← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

به؛ لأنه لو كان رجوعاً لما كان لأحدهما الاستقلال بالجميع عند رد الآخر. وقد صرح القاضيان: أبو الطيب والحسين، والإمام بأن الجميع يسلم لمن قبل الوصية إذا رد الآخر، وحينئذ فيكون تسليم النصف كما قال القاضي الحسين؛ لأن لما وصى بذلك لزيد ثم وصى به لعمرو وقبلا، فقد اجتمع كلان، ولا يكون للشيء الواحد كلان، فازدحما؛ فجعل بينهما نصفين، واستشكل الإمام كونه لا يكون رجوعاً؛ لأنا نقول: العرض على البيع رجوع؛ لدلالته [على إرادة إبطال التملك]، وهذا في الدلالة أقوى، ثم محل الكلام في الصورة الثانية إذا رد الورثة، أما إذا أجازوا سلم الثلث كاملاً لكل [واحد] منهما، وهذا أيضاً مما يدل على أن وصيته للثاني لا تتضمن رجوعاً، وهذا هو المذهب. وفي التتمة حكاية وجه: أنه بالوصية الثانية راجع عن الوصية الأولى؛ كما لو وهب شيئاً لإنسان، ثم وهبه لآخر قبل القبض. فرع: لو أوصى لرجل بجارية حامل، وقلنا بدخول الحمل في الوصية مكا هو أحد الوجهين، ثم وصى بحملها لعمرو، فالجارية تكون للأول، والولد يكون بين الأول والثاني. ولو أوصى بالجارية لشخص وبحملها لآخر، [صح ذلك] اتفاقاً. ولو أوصى لشخص بدار أو بخاتم، ثم أوصى بأبنية الدار أو بفص الخاتم لآخر، فعرصة الدار والخاتم للأول، والأبنية والفص بينهما؛ تفريعاً على المذهب. ولو أوصى لزيد بدار، ثم لعمرو بسكناها، فعن الأستاذ أبي منصور: أن الرقبة للأول، وأن المنفعة للثاني. قال الرافعي: وكان يجوز أن يشتركا في المنفعة، كما في الأبنية والفص. [قال]: وإن قال: أوصيت لعمرو بما وصيت به لزيد، جعل ذلك [رجوعاً عن] وصية زيد؛ لأن ذلك صريح في الرجوع، وقد انتفى احتمال النسيان،

стр. 5882

وهذا ما جزم به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ. وعن المزني: أنه لا يكون رجوعاً، ويجعل بينهما، ووافقه عليه بعض الأصحاب، واحتج له بأنه لو وكل زيداً ببيع سلعة سماها له، ثم قال: قد وكلت عمراً بما وكلت به زيداً، أنهما يكونان معاً وكيلين في بيعها، ولا يكون توكيل الثاني رجوعاً عن الأول. قال الماوردي: وهذا فاسد، وحكي أن من أصحابنا من ضاق عليه الفرق، فجعل ذلك رجوعاً عن توكيل الأول. ومنهم من فرق بأن الوكالة نيابة؛ فيصح أن ينوب كل واحد من الجماعة في كل البيع، والوصية تمليك، ولا يصح أن يملك كل واحد من الموصى لهما كل الموصى به. قال: وإن أوصى لزيد بشيء، ثم أزال الملك فيه ببيع أو هبة، أو ما في معناهما من عتق وغيره، أو عرضه لزوال الملك؛ بأن دبره، أي: ولم يتعرض في لفظه بذكر الوصية الأولى- كما قال الإمام- أو كاتبه، أو عرضه على البيع، أو أوصى ببيعه، كان ذلك رجوعاً؛ لأن القصد من الوصية حصول الموصي به للموصى له، وهذه الأشياء تنافى المقصود؛ لأنه لا يمكن حصوله بعد وجودها؛ فأبطلت الوصية. وفائدة القول بأنه رجوع فيما إذا باعه أو وهبه وأقبضه: أنه لو ملكه بعد ذلك، ومات وهو في ملكه، لا يعود حق الموصى له فيه، بخلاف ما إذا وهب من ولده شيئاً، فانتقل عن ملك الابن، ثم عاد إليه فإن له الرجوع على أحد الوجهين، وكذلك إذا باع عيناً، ثم خرجت عن ملك المشتري، ثم اشتراها أيضاً وأفلس، فإن للبائع الرجوع فيها على أحد الوجهين. قال الماوردي: والفرق أن رجوع الأب والبائع حق لهما، ليس للابن ولا للمفلس إبطاله [عليهما]؛ فكذلك لم يكن بيعهما وعوده إلى ملكهما مانعاً من الرجوع، وليس كذلك الوصية؛ لأن للموصي إبطالها، فإذا بطلت بالبيع لم تعد بالشراء.

стр. 5883

أما إذا لم يَزُلِ الملك بالهبة، كما إذا لم يتصل بها [قبض]، فكلام الشيخ الأول يفهم أنه لا يكون رجوعاً، وقوله: أو عرضه على [البيع]، يفهم منه أنه يكون رجوعاً، وقد حكى الأصحاب ذلك وجهين: الأول منهما: قول بعض المتأخرين من البغداديين؛ لأنه لم يؤثر في ملكه؛ فلم يؤثر في رجوعه. والثاني: قول ابن أبي هريرة، وأبي إسحاق؛ لأنه قد عقد فيه عقداً يفضي إلى الزوال؛ فصار مخالفاً لما قصده من قبل، وهو ما رجحه الإمام، وقال: إنه يجب القطع به. وزاد القاضي الحسين على ذلك، فقال: قال أصحابنا: إذا وهبه، فلم يقبل الموهوب [له]، كان له رجوعاً، وهو مطرد في إيجاب الهبة والبيع. ثم قضية تعليل الوجه الأول: أن العرض على البيع لا يكون رجوعاً، وقد صرح به الماوردي وغيره؛ إذا كان في حياة الموصي، وهو جار كما حكاه الرافعي، فيما إذا وكل في البيع. وهل تكون الهبة الفاسدة رجوعاً؟ [حكى الماوردي فيها ثلاثة أوجه: ثالثها: إن أقبض كان رجوعاً]، وإلا فلا. ولا فرق في [بطلانها بالإيصاء] بالبيع [بين أن يفسخ في زمن الخيار أم لا. وعن الأستاذ أبي منصور: أنه إذا فسخ، وقلنا: لا ينتقل الملك إلا بانقضاء الخيار، لا يكون رجوعاً. وكذا لا فرق في بطلانها بالإيصاء بالبيع] بين أن يعين من يباع منه أَوْ لا، ومع التعيين لا فرق بين أن ينص على قدر الثمن أَوْ لا. وحكى الماوردي عن بعض أصحابنا أنه قال: إذا عين من يبيع منه، وقدر الثمن، وكان دون ثمن المثل، فهو كما لو أوصى به لزيد، ثم أوصى به لعمرو، فيكون ما حصلت فيه المحاباة بينهما، فإن كانت المحاباة [بينهما] بنصف

стр. 5884

الثمن؛ فيكون كأنه أوصى بجميعه لزيد، ثم أوصى بنصفه لعمرو؛ فيكون بينهما أثلاثاً. وإن كانت المحاباة بثلث الثمن، كان بينهما أرباعاً. قلت: ولو قيل على هذا الوجه بأن للموصى له ثانياً: الربع في المثال الأول، وله في المثال الثاني []؛ لكان الوجه أحداً مما ذكرناه في أوائل الفصل. وأطلق في الرافعي حكاية وجه عن أبي الفرج الزاز: أنه إذا أوصى بالبيع وغيره مما هو رجوع، يكون كما لو أوصى لزيد ثم أوصى به لعمرو؛ لأن كليهما وصيه، وحكاه عن المعتمد فيما إذا أوصى بعبده لإنسان ثم أوصى بعتقه، حتى يعتق نصفه ويدفع للموصى له نصفه. وقيل في التدبير: إن قلنا: إنه وصية، لم يكن رجوعاً؛ حكاه ابن الصباغ. [والذي أورده] الماوردي: أنا إن قلنا: إنه عتق بصفةٍ فهو رجوع، وإن قلنا: إنه وصية: فإن قلنا بتقديم الوصية بالعتق على الوصية بالتمليك، كان رجوعاً في الوصية. وإن قلنا باستوائهما، ففيه وجهان: أحدهما- عن أبي علي الطبري-: [أنه يكون] نصفه وصية ونصفه مدبراً. والثاني- عن أبي إسحاق-: أنه يكون جميعه مدبراً، ويتضمن ذلك الرجوع عن الوصية؛ لأن عتق المدبر تأخر بالموت، فقُدِّم على الوصايا، كالناجز من العطايا. قال الإمام حكاية عن الأصحاب: ولأن مقصود التدبير العتق؛ وهو مخالف لمقصود الوصية بملك الرقبة، وإذا اختلف المقصودان ظهر بالثاني قصد الرجوع في الأول، وهذا ما اختاره الشيخ أبو حامد والقفال، وعليه ينطبق كلام الشيخ، وحكى الإمام في باب وطء المدبرة عن صاحب التقريب رواية قول: في أن الكتابة هل تكون رجوعاً عن الوصية أم لا؟ لكن كلامه يرشد إلى أن محلها إذا كانت الوصية بعتق؛ فإنه قال: ومبنى التردد: أن مقصود الكتابة العتق

стр. 5885

أيضاً، وأن الأصحاب أطبقوا على أن ذلك رجوع عن الوصية للغير. فرع: لو دبره ثم أوصى به، فإن قلنا: إن التدبير عتق بصفةٍ، كانت الوصية باطلة، وإن قلنا: إنه كالوصايا؛ نظر: فإن قال: العبد الذي [قد] دبرته قد أوصيت به لزيد، كان رجوعاً في تدبيره وموصى بجميعه، ويتجه أن يجيء فيه وجه المزني، وإن لم يقل [في] ذلك. وفي النهاية: إن الذي ذهب إليه أكثر الأصحاب: أن ذلك رجوع عن التدبير؛ فإن الوصية مع التدبير متناقضان، وأشار بذلك إلى ما حكيناه عن حكايته من الفرق بين التدبير والوصية. وفي الحاوي: أن في ذلك وجهين: قول ابن أبي هريرة منهما: أن نصفه باق على التدبير، ونصفه موصي به. وهذا [ما] أبداه الإمام أيضاً. وقول أبي إسحاق: أن تدبيره أقوى من الوصية؛ فتبطل الوصية، ويكون على التدبير. ثم قال: وهذان الوجهان جاريان فيما لو أوصى بعتقه بعد أن أوصى به، أو أوصى بعتقه ثم أوصى به. فرع: لو أوصى ببيع شيء وصَرْف ثمنه للفقراء، ثم أوصى ببيعه وصَرْف ثمنه إلى المساكين، [لم يكن] رجوعاً، [وصُرِفَ الثمن للفقراء والمساكين نصفين، بخلاف ما لو أوصى بشيء للفقراء، ثم أوصى ببيعه وصَرْف ثمنه للمساكين؛ فإنه يكون رجوعاً]. تنبيه: قول الشيخ: وإن أوصى بشيء؛ احترز به عما إذا أوصى بثلث ماله ثم باعه؛ فإن الوصية لا تبطل، قال البندنيجي: لأن الاعتبار بماله حين الوفاة، وقد تقدم الكلام في ذلك. قال: وإن أوصى به، ثم رهنه، فقد قيل: هو رجوع؛ لأنه عرضه للبيع؛ لما تعلق به من حق المرتهن، وهذا ما صححه ابن يونس والجيلي.

стр. 5886

وقيل: ليس برجوع؛ لأن الرهن ليس بإزالة ملك في الحال ولا في ثاني الحال؛ فلم يكن رجوعاً. قال الإمام: ولست أرى في ذلك فرقاً بين أن يتصل به القبض أم لا؛ فإنا إنما جعلناه رجوعاً؛ لدلالته على القصد، وهذا لا يختلف بوجود الإقباض وعدمه. وفي البحر حكاية وجه ثالث: أنه إن اتصل به القبض كان رجوعاً، وإلا فلا. والمجزوم به في التهذيب عند القبض: أنه يكون رجوعاً، وحكاية الخلاف قبله. ولو كان الرهن فاسداً، فكلام الماوردي يفهم جريان الخلاف السابق في الهبة الفاسدة. قال: وإن أجره، أو كاتب جارية فزوجها، لم يكن رجوعاً؛ لأن ذلك لا ينافي الوصية؛ لأنه لا يزيل الملك. وهكذا الحكم فيما إذا أوصى بعبد، ثم زوجه؛ لأن ذلك من مصالحه، ونفقة الزوجة ومهرها في كسبه. وكذلك إذا عَلَّمَ الموصي به صنعة لم يكن رجوعاً؛ لأنه زاده خيراً، فهو كما لو كساه. ولا فرق في كون الإجارة لا تكون رجوعاً بين أن يوصي له بالدار فيسكنها، أو بسكنى دار فيؤجرها، لاحتمال انقضاء مدة الإجارة قبل موته. نعم، لو مات قبل انقضاء المدة، لزم الموصى له إذا قبل تمكينُ المستأجر من الاستيفاء. ثم إن [كانت الوصية بالسكنى] مقيدة بمدة، فهل يستوفى بعد انقضاء مدة الإجارة جميع مدة الوصية، أو ما بقي منها؟ فيه وجهان في المهذب وغيره: أرجحهما كما يقتضيه كلام الغزالي: الثاني. حتى لو لم تنقض مدة الإجارة إلا بعد فراغ السنة الموصي بها بطلت الوصية. ولو وطئ الجارية الموصي بها، لم يكن رجوعاً إلا أن يحبلها.

стр. 5887

وقال ابن الحداد: إن عزل عنها لم يكن رجوعاً، وإن لم يعزل كان رجوعاً، وزعم أنه أخذ ذلك من قول الشافعي- ﵁ في الإملاء: لو حلف لا يتسرى، فوطئ جارية له، فإن كان يعزل عنها، فهو غير مُتَسَرٍّ ولا حنث عليه، وإلا فهو متسر، وقد حنث. قال: فلما جعل التسري طلب الولد لا الاستمتاع، دل ذلك على الفرق بينهما، وكان طلب الولد رجوعاً في الوصية دون الاستمتاع، وهذا ما حكاه الإمام والقاضي الحسين، والبغوي في باب وطء المدبرة، وقال الإمام هنا: إن من أصحابنا من قال: إن الوطء رجوع كيف فُرِضَ، وهذا أضعف الوجوه، وإن قول ابن الحداد، هو الطريقة المستقيمة. قال: وإن أوصى بشيء، ثم أزال اسمه؛ بأن كان قمحاً فطحنه، أو دقيقاً فعجنه، وعجيناً فخبزه، كان ذلك رجوعاً؛ لأنه زال عنه الاسم؛ فلم يبق متناولاً لوصيته. ولأنه قصد استهلاكه بالأكل، وذلك دليل على قصد الرجوع. وهكذا لو قلا الحنطة سويقاً، أو عمل منها شيئاً، أو بلها بالماء، أو بذرها. ولو كان الموصي به خبزاً يابساً، فدقه فتيتا، ففي كونه رجوعاً وجهان، في تعليق أبي الطيب وغيره. قال: وإن كان غزلاً فنسجه، أو نُقْرَة فضربها دراهم، أو ساجاً فجعله باباً- فقد قيل: هو رجوع؛ لزوال الاسم، وهذا أصح في الشامل، وبه جزم الماوردي في مسألة نسج الغزل وطبع النقرة دراهم. وقيل: ليس برجوع؛ لأن الاسم باقٍ عليه مع التقييد. قال بعضهم: وهذا الوجه غريب في مسألة نسج الغزل. وكأنه لم يقف على تعليق القاضي أبي الطيب والشامل؛ فإنهما حكيا الخلاف في الصور الثلاث، كما حكاه الشيخ وهو جار في تجفيف الثمار عند خشية الفساد. وقد أجرى وجه الرجوع في تقديد اللحم، والمذهب خلافه. كما أن المذهب: أن شَيَّهُ رجوع، وخلافه وجه بعيد حكاه في البحر.

стр. 5888

والرافعي ادعى نفي الخلاف فيه، وألحقه بما إذا كانت شاة فذبحها. وفي الحاوي: الجزم بأنه لو كان قطناً فغزله، أو ثوباً فقطعه قميصاً، أنه يكون رجوعاً، وفي المذهب وجه فيه كما لو كان الثوب مقطوعاً فخاطه. ولو حشا بالقطن مخدة أو مضربة أو جبة، ففي كونه رجوعاً- تفريعاً على الأول- وجهان: أصحهما في النهاية والرافعي: أنه رجوع. وكذا لو قصر الثوب، هل يكون رجوعاً؟ فيه وجهان: وجه الرجوع: القياس على ما لو صبغه. ووجه مقابله: القياس على ما لو غسله. وقد حكى هذا أيضاً فيما لو صنعه؛ كما في عمارة الدار. ولو لبس الثوب الموصي به، قال القفال: يحتمل أن يكون رجوعاً، قال في البحر: وهو المذهب عندي؛ لأنه عرضة للإتلاق، كما لو عجن الدقيق. فرع: إذا عرض الموصي به لشيء من الأحوال المذكورة: كنسج الغزل، وطحن القمح، ونحو ذلك، قال الرافعي: فقد نص الأصحاب على وجهين في بعضهما، والباقي ملحق به. قال: وإن أوصى بدار فانهدمت، أي في حياة الموصي، بحيث زال [عنها] اسم الدار، وبقيت عرصتها- فقد قيل: تبطل؛ لأنه زال عنها الاسم؛ فبطلت الوصية، كما لو هدمها الموصي، وهذا هو الأصح في الحاوي، [والمذهب في] تعليق البندنيجي. وقيل: لا تبطل؛ لأنه لم يوجد منه شيء يدل على الرجوع، وظاهر كلام الشيخ يدل على أن الخلاف في بطلان الوصية في العرصة. أما النقض فقد بطلت الوصية [فيه] لا محالة. والمذكور في التتمة: حكاية الخلاف في أن الوصية هل تبطل بالنقض أم لا؟ وتبقى الوصية فيها على المنصوص. وعلى طريقة: أنها تبطل فيها أيضاً.

стр. 5889

وحكى وجهاً فيما إذا هدم الدار: أن الوصية لا تبطل في العرصة. قال في البحر: وهذا وهذا غلط؛ لأن الشافعي- ﵁ نص على أنه إذا أوصى بدار، فذهب السيل بها: أن الوصية تبطل؛ لأن العرصة [لا] تسمى داراً، أما إذا بقي عليها اسم الدار، فالوصية باقية. ولمن تكون الآلة؟ فيه وجهان: أحدهما- وهو الذي نص عليه الشافعي- ﵁ وبه قال جمهور أصحابنا-: أنها خارجة من الوصية؛ لأنها لا تسمى داراً. والثاني- حكاه القاضي ابن كج عن بعض أصحابنا-: أنها تكون للموصى له، وحمل نص الشافعي- ﵁ على ما إذا هدمها بنفسه. وجعل في الحاوي الخلاف في مسألة الكتاب مفرعاً على هذا الخلاف، وقال: إن من قال بأن النقض للموصي، قال: تبطل الوصية، ومن قال بأنه للموصى له، لا يقول بالبطلان، وهذا يوافق ما حكيناه عن المتولي من تصوير محل الخلاف. وإن كان الانهدام بعد موت الموصى له: فإن كان بعد القبول، فالوصية ممضاة، وجميع ما انفصل من آلتها للموصى له، وإن كان قبل القبول: فإن لم يَزُلِ اسم الدار عنها، فالوصية بحالها. ثم إذا قبل، وقلنا: يتبين الملك بالموت، أو قلنا: يملك بالموت، فالنقض للموصى له. وإن قلنا: إن القبول هو المملِّك، فله الدار، وفي المنفصل وجهان: أحدهما: للموصى له، وهو الأصح في البحر. والثاني: للورثة. وإن لم يبقى مسمى الدار بعد الانهدام، فإن قلنا: إن القبول [مبين، فالوصية جائزة، وله العرصة والنقض. وإن قلنا: القبول] مملك، ففي بطلان الوصية وجهان: أحدهما: نعم. والثاني: لا، وله العرصة وما اتصل.

стр. 5890

وفي المنفصل وجهان. وفي تعليق البندنيجي: أن الانهدام إذا وجد بعد الموت وقبل القبول ثم قبل، وفرعنا على أن القبول مبين للملك، فالمذهب: أن العرصة والنقض [ملك] للموصى له. ومن أصحابنا من قال: النقض لا يكون له، وهو فاسد. ولم يفصل البندنيجي في الانهدام بين أن يزيل اسم الدار أم لا. فرع: إذا أوصى بأرض، فبنى فيها أو غرس، ففيه وجهان، أصحهما في الرافعي: أن ذلك رجوع. قال الماوردي: فعلى هذا إن كان البناء والغراس في جميعها كان رجوعاً في الجميع، وإن كان في بعضها كان رجوعاً فيه، وليس رجوعاً فيما لم يغرس فيه أو يبني. والثاني: أنه لا يكون رجوعاً؛ لأن ذلك من استيفاء منافعها. قال الماوردي والمصنف: فعلى هذا تكون الوصية فيما بين البناء والغراس من بياض الأرض بحالها، فأما أساس البناء وقرار الغراس، ففيه وجهان: أحدهما: يكون راجعاً فيه. والثاني: لا. ولو عمر الدار الموصي بها، نظر: فإن غير اسمها؛ بأن جعلها حَمَّاماً، كان رجوعاً، وإن لم يغير اسمها لم يكن رجوعاً، لكن الزيادة لا تدخل في الوصية [الأولى] على الأصح. وفي الإبانة وغيرها وجهٌ: أن الزيادة تدخل. وفي التتمة حكاية وجه: أن العمارة تكون رجوعاً. ولو جعل على الدار ساباطا، لم [يكن داخلاً] في الوصية، وهل يكون رجوعاً فيما وضع عليه الساباط من حيطانها؟ فيه وجهان. قال: وإن كان طعاماً بعينه فخلطه بغيره، أي: بحيث لا يمكن تمييزه، كان رجوعاً؛ لأنه جعله على صفة لا يمكن تسليمه بعينه.

стр. 5891

وعن رواية أبي الفرج الزاز: أن الشيخ أبا زيد قال: إن خلطه بأجود منه كان رجوعاً، وإلا فلا. قال: وإن كان قفيزاً من صبرة، فخلطه بأجود منه، كان [ذلك] رجوعاً؛ لأنه بالخلط أحدث زيادة لم يرض بتمليكها. قال: وإن خلطه بمثله أو بما دونه، لم يكن رجوعاً؛ لأن القدر الموصي به كان مختلطاً بغيره، فإذا خلطه بالمثل لم يحدث صفة زائدة، وإذا خلطه بما دونه تنزل منزلة إتلاف بعضه، وإتلاف بعضه ليس رجوعاً في الباقي، وهذا يخالف الصورة السابقة؛ لأن الموصي به لم يكن مختلطاً بغيره. وقيل: إذا خلطه بما هو دونه يكون رجوعاً، وإذا خلطه بالأجود لا يكون رجوعاً، حكاه ابن يونس، وأبداه الرافعي تخريجاً لنفسه من قولنا: إنه إذا استجد في الدار بناء، أنه يدخل في الوصية، ثم قال: وهو أقرب هنا وإن لم يذكروه. ولو اختلطت الصبرة بنفسها، فهو على الخلاف في نظائره، صرح به المتولي. قال الرافعي: وإذا أبقينا الوصية فالزيادة الحاصلة بالجودة غير متميزة، فتدخل في الوصية. ولو جحد الموصي الوصية، كان رجوعاً على ظاهر المذهب. وقال الإمام: يتجه فيه نوع من الاحتمال من جهة أنه قد ينسى الوصية فينكرها، والإنكار إخبار وليس بإنشاء. وحكى في باب التدبير وجهين في أن الإنكار هل يبطلها؟ وكلام البندنيجي فيها يقتضي ترجيح عدم البطلان؛ فإنه حكى وجهين فيما إذا ادعى عبد على سيده أنه دبره، وأنكر التدبير، وقلنا: إنه وصية، هل يكون إنكاره رجوعاً أم لا؟ والمذهب: أنه ليس برجوع. ولو قال الموصي: هي عليه حرام، كان رجوعاً، جزم به في البحر، وقال الإمام فيما إذا قال: حَرَّمْتُ هذه العين على فلان، يعني [العين] الموصي بها على الموصى له، فظاهر المذهب: أنه رجوع، ولو قال: هي لوارثي، كان رجوعاً، ولو قال: هي من تركتي، فوجهان في الحاوي.

стр. 5892

ولو نقل الموصى به من بلد إلى بلد، [فإن كان المنقول إليه أقرب إلى الموصى له، لم يكن رجوعاً، وكذا إن كان أبعد وكان لعذر]، فإن كان لغير عذر، فوجهان في البحر. ولو أوصى له بألف وأشهد بها شاهدين، وأوصى له بألف وأشهد بها شاهدين، نظر: إن كان الثاني من جنس آخر، فهما وصيتان، وإن كان مثله، فهما وصية واحدة، وإن كان ما أوصى به ثانياً أكثر في القدر من الأول كما إذا أوصى له بألفين، لغت وصيته الأولى وثبتت الثانية. ولو كانت الثانية أقل، كما إذا أوصى له بخمسمائة، ففيه وجهان [يبنيان]: [أحدهما: يثبت كلاهما]. والثاني: تلغو الأولى وتثبت الثانية، قاله القاضي الحسين، وقال الرافعي: إن الوجه الثاني أشبه؛ لأنه يحتمل أنه قصد تقليل حقه والرجوع عن بعض الوصية الأولى، فلا يعطى إلا اليقين. ولنختم الباب بفروع يسيرة تتعلق به: - إذا أوفى في مرض موته دين بعض الغرماء، وعجز ماله عن وفاء باقي الديون، فأصح الوجهين وبه جزم الفوراني: أنه لا يعترض عليه. وفيه وجه: أنه يسترجع منه ما يزيد على ما يخصه عند التوزيع. - إذا ادعى شخص على أحد الوارثَيْن أن مورثهما أوصى له بكذا، فصدقه أحدهما وكذبه الآخر، فماذا يلزم المصدق؟ فيه وجهان، كما لو أقر بدين فكذبه [الآخر]، حكاه في البحر. -[إذا أجاز الورثة بالثلث والأجنبي بالثلث]، فإن أجاز الورثة الوصيتين سُلِّم لكل منهما الثلث، وإن ردوا، فلا شيء للوارث، ثم ينظر في كيفية الرد: إن ردوا وصية الوارث، سلم للأجنبي الثلث تماماً. وفيه وجه: أنه لا يسلم له إلا السدس، وإن قالوا: رددنا ما زاد على الثلث من الوصيتين، فوجهان:

стр. 5893

أحدهما- وهو الذي ذكره أبو حامد، ونسبه أبو الفرج الزاز إلى اختيار القفال والشيخ أبي علي والقاضي [الطبري]، كما حكاه في البحر-: أنه ليس للأجنبي إلا السدس. والثاني: أن له تمام الثلث؛ لأن القائل بالرد في حق الأجنبي الزائد على الثلث، وفي حق الوارث الجميع؛ فكان الانصراف إلى نصيب الوارث [أولى]، وهذا ما رجحه الإمام وجزم به في التهذيب، وقال في البحر: إن الشيخ أبا حامد قال: كنت أحكي أن له السدس، ثم رأيت [في] ظاهر كلام الشافعي في الأم أن له الثلث. قال الروياني: وهذا أقيس. إذا أجر المريض نفسه بدون أجرة المثل، لا يحتسب [القدر] الناقص من الثلث على الأصح، بخلاف المرأة إذا تزوجت في مرض موتها بدون مهر المثل؛ فإن ذلك التفاوت يحسب من الثلث على الأصح، وفرق المتولي بينهما بفرقين: أحدهما: أن النكاح من غير مهر المثل يقتضي مهر المثل، فإذا قال الولي: زوجتكها، وذكر ما دون مهر المثل، فكأنه أسقط العوض بعد ثبوته؛ فكان كالإبراء، وأما الإجارة فإنها لا تنعقد من غير ذكر العوض. والثاني: أن المحاباة في المهر تلحق نوع عار بالورثة؛ فأثبت لهم ولاية الدفع، بخلاف المحاباة في الإجارة. والوجه المذكور في اعتبار القدر الناقص عن أجرة المثل في الإجارة، [جار]- كما حكاه القاضي الحسين- فيما إذا أعار نفسه في مرض موته، إذا باع بثمن مؤجل ولم يكن له مال غير المبيع، قال صاحب شرح فروع ابن الحداد: للورثة إبطال البيع في الثلثين، وكذلك إذا رهن جميع ماله لهم فَسْخُ الرهن في الثلثين. - إذا أوصى بأمة لولدها من غيره، إن خرجت من الثلث وقبل الموصى له الوصية، عتقت عليه وإن رد بقية الورثة، وإن لم تخرج من الثلث، فالجواب في قدر الثلث كذلك، وأما الزائد عليه فإن أعتقه الوارث وهو موسر عتق عليه، ثم إن لم يقبل انتهاء الوصية فقد تبينا أن جميعها للوارث؛ فيسري العتق من البعض الذي أعتقه إلى الباقي، وإن قبل عتق عليه ما قبل.

стр. 5894

قال ابن الحداد: ولا يكون نصيب الوارث عليه، ولا نصيبه على الوارث. أما الأول: فلأنه أعتق نصيبه قبل قبوله. وأما الثاني: فلأنا نتبين بالقبول حصول ملكه بالموت، وتقدمه على إعتاق الوارث الزيادة. قال الشيخ أبو علي: والصواب عند الأصحاب أن يقال: إن قلنا بحصول الملك [بالموت] ابتداء، وتبينا، فنقوم نصيب الوارث؛ لأنا تبينا استناد عتقه إلى وقت الموت، وعتق الوارث متأخر عنه، وإن قلنا بحصوله بالقبول فيعتق الكل على الوارث؛ لأنه يسري من نصيبه إلى قدر الثلث، والقبول بعده كإعتاق الشريك الثاني بعد الأول وهو موسر، هذا إذا حكمنا بحصول السراية بنفس الإعتاق، فإن قلنا: لا يحصل إلا بعد أداء القيمة فقبوله كإعتاق الشريك الثاني نصيبه قبل أخذ القيمة، وفيه وجهان: أحدهما: النفوذ؛ لأنه ملكه ما لم يأخذ القيمة. وأصحهما: المنع؛ لأن الأول [استحق تقويمه عليه بالإعتاق] وفي ذلك تفويت حق وجب له. قلت: وقد يتجه أن يقال في المسألة، إذا قلنا بأن الملك لا يحصل إلا بالقبول، وقد نفذنا عتق الوارث: تبطل الوصية؛ لأن العتق إتلاف شرعي؛ فكان كالحس، وقد ذكرنا في الإتلاف الحسي أنه إذا وجد قبل القبول [وقلنا]: لا يحصل الملك إلا بالقبول: أن الوصية تبطل. إذا أوصى لرجل بدينار كل شهرين من غلة داره، أو من كسب عبده، وجعله بعده لوارثه أو للفقراء، والغلة والكسب عشرة مثلاً، فاعتبار هذه الوصية من الثلث كاعتبار الوصية بالمنافع مدة معلومة؛ لبقاء بعض المنافع لمالك الرقبة، قال ابن الحداد: وليس للورثة بيع بعض الدار [إلا قدر] ما يحصل منه دينار؛ لأن الأجرة قد تتفاوت فتعود كل الأجرة إلى دينار أو أنقص منه؛ فيكون الجميع [للموصى له]. ولو أوصى بعشر الغلة في كل سنة، صح منهم بيع ما عدا عشر الدار.

стр. 5895

ولو أوصى لإنسان بدينار كل سنة من ماله، قال الإمام: صحت الوصية في السنة الأولى بدينار، وفيما بعدها قولان: أحدهما: الصحة، وبمثله جزم في الإشراف فيما إذا قال: أعطوه كل يوم من الطعام مُدُّا بعد موتي. وأظهرهما: البطلان؛ لأنه لا يعرف قدر الموصي به حتى يخرج من الثلث، وعلى الأول إذا لم يكن ثم وصية أخرى، فللورثة التصرف في الثلثين، وفي الثلث وجهان: أحدهما: ينفذ تصرفهم فيه بعد إخراج الدينار؛ لأنا لا ندري استحقاق الموصى له شيئاً سواه. والثاني: أنه يوقف، [وهما كذلك في الوصية بالطعام، كما حكاه في الإشراف، وحكى وجهين آخرين: أحدهما: أنه يوقف له لتتمة سبعين سنة. وقيل: يعطى سنة. ومثلهما يظهر مجيئه في مسألة الدينار، والذي اقتضاه إيراده: ترجيح قول الوقف مطلقاً]؛ فعلى هذا: إن بقي الموصى له حتى نفدت التركة فذاك، وإن مات قبل نفاذها، قال الأصحاب: عاد الفاضل في مسألة الدينار لورثة الموصي، وقال الإمام: فيه نظر؛ لأن هذه الوصية إذا صححناها كالوصية بالثمار بلا نهاية؛ فوجب أن ينتقل الحق إلى الورثة، وإن نفذنا تصرف الوارث فيما عدا الدينار، فكلما مضت سنة طلب الموصى له الورثة بدينار، وكان ذلك لوصية تظهر بعد القسمة. وإن كان هناك وصايا أخر، قال صاحب التهذيب: يُفَضُّ الثلث بعد الدينار على أرباب الوصايا ولا يوقف، فإذا انقضت سنة أخرى، استرد منهم بدينار ما يقتضيه التقسيط. قال الإمام: وهذا [بين] إذا كانت الوصية مقيدة بحال حياة الموصى له، أما إذا لم تقيد وأقمنا ورثته بعد موته مقامه، فهذا مشكل [لا يهتدي إليه]، والله- أعلم.

стр. 5896

باب العتق العتق في الشرع: إزالة ملك عن رقبة آدمي لا إلى مالكٍ؛ تقرباً لله تعالى. واحترزنا بقولنا: "عن رقبة آدمي" عن عتق البهائم؛ فإنه غير نافذ على الأصح. وقيل: إنه إخراج النسمة من ذل الرق إلى عزِّ الحريَّة، وهو عند الأزهري مأخوذ من قولهم: عتق الفرس، إذا سبق ونجا، وعتق فرخ الطائر، إذا طار واستقلَّ. فكأن العبد إذا فكت رقبته من الرق- وهو: الملك- تخلص فذهب حيث شاء. وقيل: إنه مأخوذ من قولهم: عتق فرخ الطائر، إذا قوى على الطيران؛ فكأنه بالعتق قوى على التصرفات. قال صاحب "المحكم": يقال: عَتَقَ يعْتِقُ، عِتَقاً وعَتْقاً- بكسر العين وفتحها- وعَتَاقاً وعَتَاقة؛ فهو عَتِيق، وهم عُتَقَاء، [وأعتقته؛ فهو مُعْتَق وعتيق، وهم عتقاء]، وأمة عَتِيقٌ وعتيقة، وإماء عتائق. وحلف بالعَتَاق، أي: الإعتاق. وزاد الجوهري فقال: عتُق، فهو عتيق وعاتق، ويقال: رَقَقْتُ العبد أَرُقُّه؛ فهو مرقوق. قال: العتق قربة مندوب إليها. الأصل في ذلك قبل الإجماع من الكتاب قوله- تعالى-: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ١١ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ١٢ فَكُّ رَقَبَةٍ ١٣﴾ [البلد: ١١ - ١٣]، وقوله- تعالى-: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [أي بالإسلام] ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾

стр. 5897

[الأحزاب: ٣٧] أي: بالإعتاق، وكانت قد نزلت في شأن زيد بن حارثة؛ فإن النبي ﷺ تبناه وأعتقه، ومن ثمَّ سمى المولى المعتِق: مُنْعِماً. ومن السنة: ما روى أبو داود عن أبي نجيح [قال] سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أَيُّمَا رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ رَجُلاً مُسْلِماً، فَإِنَّ اللهَ- جَاعِلٌ وِقَاءَ كُلِّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهِ عَظْماً مِنْ عِظَامِ مُحَرَّرِه مِنَ النَّارِ، وأَيُّمَا امْرَأَةٍ أَعْتَقَتِ امْرَأَةً مُسْلِمَةً، فَإِنَّ اللهَ جَاعِلٌ وِقَاءَ كُلِّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهَا [عَظْماً مِنْ عِظَامِ] مُحَرَّرِها مِنَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ" وأخرجه النسائي وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن [صحيح. وأبو نجيح: هو عمرو بن عبسة السلمي. وقد جاء في حديث خرجه أبو داود والنسائي] وابن ماجة، عن شرحبيل بن السمط، عن كعب بن مرة- أو مرة بن كعب- أنه ﷺ قال: "وَأَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأتَيْنِ إِلَّا كَانتَا فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ، يُجْزِئُ مَكَانَ كُلِّ عَظْمَيْنِ مِنْهُمَا عَظْم مِنْ عِظَامِهِ"، وقد ضبط بعضهم "السمط" بكسر السين وإسكان الميم. وما روى مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ [أنه] قال: "مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً، أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْواً مِنْ أَعْضَائِهِ مِنَ النَّارِ، حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ".

стр. 5898

وغير ذلك من الأخبار، وخصت "الرقبة" بالذكر دون سائر الأعضاء؛ لأن ملك السيد لعبده كالحبل في الرقبة، وكالغُلِّ هو [به مُحْتَبَسٌ] كما تحبس الدابة بحبل في عنقها؛ فإذا أعتق فكأنه أطلق من ذلك، ولأن في العتق فكاكاً من ذلِّ الرق بعز الحرية، وكمال الأحكام بعد نقصانها، والتصرف في نفسه بعد المنع منه، وتملك الرقبة بعد حظره عليه، فكان من أفضل القرب من المعتق، وأجزل النعم على المعتق، ولأن الله- تعالى- كفّر به الذنوب وجبر به المأثم، ومحص به الخطايا، وما هو بهذه الحالة فهو عند الله عظيم. ثم محل كون العتق قربة إذا كان منجزاً، أما "إذا كان معلقاً" فليس بعقد قربة، وكذلك الإيصاء ليس بعقد قربة، بخلاف التدبير؛ حكاه الرافعي في كتاب الصداق، في مسألة الرجوع بنصفه. قال: ولا يصح [إلا] من مطلق التصرف في ماله؛ لأنه تصرف في المال في حال الحياة فأشبه الهبة، وقد تقدم حكاية قول في صحة عتق المفلس موقوفاً على فك الحجر [عنه] وبقاء المعتق في ملكه، وحكاية وجه في

стр. 5899

صحة عتق الصبي والسفيه في مرض الموت؛ إذا صححنا وصيتهما، ولا فرق في مطلق التصرف بين أن يكون مسلماً أو كافراً، ولا في الكافر بين أن يكون ذميّاً أو حربيّاً، والمعتق مسلم أو حربي، كما صرح به ابن الصباغ وغيره. نعم، عتق الكافر ليس بقربة منه، كما حكاه الرافعي عقيب الكلام في أن الملك في الموقوف لمن يكون؟ قال: ويصح بالصريح والكناية كالطلاق. قال: وصريحه: العتق والحرية؛ لأنه يثبت لهما عرف الشرع والاستعمال. وصورته أن يقول: أعتقتك أو: أنت معتق، أو: عتيق، أو: حررتك، أو: أنت حر، [أو: محرر]، ولا فرق بين أن يأتي بهذه الألفاظ على قصد إيقاع العتق أو لا؛ لقوله ﷺ : "ثَلاثَةٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وهَزْلُهُنَّ جِدٌّ .. " وعد من جملتها: العتق. فرع: لو كانت أمته تسمى حرة قبل جريان الرق عليها، فقال لها: "يا حرّة" على قصد النداء- لم تعتق، وإن أطلق، فوجهان، أشبههما: عدم العتق.

стр. 5900

[وإن قال لها ذلك في معرض التوبيخ لم تعتق، وإن لم يكن اسمها حرة، جزم به القاضي الحسين قبل إقرار الوارث]. قال: والكناية قوله: لا ملك لي عليك، ولا سلطان لي عليك، ولا سبيل لي عليك، وأنت لله، وأنت طالق، وأنت حرامٌ، وحبلك على غاربك، وما أشبه ذلك أي: كقوله: لا رق لي عليك، أو: لا حكم لي عليك، أو: لا يد، أو: لا أمر، أو: لا خدمة، أو: أنت سائبة- كما صرّح [به] ابن الصباغ وغيره- أو: أنت مولاتي- كما قال في "التهذيب"- أو: أنت سيدتي عند الإمام دون القاضي الحسين؛ لأن ذلك يحتمل العتق وغيره، وفي قوله للجارية: أنت عليَّ كظهر أمي، أو أنا منك حُرٌّ- وجهان في أن ذلك كناية أو ليس بكناية، والمختار في "المرشد" في الأولى: الثاني، والأول هو الذي قال به أكثر أصحابنا في الثانية؛ كما قاله في "المهذب" في كتاب: الطلاق. وما عدا ذلك من صرائح الطلاق وكناياته فهو كناية في العتق، قاله في "التهذيب" و"تعليق" البندنيجي، وجعل في "التتمة" في أول كتاب: "الصلح" قول السيّد لعبده: "ملكتك رقبتك" كناية، حيث قال: لا يعتق من غير نيَّة، وهو ما حكاه في "البحر" عن "الأم"، وألحق به ما إذا قال: ملكتك على نفسك، فإذا أراد العتق وقع. وجزم في "التهذيب" و"تعليق" القاضي الحسين بأنه إذا قال: وهبتك نفسك، أو: ملكتك [نفسك]، وقبل في المجلس- بالعتق، وأنه إذا لم يقبل في المجلس لم يعتق. واعلم أن ضابط الكناية: هو كل لفظ محتمل شيئين فصاعداً، يقال: كنيت بكذا عن كذا وكنَوت، حكاهما الجوهري وغيره، وهو كانٍ وقومٌ كانُون. ومعنى قوله: حبلك على غاربك، قد بينته في كتاب "الطلاق".

стр. 5901

قال: وفي قوله: فككت رقبتك وجهان: أحدهما: أنه صريح؛ لأنه قد ورد به القرآن الكريم في قوله- تعالى-: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣]. والثاني: أنه كناية؛ لأنه يستعمل في العتق وغيره، وهذا هو الأصح في "الجيلي". والأول جزم به البندنيجي، وقال في "البحر": إنه ظاهر المذهب، نص عليه في "الأم"، لكنه صور المسألة بما إذا قال: "فككت رقبتك من الرق"، ثم حكى [عن] بعضهم الوجهين فيه أيضاً. ومادة هذا الخلاف: [أن ما] ورد في القرآن مرة واحدة ولم يتكرر على لسان حملة الشريعة، هل يكون صريحاً أو كناية؟ وسيأتي الكلام فيه في كتاب الطلاق، إن شاء الله تعالى. فرع: لو قال لعبده: "أعتقك الله"، قال القاضي الحسين: لا يعتق؛ لأنه دعاء له بالإعتاق. وجزم العبادي في "الزيادات" بأنه يعتق، وطرده فيما إذا قال لامرأته: "طلقك الله"؛ لأن الله لا يطلق، [إلَّا وهي] طالق. وقال القاضي: إذا قال لعبده: "أعتقك الله"، فالظاهر أن هذا صريح في العتق. قال: [ويقع العتق] بالصريح من غير نيّة؛ لأن حقيقة الصريح في الشيء: ما لا يفهم منه غيره عند الإطلاق، مأخوذ من قولهم: "نسب صريح" أي: خالص، لا خلل فيه، وإذا كان كذلك فلا معنى لتقويته بالنيّة.

стр. 5902

قال: ولا يقع بالكناية إلَّا بالنية؛ لأن اللفظ [فيها] محتمل للعتق وغيره، فافتقر في الصحة إلى النية؛ لأجل التمييز، كما في الإمساك في الصوم. ولا فرق في ذلك بين أن يحتف بالكناية قرينة أم لا. [قال] ويجوز أن يعلق العتق على الأخطار والصفات: كمجيء الأمطار، وهبوب الرياح، وغير ذلك من الصفات أي: كقدوم زيد، ومجيء الشهر، ودخول الدار، ونحو ذلك؛ لأنه تعليق قربة سارية على صفة؛ فجاز قياساً على التدبير، وقولنا: "سارية"، يخرج الوقف. فروع: لو قال لأمته: "إذا ولدت ولداً فهو حرٌّ"، فإن كانت حاملاً حال التعليق [فولدت ولداً حيّاً عتق، وإن ولدته ميتاً ثم حملت وولدت حيّاً لم يعتق، وإن كانت حائلاً وقت التعليق] ثم حملت ووضعت فهل تعتق؟ فيه وجهان، المذهب منهما في "تعليق" البندنيجي: أنه لا تعتق، ووجه حصول العتق-[وهو الأشبه في "الرافعي"]-: أنه مالك للأصل حالة التعليق. لو قال: إن ولدت أولاً ذكراً فهو حر، وإن ولدت أولاً أنثى فأنت حرة، فولدت ذكراً وأنثى-: فإن خرجا معاً لم يعتق واحد منهما، وكذا لو خرج ذكران معاً أو أنثيان معاً، [وإن خرج غلام وجارية] أحدهما بعد الآخر: فإن كان السابق الغلام عتق خاصة، وإن كانت الجارية عتقت الأم [والغلام؛ لأنه في حال عتق الأم كان جنيناً فيتبعها في العتق، ولا تعتق الأنثى بخروجها قبل عتق الأم]، فلو أشكل الحال: فإن كان [الإشكال في أنهما خرجا معاً، أو أحدهما قبل الآخر فلا عتق، وإن تحقق خروج] أحدهما بعد الآخر وأشكل السابق، فعن ابن الحداد: أنه يقرع بين الغلام والأم، فإن خرجت على الأم عتقت هي والغلام، وإن خرجت على الغلام رقت الأم، وقد وافقه بعض الأصحاب على ذلك،

стр. 5903

وصححه القاضي أبو الطيب، وقد استشهد له بما [إذا] قال: إن كان هذا الطائر غراباً فزوجته طالق، وإن لم يكن غراباً فعبده حرٌّ، فإنه [عند اللبس يقرع] بينهما لأجل الحريّة، وإن كانت القرعة لا تفيد في الطرف الآخر، والذي ذهب إليه الأكثرون- وهو الأصح في "التهذيب"-: أن القرعة لا معنى لها في هذه الصورة. قال في "التهذيب": لأن القرعة إنما تكون في موضع يتحقق الوقوع، [ثم يشكل]، وهنا لم يتحقق الوقوع فلا قرعة؛ كما لو طار طائر فقال رجل: إن كان هذا غراباً فعبدي حُرٌّ، وإن لم نتبين لا يقرع للحرية. ووجهه الإمام: بأن القرعة [إنما تجري] إذا تردد العتق بين شخصين، ورددنا العتق بينهما قصداً، وأشكل الأمر، وليس الأمر كذلك في هذه المسألة؛ فإن الغلام لم يحصل في معاوضة الجارية، فالوجه أن يقال: الغلام حُرٌّ بكل حال، والأم أشكل أمرها؛ فالأصل بقاء [الرق فيها]، وبما ذكرناه عن الإمام من العلة يظهر الفرق بين هذه المسألة، وبين ما صار إليه جمهور الأصحاب فيما إذا أشار شخص إلى أمة لها ثلاثة أولاد، وقال: أحد هؤلاء ولدي، استولدتها به في ملكي- أنه يقرع بين الأولاد الثلاثة مع أن الأصغر [حرّ] بكل حال؛ فتكون فائدة القرعة: أنها لو خرجت عليه [اقتصر العتق عليه]، وإن خرجت على غيره عتق مع غيره، وغلطوا المزني في قوله معترضاً على نص الشافعي- ﵁: "كيف يدخل الصغير في القرعة وهو حر بكل حال؟! "؛ لأجل ما أبدوه من الفائدة، على أن في النفس من تسليم ما ادعاه الإمام شيئاً. إذا قال: أول عبد من عبيدي يدخل الدار فهو حرّ، فدخل واحد عتق، وإن لم

стр. 5904

يدخل ثان على الأصح، وهو ما ادعى الشيخ أبو علي نفي الخلاف في نظيره، حيث قال: لو قال: [إن كان] أول ولد تلدينه من هذا الحمل ذكراً فأنت طالق، فولدت ولداً ولم تلد غيره-: إنه لا يختلف أصحابنا أنه يقع الطلاق، وليس من شرط كونه أولاً أن تلد بعده آخراً، وإنما الشرط ألَّا [يتقدمه غيره]. و [حكي في "التتمة" وجهاً: أنه لا] يقع الطلاق، [قال:] والأول يقتضي آخراً كما أن الآخر يقتضي أولاً. وهذا قد حكي مثله في مسألتنا أيضاً، وإيراد بعضهم يقتضي ترجيحه. ولو دخل اثنان معاً، ثم دخل واحد- لم يعتق واحد منهم؛ لأن اسم الأول لمفرد حكاه في "التتمة" في الفصل الرابع من بيان القسمة من كتاب الوصية. لو قال: آخر عبد من عبيدي يدخل الدار فهو حرُّ، [فدخل واحد ثم واحد، وهكذا]- لم يعتق أحد ما دام الحالف حيّاً؛ لجواز أن يدخل بعدهم غيرهم، فإذا مات تبيَّنّا عتق آخر من دخل منهم قبل [موت السيّد] إذا كان موجوداً حين اليمين، فلو كان آخرهم دخولاً من لم يكن في ملكه حال اليمين فالذي يظهر أن يقال: لا يعتق واحد منهم؛ لأن الموجودين لم توجد الصفة في واحد منهم، والذي وجدت فيه الصفة لم يكن حين التعليق في ملكه؛ فلم يقع.

стр. 5905

قال: وإذا علق العتق على صفة لم يملك الرجوع فيه بالقول؛ لأنه تعليق قربة، فلم يملك الرجوع فيها بقول؛ كاليمين والنذر، فإذا وجدت الصفة نفذ العتق، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المعلق في تلك الحالة مجنوناً أو سفيهاً، ولو كان محجوراً عليه بفلس، قال القاضي الحسين: فالأصح [من المذهب]: أن الاعتبار بوقت وجود الصفة. ومن أصحابنا من قال: قولان؛ كما في مسألة الطلاق والعتاق. إذا علق وكان المعلق صحيحاً، ثم وجدت الصفة في حال المرض- فأصح القولين في "التهذيب": أن الاعتبار بحال التعليق، وكذلك هو في "تعليق" القاضي في موضع آخر من كتاب العتق أو التدبير، فإن قلنا: الاعتبار بحال وجود الصفة، لم يعتق. قال القاضي: إلَّا على قولنا: إن تصرف المحجور عليه بالفلس [يكون موقوفاً]؛ فها هنا يكون موقوفاً، وإن قلنا: الاعتبار بيوم التعليق- وهو مذهب العراقيين- فنصيبه يعتق لا محالة، وهل يسري؟ إن قلنا: إن الدين يمنع السريان، امتنع، وإلّا سرى، وضارب الشريك الغرماء. قال: ويملك التصرف بالبيع وغيره، أي: كالهبة مع الإقباض، وجعله صداقاً، وبدلاً في الخلع، وعن دم العمد وغير ذلك؛ لأنها قربة علقت على شرط فجاز الرجوع فيها بالفعل المزيل الملك؛ كالتدبير، وقد خالف [الرجوع في] العتق الرجوع في الهبة من الولد؛ حيث لا يصح هناك بالفعل على الأصح، [ويصح بالقول]. وفرّق الأصحاب: بأن الابن ملك الموهوب ملكاً تامّاً، فكان الرجوع ابتداء تمليك؛ فاختص بما يملك به الأموال المنتقلة عن الغير، وهو اللفظ؛ فإنه لو جاز بالفعل لكان فيه بيع ملك الغير، أو تقدير انتقال الملك قبله، وذلك إنما يصار إليه للضرورة، ولا ضرورة، وهنا التصرف واقع في ملكه؛ فاكتفى فيه بالفعل.

стр. 5906

وقد ألحق البندنيجي بما ذكرناه: الرهن مع الإقباض، وقد ذكرنا حكمه في كتاب الرهن والوقف. إن قلنا: يزيل الملك كالبيع، وإلا فيعتق عند وجود الصفة، قاله القاضي الحسين في كتاب: الوقف، [ويتجه تخريجه على أن الاعتبار بماذا لو أخر المعلق عتقه بصفة عتق عند وجودها وانفسخت الإجارة؟ قال القاضي حسين: في كتاب الوقف] بخلاف ما لو أعتق العبد المستأجر ابتداء: لا تنفسخ [الإجارة]؛ لأن ها هنا وجد سبب الإعتاق قبل الفعل. قال: فإن باعه ثم اشتراه لم تعد الصفة؛ لأن الملك الذي وجد فيه التعليق قد زال بآثاره، وبزواله بطلت الصفة، والملك الجديد غير مبني على الأول، والعتق علق قبله فلم يقع فيه؛ كما لو علق عتق عبد على ملكه، وما ذكرناه من الخلاف عن القديم والجديد في نظير المسألة من الطلاق مذكورٌ بعينه هنا، وقد صوّر [بعضهم محل] القول الثالث في الطلاق هنا: بأن يعلق الذمي عتق عبده [الكافر]، فيلتحق المعتق والمعتق بدار الحرب، [وكان قد نجَز عتقه قبل الإلحاق] ثم يملك السيد عبْده بالقهر والغلبة قبل وجود الصفة، ثم يؤخذ وهو في هذا الملك، [ولو باعه ثم وجدت الصفة ثم اشتراه، فقياس ما تقدم في الطلاق: ألا يعتق، وفي "البحر" في كتاب الأيمان: أن ابن أبي هريرة قال: يعتق ويقبض البيع ويرجع بثمنه؛ لاستحقاق عتقه قبل بيعه. قال: وهذا غلط؛ لأن نفوذ البيع أوجب زوال ملكه]. قال: وإن علق العتق على صفة مطلقة، فمات السيد بطلت الصفة، صورة المسألة أن يقول: إذا وقع المطر أو قدم زيد فأنت حر، ثم مات السيّد، ووجد ذلك بعد موته، وإنما بطلت الصفة؛ لأن وجودها يحتمل أن يحصل في حياته

стр. 5907

وبعد وفاته، وتصرّف الإنسان مقصور على حال الحياة؛ فحمل إطلاق الصفة عليه. قال: وإن علق على صفة بعد الموت، أي: مثل أن قال: إذا مت ودخلت الدار، أو خدمت فلاناً كذا، وما جانس ذلك فأنت حر، [ثم مات] السيد- لم تبطل الصفة، أي: فإذا وجدت عتق؛ لأنه يملك العتق بعد الموت من الثلث بالتدبير، فملك عقده على صفة [بعد الموت في الثلث، كما أنه لما ملك العتق] في حال الحياة من رأس المال ملك [عقده على صفة في حال الحياة من رأس المال]. قال: وإن أتت الجارية التي علق عتقها على صفة، بولد- أي: من نكاح أو زنى- تبعها الولد في أحد القولين؛ كولد أم الولد، ولا يتبعها في الآخر، وهو الأصح؛ لأنه عقد يلحقه الفسخ فلم يسر إلى الولد؛ كالرهن، والوصيّة، والهبة. وحكى القاضي الحسين عن بعضهم في كتاب التدبير: القطع به، وهذا الخلاف في الولد الذي يحدث العلوق به بعد التعليق، أما إذا كان موجوداً عند التعليق فهو تابع لها، قولاً واحداً، صرّح به ابن الصباغ وغيره في كتاب التدبير. ثم اعلم أن التبعية ها هنا تكون في العتق- إذا حصل للأم- لا في الصفة؛ إذا كانت الصفة فعلها كدخولها الدار، حتى لو ماتت قبل الدخول ثم دخل ولدها الدار لم يعتق جزماً، بخلاف ولد المدبرة إذا قلنا: إنه يتبعها؛ فإن التبعية تكون في الصفة لا في العتق، حتى لو ماتت الأم ثم مات السيد والولد في ملكه، عتق إذا خرج من الثلث. قال ابن الصباغ: والفرق بينهما: أن ها هنا الشرط دخول الأم الدار، وإذا ماتت فات الشرط، والشرط في المدبر موت السيد، ولم يَفُتْ ذلك في حق الولد بموت أمه. نعم، لو كانت الصفة من فعل السيد، أو فعل غيرهما فيكون كولد

стр. 5908

المدبرة سواء. هذا آخر كلامه، وغيره لم يفصل بين أن تكون الصفة من فعلها أو من فعل غيرها، بل أطلق أن ولد المعلق عتقها لا يتبعها في الصفة، ويتبعها في العتق، بخلاف ولد المدبرة؛ فإنه يتبعها، ومنهم الماوردي، وفرق بأن عتق المدبرة مستحق بالوفاة، وعتق الصفة مستحق في الحياة، وحكم ما استحق في الحياة خاص؛ كالعقود، وما استحق بالموت عام؛ كالميراث. وحكى الإمام عن شيخه: أنه كان يقول: متى تعدى العتق إلى ولد المعلق عتقها بصفة، فدخل الدار- عتق، وأما أنه [يعتق بعتق] الأم فلا. قال الإمام: وهذا وإن كان غريباً في الحكاية فليس بعيداً في التوجيه. قال: ويجوز العتق في العبد؛ للخبر، وفي بعضه بالقياس عليه، ولما سنذكره من الخبر عند عتق الشريك حصته وهو معسر. قال: فإن أعتق بعض عبده عتق جميعه؛ لما روى أبو داود عن أبي المليح عن أبيه: أن رجلاً أعتق شقصاً له من غلام، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ" وزاد ابن كثير في حديثه: "فَأَجَازَ النَّبِيُّ ﷺ عِتْقَهُ"، وأخرجه النسائي وابن ماجة. وروى أنه أعتق ثُلُث غلامه فقال: "هو حُرٌّ كله، ليس فيه شِرْك"، ولأنه لو أعتق بعض عبد لا يملك سواه وهو موسر عتق جميعه وإن لم يكن ملكه، ففيما إذا كان الباقي ملكه من طريق الأولى؛ لأنه موسر به. لكن هل نقول وقع العتق على ما سماه ثم سرى إلى الباقي أو وقع العتق على جميع العبد جملة واحدة، ويكون قد عبّر بالبعض عن الكل؟ فيه خلاف ذكر مثله في مسألة الكتاب في الطلاق وهو جارٍ فيما إذا أوقع العتق على عضو من

стр. 5909

أعضاء العبد كاليد والخنصر وغيرهما، ورتب القاضي الحسين الخلاف في الصورة الثانية على الخلاف في الأولى، فقال: إن قلنا بوقوعه في الأولى على الجميع ففي الثانية أولى، وإلّا فوجهان، والفرق: أن الجزء المعيّن من العبد لا يتصور انفراده بالحرية، بخلاف الجزء الشائع، وهذا لا يجيء في الطلاق، وعلى هذا الترتيب جرى الإمام. ومن ثمرة هذا الخلاف فيما إذا أضاف العتق إلى جزء شائع: أنه لو أوصى بعتق بعض عبده بعد موته، فإن قلنا: إن عتق الباقي يقع بطريق السراية، لم يعتق عن الميت إلَّا ما أوصى بعتقه، وإن قلنا: يقع بطريق [التعبير بالبعض عن الكل]، أعتق عنه جميع العبد، قاله في "البحر". ومن ثمرته ما إذا أضيف إلى عضو معيّن: أنه لو قال: إن دخلت الدار فخنصرك حر، ثم قطع، ثم دخل الدار- فعلى الأول: لا يعتق، وعلى الثاني يعتق، وكذا لو قال: خنصرك حرٌّ- ولا خنصر له- فعلى الأول: لا يعتق، وعلى الثاني: يعتق. واستبعد القاضي الحسين وقوع العتق في هذه الصورة؛ بأنه لم يضفْ إلى شيء متصل بها؛ فأشبه ما لو قال: يدك الثالثة، أو: رجلك الثالثة حرة؛ فإنه لا يعتق. وحكى الإمام ذلك طريقة ولم يسم الصائر إليها، وقال: إنها أفقه. وقال القاضي الحسين في الصورة الأولى: إن قلنا: إن الاعتبار في تعليق الطلاق [بحالة العتق] عتقت، وإن قلنا: بحالة وجود الصفة، فوجهان؛ بناءً على ما ذكرناه من المأخذين. قال: وإن عتق شركاً له في عبد أي: في الصحة، والمعتق مما يمكن أن يسري إليه العتق لو كان المعتق هو الشريك الآخر، وحصة الشريك الآخر قابلة للعتق. قال: فإن كان معسراً عتق نصيبه ورق الباقي؛ لما روى مالك عن نافع عن ابن

стр. 5910

عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ مَمْلُوكٍ أُقِيمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ العَدْلِ، فَأُعْطِيَ شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ، [وَأَعْتَقَ عَلَيْهِ العَبْد] وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ". وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة. قال الإمام الشافعي- ﵁: وزاد فيه بعضهم: "وَرَقَّ [مِنْهُ] مَا رَقَّ"، وقد خرج هذه الزيادة الدارقطني في سننه. وقال في كتاب "الأفراد": تفرد به إسماعيل بن مرزوق عن يحيى بن أيوب عنه- يعني: عن عبد الله بن عمر- عن نافع، عن عبد الله بن عمر، قال الشيخ زكي الدين [عبد العظيم]: وإسماعيل هذا مرادي بصري كنيته: أبو زيد، روى عنه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ويحيى بن أيوب، واحتج به مسلم، واستشهد به البخاري. فإن قيل: قد خرج أصحاب الكتب الستة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَعْتَقَ شِقْصاً فِي مَمْلُوكٍ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْتِقَهُ كُلَّهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِلَّا اسْتَسْعَى الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ"، فَلِمَ لا عمل بموجب ذلك؟ قيل: ما ذكرناه من الأحاديث ليس فيه ذكر السعاية، والسعاية المذكورة

стр. 5911

محمولة على أن العبد يستسعى لسيّده الذي لم يعتق [أي]: يخدمه بقدر نصيبه؛ كي لا يظن أنه يحرم عليه استخدامه، وكذلك قال: "غَيْرَ مَشْقُوقٍ [عَلَيْهِ] " أي: لا يحمل فوق ما يلزمه من الخدمة. فإن قيل: جاء عنه في رواية أخرى، عن رسول الله ﷺ : "مَنْ أَعْتَقَ شِقْصاً لَهُ أَوْ شَقِيصاً لَهُ فِي مَمْلُوكٍ، فَخَلَاصُهُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ الْعَبْدُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ اسْتُسْعِيَ لِصَاحِبِهِ فِي قِيمَتِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ"، وهذا ينفي التأويل. قيل في جوابه: إن أبا داود قد رواه عن روح بن عبادة عن سعيد بن أبي عروبة [ولم يذكر السعاية، ويحيى بن سعيد وابن أبي عدي عن سعيد بن أبي عروبة] ولم يذكرا فيه السعاية. وقال البخاري: رواه سعيد عن قتادة ولم يذكر فيه السعاية. وقال الترمذي: روى شعبة هذا الحديث عن قتادة ولم يذكر أمر السعاية. وقال الخطابي: اضطرب سعيد بن أبي عروبة في السعاية يذكرها مرة، ولا يذكرها مرة؛ فَدَلَّ على أنها ليست من متن الحديث عنده، وإنما هو من كلام قتادة، وتفسيره على ما ذكره همام وبينه؛ فإن النسائي قال: إن هماماً ما روى هذا الحديث عن قتادة، فجعل الكلام الأخير- قوله: "وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتَسْعَى الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ"- قول قتادة، والله تعالى أعلم. ويندرج في هذه الحالة ما إذا أوصى بعتق حصته من عبد بعد الموت، أو دبر حصته من عبده؛ لأن التركة انتقلت إلى الورثة بموته، اللهم إلَّا أن يوصي بأن يعتق حصته، ويكمل من ثلثه؛ فإن ذلك يصير كالمستثنى من مال الورثة؛ فيكون موسراً به، كذا قاله الروياني، وحكى الرافعي عن القاضي أبي الطيب أنه قال: عندي إذا أوصى بالتكميل؛ فإنما يكمل باختيار الشريك؛ لأن التقويم إذا لم يكن

стр. 5912

مستحقًّا لا يصير مستحقًّا باختيار العتق؛ ألا ترى أن المعتق لو كان معسراً ثم أيسر وقال: قوموه عليَّ حتى أستقرض، لا يجبر الشركي عليه؟! وحكى الإمام أن صورة الوصيّة بالتكملة أن يقول: اشتروا نصيب الشريك فأعتقوه، فأما إذا قال: أعتقوه إعتاقاً سارياً، فلا خير في هذه الوصيّة؛ لأنه لا سراية بعد الموت، وإن أعتقوا نصيبه، فالذي أتى به وصيّة بمحال. قال: وإن كان موسراً أي: حالة العتق بقيمة نصيب الشريك مما يجب عليه توفيته الدين؛ كما قاله القاضي الحسين وغيره. قال: قوم عليه نصيب شريكه يوم العتق أي: وسرى العتق إليه؛ للحديث السابق. ولا فرق على المذهب فيما ذكره الشيخ بين أن يكون المعتق مسلماً [أو كافراً]، [أو العبد مسلماً] أو كافراً، ولا بين أن يكون على المعتق دين يساوي ما معه من قيمة حصة الشريك، أو لا دين عليه؛ لعموم الخبر. وقيل: إن كان العبد مسلماً والمعتق كافراً لم يقوم عليه؛ بناءً على أن الكافر لا يملك [العبد] المسلم؛ لأن السراية تتضمن نقل الملك إلى المعتق. وحكى المصنف: أن منهم من قطع بالأول؛ لأن هذا إتلاف، والبيع إنما منع لكون فيه ذلٌّ، وهو منتفٍ هنا. وقيل: إن كان عليه دين يستغرق ما معه لم يسر العتق، كما يمنع وجوب الزكاة على قول حكاه الفريقان. قال القاضي الحسين: ووجه الشبه أن الزكاة إنما تجب عليه مواساة [للفقراء، وكذلك] في هذا الموضع إنما يقوم عليه نصيب شريكه على وجه المواساة حتى لا يبقى متحيّراً. وقال الإمام: إن الجامع كون العتق حقّاً لله- تعالى- وهو متعلق بحق الآدمي في الخواص؛ فكان في معنى الزكاة، وخص الماوردي محل الخلاف بما

стр. 5913

إذا كان الدين حالّاً، وجزم بالسريان عند تأجيله. أما إذا كان ما باشره بالعتق لا يمكن عتقه بالسراية، كما إذا استولد الشريك الجارية المشتركة بينه وبين غيره نصفين مثلاً، وهو معسر، ثم أيسر وأعتق حصته المستولدة، فإن حصته ينفذ [العتق] فيها، ولا يسري إلى نصيب شريكه. قال القاضي أبو الطيب في كتاب: الشفعة: لأن العتق لا يسري عند إعتاق النصف الطلق إلى النصف المحكوم بأنه أم ولد؛ فكذلك العكس، وقد حكى الماوردي وغيره فيما إذا استولد الجارية المشتركة وهو معسر، ثم استولدها الشريك الآخر وهو معسر، ثم أيسر أحدهما وأعتق نصيبه- وجهاً: أن العتق يسري إلى حصة الآخر، ويعتق على المنجز، وهذا الوجه يجري هنا من طريق الأولى، كما أجرى أيضاً فيما إذا استولد أحدهما حصته وهو معسر، ثم أعتق الشريك الآخر حصته الطلق، ولو تعلق بحصة الذي لم يعتق حق- لازم كما إذا كانت موقوفة- لم يسر العتق إليها قولاً واحداً، كما حكاه المصنف والقاضي أبو الطيب والماوردي والبندنيجي، والقاضي الحسين، وغيرهم في كتاب الوقف، والفرق بين ذلك وبين الحصة المستولدة، حيث جرى إليها العتق على وجه: أنها قابلة للعتق المنجز؛ فلذلك قبلت عتق السراية واغتفر فيها نقل الملك الضمني، والوقف غير قابل للعتق الناجز على الأصح كما "ذكرناه" في كتاب الوقف. ولو كان تعلق الحق بسبب الرهن، فقد تقدم ذكره في الرهن، ولو كان العتق في حال مرض الموت أو موصي به، فالنظر في اليسار بقيمة الشريك والإعسار بها [بالنظر] إلى الثلث دون جميع ماله.

стр. 5914

تنبيه: الاعتبار في التقويم بالوقت الذي أعتق الشريك حصته فيه، على الأقوال كلها عند العراقيين والقاضي الحسين، و [هو] ما ادعاه المزني؛ لأنه وقت الإتلاف [أو وقت] سببه، وإطلاق الشيخ وغيره محمول [عليه؛ لأن الغالب] أن القيم لا تختلف في اليوم الواحد في الرقيق. وقال بعض المراوزة: إن قلنا: يقوم في الحال، فالحكم كذلك، وإن قلنا: بالتأخير إلى الأداء، فثلاثة أوجه: أحدها: الاعتبار بحال الإعتاق أيضاً. والثاني: بحال الأداء. والثالث: يعتبر أكثر الأمرين، وهذا ما نسبه الإمام إلى بعض المصنفين، وقال: إنه الصواب، وإن وجه اعتبار يوم أداء القيمة [لا اتجاه له] إلَّا على وجه من جوز [للشريك] التصرف بالبيع والعتق، كما سنذكره. وسلك الماوردي طريقاً آخر فقال: الاعتبار بقيمة يوم الإعتاق على الأقوال كلها إن كانت أزيد قيمة من حين العتق إلى حين بذل القيمة، وإن كانت أنقص، وقلنا بسراية العتق باللفظ أو بقول الوقف- فالاعتبار بقيمة وقت العتق، وإن قلنا: بتوقف السراية على [أداء] القيمة ففيه وجهان: أحدهما: الاعتبار بوقت العتق؛ لأنه السبب. والثاني: الاعتبار بحال أداء القيمة؛ كالغاصب. ثم الحصة التي سرى إليها العتق تقوّم قبل العتق، حتى لو كانت قيمة نصفه قبل العتق مائة، ووقت العتق تساوي تسعين، وكان النقص بسبب العتق- لزمته المائة، ولو كان الجميع قبل العتق يساوي ثلاثمائة، والنصف يساوي

стр. 5915

مائة- لا يلزمه إلَّا مائة، قاله في "شرح فروع ابن الحداد" في كتاب الغصب، وكذلك حكاه في "البحر" فيه، والماوردي هنا، ووجهه بأن العتق موكس بقيمته، وهذا الوكس بعتقه الجاري مجرى جنايته. قال: ومتى تعتق حصة الشريك؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: تعتق في الحال، لما روى أبو داود عن أبي هريرة- ﵁ أن رجلاً أعتق شقصاً من غلام فأجاز النبي ﷺ عتقه، وغرمه بقيّة ثمنه. وفي رواية: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَعْتَقَ نَصِيباً لَهُ في مَمْلُوكٍ عَتَقَ مِنْ مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ"، وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة بنحوه. ولأن العتق إذا سرى سرى في الحال؛ كما لو كان كل العبد له. [ولأن القيمة تعتبر] حال العتق؛ فدلّ على أن تلك الحالة حالة الإتلاف. وهذا ما قال الماوردي: إنه المشهور من المذهب، ولم يحك في كتاب الوصايا في العتق، واختلاف الأحاديث، واختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى- سواه، واختاره المزني، وهو الصحيح؛ فعلى هذا يكون حكمه حكم الأحرار في [شهادته وجميع] الأمور.

стр. 5916

وهل نقول: حصلت الحرية فيه دفعة واحدة، أو حصلت في نصيب المعتق، ثم ترتب عليها عتق حصة الشريك؟ فيه وجهان في "الحاوي" هنا، و"الشامل" في كتاب الظهار ونسب الأول إلى شاذ أصحابنا. وحكى الإمام عن الأصحاب: أن الملك ينتقل إلى المعتق، ثم يترتب عليه العتق، وذلك في وقتين وإن كانا لا يدركان بالحس، وحكى عن أبي إسحاق المروزي أنه قال: يحصل نقل الملك والعتق معاً من غير ترتيب، وأنه لما قيل له: هذا جمع بين النقيضين، قال: لا يبعد هذا في الأحكام، وإنما يمتنع اجتماع المتضادات المحسوسة، وأنه طرد مذهبه في شراء [الرجل] من يعتق عليه. وهذا كلام سخيف متروك عليه [باطل] قطعاً. قال: فإن اختلفا في القيمة، أي: على هذا القول عند تلف المعتق أو غيبته، أو تغيّر القيمة؛ لطول المدة- "فالقول قول المعتق"؛ لأنه [غارم]، والأصل فراغ ذمته مما لم يعترف به. قال: والثاني يعتق بدفع القيمة؛ لأنه جاء في بعض الروايات عنه ﷺ أنه قال: "إِذَا كَانَ العَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ: فَإِنْ كَانَ مُوسِراً يُقَوَّمْ عَلَيْهِ قِيمة عَدْل، لا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ، ثَمَّ يَعْتِقُ"، خرجه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود. [ولأنه يعتق بعوض ورد الشرع به؛ فلا يسبق وقوع العتق دفع العوض، كالكتابة] ولأنه إزالة ملك لدفع الضرر؛ فلا يتقرر إلَّا بأداء العوض، كالشفيع يملك الأخذ بالشفعة، ولا يتقرر الملك حتى يدفع المال. ولأنه إنما يقوّم عليه نظراً للشريك، ولا نظر له في إزالة ملكه قبل أن يصل إلى عوضه، وهذا ما نص عليه في القديم، وفي الجديد أيضاً.

стр. 5917

قال: فإن اختلفا في القيمة، أي: على هذا القول، "فالقول قول الشريك"؛ لأن المعتق يريد نزع ملكه بما يبذله؛ فكان القول في العوض قول الشريك؛ كالمشتري مع الشفيع، وعلى هذا القول فروع أخر. أحدها: قال الماوردي: هذا التقويم هل يجري مجرى البيع أو مجرى قيمة مستهلك؟ فيه وجهان: أحدهما- وهو قول المزني وبعض المتأخرين-: أنه تقويم مستهلك. والثاني- وهو قول شاذي المتأخرين-: أنه يجري مجرى البيع. الثاني: لو مكن المعتق الشريك من قبض القيمة، فلم يقبضها- لا يحصل العتق، وعن بعض أصحابنا: أنه يحصل، [ويملك ما بذل له، كما صرّح به الماوردي وقال: إنه- على الوجهين معاً- لو أبرأ الشريك من القيمة لم يبرأ بها] المعتق؛ لأن وقوع العتق بدفع القيمة، وليس الإبراء دفعاً، ويفارق عتق المكاتب بالإبراء عن النجوم؛ لأنها تثبت عن تراضٍ فشابهت الديون، وهذا العتق عن إجبار يغلب فيه حكم العتق بالصفة. الثالث: [للشريك مطالبة المعتق بالقيمة] فإن لم يطالبه كان للعبد مطالبته؛ لدفع القيمة [ليحصل له العتق]؛ لما روى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَعْتَقَ مَمْلُوكاً بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ، فَعَلَيْهِ [خَلَاصُهُ] "، فلو سكت العبد [أيضاً]، قال المصنف والماوردي: كان للحاكم المطالبة بذلك؛ لما في العتق من حق الله تعالى. وفي "تعليق" القاضي الحسين بعد حكاية ما "حكيناه" عن المذهب: أن مطالبة الشريك له تحتمل أن تتخرج على أن تصرفاته هل تنفذ أم لا؟ فإن قلنا: [لا]

стр. 5918

[ينفذ، خيّره] وإلَّا فلا، وهذا الاحتمال اقتصر عليه الإمام. ولو مات المعتق قبل أداء القيمة، أخذت من تركته، صرّح به الماوردي [في أوائل الكتاب. الرابع: لو كان المعتق أمة، فوضعت قبل دفع القيمة، كان نصف ولدها حرّاً ونصفه رقيقاً، ويعتق مع أمه عند دفع القيمة كما صرّح به الماوردي] ولو ضرب بطنها فأجهضت الجنين، وجب فيه نصف دية جنين [حر ونصف دية جنين] مملوك، ويملك الشريك ما وجب برقّه، ولا يضمن المعتق حصة الشريك من الجنين وجهاً واحدأً. الخامس: لو أعتق الشريك حصته قبل أداء القيمة عتقت عند ابن أبي هريرة؛ لأن عتقه صادف ملكه وهو من أهل العتق، والأصح- وبه قال الجمهور من أصحابنا-: لا؛ لتعلق حق السراية واستحقاق الولاء. وقاسه الماوردي وابن الصباغ على ما إذا عتقت الأمة تحت عبد، ثم طلقها زوجها قبل الفسخ- لم يقع الطلاق في الحال وإن كان مالكاً للبضع؛ لما في وقوع طلاقه من إبطال حق الزوجة من الفسخ. قال ابن الصباغ: وهذا الدليل لا يسلمه المخالف، ويحتاج المستدل به أن يبيّنه بالخبر المروي. قال القاضي الحسين: والخلاف في نفوذ بيعه مرتب على الخلاف في نفوذ عتقه، وأولى بالمنع، وبه جزم الشيخ أبو محمد؛ لأن العتق يحصل مقصود العبد من الحرية، [بخلاف البيع] [ثم] إذا جوزنا البيع، قال القاضي: كان للمعتق أن يختار فسخ البيع؛ لأنه يستحق تملكه بالقيمة، كما قلنا فيما إذا باع المشتري الشقص المشفوع، ولو مات العبد قبل أداء القيمة ففي استحقاق الشريك القيمة وجهان، [أصحهما في "تعليق" القاضي الحسين: لا، فإن قلنا: يستحق القيمة، فهل نحكم

стр. 5919

بحصول العتق قبل الموت؟ فيه وجهان] في "الحاوي"، المذكور منهما في "النهاية": الحصول. قال: والثالث: أنه موقوف: فإن دفع القيمة حكمنا بأنه عتق في الحال، وإن لم يدفع حكمنا بأنه لم يعتق؛ لأنا لو قلنا [بالأول لأضررنا بالشريك؛ فإن المعتق قد يعسر أو يغيب فيتعذر على الشريك العوض، ولا مستدرك له، ولو قلنا بالثاني لأضررنا بالعبد؛ لأن أحكامه تكون أحكام الرقيق؛ فقلنا] بالوقف نظراً لهما، وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب قولاً مخرجاً، وقال الشيخ أبو حامد وجماعة: إنه منصوص كالقولين الأولين. وقال في "الحاوي": إنه نَصَّ عليه في "البويطي" و"حرملة"، وهو أشبه. فعلى هذا: جميع الأحكام موقوفة أيضاً. ولو مات العبد قبل أداء القيمة- وجب دفعها وجهاً واحداً، قال الماوردي: لأن دفعها يوجب تقدم عتقه باللفظ. [ولو اختلفا في القيمة فالقول قول الشريك، وهذه طريقة الماوردي]، وقد أطلق بعض الأصحاب حكاية القولين فيمن القول قوله في القيمة من غير بناء. وحكى القاضي الحسين: أن القفال بناهما على أنه: إذا اشترى عبدين، وتلف أحدهما في يده، [وأراد أن يرد الباقي بالعيب، وجوزنا تفريق الصفقة في الرد]، فاختلفا، فقال المشتري: كانت قيمة التالف خمسمائة، وقيمة الباقي ألفاً فرد على الثلثين من الثمن، وقال البائع: بل قيمة التالف [ألف]؛ فلا أرد إلَّا الثلث، وفيمن القول قوله قولان: قال الإمام: وهذا البناء ليس كما يؤثره؛ فإن تلك القيمة ليست قيمة معروفة، والقيمة فيما نحن فيه معروفة، والأصل أن يكون القول قول الغارم. وحكى الماوردي أن الربيع قال في "الأم": وفيه قول] آخر: أنهما يتحالفان تحالف املتبايعين. وهو من تخريجه وليس بقول للشافعي- ﵁.

стр. 5920

فرع: إذا أعسر المعتق بعد يساره كان العتق موقوفاً إلى أن يوسر، فإن أيسر ودفع القيمة تبينا نفوذ العتق، وكانت الأكساب في زمن الوقف [للعبد]، وإن مات على الإعسار تبينا بقاءه على الرق، وسلمت الأكساب للشريك الذي لم يعتق، قاله الماوردي. وحكى في موضع آخر من هذا الكتاب: أنه إذا أعسر بعد العتق كان للشريك رفعه إلى الحاكم وطلبه بالقيمة، أو فسخ الوقف في حصته، ويكشف الحاكم عن حاله، فإن ظهر أنه معسر حكم بفسخ الوقف؛ كما يحكم للزوجة بفسخ النكاح إذا أعسر الزوج، وكان للشريك التصرف بما شاء من بيع وغيره. وحكى الإمام عن الشيخ أبي علي: أنه إذا أعسر بعد يساره حالة العتق انطلق الحجر عن الشريك في حصته، حتى إذا أيسر بعد ذلك فلا أثر له؛ لأن الطلبة قد انقطعت عنه بتخلل إعساره، وارتفع حق العتق عن نصيب صاحبه فلا يعود بعود المال، واستصوب الإمام ما قاله من انطلاق الحجر بطرآن الإعسار مع إبداء احتمال فيه، وإلى احتمال آخر جعله أظهر في عود الحق بعود اليسار. فرع إذا قال الشريك: كان المعتق خياراً وقد تلف، وأنكر المعتق- حكى العراقيون فيه طريقين: أحدهما: فيمن القول قوله قولان. والثاني: القطع بأن القول قول الغارم، وهو ما اختاره أبو إسحاق المروزي. ولو ادعى المعتق أن المعتق كان قد تعيب قبل العتق، وأنكر الشريك ففيمن القول قوله أيضاً طريقان: أحدهما: حكاية قولين. والثاني: القطع بأن القول قول الشريك. ولو قال: إنه كان ناقص الخلق فالذي ذهب إليه الأكثرون: أن المصدق الغارم.
следующие страницы →