Полный текст (9 685 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
الحيض، ويلزمها الوضوء؛ كما في حالة الاستحاضة المحققة، ولا يجب عليها في هذه المدة قضاء الصلوات بلا خلاف؛ لأنه لا يحتمل فيها الانقطاع.
وحال طهر مشكوك فيه عبر الشيخ [عنه] بقوله: "وكل زمان احتمل انقطاع الدم [فيه]، أمرناها بالاغتسال"، وهو في مثالنا من أول السابع إلى آخر العاشر؛ لأن هذا الزمن يحتمل [فيه] انقطاع الحيض إن جرى على العادة؛ وهذا ضابط الطهر المشكوك فيه.
ووجه إيجاب الغسل عند كل صلاة الاحتياط؛ كما في المتحيرة.
وفي إيجاب إعادة الصلاة الواقعة في هذه المدة الخلاف السابق.
فإن قلت: هذا المثال ينبو عنه كلام الشيخ؛ لأن فيه تعيين وقت الطهر، وكلام الشيخ لا يقتضيه، بل يقتضي تصويرها بما إذا قالت: كان حيضي عشرة أيام، لكني لا أدري هل [في كل] شهر أو شهور من سنة أو سنتين أو إذا قالت: كان حيضي خمسة من كل شهر، ونحو ذلك، من غير تعرض لوقت تتيقن فيه حيضاً أو طهراً.
قلت: ليس الأمر كذلك، لأن الشيخ جعل الأحوال الأربعة جارية فيها، ولا يتصور ذلك إلا بما ذكرناه ونحوه؛ فتعين أنه المراد.
وضابط جريانها: أن يكون عدد [المنسي أكثر من نصف عدد] المنسي فيه، والحيض باليقين منه- إذا كان كذلك- قدر ما زاد على النصف مرتين، أما إذا لم يزد على النصف من المنسي فيه، فلا حيض لها بيقين، وقد يكون لها طهر بيقين، مثل: أن تقول: [كان] حيضي خمسة من العشر الأول من كل شهر: فمن الأول إلى [آخر] الخامس حيض مشكوك فيه، ومن السادس إلى آخر العاشر طهر مشكوك فيه، ومن الحادي عشر إلى آخر الشهر طهر بيقين، على هذا المثال.
وقد لا يكون لها أيضاً طهر بيقين بأن تقول: كان حيضي خمسة من كل شهر، ونحو ذلك، ولا تعرف شيئاً آخر، فإنا نجعلها من أول الشهر إلى آخر الخامس [في] حيض مشكوك فيه؛ لأنه يحتمل الطروء في ذلك دون الانقطاع، ومن
стр. 597
السادس إلى آخر الشهر في طهر مشكوك فيه؛ لأنه يحتمل الانقطاع فيه؛ وهذه إحدى الصورتين التي منعنا أن يكون كلام الشيخ يقتضيهما، [وقد لا يكون لها] من الأحوال الأربعة إلا حالة طهر مشكوك فيه؛ بأن تقول: كنت أحيض خمسة، ولا أدرى، هل كنت أخلط الشهر بالشهر في كل ثلاثين يوماً أو لا؟ لأنه ما من زمن إلا ويحتمل فيه الانقطاع، وهذا قريب من الصورة الثانية التي منعنا أن يكون كلام الشيخ يقتضيها، وقد قال الماوردي فيها: إنها كالمتحيرة إلا في أمر واحد، وهو أنها إذا صامت رمضان احتسب لها منه بما عدا أيام عادتها وهي عشرة أيام [من عشرين يوماً] إن علمت أن الحيض يطرأ قبل الفجر؛ وإلا فمن أحد عشر يوماً من ثلاثة وعشرين [يوماً].
وإن كان عليها صوم يوم، قضته من يومين بينهما تسعة أيام أو عشرة.
وإن كان عليها صوم يومين، صامت يومين، وأمسكت تسعة أيام، وصامت يومني.
ولو كان عليها صوم ثلاثة أيام صامتها وأمسكت ثمانية أيام، ثم صامت ثلاثة أيام.
والثانية مصورة بما إذا قالت: لا أعلم [كم قدر ما كنت أحيضه لكني أعلم] أني أحيض في الشهر حيضة، وأكون في السادس من الشهر حائضاً- فالأحوال الأربعة موجودة فيها:
الحيض باليقين ما نصت عليه.
والطهر باليقين من الحادي والعشرين إلى آخر الشهر؛ [لأنه لا يحتمل طروءاً ولا انقطاعاً].
والحيض المشكوك فيه في أول الشهر إلى آخر الخامس؛ لأنه يحتمل الطروء دون الانقطاع.
والطهر المشكوك فيه من السابع إلى آخر العشرين؛ لأنه يحتمل الانقطاع دون الطروء.
وقد صورت أيضاً بما إذا قالت: أعلم أن لي [في] كل شهر حيضة من أوله، ولا
стр. 598
أدرى قدرها: فالأول حيض بيقين، ومن الثاني إلى آخر الخامس عشر طهر مشكوك فيه، ومن السادس عشر إلى آخر الشهر طهر بيقين؛ وهذا فيه نظر؛ لأن الأحوال فيها ثلاثة، وكلام الشيخ مصرح بأنها أربعة فالأول أشبه به.
على أن الماوردي قال في المثال الثاني: إنها كالمبتدأة فعلى قول نحيضها أقل الحيض، وعلى قول غالبه، وما حيضناها فيه حكمه حكم الحيض بيقين، وما جاوز الخمسة عشر طهر بيقين، وفيما بينهما قولان سلفاً في المبتدأة، والله أعلم.
قال: وإذا حاضت المرأة حرم الاستمتاع بها- أي: بوطء وغيره- فيما بين السرة والركبة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
قال الماوردي: وهو في الآية قبلها الحيض باتفاق أهل العلم، وكذا فيها؛ وعليه يدل قول أم سلمة: "سألت رسول الله ﷺ عن الغسل من المحيض" وهو مختار الشافعي؛ وحينئذ يكون سمي الدم باسم المصدر، وهو مستحسن عند العرب تقول [العرب]: حاضت المرأة حيضاً أو محيضاً، كما تقول: سار سيراً أو مسيراً، وجاءت مجيئاًن وباتت مبيتاً.
وقد قيل: إن المراد بالمحيض فيها: زمن الحيض، وقد قيل غيره، كما سنذكره.
والقولان الأولان يدلان على وجوب اجتنابها بجملتها، وقد حكاه الرافعي في كتاب النكاح [وجها] عن رواية ابن كج.
والمذهب أنه لا يحرم إلا ما تحت الإزار، وهو ما ذكرناه؛ لما روي أن عمر سأل النبي ﷺ عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ قال "مَا فَوْقَ الإِزَارِ وَلَيْسَ لَهُ مَا تَحْتَهُ".
وروى مسلم عن ميمونة أنها قالت: "كان رسول الله ﷺ [يباشر نساءه فوق الإزار،
стр. 599
وهن حُيَّض".
وروى البخاري عن عائشة أنها قالت: "كان رسول الله ﷺ ] يأمر إحدانا إذا كانت حائضاً أن تأتزر، ويباشرها فوق الإزار".
ورواية الترمذي [عنها] أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يأمرني أن أتزر، ثم يباشرني. قال: وهو حسن صحيح.
قال بعضهم: وبه يستدل على تحريم ما تحت الإزار؛ إذ لو كان يباشرها فيما تحت الإزار، لم يفد الاتزار شيئاً.
قال الشافعي- ﵁ وعلة تحريم الوطء في الفرج ما به من الأذى، كذا حكاه الإمام عنه عند الكلام في وطء المرأة في دبرها، وعلة تحريمه فيما عداه، ودون السرة، [وفوق] الركبة خوف أن يصيبه شيء من الأذى، كذا قاله الأصاحب، وللإمام فيه كلام ذكرناه في كتاب النكاح.
قال: وقيل: يحرم الوطء في الفرج وحده؛ لأنه الثابت بالإجماع؛ والمحيض في الآية اسم لموضع الحيض، وهو الفرج؛ كالمقيل: موضع القيلولة؛ فيكون تقدير الآية: ولا تقربوهن في فروجهن، ويؤيد ذلك: أنه لما نزلت ظن المسلمون أنه الاعتزال كما هو عند اليهود فإنهم إذا حاضت المرأة، لا يؤاكلونها ولا يشاربونها، ويحبسونها في موضع ويناولونها الطعام على رأس خشبة، فجاءوا [إلى] النبي ﷺ وسألوه عن ذلك؟ فقال لهم: "افْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلا الْجِمَاعَ"، ورواية مسلم: " افْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ،
стр. 600
إلا النكَاحَ".
وهذا ما حكاه القاضي الحسين عن القديم، واختاره أبو إسحاق وابن خيران.
وحكى الماوردي عن أبي الفياض البصري: أن من أمن غلبة الشهوة التي توقعه في الوطء [في الفرج] يحل له ما عدا الوطء في الفرج؛ وإلا فلا.
قال: والمذهب الأول؛ لأنه نص عليه في "الأم"، و"أحكام القرآن"، وهو الراجح عند الجمهور، ووجهه ما سلف.
وجعل المحيض في الآية التي ذكرناها الحيض، كما هو في التي قبلها- أشبه، وإن وقع نزاع فيه في التي قبلها؛ كما أفهمه كلام أبي الطيب وغيره- قلنا: قوله- تعالى-: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] يدل على ما ذكرناه؛ لأن الزمان والفرج نفسه ليس أذى، وإنما هو الدم؛ فإنه يلوث، وهو مستقذر والخبر نحمله على القبلة والمعانقة؛ جمعاً بين الأخبار.
وقد أفهم كلام الشيخ إباحة الاستمتاع بها بما فوق السرة ودون الركبة، وهو المذهب، كما ذكرنا.
نعم، لو أصابه شيء من أذى الفرج فهل يحل مباشرتها فيه؟
قال البندنيجي: لا نص للشافعي فيه.
وقال أصحابنا: لو قيل: يحرم كما يحرم تحت الإزار، لم يبعد، ولو قيل: لا يحرم؛ لأنه لا يخاف أن يصيبه دم الحيض من الفرج بغير واسطة لم يبعد؛ ولأجل ذلك حكى صاحب "الفروع" و"المجموع" والروياني في "تلخيصه" ["والبحر"] في ذلك وجهين، وصحح الثاني، وبه جزم الإمام، كما ذكرناه في كتاب النكاح.
فرع: إذا ادعت المرأة الحيض، فإن غلب على ظنه صدقها، حرمت عليه، وإن غلب على ظنه كذبها، وأنها تريد ممانعته، لم يحرم.
وخالف ما لو علق طلاقها بحيضها؛ فإن القول قولها في الحالتين؛ لأنه مفرط في تعليقه.
стр. 601
نعم، لو توافقا على الحيض، واختلفا في انقطاعه، فالقول قولها؛ لأن الأصل بقاؤه.
قال: ويحرم عليها الصلاة؛ لقوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: "فَإِذَا أَقْبلَتِ الْحَيضَةُ، فَدَعِي الصَّلاَةَ، وَإذَا أَدْبَرَتْ [فَاغْسِلِي عَنْكِ] الدَّمَ وَصَلِّي". أخرجه الشيخان، وزاد الترمذي: "وَتَوَضَّئي لَكُلِّ صَلاَةٍ حَتَّى يجِيء ذَلَكِ الوَقْتُ"؛ وهذا مع [أن] قوله ﵇: "حُكْمِي عَلَى الوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ" يدل على المدعى، وأيضاً فهو إجماع.
والحيضة بفتح الحاء هي المرة [الواحدة]، وبكسر الحاء الاسم، وذكر في "الغريب": أنه روى بالفتح والكسر.
وكما يحرم عليها الصلاة؛ كذا يحرم السجود للتلاوة، وقد ذكره الشيخ في بابه، وسجود الشكر في معناه.
قال: ويسقط عنها فرضها؛ لما روى مسلم أن معاذة سألت عائشة: "ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: "أحرورية أنت"؟ فقلت: "لست بحرورية، ولكني أسأل"، قالت: "كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر
стр. 602
بقضاء الصلاة".
والحرورية: طائفة من الخوارج التزمت تشديدات لا أصل لها في الشرع.
وروى مسلم أيضاً عن عائشة قالت: "كنا نحيض عند رسول الله ﷺ ثم نطهر، ويأمرنا بقضاء الصوم ولا يأمرنا بقضاء الصلاة".
قال: ويحرم عليها الصوم؛ للإجماع، ومفهوم خبر عائشة يدل عليه.
ورأيت في "تعليق القاضي الحسين" في كتاب الصيام: أن عائشة قالتك "كنا إذا حضنا على عهد رسول الله ﷺ نؤمر بترك الصلاة والصوم، ثم نؤمر بقضاء الصوم دون الصلاة"، فإن صح هذا فهو نص من جهة السنة.
وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري أنه ﵇ خرج في أضىح أو فطر إلى المصلى فقال: "يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ .. " إلى أن قال: "مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاِت عَقْل وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ" قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا؟ قال: "أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرأَةِ مَثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ " قلن: بلى، قال: "فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلهَا. أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ قلن: بلى، قال: "ذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِها".
ثم ليس لتحريمه عليها معنى معقول؛ كما قال الإمام، ويدل عليه أن عائشة-
стр. 603
رضي الله عنها- لما سئلت عن الفرق عدلت إلى النص.
وقد قيل: إن المعنى [فيه] أنه يضعفها.
وقد أفهم سكوت الشيخ عن سقوط القضاء وجوبه، وهو مما لا خلاف فيه؛ لما ذكرناه، وبه صرح في كتاب الصيام، والفرق بينه وبين الصلاة أنه لا مشقة في قضائه؛ لأنه يأتي في السنة مرة بخلاف الصلاة، ولأن الصلاة لم يبن أمرها على أنه تؤخر ثم تقضى، بل: إما ألا تجب أصلاً، أو تجب بحيث لا تؤخر بالأعذار، بخلاف الصوم، لأنه قد يترك بعذر السفر والمرض ويقضي.
نعم، الخلاف في أن الحائض مخاطبة بالصوم في حال الحيض أم لا؟ والصحيح عند الجمهور لا، وإن كان المذكور في "تعليق البندنيجي" مقابله، وكذا في "الشامل" "وتعليق أبي الطيب"؛ لأنهما قالا: الحيض يمنع وجوب الصلاة وصحتها، وصحة الصوم دون وجوبه.
قال بعضهم: وفائدة الخلاف تظهر إذا قلنا: إنه يجب التعرض للأداء والقضاء في النية.
стр. 604
قال: والطواف؛ لقوله – ﵇ لعائشة وقد حاضت في الحج: "فَإِنَّ ذَلِكَ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَافْعَلي مَا يَفْعَلُ الْحاجُّ غَيْرَ ألا تَطُوفي بِالبَيْتِ حَتى تَطْهرِي" رواه البخاري.
وقوله- ﵇ في حديث صفية بعد أن أخبر بحيضها: "أحَاَبسَتُنَا؟ " قيل: يا رسول الله؛ إنها أفاضت يوم النحر، قال: "اخْرُجُوا" أخرجه مسلم.
قال: وقراءة القرآن؛ لقوله- ﵇: "لا تَقْرَأ الْحائِضُ وَلا الجُنُبُ شَيْئاً مِنَ القُرآنِ" رواه أبو داود؛ وهذا هو الجديد.
وفي "التتمة" حكاية قول [آخر]: أن لها أن تقرأ، وغيره عزاه إلى رواية أبي ثور، وأنكره الأصحاب.
قال الإمام- قبيل باب الاستطابة-: [وعلى هذا] هل تختص الإباحة بالمعلمة المحترفة بتعليم [القرآن] أو تعم النسوة؟ فيه وجهان:
فعلى الأول تقتصر على ما يتعلق بحاجة التعليم في زمان الحيض.
وعلى الثاني لا تختص؛ بل تصير كالطاهرة فيه؛ فلتقرأ ما شاءت.
وقد حكى عن القديم: أن لها إذا خافت النسيان أن تقرأ.
قال: ومس المصحف؛ لقوله- تعالى-: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩].
وقد روى الدارقطني من طريق سليمان بن موسى عن سالم عن ابن عمر قال:
стр. 605
قال رسول الله ﷺ "لا يَمَسَّ الُقْرآنَ إِلا طَاهِرُ".
قال: وحمله؛ لأنه في معناه.
قال: والجلوس في المسجد؛ لقوله- ﵇: "إِني لا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِجُنُبِ وَلاَ حَائِضٍ" رواه أبو داود؛ ولأن حدثها أشد من الجنابة، وقد قال- فيها: ﴿وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣].
قال بعضهم: لو قال الشيخ: "واللبث في المسجد" كما قال في الجنب- كان أحسن من قوله: "الجلوس"؛ إذ يوهم أن القيام جائز، وقد رأيته كذلك في بعض النسخ.
وإذا حرم اللبث حرم الاعتكاف؛ لأنه لبث مخصوص.
قال: وقيل: يحرم عليها العبور فيه؛ حذاراً من التلويث؛ فإن الدم قد يزيد؛ فيلوث المسجد، وهو ظاهر نصه؛ فإنه قال: "وأكره مر الحائض في المسجد"، وهو الأصح في "النهاية"، ولم يحك الماوردي هنا غيره.
[قال:] وقيل: لا يحرم؛ كما لا يحرم على الجنب، وهذا اختيار أبي إسحاق وابن سريج، وإليه ميل ابن الصباغ، وهو الأصح عند الرافعي، ولم يحك البندنيجي والشيخ في "المهذب" غيره، وكذا الماوردي في كتاب الصلاة.
ومحل الخلاف إذا أمنت التلويث بأن تلجمت، واستثفرت على العادة، والدم على العادة، فإن تركت ذلك، أو جاوز الدم قدر العادة- حرم وجهاً واحداً.
قال الرافعي وغيره: وهذا ليس من خاصية الحيض؛ بل المستحاضة ومن به سلس البول، ومن به جراحة نضاحة، يخشى من مروره التلويث- ليس له العبور.
وقد رأيت في "تعليق القاضي أبي الطيب" عند الكلام في الصلاة على الميت في المسجد: أن الحائض إذا لم تكن قد استحكمت [من] نفسها، واستوثقت، فإنه
стр. 606
يكره لها دخول المسجد، وإن كان محكماً لم يكره لها دخوله، ودل كلامه-[ثَمَّ] – على أنها كراهة تنزيه.
وقد عد الشيخ في "المهذب" من المحرمات عليها: الطهارة، واعترض عليه بأن المحرم يتعلق بالإثم بفعله، وأي إثم عليها في إمرار الماء على بدنها؟ وأجيب عنه بوجهين:
أحدهما: أنه أراد بقوله: "حرم" امتناع الصحة؛ لأنه قال في تعليله: لأن الحيض يوجب الطهارة، وما أوجه الطهارة منع صحتها؛ كخروج البول، فاستنتج دليله بمنع الصحة؛ فدل على أنه مراده، وبه صرح أبو الطيب حيث قال: إنه يمنع من صحة الغسل؛ فإن الجنب إذا حاضت لم يصح غسلها عن الجنابة.
واعترض عليه ابن الصباغ بأن ما قاله يرجع إلى تعلق الغسل بالحيض؛ لأن الغسل لا يفيد شيئاً؛ لوجود الحيض أي: وهو قد ذكر من أحكام الحيض وجوب الغسل؛ فهو إذن مكرر، ومثل هذا لا يرد على الشيخ؛ لأنه لم يذكر وجوب الغسل به.
والثاني: إجراؤه على ظاهره، ويكون ذلك إذا قصدت بفعلها التعبد؛ فإنها فعلته في حال لا يصح منها مع العلم، ومن فعل ذلك فقد ارتكب محرماً؛ لتلاعبه؛ ولهذا المعنى قلنا: إنه يحرم عليها الصوم، وإلا فالإمساك بدون قصد القربة، لا يحرم عليها، ولا فرق في عدم صحة الطهارة منها بين الصغرى والكبرى.
نعم، إذا قلنا: الحائض تقرأ القرآن، فأجنبت صح غسلها للجنابة، قاله الإمام.
قال الشيخ أبو محمد: ويصح غسلها لأجل الإحرام والوقوف بعرفة؛ لأنه فيهما للنظافة لا للطهارة.
قال: وإذا انقطع الدم ارتفع تحريم الصوم، لأن تحريمه بالحيض لا بالحدث؛ بدليل صحته من الجنب، والحيض قد زال؛ فوجب زوال موجبه؛ لأن الحكم إذا ثبت لعلة زال بزوالها.
قال: وتبقى سائر المحرمات- أي: التي ذكرها- إلى أن تغتسل، ووجهه في
стр. 607
المباشرة قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي: ينقطع دمهن، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: اغتسلن ﴿فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ﴾ فأتبع الشرط [الشرط] فتوقف الحل على وجودهما؛ كما لو قال لامرأته: لا تكلمي زيداً، فإذا كلمت زيداً ودخلت الدار، فأنت طالق- لا يقع الطلاق عليها إلا عند وجود الشرطين.
ومثل هذه [الآية] قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].
وقيل: إن نظيره قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فإن مفهوم الآية يقتضي ارتفاع التحريم السالف بنكاح [غيره] ومطلق التحريم لا يرتفع؛ بل الذي يرتفع: التحريم الناشئ من الطلاق الثلاث وإن بقي تحريم كونها أجنبية منه وفي نكاح غيره.
كذلك تحريم الوطء في الحيض يرتفع بانقطاع الدم وإن بقي تحريم مواقعتها قبل الغسل الدال عليه قوله- تعالى-: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾، وهذا حسن بالغ.
فإن قيل: لا نسلم أنهما شرطان؛ بل شرط واحد، والتقدير: لا تقربوهن حتى يطهرن- أي: ينقطع حيضهن- ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ - أي: انقطع حيضهن- ﴿فَآتُوهُنَّ﴾.
وإن سلمنا أن المراد بالثاني: التطهر [بالماء]، فلا نسلم أنه للغسل؛ بل هو غسل الفرج أو غسل أعضاء الوضوء.
قلنا: أما الأول فعنه أجوبة:
أحدها: أن ابن عباس ومجاهداً قالا: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: اغتسلن بالماء؛ وبهذا يحصل جواب الثاني أيضاً.
والثاني: أن التطهر في الآية منسوب إليهن، وانقطاع الدم ليس إليهن، فلو كان هو المراد لقال: فإذا طهرن.
стр. 608
والثالث: أنه مدح المتطهرين، والمدح إنما يكون على ما يفعله المرء، وقد ذكرنا أن انقطاع الدم ليس إليهن.
والرابع: أنه قرئ ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ بالتشديد، وهي تقتضي توقف إباحة القربات على فعل الطهرة بعد انقطاع دمهن.
وأما الثاني فجوابه- غير ما ذكرناه:- أن التطهر ورد في القرآن بمعنى الغسل؛ فحمل عليه، قال الله- تعالى-: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] ووجهه فيما عدا المباشرة؛ لأن المنع منه لأجل الحدث، وهو باق.
وقد أفهم كلام الشيخ أن التيمم [لا] يقوم مقام الغسل في إباحة ما ذكرناه إذا وجد شرطه، ولا شك في أنه يقوم مقامه؛ ولذلك قال بعضهم: كان الأحسن أن يقول: "ويبقى سائر المحرمات إلى أن يتطهرن"؛ ليندرج فيه التيمم.
قلت: هذا قد دل عليه قوله: "يجب التيمم عن الأحداث كلها إذا عجز عن استعمال الماء"، فلم يكن به حاجة إليه، بل لو قال ذلك لكان صريحاً في أنها إذا عدمت الماء والتراب- يحرم عليها الصلاة، والمذهب وجوبها، كما سلف.
لكن لك أن تقول: الصلاة عند فقد الماء والتراب ليست بصلاة حقيقة؛ وإنما هي صورة صلاة؛ ولذلك يحرم عليها فيها قراءة القرآن، على رأي، ويجب إعادتها.
والمشهور في هذه الحالة: أنه لا يباح للزوج وطؤها، وبه جزم المتولي والقاضي الحسين والماوردي وحكى الرافعي وجهاً آخر: أنه يجوز كصلاة الفرض.
وهذا القائل يشبه أن يكون هو القائل بأنه يحتاج عند كل وطء إلى تيمم؛ كما يحتاج عند كل صلاة فرض إليه؛ كذا حكاه الماوردي وجهاً في المسألة.
стр. 609
والمشهور أنه يكفيه تيمم واحد لوطئات.
نعم، الخلاف مشهور في أنها إذا تيممت وصلت فريضة: هل تستبيح الوطء؟ وكذا [فيما] إذا تيممت لفريضة وخرج وقتها: هل تستبيح الوطء بعد خروجه، والصحيح فيهما: نعم.
قال في "التتمة": ويباح وطؤها بالتيمم في الحيض كما تباح الصلاة.
فرع: الذمية إذا انقطع حيضها لا يجوز للزوج وطؤها حتى يغسلها.
قال القاضي الحسين: وينوي الزوج عنها، وإذا أسلمت لم يجب عليها الغسل، على أصح الوجهين في "تعليق القاضي الحسين" قال: وهما جاريان في المجنونة إذا انقطع حيضها، واغتسلت في حال جنونها لأجل الوطء، وأفاقت هل يجب عليها الغسل، أم لا؟ وقضية هذا التشبيه أن يكون المغسل لها الزوج، وينوي عنها.
وقد قال الإمام في باب غسل الميت: إنا لا نبيح لزوجها قربانها حتى تغتسل، والنية لا تتأتى منها؛ فيكفي في استحلالها إيصال الماء إلى بدنها.
نعم، لو أفاقت هل تعيد الغسل؟ فيه خلاف كالخلاف في الذمية إذا اغتسلت لتحل للزوج المسلم، ولم يصر أحد من أئمتنا إلى أن قيمها يغسلها وينوي عنها، كما ذكرنا أن غاسل الميت ينوي عنه، بل لم يتعرضوا لذلك بنفي [ولا إثبات].
والخلاف- كما قال الإمام- جار [فيما] إذا امتنعت، وغسلها زوجها؛ فإنه يستبيح وطأها، [وهل تستبيح الصلاة]؟ فيه الوجهان.
قال الإمام: وفي المسألة احتمال حسن وهو القطع بإيجاب الغسل عليها من
стр. 610
حيث إنها امتنعت عن النية، وهي من أهلها.
واعلم أن بعض الشارحين أورد على الشيخ سؤالاً، فقال: الطلاق يحرم بالحيض، فيزول [التحريم] بمجرد الانقطاع من غير غسل؟ ولم يستثنه الشيخ.
قلت: وهو غير وارد؛ لأن كلامه عائد إلى ما ذكره من المحرمات، والطلاق لم يذكره؛ فإنه محرم على الزوج لا عليها.
نعم، العبور في المسجد إذا قلنا: إنه يحرم عليها، يزول على وجه حكاه الماوردي والإمام ورجحه في "الروضة"، والشيخ لم يستثنه.
وجوابه: لعل الشيخ رأى أنه لا يزول؛ كما اقتضى كلام الإمام ترجيحه وإن قال في "الروضة": إنه ليس بشيء.
فإن قلت: قولك: إنه لم يذكر الطلاق؛ فإن تحريمه على الزوج- باطل بذكره تحريم الاستمتاع بها فيما بين السرة والركبة، وهو حرام على الزوج.
قلت: لا؛ فإن تحريم الاستمتاع بذلك شامل لهما، بخلاف الطلاق في الحيض.
واعلم أن تحريم الصلاة وإن دام إلى الغسل، لا يسقط قضاء ما فات من الصلوات بعد الانقطاع وقبل الغسل، كما في الجنب، وهذا مما لا خلاف فيه، وبه صرح الماوردي [وغيره].
قال: وأقل النفاس مجة.
النفاس- بكسر النون-: الدم الخارج من الفرج بعد ولادة ما تنقضي به العدة. مأخوذ من النفس: وهي الدم، ولا فرق [فيه] بين أن يكون الخارج حياً أو ميتاً، ولا بين أن يكون الدم أسود أو أحمر، مبتدأة كانت المرأة في الولادة أو لا، وهذا مما لا خلاف فيه.
نعم، اختلفوا [في أمور:
أحدها:] الصفرة والكدرة، هل تكون نفاساً في غير المعتادة، أم لا؛ كما
стр. 611
اختلفوا في مثلها في الحيض؟ صرح به الفوراني، وصاحب "العدة" والبغوي وغيرهما، وقطع الماوردي بأنها نفاس [لأن الولادة للنفاس] فلم يحتج إلى اعتبار شاهد في الدم، وليس كذلك الحيض.
الثاني: الدم الخارج عقيب العلقة والمضغة التي شهد القوابل أنه يخلق منها الولد لو بقيت، إذا قلنا: لا تنقضي بها العدة، ولا يثبت بها الاستيلاد- قال الماوردي: لا يكون نفاساً.
وأطلق المتولي القول بأنه يكون نفاساً.
الثالث: الدم الخارج مع الولد، لا قبله ولا بعده، هل يكون من النفاس أم لا؟ فيه وجهان:
اختيار أبي إسحاق وابن القاص: أنه نفاس، وهو الأصح في "الشامل"، وقال في "الكافي": إنه الأصح في طريق العراق.
والمذهب في "تعليق البندنيجي"، والأصح في غيره، وفي طريقة صاحب "الكافي": لا.
الرابع: الدم الخارج قبل الولادة إذا اتصل بالدم الخارج بعدها، حكى الماوردي-[في أنه] هل يكون نفاساً أم لا- وجهين.
أما إذا لم يتصل بما بعد الولادة، فلا يكون نفاساً، وجهاً واحداً.
وسلك الإمام في حكاية الخلاف طريقاً آخر، فقال: إذا طلقت، وبدت مخايل الولادة، وانحل الدم- فالمذهب: أنه لا يكون نفاساً.
وحكى صاحب "الإفصاح" وجهاً بعيداً: أنه نفاس حتى يعتبر ابتداؤه منه، وهو غير معدود من المذهب.
ثم حيث قلنا: لا يكون ما قبل الولادة نفاساً فهل يكون حيضاً؟ إن قلنا: إن الحامل لا تحيض، فلا، ويكون دم فساد.
وإن قلنا: إنها تحيض، وكان بين انقطاعه وبين ما جعلناه نفاساً مدة أقل الطهر فهو [دم] حيض؛ وإلا فوجهان:
стр. 612
أصحهما: أنه حيض، كما سلف.
وقيل: إذا بدت مخايل الطلق لا يكون الدم الخارج نفاساً ولا حيضاً؛ حكاه في "العدة".
إذا عرفت ما هو النفاس فأقله- كما قال الشيخ- مجة، [أي: دفعة] وهي برفع الميم، مأخوذة من "مججت الماء": إذا رميت به من فيك، وكأن الرحم رمى بالدم رمية واحدة، ثم ينقطع.
ودليله الاستقراء.
وعبارة الغزالي وإمامه والفوراني: أن أقله لحظة.
وأبو الطيب يقول: [إن] أقله ساعة، وهو ما حكاه ابن الصباغ عن بعض نسخ المزني والبندنيجي وابن الصباغ والشيخ في "المهذب".
والأكثرون يقولون: لا حد لأقله.
وقال الماوردي: إنه لا نص للشافعي في كتبه عليه؛ وإنما روى أبو ثور عنه أنه قال: "أقله ساعة"، واختلف الأصحاب [في] أن الساعة حد لأقله أم لا؟ على وجهين:
أحدهما- وبه قال أبو العباس وجماعة البغداديين-: نعم.
والثاني- وبه قال البصريون-: أنه لا حد لأقله؛ وإنما ذكر الساعة تقليلاً وتعريفاً، لا أنه جعلها حداً، وأقله مجة من دم، وهذا ما ذكره الشيخ، وقد قال ابن يونس: إنه الموجود في بعض نسخ المزني.
وأثر الخلاف [يظهر]- كما قال المزني- فيما إذا ولدت، ولم تر دماً، هل
стр. 613
يصح غسلها قبل مضي ساعة [من الولادة؟ إن قلنا: إن أقله ساعة]، فلا، [وهو] الأصح.
وهذه المرأة تسمى ذات الجفوف، ومثلها في نساء الأكراد كثير.
وقد اختار المزني لنفسه أن أقله [أربعة أيام؛ لأن أكثر النفاس أربعة أضعاف أكثر الحيض؛ فكان أقل النفاس] أربعة أضعاف أقل الحيض.
قال الإمام: وهذا غير لائق بفقه المزني وعلو منصبه؛ فإن المقادير لا تنبني على الخيالات السخيفة.
وأنا أقول: هذا إنما قاله المزني؛ تخريجاً على مذهب الشافعي: أن أكثره ستون يوماً؛ وإلا فمذهب المزني أنه أربعون يوماً، كما سنذكره.
قال: وأكثره ستون يوماً، كذا دل عليه الاستقراء.
قال الأوزاعي: عندنا امرأة ترى النفاس شهرين.
وعن ربيعة: أنه كان يقول: أدركت الناس يقولون: أكثر ما تنفس المرأة ستون يوماً.
وفي "ابن يونس" أن المزني قال: وأكثره أربعون يوماً، ولم أره في غير منسوباً إليه؛ بل تفاريعه التي [تأتي] تدل على موافقته المذهب في أن أكثره ستون يوماً.
نعم، حكى عن صاحب "البحر" أنه روى عن بعض الأصحاب: أن أكثره أربعون يوماً؛ تمسكاً بما رواه أبو داود عن أم سلمة أنها قالت: "كانت النفساء تجلس على
стр. 614
عهد رسول الله ﷺ أربعين يوماً وأربعين ليلة".
стр. 615
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
стр. 616
وقال الخطابي: إن محمد بن إسماعيل أثنى على هذا الحديث.
وحكى الدارقطني: أن أم سلمة سألت النبي ﷺ : [كم] تجلس المرأة إذا ولدت؟ قال: "أَرْبَعُونَ يَوْماً إِلا أَنْ تَرىَ الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ".
وقد حكى أبو عيسى الترمذي في "جامعه" عن الشافعي- ﵁ ما يوافقه؛ فإنه روى فيه [عنه] أنه قال: إذا جاوز دم النفاس أربعين، لم تدع الصلاة بعد ذلك.
стр. 617
والصحيح الأول، والخبر محمول على بيان الغالب منه.
وابتداؤه يكون من بعد الولادة إذا اتصل بها الدم على المذهب، وهو ما حكاه البندنيجي، ورد به على أبي إسحاق.
وقيل: إنه من الم الذي خرج مع الولد؛ [بناء] على مذهب أبي إسحاق.
وقيل: إنه من الدم الذي خرج قبل الولادة، وجعلناه نفاساً، كما سلف.
أما إذا لم يخرج بعد [الولد دم]، ورأته بعد ذلك، ولم ينته النقاء إلى أقل الطهر، فهل يكون ابتداء النفاس من وقت الولادة أو من وقت رؤية الدم؟ فيه وجهان في "النهاية"، والمذكور منهما في "تعليق القاضي الحسين": [الثاني].
ولو كان الدم قد طرأ بعد مضي أقل الطهر من حين الولادة، فالأصح في "تعليق القاضي الحسين" أنه حيض.
وقيل: إنه نفاس، ويظهر على هذا أن يجيء في وقت ابتدائه الوجهان.
[قال: وغالبه أربعون يوماً؛ لما ذكرناه من الخبر، وهو الغالب في الوجود].
قال: وإذا عبر الدم الأكثر- أي: جاوز الستين- فهو كالحيض في الرد إلى التمييز، أي: إذا كانت [المرأة مميزة] بأن ترى الدم القوي والضعيف ولم يزد القوي على أكثره فترد إليه؛ كما ذكرناه في الحيض، وهذا إذا كان الدم القوي هو الأول.
فلو كان الضعيف الأول، والقوي بعده- فيظهر أن يقال: إن كانت مدة الضعيف أقل من أقل الطهر، يتخرج على الوجهين في أنه هل يشترط في التمييز أن يقع القوي أولاً أم لا؟
وإن كان الضعيف أكثر من أقل الطهر فهو كما لو لم تر الدم عقيب الولادة، ورأته بعد خمسة عشر يوماً منها، وقبل مضي ستين يوماً، وقد سلف.
стр. 618
ولا فرق في الرد إلى التمييز عند وجود شرطه- كما سلف في الحيض- بين أن تكون المرأة معتادة أو غير معتادة [على المذهب].
[وقيل: النظر في المعتادة إلى العادة] دون التمييز، كما مضى مثله في الحيض.
قال: والعادة، أي: إذا [كانت المرأة] لها عادة تعرفها؛ بأن ولدت ثلاث مراـ، ونفاسها فيها أربعون يوماً، ثم ولدت ودام بها الدم، وكذا لو ولدت مرتين، ونفاسها أربعون، على المشهور.
ولو ولدت مرة واحدة، ورأت النفاس أربعين [يوماً] ثم ولدت ثانياً، واستمر بها الدم- ففيها الخلاف؛ كما في الحيض.
قال: والأقل والغالب، أي: إذا كانت المرأة مبتدأة في النفاس، ففيما ترد إليه القولان في المبتدأة في الحيض.
أحدهما: أقل النفاس.
والثاني: غالبه.
وقيل: إنها ترد إلى الأقل قولاً واحداً، والمشهور الطريقة الأولى؛ كما في الحيض.
والتعليل السالف في رد المبتدأة إلى أقل الحيض يقتضي ألا يجعل للمبتدأة في النفاس إذا أطبق [بها] الدم [نفاس] أصلاً؛ بناء على أنه [لا أقل] للنفاس؛ فإنه يحتمل أن تكون ذات جفوف، وقد أشار إليه البندنيجي بقوله: إذا لم يكن لها
стр. 619
تمييز ولا عادة، فكم تنفس؟ على قولين:
أحدهما: اليقين لحظة، أو لا شيء أصلاً.
والثاني: غالب نفاس النساء. وهذا لم أره في غيره، وإن اقتضاه التخريج- كما ذكرنا- بل قال الأصحاب: لو كانت عادة المرأة أن تلد ولا تنفس إذا ولدت، وولدت واستحيضت- فهي كالمبتدأة في النفاس؛ فيجري فيها القولان، حكاه الإمام وغيره.
ولهؤلاء أن يقولوا: لا نسلم أن تعليل رد المبتدأة في الحيض إلى أقله يقتضي ألا يجعل لها نفاس أصلاً؛ بل مقتضاه: أن يجعل لها نفاس؛ لإجماعهم على أن المبتدأة ما رأته من الدم حيض، وإن احتمل أن يكون جميعه دم فساد، وهو يدل على أن مرادهم باليقين في القدر، لا في أصل الوجود، والله أعلم.
وما ذكره الشيخ في الأحوال الثلاثة هو المذهب في "تعليق البندنيجي" و"الكافي"، والأصح في غيرهما، ووراءه وجهان:
أحدهما: أن الدم إذا جاوز الستين كانت الستين نفاساً، وما زاد استحاضة، وقد نسبه المتولي إلى المزني، وحكاه في "العدة" قولاً عن الشافعي والصورة كما ذكرنا.
والثاني: أن النفاس ستون، وما زاد عليها حيض بشرطه.
قال ابن الصباغ: وهذا بناء على قولنا: إنها إذا رأت الدم قبل الولادة يكون حيضاً إذا قلنا: [إن] الحامل تحيض، وهو ما حكاه الإمام عن الشيخ أبي حامد، وقال: إنه متروك عليه.
والفرق بين أن يتصل الدم بآخر النفاس وبأوله: أن الدم المتصل بأوله قوي يتخلل الولادة؛ فإن الولادة إذا تخللت أقوى من الطهر يتخلل، ولا كذلك إذا [ما] اتصل بآخره.
ومحل هذا الوجه – كما قال الماوردي- فيمن لم تكن مبتدأة بالحيض والنفاس، أما المبتدأة بهما: فلا خلاف في أن ما جاوز الستين استحاضة.
نعم، هل يكون نفاسها الستين، أو ما سلف؟ فيه الخلاف، وكلام الرافعي كالصريح في أن الخلاف في المعتادة كالمبتدأة؛ لأنه لما ذكر أن ظاهر المذهب ما
стр. 620
ذكره الشيخ، قال: وفيه وجهان آخران:
أحدهما: أن الستين نفاس وما زاد استحاضة بخلاف ما في نظيره من الحيض؛ لأن الحيض محكوم به ظاهراً لا قطعاً؛ فجاز أن ينتقل عنه إلى ظاهر آخر، والنفاس مقطوع به؛ إذ الولادة معلومة، والنفاس هو الدم الخارج بعد الولادة؛ فلا ينتقل عنه إلى غيره إلا بيقين، وهو مجاوزة الأكثر.
فعلى هذا يجعل الزائد استحاضة إلى تمام طهرها المعتاد.
والمردود إليه في المبتدأة، أي: من أكثر الطهر أو غالبه أو أقله، على ما مر. ثم ما بعده حيض.
وعلى المذهب الذي اقتصر الشيخ على إيراده في الأحوال الثلاثة، ما حكمنا بأنه نفاس وانقضى، جعلناه بمنزلة حيضة كاملة، ويحكم بأن ما بعده طهر، ونحيضها على ما يقتضيه حالها، كما سلف.
قال الإمام: ولا يبعد على طريقة أبي حامد أن نجعل ما نحيضها إياه [يعقب ما] اعتددنا به نفاساً، وهو غير معتد به.
стр. 621
وقد أفهم قول الشيخ: "فهو كالحيض .. " إلى آخره: أن المتحيرة، والذاكرة للعدد الناسية للوقت، والذاكرة للوقت الناسية للعدد- لا تكون في النفاس. ولا شك في أن المتحيرة لا تتصور في النفاس؛ بناء على المذهب المشهور [في أن] من عادتها ألا ترى نفاساً أصلاً إذا ولدت، ورأت الدم، وجاوز الستين-أنها كالمبتدأة؛ لأنه حينئذ يكون ابتداء نفاسها معلوماً وبه ينتفي التحير.
وأما الذاكرة للعدد الناسية للوقت: فيتصور بأن تقول: عادتي أن أنفس عشرة أيام، وما أدري هل كنت أراها عقب الولادة أو [بعدها] وقيل: تقضي مدة أقل الطهر من حين الوضع.
أو تقول: كنت أعلم أني لا أراه في أول يوم الولادة، ولا أعلم هل كنت أراه في ثانيه أو ثالثه أو رابعه؟ وهكذا إلى تمام أربعة عشر يوماً.
وإذا تصور ذلك أمكن أن نجعلها كالذاكرة للعدد الناسية للوقت في الحيض، وإن لم أره للأصحاب؛ ولعل تركهم لذلك بناء على ما سلف في أن ذات الجفوف إذا رأت الدم [وأطبق بها] حتى جاوز الستين يكون لها نفاساً.
نعم، هل تكون العشرة التي هي عادتها تعقب ولادتها أو لا؟ فيه نظر، والله أعلم.
وأما الناسية للعدد الذاكرة للوقت فتصورها سهل، وقد صرح الأصحاب فيها بقولين:
أحدهما: أنها كالمبتدأة، وهو ما رجحه الإمام؛ لأن ابتداءه معلوم.
والثاني: أنها تأخذ بالأحوط في قضاء الصلوات.
ولا تتصور فيما عدا ذلك؛ لأنا لا نأمرها بالاحتياط إلا عند مجاوزة الدم أكثر النفاس، وحينئذ يحكم بانقطاع حكم النفاس يقيناً؛ فلا يبقى معه احتياط في المستقبل.
وفي "تعليق القاضي الحسين": أنا على قول الاحتياط نأمرها بالصوم، وتقضي وتصلي، ولا يأتيها زوجها أبداً. وهذا قد يستنكر؛ لما ذكرنا.
وجوابه: أن هذا ليس لاحتمال أن يكون زمن صيامها وصلاتها ووطئها نفاساً؛ ولكن لأنه يجر لبساً في ابتداء دورها في الطهر والحيض، وإليه أشار الإمام.
стр. 622
وحكم التلفيق في النفاس كالتلفيق في الحيض، والستون [فيه] كالخمسة عشر يوماً في الحيض، والشروط: الشروط، فإذا ولدت ورأت ساعة دماً ثم [نقاء ساعة] أو يوماً أو أياماً دون خمسة عشر يوماً، ثم رأت دماً ثم نقاء، وهكذا- فالدم نفاس، وفي النقاء الذي بينه قولان، قال أبو الطيب: ولا يختلف المذهب فيه.
نعم، لو رأت الدم أولا، ثم النقاء خمسة عشر يوماً، ثم رأت يوماً وليلة دماً، وهكذا إلى تمام الستين- فالدم الأول نفاس، وفي الدم الثاني وما بعده وجهان:
أحدهما: أنه دم حيض، وهو ما صححه القاضي الحسين.
والثاني: أنه نفاس.
فعلى هذا في الطهر الذي بين الدماء القولان في التلفيق، فلو كان [ما رأته] من الدم بعد النقاء دون أقل الحيض، فعلى القول في المسألة قبلها: إنا نجعله حيضاً، نجعله في هذه [المسألة] دم فساد، وعلى القول الآخر نجعله نفاساً، وفيما بين الدماء من النقاء- على هذا- القولان.
قال الصيدلاني: ومحل الخلاف في جعل الدم الطارئ بعد الطهر الكامل نفاساً- إذا انقطع على الستين، فأما إذا جاوز الدم الستين، وصارت مستحاضة: فالذي بعد الطهر الكامل ليس بنفاس وجهاً واحداً؛ وإنما هو حيض.
قال الإمام: ولا وجه عندي غير هذا وما أطلقه الأئمة منزل عليه.
فرع: محله تقدم، ولكن أخرناه؛ لأنه يتعلق بأصول سلفت:
إذا ولدت توءمين بينهما زمان، فمن أي وقت يعتبر ابتداء النفاس؟ فيه أوجه: أحدها: عقيب ولادة الأول.
قال الصيدلاني: بشرط ألا تنقضي مدة [أكثر] النفاس قبل ولادة الثاني، فإن انقضت قبل ولادته [اعْتُبِرَ له] نفاس ثان؛ باتفاق أئمتنا.
وقال الشيخ أبو محمد: إذا فرعنا على أنه نفاس واحد، فإن ابتداءه من الأول، فما رأته بعد ولادة الثاني- وقد مضت مدة أكثر النفاس من ولادة الأول- دم فساد، وهذا ولد تقدمه النفاس.
стр. 623
ومنهم من قال: يكون ما بعد ولادة الثاني- والصورة كما ذكرنا- دم حيض.
وقد حكى الوجهين القاضي الحسين، وكذا الإمام قال: إنهما مفرعان على قولنا: إن ما رأته الحامل من الدم قبل الوضع يكون دم فساد، أما إذا قلنا: إنه يكون حيضاً، فهنا أولى.
والفرق: أن الغالب في الحامل أنها لا ترى دماً لانسداد فم الرحم، فإن رأته فقد تقدر أنه دم فساد؛ لندوره فنزل منزلة ما تراه الصبية قبل التسع، فأما إذا ولدت وانفتح فم الرحم فاسترخاء الدم من الرحم ليس بدعاً؛ بل النادر ألا ترى دماً [إذا ولدت].
قال: ثم إذا جعلناه حيضاً، فلو كان بين ما رأته قبل الولادة وبعدها أقل من أقل الطهر لم نحكم بأنه حيض؛ [إذ التفريع على أنه حيض] يوجب مراعاة أحكام الحيض فيه، وهذا بعيد عن التحصيل، وبه يظهر ضعف ما فرع عليه.
والثاني: من عقيب ولادة الثاني، وهو المذهب في "تعليق البندنيجي"، والأصح في "الكافي" وكذا عند الشيخ أبي محمد والبغوي وأصحابنا العراقيين، كما قال الرافعي.
فعلى هذا ما رأته من الدم قبل ذلك، هل يكون دم فساد أو حيض؟ فيه الوجهان.
قلت: والوجهان في الأصل يشبه أن يكون مأخذهما: أن الدم الخارج مع الولد هل يكون نفاساً أو لا؟ لأن بقاء الولد الثاني بمنزلة بقاء بعض الولد الأول.
وكذلك أجراهما المتولي فيما لو أسقطت عضواً من الولد، ورأت الدم بعده.
والثالث- وهو الأصح عند الإمام والمتولي، والمختار في "المرشد" – أن لكل ولد نفاساً، فإن تم نفاس الأول قبل ولادة الثاني، ابتدأت للثاني نفاساً كاملاً، وإن ولدت الثاني قبل استكمال نفاس الأول، دخلت بقية النفاس الأول في الثاني، كما في العدة.
قال: وإذا نفست المرأة- أي: رأت دم النفاس- حرم عليها ما يحرم على الحائض- أي: حتى تمكين الزوج أو السيد من الاستمتاع بها فيما بين السرة والركبة أو بالوطء فقط- ويسقط عنها ما يسقط عن الحائض- أي: إذا نفست غالب النفاس أو أكثره- ووجه ذلك: أنه دم حيض احتبس لأجل الحمل؛ فكان خروجه مجتمعاً كخروجه في وقته؛ ولهذا قال الأصحاب: إنه يحرم على الزوج الطلاق فيه، وبه صرح
стр. 624
الرافعي في كتاب الطلاق وإن كان كلامه هنا بخلافه.
أما إذا جرى أقل النفاس فلا تسقط الصلاة وإن حرم فعلها، نبه عليه البندنيجي.
تنبيه: نفست المرأة: بضم النون وفتحها، والفاء مكسورة فيهما؛ إذا ولدت- أي: ورأت الدم- ويقال في الحيض: نفست بالفتح لا غير، كذا قاله النواوي.
وقال ابن التلمساني: نفست المرأة- بضم النون-: إذا ولدت لا غير، وبالفتح والضم إذا حاضت.
قال: وتغسل المستحاضة فرجها؛ للطهارة عن النجاسة، وتعصبه- أي: وجوباً- إذا كان الدم كثيراً؛ ليرد الدم وعليه [يدل] قوله- ﵇: "فَإِذَا خَلَّفَتْ [ذلك] فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لتَسْتثفِرْ بثَوْبٍ، ثُمَّ [لتُصَلِّ] " كما رواه أبو داود.
وتستثفر بتاء معجمة باثنتين من فوق مفتوحة، وسين مهملة ساكنة، وتاء مفتوحة بثلاث ساكنة، وفاء مكسورة، وراء مهملة، ومعناه: أن تجعل المرأة على قبلها خرقة أو غيرها والقطن أمس؛ لأنه جاء في حديث حمنة بنت جحش: أنه- ﵇ قال لها: "أَنْعَتُ لَكِ الكُرْسُفَ؛ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ"، فلو احتاجت إلى حشو الفرج بذلك حشته.
نعم، لو كانت صائمة، قال الرافعي: لا تفعل ذلك بالنهار، وهذا يدل على أنها
стр. 625
تفطر به، وهو آخر جوابي القاضي الحسين.
ولقائل أن يقول: قد تعارض في هذا مصلحة الصلاة والصوم، فأيهما تقدم؟ ينبغي أن يتخرج على ما إذا ابتلع بعض خيط قبل الفجر، ثم طلع وطرفه خارج، كما سنذكره في الصوم.
وإذا فعلت ما ذكرناه، أخذت خرقة أخرى مشقوقة الطرفين فتدخلها بين فخذيها، وتضعها على ما وضعته على الفرج، وتخرج أحد طرفيها إلى بطنها والآخر إلى صلبها، وتشد أحد الطرفين بالآخر إلى خاصرتها اليمنى، ثم تفعل بالطرف الآخر كذلك على خاصرتها اليسرى، وهذا مأخوذ من ثفر الدابة الذي يجعل تحت ذنبها يمسك به السرج، وهكذا يفعل بالميت إذا غسل.
فإذا فعلت المستحاضة ذلك محكماً، وسال الدم بعد ذلك لم يضر، دون ما إذا قصرت في الشد؛ فإنه يلزمها استئناف الطهارة والصلاة، وهذا إذا سال في الصلاة.
[فأما إذا] سال قبل دخولها في الصلاة- ولا تقصير من جهتها- ففي وجوب استئناف الطهارة وجهان في "الحاوي"، وبنى عليهما: أنه لو جرى في الصلاة ولا تقصير، هل تتنفل بعد فراغها أم لا؟
ولو كان الدم يسيراً كفاها سد الفرج [بقطعة قطن] ونحوها، ومحل وجوب التعصيب إذا كانت لا تتأذى به، فإن تأذت به، وأحرها اجتماع الدم في الموضع- فلا يلزمها، وتباح لها الصلاة مع السيلان، قاله في "التتمة".
فرع: إذا زايلت العصابة محلها، وجب التبديل والتنظيف؛ لتعدي النجاسة محل العفو.
وقال الإمام: إن كانت المزايلة بحيث لا يمكن الاحتراز منها عفي عنها؛ كما يعفى عن الانتشار في محل الاستنجاء.
تنبيه: تعصبه: هو بفتح التاء وإسكان العين، وبتخفيف الصاد، ويجوز ضم التاء، وفتح العين، وتشديد الصاد.
قال: وتتوضأ لكل فريضة؛ لقوله- ﵇ لفاطمة بنت أبي حبيش: "وَإِذَا
стр. 626
كَانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقُ" رواه أبو داود. وجاء في رواية الترمذي أنه- ﵇ قال لها: "فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ، فَدَعي الصَّلاة، وَإِذَا أَدْبَرَتْ، [فَاغْسِلي عَنْكِ] الدم وتوضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت".
ووضوءها يبيح الصلاة، ولا يرفع الحدث، على المذهب.
فعلى هذا فلا يجزئها إلا نية استباحة الصلاة؛ كما في التيمم.
وقد قيل: إنه يرفع الحدث، وقياسه: أن تصح بنية رفع الحدث فقط، ولم أره.
وقيل: يرفع الحدث الماضي دون المستقبل والمقارن؛ وعلى هذا تنوي رفع الحدث الماضي، والاستباحة للمقارن والمستقبل، وبه قال القفال، وغلطه الإمام.
تنبيه: قول الشيخ: "وتتوضأ" بالواو- يقتضي أنه لا يشترط تعقب الوضوء غسل الفرج وتعصيبه، وقد قال في "الحاوي": إنه شرط.
وإن توضأت بعد تطاول الزمان من ذلك، كانت كالعادم للماء إذا تيمم وعلى بدنه نجاسة بقدر على غسلها، هل يصح؟ وفيه وجهان:
أحدهما: أن وضوءها باطل بكل حال، وتستأنف غسل الفرج والوضوء.
والثاني: أنه جائز، وتغسل الفرج إن أمكن.
ويمكن أن يحمل كلام الشيخ على ما قاله في "الحاوي" بأن تحمل الطهارة [في] قوله: "بعد الطهارة" على طهارة الحدث والخبث، والله أعلم.
وقوله: "لكل فريضة" ظاهره يفهم أنه عائد إلى الوضوء فقط، وهو وجه حكاه
стр. 627
الأصحاب، وقالوا: لا يجب تجديد غسل الفرج وتعصيبه إلا إذا ظهر الدم، والأصح وجوب ذلك عند كل صلاة؛ لأن باطن ذلك نجس، واحتمل في صلاة واحدة للضرورة.
فعلى هذا يكون قول الشيخ: "لكل فريضة" عائداً إلى غسل الفرج وتعصيبه، والوضوء.
وقوله: "لكل فريضة" يفهم أن النوافل لا يتوقف فعلها على ذلك، وهو المذهب سواء بقي وقت الفريضة أو خرج، وبه جزم في "الكافي" وغيره.
وقيل: إنه إذا خرج الوقت لا تتنفل.
وقيل لا تستبيح النافلة بحال، وإن استباحت الفريضة مع الحدث الدائم للضرورة، حكاه في "الروضة".
قال: ولا تؤخر بعد الطهارة الاشتغال بأسباب الصلاة- أي: كستر العورة، والتحري في القبلة، والأذان، والإقامة، وانتظار الجمعة والجماعات، والدخول فيها؛ تصوناً من خروج الحدث بقدر الإمكان.
ومن هذا يؤخذ أنها لو توضأت قبيل الوقت بحيث اتصل آخره بأول الوقت- يجوز، وقد حكاه بعضهم عن رواية ابن الصباغ عن بعض الأصحاب، لكن الأصح في "النهاية" وبه جزم البندنيجي والماوردي وأبو الطيب: [أنه] يجب أن يقع كله في الوقت.
فرع: إذا كانت ترجو أن يقع الانقطاع في آخر الوقت، فهل الأفضل في حقها التأخير أو التعجيل؟ فيه وجهان كما في التيمم، حكاه في "التتمة".
قال: فإن أخرت-[أي]: لغير سبب من أسباب الصلاة- ودمها يجري، استأنفت الطهارة- أي: ابتدأتها- لأن ما جرى من الحدث كان يمكن الاحتراز عنه؛ فنقض الطهارة؛ كما في غير المستحاضة؛ وهذا ما حكاه الماوردي وجهاً في المسألة، وصححه، واختاره في "المرشد"، وحكاه أبو الطيب احتمالاً عن ابن سريج مع آخر: أنها لا تستأنف؛ بل لها أن تصلى ما لم يخرج الوقت.
وقال أبو الطيب: إنه [الذي] قاله الأصحاب، وردوا احتمال ابن سريج الأول.
والماوردي لم ينسب لابن سريج غير الثاني، ثم قال: وفيه وجه ثالث: أنه يجوز تأخيرها؛ لانتظار أسباب كمالها: كالجماعة، وقصد البقاع الشريفة، وأن يبادر بسترة
стр. 628
يستقبلها وما جرى هذا المجرى؛ لأن تأخير الصلاة لهذه الأسباب مندوب إليه. ولا يجوز تأخيرها لغير هذه الأسباب؛ لأنه ليس مندوباً إليه. وهذا صريح في جواز التأخير لانتظار الجماعة، والمشهور الأول.
وقيل: لها أن تصلي به وإن خرج الوقت، حكاه في "الشامل"، وهو ينسب [إلى] الخضري.
قال: وإن انقطع دمها في أثناء الصلاة- أي: انقطاعاً مبتدأ لم تجر عادتها به- استأنفت الطهارة والصلاة؛ لأن علة العفو عما عليها من النجاسة وما يتجدد من الحدث بعد الوضوء- الضرورة، وقد زالت، وهذا نصه.
وقيل: تمضي فيها؛ كالمتيمم إذا رأى الماء في [أثناء الصلاة] فإن النص: أنه يمضي، ومنه خرج ابن سريج هذا القول؛ كما خرج من هنا إلى ثم قولاً: أنه يستأنف، والصحيح تقرير النصين، والفرق: أن المستحاضة لم تأت عن طهارة الحدث المتجدد والخبث ببدل، بخلاف المتيمم؛ فإنه أتى عن طهارة الحدث بالبدل، ولا خبث عليه.
نعم، لو كان على بدنه نجاسة غير معفو عنها، فهو نظير المسألة.
وعن الشيخ أبي محمد: أن أبا بكر الفارسي حكى قولاً عن الشافعي- ﵁: أنها تخرج من الصلاة، وتتوضأ، وتزيل النجاسة، وتبني على صلاتها.
وقيل: يمكن أن يكون هذا بناء على القول القديم في سبق الحدث.
وفي "تعليق القاضي الحسين" في كتاب التيمم: أن أبا بكر الفارسي حكى في "عيون المسائل" في المستحاضة قولين، ثم قال: إذا قلنا: لا تمضي على الصلاة، فإذا اغتسلت وعادت، هل تبني، أو تستأنف؟ حكمها حكم من سبقه الحدث وهو في الصلاة.
قال في "الكافي": والمراد بالانقطاع ألا يخرج الدم إلى الظاهر.
أما إذا كان عادته أن ينقطع ويعود قبل إمكان إتمام الصلاة- مضت فيها قولاً واحداً.
نعم، لو دام الانقطاع أعادت، قولاً واحداً.
وعن الشيخ أبي حامد حكاية عن ابن سريج: أنه يتخرج على الخلاف في الانقطاع المبتدأ في الصلاة.
стр. 629
وإن كان عادته أن ينقطع، ولا يعود حتى يمضي قدر إمكان الطهارة والصلاة، أو أخبرها أهل الخبرة بأن مثل هذا الدم هذا حاله- استأنفت، قولاً واحداً، وهذا يكون في حق من صلت عند ضيق الوقت؛ إذ من عادتها أن ينقطع عنها الدم هذا القدر- لا يجوز لها أن تصلي مع جريان الدم في آخر الوقت، كما قدمناه، فلو أنه عاد على خلاف عادتها قبل الإمكان، ففي وجوب إعادة الوضوء وجهان، أظهرهما: أنه لا يجب.
ولو انقطع دمها قبل الدخول في الصلاة انقطاعاً مبتدأ، فقد أفهم كلام الشيخ: أنها تستأنف الطهارة، قولاً واحداً.
والماوردي قال: إن كان ذلك ولم يبق من الوقت ما يسع الطهارة والصلاة- فحكمها كما لو انقطع في الصلاة، وإن كان الوقت يسعهما، استأنفت قولاً واحداً، فلو عاد قبل إمكان الطهارة، ففي وجوب إعادتها الوجهان.
ولو خالفت حين انقطع وصلت، فعاد الدم: إن قلنا: لو عاد قبل الصلاة تستأنف الطهارة، فهنا تستأنف الطهارة والصلاة؛ وإلا فوجهان عن ابن سريج، أصحهما: الاستئناف المتردد في النية.
قلت: ونظيرهما ما لو صلى رجل خلف خنثى، ثم ظهرت رجوليته من بعد.
[والوجهان يجريان- كما قال الغزالي- فيما إذا انقطع دمها وبعد من عادتها العود].
قال الرافعي: وإذا قلنا بالصحيح فلو توضأت بعد الانقطاع، وشرعت في الصلاة، ثم عاد الدم- فهو حدث جديد، يجب عليها أن تتوضأ، وتستأنف الصلاة.
قال: وحكم سلس البول وسلس المذي- أي: الذي يحدث من غير سبب من وطء ونحوه- حكم المستحاضة لأنها نجاسة متصلة لعلة، تنقض الطهارة؛ فكانت كدم الاستحاضة؛ فيجري فيها جميع ما سلف.
ولا يجوز لمن به سلس البول أن يعلق قارورة يقطر فيها؛ لأنه يحمل نجاسة في غير معدنها بغير ضرورة.
أما من يحصل له سلس المذي بسبب من الأسباب فحدثه كسائر الأحداث في
стр. 630
غسله، ووجوب الوضوء.
ومن به سلس النجو كمن به سلس الاستحاضة [ومن به] سلس الريح، يتوضأ لكل فريضة، ومن به سلس المني، عليه أن يغتسل لكل فريضة.
قال الماوردي: قال الشافعي- ﵁: وقل من يستديم به المني؛ لأن معه تلف النفس.
ومن به جرح يخرج منه الدم، أو ناصور- وهو علة تحدث في حوالي المقعدة، ويقال بالسين أيضاً- حكمه حكم المستحاضة فيما يرجع إلى سده وغسله في أول دفعة، وكذا عند كل صلاة على أحد الوجهين، ولا يجب تجديد الوضوء بحال إلا أن يخرج الدم من أحد السبيلين كدم البواسير.
ولو كان به جرح غير سائل، فسال في حال الصلاة- انصرف، وغسل الجرح، واستأنف الصلاة وجوباً، قاله في "الكافي".
فرع: من بها دم فساد، فيه وجهان في "الحاوي":
أحدهما: أن حكمها حكم المستحاضة فيما ذكرناه.
والثاني: أنه حدث كسائر الأحداث وإن كان في ندرته كسلس المذي، والفرق: أنه إذا وقع يدوم، وهذا لا يدوم، وإن دام فهو آيل إلى حيض أو استحاضة.
تنبيه: سلس البول وسلس المذي: إن قرأته بنصب اللام، تعين أن تقول: "حكم الاستحاضة، وهو المذكور فيما وقفت عليه من النسخ، وإن قرأته بكسر اللام، تعين أن تقول: "حكم المستحاضة"؛ لأنه يكون صفة للرجل.
فرع: إذا كان من به سلس البول لو صلى قائماً، سال بوله، وإن صلى قاعداً استمسك، فهل المستحب أن يصلي قاعداً أو قائماً فيه وجهان، أصحهما في "الروضة" و"الكافي": الثاني، ولا يعيد على الوجهين معاً، والله أعلم.
стр. 631
باب إزالة النجاسة
قال: النجاسة: هي البول .. إلى آخره، فاعلم أن الشيخ لما تكلم في إزالة النجاسة احتاج إلى تعريفها؛ إذ الكلام على الشيء بالرد والقبول فرع كونه معقولاً.
والنجاسة لغة: كل مستقذر.
وفي اصطلاح العلماء: كل عين حرم تناولها على الإطلاق مع إمكانه، لا لحرمتها، أو استقذارها، أو ضررها في بدن أو عقل.
وما ذكره الشيخ: أنواعها، وقد قيل: هذا يجوز؛ فإن النجاسة حكم الشرع على الأعيان المذكورة بامتناع استصحابها في الصلاة، وهذه الأعيان يتعلق الحكم بإطلاق النجاسة عليها كإطلاق العلم على المعلوم والقدرة على المقدور.
قلت: ولأجله حسن قول الشيخ من بعد: "وما ينجس بذلك" وإلا كان كلاماً ركيكاً وقد اعترض بعضهم على الشيخ، فقال كلامه يدل على أمرين:
أحدهما: أن هذه الأعيان نجسة.
والثاني: نفي النجاسة عما سواها. وليس الثاني بثابت.؛ لما ستعرفه.
وأنا أقول: الأول دال على أن هذه الأعيان نجاسة لا نجسة، والثاني ثابت؛ لأن كلام الشيخ يشمل ما ذكره وما في معناه، كما سنبينه- إن شاء الله تعالى- ومنه يظهر لك: أنه لا شيء بعده؛ فصح كلامه.
والدليل على نجاسة البول قوله- ﵇: "اسْتَنْزِهُوا منَ الْبَولِ؛ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الَقبْر مِنْهُ" رواه الدارقطني.
وقال- ﵇ لما مر بقبرين: "إِنَّهُما لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِير: أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْله" رواه مسلم.
وفي رواية "لاَ يَسْتَنْزِهُ عَنِ البَوْلِ أَوْ مِنَ البَوْلِ"؟
стр. 632
والظاهر أن الألف واللام في الخبر وكلام الشيخ؛ للتعميم، وقد استثنى أبو جعفر الترمذي بول رسول الله ﷺ لما روي عن أم أيمن أنها شربت بوله ﵇؛ فقال لها: "إِذَن لاَ تَلِجُ النَّارَ بَطْنُكِ".
وبعضهم استثنى بول ما يؤكل لحمه، ويقال: إنه قول الشافعي.
والرافعي قال: إنه قول الإصطخري، وإن الروياني اختاره؛ لأن النبي ﷺ طاف بالبيت على البعير، فلولا أن بوله طاهر، لما فعل ذلك؛ خشية من التلويث المطلوب عكسه بقوله- تعالى-: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِي﴾ [الحج: ٢٦].
وأئمة المذهب حملوا خبر أم أيمن على التداوي، وكذا قوله- ﵇ للعرنيين: "لَوْ خَرَجْتُمْ إِلَى إِبِلنَا، فَأَصَبْتُمْ مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا"؛ فإن عندنا يجوز التداوي بجملة النجاسات إلا الخمر؛ كما تقدم في الأطعمة، وهي قضية عين
стр. 633
تطرق إليها الاحتمال فسقط بها الاستدلال.
وقد قال الشافعي في خبر العرنيين: إنه منسوخ؛ إذ فيه أنه مثل بهم، ثم قام في مقام الأمر بالصدقة، ونهى عن المسألة؛ كذا حكاه الإمام عنه.
وطوافه على البعير لا يدل على طهارة بوله؛ كما أن حمله أمامة بنت أبي العاص في الصلاة لا يدل عليه، والطفل أسوأ حالاً من البهيمة في إرسال النجاسة، على أن عادة الإبل أنها لا ترسل، النجاسة في سيرها.
قال: والغائط؛ لقوله ﵇: "إِنَّمَا تَغْسِلُ ثَوْبَكَ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَنِي وَالدَّمِ وَالْقَيْء" رواه أحمد من حديث ثابت بن حماد بسنده عن عمار، وقد خرجه الدارقطني والبزار، وثابت بن حماد أحاديثه مناكير.
والغائط – في الأصل-: [هو المكان] المطمئن، وأطلق على الفضلة المستقذرة
стр. 634
[من الآدمي]؛ لملازمتها له في الغالب.
والسرجين من البهائم [في معناه].
وقد روى البخاري عن ابن مسعود أنه- ﵇ أُتِي بحجرين ورَوْثة؛ فألقى الروثة، وقال: "إِنَّهَا رِجْسُ"، ويروي: "رِكْسُ"، وهو الرجيع، وذرق الطيور في معناه.
والقول- أو الوجه- المحكي في بول ما يؤكل لحمه مطرد في روثه وذرقه حكاه صاحب "البيان" والرافعي.
وعلى الأول- وهو المذهب-[في] جرو السمك والجراد وما لا نفس له سائلة وجهان في "الإبانة"، وكذا الوجه المحكي في بول رسول الله ﷺ جار في روثه، كما قال في "الإبانة" و"تعليق القاضي الحسين".
وهما فيما لا نفس له سائلة مفرعان- كما قال الإمام- على قولنا بطهارة ميتته، واستبعد القول بطهارة روثه؛ فإن ميتته لا تحل؛ فلا يؤثر القول بطهارة ميتته في طهارة روثه؛ فإن الآدمي لا ينجس بالموت، وفضلاته نجسة ولكن الفرق واضح.
وفي "تعليق البندنيجي" أنه سأل الشيخ- يعني: أبا حامد- عن جرو السمك والجراد؛ فإن الناس يأكلون الصغار من ذلك على جهته؟ فقال: كل هذا طاهر، فقلت: فما الذي يصنع بقول الشافعي: "لأنه بول"؟ فقال: ينبغي أن يقال: هو نجس، فقلت: فما تقول في جب أقام فيه سمك، ومعلوم أنه بال وذرق؟ فقال: ينبغي أن يكون الحكم في أبوال هذه وأوراثها- أنه نجس معفو عنه؛ لأن الاحتراز عنه لا يمكن.
والإنفحة من السخلة المأكولة إذا لم تطعم غير اللبن إذا ذبحت، طاهرة؛ لإطباق الأمم على استحلال الجبن مع علمهم بأن انعقاده بالإنفحة فنزلت من جهة الحاجة منزلة أصل اللبن الذي أبيح لأجل الحاجة.
стр. 635
وحكى الغزالي وإمامه والماوردي وجهاً: أنها نجسة، وهو القياس؛ لأنها لبن مجتمع في باطن الخروف، يستحيل فيخرج إذا ذبح ويخثر به اللبن، والمستحيل نجس.
قال الإمام في باب حد الزنى، والوجه القطع بالأول؛ لما ذكرناه.
وهي بكسر الهمزة، وفتح الفاء، والحاء المهملة المخففة، ويجوز [بتشديد الحاء].
قال: والمذي؛ لما روي عن علي قال: كنت رجلاً مذاء، فكنت أستحيي أن أسأل رسول الله ﷺ لمكان ابنته، فأمرت المقداد، فسأله فقال: "لِيَغْسِلْ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّا". رواه مسلم.
والمذي: بسكون الذال المعجمة، والياء المخففة، وقيل: إنه مكسور الذال، مشدد الياء، وقيل: إنه مكسور الذال مخفف الياء الساكنة.
وهو ماء أبيض رقيق [لزج] يخرج عند المداعبة والنظر بالشهوة وبغير شهوة.
وقد قيل: إن جزء من المني؛ لأن سببهما جميعاً الشهوة.
قال: والودي: وهو ماء أبيض ثخين يخرج عقيب البول، متقطعاً كدراً.
قال الإمام: والغالب أنه يخرج عند حمل شيء ثقيل، وفيه ثلاث لغات:
أشهرها: أنه بدال مهملة ساكنة.
والثانية- حكاها الجوهري-: أنه بتشديد الياء.
والثالثة- قالها صاحب "المطالع"-: أنه بالذال المعجمة.
ودليل نجاسته: أنه خارج من مخرج البول، لا يخلق منه [مثل أصله]؛ فكان كالبول، ولأنه يصحبه.
قال: وقيل: ومني غير الآدمي- أي مأكولاً كان أو غير مأكول- لأنه نجس بعد الموت؛ فكان نجساً قبل نفخ الروح فيه، وخالف مني الآدمي؛ فإنه طاهر بعد الموت، ولأنه
следующие страницы →