← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

كفاية النبيه شرح التنبيه في فقه الإمام الشافعي تأليف الإمام الفقيه أبي العباس نجم الدين أحمد بن محمد ابن الرفعة المتوفى سنة٧١٠هـ دراسة وتحقيق وتعليق الأستاذ الدكتور مجدي محمد سرور باسلوم

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المؤلف وصلى الله على محمد وآله, والحمد لله رب العالمين, وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين, وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين, ورضي الله عن الصحابة أجمعين وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين, وسلم تسليما. وبعد؛ فإن العلم من أشرف ما يطلب, وأجل ما يستدر به رزق الله ويجلب, وحسبك ما ورد في أهله من التعظيم. قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾. والفقه من أهم علوم الديانات, والاشتغال به متنوع إلى فروض الأعيان والكفايات, قال الله -وهو أصدق القائلين-: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين﴾. وقال سيد المرسلين: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". أما كتاب "التنبيه" للشيخ الإمام علم الأعلام جمال الإسلام أبي إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي المعروف بـ"الشيرازي" كتابا زكا أصله, فنما فرعه, واشتهر فضله, فعم نفعه؛ لصلاح سريرة مؤلفه وجميل قصده, وتوفير نيته, وورعه وزهده, استخرت الله تعالى وعلقت عليه شيئا ينتفع به الطلاب, وأرجو به جزيل الأجر والثواب, وتوسطت فيه طرفي التقليل والإسهاب, لينحل به مشكله ويفهم

стр. 4

معناه, ويظهر به ما أراده بمنطوقه وفحواه, ويتحقق به المتعنت السائل صدق قوله, وإذا قرأه المبتدئ وتصوره تنبه به على أكثر المسائل. وسميته لذلك "كفاية النبيه", وهو في الحقيقة بداية الفقيه, وحقيق لمن صدق هذا القول أو ينفيه ألا يعجل وينعم فيطالع ما فيه, فظني أنه مستودع لأكثر ما في الكتب المنثورة من المنقول, والفوائد والمأثور. وقد اعتمدت في المنقول أن أشير إذا كان مذكورا في مظنته من كتاب مشهور, وأن أعزيه إلى قائله أو محله إن نقل ذلك لكيلا يتمادى إنكاره الجاهل المغرور, وتارة أعزيه إلى كتاب كبير مع أنه في كتاب صغير, لتعلم بظافر [تضافر] النقل عليه, فينتفي تطرق الاحتمال عليه. وقد اعتمدت في تجريد الفوائد وترتيب القواعد أن أذكرها في معرض السؤال بعد كلام الشيخ عن تلك المقاصد, وكثيرا ما أذكر قولا أو وجها في مسألة ثم أقول: ويتجه أو ينبغي طرد ذلك في كذا مما هو شبيه بالمسألة, ولست أروم بذلك تخريج وجه, ولكن أقوله تقوية للجمع بين المسألتين, وطلبا للفرق بين المأخذين, فقد قيل: ينبغي لمن حاول الخوض فيما سبق إليه أن يعتمد خمسة أمور: جمع مفترق, وإيضاح متعلق, وإيجاز مطول, واختراع مستجد. وبالجملة، فكل مأخوذ من قوله ومتروك، إلا من عصمه الله, فنسأل الله التواب أن يهدينا للصواب, ويسامحنا يوم الحساب, إنه على كل شيء قدير, وبالإجابة جدير.

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الطهارة الكتاب -في اللغة-: مأخوذ من الكَتْب, وهو الضم, يقال: تكتب بنو فلان إذا اجتمعوا, ومنه قيل لجماعة الخيل: كتيبة, وللكتابة بالقلم: كتابة, [لاجتماعها على الحروف]. والطهارة -في اللغة-: النظافة وإزالة الأقذار. وفي الاصطلاح: رفع حدث أو إزالة نجس.

стр. 6

قال الشيخ محي الدين النواوي: أو ما في معناهما, وهو تجديد الوضوء والأغسال المسنونة، والغسلة الثانية والثالثة في الوضوء والنجاسة، والتيمم وغير ذلك, لا يرفع حدثا, ولا يزيل نجسا, ولكنه في معناه. قلت: وفي هذا نظر؛ لأن ما لا يرفع حدثا ولا يزيل نجسا ليس في معنى ما يفعل ذلك, فكيف يلحق به؟! , فلا جرم عدل بعضهم عن هذه العبارة وقال: هي عبارة عن فعل ما تستباح به الصلاة من: وضوء أو غسل أو تيمم أو إزالة نجاسة عن بدن أو ثوب أو محل. وهذه العبارة أقرب من التي قبلها, لكن فيها تجوز, لأن الطهارة فعل شرعي كالنجاسة, وإطلاقها على فعل الوضوء ونحوه من باب إطلاق المتعلِّق على المتعلَّق, كما ذكره الشيخ في باب إزالة النجاسة. وقد يظن أن هذه العبارة لا تشمل الغسلة الثانية والثالثة في الوضوء والنجاسة, وليس كذلك؛ فإن التثليث في الوضوء وإزالة النجاسة صفة لهما, فاندرج فيهما. والتحقيق ما قاله القاضي الحسين في باب نية الوضوء: إن الطهارة

стр. 7

الشرعية رفع الحدث وإزالة النجاسة, لأن الطهارة مصدر طهر, وذلك يقتضي رفع شيء, والشرع لم يرد باستعمال لفظ الطهارة في غير رفع الحدث وإزالة النجس, فاختص الاسم بهما, وإطلاق حملة الشرع على الوضوء المجدد والأغسال المسنونة: طهارة - من مجاز التشبيه؛ لأن الوضوء المجدد شبيه بالوضوء الرافع للحدث في صورته مع أنه عبادة يشترط فيها النية, وكذلك الأغسال المسنونة شبيهة بالغسل الرافع لحدث في صورته وكونه عبادة تفتقر إلى النية. وإطلاقهم على التيمم: طهارة، مجاز أيضا, وهو كإطلاقه ﵇ على التراب وضوءًا, ومعلوم أنه ليس بوضوء, ولكن لما قام مقامه سماه باسمه, وكذا نقول في التيمم لما قام مقام الطهارة في إباحة الصلاة سمي باسمها. وبعضهم لاحظ ما ذكرناه من حصر الطهارة الشرعية فيما ذكرناه واستشعر أن التيمم وارد عليه, فأخرجه بقوله: الطهارة بالماء: رفع الحدث أو إزالة النجس.

стр. 8

قال القاضي الحسين: ثم الطهارة على نوعين: عينية وحكمية. فالعينية التي اختص وجوبها بمحل حلولها, وهي إزالة النجاسة. والحكمية: ما يتعدى وجوبها عين محل حلول وجوبها, مثل: الوضوء والغسل وبدلهما.

стр. 9

ومن عد التيمم من أنواع الطهارة قال: الطهارة على قسمين: طهارة عن أحداث, وطهارة عن أخباث. ثم طهارة الأحداث على قسمين: طهارة بالماء, وطهارة بالتراب. وطهارة الأخباث ثلاثة أقسام: طهارة بالمائع، وطهارة بالجامد، وطهارة بالاستحالة. وأراد بالمائع: الماء, وبالجامد: آلة الدباغ لا الاستنجاء بالأحجار , فإنه لا تحصل به الطهارة, بدليل: أنه لو تركه المستنجي في ماء قليل نجسه, ولو حمله مصل لم تصح صلاته على أحد الوجهين, وبالاستحالة: انقلاب الخمر خلا, ولكل قسم من الأقسام أحكام تأتي في مواضعها إن شاء الله تعالى.

стр. 10

باب المياه الباب -في اللغة-: ما يتوصل منه إلى مقاصد يشتمل عليها, وهو مستعمل هنا لافتتاح أحكام مندرجة تحت اسم خاص, وقد يدرج في الباب ما لا تصدق عليه الترجمة؛ لتعلقه بما اشتملت عليه من وجه ما، كما ستعرفه. والمياه: جمع ماء, وإنما جمعه -وإن كان اسم جنس ينطلق على الكثير والقليل- لاختلاف أنواعه, وهي ثلاثة: طهور، وطاهر، ونجس: فالطهور: هو الطاهر في نفسه، الصالح لتطهير غيره, المسمى في الكتاب بالماء المطلق, وهو منقسم إلى مكروه وغيره. والطاهر: هو الطاهر في نفسه غير صالح لتطهير غيره, كالمتغير بمخالطة ما لا يستغني عنه, أو بمجاورته على قول, أو مستعمل على قول.

стр. 11

والنجس: هو الذي لا يجوز استعماله. قال: قال الله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾، بدأ الشيخ ﵀ بهذه الآية؛ لأمرين: أحدهما: تبركا بالكتاب العزيز. والثاني: اقتداء بالمزني؛ فإنه كذا فعل, ولفظه: "قال الشافعي: قال الله تعالى ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ "، وفعل ذلك ليُعلِم أن الشافعي هو المحتج بالآية لا هو نفسه, وفي الحقيقة فالمقتدى به هو الشافعي, قيل: فكانت عادته أنه إذا أراد أن يصدر بابا، فإن كان في ذلك الباب آية تلاها, وإن كان هناك سنة رواها, وإن كان هناك أثر حكاه, ثم رتب عليه مسائل الباب.

стр. 12

واختص هذه الآية بالذكر، وإن كان في الباب أصرح منها في الدلالة على مقصوده, وهو قوله تعالى: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾ لإفهامها معنى زائدا, وهو أن الطهور ما كان طاهرا في نفسه، وصلح لتطهير غيره, لا أنه هو الطاهر, كما صار إليه الأصم وابن داوود، وبعض متأخري أصحاب أبي حنيفة، وطائفة من أهل اللغة، كما قال أبو الطيب. وتدل عليه الآية الأخرى؛

стр. 13

فإن المطلق يحمل على المقيد عند اتحاد الواقعة بلا خلاف. وقد ادعى المحاملي أن الدلالة عليه من الآية نفسها؛ فإنه تعالى لو اقتصر على قوله: ﴿وأنزلنا من السماء ماء﴾ لتعلقت الطهارة به, فإن ذلك مسوق في معرض المنة, ويستحيل أن يمن الله تعالى بما ليس بطاهر, فوجب حمل قوله: ﴿طهورا﴾ على التطهير، لا على الطهارة, وإلا كان غير

стр. 14

مفيد معنى زائدا, وقد وردت السنة بما يعضده, روى الشافعي بسنده أن قوما سألوا النبي ﷺ : إنا نركب البحر، ونحمل القليل من الماء, فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضا بماء البحر؟ فقال: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"، وقد أخرجه غيره, وقال الترمذي: إنه حسن صحيح.

стр. 15

ووجه الدلالة منه أنه لو لم يكن بمعنى: مطهر, لم يكن مجيبا لسؤالهم, ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة, ولذلك قال ﵇: (الحل ميتته)؛ فإنهم لما جهلوا جواز الطهارة بمائه مع وضوحه بقوله: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ وقوله: ﴿فسلكه ينابيع في الأرض﴾ - كانوا بحل ميتته أجهل؛ لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ...﴾. وقد قيل: ذكره لفائدة تعود على الماء، وهو أنه لا ينجس بموت حيواناته فيه؛ لأنه حلال, وقال ﵇: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعا) أي: مطهر إناء أحدكم.

стр. 16

وقال ﵇: (جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا) ومعلوم أن

стр. 17

التراب طاهر في نفسه, فلو لم يكن بمعنى مطهر، لما كان له ﵇ خصوصية به دون غيره.

стр. 18

فإن قيل: قد ورد طهور بمعنى: طاهر، في قوله تعالى: ﴿وسقاهم ربهم شرابا طهورا﴾ [الإنسان: ٢١] فإن أهل الجنة لايحتاجون إلى التطهير، وليس هناك حدث ولا خبث يزال، وقال جرير في صفات بعض النسوة: [من الطويل] .................... ... عذاب الثنايا ريقهن طهور والريق لا يتطهر به. فجوابه: أنه تعالى وصف شراب أهل الجنة بأعلى صفات شراب أهل الدنيا، وهو المتطهر به، وإن كان أهل الجنة غير محتاجين إلى التطهير. وقول جرير حجة لنا, لأنه قصد تفضيلهن على غيرهن, ولو أراد به معنى: طاهر, لم يكن لوصفه إياهن بذلك مزية على غيرهن من النسوة. فإن قيل: لو كان كما قلتم لاقتضى جواز تكرار الطهارة به، لأن طهورا من أبنية المبالغة كالصبور والشكور، فإنه اسم لمن تكرر منه ذلك. قلنا: سنذكر جوابه آخر الباب.

стр. 19

تنبيه: الطهور -بفتح الطاء-: ما يتطهر به، وبالضم: المصدر، بمنزلة: التطهر. وكذلك [الوَضوء] والوُضوء. قال: ولا يجوز رفع حدث ولا إزالة نجس إلا بالماء المطلق, وهو ما نزل من السماء, أو نبع من الأرض على أي صفة كان من [أصل] الخلقة. الجواز -في اصطلاح الفقهاء؛ كما قال بعضهم-: إذا أضيف إلى العقود كان بمعنى الصحة, وإذا أضيف إلى الأفعال كان بمعنى رفع الحرج. قلت: وهو هنا بمعنى الصحة ورفع الحرج, إذ من أمر [غير] الماء على أعضاء طهارته بنية الوضوء أو الغسل لا يصح وقد حرج, لأنه تقرب بما ليس موضوعا للتقرب به, فعصى لتلاعبه, وستعرف سر ذلك في باب الحيض. والفصل يشتمل على مسألتين: إحداهما: رفع الحدث أصغر كان أو أكبر. والثانية: إزالة النجس: المغلظ منه: وهو نجاسة الكلب ونحوه، والمخفف: وهو بول الغلام الذي لم يطعم، وما بينهما. واقتضى الفصل اشتمال كل مسألة على حكمين: أحدهما: جوازه بما نزل من السماء، وهو ماء المطر وذوب الثلج والبرد، وما نبع

стр. 20

من الأرض: وهو ماء البحار [وماء الأنهار وماء الآبار]. والثاني: عدم جوازه بغير ذلك. فالدليل على الجواز فيهما بما نزل من السماء، قبل الإجماع. من الكتاب قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ [الفرقان: ٤٨] وقوله تعالى: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم﴾ [الأنفال: ١١] فإن قلت: هذا يدل على الجواز بما نزل [من السماء] ماء لا ثلجا وبردا- قيل: الثلج والبرد إنما ينزل من السماء والجمود يعرض له في الهواء، كما يعرض له على وجه الأرض، وقد روي أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه: " اللهم اغسلني بماء الثلج والبرد وطهرني كما يطهر الثوب الأبيض من الدنس" رواه البخاري ومسلم.

стр. 21

وروي أنه قال: " اللهم طهرني بماء الثلج والبرد". ولاتتحقق الاستعارة بذلك

стр. 22

عن التطهير من الذنوب ما لم يكن [ذلك] مطهرا. نعم، لايكفي في رفع الحدث وإزالة الخبث إمرار الثلج [والبرد] على المغسول من الأعضاء ما لم [يكن] الهواء حارا فيذوب حالة الإمرار ويجري عليها، ويكفي في الممسوح منها. وفي الحاوي وجه آخر: أنه لايكفي فيها أيضا، لأنه لا يعد ماسحا. [والدليل على الجواز] فيهما بما نبع الأرض فعله ﷺ وقوله: روي أنه توضأ من بئر بضاعة، ومن بئر رومة، ومن بئر زمزم، وقال في البحر: "هو الطهور ماؤه"، قال الشافعي: وهذا الخبر نصف علم الطهارة. قال المارودي: وهو لعمري صحيح، لأن هذا الحديث دل على طهارة ما نبع من

стр. 23

الأرض، والآية دالة على طهارة ما نزل من السماء، والماء لا يخلو أن يكون نابعا من الأرض أو نازلا [من السماء]. والقاضي أبو الطيب استدل على جواز ذلك بما نبع من الأرض بالآيتين، معتقدا أن ما نبع من الأرض نازل من السماء، لقوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض﴾ [الروم: ٢١] , وقوله: ﴿وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض﴾ [المؤمنون: ١٨] , وإذا صح له هذا الاستدلال أمكن أن يستدل بقوله - عليه السلام -في البحر: "هو الطهور ماؤه" وبوضوئه بماء البئر -على جواز التطهر بما نزل من السماء؛ لأن ملابسته للأرض لا تكسبه وصف الطهارة والله أعلم. والدليل على عدم جواز رفع الحدث بغيره قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾ [النساء: ٤٣] , والدلالة منها من وجهين: أحدهما: أنه أوجب التيمم على من لم يجد الماء، والمستعمل لغيره مخالف للأمر، فلم يخرج عن العهدة. والثاني: أنه جوز فعل التيمم عند عدم الماء، ومن جوز استعمال غيره يمنعه منه عند وجود ذلك الغير [وفقد الماء. ولأن ما عدا الماء مائع لا يطلق عليه اسم الماء]؛ فلم تجز الطهارة به كالدمع. وهذا استدلال على من جوزه في السفر بسائر المائعات في السفر والحضر مع وجود الماء وعدمه، وهو الأصم. أما حجتنا على من جوزه في السفر بنبيذ التمر المطبوخ المسكر عند فقد الماء، وهو أبو حنيفة – كما قال القاضي أبو الطيب والماوردي وغيرهما من الأئمة _

стр. 24

فالقياس، وهو أنه شراب فيه شدة مطربة؛ فلم تجز الطهارة به كالخمر، أو لأنه مائع لايتناوله اسم الماء؛ فلم يجز رفع الحدث به [كالخل، ولأن ما لا يجوز رفع الحدث به في الحضر ومع وجود الماء: لا يجوز به] في السفر عند فقد الماء كسائر المائعات. فإن قيل: قد روى عبد الله بن مسعود قال: كنت مع النبي ﷺ ليلة الجن فقال:"أمعك ماء؟ " فقلت: لا، معي نبيذ، فأخذه، وتوضأ به، وقال: "تمرة طيبة وماء طهور". فجوابه: أنه روي عن ابن عباس ﵁ -أنه أنكر كونه مع النبي ﷺ ليلة الجن، ثم لو سلم من ذلك لم تكن فيه حجة، لأنه من رواية مولى عمرو بن حريث وهو مجهول. ولو سلم من ذلك، لقلنا: هذه زيادة في نص القرآن، والزيادة في [نص القرآن] عند أبي حنيفة [نسخ] ولا ينسخ القرآن [بأخبار الآحاد].

стр. 25

ولو سلم من ذلك كله، لقلنا: إنه منسوخ؛ لأن ليلة الجن كانت بمكة، وآية التيمم نزلت بعد الهجرة. أو نحمله على أن الذي كان مع ابن مسعود ماء نبذ فيه تمر ليعذب، فهو منبوذ، وقد عبر عن المنبوذ بالنبيذ؛ كمايقال: قتيل بمعنى: مقتول، ويؤيده قوله -عليه السلام_:"تمره طيبة وماء طهور"، فوصف شيئين ليس النبيذ واحدا منهما. وإذا عرفت ماذكرناه من مذهب الأصم وأبي حنيفة عرفت أن دعوى الغزالي الإجماع على اختصاص الماء برفع الحدث غير سالمة من نزاع.

стр. 26

[نعم]، قد قيل: إن أبا حنيفة قد رجع [عن ذلك] , والأصم مسبوق بالإجماع؛ فثبت ما قاله. ومنهم من يقول في الجواب: أبو حنيفة لا يخالف في أن الأصل في رفع الحدث الماء، وإنما الوضوء بنبيذ التمر رخصة عنده من رخص السفر، وإذا كان كذلك صح إطلاق الإجماع على اختصاص طهارة الحدث به؛ كما يقال: الميتة حرام بالإجماع، وإن أحلت رخصة عند الضرورة. والدليل على عدم جواز رفع الخبث بغيره: ماروي أنه ﷺ لما سئل عن دم الحيض يصيب الثوب قال:"تحته ثم تقرصه [بالماء] ثم تنضحه، ثم تصلي فيه"

стр. 27

أخرجه البخاري. وما روي أنه- ﵇ -قال حين بال الأعرابي في المسجد: "صبوا عليه ذنوبا من ماء" وهذا أمر باستعمال الماء، والمأمور لا يخرج

стр. 28

عن الأمر [إلا] بامتثاله، وبهذا الطريق ينبغي أن يكون الاستدلال بما ذكرناه، [لا] بمفهوم اللقب، الذي لم يقل بأنه حجة إلا الدقاق.

стр. 29

أو نقول: الذي نص الشرع [على استعماله] في إزالة الأنجاس الماء، وذلك إما تعبد لا يعقل معناه؛ كما اختاره الإمام، أو معقول المعنى؛ كما قال الغزالي: إنه الأقرب. فإن كان الأول [لم يحسن] إلحاق غيره به، وإن كان الثاني ففي الماء من الرقة واللطافة والتفرد في التركيب ما لا يشاركه فيه [غيره من بين] سائر المائعات؛ فيمتنع إلحاقها به، ولأن إزالة النجس طهارة تراد للصلاة، أو تستباح الصلاة بها؛ فاختصت بالماء من بين سائر المائعات كالوضوء. تنبيه: قول الشيخ:"على أى صفة كان من أصل الخلقة"، أراد به -والله أعلم-: ما خلقه الله عليه من ملوحة، وعذوبة، وغير ذلك. وفيه تنبيه على أن ملوحة الماء خلقة لا من [أجزاء سبخة] من الأرض، كما قال الغزالي. وبعضهم يقول: أرادبالصفة: البياض، والحمرة، والصفرة، ونحو ذلك. وفيه نظر؛ لأن هذه الألوان تعرض له قطعا، بل قيل: إن الماء لا لون له، وما يظهر به من لون فهو لون ظرفه أو ما يقابله؛ لأنه شفاف. وقد اعترض بعضهم على ما ذكره الشيخ من تفسير الماء المطلق الذي حصر جواز الطهارة فيه، فقال: الماء اليسير إذا وقعت فيه نجاسة وكذا المستعمل في الحدث والخبث -إذا لم يتغير -باق على وصف خلقته، ولا يجوز الطهارة به على الأصح.

стр. 30

والمتغير بطول المكث تجوز الطهارة به عندنا وإن تغير عن وصف خلقته، وكذا ما تغير بالمجاورة -بلا -تجوز الطهارة [به] على أصح القولين. فالعبارة السديدة أن يقول: الماءالمطلق: ماينطلق عليه اسم الماء من غير تقييد لازم. واحترزنا باللازم من غير اللازم كالإضافة إلى مقره أو مجراه. ومنهم من يقول: المطلق ما يتبادر إليه الفهم عند إطلاق اسم الماء. قلت: وهذان التعريفان صحيحان، وكذا ما ذكره الشيخ. ولا نسلم أنه مراده؛ بل المراد ما ذكرناه، وأما الألوان والأحوال فقد تعرض لحكمها في الباب وأشار إلى أن التغير بما لا يستغنى عنه لا يؤثر -كما سنبينه – والمتغير بطول المكث من هذا النوع. ثم لنا أن نجري لفظ الصفة على ظاهره، ونقول: أراد كل صفة خلق عليها، ولا نسلم أن الماء القليل الذي وقعت فيه نجاسة ولم تغيره، أو الماء المستعمل -باق على وصف خلقته؛ لأن النجاسة والاستعمال وصفان قد تجددا له، والمتغير بطول المكث ونحوه لما استشعر إيراده على لفظه أخرجه بقوله: يستغني الماء عنه، وقد أفهم كلام الشيخ أمورا: أحدها: أنه لا فرق في عدم [جواز التطهير] بما عدا الماء بين أن يكون

стр. 31

[خالصا] أو مختلطا بالماء، غالبا عليه أو مغلوبا، ولم يختلف أصحابنا فيما إذا كان غالبا على الماء أنه لا تجوز الطهارة به. قال الإمام: وكذا لو كان مغلوبا ولو قدر لونه مخالفا للون الماء لغيره، هذا لا بوافقه عليه العراقيون. نعم، اتفقوا – كما قال الإمام وغيره -على جوازه بالمختلط إذا كان مغلوبا، ولو قدر مخالفة صفاته لصفات الماء لم تغيره وبقي مقدار المائع، ومثلوا ذلك بما إذا كان معه أربعة أرطال ماء، فصب عليه رطل ماء ورد، وهو يحتاج إلى أربعة أرطال -فإنه يجوز أن يستعمل قدر اربعة أرطال. نعم، لو استعمل الجميع في هذه الحالة فهل يجوز؟ فيه وجهان، المشهور منهما: الجواز. ولو كان يحتاج في طهارته إلى الخمسة ففي جواز استعمال الجميع وجهان مرتبان، وأولى بالمنع. والمذكور في الحاوي وغيره فيما إذا بقى قدر المائع: الجواز، وفيما إذا استعمل الجميع عن الشيخ أبي حامد والجمهور: أنه يجوز كما لو بقي قدر المائع؛ فإنه مستهلك فيه في الحالين، وهذا ماحكاه الإمام عن العراقيين وأنهم صححوه. وعن أبي علي في " الإفصاح" وطائفة كما قال الماوردي: أنه لا يجوز، وهو الذي صححه القاضي أبو الطيب والشيخ أبو محمد؛ لأنه تيقن الطهارة

стр. 32

بغير الماء، ولا كذلك في الحالة قبلها. الثاني: جواز الطهارة بالماء الذي ينعقد منه الملح، ولا خلاف فيه إذا كان انعقاده بسبب سبوخة في الأرض مثل: أن نزل من السماء على أرض سبخة من شأنها أن تعقده ملحا؛ فتجوز الطهارة به قبل انعقاده. وأما ما ينعقد بنفسه ملحا، ففي جواز الطهارة به وجهان: أحدهما – وهو المشهور-:نعم؛ لما ذكرناه. والثاني – حكاه الماوردي عن أبي سهل الصعلوكي والقاضي الحسين وغيره وعن القفال -: أنه لايجوز؛ لأن طبعه خلاف طبع الماء؛ [فإن الماء] يجمد في الشتاء، ويذوب في الصيف، وهذا على عكس. الثالث: جواز الطهارة بالمتصاعد من الماء بالنار، كما إذا أغلي الماء، وغطي رأس القدر؛ فإنه يصعد إلى الغطاء بخار يتولد منه رشح، وهو في الحقيقة ماء، وبهذا

стр. 33

استدل لما ادعاه الغزالي من أن ملوحة الماء بسبب سبوخة في الأرض؛ فإن المتصاعد يكون عذبا بسبب رسوب السبخ، وهذا ماحكاه فب الروضة وجها، وقال: إن صاحب "التلخيص" اختاره، ورأيته في "تلخيصه" أبداه لنفسه احتمالا، وحكى عن بعض الأصحاب أنه قال: إنه طاهر غير طهور؛ كالعرق. قال: وتكره الطهارة بماء قصد إلى تشميسه – [أي: وشمس]-لكراهة عمر لذلك وقوله: إنه يورث البرص؛ كذا قاله الشافعي، ولفظ عمر؛ كما أخرجه البيهقي من عدة طرق:"لا تغتسلوا بالماء المشمس؛ فإنه يورث البرص" واعتمد الشافعي عليه من

стр. 34

حيث إنه خبر لا تقليد. وعدوله عن التمسك بما رواه الدارقطني عن عائشة ﵂ – أنها قالت:" نهى رسول الله ﷺ أن نتوضأ بالماء المشمس أو نغتسل به" إلى أثر

стр. 35

عمر ﵁ دليل على عدم سلامته من الطعن؛ كما صرح به غيره، وكذا قوله في "المختصر":"لا أكره المشمس إلا من جهة الطب"، مع أنه يحتمل أنه إنما قال ذلك؛ لأنه لم يبلغه الخبر. وفي "المهذب" وغيره حكاية وجه أنه غير مكروه، وقد اختاره في" الروضة" وقال: إنه لم يصح فيه ما ينبغي أن يعتمد عليه، والمشهور الكراهة، ولم يورد الجمهور غيره. ثم الشيخ في عبارته متبع لأبي علي الطبري؛ فإنه قال في "الإفصاح" -وتبعه البندنيجي وابن الصباغ -المكروه أن نقصد إلى تشميس الماء، وأما ما يشمس بنفسه في الأنهار والبرك فلا يكره [التطهر به]؛ فإن الشمس لا تؤثر فيه التأثير المقصود عادة؛ لكثرته، أو لأن الأرض تشرب ما لعله ينفصل منه بالشمس" ومن آخر لفظ صاحب "الإفصاح" يظهر أن مراده بأوله ما يمكن قصد تشميسه

стр. 36

عادة: كما الجرة، والإبريق، والكوز، ونحو ذلك، سواء تشمس بنفسه من غير قصد من المريد للاستعمال، أو بقصد منه، وقد أجراه بعض الأصحاب على ظاهره؛ فاشترط في الكراهة قصد التشميس، ولم يحك في " التتمة" غيره، والإمام نسبه إلى العراقيين، وتمسك قائله بما روي أن عائشة ﵂ – شمست ماء لرسول الله ﷺ -فقال:" لا تفعلي يا حميراء؛ فإنه يورث البرص" ... رواه الدارقطني، وقد حكى الماوردي الوجهين، ورجح الأول، وهو الذي عليه المحققون؛ لأن ما يؤثر شيئا بطبعه لا فرق فيه بين أن يقصد ذلك أو لا، والخبر غير الثابت، ولو صح لم يكن فيه حجة على اشتراط القصد. وظاهر كلام الشيخ يقتضي أمورا: منها: أنه لا فرق في استعماله في الطهارة بين الثوب والبدن، وبعض الأصحاب يقول: إنه يكره في البدن دون الثوب. قال مجلي -تبعا للماوردي وغيره_: وهذا غير معدود خلافا؛ لأن أحدا لا

стр. 37

يقول: يكره في الثوب. ومنها: أنه لا فرق بين أن يكون في الأواني المنطبعة المتخذة من الحديد والنحاس، وغير ذلك مما يمتد تحت المطارق أو غيره: كالخشب والخزف ونحوه، وهو ما يقتضيه إطلاق العراقيين. وقد قيل باختصاص الكراهة بالأواني المنطبعة، وهو ما حكاه الإمام عن الأصحاب. ووجهه: بأن سببه أن حرارة الشمس تفصل من هذه الأواني أجزاء لطيفة تعلو الماء، فإذا لاقت البدن أثرت البرص، ثم قال الإمام: وأنا أقول: يبعد أن ينفصل من إناء الذهب والفضة مع طهارتهما شيء محذور، أي -فينبغي ألا يكره فيهما؛ ولهذا قال الغزالي: ولعله لا يجري في [أواني] الذهب والفضة؛ لصفاء جوهرهما, وهذا ما حكاه المتولي، حيث خص الكراهة بالأواني الصفرية والنحاسية. قال الإمام: وكان شيخي يطرد قوله فيما ينطبع وينطرق، وخص الشيخ أبو بكر النحاس بالاعتبار من بين سائر الأجناس، والذي حكاه القاضي الحسين: تخصيصها بالأواني الصفرية. ومنها: أنه لافرق بين أن يكون في البلاد الحارة: كالحجاز. أو الباردة: كالصين، وهو وجه حكاه الماوردي ورجحه مع وجه آخر، ولم يحك القاضي الحسين والإمام غيره: أن الكراهة تختص بالبلاد الحارة، وأضاف القاضي إلى ذلك أن يكون في الصيف الصائف؛ ليحصل [التأثير] المقصود؛ فإن البلاد الباردة لا تؤثر فيها التأثير المقصود.

стр. 38

ومنها: أنه لا فرق بين أن يكون الإناء مغطى الرأس أو لا، وهو ما يقتضيه إطلاق الإمام وغيره. ومنهم من خصها بحالة تغطية الرأس، ولم يحك القاضي الحسين والمتولي غيره. ومنها: أنه لا فرق بين أن يستعمل في حالة الحرارة أو بعد برده، وللأصحاب وراءه وجهان: أحدهما: أنه لا يكره إذا برد، وهو الأصح في "الروضة". والثاني: إن شهد عدلان من أهل الطب أنه يورث البرص كره، وإلا فلا. قال الاوردي: وهذا لا وجه له؛ لأن الأحكام الشرعية لا تثبت بغير أهل الاجتهاد في الشريعة، ولأن من أهل الطب من يقول: إن المشمس لا يورث البرص. ولا يرجع إلى قوله فيه. قلت: ولعل هذا القائل أخذه من قوله في "المختصر": "فلا أكره المشمس إلا من جهة الطب" فلما أن جعل أصل الكراهة منوطة بالطب، وجب أن نرجع إليه في الوصف؛ [ولذلك] قال بعض الأصحاب: لا يكره المشمس إلا أن يشهد عدلان من أهل الطب أنه يورث البرص. لكن ما نقله المزني قد نسب فيه إاى التخليط وأن لفظ الشافعي قد كره الماء المشمس، وقد كرهه كراهة من جهة الطب، كذا حكاه القاضي الحسين، والروياني

стр. 39

في "تلخيصه" والله أعلم. ومفهوم كلام الشيخ يقتضي أمورا: أحدها: صحة الطهارة بالماء المشمس، وهو مما لا خلاف فيه. والثاني: عدم كراهتها بالماء المسخن بالنار، وهو مما لا خلاف فيه أيضا؛ لأن ابن عباس روى أنه – ﵇ – دخل حماما بالجحفة وهو محرم. وقال شريك: أجنبت وأنا مع رسول الله صل الله عليه وسلم؛ فجمعت حجارة، وسخنت ماء، واغتسلت، فأخبرت النبي صل الله عليه وسلم فلم ينكر علي. ولا فرق بين أن يسخنه بطاهر أو بنجس؛ لأن الأصل عدم

стр. 40

تنجسه به. نعم، إذا اشتدت حرارته [كره]، وكذا الماء الشديد البرد. والثالث: عدم كراهتها بماء زمزم، وهو كذلك؛ لأنه- ﵇ توضأ منه، وقول العباس: لا أحله لمغتسل، لكن لشارب حل وبل – محمول على حاجة احتياج الناس إليه للشرب لكثرتهم. [و] الرابع: أنه لا يكره استعمال المشمس في الأكل والشرب، والماوردي جزم بالقول بكراهة استعماله في البدن على أي وجه كان، وقال في الطبخ: إن كان قد بقي مائعا فيه كره، وإن لم يبق مائعا فيه - كما إذا طبخ به ما لا مرق له، أو عجن به دقيق - فلا.
следующие страницы →