← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

اللازمة المالية إذا تعلقت بالأعيان لم يمتنع الانتقال إلى أبدالها: كحق المرتهن. وأطلق في الحاوي حكاية قولين، فيما إذا قتل العبد الموصي به قتلاً مضموناً بالقيمة، هل تبطل الوصية أم لا؟ [وقال: إنهما مأخوذان من اختلاف قوليه في العبد المبيع إذا قتل في يد بائعه، هل يبطل البيع بقتله أم لا]؟ فأحدهما: تبطل الوصية؛ لأن القيمة لا تكون عبداً، وكما لو قطعت يده [لا يكون] أرشها له. والثاني: لا تبطل؛ لأن الوصية بدل من رقبته فأقيمت مُقامها، وخالفت قيمة رقبته أرش يده؛ لأن اسم العبد ينطلق عليه بعد قطعها؛ فلم يستحق أرش يده؛ لأنه حصل له ما ينطلق عليه اسم العبد، وليس كذلك بعد قتله، ولكن لو قتله السيد، بطلت الوصية به قولاً واحداً؛ لأنه لا يضمن قيمة عبده في حق غيره؛ كما لو أوصى له بحنطة فطحنها. وهذا منه يدل على أن الخلاف في قتله [لا يضمن] في حياة الموصي. ولو ماتوا كلهم من غير تفريط من الوارث، أو قتلوا قتلاً لا يوجب الضمان: كما إذا قتله حربي أو سبع- سقط حق الوصية؛ لأنه لا متعلق لها. فرع: لو أوصى بعتق عبد، فقتل قبل موت الموصي، بطلت الوصية، ولو قتل بعد موته وقبل العتق، قال الماوردي: فقد حكى المزني أن الوصية لا تبطل بموته. ويشتري بقيمته عبد يعتق مكانه، كمن نذر أضحية فأتلفها متلف، قال: ويحتمل أن تبطل الوصية بخروج القيمة عن أن تكون عبداً، بخلاف نذر الأضحية؛ لاستقرار حكمها، والعبد لا يستقر حكمه إلا بالعتق. فرع: لو شهد شاهدان: أنه أوصى له بعبده سالم الحبشي، وكان له عبدان حبشيان اسم كل منهما سالم: فإن عينا الموصي به منهما، صحت الشهادة، وإلا

стр. 5847

فوجهان، ذكرهما ابن سريج: أحدهما: الوصية باطلة؛ للجهل بها. وعلى وجه الصحة وجهان: أحدهما: يوقف العبدان إلى أن يصطلح الورثة والموصى له. والثاني: يرجع إلى بيان الورثة، قاله في البحر. قال: وإن أوصى برقبة عبد دون منفعته، أعطى الرقبة، أي: خالية عن المنفعة؛ عملاً بالأصل. قال: [فإن أراد عتقها، أي: تبرعاً، جاز؛ لأنها ملكه]، ولو أراد عتقها عن الكفارة لم يجز. وفيه وجه: أنها تجزئ. قال: وعن ابن [القطان وجه: أن عتقها لا ينفذ مطلقاً؛ حكاه ابن يونس. وفي الحاوي حكاية وجه عن أبي الحسين بن] القطان فيما إذا أوصى بمنفعته دون رقبته: أن الوارث لا ينفذ عتقه، ثم قال الماوردي: وهذا على الوجه الذي يجعل الرقبة داخلة في ملك الموصى له، وإذا كان هذا مأخذ الوجه لم يحسن جريان مثله في مسألة الكتاب؛ لأن الموصى له ملك الرقبة، والصحيح الأول، وتبقى المنافع على ملك الورثة، ولا يرجع المعتق على المعتق بشيء؛ لأنه لم يفوِّت عليه شيئاً، وإنما المفوِّت لذلك الموصي؛ فأشبه ما إذا أجر مورثه [عبداً] وأعتقه الوارث؛ فإنه لا يرجع عليه بشيء، بخلاف عتق العبد الذي أجره؛ فإنه يغرم على أحد القولين؛ لأنه المفوت. وفي تعليق أبي الطيب: أنه إذا أوصى بالمنفعة فأعتق صاحب الرقبة الرقبة، فهل يسقط حق صاحب المنفعة من منفعته؟ فيه وجهان: وحكى الرافعي: وجه البطلان عن حكاية أبي الفرج الزاز؛ إذ يبعد أن يكون الحر مستحق المنفعة أبد الدهر.

стр. 5848

وعلى هذا، فهل يرجع الموصى له على المعتق ببدل المنافع؟ فيه وجهان. وهذا بعينه يتجه جريانه في مسألتنا. قال: وإن أراد بيعها لم يجز؛ لأنها [عين] مسلوبة المنفعة؛ فلم يجز بيعها، كالأعيان التي لا منفعة لها، وهذا الصحيح من المذهب عند القاضي أبي الطيب، وقال: إن به قال أكثر الأصحاب. وقيل: يجوز؛ لأنه يملكها ملكاً تاماً، وفيها منفعة الإعتاق، وهذا هو المذهب في تعليق البندنيجي والبحر، وعلى هذا لو كان الموصي بمنفعته غير آدمي فهل يجوز [بيعه]؟ فيه وجهان. وقيل: إن أراد بيعها من [مالك] المنفعة، جاز؛ لأنه يتكامل له الرقبة والمنفعة؛ فيكون كبيع ما فيه منفعة. وإن أراد بيعها من مالك غيره، لم يجز؛ لأن يد صاحب المنفعة تمنع من تسليمها إلى غيره. قال الرافعي: وهذا أرجح [على] ما يدل عليه كلام الأئمة. فرع: هل تجوز كتابة مثل هذا العبد؟ المذهب في النهاية: لا. وفيه وجه: أنها تصح؛ اعتماداً على الصدقات. ولا يجوز للموصى له تزويج الأمة الموصي برقبتها، وكذلك مالك المنفعة، فلو اتفقا على التزويج: جاز؛ قاله ابن الصباغ والقاضي الطبري. وهذا [ما] حكاه في الحاوي وجهاً، وحكى [معه] وجهين آخرين: أحدهما: قال في البحر: وهو الصحيح أن لمالك المنفعة تزويجها؛ لأن المهر له. والثاني: [أن] لمالك الرقبة التزويج. وقال في التتمة: إن قلنا: يجوز للموصى له وطؤها، فيجوز له تزويجها،

стр. 5849

[وإن قلنا: لا يجوز له وطؤها؛ فلا يجوز له تزويجها]. قال: وفي نفقته وجهان: أحدهما: [أنها] على الموصى له بالرقبة؛ لأن النفقة على الرقبة؛ فكانت على مالكها، وهذا هو المذهب في تعليق البندنيجي، والأصح في النهاية وبه جزم الفوراني. وقال في البحر: إنه نص عليه في زكاة الفطر. والثاني: أنها على مالك المنفعة؛ لأن المنافع له على التأبيد؛ فكانت عليه النفقة؛ كنفقة الزوجة؛ وهذا قول الإصطخري، واستضعفه الإمام. وفيه وجه حكاه العراقيون: أنها في كسبه، فإن لم يكن له كسب، ففي بيت المال. قال الإمام: وما ذكرناه في النفقة يطرد في الكسوة وجميع المؤن اللازمة للمالك في مملوكه. التفريع: إن قلنا بوجوب النفقة على مالك الرقبة، فله أن يسقطها بالبيع على رأي، أو بالعتق إن قلنا: إن العتق يبطل حق صاحب المنفعة منها، وتكون نفقته إذ ذاك في كسبه. وكذا إن قلنا: إن حق صاحب المنفعة لا يسقط منها [بالعتق]، تسقط نفقته عنه أيضاً بعتقه على المذهب الصحيح، وتكون في [بيت] المال. قال القاضي أبو الطيب في تعليقه: ومن أصحابنا من قال: على هذا له الرجوع على المعتق بأقل الأمرين: من أجرته التي هي قيمة منافعه، أو نفقته، وهذا لا وجه له. فرع: إذا كان الموصي برقبته أمة، فأتت بولد من نكاح أو زنى، ففيه وجهان: أحدهما: أنه لمالك المنفعة؛ لأنه من جملة الفوائد؛ كالكسب.

стр. 5850

والثاني: أن حكمه حكم الأم. وفي الحاوي وجه ثالث فيما إذا كانت الرقبة للورثة والمنفعة للموصى له: أن الولد يكون للورثة؛ لأنه غير معهود من كسبها، وأنه تابع لرقبتها، وهذه العلة قد تمنع جريانه في مسألتنا. [أما] المهر: [فقد] [جزم] البندنيجي وغيره من العراقيين والروياني وصاحب التهذيب بأنه لمالك المنفعة، وهو متفق عليه، إذا كان مالك المنفعة الوارث. فأما إذا كان الموصى له بها، فهو كذلك عند العراقيين، وقال المراوزة: يكون للورثة إذا كانت الرقبة على ملكهم؛ لأن بدل منفعة [البُضع لا تجوز الوصية بها، فبدلها لا يستحق بالوصية. قال الرافعي: وهذا أشبه]، وبه جزم المتولي. قلت: ما قالوه منتقض بمهر الموقوفة؛ فإنه مصروف لمالك منفعتها، وهو الموقوف عليه، وإن كان لا يصح وقف منفعة البضع. ولو كان الوطء بشبهة فحكم المهر ما تقدم، والولد حر، وعليه قيمته. وفيما يصنع بها الخلاف السابق فيما لو كان الولد رقيقاً لمن يكون؟ ولا خلاف أنه لا يحل لمالك المنفعة دون الرقبة وطؤها، فلو وطئها فلا حد ولا مهر عند الجمهور؛ ومنهم القاضي الحسين. وقيل: يجب الحد، وهو ما جعله في التتمة المذهب؛ إذا كان عالماً بالتحريم وجعل الأول مبنياً على قول من أوجب النفقة عليه؛ فيصير كالنكاح، وإذا كانت المنفعة منتقلة إليه بالوصية يجب عليه المهر على قياس [قول] المراوزة، وعلى الصحيح إذا أتت بولد فهو حر. وقيل: رقيق. فإن قلنا بحريته، لم تصر الجارية أم ولد [له]، وقيمة الولد ما حكمها؟ فيها

стр. 5851

الخلاف السابق. وهل يجوز لمالك الرقبة وطؤها؟ قال العراقيون: لا. وفصل غيرهم، فقال: إن كانت ممن تحبل، فلا يجوز له الوطء، وإن كانت ممن لا تحبل [جاز، وإلا] فوجهان؛ كما في وطء الراهن الجارية المرهونة. وعكس المتولي [ذلك]، فقال: إن كانت ممن لا تحبل، جاز [الوطء]، وإلا فوجهان؛ فبذلك يجتمع ثلاثة أوجه. فإن حرمنا الوطء فلا حد للشبهة، ووجب عليه المهر لمالك المنفعة؛ إذا قلنا: هو له، وولده حر، وفيما يصنع بقيمته الخلاف السابق، والجارية أم ولد [له] على المذهب، فتعتق بموته. وفيه وجه حكاه العراقيون: أنها لا تصير أم ولد [له]. قال: وإن قتل العبد اشتري بقيمته- أي: كامل المنفعة- ما يقوم مقامه؛ جمعاً بين الحقين، وهذا أصح عند الشيخ أبي حامد والروياني والإمام والقاضي الحسين، وهو [اختيار] أبي الحسن الماسرجسي، وشبهه بالعبد الموقوف. وقيل: قيمته للموصى له بالرقبة؛ لأن القيمة بدل الرقبة. وفي المسألة وجهان آخران حكاهما الماوردي: أحدهما: أنها لمالك المنفعة. والثاني: توزع على الرقبة مسلوبة المنفعة، وعلى المنفعة وحدها. وطريقه: أن يقوم العبد بمنافعه، فإذا قيل: مائة، قوم بدون منفعته، فإذا قيل: عشرة، سلم لمالك المنفعة تسعة أعشار القيمة، ولمالك الرقبة عشرها. ولو كان الواجب قصاصاً، اشتركا فيه على الوجه الأول، واختص باستيفائه مالك الرقبة على الوجه الثاني، وبه جزم الماوردي والرافعي، وكذا الروياني. ثم حكى الأول عن بعض المراوزة.

стр. 5852

قال الماوردي: ولو عفا مالك الرقبة [عن القصاص] إلى مال، سقط القصاص، وإن عفا عن القصاص والمال، صح عفوه عن القصاص، وفي صحته عن المال وجهان. ولو جنى على طرف من أطرافه، فمن الأصحاب من طرد الأوجه في الأرش، وذكر أنه يشتري به على الوجه الأول، ومنهم من قطع بكون الأرش لمالك الرقبة. قال الرافعي: واتفقوا على ترجيحه، وإن ثبت الخلاف. وقال صاحب البحر والقاضي الحسين: الصحيح: أن ما يقابل ما نقص من قيمة الرقبة لمالك الرقبة، وما قابل ما نقص من قيمة المنفعة لمالك المنفعة. فإن لم ينقص الفائت من المنفعة شيئاً، قال الماوردي وابن الصباغ: فالأرش كله لمالك الرقبة. واعلم أن ما ذكرناه فيما إذا كانت الرقبة موصى بها يجري فيما إذا كانت المنفعة موصي بها خاصة، وهي التي فرض الأصحاب الكلام فيها، ويكون الوارث في هذه الحالة كالموصى له بالرقبة في مسألة الكتاب. وقد حكى الإمام فيما إذا كانت الوصية بالمنفعة مؤقتة: أن قيمة المقتول تصرف إلى الموصى له بالمنفعة؛ بناءً على [أن] المعتبر نم الثلث قيمة الرقبة بمنفعتها. فرع: إذا جنى العبد الموصي برقبته أو بمنفعته جناية، نظر: فإن كانت توجب القصاص في النفس واستوفى منه، [بطلت الوصية. وإن كانت توجبه في اليدين والرجلين واستوفى منه]. قال في الحاوي: بطلت الوصية بمنفعته. وإن كانت جنايته خطأ، تعلقت برقبته، فإن لم يتبرع أحد بفدائه، بيع في الجناية، فإن زاد الثمن على الأرش.

стр. 5853

قال أبو الفرج السرخسي: يقسم الزائد بينهما [على قدر] حقهما. قال الرافعي: وينبغي أن يجيء فيه الخلاف السابق. قلت: وينبغي أن يقتصر على بيع قدر أرش الجناية؛ فإن به يحصل الغرض، اللهم إلا ألا يمكن بيع البعض؛ فيباع الكل. وإذا فداه مالك الرقبة بقي مالك المنفعة على حقه، وهل لمالك المنفعة بسبب الوصية فداؤه إجباراً كما لمالك الرقبة ذلك؟ فيه وجهان: المذكور منهما في الحاوي: أن له [أن يفديه]، ويبقى حق مالك الرقبة فيه، وهو نظير ما ذكرناه فيما إذا جنى العبد الموهوب من الابن وأراد الأب أن يفديه، بل ها هنا أولى؛ لأن الأب يطلب الفداء؛ ليثبت لنفسه حق الرجوع، والموصى له يطلب حتى لا يفوت حقه، وذا فيما إذا فدى أحدهما العبد بمنافعه، فلو أراد أحدهما أن يفدي ماله، قال أبو عبد الله الحناطي: يباع نصيب صاحبه. قال الرافعي: وفيه إشكال؛ لأنه إن فدى مالك الرقبة، فكيف يمكن بيع المنافع وحدها. وإن فدى صاحب المنفعة، فاستمر حقه؛ فبيع الرقبة يكون على الخلاف السابق. قال: وإن قال أعطوه شاة، أي من مالي أو من غنمي، وكانت غنمه ذكوراً وإناثاً، لم يعط ذكراً على المنصوص، أي: في الأم. وإليه أشار في المختصر؛ لأن الشاة في العرف تنصرف إلى الأنثى دون الذكر؛ فحمل لفظ الموصى عليه دون

стр. 5854

حقيقته في اللغة. وقيلك يعطى؛ لأن لفظ الشاة اسم جنس؛ فيتناول الذكر والأنثى؛ ولهذا حمل قوله ﷺ : "فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً: شَاةٌ" على الذكر والأنثى، وهذا اختيار ابن أبي هريرة، وبه جزم في التهذيب. وذكر الحناطي مصير أكثر الأصحاب إليه، [وهو قضية كلام] المتولي، حيث جعل الخلاف كالخلاف في الشاة المخرجة عن خمس من الإبل. وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه: إنه ليس بصحيح. ويجوز أن يعطى من الضأن والمعز، إلا أن يقول: شاة ينتفع بصوفها؛ فإنه لا يعطى المعز، أو يقول: شاة ينتفع بشعرها؛ فإنه لا يعطى [من] الضأن. وهكذا الحكم في كل وصية تحتمل أشياء؛ إذا قرن بها ما يدل على أحدها؛ فإنه يتعين ذلك. ولا يتعين على الوارث إذا قال: أعطوه شاة من مالي، وله أغنام: أن يعطى شاة منها، ويتجه أن يأتي فيه ما حكاه الإمام فيما إذا قال: رأساً من مالي، وكان له رقيق. فأما لو قال: [أعطوه] شاة من غنمي، وكانت غنمه كلها إناثاً أو ذكوراً لم يعط من غيرها. قال الرافعي: وكان قياس من يقول: اسم الشاة لا يطلق على الذكر، أن تبطل الوصية؛ إذا كانت غنمه كلها ذكوراً. ولو قال: أعطوه شاة من شياهي، ولم يكن له إلا ظباء، فالوصية باطلة على الأصح. وفيه وجه: أنه يعطى منها؛ لأن ذلك يطلق عليها مجازاً، فإنه يقال لها: شِيَاه البَرِّ، وقد انحصر الأمر فيها. ولا فرق فيما يعطى بين أن يكون صغيراً أو كبيراً؛ نص عليه في المختصر بقوله: أُعطِيَ شاة صغيرة كانت أو كبيرة.

стр. 5855

قال في البحر: وبعض أصحابنا بخراسان حمل النص على صغير الجثة وكبيرها دون السخلة والعناق؛ لأن الاسم لا يطلق عليها، كاسم البقرة لا يقع على العجلة، وهذا ما صححه الرافعي، وجزم به المتولي. فرع: لو أراد أن يعطيه عن ذلك ظبية، لم يجز له القبول، قال المتولي: لأنه غير ما أوصى [له] به، ولأن حقه ثابت في ذمة الوارث حتى يأخذ عنه على سبيل الاعتياض. قال: وإن قال: أعطوه ثوراً، لم يعط بقرة، وإن قال: أعطوه جملاً، لم يعط ناقة؛ لأن اللفظ موضوع للذكر. وقيل: في الأولى، يعطى بقرة؛ حكاه ابن يونس. ولو قال: أعطوه [بقرة] أو ناقة، لم يعط جملاً ولا ثوراً. قال في البحر: ومن أصحابنا من خرج وجهاً: [أنه يعطى]؛ كما قال في الشاة. وهو جار فيما إذا قال: أعطوه بغلة؛ فإنه يجوز أن يعطى بغلاً، وتكون الهاء فيها للتوحيد لا للتأنيث؛ كما يقال: سخلة وسخل، ولا يعطى عند الوصية بالبقرة: الجواميس، [بخلاف الشاة التي تطلق على الضأن والمعز، اللهُمَّ إلا أن يقول: من بقري، وليس له إلا الجواميس]. قال الماوردي: ولو لم يكن له إلا بقر الوحش، فوجهان، كما ذكرنا في الظباء. قال: وإن قال: أعطوه بعيراً، لم يعط ناقة على المنصوص؛ لما تقدم. وقيل: يعطى. وادعى الرافعي أنه الأظهر عند الأصحاب، والقاضي أبو الطيب أنه الذي قال به أصحابنا، وأن أبا علي الطبري قال: إنه الصحيح، ووجهه: أن العرب تقول: حلبت بعيري، وإنما تحلب الأنثى، وقال أهل اللغة: سمت العرب ذلك على

стр. 5856

ترتيب تسمية الآدميين، فقالوا: الجمل كالرجل، والناقة كالمرأة، والبَكْرَة والقَلُوص كالفتاة، والبَكْر كالفتى من الناس، والبعير بمنزلة الإنسان، والإبل بمنزلة الناس. والقائلون بالأول تمسكوا بما قاله الأزهري: أن هذا كلام العرب العاربة المحض، ولا يعرفه إلا خواص أهل العلم باللغة، وإذا كان كذلك، فالوجه أنا نجري حكمها على العرف لا على الأسماء التي تحتمل المعاني، وما قاله الشافعي- ﵁ هو المعروف من كلام الناس. ولو قال: أعطوه رأساً من الإبل أو البقر أو الغنم، جاز الذكر والأنثى؛ قاله في التتمة. ولا يجوز عند الإيصاء بالإبل أن يعطى فصيلاً ولا ابن مخاض؛ لأنها لا تسمى إبلاً. ولو قال: أعطوه عشراً من الإبل، قال بعض أصحابنا: إن أثبت الهاء في العقد لم يعط إلا من الذكور؛ لأن العدد في الذكور بإثبات الهاء، وإن أسقط الهاء في العدد لم يعط إلا من الإناث؛ لأن عددها بإسقاط الهاء. قال في الحاوي والبحر: وهذا لا وجه له؛ لأن اسم الإبل إذا كان يتناول الذكور والإناث تناولاً واحداً، صار العدد فيها محمولاً على القدر دون النوع، وبهذا أجاب البندنيجي وابن الصباغ. قال: وإن قال: أعطوه دابة، دفع إليه فرس أو بغل أو حمار على المنصوص، وهو الأظهر، وبه جزم الفوراني؛ لأن لفظ الدابة وإن كان يطلق لغة على ما دب ودرج، فهو لا يستعمل إلا في هذه الأجناس الثلاثة عرفاً بمصر، وإذا ثبت للفظ عرف [في] موضع، عَمَّ حكمه؛ كما لو حلف: لا يأكل خبزاً، حنث بأكل خبز الأرز، [وإن كان في غير طبرستان]. ولو حلف الحضري لا يدخل بيتاً، فدخل بيتاً من أدم أو شعر، حنث عند الشافعي- ﵁ نظراً لهذا المعنى. وقيل: إن قال هذا في غير مصر، لم يدفع إليه إلا فرساً؛ لأن في غير مصر

стр. 5857

من البلاد لا يفهم منه إلا الفرس؛ فحملت الوصية على ما يفهمونه، وهذا ما صار إليه أبو إسحاق وابن سريج، وكلام القاضي أبي الطيب يقتضي ترجيحه، فإنه قال ردًّ على الأول بأن العرف لو كان إذا ثبت في موضع لعمّ في سائر المواضع- لوجب أن يثبت عرف سائر البلاد في مصر؛ ولا يدفع [لمن وصى] له بدابة إلا الفرس خاصة، [وليس كذلك]. وأما الحنث بدخول بيت الشعر والأدم؛ فإنما لزم لأن عرف الشرع اقترن به؛ فكان أولى من عرف العادة؛ قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً﴾ [النحل: ٨٠]، وكذلك اسم الخبز هو حقيقة في خبز الأرز كما هو حقيقة في خبز البر لا فرق بينهما. وقال البندنيجي: إن هذا القول ليس بشيء. وقيل: [إن قال] ذلك في مصر، لم يعط إلا حماراً؛ لأنهم لا يطلقون اسم الدابة إلا عليه؛ حكاه في البحر. ومحل الخلاف عند الإطلاق، أما إذا قال: أعطوه دابة تصلح للكر والفر والقتال والنسل؛ [فيحمل على الخيل، ولو قال: دابة تصلح للنسل، حمل على الخيل والحمير، وإن قال: تصلح للحمل]، فتحمل على البغال والحمير، إلا أن يكون قد جرت العادة في تلك البلدة بالحمل على البراذين، فيجوز أن يعطى برذونا. قال المتولي: حتى لو كان المعهود في تلك البلدة الحمل على الجمال والبقر، يجوز أن يعطى جملاً أو بقرة، وناقشه الرافعي في ذلك. ولا فرق فيما يعطى من ذلك؛ كما قال في البحر بين أن يكون صغيراً أو كبيراً، سميناً أو مهزولاً، ذكراً أو أنثى. وفي التتمة: لا يعطى ما لا يمكن ركوبه؛ لأنه لا يسمى دابة. قال في البحر والقاضي الحسين [في التعليق]: تخير الوارث بين الأنواع

стр. 5858

الثلاثة- على المنصوص، محمول على ما إذا كانت في ملكه، أما إذا لم يكن في ملكه إلا نوعان، دفع إليه أحدهما، وكذا إذا لم يكن في ملكه إلا نوع واحد دفع إليه منه، وما قالا لعله محمول على ما إذا قال: دابة من دوابِّي، كما قاله في الحاوي، أما إذا أطلق، أو قال: من مالي، كما هو لفظ المختصر- فقياس ما ذكرناه فيما إذا قال: أعطوه رأساً من مالي، أنه لا يتعين، ولا خلاف أنه لا يعطى مع ذلك سرج ولا إكاف ولا لجام. وكذا لو أوصى له بعبد، لم يجب على الورثة تسليم ثيابه، وإنما يجب على الموصى له أن يستره بثوب من عنده. [قال: وإن قال: أعطوه كلباً من كلابي، وله ثلاثة أكلب، دفع إليه أحدهم؛ أي: إذا كانت مما ينتفع بها؛ دابة من دوابِّي، كما قاله في الحاوي، أما إذا أطلق، أو قال: من مالي، كما هو لفظ المختصر- فقياس ما ذكرناه فيما إذا قال: أعطوه رأساً من مالي، أنه لا يتعين، ولا خلاف أنه لا يعطى مع ذلك سرج ولا إكاف ولا لجام. وكذا لو أوصى له بعبد، لم يجب على الورثة تسليم ثيابه، وإنما يجب على الموصى له أن يستره بثوب من عنده. [قال: وإن قال: أعطوه كلباً من كلابي، وله ثلاثة أكلب، دفع إليه أحدهم؛ أي: إذا كانت مما ينتفع بها؛ لما ذكرنا من قبل؛ ويجوز للوارث أن يعطيه ما شاء منها، وإن اختلفت منافعها، اللهم إلا أن يكون الموصى له صائداً أو له ماشية، أو زرع، وفي الكلاب ما يصلح لذلك؛ فإنه يجب أن يعطى ذلك على وجه]. قال: وإن كان له كلب واحد دفع إليه ثلثه؛ أي: إذا لم تجز الورثة؛ ليحصل للورثة مِثْلَا ما حصل للموصى له. قال القاضي أبو الطيب: فينتفع به الموصى له يوماً، والورثة يومين. ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون للموصى له مال غيره أو لا، وهو وجه للإصطخري؛ لأنه لا يمكن اعتباره من ثلث المال، ولا قيمة له؛ فاعتبر بنفسه. ومنهم من خص ذلك بما إذا لم يكن له مالٌ غيره. [أما إذا كان له مال غيره] فيدفع إليه جميعه؛ لأن أقل المال خير من الكلب، وهذا اختيار ابن أبي هريرة، وأبي علي [الطبري] وبه جزم القاضي الحسين والفوراني، وقال: إن الدانق خير من الكلب. وقد حكينا عن المتولي [من قبل] حكاية وجه فيما إذا قال: أعطوه رأساً من

стр. 5859

رقيقي ولم يكن له إلا رقيق واحد أن الوصية باطلة، وذلك الوجه يتجه جريانه هنا. فرع: لو كان [له] ثلاثة كلاب ولا شيء له غيرها؛ فأوصى بها لرجل، وردت الوصية إلى ثلثها، ففي الكيفية ثلاثة أوجه: أحدها: قاله أبو إسحاق: يعتبر العدد؛ فيدفع إليه واحد، وإلى الورثة اثنان بالتراضي، فإن [لم يتفقوا على] التعيين، أقرع. وحكى [في البحر] عن القاضي أبي الطيب أنه قال: ما ذكر من القرعة لا يصح؛ لأن الخيار إلى الورثة في إعطاء أي كلب شاءوه. والثاني: أنه يستحق من كل كلب ثلثه. والثالث- وهو اختيار ابن أبي أحمد ابن صاحب التلخيص-: يقدر أنها لو كانت متقومة، [كم] كانت قيمة كل واحد؛ فيراعى استخراج الثلث على هذا الاعتبار. وفيه وجه رابع: اختاره بعض مشايخ خراسان: أنه يعتبر فيها قيمة منافعها؛ لأنه يصح إجارتها على الصحيح من المذهب؛ كذا حكاه في البحر، وإن كان للموصي مال غير الكلاب، فنفاذ الوصية في جميع الكلاب أو ثلثها يخرج على الخلاف السابق. فرع: إذا أوصى بثلث ماله لزيد، و [بكلابه الثلاثة] لعمرو، فالوصية بثلث المال صحيحة، وأما الوصية بالكلاب، فعلى قول الإصطخري تلزم في الثلث. قال القاضي أبو الطيب: وعلى قول غيره، يدفع للموصى له الكلاب الثلاثة؛ لأن ما حصل للورثة من ثلثي المال خير من ضعف الكلاب، واستبعده ابن الصباغ؛ لأن ما يحصل للوارث من الثلثين هو حصتهم مما نفذت فيه الوصية، وهو الثلث؛ فلا يجوز أن يحسب عليهم مرة أخرى في الوصية بالكلاب. قال: وإن قال: أعطوه كلباً، ولا كلب له، بطلت الوصية؛ لأنه لا يمكن أن

стр. 5860

يشتري له، بخلاف ما لو قال: أعطوه عبداً. قال: وإن قال [أعطوه] طبلاً، أي من طبولي، وليس له إلا طبل لهو، وهي التي تعرف بالكوبة: طبل المخنثين، ضيق الوسط واسع الطرفين. قال: أو عوداً أو مزماراً فإن كان ما يصلح منه للهو يصلح لمنفعة مباحة؛ أي: من غير زوال، [ما سمي] في الوصية عنه- دفع إليه؛ لأنه وصى بما يمكن الانتفاع به. وإن كان لا يصلح لمنفعة مباحة إلا بزوال اسم ما نطق به في الوصية- لم يصح؛ لأنه على تلك الهيئة لا منفعة فيه، وعلى غيرها لم تتناوله الوصية؛ كذا أطلقه الجمهور، ومنهم القاضي الحسين، والشيخ في المهذب، ووافق الإمام على ذلك في مسألة الطبل إذا لم يكن من شيء نفيس. وقال فيما إذا كان من شيء نفيس، كذهب أو عود: إن الوصية تنزل عليه، وكان أوصى برضاضِ إذا كسر، والوصية قابلة للتعليق، وقياس هذا أن يطلق في باقي الصور، وفي الحاوي في مسألة العود: إذا كان لا يصلح لغير اللهو إلا بعد تفصيله وتخليعه، فصل ودفع إليه. وقال: إن الكلام في المزمار كذلك، وقياسه: أن يطرد في الطبل أيضاً، وحينئذ يجتمع من مجموع منا نقلناه ثلاثة أوجه؛ كما [هي مذكورة] في البيع. أما إذا لم يقل عند الوصية: بطبل من طبولي، بل أطلق لفظ الإعطاء، أعطي طبل حرب، وهي التي تضرب للتهويل، أو طبل لهو تصلح لمنفعة مباحة. ولو قال: من طبولي، وله طبول حرب لا غير، أعطي واحداً منها، وكذا ما هو في معناه كما سنذكره. وإن كان [له] طبول لهو وحرب، أعطي طبل حرب، إذا لم يكن في طبول اللهو ما يصلح لمنفعة مباحة، ويقدر كأنه لم يكن سواها، وإن كان فيها ما يصلح [لمنفعة مباحة] تخير الوارث بين أن يعطيه ذلك أن يعطيه طبل حرب [منها]؛ صرح به الماوردي، والقاضي أبو الطيب، والبندنيجي، وغيرهم،

стр. 5861

وكذلك الفوراني، وقال: إن كان في طبوله طبل حرب وطبل العطار، وهو الذي يوضع فيه العطر، [كالسَّفَطِ]: يخير الوارث في إعطاء أحدها. قال الرافعي والمتولي: وكذلك إذا كان فيها طبل الحجيج والقوافل، وهو الذي يضرب؛ لإعلام النزول والارتحال. قال القاضي الحسين: وكذلك طبل البان. وعند الإطلاق للوارث أن يشتري أحدها ويدفعه إليه. ثم إذا صحت الوصية بالطبل، قال الشافعي- ﵁: فإن لم يقع اسم الطبل عليه إلا وجلده عليه، لم يجز أن يعطيه إلا وجلده عليه، بخلاف العود إذا صحت الوصية به؛ فإنه لا يعطى الوتر؛ لأن اسم العود يقع عليه بغير وتر؛ كذا حكاه البندنيجي عنه، ثم قال: ومن أصحابنا من قال: العلة غير هذا، وهو أن الوتر لا يصلح لغير الضرب. وكما لا يعطيه [الوتر؛ لا يعطيه] ما عداه مما هو من توابعه؛ كالملاوي التي يكون عليها الأوتار، والمضارب، والحمار وهو: الخشبة التي يركب الوتر عليها ويحز فيها مواضع الوتر. وكذا لا يعطى عند صحة الوصية بالمزمار المجمع، وهو الأبيض الذي يجعله الزامر بين شفتيه ويزمر به. ثم لا فرق فيما ذكره الشيخ في الوصية بالعود بين أن يطلق أو يقول: من عيداني، وليس له إلا عود لهو، أو له عود لهو وعود بناء، وهو الذي لا يصلح إلا للبناء، وعود قسى ونبال، وهو الواحد من الخشب، الذي يصلح لأن يتخذ منه القسي أو النبال؛ لأن المفهوم من العود عند الإطلاق الذي يضرب به. وأطلق في التتمة فيما إذا قال: أعطوه عوداً، ولا عود له: أنه يشتري له ما لو كان موجوداً في ماله أمكن تنفيذ الوصية بالعود فيه، وعن بعض العراقيين من أصحابنا: أنه كالوصية بالطبل على التفصيل الذي ذكرناه. قال الرافعي: وللقائل به أن يقول للأولين: إذا كان الاستعمال في عود اللهو

стр. 5862

أظهر، وجب أن يصرفوا [قوله:] أعطوه عوداً من عيداني، وليس له إلا عود بناء وقسي- إلى عود اللهو، وتلغو الوصية، وقد قلتم بالصحة. قال: وإن قال: أعطوه قوساً، دفع إليه قوس ندف أو قوس رمي؛ لأن اسم القوس يطلق عليهما، إلا أن يقرن به ما يدل على أحدهما؛ فيحمل عليه؛ للقرينة. ثم قوس الرمي [الذي] يطلق على قوس النبل، [وهو قوس العرب، وعلى قوس النشاب]، وهو الذي يرمى بالسهام، وعلى قوس الحسبان، وهو الذي يرمى بالسهام أيضاً، لكن سهامه صغار لا يراها الإنسان حتى تقع فيه، وهما للعجم، وعلى قوس الجلاهق، وهو قوس البندق، ثم ما ذكره الشيخ هو ما حكاه البندنيجي عن أبي إسحاق المروزي، حيث قال: إن اسم القوس يطلق على الأنواع الثلاثة، ما لم يكن في كلامه ما يدل على أحد الأنواع الثلاثة، وعني بالأنواع: الجلاهق، والندف، وما عداها. ثم قال: فإن كان في كلامه ما يدل على نوع منها، أعطي ما دلت القرينة عليه، فإن قال: قوساً يرمى عنها، أعطي من الثلاث؛ يعني: قوس النبال، وقوس السهام الكبار، والصغار، وإن قال: يندف بها، أعطي قوس ندف. والجمهور على أنه عند الإطلاق يدفع إليه قوس النبال أو النشاب، أو الحسبان؛ كما يراه الوارث؛ لأنه السابق إلى الفهم، ولا يعطى الجلاهق وقوس الندف. وهذا ما جرى عليه في المهذب، وهو ظاهر النص في المختصر. قال الإمام: وقوس النداف إنما سمي قوساً؛ لكونه شبيهاً بالقسيِّ؛ لمكان أوتارها، لا يوضع الاسم عليه، وكذا [قوس] الجلاهق، هكذا ذكره الشافعي- ﵁ وأطبق عليه الأئمة. ولو جرت الوصية في ناحية لا يعرف فيها إلا نوع واحد من هذه الأنواع، فهذا يخرج على التردد، والمذكور في الوصية بالدابة.

стр. 5863

فرع: إذا قال: أعطوه أي قوس الرماة شئتم انطلق على ما ذكرناه، ولو قال: أعطوه أي قوس يقع عليه اسم قوس، قال في الأم: كان لهم أن يعطوه ما يقع عليه الاسم، سواء كان قوس نداف أو غيره، ولو قال: أعطوه قوساً من قسي، وليس له إلا جلاهق وقسي نداف. قال البندنيجي: أعطى أيها شاء الوارث، وجزم الماوردي والمصنف والرافعي: أنه يعطى في هذه الحالة الجلاهق؛ لأنها أخص بالاسم. واعلم أنه يجب إعطاء الموصى له القوس معمولة يمكن الرمي عنها، فلو بذلها الوارث قبل الفراغ منها، لم يجبر على قبولها، وهل يجب له الوتر؟ حكى العراقيون فيه وجهين، أصحهما وبه جزم الماوردي: لا؛ لخروجه عن مسمى القوس. وذكر الإمام عنهم حكاية الخلاف، فيما إذا أوصى بقوس وكان عليها الوتر، أو أوصى بقوس من قسي كلها موتورة، ثم قال: أما إذا لم يكن على القسي أوتار، وقال: اشتروا قوساً وسلموها إليه- فلا يجوز أن يتخيل خلاف في أنه لا يجب ضم وتر إلى القوس الموصي بها، وإن ما ذكر من الخلاف في خول الوتر تحت الوصية بالقوس، يجب طرده في بيع القوس الموتورة. قال: وإن أوصى بأن يحج عنه، أي: حجة الإسلام، فإن كان من رأس المال، أي: إما بتصريحه، أو بحملنا الوصية عليه- حج عنه من الميقات؛ لأنه الواجب عليه في حياته بالشرع. قال: وإن كان من الثلث، أي: إما بتصريحه [به] أو بحملنا الوصية عليه، فقد قيل: يحج عنه من الميقات، كما لو جعله من رأس المال، وهذا ما ادعى القاضي الحسين أنه الذي عليه [عامة] الأصحاب في الصورتين، والشيخ في المهذب في الصورة الأولى، وفي الثانية [يكون ذلك] من طريق الأولى. وفي المسألة وجه آخر: حكاه الماوردي: أنه يحج عنه من بلده؛ لأنه كان الواجب في الأصل هكذا لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] قال

стр. 5864

عمر وعلي وابن عباس- ﵃ كما حكاه القاضي أبو الطيب: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك. ثم رخص النبي ﷺ في ذلك، فإذا أوصى به عاد إلى الأصل. قال: وقيل: إن كان قد صرح بأنه من الثلث حج [عنه] من بلده؛ لما ذكرناه. وإن لم يصرح حج عنه من الميقات؛ لأن المؤنة تكون من رأس المال، وهذا قول أبي إسحاق المروزي؛ لأن من مذهبه عند تقييد الوصية بالثلث: أن يحج عنه من بلده، وعند الإطلاق [أن] يكون من رأس المال جزماً؛ فيكون من الميقات. قال الماوردي: وما قاله أبو إسحاق عند التصريح بأنه من الثلث، وهو الظاهر من كلام الشافعي، ﵁. فإن قلت: لا يحسن أن يحمل [قول] الشيخ: وإن لم يصرح حج عنه من الميقات، على ما ذكرت؛ لأن الشيخ فرع على ما إذا كان الحج من الثلث وهذا يؤدي إلى التفريع على أنه من رأس المال. قلت: الشيخ ذكر أولاً: ما إذا كان الحج من رأس المال، وفرع عليه، وذكر ثانياً: ما إذا كان الحج من الثلث وفرع عليه، ونهاية التفريع [قوله] فقد قيل: يحج عنه من الميقات، وأشار إلى قول من ذهب إلى أنه يحج عنه من بلده كما ذكرنا، وهو خلاف ما عليه الأكثر، ثم عاد وذكر قول أبي إسحاق في الحالتين، ولا بدع في ذلك، وهو أولى من أن يحمل على شيء لم يقل به غيره، نعم حكى القاضي أبو الطيب عن أبي إسحاق، زيادة [على] ما ذكرته، وهو أنه عند إطلاق الوصية تكون مؤنة الحج من بلده إلى الميقات من الثلث، وباقي المؤنة من رأس المال، وهذا ما حكيته عن أبي علي بن خيران في تقدير النصين، وقد رأيت في تعليق القاضي الحسين، عند الكلام في وجوب الحط عن المكاتب، أن

стр. 5865

المزني قال بمثل ذلك فيما إذا أوصى بأن يحج عنه من بلده. وحكى في الإبانة فيما إذا أوصى بأن يحج عنه حجة الإسلام من بلده، وكان ثلث ماله يفي بمؤنة الحج من بلده إلى الميقات بعد إخراج مؤنة الحج [من الميقات]- وجهين كالوجهين فيما إذا أوصى بأن يعتق عنه في كفارة اليمين، وكان ثلث ماله بعد إخراج الطعام أو الكسوة يفي بذلك: أحدهما: تبطل الوصية. وأصحهما: أنه يعتق عنه كسائر أنواع التبرعات، ويحج عنه من بلده: فروع: إذا أوصى بحج التطوع وجوزناه، فإنه محسوب من الثلث، ويحج عنه من الميقات، أو من بلده إن قيد، وإن أطلق فوجهان: أحدهما: من الميقات؛ حملاً على أقل الدرجات. والثاني: من بلده؛ لأن الغالب التجهز من البلد، وهذا ما جزم به الماوردي، ونص عليه الشافعي- ﵁ في عيون المسائل، حيث قال: إذا أوصى بأن يحج عنه متطوعاً، فبلغ ثلثه الحج [من بلده- حج] عنه من بلده. وإن لم يبلغ، حج عنه من حيث بلغ، قال الماوردي: فإن لم يوجد من يحج عنه من الميقات، ولا فوقه بطلت الوصية وعادت ميراثاً. وميل الأكثرين إلى الأول، وربما حملوا النص على ما إذا قيد به، إذا قال: أحجوا عني بثلثي، صرف ثلثه إلى ما يمكن من حجتين وثلاث فصاعدا، فإن فضل ما لا يمكن أن يحج به فهو للورثة، وإن لم يُوف ثلثه بحجةٍ، بطلت الوصية. وكذلك إذا قال: أحجوا عني من ثلثي بمائة، فلم يوجد من يحج بها. [بطلت الوصية، وعادت ميراثاً، قال الماوردي: ولا تعود إلى الثلث، وفي الإبانة حكاية قول: أنها] لا تبطل ويتصدق بها عنه، حكاه الإمام [عند

стр. 5866

الكلام] فيما إذا أوصى أن يشتري بثلثه رقاب وتعتق عنه، ولو قال: أحجوا عني بثلثي حجة، صرف إلى حجة واحدة. قال في الحاوي: ولا فرق بين أن يسمى من يحج عنه أولاً، ثم إن كان الثلث قدر أجرة المثل أو دونها، جاز أن يعطى ذلك للوارث وغيره، وإن كان أكثر من أجرة المثل، لم يستأجر به إلا أجنبي؛ لأن الزيادة محاباة فلا تجوز للوارث، وحكى في الإبانة: أنه إذا لم يعين أحداً وجهين. [أحدهما]: لا يحج عنه إلا بأجرة المثل والزيادة للورثة. والثاني: الصحة، وتكون الزيادة لشخص موصوف بصفة، وهي: أن يحج عنه ذلك الشخص. وعن القفال أنه قال: وقعت مسألة اختلف فيها فتوى مشايخنا، وهي أن رجلاً أوصى بأن يشتري عشرة أقفزةٍ حنطةً بمائة درهم، ويتصدق بها، فوجدت عشرة أقفزة من أجود حنطة بما دونها. فمنهم من أجاز أن الزيادة ترد إلى الورثة. ومنهم من قال: هي وصية لبائع الحنطة. ومنهم من قال: يشتري بالزيادة حنطة بهذا السعر ويتصدق بها، وهذا الوجه لا يتصور في الحج. ولو أوصى بأن يحج زيد عنه بألف؛ نظر فإن كان الألف قدر أجرة المثل أعطيت له، سواء كان وارثاً أو غير وارث. وكذلك إن كان أقل، وإن كان الألف أكثر من أجرة المثل: فإن كان الموصى له أجنبيّاً أعطيت له. وإن كان وارثاً، فالزيادة على أجرة المثل وصية لوارث، فإن رضي بقدر أجرة المثل دفع إليه، وردت الزيادة للورثة، وإن لم يرض إلا بالألف [كله] استؤجر غيره بأجرة المثل، كما لو امتنع الأجنبي من الحج؛ فإنه يستأجر عنه بأجرة المثل، ويعود الفاضل ميراثاً، وكذا إذا رغب متطوع بغير جعل جاز، ولا يجوز استئجار المعين، وهذا إذا كان الحج فرضاً، فإن كان الحج تطوعاً، وامتنع المعين من الحج، فهل يجوز أن يحج عنه غيره؟ فيه وجهان في

стр. 5867

الإبانة، والماوردي أطلق الجواز. فرع: إذا [استأجر] الوصي أو الوارث زيدا المعين على الحج بخمسمائة، وهو غير وارث، ولم يعلم [المستأجر] بالوصية، فما الحكم؟ هذه المسألة لم أقف فيها على نقل، لكن في الحاوي ما يمكن أن يخرج عليه، وهو [ما] إذا أوصى بشراء عبد [زيد] بألف ويعتقه عنه، فاشتراه الموصي بخمسمائة، وأعتقه عنه والبائع غير عالم بالوصية، فإن [كان] العبد يساوي ألفاً، فيعود الباقي من ثمنه إلى الورثة، وإن كان يساوي خمسمائة، عاد الباقي إلى زيد البائع؛ لأنها وصية له، وإن كان يساوي سبعمائة فالوصية بثلاثمائة فتدفع إلى البائع، وترد المائتان إلى الورثة ميراثاً. قال: وإن قال: أعطوه جزءاً من مالي، أو سهماً من مالي، أعْطي أقل جزء؛ لأن ذلك لا حد له في اللغة، ولا في الشرع، فأجزأ الأقل؛ لأنه المحقق. وهكذا لو قال: أعطوه قسطاً من مالي، أو نصيباً من مالي، أو حظّاً من مالي، أو قليلاً أو كثيراً من مالي. وعن ابن سريج، إبداء احتمال فيما إذا قال: أعطوه سهماً من مالي، أنه يعطى [أقل] الأمرين من نصيب أحد الورثة أو الثلث، كما رواه أبو الفرج الزاز، وعلى المذهب: المرجع إلى تعيين الوارث. فإن ادعى الموصى له أن الموصي أراد شيئاً مقدراً، وأن الوارث يعرفه، حلف الوارث- إن أنكر- على نفي العلم بإرادة الزيادة؛ كما ذكره الأستاذ أبو منصور، والحناطي، والمسعودي، وغيرهم. وإن لم يدع علم الوارث به، لم تسمع الدعوى. قال القاضي الحسين: لأنه لو أقر بجهالته سقطت الدعوى. وفي التهذيب: أنه لا يتعرض- للإرادة، وإنما يحلف: إنه لا يعلم استحقاقه الزيادة. ولو ادعى الوارث أن عنده بيان ما أوصى به مورثه، ولم يبين، قال في البحر:

стр. 5868

فيه وجهان بناءً على القولين: إذا أقر بمجمل ولم يبين: أحدهما: يحبس حتى يبين. والثاني: يرجع إلى بيان الموصى له. فرع: لو قال: أعطوه ثلث مالي إلا شيئاً، فللوارث أن يعطيه أقل ما يتموَّل. وعن الأستاذ أبي منصور: أن هذه الوصية وصية بنصف الثلث وشيء، وكذا لو قال: أعطوه ثلث مالي إلا قليلاً؛ والمشهور الأول. قال: وإن قال: أعطوه مثل نصيب أحد وُرَّاثي، أعطي مثل نصيب أقلهم؛ لأنه نصيب، وهو محقق، والزائد مشكوك فيه. مثال ذلك: إذا كان له ابنان وبنت، أعطي مثل نصيب بنت، فيجعل كأن للميت ابنان وبنتان، فتكون المسألة من ستة: للموصى له: سهم، وللبنت: سهم، ولكل [واحد من الابنين] سهمان. ولو كان له بنت، وبنت ابن، وأخت، أعطي مثل نصيب بنت الابن، وهو: سدس؛ [فتكون المسألة] من ستة، وتعول إلى سبعة: للبنت: ثلاثة، ولبنت الابن: سهم، وللأخت: سهمان، وللموصى له: سهم. ولو كان معهن زوجة، أعطي مثل نصيبها، وتكون المسألة من أربعة وعشرين، وينضاف إليها نصيب زوجة وهو: ثلاثة، تبلغ سبعة وعشرين: للبنت: اثنا عشر، ولبنت الابن: أربعة، وللزوجة: ثلاثة، وللأخت: خمسة، وللموصى له: ثلاثة، فلو كانت الزوجات أربعة، أعطي مثل نصيب واحدة منهن، فالمسألة من أربعة وعشرين، وتصح من ستة وتسعين، [ينضاف إليها مثل نصيب زوجة- وهو: ثلاثة- تبلغ تسعة وتسعين]: للبنت: ثمانية وأربعون، ولبنت الابن: ستة عشر، وللأخت: عشرون، وللزوجات: اثنا عشر: لكل واحدة منهن ثلاثة، وللموصى له: ثلاثة، وعلى هذا فَقِسْ. وقال البندنيجي في هذه الصورة: إننا ننظر إلى عدد، لثُمُنِه ربعٌ صحيح، وأقله

стр. 5869

اثنان وثلاثون، فنجعل المسألة منه، ويُضَمُّ إليه مثل نصيب زوجة وهو: سهم، يبلغ ثلاثة وثلاثين، فيعطى الموصى له سهماً منها، انتهى. وما قاله لا يصحح المسألة؛ لأن نصيب بنت الابن يبقى منكسراً، وهو من مخرج السدس، وبينه وبين الاثنين والثلاثين موافقة بالنصف، فنحتاج لضرب ثلاثة في ثلاثة وثلاثين، تبلغ تسعة وتسعين، ومنها تصح كما ذكرناه. وطريق التصحيح في مسألة الكتاب: أن نصحح مسألة الميراث بضرب وغير ضرب، وعول وغير عول، ثم ننظر إلى أقل نصيب، فنزيد على فريضة الميراث ذلك القدر. وهكذا يفعل فيما إذا [أوصى] بمثل نصيب واحد معين. ولو كان في مسألتنا أنصباء الورثة متساوية، مثل: إن خلف ثلاثة أولاد: فلكل ابن ثلث، فتعول المسألة بالثلث، ويقسم المال عليها؛ فيعطي الموصى له الربع؛ لأنا نجعله بمنزلة ولد رابع. وإن كان للميت أربعة أولاد، فلكل ابن ربع، فيجعل الموصى له بمنزلة ولد خامس؛ فيعطى الخمس. ولو كانت المسألة بحالها، وأوصى له بمثل نصيب ابن خامس لو كان- أعطى السدس، ويقسم الباقي بين الأولاد الأربعة. وعن أبي إسحاق: أنه يعطى الخمس، ويقدر الموصى له كأنه الابن الخامس، وهكذا في كل صورة من هذا النوع يفعل. فرع: لو كان له ابن وبنت، فوصى لواحد بمثل نصيب الابن، ولآخر بمثل نصيب البنت، فإن أراد بمثل نصيب البنت قبل دخول الوصية [عليها]، كان للموصى له بمثل نصيبها الربع؛ فتكون الوصية حينئذ بالخُمُسين والربع. وإن أراد بمثل نصيبها بعد دخول الوصية عليها، كانت الوصية له بالسدس؛ فتصير الوصيتان بخمسي المال وسدسه، وتوقف على إجازتهم.

стр. 5870

قال: فإن قال: أعطوه مثل نصيب ابني، ولا وارث له غيره، كانت الوصية بالنصف؛ لأن الوصية بمثل نصيب الابن تقتضي أن يكون النصيبان مثلين؛ فيلزم التسوية، ولأن الابن يأخذ الكل لولا الوصية، فإذا نزل الموصى له منزلته، فقد أثبت له الكل أيضاً، والمبلغ إذا عال بمثله، كان الزائد مثل المزيد عليه. ولو قال: بمثل نصيب ابني، وابنه غير وارث؛ لرق أو غيره- فالوصية باطلة؛ لأنه لا نصيب للابن. ولو قال: بمثل نصيب ابني، وله ابن وبنت، فإن أجازا، قسمت التركة على خمسة: للابن سهمان، وللموصى له سهمان، وللبنت سهم. وإن ردا، أعطى الثلث، فيقسم المال على تسعة: للموصى له ثلاثة، وللابن أربعة، وللبنت سهمان. وإن أجاز أحدهما، ومنع الآخر، فسيأتي الكلام في طريق تصحيح ذلك. وقد نقل المزني فيما إذا قال: أوصيت بمثل نصيب ابني، ولا وارث له غيره- فله النصف، إلا أن يجيز الوارث ذلك. قال البندنيجي: وهو سهو في النقل والفقه. وإن قال: بمثل نصيب ابني لو لم أوص لأحد، كانت الوصية بكل المال؛ قاله البندنيجي. فرع: إذا كانت له بنت، وأخت لأب، أو شقيقة، فأوصى له بمثل نصيب البنت، قال في البحر: ففي قدر ما يستحق الموصى له، وجهان: أحدهما: الربع، نصف حصة البنت؛ لأنه لَمَّا استحق مع الابن الواحد إذا أوصى له بمثل نصيبه النصفَ؛ لأنه نصف نصيب الابن- وجب أن يستحق مع البنت الواحدة نصف نصيبها، وهو الربع. والثاني- وهو الأصح وبه جزم الرافعي-: أن له الثلث؛ لأنه يصير مع البنت الواحدة كبنت ثانية؛ كما يصير مع الابن [الواحد] كابن ثانٍ، وللواحدة من البنتين الثلث؛ كذلك للموصى له بمثل نصيب البنت الواحدة: الثلث، وهذا لو

стр. 5871

لم يرث مع البنت أو الأخت غيرهما؛ لأن لكل واحدة الانفراد بالنصف، والباقي لبيت المال. قال الروياني: وعلى هذا، لو أوصى بمثل نصيب أخ لأم، فله في أحد الوجهين: [نصف] السدس، وفي الآخر: السدس، ومقتضى هذا التعليل: أنه لو أوصى بمثل نصيب ابنته وله بنتان، أن يعطى ثلث الثلثين؛ لأنه لو كان له ثلاث [بنات]، لكان لكل منهن ثلث الثلثين. لكن الرافعي جعل المأخذ فيما إذا أوصى [بمثل نصيب ابنته ولا ابنة له سواها: أن المسألة من اثنين لو لم يكن] وصية، فنزيد على الاثنين سهماً، ونعطيه سهماً من ثلاثة. وأنه إذا أوصى بمثل نصيب ابنته وله ابنتان، فالوصية بالربع؛ لأن المسألة من ثلاثة لولا الوصية: لكل من البنتين سهم، فنزيد للموصى له سهماً تبلغ أربعة. وأنه لو أوصى بمثل نصيبهما معاً، فالوصية بخمسي المال لأنها من ثلاثة، ولهما سهمان [من الثلاثة] فنزيد على الثلاثة سهمين تبلغ خمسة. ولو أوصى [بمثل] نصيب ابنته وله ثلاث بنات، فالوصية بسهمين من أحد عشر سهماً؛ لأن المسألة تصح من تسعة لولا الوصية، ونصيب كل بنت منهن سهمان؛ فنزيد على التسعة سهمين تكون أحد عشر. وعلى هذا [أبَداً، وهذا مقتضى] الضابط الذي ذكرناه من قبل. قال: وإن قال: أعطوه ضعف نصيب ابني، [ولا وارث له غيره،] كانت الوصية بالثلثين؛ لأن الضعف عبارة عن الشيء ومثله، كما قاله الفراء وأكثر أهل اللغة، ويعضده ما روى أن عمر- ﵁ صالح نصارى [بني] تغلب وتنوخ وبهراء، على أن يأخذ منهم الجزية باسم الصدقة، وأن يضاعف الجزية؛ فكان يأخذ منهم مثلى ما يأخذ من المسلمين، من كل مائتين: عشرة دراهم، ومن كل عشرين: ديناراً: [ديناراً].

стр. 5872

ويقال: أضعفت الثوب: إذا طويته باثنين. قال: وإن قال: [أعطوه] ضعفي نصيب ابني، كانت الوصية بثلاثة أرباعه؛ لأن الضعف إذا كان عبارة عن الشيء ومثله، كان الضعفان عبارة عن الشيء ومثليه؛ لأن الضعف ليس شيئاً مستقلاً بنفسه؛ فلا يكون اسماً لمنقول معلوم، وإنما هو من أسماء الإضافة؛ فيقتضي أصلاً ينضاف إليه؛ ألا ترى أنه يقال للضعف في العربية: تضعيفاً؛ [لما يركب] منه حرفان، وانضم أحدهما إلى الآخر، وإذا كان كذلك فقد وجد ما ينضاف إليه؛ فلا حاجة إلى تكرار المضاف إليه. وقال أبو ثور: تكون الوصية بأربعة أخماسه؛ لأن الضعف إذا كان عبارة عن الشيء ومثله، كان الضعفان عبارة عن أربعة أمثال الشيء؛ وهذا ما حكى الإمام عن الأستاذ أبي منصور أنه قال: إنه القياس، وأنه حكى أن الموصي لو قال: ضاعفوا لفلان ضعف نصيب ولدي، فالضعف أربعة أمثال بلا خلاف، وإنما قال الشافعي- ﵁ ما قال إذا قال الموصي: أوصيت لفلان بضعف نصيب ولدي، فإذا صرح بتضعيف الضعف، كان كل ضعف ضعفين، ثم قال الإمام: وما قاله سديد، لا يجوز غيره. وقال في البحر: ما قاله أبو ثور لا يصح؛ لما ذكرناه، ألا ترى أنه لو كان معه مائة، فقال لغلامه: أضعفها، لزمه أن يزيد عليها مائة أخرى، ولو قال: أضعفها مرتين، لزمه أن يزيد عليها مائتين. وعلى المذهب لو قال: ثلاثة أضعاف نصيب ابني، أعطي أربعة أخماس المال، وعلى هذا القياس. قال: وإن قال: أعطوه نصيب ابني، فالوصية باطلة؛ لأنه وصى بما هو حق الابن؛ فأشبه ما لو قال: أعطوه دار ابني. قال الشيخ أبو حامد: وليست هذه المسألة منصوصة، وهذا ما أورده ابن الصباغ، وعزاه القاضي إلى ابن القاص، وأنه قال: قلته تخريجاً، وحكاه الداركي عن أبي إسحاق؛ كما قاله في البحر، ولم يحك القاضي الحسين عن العراقيين

стр. 5873

سواه. قال: وقيل: هو كما لو قال بمثل نصيب ابني؛ لأن الوصية واردة على مال الموصي، فليس للابن نصيب قبل موته، وإنما الغرض من التقدير بما يستحقه من بعد، كما يقال: للمرأة مهر مثلها، ومهر مثلها لا يكون لها؛ وإنما يكون لها مثل مهر مثلها. وهذا ما أورده الأستاذ أبو منصور، واختاره القفال، والقاضي الحسين، والإمام، والروياني؛ كما حكاه الرافعي؛ فعلى هذا تكون الوصية بالنصف. وفي التهذيب وجه: أنه يكون موصى له بالكل. قال: وإن وصى لرجل بالنصف، ولآخر بالثلث، وأجاز الورثة، أخذ كل واحد منهما وصيته؛ لما تقدم. وإن لم يجيزوا كان للموصى له بالنصف ثلاثة أسهم من خمسة أسهم، أي: هي جملة الثلث، وللآخر سهمان؛ لأن ما قسم على التفاضل عند اتساع المال، قسم على التفاضل عند ضيق المال؛ كالمواريث والديون. واعلم أن الضابط في تصحيح مسائل الوصايا، مع تصحيح مسائل الورثة: أن تصحح فريضة الميراث بضرب وغير ضرب، وعول وغير عول، ثم ننظر إلى مجيز الوصية، ويعطى نصيب الموصى له، ثم نقسم الباقي على فريضة الميراث، فإن انقسمت عليها فبها ونعمت. مثاله: أوصى لواحد بربع ماله، وله ثلاثة من البنين، مخرج الوصية من أربعة: الربع للموصى له وهو سهم، والباقي يقسم على البنين الثلاثة. وإن لم ينقسم الباقي على الفريضة، فللحساب طريقان: أحدهما: طريق يعرف بطريق النسبة، وهو: أن ننظر إلى نسبة المقدر للوصية من مخرجها من الباقي، ثم نزيد على فريضة الميراث تلك النسبة، فإن كان المقدر للوصية مثل ثلث الباقي، زدت فريضة الميراث مثل ثلثها، وإن كان مثل نصف الباقي [زدت على فريضة الميراث] مثل نصفها، وهكذا، فإن لم يكن

стр. 5874

لمسألة الفريضة نصف صحيح، والنسبة النصف مثلاً، [فتضرب] الفريضة في مخرج النسبة، ثم تزيد عليها تلك النسبة. والطريق الثاني: يعرف بطريق القسمة، وهو: أن يقابل بين الباقي من مخرج مسألة الوصية بعد إقرار الوصية وبين فريضة الميراث، فإن وجدتَ [بينهما] وفقاً صحيحاً، تضرب أقل جزء الوفق من فريضة الميراث في مخرج الوصية، وإن لم تجد بينهما موافقة بجزء صحيح، اضرب جميع فريضة الميراث في مخرج الوصية، فما بلغ قيمته تصح الوصية. مثال ذلك: إذا أوصى بالثلث وله ثلاثة بنين، فمسألة الوصية من ثلاثة، للموصى له سهم، وهو مثل نصف ما بقي، ومسألة الفريضة من ثلاثة، فعلى طريق النسبة نزيد على فريضة الميراث مثل نصفها، وليس لها نصف صحيح، فنضربها في مخرج النصف، فتصير ستة، ثم نزيد عليها مثل نصفها، وهو ثلاثة، تصير تسعة، ومنها تصح للموصى له ثلاثة، ولكل ابن سهمان. وعلى طريق القسمة: نقابل بين الباقي من مخرج الوصية بعد إقرار الوصية، وهو سهمان، وبين فريضة الميراث وهي ثلاثة، وليس بينهما موافقة، فنضرب ثلاثة في مخرج الوصية، وهي ثلاثة تبلغ تسعة، ومنها تصح. ولو كان البنون أربعة، فعلى طريق النسبة: تكون مسألة الفريضة من أربعة، فنزيد عليها مثل نصفها وهو اثنان تبلغ ستة، ومنها تصح: للموصى له سهمان، ولكل ابن سهم. وعلى طريق القسمة، نقابل بين الباقي بعد إخراج نصيب الموصى له وهو سهمان، وبين مسألة الورثة وهي أربعة، [فإذا كان] بينهما موافقة بالنصف، فنضرب نصف الأربعة في مسألة الوصية تبلغ ستة. ولو ترك الموصي ثلاث بنات وعصبة، فمسألة الفريضة أصلها من ثلاثة، وتصح من تسعة. فعلى طريق النسبة: الباقي بعد إخراج نصيب الموصى له سهمان، فنزيد على

стр. 5875

مسألة الفريضة مثل نصفها، وليس للتسعة نصف صحيح، فنضربها في مخرج النصف تبلغ ثمانية عشر، ثم نزيد عليها مثل نصفها تبلغ سبعة وعشرين. وعلى هذا فَقِسِ الزيادة والنقص. ولو أوصى لواحد بالنصف، ولآخر بالثلث، وأجاز الورثة، فالمسألة من ستة؛ لأن مخرج النصف والثلث من خمسة، فيعطى للموصى له بالنصف ثلاثة أسهم، وللموصى له بالثلث سهمان [وللورثة سهم]. وإن ردوا الزيادة على الثلث، فالثلث للموصى لهما وهو سهم من ثلاثة، لا ينقسم على خمسة، فيضرب مخرج الثلث في مخرج الخمسة، فيصير خمسة عشر، للموصى لهما خمسة وللورثة عشرة. ولو كانت المسألة بحالها- لكن كان الورثة ابناً وثلاث بنات، وأجازوا- فمسألة الوصية من ستة كما ذكرناه، ومسألة الفريضة من خمسة. [فعلى طريق النسبة، الباقي بعد نصيب الموصى لهما سهم، والموصي به قدر السهم خمس مرات]، تبلغ ثلاثين: للموصى له بالنصف ثلاثة مضروبة في خمسة [بخمسة] عشر، وللموصى له بالثلث سهمان مضروبان في خمسة بعشرة، والباقي خمسة: للابن سهمان، ولكل بنت سهم. وعلى طريق القسمة: الباقي بعد نصيب الموصى لهما سهم، ولا وفق له، فنضرب مسألة الفريضة في مسألة الوصية تبلغ ثلاثين، ومنها تصح.

стр. 5876

وأما إذا ردوا الوصية بالزائد، فالثلث بين الموصى لهما على النسبة التي كانت تخصهما عند الإجازة، وهي خمسة أسهم، وإذا كان ثلث المال خمسة، فجملته خمسة عشر، للموصى لهما خمسة، وللورثة عشرة، فهي منقسمة عليهم. وإن أجازوا البعض وردوا البعض، فالطريق في التصحيح: أن تصحح المسألة على تقدير الإجازة، ثم على تقدير الرد، ثم نضرب مسألة الإجازة في مسألة الرد؛ إن لم يكن بينهما وفق، وإن كان بينهما وفق، فنضرب جزء الوفق من أحدهما في كل الآخر، ثم من له شيء من الإجازة- إذا أجاز- أخذه مضروباً في مسألة الإجازة أو في وفقها، [ومن له من مسألة الرد شيء- إذا رد- أخذه مضروباً في مسألة الإجازة أو وفقها]. ومسألة الإجازة هنا قد صحت من ثلاثين، ومسألة الرد صحت من خمسة عشر، وبينهما موافقة [بالثلث]، فنضرب خمسة عشر في عشرة، أو خمسة في ثلاثين تبلغ مائة وخمسين، فإذا كان الابن مثلاً الذي أجاز، فنصيبه من مسألة الإجازة سهمان، نضربهما في خمسة، تبلغ عشرة، وللبنات من مسألة الرد ستة مضروبة في عشرة تبلغ ستين، والباقي وهو ثمانون بين الموصى لهما مقسومة على خمسة: للموصى له بالنصف ثمانية وأربعون، وللموصى له بالثلث اثنان وثلاثون. وإن كان الذي رد الابن، فله من مسألة الرد أربعة مضروبة في خمسة بعشرين، وللبنات من مسألة الرد ثلاثة أسهم مضروبة في خمسة بخمسة عشر، والباقي بعد ذلك، وهو مائة وخمسة [عشر] بين الموصى لهما مقسوم على خمسة: للموصى له بالنصف تسعة وستون، وللموصى له بالثلث ستة وأربعون. ولو أجاز الورثة وصية صاحب النصف، وردوا وصية صاحب الثلث، فالموصى له بالنصف يسلم له ما كان يستحقه في مسألة [الإجازة، والموصى له بالثلث يستحق ما كان يسلم له في مسألة] الرد.

стр. 5877

وكذلك الحكم فيما إذا أجازوا وصية صاحب الثلث، وردوا وصية صاحب النصف، يكون لصاحب النصف ما كان له في حالة الرد، ولصاحب الثلث ما كان له في حالة الإجازة، والباقي يقسم بين الورثة. ولو كانت الوصية لواحد بالثلث، ولآخر بالربع، وأجاز الورثة وهم: بنتان وأبوانِ، فمسألة الوصية من اثني عشر؛ لأن أقل ما يخرج الثلث والربع منها، ومسألة الفريضة من ستة، فعلى طريق النسبة: الحاصل للموصى لهما من الاثني عشر سبعة، وهي مثل ما بقي ومثل خمسيه، فنزيد على مسألة الفريضة مثلها ومثل خمسيها، وليس للسبعة خمس صحيح، فنضرب مسألة الفريضة في مخرج الخمس تبلغ ثلاثين، ثم نزيد عليها مثلها ومثل خمسيها، وهو اثنان وأربعون، تبلغ اثنين وسبعين، ومنها تصح: للموصى له [بالثلث] من مسألة الوصية أربعة مضروبة في مسألة الفريضة، وهي ستة، تبلغ أربعة وعشرين، وهي ثلث الجملة، وللموصى له بالربع من مسألة الوصية ثلاثة مضروبة في مسألة الفريضة، وهي ستة، تبلغ ثمانية عشر، والباقي بعد ذلك ثلاثون [للورثة] للأبوين السدسان، عشرة، وللبنتين الثلثان: عشرون. وعلى طريق القسمة: الباقي بعد الموصى به خمسة، وليس لها وفق، فنضرب مسألة الميراث في مخرج الوصية تبلغ اثنين وسبعين، ومنها تصح. وإن رد الورثة الزائد على الثلث، فاقسم الثلث على الموصى لهما على النسبة التي كانت تخصهما عند الإجازة، وهي سبعة، وإذا كان ثلث المال سبعة، فجملته إحدى وعشرون، [للموصى لهما] سبعة، وللورثة أربعة عشرة [وأربعة عشرة] لا تنقسم على مسألة الفريضة، لكن بينهما وفق بالنصف، فنضرب نصف الستة في أصل المسألة، وهي إحدى وعشرون، تبلغ ثلاثة وستين، ومنها تصح: للموصى لهما سبعة مضروبة في ثلاثة بإحدى وعشرين: للموصى له بالثلث اثنا عشر، وللآخر تسعة، وللورثة اثنان وأربعون: للأبوين السدسان: أربعة عشر، وللبنتين الثلثان: ثمانية وعشرون.

стр. 5878

[وهذا على] طريق القسمة. فإن أردت أن تصحح المسألة على طريق النسبة: فأصل المسألة كما ذكرنا من إحدى وعشرين: للموصى لهما سبعة؛ وهي مثل نصف ما بقي، فنزيد على فريضة الميراث مثل نصفها، فتصير تسعة، ثم نحتاج إلى قسمة الثلث على سبعة، فنضرب التسعة في مخرج السعة تبلغ ثلاثة وستين، ومنها تصح. وإن أجاز بعض [الورثة] ورد البعض، فمسألة الإجازة تصح من اثنين وسبعين، [ومسألة الرد من ثلاثة وستين، وبينهما موافقة بالثلث، فنضرب إحدى وعشرين في اثنين وسبعين] أو ثلاثة وستين في أربعة وعشرين، تبلغ [ألفاً] وخمسمائة واثني عشر، ومنها تصح، فإن [كان] الذي أجاز الأم خاصة مثلاً، من مسألة الإجازة خمسة مضروبة في وفق مسألة الرد، وهو [إحدى] وعشرون، [تبلغ مائة وخمسة، وللأب من مسألة الرد سبعة مضروبة في وفق مسألة الإجازة، وهو أربعة وعشرون، تبلغ مائة وثمانية وستين، وللبنتين من مسألة الرد ثمانية وعشرون مضروبة في وفق مسألة الإجازة، وهو أربعة وعشرون]، تبلغ ستمائة واثنين وسبعين، والباقي بعد ذلك، وهو خمسمائة وسبعة وستون، مقسوماً على سبعة بين الموصى لهما: للموصى له بالثلث: ثلاثمائة وأربعة وعشرون، وللموصى له بالربع: مائتان وثلاثة وأربعون. ولو كانت الوصية لواحد بالكل، ولآخر بالثلث، وأجاز الورثة وهم: أب وابنان، فالمسألة من أربعة: للموصى له بالكل ثلاثة أرباع، وللموصى له بالثلث الربع. [وإن ردوا الزائد على الثلث، فاقسم الثلث على أربعة، وإذا كان ثلث المال أربعة فجملته اثنا عشر، لهما منها أربعة: للموصى له بالكل ثلاثة، وللموصى له بالثلث سهم]، والباقي وهو ثمانية بين الورثة، ومسألتهم من ستة، وتصح من اثني عشر، وثمانية على اثني عشر، [لا تصح، ولكن توافق بالربع، فاضرب ربع الاثني عشر

стр. 5879

في أصل المسألة وهو اثنا عشر تبلغ ستة وثلاثين، ومنها يصح للموصى لهما اثنا عشر]. والباقي وهو أربعة وعشرون للورثة منقسمة عليهم، وعلى هذا طريق القسمة. وإن أردت أن تصحح المسألة على طريق النسبة: فأصل المسألة كما قلنا من اثني عشر: للموصى لهما أربعة، وهي مثل نصف ما بقى، فنزيد على مسألة الفريضة مثل نصفها، تبلغ ثمانية عشر، ثم نحتاج إلى قسمة الثلث على أربعة، وبين الثمانية عشر والأربعة موافقة بالنصف، فنضرب الثمانية عشر في نصف الأربعة تبلغ ستة وثلاثين، ومنها تصح. ولو رد الأب خاصة، فكيفية التصحيح تؤخذ مما تقدم. ولو كانت الوصية لواحد بالنصف، ولآخر بالثلث، ولآخر بالربع، فإن أجاز الورثة وهم: زوجة وأبوان، قسم المال على ثلاثة عشر سهماً، وأعطى صاحب النصف ستة، وصاحب الثلث أربعة، وصاحب الربع ثلاثة. وإن ردوا، قسمت الثلث على ثلاثة عشر، وإذا كان الثلث ثلاثة عشر سهماً، فالجملة تسعة وثلاثون: للموصى لهم ثلاثة عشر، وللورثة ستة وعشرون، ومسألتهم من اثني عشر، وستة وعشرون على اثني عشر لا تصح، ولكن توافق بالنصف، فنضرب نصف الاثني عشر في مسألة الوصية وهي تسعة وثلاثون تبلغ مائتين وأربعة وثلاثين: للموصى لهم ثمانية وسبعون مقسومة على ثلاثة عشر: للموصى له بالنصف ستة وثلاثون، وللموصى له بالثلث أربعة وعشرون، وللموصى له بالربع ثمانية عشر، والباقي [وهو مائة] وستة وخمسون بين الورثة: للزوجة ربعها: تسعة وثلاثون، وللأم [ثلث الباقي]: تسعة وثلاثون، والباقي للأب، وهذا على طريق القسمة. وعلى طريق النسبة: نقول: أصل مسألة الوصية من تسعة وثلاثين، ثلثها ثلاثة

стр. 5880

عشر، وهي مثل نصف الباقي، فزد على فريضة الميراث مثل نصفها، تبلغ ثمانية عشر، [ثم نحتاج إلى قسمة الثلث على ثلاثة عشر، فنضرب ثمانية عشر] في مخرج ثلاثة عشر، تبلغ مائتين وأربعة وثلاثين، ومنها تصح. وإن أجاز بعض الورثة ورد البعض، فطريق التصحيح ما تقدم. وعلى هذا فقس. ولنكتف بما ذكرناه؛ فإن الكلام في هذا الباب ومسائله متسع، ولو أنفذت العمر فيه لما بلغت مد ما ذكر الأئمة في ذلك ولا نصيفه. قال: وإن أوصى [له] بشيء ثم رجع في وصيته، صح الرجوع؛ لأنها عطية لم يَزُلْ عنها ملك معطيها؛ فأشبهت الهبات قبل القبض، وصريح الرجوع: رجعت في وصيتي، أو أبطلتها، أو فسختها، أو نقضتها، وما أشبه ذلك. وكما يحصل الفسخ بصريح الرجوع، يحصل بما يدل عليه مما ذكره الشيخ. قال: وإن أوصى لزيد بجميع ماله، أو بثلثه، أو بعبد، ثم وصى بذلك لعمرو، سوى بينهما، أي: ولا يكون رجوعاً فيما أوصى به لزيد، ولا في بعضه: أما في الثانية، فللإجماع كما نقله الماوردي، وأما في الأولى والثالثة؛ فبالقياس على الثانية. ولأنه لما كان قوله في وقت واحد: أوصيت بعبدي هذا لزيد، وأوصيت به لعمرو، لا يكون رجوعاً، ويجعل بينهما إجماعاً- وجب إذا تراخى [ما] بين الوصيتين [أن يكون بينهما، ولا يكون رجوعاً؛ إذ لا فرق بين اقتران الوصيتين] وافتراقهما. ولأن الوصية الثانية يجوز أن يكون أراد بها الرجوع، ويجوز أن يكون [فعلها لنسيان الأولى، ويجوز أن يكون] أراد بها التشريك بين الأول والثاني؛ فوجب أن يحمل مع هذا الاحتمال على التشريك بينهما؛ لاستوائهما في الوصية. وفي البحر حكاية عن أبي عبد الرحمن بن بنت الشافعي- ﵁: أن الوصية لهما قد بطلت؛ لإشكال حالهما. والمذهب الأول، وإنما قلنا: إن ذلك لا يكون رجوعاً عن شيء من الموصي

стр. 5881

به؛ لأنه لو كان رجوعاً لما كان لأحدهما الاستقلال بالجميع عند رد الآخر. وقد صرح القاضيان: أبو الطيب والحسين، والإمام بأن الجميع يسلم لمن قبل الوصية إذا رد الآخر، وحينئذ فيكون تسليم النصف كما قال القاضي الحسين؛ لأن لما وصى بذلك لزيد ثم وصى به لعمرو وقبلا، فقد اجتمع كلان، ولا يكون للشيء الواحد كلان، فازدحما؛ فجعل بينهما نصفين، واستشكل الإمام كونه لا يكون رجوعاً؛ لأنا نقول: العرض على البيع رجوع؛ لدلالته [على إرادة إبطال التملك]، وهذا في الدلالة أقوى، ثم محل الكلام في الصورة الثانية إذا رد الورثة، أما إذا أجازوا سلم الثلث كاملاً لكل [واحد] منهما، وهذا أيضاً مما يدل على أن وصيته للثاني لا تتضمن رجوعاً، وهذا هو المذهب. وفي التتمة حكاية وجه: أنه بالوصية الثانية راجع عن الوصية الأولى؛ كما لو وهب شيئاً لإنسان، ثم وهبه لآخر قبل القبض. فرع: لو أوصى لرجل بجارية حامل، وقلنا بدخول الحمل في الوصية مكا هو أحد الوجهين، ثم وصى بحملها لعمرو، فالجارية تكون للأول، والولد يكون بين الأول والثاني. ولو أوصى بالجارية لشخص وبحملها لآخر، [صح ذلك] اتفاقاً. ولو أوصى لشخص بدار أو بخاتم، ثم أوصى بأبنية الدار أو بفص الخاتم لآخر، فعرصة الدار والخاتم للأول، والأبنية والفص بينهما؛ تفريعاً على المذهب. ولو أوصى لزيد بدار، ثم لعمرو بسكناها، فعن الأستاذ أبي منصور: أن الرقبة للأول، وأن المنفعة للثاني. قال الرافعي: وكان يجوز أن يشتركا في المنفعة، كما في الأبنية والفص. [قال]: وإن قال: أوصيت لعمرو بما وصيت به لزيد، جعل ذلك [رجوعاً عن] وصية زيد؛ لأن ذلك صريح في الرجوع، وقد انتفى احتمال النسيان،

стр. 5882

وهذا ما جزم به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ. وعن المزني: أنه لا يكون رجوعاً، ويجعل بينهما، ووافقه عليه بعض الأصحاب، واحتج له بأنه لو وكل زيداً ببيع سلعة سماها له، ثم قال: قد وكلت عمراً بما وكلت به زيداً، أنهما يكونان معاً وكيلين في بيعها، ولا يكون توكيل الثاني رجوعاً عن الأول. قال الماوردي: وهذا فاسد، وحكي أن من أصحابنا من ضاق عليه الفرق، فجعل ذلك رجوعاً عن توكيل الأول. ومنهم من فرق بأن الوكالة نيابة؛ فيصح أن ينوب كل واحد من الجماعة في كل البيع، والوصية تمليك، ولا يصح أن يملك كل واحد من الموصى لهما كل الموصى به. قال: وإن أوصى لزيد بشيء، ثم أزال الملك فيه ببيع أو هبة، أو ما في معناهما من عتق وغيره، أو عرضه لزوال الملك؛ بأن دبره، أي: ولم يتعرض في لفظه بذكر الوصية الأولى- كما قال الإمام- أو كاتبه، أو عرضه على البيع، أو أوصى ببيعه، كان ذلك رجوعاً؛ لأن القصد من الوصية حصول الموصي به للموصى له، وهذه الأشياء تنافى المقصود؛ لأنه لا يمكن حصوله بعد وجودها؛ فأبطلت الوصية. وفائدة القول بأنه رجوع فيما إذا باعه أو وهبه وأقبضه: أنه لو ملكه بعد ذلك، ومات وهو في ملكه، لا يعود حق الموصى له فيه، بخلاف ما إذا وهب من ولده شيئاً، فانتقل عن ملك الابن، ثم عاد إليه فإن له الرجوع على أحد الوجهين، وكذلك إذا باع عيناً، ثم خرجت عن ملك المشتري، ثم اشتراها أيضاً وأفلس، فإن للبائع الرجوع فيها على أحد الوجهين. قال الماوردي: والفرق أن رجوع الأب والبائع حق لهما، ليس للابن ولا للمفلس إبطاله [عليهما]؛ فكذلك لم يكن بيعهما وعوده إلى ملكهما مانعاً من الرجوع، وليس كذلك الوصية؛ لأن للموصي إبطالها، فإذا بطلت بالبيع لم تعد بالشراء.

стр. 5883

أما إذا لم يَزُلِ الملك بالهبة، كما إذا لم يتصل بها [قبض]، فكلام الشيخ الأول يفهم أنه لا يكون رجوعاً، وقوله: أو عرضه على [البيع]، يفهم منه أنه يكون رجوعاً، وقد حكى الأصحاب ذلك وجهين: الأول منهما: قول بعض المتأخرين من البغداديين؛ لأنه لم يؤثر في ملكه؛ فلم يؤثر في رجوعه. والثاني: قول ابن أبي هريرة، وأبي إسحاق؛ لأنه قد عقد فيه عقداً يفضي إلى الزوال؛ فصار مخالفاً لما قصده من قبل، وهو ما رجحه الإمام، وقال: إنه يجب القطع به. وزاد القاضي الحسين على ذلك، فقال: قال أصحابنا: إذا وهبه، فلم يقبل الموهوب [له]، كان له رجوعاً، وهو مطرد في إيجاب الهبة والبيع. ثم قضية تعليل الوجه الأول: أن العرض على البيع لا يكون رجوعاً، وقد صرح به الماوردي وغيره؛ إذا كان في حياة الموصي، وهو جار كما حكاه الرافعي، فيما إذا وكل في البيع. وهل تكون الهبة الفاسدة رجوعاً؟ [حكى الماوردي فيها ثلاثة أوجه: ثالثها: إن أقبض كان رجوعاً]، وإلا فلا. ولا فرق في [بطلانها بالإيصاء] بالبيع [بين أن يفسخ في زمن الخيار أم لا. وعن الأستاذ أبي منصور: أنه إذا فسخ، وقلنا: لا ينتقل الملك إلا بانقضاء الخيار، لا يكون رجوعاً. وكذا لا فرق في بطلانها بالإيصاء بالبيع] بين أن يعين من يباع منه أَوْ لا، ومع التعيين لا فرق بين أن ينص على قدر الثمن أَوْ لا. وحكى الماوردي عن بعض أصحابنا أنه قال: إذا عين من يبيع منه، وقدر الثمن، وكان دون ثمن المثل، فهو كما لو أوصى به لزيد، ثم أوصى به لعمرو، فيكون ما حصلت فيه المحاباة بينهما، فإن كانت المحاباة [بينهما] بنصف

стр. 5884

الثمن؛ فيكون كأنه أوصى بجميعه لزيد، ثم أوصى بنصفه لعمرو؛ فيكون بينهما أثلاثاً. وإن كانت المحاباة بثلث الثمن، كان بينهما أرباعاً. قلت: ولو قيل على هذا الوجه بأن للموصى له ثانياً: الربع في المثال الأول، وله في المثال الثاني []؛ لكان الوجه أحداً مما ذكرناه في أوائل الفصل. وأطلق في الرافعي حكاية وجه عن أبي الفرج الزاز: أنه إذا أوصى بالبيع وغيره مما هو رجوع، يكون كما لو أوصى لزيد ثم أوصى به لعمرو؛ لأن كليهما وصيه، وحكاه عن المعتمد فيما إذا أوصى بعبده لإنسان ثم أوصى بعتقه، حتى يعتق نصفه ويدفع للموصى له نصفه. وقيل في التدبير: إن قلنا: إنه وصية، لم يكن رجوعاً؛ حكاه ابن الصباغ. [والذي أورده] الماوردي: أنا إن قلنا: إنه عتق بصفةٍ فهو رجوع، وإن قلنا: إنه وصية: فإن قلنا بتقديم الوصية بالعتق على الوصية بالتمليك، كان رجوعاً في الوصية. وإن قلنا باستوائهما، ففيه وجهان: أحدهما- عن أبي علي الطبري-: [أنه يكون] نصفه وصية ونصفه مدبراً. والثاني- عن أبي إسحاق-: أنه يكون جميعه مدبراً، ويتضمن ذلك الرجوع عن الوصية؛ لأن عتق المدبر تأخر بالموت، فقُدِّم على الوصايا، كالناجز من العطايا. قال الإمام حكاية عن الأصحاب: ولأن مقصود التدبير العتق؛ وهو مخالف لمقصود الوصية بملك الرقبة، وإذا اختلف المقصودان ظهر بالثاني قصد الرجوع في الأول، وهذا ما اختاره الشيخ أبو حامد والقفال، وعليه ينطبق كلام الشيخ، وحكى الإمام في باب وطء المدبرة عن صاحب التقريب رواية قول: في أن الكتابة هل تكون رجوعاً عن الوصية أم لا؟ لكن كلامه يرشد إلى أن محلها إذا كانت الوصية بعتق؛ فإنه قال: ومبنى التردد: أن مقصود الكتابة العتق

стр. 5885

أيضاً، وأن الأصحاب أطبقوا على أن ذلك رجوع عن الوصية للغير. فرع: لو دبره ثم أوصى به، فإن قلنا: إن التدبير عتق بصفةٍ، كانت الوصية باطلة، وإن قلنا: إنه كالوصايا؛ نظر: فإن قال: العبد الذي [قد] دبرته قد أوصيت به لزيد، كان رجوعاً في تدبيره وموصى بجميعه، ويتجه أن يجيء فيه وجه المزني، وإن لم يقل [في] ذلك. وفي النهاية: إن الذي ذهب إليه أكثر الأصحاب: أن ذلك رجوع عن التدبير؛ فإن الوصية مع التدبير متناقضان، وأشار بذلك إلى ما حكيناه عن حكايته من الفرق بين التدبير والوصية. وفي الحاوي: أن في ذلك وجهين: قول ابن أبي هريرة منهما: أن نصفه باق على التدبير، ونصفه موصي به. وهذا [ما] أبداه الإمام أيضاً. وقول أبي إسحاق: أن تدبيره أقوى من الوصية؛ فتبطل الوصية، ويكون على التدبير. ثم قال: وهذان الوجهان جاريان فيما لو أوصى بعتقه بعد أن أوصى به، أو أوصى بعتقه ثم أوصى به. فرع: لو أوصى ببيع شيء وصَرْف ثمنه للفقراء، ثم أوصى ببيعه وصَرْف ثمنه إلى المساكين، [لم يكن] رجوعاً، [وصُرِفَ الثمن للفقراء والمساكين نصفين، بخلاف ما لو أوصى بشيء للفقراء، ثم أوصى ببيعه وصَرْف ثمنه للمساكين؛ فإنه يكون رجوعاً]. تنبيه: قول الشيخ: وإن أوصى بشيء؛ احترز به عما إذا أوصى بثلث ماله ثم باعه؛ فإن الوصية لا تبطل، قال البندنيجي: لأن الاعتبار بماله حين الوفاة، وقد تقدم الكلام في ذلك. قال: وإن أوصى به، ثم رهنه، فقد قيل: هو رجوع؛ لأنه عرضه للبيع؛ لما تعلق به من حق المرتهن، وهذا ما صححه ابن يونس والجيلي.
следующие страницы →