. قال المتولي: ولأنها لو لم تملك لصارت العين معطلة مُسَيَّبة، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]. والسائبة – كما قال القاضي أبو الطيب-: أن تلد الناقة عشر بطون كلها إناث، فتُسَيَّب ولا تُحْلَب إلا للضيف، ولا تُرْكب. والبحيرة: ولدها الحادي عشر إذا كان أنثى، وسمي بذلك؛ لأنهم يبحرون أذنها، أي يشقونها، والبحر: الشَّقُ. والوصيلة: الشاة تلد خمس بطون، في كل بطن عناقان، فإذا ولدت بطنًا سادسًا قالوا: أوصلت أخاها. فما ولدت بعد ذلك يكون حلالاً للذكور حرامًا على الإناث. والحام: الفحل ينتج من ظهره عشر بطون، فيُسَيَّب، ويقال: حمى ظهره؛ فلا يركب. وإذا ثبت أن ذلك مملوك للموقوف عليه كان له أن يستوفيه بنفسه وبالإجارة والإعارة إذا أمكنت كسائر الأملاك، كما صرح به المتولي، اللهم إلا أن يكون الوقف على أن ينتفع به، كما إذا وقف دارًا على أن يسكنها من يعلِّم الصبيان في هذه القرية؛ فإنه ليس له أن يسكنها غيره بأجرة وبدونها، وكذا إذا وقفها على معين، على المذهب المقطوع به.

стр. 5661

وذهب بعض الأصحاب في هذه الصورة – كما حكاه الإمام – إلى أن الشرط فاسد، وهل يفسد الوقف؟ فيه وجهان، فإن صح كان على حكم الإطلاق. ولو كان الواقف شرط أن يستغل ويصرف [غلته إلى فلان]، فإنه يتعين الاستغلال، ولا يجوز [له] أن يسكنه. وما ذكرناه [من اللبن] والصوف، وكذا في النتاج – على ما سيأتي – مفروضٌ فيما إذا أطلق الوقف أو شرط ذلك للموقوف عليه، أما إذا وقف دابة على [ركوب] إنسان ولم يشترط [له] الدَّرَّ والنَّسْل، ففي "النهاية": أن من أصحابنا من قال: تخصيص الوقف ببعض المنافع يفسده، ومنهم من قال: الشرط يفسد، والوقف يَعُمُّ. وفي "الإبانة": أنه لو وقف دابة على رجل للركوب، ولم يجعل درها ووبَرها للموقوف عليه – فللموقوف عليه الركوب وليس له الدَّر والوبر، وحكم الدّر والوبر حكم ما لو وقف شيئاً على زيد ولم يقل بعده على من، ومات زيد. وفي "الرافعي": أن صاحب "التهذيب" قال ينبغي أن تكون للواقف. وهذا أوجه؛ لأن النسل والدّر لا يصرف لهما أولاً ولا آخرًا؛ بل هما غير داخلَيْن في الوقف، ونَظَّر جواز الوقف ببعض الفوائد والمنافع خاصةً بما إذا وُقفَ ثور للإنزاء، وقد قالوا: إنه جائز، ولا يجوز استعماله في الحراثة، ولا خلاف أنه [لو] جعل الركوب لشخص والصوف لآخر جاز، وصرح به الإمام. قال: وإن كانت جارية لم يملك وطأها: إما لانتفاء الملك، أو لنقصه لا بوطء سابق، والوطء لا يباح إلا بزوجية [أو ملك] تام، وبالقيد الأخير يخرج وطء أم الولد؛ لأن نقصان الملك فيها حصل بالوطء السابق، ولا يلزم جواز وطء العبد الجارية التي مَلَّكها له السيد بإذنه على [التقديم]؛ لأن الملك ثَمَّ غيرُ ناقص،

стр. 5662

وإنما الناقص المالك، وهي كجارية المجنون يطؤها ولا يتصرف فيها لنقصانه، فلو وطئها فلا حد [عليه] للشبهة، وكذا لا مهر؛ فإنه لو وجب لوجب له، فلو أحبها فالود حُرُّ على كل قول، كما صرح به ابن الصباغ والقاضي أبو الطيب والبندنيجي، والروياني وقال: إن هذا على القولين معًا. أي قولنا: إن الملك لله تعالى، أو للموقوف عليه، وقال الرافعي: الأصح: أن ذلك ينبني على أقوال الملك، فإن قلنا: إن الملك له، فلا حد عليه، وإلا فعليه الحد، ولا عبرة بملك المنفعة؛ كما لو وطئ الموصى له بالمنفعة الجارية. وهذه طريقة المتولي واختارها القاضي الحسين بعد أن قال: [قال] أصحابنا: لا حد عليه. وما ذكره الرافعي في الأمة الموصى بمنفعتها يفهم أنه لا خلاف في وجوب الحد عليها، وليس كذلك؛ بل الصحيح عنده – وبه جزم بعضهم، كما ستقف عليه في باب الوصية-: أنه لا حد عليها أيضاً. ثم قال الرافعي: ولا يجب عليه المهر بكل حال، وإن أحبلها، فإن أوجبنا الحد فهو كولدها من غيره – وسيأتي حكمه – وإن لم نوجبه فهو حر. وهل يغرم قيمته؟ ينبني على أنه [يكون] موقوفًا أم لا؟ فإن قلنا بالأول غرم إذا قلنا: إن الموقوف إذا أتلف [اشترى] بقيمته ما يقوم مقامه، وإلا فلا غرم، وهل تصير الجارية أم ولد [له]؟ ينظر: إن قلنا: لا ملك له، فلا. [وإن] قلنا: إن الملك له، صارت أم ولد له، جزم به ابن الصباغ. وقال القاضي الحسين: على الظاهر من المذهب. وقاله في "الوسيط": على الأصح. وإيراد الماوردي يقتضي ترجيح خلافه؛ فإنه حكى: أنها لا تصير أم ولد، ثم قال: وكان بعض أصحابنا يجعلها أم ولد له، وإن كان لا ينفذ إعتاقه؛ لأن حكم الاستيلاد

стр. 5663

أقوى لكونه يثبت بغير الاختيار. وقد حكى غيره الوجه في نفوذ إعتاقه. ثم إذا جعلناها أم ولد عَتَقَتْ بموته، وتؤخذ قيمتها من تركته بلا خلاف، كما قاله البندنيجي والماوردي والمحاملي، والقاضيان أبو الطيب والحسين، وتصرف إلى ثمن جارية تكون وقفًا على قولٍ، وعلى قول تصرف إلى البطن الثاني؛ لأن حالةَ استحقاق القيمة يكون الوقف منتقلاً إليهم، ويكون حكمها كما لو قتل الموقوف [عليه]، وسيأتي. وحكم الواقف في امتناع الوطء – وإن قلنا: إن الملك له – حكم الموقوف عليه، بل من طريق الأولى؛ لأن المنفعة ليست له، وإذا وطئ وقلنا: لا ملك له، وانتفت الشبهة – واجب عليه الحد، والولد رقيق، ولا تكون الجارية أم ولد، وإن قلنا: الملك له، فلا حد، وإن أتت بولد فهو حر، وفي نفوذ الاستيلاد الخلاف في استيلاد الراهن؛ لتعلق حق الموقوف عليه بها، وهاهنا أولى بالمنع، وهو الذي حكاه في "الحاوي"، وكذلك في "البحر" ونسب [غيره] إلى الخراسانيين وقال: [إن] غيره ليس بشئ، والمهر لازم بكل حال. ولو كان الوطء بشبهة فالود حر، وعليه قيمته، ولمن تكون؟ فيه الخلاف الآتي، وتصير أم ولد إن ملَّكناه على أريٍ، فتعتق بموته، وتؤخذ قيمتها من تركته، وفيما يفعل بها الخلاف الآتي. واعلم أن كلام الأصحاب يقتضي: أنا إذا حكمنا بكون الجارية الموقوفة أم ولد عند استيلاد الموقوف عليه لا نحكم ببطلان الوقف قبل موته، وكذلك جزموا بأخذ القيمة من تركته. وقال الماوردي: إنها لو كانت في حياة المستولد لا غرم عليه؛ لأن الوقف باق

стр. 5664

لبقاء رقها، وكذلك قالوا فيما إذا حكمنا بكونها أم ولد للواقف إذا استولدها؛ تفريعًا على أن الملك له. وحكى الإمام [عن الأصحاب] في هذه الصورة: أن بطلان الوقف بعد حكمنا بالاستيلاد يخرج على أن المستولدة هل يصح وقفها ابتداء أم لا؟ فإن حكمنا بصحته بقى الوقف فيها مع ثبوت الاستيلاد. ثم حكى عن الأصحاب [أنهم قالوا] في الصورة الأولى: إن بقاء الوقف يخرج على هذا الخلاف، واعترض عليه بأنا لا نثبت الاستيلاد في الموقوفة للموقوف عليه إلا بتقدير نقل الملك إليه بالكلية، مع إثبات الملك الذي أفاده الوقف، ومسافة يوجب إحلالها، فإذا حلت فليس هذا من جنس الملك الذي كان بسبب الوقف، قيل: فكيف تكون له مملوكة بالوقف ومنتقلة إليه بالاستيلاد؟! وهذا تناقض لا سبيل إلى التزامه، وليس هذا مما إذا وقع التفريع على أن الملك للواقف وقد استولد؛ فإنه إذا كان يقف مستولدته ابتداء فلا يمنع بقاء الوقف مع الاستيلاد انتهاءً، وكل واقف إنما يقف خالص ملكه؛ فيلزم من ثبوت الاستيلاد في حق الموقوف عليه بطلان الوقف، ولا ينقدح سواه، ومن قال من أصحابنا ببقاء الوقف مع ثبوت الاستيلاد يلزمه ألا يبيح المستولدة للموقوف عليه، وهذا خَبْطٌ عظيم، ثم إذا حكمنا ببطلان الوقف باستيلاد الواقف أو الموقوف عليه كان الاستيلاد بمثابة استهلاك الوقف، [وسيأتي]. انتهى. وهذا خلاف ما ذكره العراقيون والقاضي الحسين والمتولي وغيرهم، والمُحْوِج إليه تقديرُ انتقال ملك مستجد للموقوف عليه، ولا ضرورة بنا إليه؛ لأنا حكمنا بكونها أم ولد لأجل الملك الحاصل له بسبب الوقف، لا بتقدير ملك غيره، والله أعلم.

стр. 5665

فرع: إذا أعتق الواقف العبد الموقوف، وقلنا: إن الملك له، لم ينفذ على الأصح، وعلى مقابله وجهان: أحدهما: تؤخذ قيمته ويشتري بها عبد مكانه. والثاني: لا، بل يعتق، وتبقى منفعته للموقوف عليه؛ كما لو أوصى برقبة عند لإنسان وبمنفعته لأخر، ثم أعتقه الموصي له بالرقبة – ينفذ عتقه، وتبقى منفعته للموصى [إليه بها]، كذا قاله القاضي الحسين، وأجرى الخلاف في نفوذ عتقه فيما إذا أعتقه الموقوف عليه، وقلنا: [إن] الملك له. قال: وفي التزويج ثلاثة أوجه: أحدهما: لا يجوز بحال؛ لأنه ينقص قيمتها ومنفعتها، وربما تتلف بالولادة، وفي ذلك إضرار بمن يأتي، و [هذا] هو الأصح في "تعليق" القاضي الحسين، و [قد] قال في "البحر": كذا قال عامة الأصحاب، والصحيح في غيرهما خلافه؛ لما في ذلك من تحصينها. والثاني: يجوز للموقوف عليه لأنه عقد على منفعتها فأشبه الإجارة، وهذا بناء على قولنا: الملك له، ولا يحتاج إلى إذن الحاكم. والثالث: يجوز للحاكم [أي: بإذن] الموقوف عليه؛ لتعلق حقه بها، وهذا بناء على قولنا: الملك لله تعالى، وهو المختار في "المرشد"، وفي المسألة قول آخر: أنه يجوز للواقف إذا قلنا: الملك له، ويستأذن الموقوف عليه، وهذا جواب المعظم، وفي "الوسيط": أن السلطان إذا زوج هل يستشير الموقوف عليه، [وفي أنه هل يستشير الواقف ويلزم مثله في استشارة الواقف إذا زَوَّجَ الموقوف عليه]، وقد صرح به مجلي. وفي "الحاوي": أن ولاية التزويج للوالي على الوقف، سواء كان أجنبيًا، أو

стр. 5666

الواقف، أو الموقوف عليه، أو الحاكم، وبه جزم. فرع: لا يجوز للموقوف عليه أن يتزوجها إن قلنا: [لا ملك] له، وإن قلنا [الملك له]، فقد قيل بجوازه، وهو ما جزم به الإمام، وصاحب "الوسيط"، وفي "الرافعي": أن الظاهر المنع. ثم على قولنا بامتناع التزويج بناء على أن الملك له: لو تزوج بأمة، ثم وقفها سيدها عليه فهل ينفسخ النكاح؟ فيه وجان قربهما الإمام مما إذا ملك الابن زوجة أبيه، والمكاتب زوجة سيده، مع أنهما ممنوعان من التزويج ابتداء. قال: وإن وطئت أي: بشبهة أو مكرهة أخذ الموقوف عليه المهر؛ لأنه بدل منفعتها، وهكذا الحكم إذا زُوِّجت، وادعى القاضي الحسين فيه نفي الخلاف، وفي "الحلية" [في الأولى] ثلاثة أوجه، هذا أحدها، ولم يُبِنْ ما عداه، ولم أره في غيره. قال مجلي: ويحتمل أن يكون الآخران: أحدهما: يُشترى به عبد، ويكون وقفًا. والثاني: يكون للواقف كما جعلنا التزويج إليه على قولٍ. قلت: ويظهر فيهما شيء آخر إن صح النقل، وهو أن يقال: الوقف إنما يقتضي تمليك المنافع المعتادة كما قلنا: إذا أوصى له بمنفعةِ جاريةٍ لا يملك الموصَى له منفعة البُضْع على وجه؛ لأن الوصية إنما تقع بالمنافع المعتادة، ومنفعة البضع ليست منها، وإذا كان كذلك؛ فيكون بمنزلة ما إذا وقف دابة لاستيفاء بعض منافعها، وسكت عن باقيها، وقد تقدم ذكر ذلك.

стр. 5667

قال: وإن أتت بولد أي: من نكاح أو زنى فقد قيل: يملكه الموقوف عليه ملكًا [يملك التصرف] فيه بالبيع وغيره؛ لأنه نما الوقف فأشبه الثمرة، وهذا أظهر في "الرافعي"، واختاره في "المرشد"، وقيل: هو وقف كالأم؛ لأن كل حكم يثبت لأم لأمرٍ ما يثبت لولدها تبعًا؛ لحرمة الاستيلاد، وهذا أصح في "الجيلي"، وهكذا الحكم فيما لو وقف شاة أو غيرها فنُتِجَتْ ففي ولدها الوجهان، وجزم أبو الفرج السرخسي بالوجه الأول في النعم؛ لأن المطلوب منها الدر والنسل، وذكر الوجهين في ولد الفرس والحمار، وحكى وجهًا ضعيفًا: أنه لا حق فيه للموقوف عليه، بل يصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف، إلا إذا صرح بخلافه، وقد صرح به الماوردي، في ولد الجارية ونسبه إلى ابن أبي هريرة. وهذا كله في الولد الحادث بعد الوقف، أما إذا كان موجودًا حال الوقف، فإن قلنا:

стр. 5668

الحادث يكون وقفًا، فهذا أولى، وإلا فوجهان بناء؛ على أن الحمل هل يعلم أم لا؟ وفي "الحاوي" أنا إذا قلنا: [إن] الحمل لا يعلم يكون للواقف، أما إذا وطئت بشبهة فعلى الواطئ قيمة الولد وهو للموقوف عليه، إن قلنا: ولد الزانية له، وإن قلنا: إنه يكون [وقفًا] له، فوجهان حكاهما العراقيون والمراوزة: أحدهما: أنهما للموقوف عليه – أيضاً – بناء على أن الموقوف إذا أتلف تكون قيمته له. والثاني: يُشترى بها عبد يوقف مكانه. قال القاضي الحسين: وكان الفرق على الأول بين القيمة والرقبة: أن الولد مما يجوز ابتداء وقفه، بخلاف القيمة. قال وإن أتلف الموقوف اشترى بقيمته ما يقوم مقامه؛ مراعاة لغرض الواقف من استمرار الثواب، وتعلق [حق] البطن الثاني وما بعده به، وهذا الطريق هو الأصح في "الشامل"، و"التتمة"، وبه قال ابن سريج، كما حكاه الفوراني والقاضي الحسين واختاره الشيخ أبو حامد وصاحب "المرشد"، ولا فرق بين أن يكون المتلف أجنبيًّا أو الواقف أو الموقوف عليه. قال: وقيل إن قلنا: إن الملك للموقوف عليه، فهي له؛ لأنها بدل ملكه فعلى هذا: إذا كان المتلف الموقوف عليه فلا شيء عليه. قال: وإن قلنا: إنه لله تعالى، اشترى بها ما يقوم مقامه أي: ويكون وقفًا؛ لأن القيمة بدل الرقبة وهي لله تعالى فلا يمكن صرفها للموقوف عليه ولا للواقف؛ فتعين صرفها لما ذكرناه، ومثل هذه الطريقة حكاها الفوراني وغيره من المراوزة فيما إذا قلنا: إن الملك للواقف، فعلى وجه: تكون القيمة له، فإن كان هو المتلف فلا شيء

стр. 5669

عليه، وعلى وجه: يشتري بها ما يقوم مقامه ويكون وقفاً. وحكى في "البحر" عن بعض الأصحاب: أنه إذا أتلفه أجنبي أو الواقف كانت القيمة للموقوف عليه يتصرف فيها ويبطل حق الغير من غير بناء، وأن هذا أصح، وهو اختيار أبي حامد. وعلى هذا قال ابن الصباغ: عندي إذا كان الموقوف عبدًا، وقتله مكافئ له – كان له أن يقتص، وإن قلنا: إنه لله تعالى، فهو كعبيد بيت المال، والظاهر وجوب القصاص، وأطلق في "الحاوي" القول بمنع القصاص، لكن علته ترشد إلى [أن] ذلك مبنى على أن القيمة يشترى بها ما يقوم مقامه. ولو لم يتلف الموقوف عليه بجملته، [لكنه أتلف] بعضه، مثل: أن كان عبدًا فقطعت يده – فتؤخذ من الجاني نصف القيمة على الأصح، وفي مصرفه طريقان: أحدهما: البناء على أقوال الملك. والثاني: القطع بأنه يشتري به عبدًا [أو بعض عبد] يكون وقفًا؛ كالأصل، فإن لم يمكن أن يشتري به بعض عبد فثلاثة أوجه: أحدها: يستبقى على حاله تبعًا لأصله. والثاني: يكون ملكًا للموقوف عليه. والثالث: يُرد إلى أقرب الناس إلى الواقف كما قيل في الولد. كذا حكاه الماوردي، وحكى عن بعض أصحابنا: أنه جعل الأرش وقفًا وإن أمكن السراية، ثم قال: وهذا لا وجه له؛ لأن وقف القيم والأروش لا يصح. وجزم بعدم استيفاء القصاص في الطرف، وإن كان القطع عمدًا من مكافئ. وعن صاحب "التقريب" حكاية وجه: أن أرش الطرف يصرف للموقوف عليه على كل قول، وينزل منزلة المهر والأكساب. تنبيه: في قول الشيخ: اشترى به ما يقوم مقامه، ما يعرفك أنه لا يحتاج بعد شرائه إلى وقفه، وهو وجه حكاه أبو العباس الروياني في "الجرجانيات"، مع وجه آخر

стр. 5670

جزم به المتولي والإمام عند الكلام في جفاف الشجرة، وأشار إليه القاضي الحسين في "تعليقه": أنه لا بد من إنشاء وقفه، وقال: إن الذي ينشئه الحاكم. قال الرافعي: ويشبه أن يقال: من يباشر الشراء يجدد الوقف، وقد اختلفوا فيمن يباشر الشراء: قيل: إن قلنا إن الملك لله تعالى، فيشتريه الحاكم. وإن قلنا: إنه للموقوف عليه، فهو المشتري. وإن قلنا: للواقف، فوجهان، وجه المنع: أنه لا يملك المنافع والفوائد، وفيه أيضاً ما يفهم [أنه] لا يجوز إذا كان الموقوف عبدًا أن يشتري بدله جارية، وبالعكس كما صرح به غيره، وإن اختلفوا في أنه هل يجوز أن يُشترى عبد صغير بقيمة الكبير أو بالعكس، على وجهين. فروع: إذا خرج الموقوف عن أن يكون منتفعًا به على النعت الذي وقف عليه بفعل غير مضمون، نظر: فإن لم يبق منه شيء ينتفع به، كما إذا كان عبدًا فمات فقد فات الوقف، وإن بقى ما يمكن الانتفاع به نظر: فإن كان لا يمكن الانتفاع به إلا بذهاب عينه، كحُصُر المسجد الموقوفة إذا بَلِيَتْ، وجِذْعه المنكسر بحيث لا يصلح إلا للوقود، ونحاتة أخشابه في البخر، وأستار الكعبة إذا لم يبق فيها منفعة ولا جمال، ففيما يفعل بذلك وجهان حكاهما البندنيجي وغيره. أحدهما: لا تباع؛ لأنها عين الوقف، بل تترك بحالها أبدًا؛ كما لو وقف أرضًا فخربت. وهذا بعيد عند الإمام لا اتجاه له، وقال القاضي أبو الطيب مرة: إنه لا يعرف غيره لأصحابنا، وقال مرة أخرى: إن فيه وجهين. كما حكاه في "البحر" عنه. والثاني – وهو الأصح في "الرافعي" و"التهذيب" و"شرح" الشيخ أبي علي [السنجي]، كما حكاه في "الزوائد" عن القفال [عنه، و] قال الإمام: إنه الذي

стр. 5671

قال به الأئمة-: أنها تباع، وإلا فتَضِعْ ويضيق المكان بها من غير فائدة، وعلى هذا تصرف في مصالح المسجد. قال الرافعي: والقياس: أن يُشترى بثمن الحُصر حصرٌ، ولا يصرف لمصلحة أخرى. وفي "البحر": أن بعض أصحابنا قال في جذع المسجد ونحاتة أخشابه إذا طُبِخَ للمسجد جِصُّ وما يتعلق بمصلحته جاز أن يوقد تحته، فأما بيعه فلا يجوز. وإن أمكن أن ينتفع به مع بقاء عينه في منفعة أخرى بأن كان الجذع يمكن أن يتخذ منه باب أو ألواح، قال في "التتمة": يجتهد الحاكم ويستعمله فيما هو أقرب إلى مقصود الواقف، وإن كان شجرة فجفت أو قلعها الريح فحاصل ما ذكر في ذلك أربعة أوجه: أضعفها: أن الوقف ينقطع كما لو مات العبد، ويعود الحطب ملكًا للواقف. والثاني – وهو اقرب من الأول-: أنها تعود ملكًا للموقوف عليه. والثالث: يباع، لتعذر الانتفاع به بشرط الواقف، وهذا ما اختاره في "المرشد"، وما يصنع بثمنه فيه الخلاف السابق في قيمة ما أتلف من الوقف، و [قد] صدر البندنيجي كلامه [هنا] بأنها تصرف للموقوف عليه، ثم قال: والأولى أن يقال: يشتري بها ما يقوم مقامها؛ وهو اختيار صاحب "المرشد". والرابع: وهو الأصح-: لا يباع ولا ينتقل ملكًا لأحد، بل ينتفع بإجارته جِذْعًا إن لم يكن في استيفاء منفعته استهلاكه، وإن كان فالأصح: أنها تكون للموقوف عليه. وزَمَانة العبد الموقوف، قال الرافعي: كجفاف الشجرة. وفي "البحر" حكاية عن القاضي أبي الطيب: أن بيعه لا يجوز، ولا يختلف أصحابنا فيه.

стр. 5672

وفي "الحاوي": الجزم بجواز بيع الدابة الموقوفة عند زمانتها، وأنه يستبدل بثمنها؛ لأن للدابة مؤنة إن التُزِمَتْ أًجْحَفَتْ. وقال: يحتمل [عندي] في العبد [الموقوف] وجه: أنه يجوز بيعه؛ قياسًا على الدابة، وهو موافق لما جزم به فيما إذا جنى العبد الموقوف عمدًا في طرف [واقتص منه؛ حيث قال: إن بطلت منافعه بيع، واشترى به عبد نافع يكون وقفًا مكانه؛ كالبعير إذا عطب]. وإشراف الدار على الانهدام، والجذع على الانكسار: هل يجوز بيعه؟ قال الرافعي: فيه الخلاف. يعني الخلاف الذي في الحصر إذا بَلِيَتْ، وهذا يقتضي أن يكون الصحيح عنده الصحة أيضاً، وينبغي أن يكون هذا مفرَّعًا على جواز البيع [إذا انكسر] الجذع، أما إذا منعنا ثَمَّ فهاهنا أولى، وقد حكى الإمام عن الأكثرين منع بيع الدار، ثم إذا جوزنا البيع كان في مصرف الثمن الخلاف في قيمة ما أتلف، وصحح الإمام طريقة صرف الثمن إلى جهة الوقف، وقال فيما عداها: إنه لا أصل له في هذا المقام. [وإذا قلنا] بأنه يكون للموقوف عليه، فقال: لا تبيعوها وأقِلُّوها إلى ملكي – فالمذهب: أنه لا يجاب، بل ارتفاع الوقف على هذا موقوف على البيع، وأبعد بعض الأصحاب فأجابه، وزعم أنه ينقلب ملكًا من غير عقد وقول. قال الإمام: وهذا في غاية الضعف. ولو كان الموقوف حيوانًا مأكولاً وانتهى إلى حالة يقطع بموته إن لم يذبح، قال في "التتمة" يجوز ذبحه للضرورة، وهل يباع لحمه ويشترى به ما يقوم مقام

стр. 5673

الأصل، أو يصرف للموقوف عليه أو للواقف؟ فيه الخلاف المذكور في بدل ما أتلف، ولو لم يذبح حتى مات فالموقوف عليه أولى بجلده، وإذا دبغه ففي عوده وقفًا وجهان في "التتمة"، والظاهر: العود. ولا خلاف في أن المسجد إذا انهدم، وخربت المحلة، وتفرق الناس عنها، وتعطل المسجد – فلا يعود ملكًا بحال، ولا يجوز بيعه؛ كالعبد إذا عَتَقَ في زمن، ولأن الانتفاع به في الحال بالصلاة في العَرصْة ممكن، [لكن] لو خيف من أولي الفساد والعَرَامة نَقْضُ بنائه [وأَخْذُهُ]، نقض وحُفِظَ، وإن أراد الحاكم أن يعمر بنقضه مسجدًا آخر؛ جاز، وما كان أقرب إليه كان أولى، ولا يجوز صرفه في عمارة رباط أو مدرسة وبئر وحوض؛ كما لا يجوز صرف آلة الحوض وغيره إلى عمارة مسجدٍ. قال المتولي: إلا أن يؤخذ ذلك الحبس فيصرف إلى نوع آخر للضرورة، وعلى هذا: إذا كان على هذا المسجد أوقاف وقد خربت، قال المتولي: يصرف الحاصل من رَيْعه إلى عمارة مسجد آخر، بخلاف ما لو وقف على ثغر من الثغور فيعَطَّل: إما لاتساع رقعة الإسلام، أو لاستيلاء الكفار عليه – فإنه يجمع رَيْعُ وقفه؛ رجاء أن يعود، ولا يجوز صرفه إلى غيره. ولو وقف على قنطرة، فانخرب الوادي، وتعطلت تلك القنطرة، واحتيج إلى قنطرة أخرى – جاز النقل إلى ذلك الموضع. قال أبو عاصم العبادي: بخلاف المسجد الذي باد أهله؛ حيث تبقى عمارته، ويعمر بعد ما خرب إن أمكن، ليصلي فيه المارة. فرع: إذا عمر المسجد الخراب إنسان ولم يوقف الآلة، قال في "البحر": كانت عارية له يرجع فيها متى شاء. قال: وإن جنى خطأ وقلنا هو له أي: للموقوف عليه – فالأرض عليه؛ لأنها جناية

стр. 5674

صدرت من مملوكه الذي لا يقدر على بيعه فوجب [عليه] كجناية أم الولد، وهكذا الحكم فيما إذا قلنا: إن الملك للواقف يكون الأرش عليه. قال وإن قلنا: لله تعالى، فقد قيل في ملك الواقف؛ لأنه منع البيع بسبب من جهته وهو الوقف؛ فأشبه سيد أم الولد، وهذا قول أبي إسحاق، وهو الأصح في "المهذب" وغيره. وقيل: في بيت المال؛ لأنه إيجابه على الواقف والموقوف عليه متعذر؛ لزوال ملكهما، وتعلقه بالرقبة غير ممكن؛ لأنه لا يتعلق إلا بما يمكن بيعه، ولا ذمة له تنتظر؛ فوجب في بيت المال؛ كالحر المعسر إذا جنى خطأ ولا عاقلة له. ويفارق هذا أم الولد؛ لأن حكم الملك باق لسيدها، مع أنه يمكنه التخلص من عهدتها بعتقها. وقيل: في كسبه؛ لأن محله كان للرقبة، فإذا تعذر [تعلقه بها تعلق] بأقرب الأشياء إليها وهو الكسب المستفاد منها لحقوق النكاح، وبالقياس على النفقة. وعلى هذا: فلو لم يكن له كسب لم يجز إلا الوجهان السابقان، ثم أضعف الوجوه – كما قال الروياني-: إيجابه على الموقوف عليه؛ لأنه يؤدي إلى الإجحاف به بأن يجني جنايات كثيرة، ويفارق أم الولد؛ لأن هناك في أحد القولين لا يلزم السيد أكثر من قيمة واحدة لجميع جناياتها، وفي القول الآخر: يجب أرش جميع الجنايات عليه؛ لأنه يمكنه التخلص بعتقها، والموقوف عليه لا يمكنه أن يتخلص. وعلى كل حال: فكل من ألزمناه الأرشَ يلزمه أقل الأمرين من قيمته أو أرش الجناية كما قلنا في جناية أم الولد، [وهكذا حكمُ تكرُّرِ جناية أم الولد]. هذا هو المشهور في طريق العراقيين، وكذلك هو المذكور في "تعليق" القاضي الحسين و"الإبانة".

стр. 5675

وفي "النهاية" أنا إذا قلنا: الملك للموقوف عليه، ففيه وجهان: أحدهما: أن الفداء على الواقف مطلقًا. والثاني: أنا إن قلنا: إن الوقف لا يفتقر إلى القبول، فهو على الواقف، وإن قلنا: إنه يفتقر [إلى القبول]، فهو على الموقوف عليه؛ لأنه سبب إلى تحقيق المانع من البيع، وقد انضم إليه كونه مالكًا. [ولا فرق] على الصحيح في إيجاب الغرم على الواقف بين أن يكون الجاني مات عقيب الجناية أو يبقى، وبه قال ابن الحداد. وفيه وجه: أنه إذا مات عقيب الجناية بلا فصل أنه يسقط الفداء، كما لو جنى القِنُّ ومات، والقائلون بالأول فرقوا بأن القن تعلق الأرش برقبته، فإذا مات فات، وهاهنا تضمين الواقف كان بسبب كونه مانعًا من البيع بالوقف وقد تحقق، وهذا الخلاف يجري فيما إذا جنت أم الولد وماتت. فرع: إذا قلنا بوجوب الأرش على الواقف، فلو وجدت الجناية بعد موته، قال في "التتمة": لا يفدى من تركته؛ لأنها انتقلت إلى الوارث، والملك في الوقف: ما انتقل إليه، وهذا ما يرشد إليه قول الشيخ في ملك الواقف: وهو بعد الموت لا ملك له، فعلى هذا يتعلق بكسبه في وجه، وفي وجه: يكون في بيت المال. وفي "الجرجانيات": أنه إن ترك مالاً فعلى الوارث الفداء منه؛ لأن العبد ممنوع البيع بسبب صدر منه في حياته، فلزمه ضمان جنايته في ماله. قال: ويَنْظُر في الوقف مَنْ شَرَطَهُ الواقفُ، لأنه المتصرف بصدقته فهو أحق من يقوم بإمضائها وصرفها إلى مصارفها، وقد ثبت أن عمر – ﵁ – كان يلي أمر صدقته، ثم جعله إلى حفصة وبعدها إلى ذوي الرأي من أهلها، وأشار في "النهاية" إلى خلاف فيما إذا كان الوقف على معين، وشرط التولية لأجنبي هل يتبع شرطه إذا فرعنا على أن الملك في الوقف للموقوف عليه؟ وعلى الأول لا فرق بين أن يفوض النظر إلى واحد أو إلى أكثر منه. ويجوز أن يشترط لواحد العمارة وتحصيل الرَّيْع، [و] إلى آخر حفظه وقسمته،
следующие страницы →