Полный текст (9 685 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
باب إزالة النجاسة
قال: النجاسة: هي البول .. إلى آخره، فاعلم أن الشيخ لما تكلم في إزالة النجاسة احتاج إلى تعريفها؛ إذ الكلام على الشيء بالرد والقبول فرع كونه معقولاً.
والنجاسة لغة: كل مستقذر.
وفي اصطلاح العلماء: كل عين حرم تناولها على الإطلاق مع إمكانه، لا لحرمتها، أو استقذارها، أو ضررها في بدن أو عقل.
وما ذكره الشيخ: أنواعها، وقد قيل: هذا يجوز؛ فإن النجاسة حكم الشرع على الأعيان المذكورة بامتناع استصحابها في الصلاة، وهذه الأعيان يتعلق الحكم بإطلاق النجاسة عليها كإطلاق العلم على المعلوم والقدرة على المقدور.
قلت: ولأجله حسن قول الشيخ من بعد: "وما ينجس بذلك" وإلا كان كلاماً ركيكاً وقد اعترض بعضهم على الشيخ، فقال كلامه يدل على أمرين:
أحدهما: أن هذه الأعيان نجسة.
والثاني: نفي النجاسة عما سواها. وليس الثاني بثابت.؛ لما ستعرفه.
وأنا أقول: الأول دال على أن هذه الأعيان نجاسة لا نجسة، والثاني ثابت؛ لأن كلام الشيخ يشمل ما ذكره وما في معناه، كما سنبينه- إن شاء الله تعالى- ومنه يظهر لك: أنه لا شيء بعده؛ فصح كلامه.
والدليل على نجاسة البول قوله- ﵇: "اسْتَنْزِهُوا منَ الْبَولِ؛ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الَقبْر مِنْهُ" رواه الدارقطني.
وقال- ﵇ لما مر بقبرين: "إِنَّهُما لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِير: أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْله" رواه مسلم.
وفي رواية "لاَ يَسْتَنْزِهُ عَنِ البَوْلِ أَوْ مِنَ البَوْلِ"؟
стр. 632
والظاهر أن الألف واللام في الخبر وكلام الشيخ؛ للتعميم، وقد استثنى أبو جعفر الترمذي بول رسول الله ﷺ لما روي عن أم أيمن أنها شربت بوله ﵇؛ فقال لها: "إِذَن لاَ تَلِجُ النَّارَ بَطْنُكِ".
وبعضهم استثنى بول ما يؤكل لحمه، ويقال: إنه قول الشافعي.
والرافعي قال: إنه قول الإصطخري، وإن الروياني اختاره؛ لأن النبي ﷺ طاف بالبيت على البعير، فلولا أن بوله طاهر، لما فعل ذلك؛ خشية من التلويث المطلوب عكسه بقوله- تعالى-: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِي﴾ [الحج: ٢٦].
وأئمة المذهب حملوا خبر أم أيمن على التداوي، وكذا قوله- ﵇ للعرنيين: "لَوْ خَرَجْتُمْ إِلَى إِبِلنَا، فَأَصَبْتُمْ مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا"؛ فإن عندنا يجوز التداوي بجملة النجاسات إلا الخمر؛ كما تقدم في الأطعمة، وهي قضية عين
стр. 633
تطرق إليها الاحتمال فسقط بها الاستدلال.
وقد قال الشافعي في خبر العرنيين: إنه منسوخ؛ إذ فيه أنه مثل بهم، ثم قام في مقام الأمر بالصدقة، ونهى عن المسألة؛ كذا حكاه الإمام عنه.
وطوافه على البعير لا يدل على طهارة بوله؛ كما أن حمله أمامة بنت أبي العاص في الصلاة لا يدل عليه، والطفل أسوأ حالاً من البهيمة في إرسال النجاسة، على أن عادة الإبل أنها لا ترسل، النجاسة في سيرها.
قال: والغائط؛ لقوله ﵇: "إِنَّمَا تَغْسِلُ ثَوْبَكَ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَنِي وَالدَّمِ وَالْقَيْء" رواه أحمد من حديث ثابت بن حماد بسنده عن عمار، وقد خرجه الدارقطني والبزار، وثابت بن حماد أحاديثه مناكير.
والغائط – في الأصل-: [هو المكان] المطمئن، وأطلق على الفضلة المستقذرة
стр. 634
[من الآدمي]؛ لملازمتها له في الغالب.
والسرجين من البهائم [في معناه].
وقد روى البخاري عن ابن مسعود أنه- ﵇ أُتِي بحجرين ورَوْثة؛ فألقى الروثة، وقال: "إِنَّهَا رِجْسُ"، ويروي: "رِكْسُ"، وهو الرجيع، وذرق الطيور في معناه.
والقول- أو الوجه- المحكي في بول ما يؤكل لحمه مطرد في روثه وذرقه حكاه صاحب "البيان" والرافعي.
وعلى الأول- وهو المذهب-[في] جرو السمك والجراد وما لا نفس له سائلة وجهان في "الإبانة"، وكذا الوجه المحكي في بول رسول الله ﷺ جار في روثه، كما قال في "الإبانة" و"تعليق القاضي الحسين".
وهما فيما لا نفس له سائلة مفرعان- كما قال الإمام- على قولنا بطهارة ميتته، واستبعد القول بطهارة روثه؛ فإن ميتته لا تحل؛ فلا يؤثر القول بطهارة ميتته في طهارة روثه؛ فإن الآدمي لا ينجس بالموت، وفضلاته نجسة ولكن الفرق واضح.
وفي "تعليق البندنيجي" أنه سأل الشيخ- يعني: أبا حامد- عن جرو السمك والجراد؛ فإن الناس يأكلون الصغار من ذلك على جهته؟ فقال: كل هذا طاهر، فقلت: فما الذي يصنع بقول الشافعي: "لأنه بول"؟ فقال: ينبغي أن يقال: هو نجس، فقلت: فما تقول في جب أقام فيه سمك، ومعلوم أنه بال وذرق؟ فقال: ينبغي أن يكون الحكم في أبوال هذه وأوراثها- أنه نجس معفو عنه؛ لأن الاحتراز عنه لا يمكن.
والإنفحة من السخلة المأكولة إذا لم تطعم غير اللبن إذا ذبحت، طاهرة؛ لإطباق الأمم على استحلال الجبن مع علمهم بأن انعقاده بالإنفحة فنزلت من جهة الحاجة منزلة أصل اللبن الذي أبيح لأجل الحاجة.
стр. 635
وحكى الغزالي وإمامه والماوردي وجهاً: أنها نجسة، وهو القياس؛ لأنها لبن مجتمع في باطن الخروف، يستحيل فيخرج إذا ذبح ويخثر به اللبن، والمستحيل نجس.
قال الإمام في باب حد الزنى، والوجه القطع بالأول؛ لما ذكرناه.
وهي بكسر الهمزة، وفتح الفاء، والحاء المهملة المخففة، ويجوز [بتشديد الحاء].
قال: والمذي؛ لما روي عن علي قال: كنت رجلاً مذاء، فكنت أستحيي أن أسأل رسول الله ﷺ لمكان ابنته، فأمرت المقداد، فسأله فقال: "لِيَغْسِلْ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّا". رواه مسلم.
والمذي: بسكون الذال المعجمة، والياء المخففة، وقيل: إنه مكسور الذال، مشدد الياء، وقيل: إنه مكسور الذال مخفف الياء الساكنة.
وهو ماء أبيض رقيق [لزج] يخرج عند المداعبة والنظر بالشهوة وبغير شهوة.
وقد قيل: إن جزء من المني؛ لأن سببهما جميعاً الشهوة.
قال: والودي: وهو ماء أبيض ثخين يخرج عقيب البول، متقطعاً كدراً.
قال الإمام: والغالب أنه يخرج عند حمل شيء ثقيل، وفيه ثلاث لغات:
أشهرها: أنه بدال مهملة ساكنة.
والثانية- حكاها الجوهري-: أنه بتشديد الياء.
والثالثة- قالها صاحب "المطالع"-: أنه بالذال المعجمة.
ودليل نجاسته: أنه خارج من مخرج البول، لا يخلق منه [مثل أصله]؛ فكان كالبول، ولأنه يصحبه.
قال: وقيل: ومني غير الآدمي- أي مأكولاً كان أو غير مأكول- لأنه نجس بعد الموت؛ فكان نجساً قبل نفخ الروح فيه، وخالف مني الآدمي؛ فإنه طاهر بعد الموت، ولأنه
стр. 636
من الفضلات المستحيلة في الباطن؛ فكان نجساً كالبول؛ وهذا أظهر في "الرافعي.
فإن قيل: قضية هذا التوجيه، وكذا الأول إذا قلنا: إن الآدمي ينجس بالموت- أن يكون منيه نجساً.
قلنا: قد قال [به] صاحب "التلخيص" تخريجاً، كما قاله القاضي الحسين وغيره.
والماوردي قال: إن الكرابيسي حكاه عن القديم.
وفي "التتمة" حكاه عن الشافعي- ﵁ ولم يقيده بالقديم، وسوى بين رطبه ويابسه [وأنه يكفي فيه الفرك]، ويدل عليه خبر [عمار].
والصحيح: أنه طاهر؛ لخبر عائشة: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ ".
стр. 637
[أخرجه مسلم]، وفي بعض الطرق: "ثم يصلي فيه"، ولو كان نجساً لما اكتفى في إزالته بالفرك.
قال بعضهم: وفي الاستدلال بهذا نظر مع الحكم بطهارة بوله ﵇.
وجوابه: أنه ورد عنه ﷺ ما يدل على عدم اختصاصه بذلك، وهو ما روى الدارقطني عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ سئل عن المني يصيب الثوب، فقال: "أَمطْهُ عَنْكَ بِإذْخِرَةٍ؛ فَإِنَّمَا هُوَ كَمُخَاطٍ أَوْ بُزَاقٍ".
стр. 638
ولأنه لا يليق بكرامة الآدمي الحكم بنجاسة أصله؛ ولهذا حكمنا بطهارة لبنه.
وظاهر كلام الشيخ: أنه لا فرق في طهارة مني الآدمي بين الرجل والمرأة، وهو ما قال أبو الطيب: إنه المذهب الصحيح [ولم يحك البندنيجي غيره.
قال أبو الطيب:] وحكى ابن القاص [أن مني المرأة] نجس. وليس بمشهور.
وقال في التيمم: ولم يرد بذلك أن مني المرأة نفسه نجس، بل هو طاهر؛ وإنما [المراد]: أنه ينجس بملاقاته عرق فرج المرأة؛ فإنه نجس فينجس بملاقاته.
وعلى هذا ينطبق قول القاضي الحسين وغيره من المراوزة: إن طهارة مني المرأة تنبني [على] أن رطوبة فرجها طاهرة أم نجسة؟ وقد حكى الإمام عن صاحب "التلخيص"- وهو ابن القاص- طريقة على عكس ما ذكرناه، وهي الجزم بنجاسة مني المرأة، وحكاية القول في مني الرجل، وأن الأصحاب أنكروا عليه، ورأوا القطع بطهارة مني الرجل.
قال: [وقيل]: ومني ما لا يؤكل [لحمه] غير الآدمي؛ لما ذكرناه، وخالف مني الآدمي؛ لكرامته، ومني مأكول اللحم؛ لأن لبنه طاهر؛ فألحق به منيه.
وقد أفهم قول الشيخ: [وقيل] أن المذهب: أن مني كل حيوان طاهر، وهو وجه، قال في "الشامل": إنه ظاهر المذهب. وقال البندنيجي: إنه أقيس، واختاره في "المرشد".
وبيض ما لا يؤكل لحمه في معنى مني ما لا يؤكل [لحمه] ففيه الخلاف وهو مطرد في بذر القز.
والمذكور في "تعليق أبي الطيب" نجاسة بيض ما لا يؤكل لحمه.
وبيض ما يؤكل لحمة طاهر إجماعاً، وهل يجب غسل ظاهره؟ فيه خلاف يأتي.
نعم، لو ماتت الدجاجة ونحوها، وفي جوفها بيض، ففيه ثلاثة أوجه، حكاها الماوردي هنا، والروياني في "تلخيصه":
أحدها: أنه نجس؛ لأنه قبل الانفصال جزء منها.
стр. 639
والثاني: أنه طاهر؛ لتميزه عنها؛ فصار بالولد أشبه.
والثالث: إن كان قوياً فهو طاهر [مأكول] وإن كان ضعيفاً رخواً فهو نجس؛ وهو قول أبي الفياض وابن القطان، ولم يورد [أبو الطيب] في باب الأطعمة غيره، ورجه الروياني.
والقاضي الحسين والغزالي قالا: إن لم يتصلب، فهو نجس، وإن تصلب، فوجهان، وعليه جرى الرافعي.
قال: والدم؛ لقوله- تعالى -: ﴿أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، ولحديث عمار.
وظاهر الخبر وكلام الشيخ: أنه لا فرق بين دم ودم، حتى دم [ما لا نفس له] سائلة: كالبراغيث، والقمل، والبق، ونحو ذلك، وبه صرح أبو الطيب والقاضي الحسين.
والمعنى فيه ما قاله الإمام: [وهو] أن هذه الأشياء لا دم لها، ولكنها تقرص وتمتص، ثم قد تمجه.
وقد قال أبو جعفر الترمذي: إن دم رسول الله ﷺ طاهر؛ لأن أبا طيبة الحاجم شربه؛ فقال [له]﵇: "إذن لا تُتَّجع بَطْنك".
стр. 640
وأئمة المذهب يحملون ذلك على التداوي؛ ولذلك روي أنه- ﵇ نهاه عن ذلك.
وقيل: إن دم السمك طاهر؛ لأنه ليس على حقيقة الدماء، وأنه يبيض إذا بقي وغيره يسود.
والصحيح- كما قاله أبو الطيب قبيل كتاب الضحايا- أنه نجس؛ لما ذكرناه.
وقيل: إن الدم المتحلل من الكبد والطحال طاهر.
قال: والقيح؛ لأنه دم متعفن، والصديد في معناه، بل أولى، وكذا ماء القروح إن أنتن، وإن لم ينتن ففيه طريقان:
إحداهما: أنه طاهر، وهو المختار في "المرشد".
والثانية: حكاية قولين فيه:
أحدهما- نص عليه في "الإملاء"-: أنه كالعرق.
والثاني- نص عليه في "الأم"-: أنه كالقيح.
قال: والقيء؛ لحديث عمار، ولأنه من الفضلات المستحيلة في مقرها إلى فساد؛ فكان كالغائط، وهو مهموز.
وفي "التتمة" حكاية وجه: أنه إذا لم يتغير يكون طاهراً. وهو بعيد.
стр. 641
وفي معنى القيء المدة الصفراء والسوداء؛ فهي نجسة.
وفي البلغم الذي يقطع من المرئ وجهان:
أصحهما- في "الكافي" وهو المحكى عن الشافعي في "التتمة"-: أنه طاهر كالذي نزل من الرأس وهي النخامة فإنه لا خلاف في طهارتها.
وما يسيل من الفم عند النوم، قال في "التتمة"-: إن كان متغير الرائحة فهو كالقيء؛ وإلا فهو طاهر.
وقال غيره: إن كان من اللهوات فطاهر، وإن كان من المعدة فنجس [كالقيء]، وإن شك في أنه من الرأس أو من المعدة، فالأولى الاحتياط.
قال الأصحاب: والطريق في معرفة ذلك أنه ينظر: فإن طال زمنه فهو من المعدة، وإلا فمن اللهوات.
وقال في "الكافي": إن كان يميل إلى الصفرة فهو من المعدة، وإن كان لا يميل إليها فهو من الدماغ.
وظني أني رأيت لبعضهم: إن كان رأسه على وسادة، فهو من اللهوات؛ وإلا فمن المعدة.
قال: والخمر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ﴾ [المائدة: ٩٠] والرجس – بالسين- المرادبه: النجاسة، وأيضاً فقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ أمر بالاجتناب من كل وجه.
فإن قيل: بل المراد: المبعد؛ لأن الأنصاب والأزلام مبعدة [وليست بنجسة]
قيل: حمله على المبعد مجاز؛ فيستعمل فيما لم يمكن استعمال الحقيقة فيه خاصة وهو الأنصاب والأزلام، دون ما يمكن استعمال الحقيقة فيه وهو الخمر؛ وذلك بناء على جواز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه.
ولأنه مائع غير مضر حرم تناوله لمعنى فيه؛ فأشبه الدم، وهذا هو المذهب، سواء كانت الخمرة محترمة أو غير محترمة.
وقيل: إن كانت محترمة- وهي التي عصرت للخلية، فاستحكمت خمريتها- أنها
стр. 642
طاهرة؛ لحرمتها، ويضمنها متلفها.
قال الإمام: وهو بعيد جداً؛ فإن ما يجب الحد بشربه، يبعد الحكم بطهارته وضمانه؛ فالوجه أنها ليست مضمونة وإن حرم إتلافها؛ كالجلد الذي لم يدبغ [بعد].
وعن الشيخ أبي على حكاية وجه في المثلث المسكر- الذي [نحرمه ويبيحه] أبو حنيفة-[أنه] طاهر مع القطع بالتحريم.
قال الإمام: ولست أعرف له وجهاً.
ثم ما ذكرناه إذا كانت الخمرة ظاهرة، فلو استحال باطن حبات العنقود خرماً، ففي الحكم عليه بالنجاسة خلاف قدمناه.
وعبارة القاضي الحسين: أنه لو ألقى النورة وعناقيد العنب في الدن بنية الخل فصارت خمراً- لا خلاف أنها نجسة، وهل يجب الضمان على من أراقها، وهل يجوز بيعها؟ فيه وجهان:
أظهرهما: لا يحل البيع، ولا ضمان على المريق؛ كالمصفي.
والثاني: يحل البيع ويجب الضمان على المريق؛ لأنها غير معدة للشرب، بخلاف المصفى، حكاه في كتاب الرهن.
قال: والنبيذ؛ لأنه في معنى الخمر.
وعن "البيان" حكاية وجه: أنه طاهر؛ لاختلاف الناس فيه، بخلاف الخمر.
قال: والكلب؛ لقوله- ﵇: "طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُم إِذَا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ أَنْ يغسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أُولاهُنَّ بالتُّرَابِ"، وفي رواية: "إِحْداهُنَّ"، أخرجه مسلم.
وروى مسلم أيضاً أنه ﵇ قال: "إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إِنَاء أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ،
стр. 643
ثُمَّ ليَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ".
وهذان يدلان على نجاسة سؤره؛ إذ الأمر بتطهير الطاهر وإراقته، خلاف الظاهر، وإذا كان سؤره نجساً دل على نجاسة فمه، وإذا كان فمه نجساً كانت سائر أعضائه كذلك، لأن فمه أطيب من غيره، ويقال: إنه أطيب الحيوانات نكهة؛ لكثرة ما يلهث.
ومفهوم قوله- ﵇[في] الخبر المشهور: "الهِرَّةُ لَيْسَتْ بِنَجسَةٍ"
стр. 644
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
стр. 645
يعضد ما ذكرناه.
ولأن ما وجب غسله وإراقته، وجب أن يكون كنجاسة سائر النجاسات.
قال: والخنزير- قال [بعضهم]: للإجماع عليه، وفيه نظر؛ لأنه يقال: إن الإمام أحمد قال بطهارته، وحكى الفوراني ذلك عن مالك أيضاً، واستدل له الماوردي بقوله- تعالى-: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فإن المراد بلحم الخنزير: هو جملته؛ لأن لحمه قد دخل في عموم الميتة فكان حمله على ما ذكرناه من الفائدة أولى من حمله على التكرار.
وغيره قال: لأنه أسوأ حالاً من الكلب؛ لأنه يجب قتله، ولا يجوز الانتفاع به، بخلاف الكلب.
قال: وما تولد منهما- أي: من كلب وخنزير- لأنهما أصله.
قال أو من أحدهما- أي: وحيوان طاهر- لأن مبنى النجاسة على التغليب.
قال: والميتة- أي: لحمها وإهابها:
أما اللحم: فلقوله- تعالى-: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، وتحريم
стр. 646
ما ليس بمحرم ولا ضرر فيه، يدل على نجاسته.
وأما إهابها: فلقوله- ﵇: "أَيُّمَا إِهَاب دُبغَ فَقَدْ طَهرَ".
[وفي "التتمة" حكاية وجه عن رواية ابن القطان أن جلد الميتة لا ينجس بالموت؛ وإنما الزهومة التي في الجلد تصيره نجساً؛ فيؤمر بالدبغ لإزالتها؛ كما يغسل الثوب من النجاسة].
قال: إلا السمك والجراد؛ يحل تناولهما لقوله- ﵇: "أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ .. " الخبر المشهور.
стр. 647
والجراد- بفتح الجيم-: اسم جنس، واحدته: جرادة، ويطلق على الذكر والأنثى.
قال: والأدمي- في أصح القولين- لأنه- ﵇ قبل عثمان بن مظعون بعد موته ودموعه تجري على خده، ولو كان نجساً لما قبله مع طهور رطوبته.
стр. 648
ولأنا تُعُبدنا بغسله، والنجس لا يتعبد بغسله؛ لأن غسله يزيد النجاسة، كذا حكى عن ابن سريج.
ولأنه مكرم؛ كما دل عليه قوله- تعالى-: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]، ولا يليق بكرامته الحكم بنجاسبته؛ وهذا القول نص عليه في "الأم" وبه قال الأنماطي وأبو العباس.
قال الماوردي في الجنائز وسائر أصحابنا: ومقابله أنه نجس؛ لأنه حيوان طاهر في الحياة، غير مأكول بعد الموت، فكان نجساً كغيره.
ولأنا تعبدنا بغسله، ولا نؤمر بغسل الطاهرات. كذا قاله أبو إسحاق، وهذا القول أخذ من قول الشافعي: "إذا جبر عظمه بعظم نجس ومات لا يقلع؛ لأنه صار ميتاً كله"؛ فدل على أنه ينجس بالموت.
وكذا قوله في الجنائز: "ويتخذ إناءين: إناء يغرف به من الماء المجموع، فيصب في الإناء الذي يلي الميت، فإن تطاير من غسل الميت إلى الإناء الذي يليه لم يضر بالآخر- يدل على نجاسته أيضاً.
وكذا قوله: "لو اضطرب سن من أسنانه فأثبتها بذهب أو فضة لم تصح صلاته؛ لأنها صارت ميتة"، كذا حكاه عنه القاضي الحسين قبيل باب الساعات التي تكره فيها الصلاة، وابن الصباغ عزاه إلى نصه في "الأم" في باب الصلاة بالنجاسة.
وقد اختار هذا القول الصيرفي وأبو إسحاق، كما قال البندنيجي في الأطعمة، وقال في كتاب الصلاة: إنه المذهب.
وأبو الطيب نسب الأول إلى اختيار أبي إسحاق، والثاني إلى اختيار الأنماطي وأبي العباس، وقال: إنه القياس، فإنه لو قطع عضو منه في حياته لكان نجساً، ولو كان لا ينجس بالموت لم ينجس ما قطع منه كالسمك إذا قطع منه شيء لا ينجس. وهذا من القاضي يدل على الجزم بأن ما أبين من الآدمي نجس، وبه صرح في باب الصلاة بالنجاسة.
وغيره حكى فيه طريقين: أصحهما: القطع بنجاسته، والثاني: حكاية خلاف فيه. وعلى ذلك جرى الإمام والرافعي [هنا والماوردي] في الجنائز، لكن الماوردي
стр. 649
قال: الصحيح أنه نجس، ونسب القول بطهارته إلى الصيرفي.
والإمام قال: إنه الصحيح. وكذا الرافعي وطرد الخلاف في المبان من السمك والجراد ومشيمة الآدمي، وصحح القول بطهارة الجميع.
والمذكور في "تعليق أبي الطيب"، والبندنيجي، و"التتمة" نجاسة المشيمة، وكلام الشيخ الذي سنبينه يدل عليه.
وقد أفهمك استثناء الشيخ الأشياء الثلاثة التي ذكرها من الميتات نجاسة ما عداها منها، وذلك يشمل مسائل:
منها: ما ليس له نفس سائلة: كالذباب ونحوه، وهو ما عليه العراقيون وغيرهم.
وقال القفال: إنها طاهرة؛ لأن النجاسة إنما تأتي من قبل انحصار الدم وانحباسه في العروق بالموت، واستحالته وتغيره، وهذه الحيوانات لا دم لها ولا استحالة، وما فيها من الرطوبة كرطوبة النبات.
ومنها: الدود المتولد من الطعام، وهو ما حكاه البندنيجي، وتضمنه كلام الإمام عند الكلام في تنجس الماء بما [لا نفس له سائلة] وبعضهم حكى قولاً آخر وصححه: أنه طاهر تبعاً لأصله، وعليه جرى في "الكافي"، وكذا الغزالي حيث قال: وما يستحيل من الطعام كدود التفاح والخل- طاهر، على المذهب.
والرافعي قال: إن الخلاف فيه كالخلاف فيما لا نفس له سائلة، وإن ما ذكره الغزالي اختيار القفال.
وعلى الأول: لا ينجس الطعام؛ عفواً.
وعلى الثاني: يحل تناوله مع الطعامز
قال في "الوجيز": على الأصح، وهو يشعر بخلاف فيه، وقد حكاه في "الوسيط"
стр. 650
والمذكور في "النهاية" حل أكله معه، وحكاية الخلاف في حل تناوله مفرداً، وصحح التحريم.
ومنها- كما قال بعضهم-: الجنين الذي يوجد ميتاً عند ذبح الأم، وليس الأمر كما أفهمه كلامه؛ فإنه طاهر، وكذا الصيد إذا مات بالضغطة على أحد القولين.
وكان ينبغي أن يستثنيه مع ما استثناه.
وهذا السؤال قد أورد الرافعي مثله على الغزالي، ولا يرد عليهما: أما الجنين؛ فلأن ذكاته بذكاة أمه بنص الخبر، وليس داخلاً في اسم الميتة، والصيد الميت بالضغطة لعلهما لا يريان حله والله أعلم.
قال: وما لا يؤكل لحمه إذا ذبح؛ لأن ذبحه لا يفيد حل أكله؛ فكذا طهارته؛ قياساً على ذكاة المجوس طرداً، والمسلم عكساً.
قال: وشعر الميتة؛ لأنه متصل بالحيوان حالة حياته وموته اتصال خلقة؛ فينجس بموته كالأعضاء، ولأنه مندرج تحت اسم الميتة يدل عليه [أنه] لو حلف لا يمس ميتة حنث [بمسه]؛ كذا قاله الماوردي.
والحكم في صوف الميتة ووبرها وريشها كالحكم في شعرها؛ لأن ذلك في معناه، وما سنذكره من الخلاف مطرد فيه؛ كما صرح الأصحاب.
فرع: إذا رأى شعراً ولم يعلم أنه طاهر أم نجس: فإن علم أنه شعر مأكول اللحم، فهو طاهر، وإن علم أنه شعر غير ماكول فهو نجس، وإن شك فيه، قال الماوردي: ففي طهارته وجهان من اختلاف أصحابنا في أصول الأشياء: هل هي على الحظر [فيكون نجساً] أو على الإباحة فيكون طاهراً؟ وهذا فيه نظر؛ لأن الخلاف المذكور مفرع على القول بمسألة الحسن والقبح، ونحن لا نقول به.
стр. 651
قال: وشعر ما لا يؤكل لحمه إذا انفصل في حال حياته كالعضو الساقط منه حال حياته؛ وهذا ذكره الشيخ؛ بناء على ما جزم به في أن شعر الميتة نجس، وهو ما حكاه المزني والربيع بن سليمان المرادي والبويطي وحرملة وأصحاب القديم.
وروى إبراهيم البلدي عن المزني: أن الشافعي رجع عن تنجيس الشعور، وكذا حكاه القاضي الحسين في رواية لكنه لم يعزها لإبراهيم، [لم يذكر الفوراني غيرها]، وفي أخرى- وهي المشهور في كتب العراقيين-: أنه رجع عن قوله في شعور بني آدم: إنها نجسة، [وهي المنسوبة لإبراهيم].
والماوردي قال: إن ابن سريج حكى الأول عن الأنماطي عن المزني عن الشافعي، واختلف الأصحاب في هذه الرواية: فمنهم من لم يصححها، ومنهم من صححها، وهؤلاء اختلفوا في تعليل رجوعه:
فمنهم من علل ذلك بكرامتهم، وقال: الحكم في شعر غيره كما تقدم
ومنهم من قال: إنما رجع؛ لأنه ذهب إلى أنه لا روح فيه، بل قال الشيخ أحمد البيهقي: إن الشافعي قال في "الجامع": "إن الشعر لا روح فيه"، [وقال في كتاب الديات: "الشعر لا روح فيه"]، وعلى هذا فكل حيوان طاهر؛ فشعره طاهر حال الحياة وبعد الوفاة، على كل حال، وهذا لفظ البندنيجي وغيره من العراقيين.
وبعض المراوزة- لأجل هذه العلة- طرده في شعر الكلب والخنزير.
وقال الشيخ أبو محمد: إنه ظاهر المذهب.
стр. 652
وقال الإمام: إن أبا حامد المرورذي اختاره، وبه يحصل في الشعور أربع مقالات:
[طاهرة كلها].
طاهرة إلا شعر الكلب والخنزير.
نجسة كلها إلا شعر الآدمي، وهو الصحيح في "الإبانة".
نجسة كلها، وهو الصحيح.
وعلى هذا في طهارة شعر رسول الله ﷺ وجهان:
أصحهما- في "تعليق القاضي الحسين"، وينسب إلى أبي جعفر الترمذي-: أنه طاهر؛ لأنه- ﵊ فرق شعره بين أصحابه.
ثم ظاهر قول الشيخ: "وشعر ما لا يؤكل لحمه إذا انفصل في حال حياته" يقتضي إدخال شعر الآدمي وإن قلنا بطهارة جثته، [وهو ماض على طريقة أبي الطيب حيث جزم بنجاسة العضو المبان من الآدمي وإن حكمنا بطهارته] لأن الشعر على القول الذي عليه نفرع كالعضو، وقد صرح به الماوردي حيث قال- بعد حكاية [رواية] الرجوع عن تنجيس شعور بني آدم-: إن جمهور الأصحاب امتنعوا من تخريجها قولاً للشافعي- يعني في سائر الشعور وأما شعر بني آدم: فخرجوه على قولين:
أحدهما- وهو الأشهر عنه:- أنه نجس بعد انفصاله عنه؛ لأنه شعر من غير مأكول.
стр. 653
والثاني- وهو محكي عنه في الجديد: أنه طاهر؛ لأن ابن آدم لما اختص بالطهارة ميتاً، اختص شعره بالطهارة منفصلاً.
لكن البندنيجي وابن الصباغ والرافعي قالوا: إن الخلاف في طهارة شعر الآدمي ونجاسته مفرع على القول بأن الآدمي ينجس بالموت.
أما إذا قلنا: لا ينجس بالموت، كان شعره طاهراً على اختلاف أحواله.
قلت: والطريقة الأولى أقرب؛ عملاً بما قلناه، وأيضاً فإن القائل باختصاص الرجوع بشعر الآدمي علله بكرامة الآدمي، وهذا التعليل [ينافيه] الحكم بنجاسة [ميتته].
ثم حيث حكمنا بنجاسته عفي عن الشعرة والشعرتين منه في الثوب، وكذا في الماء القليل، كما حكاه البندنيجي وابن الصباغ.
وقد حكى الروياني العفو عن ذلك في الماء عن بعض الأصحاب، [وقال: إنه غلط].
قال الجيلي: ولو قطعت شعرة واحدة أربع قطع، فحكمها حكم الشعرة الواحدة؛ على الأصح، وإن الخلاف مبني على ما إذا تبددت النجاسة التي لا يعفى عنها- على البدن بحيث لا يدرك الطرف آحادها؛ فحكمها حكم ما لا يدركه الطرف أو حكم ما يدركه؟ فيه وجهان، أصحهما: الثاني، ذكره الغزالي في بعض تعاليقه.
قلت: وفي كلام الإمام الذي حكيته في باب طهارة البدن عند الكلام في العفو عن اليسير من سائر الدماء- إشارة إليه؛ فليطلب منه.
أما شعر ما يؤكل لحمه إذا انفصل منه في حال حياته [بتناثر فطاهر] كما جزم به القاضي الحسين والمتولي وغيرهما، وكذا إن انفصل منه بقطع أو قص، أو فصل منه بنتف، فوجهان:
وجه المنع: أن قطعه بمنزلة ذبح الحيوان، وقد حكاه الرافعي في المتناثر من الحيوان أيضاً.
стр. 654
والأصح فيهما الطهارة.
تنبيه: جزم الشيخ بنجاسة شعر ما [لا] يؤكل لحمه إذا انفصل في حال حياته يقتضي أموراً:
أحدها: إلحاق [ريش] ما لا يؤكل لحمه [به] كما ذكرناه؛ لأنه في معناه، وبه صرح غيره، وطرد القول بطهارته فيه.
وأما ريش ما يؤكل لحمه إذا فصل منه في حال حياته، وكذا الصوف والوبر من المأكول- كالشعر إذا فصل أو انفصل من المأكول، وقد تقدم.
الثاني: نجاسة ما انفصل منه من الأعضاء وغيرها من طريق الأولى، وذلك مما لا خلاف فيه إلا في الآدمي والمشيمة كما تقدم، وكذا فأرة المسك؛ فإنها تنفصل عن الظبية خلقةً وحشوها المسك، وتكون على موضع السرة منها، وهي ترمي في كل سنة فأرة، وينميها الرب- سبحانه- ملتحمة ثم تستشعر أطرافها قشفاً فتحتك بالصوان والمواضع الخشنة فتسقط.
وفي طهارتها وجهان، [أصحهما] الطهارة؛ لأنها تنفصل بالطبع؛ فهي كالجنين، ولأن المسك فيها طاهر، ولو كانت نجسة، لكان المظروف نجساً.
ومحل الوجهين إذا انفصلت في حياة الظبية كما ذكرنا أما إذا فصلت بعد موتها فهي نجسة؛ كاللبن.
قال الرافعي: [وقد] حكي وجه آخر: أنها طاهرة كالبيض المتصلب.
قال في "التتمة": والوسخ الذي ينفصل عن بدن الآدمي في الحمام وغيره- حكمه حكم ميتة الآدمي؛ لأن الوسخ متولد من البشرة.
قال: وكذلك الوسخ المنفصل عن سائر الحيوانات حكمه حكم الميتة.
الثالث: نجاسة ما انفصل منه من: قرن، أو ظفر، أو ظلف، أو سن، أو عظم- من طريق الأولى؛ لأن هذه بالأعضاء أشبه من الشعر بها، وقد اختلف الأصحاب في ذلك وفيه في الميت على طريقين:
стр. 655
إحداهما: إلحاقه بالشعر؛ فيكون فيه ما سلف من الخلاف؛ وهذه طريقة البندنيجي والماوردي.
والثانية: القطع بالنجاسة، وهي الصحيحة، واستدل لها في العظام بقوله- تعالى-: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ الآية: [يس: ٧٨] والإحياء للميت.
ولأنها تألم؛ فيدل على أن الحياة تحلها، وما حلته الحياة ينجس بالموت، خلا ما استثناه.
قال الغزالي: ولأن الودك فيها نجس فيدل على نجاسة الطرف؛ إذ لا حياة في الودك. وأراد أنا أجمعنا على أن الودك في حال الحياة طاهر، وبعد الموت نجس، والحياة لا تحله، فيقال: إنه ينجس بالموت؛ فدل على [أن] نجاسته بنجاسة ظرفه.
قال: ولبن ما لا يؤكل لحمه غير الآدمي؛ لأنه عصارته، وكان مقتضى القياس نجاسته من الآدمي، كما صار إليه بعض أصحابنا، لكنه خلاف المذهب؛ تكريماً له، وهذا في لبن المرأة، أما لبن الرجل: فقد جزم [به] ابن الصباغ في كتاب الرضاع، وقاس عليه لبن الميتة.
وعن الإصطخري: أنه قال بطهارة لبن ما يؤكل لحمه من الطاهرات، وبعضهم يحكي عنه طهارة لبن الأتن الأهلية، وجواز شربه لأن لحمها ولبنها كان مباحاً، فحرم اللحم وبقي اللبن على الإباحة فإن النسخ لا يثبت [فيه] قياساً.
قال: والعلقة؛ لأنها دم خارج من الرحم؛ فكان نجساً كالحيض، قاله أبو إسحاق.
ومقابله- قاله ابن أبي هريرة- أنه طاهر؛ لأنه مبتدأ خلق حيوان طاهر؛ فكان طاهراً [كالمني، ولأنها دم غير مسفوح فكان طاهراً] كالكبد والطحال، وهذا ما صححه الرافعي.
وقد أفهم قول الشيخ وما ذكرناه من التعليل [القول] بطهارة المضغة، وهو الأشبه؛ لأنها إلى المني أقرب.
وغيره صرح بإجراء الخلاف فيها، وصحح القول بطهارتها، وقال: إنه يجري في البيضة إذا صارت دماً.
стр. 656
وصحح الروياني القول بالطهارة أيضاً، وجزم في "الكافي" بنجاستها في هذه الحالة، وحكى الوجهين فيما إذا صارت علقة.
[قلت:] ولو رتب الخلاف فيها على الخلاف في العلقة من الآدمي وأولى بنجاستها- لكان له وجه مما أسلفناه: أن مني الآدمي طاهر، على المذهب، ومني مأكول اللحم وغير مأكوله مختلف فيه، ولا خلاف في الطهارة إذا اختلط البياض والصفرة [ولم يتبين].
قال: ورطوبة فرج المرأة في ظاهر المذهب؛ لأنها رطوبة متولدة من محل النجاسة؛ فكانت منها، وهي ماء أبيض يخرج من قعر الرحم.
وقيل: إنه طاهر كالعرق، وهو الأصح في "الكافي" [و"المحرر"] وقد حكاه الماوردي في باب ما يوجب الغسل نصاً عن الشافعي في [بعض] كتبه.
والشيخ في دعواه أن الأول ظاهر المذهب- اتبع فيه البندنيجي؛ فإنه قال هكذا في باب التيمم؛ لأن الشافعي قال في "الأم" كما حكاه هو وغيره [ثم]: وللرجل المسافر الذي لا ماء [معه وللمغرب] في طلب الإبل- أن يجامع أهله، ويجزئه التيمم إذا غسل [ما أصاب] ذكره، وغسلت ما أصاب فرجها أبداً حتى يجدا الماء؛ فإذا وجداه فعليهما أن يغتسلا.
[ولا جرم] قال ابن الصباغ في التيمم: إن القول بطهارتها خلاف النص.
وقال القاضي الحسين- عند الكلام في بيع المسك في الفأرة-: لعل الأصح أنها نجسة.
وقال الإمام في باب أجل العنين: وكان شيخي يقول: تردد الأصحاب في نجاسة بلل باطن فرج المرأة، مأخوذ من اعتقاد بعضهم أن ما وراء ملتقى الشفرين لا يثبت له
стр. 657
حكم البطون، ويلتحق بداخل الفم إلى قدر حشفة معتدلة، وهذا عندي [خطأ؛ فإن] ما وراء الملتقى، من باطن الفرج؛ فلا معنى [لإبداء المراء] في ذلك.
وهذا من الإمام يقتضي ترجيح القول بالنجاسة.
وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا جامع الرجل، هل يجب عليه غسل ظاهر ذكره وما أصابه من الرطوبة، وكذا غسل ظاهر البيض كما قال الماوردي والقاضي الحسين ونجاسة مني المرأة كما تقدم.
وأما إذا خرج من باطن فرج المرأة رطوبة، قال الإمام- ها هنا-: فلا شك في نجاستها.
ومأخذ القول بالطهارة- فيما ذكرناه- أنا لا نقطع بخروجها وبهذا ظهر الفرق بين رطوبة باطن فرج المرأة وباطن الذكر، حيث قلنا: إن رطوبة باطن فرج المرأة ينجس المني، ولا كذلك رطوبة باطن الذكر؛ لأنها لزجة لا يخرج منها شيء، ولا يمازجها ما يمر بها، وأمثالها من الرطوبات في الباطن لا حكم لها، ولا كذلك رطوبة باطن فرج المرأة.
قال: وما ينجس بذلك، أي: من الأعيان الطاهرة؛ لقوله- ﵇: "إِذَا وَقَعَتِ الفَارَةُ في السَّمْنِ، فَإِنْ كَانَ جَامِداً فَلْيُلْقِهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعاً فَلْيُرِقْهُ" رواه أبو داود.
стр. 658
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
стр. 659
وعدول الشيخ عن قوله: وما لاقى ذلك، إلى ما ذكره؛ لأنا مع الملاقاة قد لا نحكم عليه بالنجاسة، وذلك في صور:
إحداها: الماء الكثير إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره، فإنا لا نحكم باجتنابه وإن لاقته النجاسة؛ لأنا لم نحكم بنجاسته، وهذه الصورة ترد على من صور كلام الشيخ بأن تلاقي النجاسة العين الطاهرة وأحدهما رطب.
والثانية: الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة لا يدركها الطرف؛ على طريقة من يقول: لا تنجسه.
والثالثة: إذا وجدت الملاقاة بين جافين فإنا لا نحكم بالنجاسة.
стр. 660
نعم، دخان النجاسة إذا قلنا بنجاسته- كما هو الصحيح عند أبي الطيب وغيره في كتاب الأطعمة- إذا أصاب الثوب ونحوه وهو جاف في العفو عنه وجهان حكاهما القاضي الحسين في كتاب الصلاة من غير تفرقة بين القليل والكثير، وغيره فرق فقال: القليل يعفى عنه دون الكثير، وقال الماوردي: الكثير منه إذا أصاب الثوب في العفو عنه وجهان حكاهما في باب الأطعمة. فأفهم كلامه ذلك فيما إذا كان الملاقي له رطباً؛ فإنه قال: إذا قلنا: يعفى عن دخان النجاسة، فلو سجر التنور بالنجاسة، جاز الخبز عليه قبل المسح، وإلا فيجب مسح التنور قبل الخبز، والله أعلم.
ثم اعلم أن المتنجس بغيره تارة ينجس ظاهره فقط، وتارة ظاهره وباطنه؛ كما إذا طبخ اللحم بماء نجس، أو أسقى الحديد ونحوه بماء نجس، ونحو ذلك، وفي كل من الصورتين يمكن تطهيره وهو في الأولى بإفاضة الماء على الظاهر، وفي كيفية في الثانية وجهان:
أحدهما: يفعل بالماء الطاهر كما فعل بالنجس وهو ما حكاه المتولي، وكذا القاضي الحسين في كتاب الصلاة، وقال ثم: إن الدابة إذا راثت الشعير، فإن كان يصلح للزراعة ونبت فإنه يطهر إذا غسل بالماء، وإن كان بحيث لا ينبت لو زرع فإنه لا يطهر بالغسل. وعليه جرى في "التتمة" و"الكافي".
والثاني: يكفيه إفاضة الماء على ظاهره، وفي اللحم يعصره، وظاهر نص الشافعي على هذا؛ فإن البندنيجي حكى في صلاة الخوف أن الشافعي قال: إذا حمى السلاح بالنار ثم صب عليه شيء نجس، فقيل: قد شربته الحديدة- فإن غسل ذلك طهر؛ لأن
стр. 661
الطهارة كلها إنما جعلت على ما يظهر ليس على الأجواف. وكذا حكاه ابن الصباغ وقال في توجيهه: إن الباطن يتعذر إيصال الماء إليه وغسله؛ فيعفى عنه، ولم يحك غيره، وأنه يجوز أن يحمله في الصلاة.
والبندنيجي قال: إن هذا خلاف أصوله، لأنه يقول في الآجر إذا نجس ظاهره وباطنه: طهر ظاهره وجازت الصلاة عليه ولا تجوز فيه. وهذا يعضد الوجه الأول.
والكلام في الآجر استوفيناه في باب طهارة البدن والثوب.
ويقرب من هذا النوع ما حكاه القاضي الحسين في آخر باب ما يفسد الماء [لأن الخف] إذا خرز بالهلب لا تجوز الصلاة فيه قبل غسله؛ لنجاسته، وهل تجوز بعد غسله؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم.
والثاني: لا؛ لأنه لا يتصور غسل باطن الثقب؛ لأنها مشدودة بالخيط، ولا يمكن إدخال الماء فيها وهي نجسة، لأن الهلب أصابها وقت الخرز.
وكأن الهلب- والله أعلم-: ما يعمل في رأس الخيط [من شعر الخنزير]؛ ليوصل الخيط إلى الثقبة، وبه صرح الجوهري في "الصحاح"، والله أعلم.
قال: ولا يطهر شيء من النجاسة بالاستحالة إلا شيئان.
هذا الحصر يرد عليه- كما قال بعضهم-: العلقلة؛ إذا قلنا: إنها نجسة؛ فإنها تطهر باستحالتها آدمياً، وكذا البيضة المذرة تطهر إذا استحالت فرخاً، ودم الظبية إذا استحال مسكاً طهر.
وجوابه: أن ما حكمنا بنجاسته من ذلك لا تتصور استحالته؛ إذ العلقة قبل انفصالها من المرأة، وكذا دم الظبية قبل انعقاده مسكاً وانفصاله عنها لا يحكم بنجاسته، وإنما يحكم بنجاسة ذلك بعد الانفصال، وحينئذ لا يتصور طرآن استحالته؛ لما ذكرناه، ومن ذلك يؤخذ أن الحكم بنجاسة البيضة المذرة إذا كسرت،
стр. 662
أما قبل كسرها فما في جوفها كالعلقة المتصلة بالمرأة، لكن قد حكى الرافعي وغيره في صحة بيعها وجهين جاريين في بيع حبات استحال باطنها خمراً، والمذهب: المنع؛ لأجل النجاسة، وحكى وجهين فيما إذا حمل البيضة المذرة في الصلاة والحبات المذكورة، وأظهرهما: المنع، فلو سلم ما ذكرناه عن هذه الصورة، لكان ما ذكره الشيخ من الحصر لا يرد عليه شيء.
نعم، نقل وجه أن الأعيان النجسة إذا ألقيت في المملحة والطراية، فاستحالت، أو صارت الميتة تراباً: أنها تطهر كما ستعرفه في باب طهارة البدن [والثوب]، وهو خلاف المذهب.
وقيل: إن طهارة الجلد بالدباغ من باب الإزالة.
وتوسط الإمام، فقال: فيه إزالة الفضلات التي على الجلد وإحالة لنفس الجلد. والجمهور على ما ذكره الشيخ.
قال: الخمر؛ فإنها إذا انقلبت بنفسها خلا طهرت؛ لما روي أنه ﵇ قال: "خَيْرُ خَلِّكُمْ خَلُّ خَمْرِكُمْ"، ولزوال علة التنجيس إلى غير خلف.
ويقال: إنه لا يكون العصير خلاً إلا بعد انقلابه خمراً.
قال: وإن خللت لم تطهر؛ لأنه توصل إلى استعجال الخل بفعل محظور، لا يحل؛ كما لو قتل مورثه، أو نفر صيداً من الحرم إلى الحل [وأخذه].
وإنما قلنا: إن التخليل محرم؛ لأن أبا طلحة أسلم وعنده خمور لأيتام، فقال:
стр. 663
يا رسول الله، أخللها؟ قال: "لاَ، أَهْرِقُهَا".
وظاهر كلام الشيخ [يقتضي:] أنه لا فرق في ذلك بين المحترمة وغيرها، وبين التخليل بإلقاء شيء فيها أو نقلها من الظل إلى الشمس، وعكسه، ونحو ذلك.
والعراقيون أطلقوا القول في التخليل إن كان بإلقاء شيء فيها لا يطهر، وإن كان بالنوع الثاني ففي الطهارة وجهان من غير تفرقة بين المحترمة وغيرها.
واختار في "المرشد" عدم الطهارة.
والمراوزة قالوا: التخليل حرام، وفي المحترمة وجه أنه لا يحرم؛ لأنها غير مستحقة الإراقة.
قلت: وهذا التعليل نخصه بالنقل من الشمس إلى الظل ونحوه دون التخليل بإلقاء شيء فيها من خل أو عصير أو خبز حار ونحو ذلك، وكلام الرافعي في حكايته يقتضي جوازه بذلك أيضاً، وإن صح فلعله قول من يرى أن الخمرة المحترمة طاهرة كما سلف، والمذهب الأول.
ولو خللت غير المحترمة بإلقاء شيء فيها لم تطهر لعلتين:
إحداهما: سلفت.
والثانية: أن ما ألقى فيها نجس بملاقاتها، فإذا زالت الشدة المطربة بقيت نجاسة الملقى؛ فينجس بها الخل؛ وهذا ما حكاه القاضي الحسين عن أبي يعقوب، وقال هو والإمام: إنه فاسد؛ فإنه لا معنى لتنجس الملح إذا كان هو الملقى مثلاً إلا اتصال الخمر، وجوهر الملح على الطهارة، فإذا انقلبت الخمر خلا فمن ضرورة ذلك أن تنقلب تلك الأجزاء التي لاقت الملح، فتطهر؛ كالدن.
وهذا قد تعرض الغزالي وغيره لجوابه، حيث قالوا: الملح إذا تنجس بالخمر لا
стр. 664
تحصل طهارته إلا بالماء تعبداً، وخالف الدن، فإن ذلك من ضرورته.
قالوا: وعلى العلتين يخرج ما لو نقلها من الشمس إلى الظل وعكسه، أو السدادة ونحو ذلك؛ فعلى العلة الأولى لا تطهر، وعلى الثانية تطهر، وهو الأصح "الكافي" و"الرافعي"؛ تبعاً لـ"الوجيز"، وعليهما يخرج أيضاً ما لو وقع فيها [شيء] من غير قصد، فعلى الأولى تطهر، وعلى الثانية لا، وهو الأظهر في "الرافعي".
وعليهما يتخرج- أيضاً- ما لو ألقى في العصير ماء أو بصلاً بعد العصر فتخمر، ثم تخلل، فعلى الأولى يطهر، وعلى الثانية لا، وهو الأصح في "الكافي".
وقال البغوي: إنه لو ألقى الماء حال العصر طهر بلا خلاف؛ لأنه من ضرورته، بخلاف إلقاء البصل ونحوه. ولو لم يوجد منه سوى قصد الإمساك للتخليل، قال في "الوسيط": فالظاهر طهارتها. وفيه وجه. أي: إنها لا تطهر، وبه صرح ابن كج، والقاضي الحسين، وقالا: أنها لا تحل؛ لأن إمساكها حرام؛ فلا يستفاد به نعمة.
والخلاف في هذه الحالة مفرع على قولنا: إنه لو نقلها من الشمس إلى الظل لا تطهر.
قال القاضي الحسين: ولو أمسكها بنية أن تشتد خمرتها، فانقلبت خلاً، فإن قلنا: لو أمسكها لتصير خلاً لا تطهر، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان.
والفرق: أنه ثم قصد ما هو مباح، وهنا قصد محذوراً.
وأما المحترمة فإن خللت بإلقاء شيء فيها، لم تطهر، [ويجيء على قياس القول بطهارتها وأن النظر إلى العلة الثانية الحكم بطهارتها] وإن نقلها من الشمس إلى الظل ونحوه فالوجهان جاريان عندهم بالترتيب وأولى بالطهارة، والقاضي الحسين سوى بينهما، وصحح القول بعدم الطهارة؛ وإن وجد مجرد الإمساك [فهي طاهرة] عندهم؛ بناء على أنه لا يجب إراقتها، وهو المشهور عندهم، وبه الفتوى.
وحكى الإمام عن بعض أئمة الخلاف [وهو في "تعليق" القاضي الحسين] أنه
стр. 665
لا يجوز إمساكها، بل يضرب عن العصير إلى أن تصير خلاً، [فإذا تصور] منا اطلاعه وهو خمر أرقناه، وهذا ما حكاه العراقيون كما حكاه في "الاستقصاء" وغيره.
ولا جرم أنهم لم يفصلوا بين المحترمة، وهي التي اعتصرت بقصد الخل فصارت خمراً، وغيرها وهي التي اعتصرت للخمرية.
ولو ألقى العصير في الدن لا بنية الخمرية ولا بنية الخل، ثم أحدث نية الخل قبل أن تصير خمراً، فهي محترمة، ولو أحدثها بعد أن صارت خمراً، فهل يحل إمساكها على طريقة المراوزة؟ قال القاضي الحسين: يحتمل وجهين، أظهرهما: نعم.
وحيث حكمنا بطهارة [الخمر، حكمنا بطهارة] ظرفها حتى الموضع الذي أصابه الخمر في حال الغليان وإن كان لا يصل إليه في حال كونه خلاً.
وعن "البيان": أن الداركي قال: إن كان الظرف بحيث لا يتشرب شيئاً من الخمر طهر، وإن كان يتشرب منه لم يطهر.
والمذهب الأول.
قال: وجلد الميتة سوى جلد الكلب والخنزير- إذا دبغ فإنه يطهر؛ هذا الفصل يقتضي أمرين:
أحدهما: أن ما حكم بنجاسته من الجلود غير جلد الكلب والخنزير يطهر ابالدباغ.
ودليله: ما روي أنه تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت، فمر بها رسول الله ﷺ فقال: "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟ " فقالوا: إنها ميتة! فقال: "إنما حرم أكلها، إذا دبغ الإهاب فقد طهر" أخرجه مسلم.
وروى الشافعي بسنده أن رسول الله ﷺ قال: "أيما إهاب دبغ فقد طهر".
стр. 666
قال الترمذي: هو حسن صحيح، [وقد أخرجه مسلم].
والإهاب: اسم للجلد قبل الدباغ.
فإن قيل: روى أبو داود بسنده عن عبد الله بن عكيم أن النبي ﷺ كتب إلى جهينة: "إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة، فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب".
стр. 667
وقال الإمام أحمد ﵀: إن إسناده جيد.
وفي لفظ آخر: "أتانا كتاب رسول الله ﷺ قبل وفاته بشهر أو بشهرين" وهذا يدل على أن الانتفاع به منسوخ.
قيل في جوابه: كل حديث نسب إلى كتاب ولم يذكر حامله فهو مرسل، ولا حجة عندنا في المرسل.
وأيضاً: فقد قال علي بن المديني: إن رسول الله ﷺ مات ولعبد الله بن عكيم سنة، وكان يرويه مرة عن مشيخة قومه بأرض جهينة، ولو صح حملناه على الانتفاع [به] قبل الدباغ؛ فإن لفظ "الإهاب" منطبق عليه، [وبعد الدباغ يطلق عليه] أديما، وسختياناً.
والدباغ المحصل للطهارة يكون بالشث [والقرظ] معاً والأشياء الحريفة المنشفة للفضلات المعفنة، المانعة من الفساد إذا أصابه الماء والمطيبة لريحه: كقشر الرمان، والعفص، ونحوهما، دون ما لا يفعل فيه ذلك كالتتريب والتشميس والتمليح، نص عليه حيث قال كما حكاه أبو علي في "الإفصاح": "لا يجوز بالتراب والرماد".
وقال أبو الطيب: لم أر للشافعي في ذلك نصاً، وينبغي أن نرجع إلى أهل الصنعة، فإن كان للتراب [والرماد مثل] فعل القرظ ونحوه جاز الدباغ بهما.
стр. 668
وفي "الرافعي": أن بعض أصحابنا أطلق القول بالاكتفاء بالإلقاء في الشمس والتراب كما صار إليه أبو حنيفة، وبعضهم قال: [إنه] لا يجوز بما عدا الشث والقرظ؛ لقوله- ﵇: "أليس في الشث والقرظ والماء ما يطهره"؛ ولأن التطهير من ولوغ الكلب يختص على الأظهر بما نص عليه الشرع وهو التراب؛ فكذا هذا، والصحيح الأول.
والشب، قال الأزهري: بنقطة من أسفل: [شيء] يشبه الزاج، ومن رواه بالثاء ثالثة الحروف، فقد صحف.
والذي صدر به أبو الطيب كلامه- وهو ما نقوله-: أنه بالثاء ثالثة الحروف، وهو شجر مر الطعم.
قال في "الإفصاح": إنه شيء يدبغ به.
وقال الأزهري: لا أعلم هل يدبغ به أم لا؟
ثم ما ذكرنا جواز الدباغ به هل يشترط أن يكون طاهراً أم لا؟
فيه وجهان:
أصحهما في "الرافعي" وغيره: لا، وبه جزم في "التهذيب".
ووجهه أنا لو قلنا: إنه لا يطهر بذلك، لزم أن يقال: إذا استعمل فيه دواء طاهراً
стр. 669
أن يحكم بطهارته، ومعلوم أن الثاني لم يؤثر فيه، فكيف يوجب الطهارة؟ والذي صححه في "التتمة" مقابله.
والخلاف جارٍ في الدباغ بالرمل، وإن جزم بعضهم بالمنع فيه.
ثم إذا قلنا باشتراط لطهارة في الآلة، فهل يشترط معها استعمال الماء؟ فيه وجهان:
أحدهما- وهو ما حكاه الإمام عن المحققين: لا.
والثاني- وعليه يدل الخبر: نعم.
فعلى هذا لو لم يستعمله، فالجلد نجس العين، فإن طلب تحصيل طهارته، استعمله، وهل يشترط أني ضيف إليه شيئاً من آله الدباغ؟
قال الشيخ أبو محمد: نعم.
وقال الإمام: لا يبعد عدم اشتراطه، وقد حكاه الرافعي وجهاً.
وعلى الوجهين: هل يشترط استعمال الماء بعد الفراغ من الدباغ؟ فيه وجهان: أصحهما في "التهذيب": لا.
وأظهرهما- كما قال الرافعي-: نعم، وهو ظاهر المذهب في "التتمة"، والأقيس في "الشامل"، والأصح في "النهاية"، وهو المذكور في "تعليق البندنيجي" عن أبي إسحاق.
[فإن قلنا بالأول، حكمنا بطهارة ما انفصل عن الجلد من فضول آلة الدباغ].
وإن قلنا بالثاني، حكمنا بنجاستها، واشترطنا أن يكون الماء طهوراً، بخلاف الماء المستعمل في أثنائه إذا اشترطناه؛ فإنه لا يشترط طهوريته [حتى يجوز] بالمتغير بآلة الدباغ.
وإذا قلنا: يجوز الدباغ بالنجس، فالخلاف في استعمال الماء في أثناء الدباغ كما تقدم، ويجب إفاضة الماء الطهور عليه بعد الدباغ بلا خلاف، والله أعلم.
الأمر الثاني: أن جلد الكلب والخنزير وفروعهما لا يطهر بالدباغ.
ووجهه: أن الطهارة بالدباغ جاءت من جهة أنه يمنع تعرضه للفساد كالحياة،
стр. 670
والحياة لا تفيد طهارة ما ذكرناه؛ فالذكاة أولى.
ووجه الأولوية: أن الدباغ يفيد طهارة الجلد فقط والحياة تفيد طهارة جملة الحيوان.
وقد ألحق بعض الأصحاب بذلك كما حكاه ابن الصباغ وغيره جلد الآدمي إذا حكمنا بنجاسته، لكن من جهة أن دباغه معصية؛ فإن فيه امتهاناً [له].
وقد قيل: إنه لا يتأتى دبغه، فإن تأتي، فظاهر كلام الشيخ وغيره طهارته بالدباغ؛ فإنه لا امتهان فيه، وإنما الامتهان في استعماله، وهو لا يجوز بحال.
قال: ويحل بيعه، أي: ويصح في أحد القولين؛ لأنه جلد طاهر منتفع به؛ فجاز بيعه؛ كجلد المذكى، وهذا هو الجديد.
ومقابله محكى عن القديم: أنه لا يجوز؛ لأن النص ورد بالانتفاع فيختص به، ولو صح بيعه لكان الانتفاع بثمنه، لا به، ومثل ذلك أم الولد والعين الموقوفة يجوز الانتفاع بهما، ولا يجوز بيعهما، وهذا ما ذكره العراقيون من التوجيه، وجزموا مع ذلك بطهارة باطن الجلد كظاهره، وقال القفال: لا ينقدح هذ القول إلا أن نقولك يطهر بالدباغ ظاهر الجلد دون باطنه، وهذا قد حكاه القاضي الحسين عن القديم، وفرع عليه- أيضاً- عدم جواز الصلاة فيه والانتفاع به في الأشياء الرطبة.
قال الماوردي: وإذا قلنا: لا يجوز بيعه، إذا أتلفه متلف، لا يجب عليه غرمه، حكاه في كتاب السرقة، والصحيح الأول؛ فإنه روي عن ميمونة أنها قالت: "ماتت شاة لنا، فدبغنا جلدها، وكنا ننبذ فيه حتى صار شنّاً" والشن: القربة البالية.
وقد قال الإمام عقيب حكاية القول الثاني ونسبته إلى القديم: ومعتقدي: أن الأقوال القديمة ليست من مذهب الشافعي حيث كانت؛ لأنه جزم القول على مخالفتها في الجديد، والمرجوع عنه لا [يكون] مذهباً للراجع. وهذا رأي لبعضهم سبق به كما حكيته في أول باب ما يفسد الصلاة.
следующие страницы →