← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عادة: كما الجرة، والإبريق، والكوز، ونحو ذلك، سواء تشمس بنفسه من غير قصد من المريد للاستعمال، أو بقصد منه، وقد أجراه بعض الأصحاب على ظاهره؛ فاشترط في الكراهة قصد التشميس، ولم يحك في " التتمة" غيره، والإمام نسبه إلى العراقيين، وتمسك قائله بما روي أن عائشة ﵂ – شمست ماء لرسول الله ﷺ -فقال:" لا تفعلي يا حميراء؛ فإنه يورث البرص" ... رواه الدارقطني، وقد حكى الماوردي الوجهين، ورجح الأول، وهو الذي عليه المحققون؛ لأن ما يؤثر شيئا بطبعه لا فرق فيه بين أن يقصد ذلك أو لا، والخبر غير الثابت، ولو صح لم يكن فيه حجة على اشتراط القصد. وظاهر كلام الشيخ يقتضي أمورا: منها: أنه لا فرق في استعماله في الطهارة بين الثوب والبدن، وبعض الأصحاب يقول: إنه يكره في البدن دون الثوب. قال مجلي -تبعا للماوردي وغيره_: وهذا غير معدود خلافا؛ لأن أحدا لا

стр. 37

يقول: يكره في الثوب. ومنها: أنه لا فرق بين أن يكون في الأواني المنطبعة المتخذة من الحديد والنحاس، وغير ذلك مما يمتد تحت المطارق أو غيره: كالخشب والخزف ونحوه، وهو ما يقتضيه إطلاق العراقيين. وقد قيل باختصاص الكراهة بالأواني المنطبعة، وهو ما حكاه الإمام عن الأصحاب. ووجهه: بأن سببه أن حرارة الشمس تفصل من هذه الأواني أجزاء لطيفة تعلو الماء، فإذا لاقت البدن أثرت البرص، ثم قال الإمام: وأنا أقول: يبعد أن ينفصل من إناء الذهب والفضة مع طهارتهما شيء محذور، أي -فينبغي ألا يكره فيهما؛ ولهذا قال الغزالي: ولعله لا يجري في [أواني] الذهب والفضة؛ لصفاء جوهرهما, وهذا ما حكاه المتولي، حيث خص الكراهة بالأواني الصفرية والنحاسية. قال الإمام: وكان شيخي يطرد قوله فيما ينطبع وينطرق، وخص الشيخ أبو بكر النحاس بالاعتبار من بين سائر الأجناس، والذي حكاه القاضي الحسين: تخصيصها بالأواني الصفرية. ومنها: أنه لافرق بين أن يكون في البلاد الحارة: كالحجاز. أو الباردة: كالصين، وهو وجه حكاه الماوردي ورجحه مع وجه آخر، ولم يحك القاضي الحسين والإمام غيره: أن الكراهة تختص بالبلاد الحارة، وأضاف القاضي إلى ذلك أن يكون في الصيف الصائف؛ ليحصل [التأثير] المقصود؛ فإن البلاد الباردة لا تؤثر فيها التأثير المقصود.

стр. 38

ومنها: أنه لا فرق بين أن يكون الإناء مغطى الرأس أو لا، وهو ما يقتضيه إطلاق الإمام وغيره. ومنهم من خصها بحالة تغطية الرأس، ولم يحك القاضي الحسين والمتولي غيره. ومنها: أنه لا فرق بين أن يستعمل في حالة الحرارة أو بعد برده، وللأصحاب وراءه وجهان: أحدهما: أنه لا يكره إذا برد، وهو الأصح في "الروضة". والثاني: إن شهد عدلان من أهل الطب أنه يورث البرص كره، وإلا فلا. قال الاوردي: وهذا لا وجه له؛ لأن الأحكام الشرعية لا تثبت بغير أهل الاجتهاد في الشريعة، ولأن من أهل الطب من يقول: إن المشمس لا يورث البرص. ولا يرجع إلى قوله فيه. قلت: ولعل هذا القائل أخذه من قوله في "المختصر": "فلا أكره المشمس إلا من جهة الطب" فلما أن جعل أصل الكراهة منوطة بالطب، وجب أن نرجع إليه في الوصف؛ [ولذلك] قال بعض الأصحاب: لا يكره المشمس إلا أن يشهد عدلان من أهل الطب أنه يورث البرص. لكن ما نقله المزني قد نسب فيه إاى التخليط وأن لفظ الشافعي قد كره الماء المشمس، وقد كرهه كراهة من جهة الطب، كذا حكاه القاضي الحسين، والروياني

стр. 39

في "تلخيصه" والله أعلم. ومفهوم كلام الشيخ يقتضي أمورا: أحدها: صحة الطهارة بالماء المشمس، وهو مما لا خلاف فيه. والثاني: عدم كراهتها بالماء المسخن بالنار، وهو مما لا خلاف فيه أيضا؛ لأن ابن عباس روى أنه – ﵇ – دخل حماما بالجحفة وهو محرم. وقال شريك: أجنبت وأنا مع رسول الله صل الله عليه وسلم؛ فجمعت حجارة، وسخنت ماء، واغتسلت، فأخبرت النبي صل الله عليه وسلم فلم ينكر علي. ولا فرق بين أن يسخنه بطاهر أو بنجس؛ لأن الأصل عدم

стр. 40

تنجسه به. نعم، إذا اشتدت حرارته [كره]، وكذا الماء الشديد البرد. والثالث: عدم كراهتها بماء زمزم، وهو كذلك؛ لأنه- ﵇ توضأ منه، وقول العباس: لا أحله لمغتسل، لكن لشارب حل وبل – محمول على حاجة احتياج الناس إليه للشرب لكثرتهم. [و] الرابع: أنه لا يكره استعمال المشمس في الأكل والشرب، والماوردي جزم بالقول بكراهة استعماله في البدن على أي وجه كان، وقال في الطبخ: إن كان قد بقي مائعا فيه كره، وإن لم يبق مائعا فيه - كما إذا طبخ به ما لا مرق له، أو عجن به دقيق - فلا.

стр. 41

وفي" الجيلي" حكي هذا وجها ثالثا في المسألة والله أعلم. تنبيه: يقال: قصدت له، وقصدته، وقصدت إليه، ثلاث لغات مخففات، وقد ثبتت [الثلاث لغات] في "صحيح مسلم" في حديث واحد في اقل من سطر، في أوائل كتاب الأيمان. قال: وإذا تغير الماء بمخالطة طاهر يستغني الماء عنه كالزعفران والأشنان، لم تجز الطهارة به؛ لأنه تغير بمخالطة ما ليس بطهور، والماء مستغن عنه غالبا؛ فلم تجز الطهارة به كماء الباقلاء. وقد أفهم قيد"التغيير" الاحتراز عما إذا لم يتغير به؛ فإنه لا يضر اختلاطه به، ولفظ "المخالطة": الاحتراز عن التغير بالمجاورة، وسيأتي حكمه. ولفظه طاهر: الاحتراز عما إذا تغير بالطهور؛ كالماء العذب إذا تغير بالماء الملح وعكسه، أو الماء إذا تغير بالتراب المطروح فيه قصدا؛ فإنه لا يمنع الطهارة به عند العراقيين وصاحب" الكافي"، وهو أصح الوجهين في "الحاوي"، وكتب المراوزة؛ لأمره ﵇ -باستعمال في الغسل من ولوغ الكلب؛ إذ لو كان يسلب الطهورية لما أمر به.

стр. 42

ومنهم من يعلل ذلك بأن التراب مجاور له لا مخالط؛ فإنه يرسب بعد ساعة عنه، والإمام حكى خلافا في أن التراب يخالط [الماء] أو يجاوره، ثم قال: فإن قلنا: إنه يخالطه، ففي سلب الطهورية به إذا طرح قصدا، الخلاف. وقد زعم بعض الشارحين أن الشيخ احترز بلفظ"طاهر" عن النجس، وفيه نظر؛ لأن الاحتراز يكون عما يخالف المدعى في المسألة، والمدعى هنا: عدم جواز الطهارة به، والنجس يشاركه في ذلك. ولفظ "يستغني [الماء] عنه": الاحتراز عما لا يستغني عنه في مجراهىومقره، مثل: أن يجري على معادن الزرنيخ والكبريت والكحل والنورة، أو يستقر بعد جريانه في موضع ذلك، أو ينبع فيه-فإنه لا يسلبه الطهورية؛ لتعذر الاحتراز منه. وفي رواية الصيدلاني وجه: أن ما تغير بالمخالطة لا يجوز التوضؤ به، وإن كان مما يتعذر الاحتراز عنه في بعض المياه؛ لأن التغير بالاختلاط في حكم انقلاب الجنس؛ فكأن الماء خرج عن كونه ماء. وفي "الكافي" إشارة إلى أن التغير بمخالطة ما يستغني عنه تغيرا فاحشا بحيث لا يفهم هو في ذكر الماء المطلق -أنه يجوز الطهارة به على وجه، والمشهور الذي لم

стр. 43

يورد العراقيين غيره: الأول؛ لتعذر الاحتراز. ومن هذا القبيل تغيره بطول [المكث]؛ لما ذكرنا، وهذا مما لا خلاف فيه وإن أفهم كلامه في "الوسيط" خلافا فيه، ومحله إذا لم يعارضه ما يمكن إحالة الحكم عليه أما إذا عارضه: بأن رأى ظبية تبول في ماء كثير، واحتمل أن يكون تغيره بطول المكث، أو ببول الظبية، فهو نجس، نص عليه الشافعي، قال الإمام: وفيه احتمال لا يخفى على متأمل. وفي "الروضة" في باب الآنية: أنه قال بعضهم: إن كان قد عهده عن قرب غير متغير فهو نجس، وإن لم يعهده [أصلا] أو طال عهده فهو طاهر؛ لاحتمال التغير بطول المكث. وتساقط الأوراق في الماء ونبات الحشيش فيه إذا غيره، يلحق بما ذكرناه في العفو. وقيل: [إن تساقط الورق يسلبه الطهورية، ومنهم من يقول: تساقطه في زمن الربيع يسلبه الطهورية]، دون تساقطه في زمن الخريف؛ لأنه يتعذر الاحتراز عنه. والقاضي الحسين فرق بأن الربيعي فيه رطوبة تمازج الماء، بخلاف الخريفي. والفوراني ذكر الفرقين، والذي ذكره العراقيون الأول، وهو الأصح في "الإبانة"، وعلى هذا لو طرح فيه قصدا فغيره، قال الشيخ أبو حامد: لا يسلبه الطهورية به

стр. 44

أيضا؛ لأن التغير به تغير مجاورة. نعم، لو عصره بعد [أن] تربا فيه يسلبه الطهورية؛ كما قاله ابن القاص. قال: ولو دقه ناعما ورماه فيه فغيره، لا يسلبه الطهورية أيضا. والمشهور: أنه متى تغير بإلقائه فيه قصدا، سلبه الطهورية، سواء وضعه صحيحا أو مدقوقا ووجه التفرقة بين الربيعي والخريفي مذكور فيه. وتغيره بما تساقط فيه من الثمار سالب للطهورية قطعا. وقال يحتمل وجها آخر: أنه لا يسلبه الطهورية؛ كما في الورق، والفرق ظاهر. وتغير الماء بمروره على معدن النورة أو الملح الجبلي أو المائي، كمروره على معادن الزرنيخ ونحوه. ولو ألقي فيه شيء من ذلك فغيره، فالمشهور في النورة سلب الطهورية، والقاضي الحسين ومن تبعه قال: إنه يترتب على الخلاف في الالتراب، وأولى بأن يسلب الطهورية، وهذا إذا لم يكن قد طبخ سلب الطهورية وجها واحدا.

стр. 45

وأما إلقاء الملح فيه، فالمذهب – كما قاله الروياني [في "تلخيصه"]-أنه يسلب الطهوية، والمشهور: أن الملح إن كان جبليا سلبها، وبه جزم الماوردي والمتولي وغيرهما. قال الإمام: ومن ظن فيه خلافا فقد غلط. المنسوب منهما في "الشامل" لصاحب "التلخيص": أنه لا يسلب، ولم يحك غيره. وقد قيل: إنه منسوب في "الإبانة"إلى القفال. وفي غيره المنسوب إليه مقابله، وهو الصواب؛ إذ مذهبه منع الطهارة بالماء الذي ينعقد [منه] الملح؛ فلا جرم قال في "التتمة": إن الوجهين في سلب الطهورية هنا مخرجان على جواز الطهارة بالماء الذي ينعقد منه الملح. وقد قيل: إن الجبلي لا يسلب الطهورية أيضا؛ لأنه يذوب في الماء كالجمد. قال الفوراني: وهو اختيار القفال. فلا جرم حكى الغزالي وغيره في تغيره بالملح ثلاثة أوجه، ثالثها -وهو ما صححه في "الكافي"_: أن الجبلي يسلبه الطهورية بخلاف المائي. تنبيه: إطلاق الشيخ التغيير يعرفك أمرين: أحدهما: أنه لا فرق فيه بين الطعم أو اللون أو الرائحة، وهو كذلك عند

стр. 46

العراقيين والمراوزة، وفي"التتمة" نسبته إلى قول ابن سريج، والرافعي حكاه عن "جمع الجوامع" قولا اختاره ابن سريج. [و] قال المتولي: إن الذي نص عليه الشافعي أنه لا بد من تغير اللون والطعم والرائحة؛ لأن القليل من ماء الورد يغيره الرائحة والقليل من الخل يغير الطعم ولا يزيل [إطلاق] الاسم. قال: وأصل الخلاف: إذا غسل الثوب من الخمر، فزال اللون وبقيت الرائحة – هل يحكم بطهارته؟ وفيه قولان: فإن قلنا: يحكم بطهارته، لم يسلب أحد الأوصاف الطهورية، وإلا سلبها. قلت: وليس لقائل أن يقول: تمثيل الشيخ الخالط بالزعفران يدل على أنه لا يكفي عنده في سلب الطهورية تغير بعض الأوصاف؛ لأنه يغير الطعم واللون

стр. 47

والرائحة؛ لأنا نقول: تمثيله بالأشنان يأبى ذلك، والأشنان بضم الهمزة وكسرها. وقد حكى الرافعي طريقا آخر: أن تغيره باللون وحده يسلبه الطهورية، وكذا تغير طعمه وريحه إذا اجتمعنا دون أحدهما. الثاني: أنه [لا فرق] بين اليسير والكثير، وهو ما حكاه العراقيون والقاضي الحسين. وقال الإمام: إن القفال قال به أيضا؛ [قياسيا] على التغير بالنجاسة، لكن الأظهر أن التغير اليسير لا يؤثر؛ فإنه لايسلب الماء الإطلاق بخلاف التغير الكثير. وقاعدة الباب: اتباع الاسم. وتخالف النجاسة؛ فإن التغير بها أفحش؛ ولذلك سلب قليلها الماء القليل الطهارة وإن لم يتغير، وهذا ما حكاه المتولي لا غير، عند الكلام فيما إذا لم يكن للنجاسة لون. قال مجلي: وما قاله العراقيون إلى كلام الشافعي أقرب. فرع: إذا كان المخالط لا يغير الماء؛ لموافقته لصفاته، ولو قدر مخالفا له في بعض الصفات لغيره التغير المؤثر، وذلك مثل أن يكون ماء [الورد الذي] انقطعت رائحته، والماء المستعمل إذا قلنا: إنه لو بلغ قلتين لا تجوز الطهارة به؛ كما قاله في "الكافي" وغيره ونحوهما -هل يسلبه الطهورية؟ ينظر: فإن كان أكثر من الماء سلبه بلا خلاف، لكن لماذا؟ هل للكثرة أو لأجل ظهور التغير عند مخالفة الصفات أو

стр. 48

بعضها؟ فيه وجهان ذكرهما أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما. ومختار العراقيين -كما قال بعضهم، وهو المذكور "في تعليق البندنيجي" "والحاوي"، لا غير -: الأول. ومختار المراوزة، وصاحب "المرشد"، وهو الذي القاضي الحسين_: مقابله.

стр. 49

قال ابن الصباغ: وهو بعيد؛ لأن الأشياء [يختلف حكمها] في ذلك: فمنها ما يغير قليله، ومنها مال لا يغير إلا الكثير منه، فأيها يعتبر؟ فإن قيل: بأدناها صفة، قيل: فاعتبروا هذا المخالط بنفسه؛ فإن له صفة تنفرد عن الماء. فإن قيل: هذا لا يغير بحال، قيل: هذا مستحيل؛ لأنه إذاكان أكثر من المائع تبعه في الصفة. والمراوزة قالوا: يعتبر الوسط في الألوان. وقد سكت العراقيون عما إذا كان الماء وما وقع فيه سيين. والمتولي وصاحب "الكافي" ألحقاه بحالة كثرة المخالط. آخر: إذا كان على عضو من أعضاء طهارته زعفران أو سدر، فتغير الماء بملاقاته، هل يصح به طهارة ذلك العضو؟ فيه وجهان في "الذخائر"، سلف مثلهما في باب غسل الميت، وماهو الصحيح منهما، ومثلهما ما سنذكره آخر الباب. قال: وإن تغير بما لا يختلط به كالدهن – أي: المطيب -والعود -أي: المطيب -وما في معناهما: كالعنبر -جازت الطهارة به في أحد القولين؛ لأنه تغير بالمجاورة، فلم يمنع من [صحة] الطهارة؛ كما لو تغير بجيفة بقربه؛ وهذا ما حكاه أبو الطيب وغيره

стр. 50

من رواية الربيع في "الأم"، ونقله المزني وغيره، ولم يورد البندنيجي والماوردي والقاضي الحسين غيره، وهو الأصح في "الكافي" وغيره. ومقابله: أنه لا تجوز الطهارة به؛ لأنه لا فرق في النجاسة بين التغير بالمخالط والمجاور، وكذا في التغير بالطاهر، ويعني [بالمخالط في النجاسة]: المائع الذي لا يتميز بعد وقوعه فيها عن الماء: كالبول، وبالمجاور: إذا وقعت فيه ميتة، والفرق بينه وبين ما إذا تغير بجيفة بقربه: أنه [ثم] لم تحصل فيها ملاقاة، وهذا القول حكاه العراقيون عن رواية البويطي، والإمام حكاه عن رواية شيخه عن صاحب "التلخيص"، وقال: إنه غريب مزيف. وقال ابن الصباغ: يحتمل أنه أراد به: إذا كان يختلط به. ومسألة النجاسة غير خالية عن نزاع، كما ستعرفه. ثم ما ذكرناه من تقييد الدهن والعود بالطيب هو ما ذكره في "الأم"، ولفظه: "ولو صب فيه دهن طيب، أو ألقي فيه عنبر، أو عود أو شيء ذو ريح لا يختلط بالماء، وظهر ريحه في الماء"، وهذا كالصريح في اختصاص الخلاف بما إذا كان التغيير بالرائحة فقط، وعليه جرى الماوردي، وهو يفهم الجزم فإنه إذا كان بالطعم أو اللون

стр. 51

كان من نوع التغيير بالمخالط. فإن قيل: هل من ضابط يميز المخالط والمجاور؟ قلنا: قد قيل: إن المخالط: ما إذا طرح في الماء لم يتميز أحدهما في رأي العين، والمجاور: ما يتميز. وقيل: إن المخالط ما إذا وضع في الماء لا يمكن فصله عنه، والمجاور: ما يمكن فصله. وقيل: المرجع فيهما إلى العرف. وعلى الأولين يتخرج تغير الماء بالتراب، هل [هو] تغير مخالطة أو مجاورة؟ فعلى الأول هو مخالط، وعلى الثاني: لا؛ لأنه يمكن فصله بعد رسوبه. وعليهما أيضا يتخرج [ما سلف] من يتغيره بورق الأشجار، وحسن ما ذكره القاضي من الفرق بين الخريفي والربيعي. وإذا عرفت ما ذكرناه، فخرج عليه الفروع، وليقع [عليه] التفريع على أن التغيير بالمجاورة لايسلب الطهورية؛ إذ به يظهر أثر التفريع، ولنذكر من ذلك ما قد يقع الاشتباه فيه: فمن ذلك: إذا وضع الزبيب، والقمح، والتمر، والحمص، والأرز، ونحو ذلك في الماء: فإن انحل منه شيء فهو تغير بالمخالطة، وإلا فتغير بالمجاورة؛ قاله الماوردي. نعم، لو غلى القمح ونحوه بالنار، وتغير به، ولم ينحل منه شيء، فهل يسلبه الطهورية؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ كما لو لم يغله. الثاني: نعم؛ لأنه استجد له اسم المرق.

стр. 52

ومثل هذا الخلاف ما قيل [فيما] إذا تغير الماء بشحم أذيب فيه بالنار [هل يسلبه الطهورية أم لا؟ ومنه: ما إذا تغير الماء بوقوع المني فيه]، هل يسلبه الطهورية؟ فيه وجهان: أصحهما في " الروضة":نعم؛ لأنه مخالط. والثاني: لا؛ لأنه لا يكاد ينماع في الماء كالدهن. ومنه: إذا وقع كافور في الماء فغيره، هل يسلبه الطهورية؟ فيه وجهان في "تعليق أبي الطيب"، مأخذهما: أنه مخالط لكنه يبطىء ذوبه، أو مجاور. والبندنيجي ادعى [أن المذهب] سلب الطهورية، وأن من أصحابنا من قال: إن كان الكافور كثيرا يخالطه جميعه فهو المسك، وإن كان قليلا لا يخالط كل الماء جاز التوضي به؛ لأن الرائحة رائحة مجاورة. وليس بشيء. وقال في "الحاوي": إن علم انحلال الكافور فيه سلبه الطهورية، وإن علم أنه لم ينحل لم يسلبه، وإن شك فيه نظر في صفة التغيير: فإن كان [قد] تغير الطعم دون الرائحة فهو دال على أنه تغير مخالطة، وإن تغيرت الرائحة فوجهان: أحدهما: يغلب فيه تغير المخالطة. والثاني: تغير المجاورة. وقال الإمام: إن كان صلبا وغير رائحته فهو تغير مجاورة، وإن كان رخوا وذاب في الماء وخالطه وظهرت رائحة الكافور فيه_: فمن لم يكتف من أئمتنا بأدنى تغير حكم بأن الماء طهور، ومن صار إلى أن التغيير اليسير بالزعفران يسلب الطهورية اختلفوا ها هنا: فذهب بعضهم إلى منع التطهر به؛ لأنه مخالط، وذهب الأكثرون إلى جوازه؛ فإن الكافور وإن كان مختلطا فليست المخالطة سبب التغيير، وإنما سببه قوة ريح الكافور؛ فهو في معنى تغير المجاورة. ومنه: إذا وضع فيه القطران وتغير به, فقد نص الشافعي في "الأم"

стр. 53

على أنه لا يمنع الطهارة، وقال بعد ذلك بأسطر:"إذا خالط الماء قطران أو بان تغيره، منع جواز التوضؤ به". قال جمهور الأصحاب: وليست على قولين؛ وإنما هي على [اختلاف] حالين؛ فإن القطران على ضربين: ضرب يختلط بالماء؛ فيمنع جواز التوضؤ: كالخل. وضرب لا يختلط به وهو مثل [الدهن والعود المطيب]. قال الماوردي: قد وهم بعض أصحابنا فخرجه على قولين. فائدة: إذا أطلق الأصحاب في [مسألة] قولين، فاعلم أن مرادهم: نسبة الخلاف فيها إلى الشافعي ﵀ -وتارة يكون الشافعي قد نص عليهما معا؛ فالنسبة إليه حقيقة، ثم له في نصه عليهما حالتان: إحداهما: أن يقول في مجلس واحد قولا ثم آخر بخلاف ذلك في غير تلك المسألة؛ فالنسبة إليه -أيضا -حقيقة، لكن إن عرف آخر قوليه فهو المعتمد، وهل يكون ذلك رجوعا عن [الأول] أم لا؟ فيه كلام نذكره في الباب، وهذه الحالة: الشافعي فيها مشارك لغيره من الأئمة. والحالة الثانية: أن يذكرهما في مجلس واحد، وهذا ما اعترض عليه فيه، وقيل: إنه لم يقل به غيره [من الأئمة]، وإن حكم الله – تعالى – واحد عنده، ولا يحسن مع ذلك إطلاقه القول بقولين فيه. وأجيب عن ذلك بأن مراد الشافعي بذكر القولين تعريف السامع أنه لا مدرك عنده لقول ثالث، وهو متردد في أيهما أرجح، لا أنه يوجب العمل بهما، ومثل هذا قد روي عن عمر ﵁ -فإنه قال: "تعتد الأمة بحيضيتين، فإن لم تحض فبشهرين أو شهر ونصف"، قال الإمام في "العدد": فمنهم من قال: هو شك من

стр. 54

الراوي، ومنهم من قال: هو ترديد قول عمر، وهو ظاهر الرواية، ثم قال هو وغيره [ثم]: وهذا شاهد بين في أن ترديد القول ليس بدعا. نعم، إذاعمل بعد ذلك بأحد القولين -قال المزني: يكون إبطالا للقول الآخر، وعند غيره من أصحابنا لا يكون إبطالا [له]؛ وإنما يكون ترجيحا له على الآخر؛ كذا قاله الماوردي في كتاب الدعاوى، وقال في أول كتاب العتق: " إن الأصحاب اختلفوا فيما إذا ذكر الشافعي قولين، ثم كرر أحدهما، أو فرع عليه: فمنهم من يقول: لا تأثير لذلك، ومنهم من يقول: له تأثير في غيره لا يترجح عليه. واختلفوا: هل يصير بهذا أرجح من غيره أم لا؟ والذي ذكره القاضي أبو الطيب في باب ضمان الأجزاء: أنه إذا ذكر قولين، ثم فرع على أحدهما -كان هو الصحيح الذي اختاره. وتارة ينص في مسألة على قول، وفي نظيرها على قول يخالفه؛ فيعسر على بعض الأصحاب الفرق بينهما فيقول في المسألتين قولين بالنقل والتخريج، وبعضهم يرسل في هذه الحالة إطلاق القولين ونسبتهما إلى الشافعي على نوع من التجوز. وإذا لم يكن للشافعي في مسألة بعينها نص، فالأصحاب يخرجونها على أصوله: فإن اتفقت أرسلو ذكر الحكم، وإن اختلفت عبروا عن الخلاف فيها بالوجهين، ومنهم من يتسامح ويطلق عليه قولين، وكثيرا ما يأتي الوجهان لاختلاف الأصحاب في مراد الشافعي بلفظه، ويعبر عن هذا النوع بالطريقتين. وقد يذكر الشافعي قاعدة كلية، وينص في أحد أفراد القاعدة على ما يخالفها؛ فيقول بعض الأصحاب لأجل ذلك: في المسألة قولان، ويخطئه الأصحاب؛ فإن القاعدة العامة يجوز أن تخص؛ فلا تعارض المنصوص، والله أعلم.

стр. 55

قال: وإن وقع فيما دون القلتين [منه] نجاسة لا يدركها الطرف -أي: لا يشاهدها البصر _ مثل: أن تقع ذبابة على نجاسة رطبة، ثم تقع في الماء-[لم تنجسه؛ لأنها نجاسة] يشق الاحتراز منها؛ فعفا الشارع عنها؛ كغبار السرجين؛ وهذا ما أفهمه قوله في "المختصر":"إذا وقع في الإناء نقطة خمر أو بول [أو دم] أو أي نجاسة كانت مما يدركه الطرف، فقد فسد الماء، ولا تجزئه الطهارة به"؛ [فإنه يفهم أنها إذا لم يدركها الطرف تجزئه الطهارة به]، وقد اختاره الغزالي نت أصحابنا وصاحب "المرشد" وجماعة من المحققين؛ كما قال في "الروضة" وصححه. قال: وقيل: تنجسه؛ لأنه قد تحقق وقوع النجاسة فيه؛ فصار بمنزلة ما لو أدركها الطرف، وهذا ما حكاه الفوراني عن نصه في مواضع، وغيره نسبه إلى ابن سريج، وأنه

стр. 56

خرجه من نصه -في" الأم" و"الإملاء" -على نجاسة الثوب بما لا يدركه الطرف من النجاسات، ولفظه:"إذا تحقق [حصول] النجاسة فيه نجس، سواء أدركها الطرف أو لم يدركها، وأنه قال: ما أفهمه كلام المزني لا يعارض المنطوق؛ فقد وافقه بعض الأصحاب في الحكم وقال: إن المزني أخل بالنقل؛ لأن الشافعي إنما فصل بين ما يدركها الطرف [وبين ما لا يدركها الطرف] في الثياب لا في الماء؛ فإنه قال في القديم:"إذا كان على ثوبه قدر كف من الدم فهو معفو عنه، وإن كان من سائر النجاسات: إن كان مما يدركها الطرف فمعفو عنه، وإن كان مما يدركها الطرف فليس بمعفو عنه"؛ كذا قاله القاضي الحسين، وهذه الطريقة صححها في "الكافي". فمنهم من يقول: الثوب أيضا لا ينجس بما لا يدركها الطرف؛ كما ذكرناه عن النص، ولما ستعرفه من الفقه، وقوله في "الأم" و"الإملاء":"أدركها الطرف، أولم يدركها" أراد به: إدراك محل النجاسة وعدمه، لا إدراك نفس النجاسة. ومنهم [من] يجري نصه فيهما على ظاهره، وهم المتقدمون من الأصحاب؛ كما قال الماوردي وصححه، وفرق بأن [الماء له] قوة [لدفع النجاسة] بخلاف الثوب، وهذا الفرق استضعفه الإمام؛ من حيث إن الماء القليل لا قوة له على دفعها، وهو كالثوب سواء. [قال:] وقيل: فيه قولان؛ جمعا بين مقتضى النصين، وضعف الفرق بينهما، وتوجيههما ما ذكرناه، وهذه طريقة أبي إسحاق المروزي؛ كما قال الماوردي، وغيره قال: إنه حكاها مع الأولى في "شرحه"، وهذه الطريقة مطردة في الثوب أيضا، والفوراني قال: إنهما هاهنا مخرجان من الثوب.

стр. 57

وابن أبي هريرة قال بهما في الثواب، وقطع في الماء بالنجاسة، وفرق بثلاثة أوجه: أحدها: أن الثواب بارز لا يمكن الاحتراز فيه، بخلاف الماء في الإناء. الثاني: أن يسير دم البراغيث وغيره من الدماء يعفى عنه في الثواب دون الماء. ومن الأصاب من وافق ابن أبي هريرة على هذه الطريقة؛ نظرا للمعنى الثاني فقط، وقال-فيما إذا أصابت النجاسة الثواب وهو مبتل -: إنه ينجس قولا واحدا كالماء، وهذه خمس طرق، ووراءها طريقان: إحداهما: القطع بنجاسة الماء دون الثواب، والثانية: عكسها. وما ذكرناه من المثال هو المذكور في أكثر الكتب، وأضاف إليه بعض الشارحين مثالا آخر ذكره الرافعي، وهو أن ينفصل رشاش من موضوع نجس؛ فيقع في الماء، بحيث يرى اضطراب الماء، ولا يدرك جرمه. والضاربون للمثال الأول لم يفرقوا فيه بين أن يكون لما علق بالذبات من النجاسة لون لو قدر مخالفا للون الماء لظهر مخالفته أم لا. وقال الغزالي: لعل الأصح أن ما انتهت قلته إلى حد لا يدركه الطرف مع مخالفته للون ما اتصل به فهو معفو عنه، وإن كان بحيث يدركه الطرف عند

стр. 58

المخالفة فلا يعفى عنه. وللرافعي مباحثة في ذلك. تنبيه: الضمير في قوله: "منه" يعود إلى الماء المطلق؛ لأنه الذي ورد عليه التقسيم من أول الباب إلى هنا؛ ويدل عليه تقييد [الشيخ] المسألة بما إذا كان دون القلتين، وغيره لا يختص محل الخلاف فيه بذلك؛ بل ما دون القلتين وفوقها فيه على حد سواء. فإن قلت: هذا يفهم أن مالا يدركه الطرف من النجاسات إذا وقع فيما ليس بمطلق من الماء أو في مائع طاهر لا يكون حكمه الماء المطلق فيما ذكرنا، ولا

стр. 59

سبيل إلى أن يقال فيه: إنه لا ينجسه قولا واحدا؛ فيتعين أن يكون مفهومه أنه ينجسه قولا واحدا، ويشهد له ما سلف له من الفرق بينه وبين الثواب والماء. وقياس قول الأصحاب: إن الخلاف في تنجيس الماء المطلق القليل بالميتة التي لا نفس لها سائلة, جار في نجاسة غيره من المائعات- يقتضي التسوية بين المائع والماء المطلق هاهنا أيضا للاشتراك في علة العفو، وهي مشقة الاحتراز. قلت: حكاية الشيخ الطرق في تنجيس الثواب بما لا يدركه الطرف تنفي هذا الاحتمال، لكن لك أن تقول: لا نسلم أن القائل بالعفو عن ذلك في الثواب يعلله بما علل به العفو عنه في الماء؛ فإنه يجوز تعليله في الماء بأن فيه قوة الدفع؛ وفي الثواب بأن في طيرانها ما يجففها ونحوه، والحكم في المحل الواحد يجوز أن يعلل بعلتين، فكيف في محلين؟! ولأجل ذلك – والله أعلم - قال بعض الشارحين: إن الخلاف لا يجري في غير الماء المطلق، ولست أعتقد صحة ذلك؛ فإن القاضي الحسين حكى في " باب الأطعمة" عن الأصحاب: أن الفأرة والهرة وغيرهما من حيوانات الأرض إذا وقعت في دهن، وخرجت منه حية؛ لا ينجس، فإذا وقع في الدهن؛ فقد لاقى محلا نجاسا فوجب أن ينجس، ومعلوم أن من جملة الحيوانات ما لا يدرك ما على منفذه من النجاسة. والخلاف بين القاضي [الحسين] والأصحاب في مسألة الدهن محكي في الماء القليل أيضا؛ صرح به الإمام وغيره. فإن قلت: هل يمكن ترتيب الخلاف في ذلك على الخلاف في نجاسته بما لا يدركها الطرف، فإن قلنا: ينجس بما لا يدركها الطرف فهاهنا أولى؛ لأن النجاسة هنا يمكن إدراكها، وإلا فوجهان. قلت: لا، بل المأخذان مختلفان: فمأخذ الخلاف فيما لا يدركها الطرف النظر.

стр. 60

إلى المشقة وإلى تحقق النجاسة، ومأخذ الخلاف هنا غيره؛ [لأننا لا نتحقق النجاسة على منفذ ذلك الحيوان]؛ لاحتمال أن يكون قد وقع في ماء كثير قبل ذلك؛ بل مأخذه النظر إلى الأصل والظاهر. ومن هذا القبيل ماإذا أكلت الفأرة شيئا نجسا، ووردت على ماء قليل؛ فإن الطريقة المشهورة التي لم يورد الماوردي والقاضي الحسين والفوراني غيرها: أنها إن لم تغب الورود عليه نجسته، وكذا إن غابت ولم يحتمل ورودها على ماء كثير. ولو غابت واحتمل الورود على ماء كثير، ففي نجاسته وجهان: أحدهما -في "الحاوي" -:التنجس أيضا. ومنهم من يجري الوجهين في الجميع؛ كما حكاه البندنيجي وغيره؛ فتحصل ثلاثة أوجه، [كما] حكاها الغزالي وغيره، ثالثها: إن غابت قبل الورود عليه، واحتمل ورودها على ماء كثير؛ لم تنجسه، وإلا نجسته. والطريقة المفصلة تجري في مسألة ولوغ الحيوان حيا في الدهن ونحوه. قال: وإن كانت-أي: النجاسة -واقعة في الماء القليل مما يدركها الطرف: فإن كانت ميتة لا نفس لها سائلة، أي لا دم لها يسيل إذا قتلت أو شق عضو من أعضائها، وذلك مثل: الذباب، والبعوض؛ وبنات وردان، والعقارب، والخنافس، وهل الوزغ

стр. 61

والحيات من ذلك؟ قال الدراكي وأبو حامد الإسفراييني: لا، وقال الصيمري: نعم قال: لم تنجسه في أحد القولين؛ لقوله ﵇ _:"إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليملقه -وروي: فليغمسه -فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء، وإنه يبدأ بجناحيه الذي فيه الداء" رواه البخاري.

стр. 62

وجه الدلالة منه: أن الطعام قد يكون حارا؛ فيموت بالمقل، فلو كان نجسا لما أمر بمقله؛ ليكون شفاء لنا، وقد قال:" إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها"، والمقل: الغمس. قال: وهو الأصلح للناس؛ لما فيه من رفع الحرج؛ ولهذا اختاره المزني. وهو في" تعليق البندنيجي" ونسبه في " النهاية" و "الكافي" إلى الجديد، وهو الأصح في "الحاوي" و"الشامل" وغيرهما. وفي الحاوي وتلخيص الروياني منسوب إلى القديم. وادعى ابن المنذر أنه لا يعرف أحدا قال بنجاسته غير الشافعي. وأبو الطيب حكى أن محمد بن المبارك ويحيى بن أبي كثير قالا به أيضا.

стр. 63

قال: وتنجسه في الآخر، وهو القياس -أي: على سائر الميتات -فإنه موافق لها في نجاسته بالموت فكذا في تنجيس الماء القليل به، وبكونه حيوانا لا يؤكل بعد موته؛ لنجاسته، فإذا ورد على ماء قليل بعد موته نجسه كالذي له نفس سائلة. أو نقول: نجاسة مشاهدة وردت على ماء قليل فنجسته؛ كسائر النجاسات. قال: أبو الطيب: ولا يلزمنا دود الخل ونحوه إذا مات فيه؛ لأن تلك نجاسة لم ترد عليه، وإنما هي مخلوقة منه. وهذا القول حكاه البندنيجي عن القديم، وقال أبو الطيب: إنه المنصوص، وأجاب عن حجة الأول: بأن مقله لا يوجب موته؛ فلا حجة لهم فيه، وأيضا فإنه – ﵇ – إنما قصد بيان السم والشفاء، ولم يقصد النجاسة والطهارة، وهذا كما نهى عن الصلاة في معاطن الإبل، ورخص في مراح الغنم، ولم يقصد النجاسة والطهارة؛ وإنما قصد أن في معاطن الإبل لا يصح الخشوع، وفي

стр. 64

مراح الغنم يصح. وهذا مجموع ما رأيته للعراقيين، وهم متفقون على نجاسة الحيوان نفسه مع إجراء الخلاف في تنجيس الماء به حتى دود الطعام، والقول بنجاسة ذلك رواه محمد بن إسحاق بن خزيمة عن رواية المزني، واستدل له بقوله تعالى [فإنه رجس] وهو عائد إلى جميع ما ذكر، والرجس: النجس. والإمام جزم بطهارة دود الطعام، ثم حكاه عن الصيدلاني؛ لأنه لا ينتقل عنه، وكذا حكاه الماوردي عن بعض أصحابنا بخرسان؛ ويدل عليه جواز أكله مع الطعام؛ على الأصح؛ كما قال في "الوجيز". وعن القفال أنه طرد القول بالطهارة في كل حيوان لا نفس له سائلة مع القطع بتحريم أكله مستدلا بأن ما لا دم له بمنزلة الجمادات؛ لانتفاء الدم المعفن في البطن؛ والرطوبة التي فيه بمنزلة رطوبة النبات. وقال القاضي الحسين في "تعليقه": إنه [قد] حكي عن رواية المزني عن

стр. 65

الشافعي، وأن القفال خرج الخلاف في نجاسة الماء بموته فيه على الخلاف [في] أنه هل تنجس بالموت أم لا؟ والمشهور الأول. وعن صاحب " التقريب " أنه خرج قولا فارقا بين ما تعم به البلوى: كالذباب ونحوه؛ فلا ينجسه، وبين ما لا تعم به البلوى كالخنافس، والعقارب؛ فينجسه. التفريع: إن قلنا [بالأول]: إنه ينجس الماء، فلا فرق بين أن يقل أو يكثر. وإن قلنا: لا ينجسه، فذالك إذا لم يغيره؛ لقتله، فلو كثر وغير [طعمه، أو لونه، أو ريحه] فوجهان، حكاهما العراقيون عن رواية أبي حفص بن أبي العباس عن أبيه: أصحهما في "تلخيص الروياني": لا؛ كما لو تغير بطاهر؛ وهذا ما يقتضيه كلام الشيخ. نعم هل يجوز استعماله في الطاهرة؟ قال في "الروضة" وغيره: لا. وقال "الإمام": إن قلنا: إن هذا الحيوان لا ينجس إلا بالموت، فلا ينجس الماء وإن غيره، وأقرب معتبر فيه أن تجعل تغير الماء كتغيره بأوراق الأشجار؛ فإنها بمثابتها على هذا القول. والثاني: أنها تنجس؛ كما لو تغير بوقوع قطرة بول أو خمر؛ وهذا أصح في "الروضة". والخلاف جار كما قال في "الكافي" فيما إذا كثر دود الطعام حتى غيره. وقد أفهم قول الشيخ:" وإن وقع فيما دون القلتين"، ثم قوله: "وإن كانت مما

стр. 66

يدركها الطرف ... " إلى آخره -أن ما كان نشوءه من الماء: كالعلق إذا مات فيه لا ينجس قولا واحدا [وهو قياس قول الأصحاب: إن دود الطعام فيه لا ينجس قولا واحدا]. نعم، لو أخذ ما نشوءه من الماء، ووضعه في ماء آخر بعد موته _ قال الرافعي: كان ينجسه على الخلاف. ومثله قول ابن الصباغ والقاضي الحسين -فيما إذا أخذ الطعام ووضعه في طعام آخر أو ماء قليل _: إنه على القولين. لكن الماوردي جزم القول بالنجاسة فيما إذا أخذ دود الطعام ووضعه في آخر؛ لإمكان الاحتراز منه، وقضيته طرد ذلك في الصورة الأخرى ثم من كلام ابن الصباغ والقاضي الحسين يؤخذ أن [الخلاف] في نجاسة الماء بما لا نفس له سائلة يجري وإن طرح فيه قصدا. قال: وإن كان أي: الواقع فيما دون القلتين غير ذلك أي: غير النجاسة التي لا يدركها الطرف، والميتة التي لا نفس لها سائلة من النجاسات_نجسه، أي تغير، أولم يتغير، وهو فيما إذا تغير ثابت بالإجماع، وفيما إذا لم يتغير مختلف فيه [بين الأئمة]. وحجتنا على الخصم -وهو مالك ﵀ -ما روى أبو هريرة رضي الله عنه -عن النبي ﷺ أنه قال:"إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في وضوئه، إنه لا يدري أين باتت يده؟ " رواه البخاري ومسلم، ولا

стр. 67

معنى لنهيه ﵇ -عن ذلك إلا أنه ينجس وإن كنا نعلم أن اليد لا تغير الماء. روى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا كان الماء قلتين لم ينجس"و "إن"

стр. 68

و"إذا" للشرط؛ فدل على أنه إذا كان دون القلتين ينجس، ولأن الماء القليل يمكن حفظه من النجاسة من غير مشقة، بخلاف الماء الكثير، فافترق حكمهما وعفي عنها في الكثير دون القليل. فإن قيل: قد قال ﵇ _: "الماء طهور لا ينجسه شيء".

стр. 69

.............................................................................

стр. 70

قلنا: هو المحمول على [الماء الكثير]؛ جمعا بين الأخبار. وما ذكره الشيخ هو المشهور. وعن صاحب "البحر" حكاية وجه: أنه لا ينجس، راكدا كان أو جاريا. وقال في "الحلية" له: إنه المختار، ويقال: إن الغزالي اختاره في"الإحياء"، والمذكور في "الوجيز" الجزم به وفي "الحاويط كما سنذكره. تنبيه: قول الشيخ:" وإن كان غير ذلك من النجاسات نجسه" يقتضي أن الآدمي إذا مات في الماء كان في نجاسته [للماء] قولان؛ بناء على القولين في طهارته والأمر كذلك؛ صرح به القاضي الحسين وغيره. وهو يفهم أن الماء القليل لا ينجس بموت السمك فيه، وكذا ماأبحنا أكله من حيوانات البحر بدون ذكاة، دون ما وقفنا حله على ذبحه، أو لم ينجسه أصلا على رأي كما ستعرفه، والأمر كذلك. وقوله:" وإن وقع فيما دون القلتين منه نجاسته ... "إلى آخره يفهم أن الماء إذا كان واقعا عليها لا يكون الحكم كذلك، والكلام في هذا يحال على باب إزالة النجاسة. نعم، فيه شيء لم يذكره ثم، وهو أن الإناء إذا كان فيه بول أو نحوه فصب عليه من الماء ما غمره -وهو كما قال البندنيجي سبعة أضعافه فأكثر -ولم يتغير الماء، ولم ينته إلى حد الكثرة – فهل يحكم بنجاسة الماء أم لا؟ [فيه خلاف]. قال أبو علي في " الإفصاح": لا، ويطهر الإناء؛ وهذا أشبه بكلام الشافعي؛ لأنه قال في اختلاف الحديث:" إذا ورد الماء على النجاسة لم ينجس؛ لأنا لو قلنا: ينجس لم يطهر الثوب". وقال غيره: نعم؛ لأنه ﵇ -قال في الكلب يلغ في الماء "فليهرقه، ثم

стр. 71

ليغسله سبعا" وإذا قلنا: إنه يطهر كان في جواز التطهير به ما سنذكره في الماء القليل النجس إذا كوثر حتى زال تغيره ولم يبلغ قلتين. فرع: إذا أخبره عدل أن هذا الماء نجس -قال الأصحاب: فلا يرجع إلى قوله؛ لأن المذاهب مختلفة في التنجيس، فقد يعتقد المخبر ما ليس بنجس نجسا. نعم، لو كان المخبر يعلم أن المخبر يعتقد أن أنياب الباع طاهرة، وأن الماء إذا كان قلتين لا ينجس، إلا بالتغيير -فقد قال الشافعي: إنه حينئذ يقبل منه، ويرجع إليه. ولو ذكر له من يثق بقوله: أنه رأى كلبا ولغ فيه، أو وقع فيه بول، ونحوه -رجع إليه سواء كان حرا أو عبدا، ذكرا أو أنثى، بصيرا أو أعمى؛ كما حكاه ابن الصباغ والبندنيجي وغيرهما وغيرهما في باب الآنية. وفي قبول قول الصبي في [مثل] ذلك خلاف يأتي مثله. نعم، لوشهد واحد: أنه رأى الكلب ولغ في هذا الإناء، وآخر: أنه ولغ في غيره -حكمنا بنجاستهما؛ نص عليه في "حرملة". ولو شهد اثنان: أنه وقت الزوال ولغ في هذا الإناء، وآخر، وفي ذلك الوقت ولغ من هذا ولم يلغ في غيره – قال الإمام_: عمل بقول أوثقهما. وقال أبو الطيب: تعارضت البينتان: فإن قلنا بالتساقط صار كأن لا بينة، ويستعمل أيهما شاء. وإن قلنا بالاستعمال، فلا يأتي قول القرعة، ولا قول القسمة، ويتعين

стр. 72

الوقف؛ فيدعهما ويتيم ويصلي، ويجب عليه الإعادة؛ لأن معه ماء مظنون الطهارة. قال: وإن كان الماء -أي: الذي وقعت فيه النجاسة -قلتين ولم يتغير، فهو طاهر؛ لما روي عن أبي سعيد الخدري – ﵁ – قال: قلت: يا رسول الله، إنك تتوضأ من بئر بضاعة، وإنها يلقى فيها المحايض ولحوم الكلاب، قال النبي _صلى الله عليه وسلم_:" الماء طهور لا ينجسه شيء" وكان ماؤها إذا زاد بلغ العانة، وإذا نقص بلغ دون العورة؛ [كذا ذكره أبو داود] وقال: إنه مسحها بردائه فكانت ستة أذرع. وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال:"إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" رواه أبو داود والترمذي، وصححه الدارقطني، ورواية الشافعي:"إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر لم يحمل نجسا" ومعنى "لا يحمل"أي: يدفع عن نفسه؛ كما يقال: فلان لا يحمل الظلم، أي: يدفعه عن نفسه. ويعضده رواية أحمد:" إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء". والحكم فيما إذا كان الماء دون القلتين، وورد عليه ماء نجس كمل به قلتين كالحكم فيما إذا وقعت فيه النجاسة وهو قلتان بل لو جمع قلة نجسة ومثلها في موضع واحد طهرتا إذا لم يكن ثم تغير، ولا يضر تفريقهما بعد ذلك. ولو كان الماء في موضعين، وبينهما اتصال يحصل معه التراد والتدافع، فالحكم كذلك. ولو كان لا يحصل: كما إذا كان في حفرتين قلتان، وبينهما نهر صغير غير عميق، وفي ما يتصل كل طرف منه بحفرة [منهما فإذا] وقع في إحدى الحفرتين نجاسة، قال الإمام: لست أرى أن ما في الحفرة الأخرى دافع لتلك النجاسة بحكم الكثرة والذي اشتهر فيه خلاف الأصحاب: أنه إذا كان معه ماء مطلق ناقص قدر جرة أو كوز، فغمس فيه كوزا أو جرة فيها من الماء النجس ما يكمل به قلتين، هل يحكم بطهارة مافي الجرة والكوز بهذا الاتصال أم لا؟ فيه وجهان، أصحهما [فيما إذا كان

стр. 73

الإناء ضيق الرأس: عدم الطهارة، ولم يحك الإمام عن الأئمة غيره، و] فيما إذا كان وايع الرأس الطهارة. نعم، هل يطهر على الفور، أوبعد مكثه زمانا يمكن ان يزول فيه تغير ما [في الكوز] لو كان متغيرا؟ فيه وجهان: اختيار الشيخ أبي محمد الأول، وهو الأصح في "الكافي". وقال الإمام: لست أعده من المذهب، واختار ترجيح مقابله، وهو الأظهر في "الرافعي". ثم إذا لم نحكم بطهارة ما في الإناء حكمنا الماء الآخر. والخلاف جار في عكس المسألة: وهو ما إذاكان في الجرة [ماء] طاهر والمغموس فيه ماء نجس، هل [نحكم بطهارته] أم لا؟ فإن لم نحكم بطهارته حكمنا بنجاسة ما في الجرة. ويجري أيضا فيما لو كان الماءان نجسين. والقلتان عند الشافعي خمسمائة رطل بالبغدادي؛ لأنه روي بإسناد لم يحصره بقلال هجر [كما سلف] فكانت هذه الرواية مقيدة للرواية المطلقة. وقلال هجر كانت معروفة عندهم، ولذلك قال في حديث الإسراء في وصف سدرة المنتهى" فإذا ورقها كآذان الفيلة وثمرها مثل قلال هجر" فلو لم تكن معروفة

стр. 74

لهم ما شبه بها. وقد قيل: إنها كانت تعمل بالمدينة. قال الشافعي: والشيء إذا قرن بالكامل يطلق على ما دون النصف؛ فاستظهرت فجعلت الشيء نصفا، ولأنه غاية الشيء المضاف إلى القربتين. قال أبو إسحاق: ونسبت إلى هجر، وهو موضع بقرب المدينة؛ لأنها أول ما عملت به. قال ابن الجريح: ولقد رأيت قلال هجر، فرأيت القلة [منها] تسع قربتين، أو قربتين وشيئا ولأن ما زاد على النصف يقال فيه: ثلاثة إلا شيئا، ,لأنه شك فيه، ولو كان أزيد من النصف لما شك فيه. وإذا جعلت القلة قربتين ونصفا كان مجموع القلتين خمس قرب. وقرب الحجاز صغار وكبار -كما قال البندنيجي والروياني عن الشافعي -لا تسع الواحدة منها أكثر من مائة رطل. فثبت بما ذكرناه [أن القلتين] خمسمائة رطل، وذلك بالأمنان مائتان وخمسون منا. وقد قيل إنهما ألف رطل؛ لأن أكثر ما تسع القربة مائتا رطل؛ فنزلنا قول ابن جريح عليها؛ وعلى هذا يكون بالأمنان خمسمائة من. وقيل: إنهما ستمائة رطل، وبالأمنان ثلاثمائة من، وهو اختيار القفال والزبيري صاحب "الكافي" -كما قال الإمام والفوراني -لأن"القلة" مأخوذة

стр. 75

من استقلال البعير وأبعرة الحجاز ضعاف لا تستقل بأكثر من وسق، وهو ستون صاعا؛ فيكون مائة وستين منا؛ فالقلتان ثلاثمائة وعشرون منا، فيذهب الوعاء والحبل بعشرين، ويبقى الخالص ثلاثمائة [من]، وادعى الغزالي: أن هذا ما عليه الفتوى، وهو في هذا متبع للفوراني؛ فإنه هكذا قال. لكن الصحيح في "الكافي" للخوارزمي وغيره من كتب العراقيين الأول، وهو ما حكاه الماوردي عن سائر الأصحاب. ويتايد بأن القلة -في اللغة_: هي الجرة العظيمة، سميت بذلك؛ لأن الرجل العظيم يقلها بيده، أي: يرفعها عن الأرض. فعلى هذا: فتقديرها بالمساحة ذراع وربع طولا وعرضا وعمقا عند تساوي الأضلاع وإن اختلفت فالمعتبر قدر ذلك بالحساب إذا كانت النجاسة الواقعة فيه مائعة، فإن كانت جامدة فسنذكر حكمه. وهل الخمسمائة رطل تقريب أو تحديد؟ فيه وجهان: كلام بعض المصنفين -ومنهم الفوراني -يقتضي طردهما في كل ما جعلناه حدا لهما. واختار ابن سريج وغيره أن ذلك تقريب، وهو الأصح في "الكافي" و"الوسيط" و"الرافعي". واختيار أبي اسحاق الثاني. [وقال الشيخ أبو بكر]: وهو الأصح عند أبي الطيب وغيره؛ كما قال الإمام. فعلى هذا لو نقص رطلا واحدا أو أقل منه ضر. قال الإمام: وهذا عندي إفراط؛ فالوجه في التفريع على هذا أنه لو نقص ما
следующие страницы →