Полный текст (9 685 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.
стр. 6266
وكذا لا يجمع الرجل بين المرأة وخالة أحد أبويها، أو عمة أحد أبويها، والمعنى فيه: أن ذلك يؤدي إلى قطع الرحم؛ لما في الطباع في التباين والغَيْرة من الضرات.
وجملة من يحرم الجمع بينهما: كل شخصين لا يجوز لأحدهما أن يتزوج بالآخر لو كان ذكراً لأجل القرابة، [وقولنا: "لأجل القرابة"]، يحترز به عن المرأة وأم زوجها، وإن شئت قلت: وزوجة ابنها. [وعن المرأة وابنة زوجها]؛ فإنه يجوز أن يجمع بينهما، وإن كان لا يجوز لأحدهما أن ينكح الأخرى [لو كان ذكراً].
قال الرافعي: [ولو] قلت يحرم الجمع بين امرأتين أيتهما قُدِّرت ذكراً حرمت الأخرى عليه، لاكتفيت به؛ لأن الصورتين المحترز عنهما لا يطرد التحريم في كل واحدة لو قدرناها ذكراً. إذا تقرر ذلك، فلو نكح من يحرم الجمع بينهما [معاً] بطل نكاحهما، وإن نكح واحدة، ثم نكح الأخرى قبل أن أبان الأولى- فنكاح الثانية باطل، فإن وطئ الثانية بشبهة لم ينفسخ نكاح الأولى، لكن يستحب ألا [يطأ الأولى] حتى تنقضي عدة الموطوءة، فإن أبان الأولى صح نكاح الثانية.
فرع: لو ادعى الزوج أن الأولى أخبرته بانقضاء عدتها في زمن الإمكان، وأراد نكح الأخرى، فكذبته الأولى وقالت: لم تنقضِ عدتي بعدُ- فله نكاح أختها؛ لزعمه انقضاء عدتها، ومؤاخذته بمقتضى قوله في تحريمها عليه، ولو طلقها لا يقع طلاقه، ولو وطئها وجب عليه الحد.
وقال القفال والحليمي: ليس له نكاح أختها، ولو طلقها وقع، ولو وطئها لا يحدُّ.
والأول أظهر، وهو المحكي عن نصه في "الإملاء"، وتجب لها النفقة.
стр. 6267
قال: "وما حرم من ذلك بالنسب حرم بالرضاع"؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، فنصّ على الأم والأخت، وقسنا الباقي عليه، ولقوله- ﷺ : "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الوِلَادَةِ"، وَيُرْوَى: "مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ".
قال في "التهذيب": أربع من النسوان يُتَصَوَّرْنَ حلالاً في الرضاع، ولا يتصور وجود ذلك في النسب: أم أختك، وأم نافلتك، وجدّة ولدك، وأخت ولدك.
فهؤلاء في النسب حرام؛ لأن أم أختك: إمّا أمك أو زوجة أبيك، وأم نافلتك إمَّا بنتك أو زوجة ابنك، وجدة ولدك: إما أمك أو أم زوجتك، وأخت ولدك إما [بنتك أو ربيبة]. وفي الرضاع يتصور أن يكنَّ حلالاً إذا كانت المرضعة لهن أجنبية، وزاد غيره: أم العم والعمة، وأم الخال والخالة. وهذه الصور غير واردة على من أطلق ولم يستثنها؛ لأن التحريم فيها جاء من قبل المصاهرة، لا من قبل النسب، وقد ذكر الرافعي هذا في كتاب الرضاع، وإن كان قد قال في هذا الباب- كما قاله البغوي-: لكن يلزم على ذلك ألا يكون في كلام الشيخ ما يدل على [تحريم] المصاهرة عند فقد النسب وثبوت الرضاع، [وقد قال الأئمة: إن ما يحرم بسبب المصاهرة عند ثبوت النسب، يحرم عند ثبوت الرضاع]، ولا يستثنى من ذلك إلا ما ذكرناه. وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فقد ذكرنا أن ذلك [ذكر]؛ ليخرج ولد التبنِّي، وإلا فالوالد من الرضاع تحرم موطوءته كما تحرم موطوءة الابن من النسب، والله أعلم.
стр. 6268
فرع: إذا اختلطت من لا يحل له نكاحها بسبب الرضاع بعددٍ من النساء، هل يحل له أن ينكح واحدة منهن؟ ينظر:
إن كان العدد لا ينحصر لآحاد الناس: كنسوةِ بلدٍ أو قريةٍ كبيرة، فله نكاح واحدة منهن، قال الإمام: وهذا ظاهر إذا عم الالتباس، أمَّا إذا أمكنه نكاح امرأةٍ لا يرتاب فيها، فيحتمل أن يقال: لا ينكح اللواتي يرتاب فيهن، والظاهر: أنه لا حجر [عليه].
وإن كان الاختلاط بنسوةٍ معدودات يتمكن آحاد الناس من عددهن، فيتجنبهن.
وحكى في "الوسيط" وجهاً: أن له أن ينكح واحدة منهن بالهجوم، وهو ضعيفٌ، وهذا يؤخذ من كتاب "التنبيه" من كتاب الرضاع حيث قال: وإن وطئ رجلان امرأة فأتت بولدِ، فارتضع طفل بلبنه .. إلى آخره، فعلى المذهب: لو خالف ونكح إحداهن، حكى الشيخ أبو عليه فيه وجهين، والأصح منهما: المنع.
آخر: إذا نكحت المرأة، ثم ادعت أن بينها وبين الزوج رضاعاً محرماً.
قال: ومن حرم نكاحها [ممن ذكرناهن] حرم بالرضاع ومن حرم نكاحها ممن ذكرناه حرم وطؤها بملك اليمين؛ لأنه إذا حرم النكاح فَلَأَنْ يحرم الوطء- وهو المقصود- بطريق الأولى. وإذا ملك أختين أو جارية وعمتها أو خالتها، كان له أن يطأ أيتهما شاء، فإذا وطئها لم يحل له وطء الأخرى حتى يحرم على نفسه الموطوءة ببيع كلها أو بعضها وينقضي بالخيار، أو بالهبة مع الإقباض، أو العتق، أو التزويج، أو الكتابة، وإلا كان جامعاً بين الأختين، فلو خالف ووطئها قبل ذلك لم يعد إلى وطئها حتى يحرم الأولى بأحد ما ذكرناه.
ولا يكفي الحيض والإحرام والعدة عن وطء الشبهة وعروض الردة. وفي الرهن وجهان، أصحهما المنع. ولو باع بشرط الخيار بحيث يجوز للبائع الوطء لا تحل به الثانية، وحيث لا يجوز فوجهان، قال الإمام: والوجه عندي القطع بحل الأخرى؛ لثبوت الملك للمشتري ونفوذ تصرفاته؛ ولذلك لا يكفي لحل وطء الثانية استبراء الأولى. وعن القاضي الحسين: أن القياس يقتضي الاكتفاء به.
وذكر القاضي ابن كجٍّ أن القاضي أبا حامدٍ قال: غلط بعض أصحابنا فقال: إذا
стр. 6269
قال: حرّمتها على نفسي، حرمت عليه، وحلت له الأخرى.
فرع: لو ملك أمة، فادّعت أنها أخته من الرضاع، نظر: إن كان ذلك قبل أن يملكها حرمت عليه، ولا تحل له، وإن ادعت ذلك بعد أن مكنته من الوطء فلا تحرم.
وإن كان بعد [أن ملكها] وقبل أن تمكنه، فهل تحرم؟ فيه وجهان، وهما يجريان فيما لو ادعت أنها موطوءة الأب، بخلاف ما لو ادعت أنها أخته من النسب، وهي مجهولة النسب؛ فإنها لا تحرم.
وفُرِّق بينهما بأن التحريم بالنسب إنما يثبت إذا ثبت النسب، والنسب لا يثبت بقول النساء، وأمَّا الرضاع فيثبت بقولهن؛ فكذلك التحريم مثله، قاله القاضي الحسين في "التعليق" في كتاب الطلاق.
آخر: الوطء في الموضع المكروه كالوطء في الفرج في تحريم الأخرى، وفي اللمس، والقبلة، [والنظر] بشهوة مثل الخلاف المذكور في حرمة المصاهرة.
تنبيه: قول الشيخ: ممن ذكرناهن، فيه فائدة حسنة؛ فإنه لو قال: ومن حرم نكاحها حرم وطؤها بملك اليمين، اندرج فيه الأمة الكتابية؛ فإنه لا يحل للمسلم نكاحها، ويحل له وطؤها بملك اليمين.
قال: "وإن وطئ أمته بملك اليمين، ثم تزوج أختها أو عمتها أو خالتها- حلت المنكوحة، وحرمت المملوكة"؛ لأن فراش النكاح أقوى في استباحة الوطء؛ لأنه يملك به حقوقاً لا تملك بفراش المملوكة: كالطلاق، والظهار، والإيلاء، واللعان، وسائر الأحكام، ولأن ولد المنكوحة لا ينتفي إلا باللعان ويلحق بالإمكان، وولد المملوكة ينتفي بدعوى الاستبراء، ولا يلحق بالإمكان، وذلك دليل القوة والضعف، وإذا كان فراش النكاح أقوى لم يندفع بالأضعف؛ كما أن ملك اليمين لمَّا كان أقوى في ملك الرقبة؛ من حيث إنه يملك به الرقبة
стр. 6270
والمنفعة إذا طرأ على النكاح- ثبت، وسقط [به] به النكاح، وكذلك لو كان في نكاحه إحدى الأختين مثلاً، فملك الأخرى فالمنكوحة حلال كما كانت، والتي ملكها حرام عليه.
قال: "ويحرم على المسلم نكاح المجوسية"؛ لأن الأصل في الكفار تحريمهن؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، ثم خصص الله- منهن أهل الكتاب بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، ولم يثبت للمجوس كتاب، وإذا كان الأصل التحريم فلا يباح بالشك.
وقال أبو ثور: إنه يجوز نكاحها؛ لأنها تُقَرُّ على دينها بالجزية، فيجوز نكاحها كاليهودية. وقد نُقِلَ عن الشافعي قولٌ مثله.
وقال أبو إسحاق وأبو عبيد بن حربويه: جواز نكاحها مبني على أن المجوس هل كان لهم كتاب أم لا؟ وفيه قولان، أشبههما: نعم، فعلى هذا يجوز نكاحها، [على القولين] وعلى مقابله لا يجوز، والمذهب: أنه لا يجوز نكاحها على القولين جميعاً؛ لما روى عن عبد الرحمن بن عوف أنه- ﵊ قال: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ، غَيْرَ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ وَلا آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ"، وأمّا
стр. 6271
[حقن الدم]؛ فلأن لهم شبهة كتاب، والشبهة في الدم تقتضي الحقن، وفي البضع تقتضي الحظر، والكتاب إنما يفيد الحل إذا قال من أثبته: إنه كان متلوّاً [ومتضمناً] للأحكام، فإن قنع من قال [به] بأصل الكتاب لزمه مثله في صحف إبراهيم- ﵇ وما في معناه، والله أعلم.
قال: والوثنيّة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وكذلك الحكم في عَبَدَة الأصنام، والبقر، والشمس، والقمر، والمُعَطِّلة، والدهرية. وهل تحل الوثنية لمن هو من أهل الكتاب؟ فيه وجهان.
قال: "والمرتدة"؛ للآية؛ ولأنها أسوأ حالاً من الوثنيّة؛ لأن الوثنية تقر على دينها بالرق، بخلاف المرتدة، كذا علله المتولي، وكذلك الحكم في الزنديقة.
قال: "والمتولدة [بين] المجوسي والكتابيَّة"؛ لأن الولد ينسب إلى الأب، ويشرف بشرفه؛ فأُعطى حكمه.
قال: "وهل تحرم المتولدة بين الكتابي والمجوسيّة؟ فيه قولان:"
أحدهما: لا؛ لما مرَّ أن الولد ينسب إلى أبيه، والأب كتابي فيحلّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
والثاني: المنع، وهو الأصح في "التهذيب"، والمذهب في "التتمة"؛ تغليباً للتحريم؛ كما أن المتولد بين المأكول وغير المأكول حرام، وليس كما لو كان أحد الأبوين مسلماً؛ فإنه يجعل مسلماً؛ لأن الإسلام لا يَشْرَكُ الشركَ؛ فغلب لعلوه، والشرك يَشْرَكُ الشرك؛ فاستويا.
وعلى هذا: إذا بلغت المتولدة بين الكتابي والمجوسية، وتدينت بدين الكتابي- فالمهذب أنها لا تحل [كالمجوسيّة إذا دانت اليهوديَّةَ بعد البلوغ.
وقيل: تحل]؛ لأن فيها شهبة من كل واحد منهما، إلا أنَّا غلبنا جانب
стр. 6272
الحظر ما دامت محكوماً عليها بحكم الأبوين، فإذا بلغت فلها حكم نفسها، [ولها أن تدين بدين أي الأبوين شاءت]، هكذا قاله في "التهذيب"، [ومثله حكاه عن رواية الإمام في باب الصيد والذبائح].
ولو تدينت بدين المجوس، فالحكاية عن القفال: أنها تمكن منه، ويجري عليها حكم المجوس.
وقال الإمام: لا يمتنع أن يقال: إذا أثبتا لها حكم اليهودية بالمناكحة فنمنعها من التمجُّس إذا منعنا الكافر [من] الانتقال من دينٍ إلى دين.
وتحل مناكحة اليهود والنصارى إن كان آباؤهم من بني إسرائيل وقوم عيسى؛ لأنه [اجتمع لهم] شرف النسب والتعلُّق بالكتب، أمَّا من لم تكن منهم، ودخل [أول آبائها] في دينهم فله خمس أحوال:
إحداها: أن يدخل بعد بعثته- ﵇ ونسخ شريعتهم، فلا تحل مناكحتهم.
والثانية: أن يدخل قبل بعثته- ﵇ وقبل التحريف أو بعده، ولكن عرف المحرّف فاجتنبه- فقد قال العراقيون: تحل مناكحتهم، وحكى الخراسانيون قولاً: أنها لا تحل؛ رعاية لشرف النسب.
والثالثة: أن يدخل بعد التبديل، وآمن بالمبدَّل، فقد قطع بعضهم بالبطلان، وهو اختيار العراقيين، وقيل: فيه قولان.
والرابعة: أشكل: هل دخل قبل التبديل أو بعده؟ جزم العراقيون بالتحريم، وحكى المراوزة فيه قولين.
والخامسة: أشكل: [هل دخل قبل] النسخ أو بعده؟ فلا تحلُّ [مناكحتهم].
وقال في "التتمة": حكمه حكم اليهوديّة إذا تنصرت في زماننا، والحكم فيها ينبني
стр. 6273
على أنَّها هل تُقَرُّ على النصرانية أم لا؟ إن قلنا: تقرُّ، جاز، وإلا فلا، ومن دان بدين اليهود بعد مبعث عيسى- ﵇ كمن دان به بعد مبعث رسول الله ﷺ .
وقيل: كمن دان بعد التحريف.
وأمَّا السامرة فهل هم من اليهود، والصابئة من النصارى؟ فيهم أربعة طرق:
القطع بأنهم منهم.
القطع بأنهم ليسوا منهم، وهو اختيار الإصطخري.
طَرْدُ القولين، نقلهما أبو علي عن الخراسانيين.
والمذهب الذي ذهب إليه [جمهور الأصحاب]: أنهم إن كانوا يخالفون اليهود والنصارى في أصول الأديان فليسوا منهم، وإن وافقوهم في أصول الدين وخالفوهم في فروعهم، فهم منهم.
وقطع العراقيون بحل مناكحتهم إذا قلنا: إنهم منهم، وكذلك القاضي الحسين في باب [عقد الذمة]، وتردد فيه الخراسانيون.
ووجه المنع: أنهم كالمبتدعة في ديننا، ومبتدعة ديننا تحل مناكحتهم؛ لأمور سمعيّة [منعتنا من] ذلك وهي مفقودة في حقهم.
وأمَّا غير اليهود والنصارى من أهل الكتب: كمن يؤمن بصحف إبراهيم وشيث، وزَبُور داود، فلا يحلُّ للمسلم مناكحتهم؛ لأن ما فيه مواعظُ، وليس بحُكْم.
وقال في "التتمة": "حكمهم حكم المجوس".
[وحكى القاضي أبو الطيب في "تعليقه" في باب "عقد الذمة" عن أبي إسحاق: أنه تحل مناكحتهم، وتحل ذبائحهم].
إذا تقرر ذلك فيكره نكاح من قلنا: يحل نكاحها، حربيّة كانت أو ذميّة، والكراهة في الحربيّة أشد؛ خشية من أن تسبى فيُسترَق ولده ولا يصدَّق بأنه مسلم.
وقيل في الذمية: إنه لا يكره نكاحها، وهو ما حكاه الغزالي.
стр. 6274
وحكى الإمام تردداً في [كراهة] نكاح الحربيّة عن الأصحاب، ونقل في "الحلية" للشاشي وجهاً عن بعض العراقيين: أنه لا يصح نكاح المسلم الحربية.
وحكم حل ذبيحةِ من ذكر، ووطئه بملك اليمين إذا كان امرأة- حُكْمُ نكاحِهِ، والله أعلم.
قال: "ويحرم على المسلم نكاح الأمة الكتابيّة"، أي: حرّاً كان أو عبداً؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥].
ولأنه اجتمع فيها نقصانان لكل منهما أثر في المنع من النكاح، فلا يجوز للحرّ المسلم نكاحها كالمجوسية الحرة، والنقصان في الفرع: الكفر والرق، وفي الأصل: الكفر؛ ولأنها إن كانت لكافرٍ استُرِقَّ ولده، وإن كانت لمسلم لا يأمن أن ينقلها لكافر فيسترق ولده.
ونقل في "الذخائر": أن بعض الأصحاب خرّج وجهاً في جواز نكاح الأمة الكتابية إذا كانت مملوكة لمسلم، وضعفه.
وقيل: إن كان عبداً هل له نكاحها، وهل يحرم على الحرّ الذمي؟ فيه وجهان، أصحهما: الجواز، والصحيح: حلها للعبد الذمي.
والمجوسيّة والوثنيّة هل تحل لأهل دينها؟ فيه وجهان محكيان في "الشامل".
فرع: لو تزوج مسلم بحربيّة، فاسترقت وجوزناه على أحد الوجهين- فهل ينفسخ النكاح؟ [المذهب: أنّه ينفسخ،] وذُكر وجه غريب: أن النكاح لا ينقطع؛ [فإن] ذلك محتمل في الدوام.
قال الغزالي في كتاب "السير": وهذا إن أُريد به أن يتوقف إلى إسلامها [قبل انقضاء] العدة فله وجه [ما]، وإلا فلا وجه له.
стр. 6275
قال: "ولا يحرم وطؤها بملك اليمين"؛ لأنه يباح له وطء حرائرهن بملك اليمين، فيباح له وطء الإماء بملك اليمين، وللأمن [من] المحذور المانع من نكاحها، ولأن الاستباحة به أوسع؛ فإنه غير محصور. نعم، لو كانت الأمة مجوسية انبنى حلُّ وطئها على جواز نكاحها، وهل يملك السيّد إجبار [أمته] المجوسيّة والوثنية على الإسلام؟ فيه خلاف تقدّم ذكره عند الكلام في إجبار الذميّة على الغسل.
قال: ويحرم على الحرّ نكاح الأمة المسلمة إلا أن يخاف العنت- أي: الزنى- ولا يجد، [أي] في الموضع الذي هو [فيه]، صداق حرّة، أي: مسلمة يمكنه وطؤها؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً﴾ [النساء: ٢٥] إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]، ولما روى عن جابر أنّه قال: من وجد صداق حرةٍ لا ينكح الأمة.
وروي مثل ذلك عن ابن عباس، ﵄.
[والطَّوْل: السَّعة في الفضل، قاله ابن عباس].
والعنت: المشقة [الشديدة.
ويقال: إنه الهلاك، والمراد به في الآية: الزنى، وسمي به؛ لأنه سبب المشقة] والهلاك بالحد في الدنيا، والهلاك في الآخرة بالعقوبة.
وليس المراد بخوف الزنى: أن يغلب على ظنه الوقوع فيه، بل المراد: الذي يتوقعه لا على سبيل الندور.
وليس غير الخائف: هو الذي يعلم الاجتناب عنه، لكن غلبة الظن بالتقوى والاجتناب تنافي الخوف؛ فمن غلبت شهوته ورقّ تقواه فهو خائف، [ومن ضعفت شهوته، وهو يستبعد الوقوع في الزنى لدينٍ أو مروءةٍ أو حياءٍ- فهو غير
стр. 6276
خائفٍ]. وإن غلبت شهوته وتقواه، ففيه احتمالان للإمام:
أظهرهما: أنه لا يجوز له نكاح الأمة.
[والثاني: إن كان ترك الوقاع يجر ضرراً عظيماً أو مرضاً، فله نكاح الأمة]، وإلا فلا.
قال مجلي حكاية عن الغزالي: وفي هذا التفصيل نظرٌ؛ إذ فرّق فيه بين الفاجر والتقي، [وسلط] الفاجر على الرخصة؛ [لسبب فجوره]، وقد ساواه التقي في الحاجة، وذلك بعيد.
قال مجلي: ويمكن أن يجاب عنه بأن سبب الرخصة موجود في الفاجر، مأمون في التقى؛ فاختصّ الفاجر بها؛ فإن المعنى إذا عُقِلَ، ووقف الحكم عليه، تبعه في الثبوت والانتفاء.
تنبيه: القيد الأول من كلام الشيخ يخرج المجبوب عن أن يجوز له نكاح الأمة؛ إذ لا يتصور منه الوطء مباحاً ولا حراماً، قاله الإمام والمتولي، وفي البحريّة للقاضي الروياني: [أنّ] للخصى والمجبوب نكاح الأمة عند خوف الوقوع في الفعل المأثوم به.
ومن في ملكه أمة تحل له فلا يحل له نكاح الأمَة؛ لأنه مستغنٍ عن إرقاق ولده. وفي كتاب الحناطي [ذكر] خلاف فيه، ويمكن أن يكون مخرجاً [على] ما إذا قدر على شراء أمةٍ: هل يحل له نكاح الأمة؟ وفيه خلاف، والأصح- ولم يذكر في "التهذيب" سواه-: أنه لا يجوز.
ومن تحته منكوحة يمكنه الاستمتاع بها فلا يحل له نكاح الأمة، وسواء كانت المنكوحة مسلمة أو كتابية، حرّة أو رقيقة؛ لأنه غير خائف للعنت، وحكى ابن كجٍّ وجهين في أن وجود الحرة الكتابيّة هل يمنع نكاح الأمة، [كالوجهين الآتي
стр. 6277
ذكرهما في أن القدرة على نكاحها هل تمنع [نكاح] الأمة، أمَّا إذا لم يتيسر الاستمتاع بها كما إذا كانت: صغيرة، أو غائبة، [أو مجنونة]، أو مجذومة، أوب رصاء، أو رتقاء، أو قرناء، أو مفضاة لا تحتمل الجماع، فهل يجوز له نكاح الأمة؟ فيه وجهان:
أحدهما- وهو الأصح في "المهذب"، وبه أجاب ابن الصباغ وطائفة من العراقيين، واختاره القاضي الحسين على ما حكاه الرافعيّ-: أن له نكاح الأمة؛ [لأنه] لا غَنَاء في الحرة التي تحته ولا استغناء.
والثاني- وهو الذي ذكره الإمام والغزالي والبغوي، واختاره القاضي الحسين على ما حكاه المتولي-: المنع؛ لأن نكاح الصغيرة والغائبة كنكاح البالغة والحاضرة في منع نكاح الأخت، فكذلك في منع نكاح الأمة، فعلى هذا: لا تُنْكح الأمة حتى تبين الحرة، وعلى الأول ليس له أن ينكح [أمة] مثل هذه الحرة.
فرع: المجنون هل يجوز لوليه أن يزوجه أمةً؟
قال في "التهذيب": إن كان معسراً، ويخاف العنت جاز.
وقال في "التتمة": فيه وجهان.
ووجه المنع: أن فعل المجنون ليس بزنى، فهو لا يخاف العنت. ذكر ذلك عند الكلام في تزويج المجنون.
قلت: ويتجه أن يكون مادة الخلاف: أن وطأه كوطء الشبهة حتى يلتحق به [النسب] أو لا؟ وفيه خلاف قدّمناه، والأصح الأول، ومقتضاه: عدم الجواز هنا.
والقيد الثاني إن أجرى على عمومه دخل فيه:
ما لو قدر على صداق حرّة كتابية، فلا يجوز له نكاح الأمة. وهو أصح
стр. 6278
الوجهين، وقائله قال: لفظ "الإسلام" في الآية جرى على الأعم؛ فإن الغالب أن المؤمن إنما يرغب في المؤمنات، كما [جاء] في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى آخرها [الأحزاب: ٤٩]؛ فإن المسلمة والكتابية في حكمهم سواء، ولأن الكتابية لا ترغب في نكاح المسلم إلا بأكثر من مهر المسلمة؛ فيكون من لا يقدر على مهر المسلمة لا يقدر على مهر الكتابية.
وعن أبي الطيب: أن أبا إسحاق قطع به، وجعل في "الوسيط" الوجه المقابل له [أحسن أو] أظهر على حسب اختلاف النسخ.
وما إذا قدر على مهر حرة قرناء أو رتقاء، وفيه وجهان بناهما المتولي. على أن وجودها في نكاحه هل يمنع من نكاح الأمة؟ فإن قلنا: يمنع، منع، وإلا فلا، وجزم الغزالي والبغوي بأن ذلك لا يمنع، وإن كان جوابهما المنع عند الوجود في النكاح.
ويجري الخلاف في الرضيعة، وأولى بجواز نكاح الأمة، ويجري في المجنونة والمجذومة وأولى بالمنع؛ لإمكان الاستمتاع.
وما إذا وجد صداق حرة، ولم يجد من ترضى به أصلاً؛ لنقصه، أو لم يكن في البلد من هي خالية من زوج، ولا نزاع بين الأئمة في أنه يجوز له نكاح الأمة.
نعم: لو كانت توجد في بلد أخرى، أطلق بعضهم جوابه بجواز نكاح الأمة، وفصل أكثر الأصحاب فقالوا: إن كان يخاف العنت في مدة قطع المسافة، أو تلحقه مشقة ظاهرة بالخروج إليها- فله نكاح الأمة، وإلا فلا، وضبط الإمام المشقة المحتملة بأن ينسب محتملها في طلب الزوجة إلى الإسراف ومجاوزة الحد.
ويخرج ما إذا كان يقدر على صداق حرة في بلد، وهو فاقد له في موضع إقامته؛ فإنه يجوز له نكاح الأمة؛ لأنه يصدق عليه أنه غير واجد كما في
стр. 6279
التيمم، وكما يجوز صرف سهم ابن السبيل إليه ويخالف ما لو كان له زوجة غائبة؛ حيث لا يجوز له نكاح الأمة على أحد الوجهين؛ لأن فراق الزوجة الغائبة ممكن، ووصول المال الغائب في الحال غير ممكن؛ فشابهت غيبة ماله غيبة الرقبة المعروفة الوجود؛ فإنه لا يعدل إلى الصوم في الكفارة، بل يعتقها؛ [لأنه متمكن] منه.
[وما لو] وجد حرة ترضى بدون مهر المثل، وهو واجد لذلك لا غير، أو بمهر مؤجل يغلب على ظنه قدرته عليه عند المحل، أو بيع منه بنسيئة ما يفي بصداقها، أو وجد من يستأجره بأجرة حالة، وقد حكى غيره في ذلك وجهين، أظهرهما: جواز نكاح الأمة كما اقتضاه لفظ الشيخ، إلا في الأولى؛ فإن الأصح [فيها] عدم الجواز؛ كما لو بذل له الماء بدون ثمن المثل، وقد أجرى مجرون الخلاف فيما [لو وجد من يقرضه] المهر، وقطع في التتمة بجواز نكاح الأمة؛ لأن القرض لا يلحقه الأجل، وما إذا رضيت بأن ينكحها بلا مهر؛ لأنها تطالبه بالقرض، وفي "شرح" أبي علي وجه: أنه يمتنع عليه نكاح الأمة، والله أعلم.
فروع:
القدرة بمال الابن- عند وجوب الإعفاف عليه- كقدرته بماله على أصح الوجهين.
ولو كان في ملكه مسكن وخادم يحتاج غليهما، هل يجوز له نكاح الأمة أو عليه بيعهما، وصرفهما إلى طَوْل حرة إن كان يفي به؟ فيه وجهان حكاهما ابن كج، وإطلاق المتولي والبغوي يقتضي بيع الخادم؛ حيث قالا: ولو كان في ملكه محرمة عليه، وجب عليه بيعها. ولم يفصلا بين أن يحتاج إليها للخدمة أو لا.
ولو وجد من بعضها حر وبعضها رقيق: فهل لو نكاح الأمة فيه احتمالان للإمام: ولا يجوز له نكاحها إلا حيث يجوز له نكاح الأمة.
стр. 6280
ولو لم ترض الحرة التي وجدها إلا بأكثر من مهر المثل وهو يجده.
قال في "الإبانة" حكاية عن القفال، وفي "الزوائد" حكاية عن الطبري، وفي ["الرافعي" عن] "التهذيب"-: إنه لا ينكح الأمة، وطردوا ذلك عنهم فيما إذا وجد الرقبة في الكفارة بثمن غالٍ؛ فإنه لا يجوز [له] أن يكفر بالصوم.
وقال في "التتمة": له أن ينكح الأمة كما في المتيمم إذا لم يجد الماء إلا بأكثر من ثمن المثل؛ فإنه يجوز له أن يتيمم.
وتوسط الإمام والغزالي فقالا: إن كانت المغالاة بقدر كبير [يعد] بذله إسرافاً، فله نكاح الأمة، وإلا فلا.
والفرق بينه وبين مسألة التيمم: أن الحاجة إلى الماء تتكرر؛ فيحصل الضرر، بخلاف النكاح، ولأن النكاح يتعلق به أغراض كلية؛ فلا يعد باذل المال في مثلها مغبوناً.
قال الغزالي في "البسيط": وهذا منشؤه أمر، وهو: أن نقصان الولي من مهر المثل في حق الطفلة والزيادة في حق الطفل مهما كان إلى حد يقدر غرض خاص في المواصلة، ويجعله الولي وسيلة إليها- فهو محتمل، وما انتهى إلى حد الإسراف فهو ممنوع.
واعلم أن ما ذكره الرافعي عن صاحب "التهذيب" لم أَرَ كلامه في "التهذيب" مصرحاً به ولا مشيراً إليه؛ لأنه فرض المسألة فيما إذا كان في بلد وصداق الحرائر ببلد أخرى أرخص، وهو واجد لذلك، فإن لم تلحقه مشقة في الخروج، ولا يجوز له نكاح الأمة، وكذلك رقبة الكفارة إذا بيعت بثمنٍ غالٍ وهو واجد لا ينتقل إلى الصوم، فيحمل- أيضاً- على ما إذا كان ببلد آخر [أرخص]؛ لسياق ما تقدم من كلامه.
وإذا كانت الصورة كذلك فليست الزيادة على بلد آخر زيادة على مهر المثل
стр. 6281
وثمن المثل؛ فإن المعتبر في المتقومات ببلد التقويم لا غيره.
ثم كلام الرافعي يدل على أنه نقل ذلك عن "التهذيب" في هذا الموضع؛ لأنه قال ها هنا: لا يعدل؛ و [قالي في الكفارات: يعدل.
وذكر ما أورده هنا ذكر من ينقل وجهاً بعيداً أو تخريجاً غريباً، وأفهم أن بين الكلامين تناقضاً، [ولا تناقض] بينهما.
стр. 6282
تنبيه: عدول الشيخ عن قوله: لا يقدر على نكاح حرة، إلى قوله: "ألا يجد صداق حرة"، وإن كان لا يشمل الصور [كلها]؛ لأن القدرة على نكاح [الحرة] تارة يكون في صورة لا يجوز له نكاح الأمة: كما إذا رضيت بمهر مؤجل، أو بغير مهر، ونظائر ذلك؛ فلذلك لم يذكره؛ حتى لا يشمل غير المقصود.
واعلم أن بعض الأصحاب شرط شرطاً آخر: وهو أن تكون الأمة مملوكة لمسلم؛ خشية من أن يرق ولده المسلم للكافر، ولم يذكر الشيخ- ﵁ هذا: لأمرين:
أحدهما: أن الأصح خلافه.
والثاني: أن ذلك ليس لكونها أمته؛ بل لأمر خارج عن ذلك، ولو عد ذلك من شرائط نكاح الأمة للزم أن يُعد ألا تكون مملوكة لولده إذا جوزنا للأب نكاح الأمة، ولم يعد ذلك من جملة الشروط.
وقد أبدى الشيخ مجلي في صورة المسألة إذا كانت الأمة مملوكة لكافر- نظيراً؛ فإن الكافر لا يجوز إقرار يده على المسلمة، والتزويج لا يغني في إزالة يده عنها؛ فكيف يتصور تزويجها من مسلم؟! ثم لو قدرنا التزويج فإنه يبيعها
стр. 6283
بعد ذلك من مسلم؛ إذ لا يجوز بيعها إلا منه، أو عِتْقها فلا يسترق ولدها كافر.
وهذه الشروط إنما تعتبر في ابتداء النكاح، أما في دوامه فلا، خلافاً للمزني في طرآن اليسار، وإذا نكح حرة بعد ما نكح أمة خاصة.
فإن قيل: فما الفرق بين ذلك وبين إباحة أكل الميتة للمضطر؛ فإنه إذا وجد الحلال في أثناء الأكل حرمت الاستدامة؟
قلنا: لأن الأكل في كل وقت مبتدأ للأكل فلا يجوز مع وجود الحلال [في أثناء الأكل]، بخلاف النكاح؛ فإنه مستدام وصار هذا كالعدة، والردة، والإحرام تمنع الابتداء، ولا تمنع الدوام.
فائدة: إذا جوزنا نكاح الأمة، فأتت بولد فهو رقيق، سواء كان الناكِح عربيّاً أو غير عربي.
وفي "التهذيب" حكاية قول عن القديم: أن ولد العربي لا ينعقد رقيقاً، فعلى هذا: هل يغرم الناكح قيمته لسيد الأمة أم لا؟ فيه وجهان.
قال: وإن جمع بين حرة، وأمة- أي: الحر- في عقد واحد، وهو ممن [يحل] له نكاح الأمة ففيه قولان:
أحدهما: [أنه] يبطل العقد فيهما.
والثاني: [لا يصح وهو الأصح في الحرة]، ويبطل في الأمة؛ لما عرف من قاعدة تفريق الصفقة.
стр. 6284
وحكى الخراسانيون طريقة قاطعة: أن نكاح الحرة لا يبطل قولاً واحداً؛ لأن النكاح لا يفسد بفساد الصداق، وهو أحد جزأي العقد، فكيف [فسادٍ في] قرينِهِ؟!
أما إذا كان ممن يحل له نكاح الأمة؛ بأن وجد حرة تسمح بمهر مؤجل أو بما دون مهر المثل وغيره، وقلنا: إن ذلك لا يمنع نكاح الأمة- فلا يصح أيضاً نكاح الأمة؛ لأنه لو صح لصح نكاح الحرة، والأمة لا تقارن الحرة كما لا تدخل عليها، وفي نكاح الحرة طرقان:
أظهرهما عند الإمام- وبه قال صاحب "التلخيص"-: أنه على قولين، كما في الصورة الأولى.
والطريق الثاني- وبه قال ابن الحداد، وأبو زيد، وآخرون-: يبطل جزماً؛ لأنه [لو] جمع بين امرأتين لا يجوز الجمع بينهما، ويجوز له نكاح كل واحدة منهما على الانفراد- بطل النكاحان؛ كما لو جمع بين أختين.
قال الغزالي: وهو بعيد؛ لأن إحدى الأختين ليست أولى بالدفع، وها هنا الأمة أولى بالدفع؛ لأن نكاح الحرة يجوز أن يتقدم ويتأخر، ونكاح الأمة لا يجوز مع التأخر؛ فدل على ضعفه.
وحكى في "الذخائر" طريقة ثالثة: أنه لا يبطل قولاً واحداً، وجزم الجرجاني بصحة نكاح الحرة والأمة في "المعاياة"، ولم أَرَهُ لغيره.
стр. 6285
ولو جمع بين مسلمة ووثنية، أو أجنبية ومحرم، أو خَلِيَّة ومعتدة [أو منكوحة]- فهو كما لو جمع بين حرة وأمة، وإذا صححنا نكاح من تحل له فهل تستحق جميع المسمى، [أو مهر] المثل، أو ما يخص مهر مثلها من المسمى؟ فيه ثلاثة أوجه، أضعفها: الأول.
فإن قلنا: إنها تستحق المسمى، فللزوج الخيار في فسخ النكاح والرجوع إلى مهر المثل؛ دفعاً للضرر عنه.
قال الإمام: وهذا لا يخلص من إشكال؛ فإن مهر المثل قد يكون مثل المسمى أو أكثر منه، حكاه في باب تفريق الصفقة، فإن قلنا: مهر المثل، فلا خيار له.
وإن قلنا: تستحق حصة مهر المثل من المسمى.
فعن الشيخ أبي علي: أنه إن كان المسمى مما يمكن قسمته كالحبوب، فلا خيار له، وإن كان مما لا يمكن قسمته- كالعبد- فله الخيار؛ لتضرره بالتشقيص، فإن فسخ فعليه مهر المثل.
تنبيه: محل القولين فيما إذا زوج منه ابنته وأمته، ووليه موكل في التزويج، فقال: زوجتك بنتي هذه وأمتي هذه بكذا، فقال: قبلت نكاحهما، أما لو قال: زوجتك هذه، فقال: قبلت نكاح هذه، وقبلت نكاح هذه، أو اقتصر على نكاح البنت- فنكاح البنت صحيح [لا محالة]، ونكاح الأمة صحيح في المسألة الأولى إن تقدم، فإن تأخر [فلا]، وفي المسألة الثانية لا يصح؛ لعدم القبول.
ولو فصل المزوِّج، فقال الخاطب: قبلت نكاحهما- فالحكم كما لو
стр. 6286
فصلا جميعاً، أو [كما لو] جمَعَا جميعاً. فيه خلاف، والأولى عند الإمام: الأول، وكذا الخلاف فيما لو جمع الموجب وفصل القابل.
ولو جمع بين أختين وأمة، وهو ممن يحل له نكاح الأمة- فنكاح الأختين باطل، وفي نكاح الأمة الخلاف.
ولو كان الناكح عبداً فلا يشترط في حقه شيء من الشرائط المذكورة، ويجوز له الجمع بين الحرة والأمة، ونكاح الأمة على الحرة؛ لأنه لا يتضرر برق ولده.
ومن بعضه حر وبعضه رقيق، كالقن.
قال: ويحرم على الرجل- أي: الحر- نكاح جارية ابنه؛ لأن له فيها شبهة يسقط الحد بوطئها، فلم يحل له نكاحها؛ كالأمة المشتركة بينه وبين غيره، وهذا سواء قلنا بعدم وجوب الإعفاف على الابن، أو قلنا به، وكان الأب لا يجب إعفافه في تلك الحالة؛ لقدرته على الشراء، وجوزنا له نكاح الأمة، أو [لو كان الابن] معسراً وله جارية [وهو] محتاج إليها للخدمة، أو كان يجب على الابن إعفافه.
[ونقل] المزني في "المختصر" جوازه، قال بعض الأصحاب: ذلك مبني على عدم [وجوب] الإعفاف، وحمله بعضهم على ما إذا لم يجب الإعفاف؛ لإعسار الابن وغيره.
قال الرافعي: والصحيح في هاتين المسألتين: أن ينبني جواز النكاح على أنه إذا أولد جارية ابنِه: هل تصير مستولدة [له]؟ إن قلنا: نعم، لم يجز له نكاحها؛ كما لا يجوز أن ينكح جارية نفسه، وإن قلنا: لا تصير أمَّ ولد جاز.
[فتحرر بذلك] في المسألة ثلاثة أقوال:
المذهب منها: عدم الجواز المطلق.
والثاني: الجواز المطلق.
стр. 6287
والثالث: إن كان الأب لا يجب إعفافه، ولم يجعلها أم ولد [له] جاز، وإلا فلا. أما الأب الرقيق فيجوز له نكاحها قولاً واحداً؛ ولذلك يجوز للولد نكاح جارية [أبيه] إذا وجدت بقية الشرائط.
فرع: إذا جوزنا له نكاح جارية ابنه، فأولدها- قال الشيخ أبو حامد والعراقيون، وتابعهم [الشيخ] أبو علي، وصاحب "التهذيب" وغيرهما: إنها لا تصير أم ولد [له]؛ لأنه رضي برق ولده حين نكحها، ولأن النكاح حاصل محقق؛ فيكون واطئاً بالنكاح لا بشبهة الملك، بخلاف ما إذا لم يكن نكاح.
وعن الشيخ أبي محمد- وإليه ميل الإمام-: أنه يثبت الاستيلاد وينفسخ النكاح.
ويحرم عليه نكاح جارية مكاتبه؛ لما له في ماله من شبهة الملك، وكذلك لو أحبلها صارت أم ولد له.
قال: ونكاح جاريته، أي: وجارية يملك بعضها؛ لتناقض أحكام الملك، [والنكاح والملك لا يوجب القَسْم، ولا يصح فيه حكم من أحكام النكاح] من طلاق ولا ظهار ولا إيلاء ولا غير ذلك، والنكاح يقتضي ذلك؛ ولأن نفقة الزوجة تقتضي التمليك، فلو ملكها النفقة لملك نفسه؛ إذ الأمَةُ لا تملك، وإذا تناقضت الأحكام [لم يمكن الجمع بينهما؛ فيثبت] الأقوى، ويسقط الأضعف، وملك اليمين أقوى؛ لأنه يملك [به] الرقبة والمنفعة، والنكاح لا يُمْلك به إلا ضرب من المنفعة.
قال: ويحرم على العبد نكاح مولاته؛ لتضاد الأحكام أيضاً؛ لأن النكاح يوجب للمرأة على الزوج المهر والنفقة والكسوة، والملك يدفع ذلك ويوجبه للعبد، ولأنه يطالبها بالسفر معه إلى المشرق؛ لأنها زوجته، وهي تطالبه بالسفر إلى
стр. 6288
المغرب؛ لأنه عبدها، وإذا دعاها إلى فراشه بحق النكاح [بعثته في أشغالها] بحق الملك، وإذا تعذر الجمع بينهما بطل الأضعف، وثبت الأقوى.
قال: وإن تزوج جارية أجنبي، ثم اشتراها، [أي: أو بعضها]- انفسخ النكاح؛ لما تقرر أن ملك اليمين والنكاح لا يجتمعان، ويقدم ملك اليمين؛ لقوته، وهذا بخلاف ما إذا استأجر عيناً ثم اشتراها؛ فإنه لا تنفسخ الإجارة على الأصح؛ لأنه لا مناقضة بين ملك العين والمنفعة.
فرع: لو فسخ البيع في زمن الخيار، قال في "الحاوي" في كتاب البيع: إن قلنا: إنّ الملك للبائع، أو موقوف- فالنكاح بحاله، وإن قلنا: إنّ الملك للمشتري، فوجهان، أحدهما: أنه لا ينفسخ، وهو ظاهر النص، وإذا قلنا: لا ينفسخ، فهل يحل له وطؤها في زمن الخيار؟ فيه وجهان، ظاهر النص: أنه لا يجوز، وفي "الوسيط" في كتاب الإقرار: أنا إن قلنا: إن الملك للبائع، حل له الوطء، وإن قلنا: إنه للمشتري، فلا؛ لأنه ملك ضعيف، فيمنع من الوطء لبقاء خيار البائع، وإن قلنا: إنه موقوف، فلا يحل [له]؛ لأنه لا يدري أيطأ زوجته فيحل، أو مملوكته بملك ضعيف فلا يحل.
وقد ظهر بمجموع ما ذكرناه أن النكاح لا ينفسخ بمجرد الشراء، على الظاهر من النص عند الماوردي؛ إذ المبيع ينتقل إلى المشتري بنفس العقد على الصحيح، وعند الغزالي ينفسخ بنفس العقد؛ [تفريعاً على أن المبيع ينتقل بنفس العقد] وهو ما ادعى الإمام أنه المشهور؛ تفريعاً على هذا القول في الفروع المسلة في كتاب الطلاق.
وحكم العبد إذا مَلَّكه السيدُ مالاً، وقلنا: إنه يملك، وأذن له في ابتياع زوجته، فابتاعها- في انفساخ النكاح- حكم الحر، صرح به ابن الصباغ عند الكلام في تزويج العبد.
стр. 6289
قال: وإن اشتراها ابنه، [أي]: والأب لا يجوز له نكاح الأمة ابتداءً- فقد قيل: ينفسخ؛ لأن ملكه كملكه في [إسقاط الحد، وثبوت الاستيلاد، والمنع من الابتداء، وكان كملكه في] إبطال النكاح إذا طرأ. وقيل: لا ينفسخ، وهو الأصح، واختيار ابن الحداد، وبه أجاب الغزالي؛ لأنَّ الأصل في النكاح الثابت الدوام، وللدوام من القوة ما ليس للابتداء، وصار هذا كالعدة تمنع الابتداء ولا تقطع الدوام، وليس كطرآن الملك على الزوجة؛ لأنه [لا] تناقض في الأحكام ها هنا.
والوجهان جاريان فيما لو نكح جارية ابنه وهو رقيق، ثم عتق: هل ينفسخ النكاح؟ فإن قلنا: لا ينفسخ، فأتت بولد، فحكمه حكم ما إذا جوزنا النكاح في الابتداء. ويجري الوجهان فيما لو ملك الأمة مكاتب الزوج، قاله في "التتمة"، وقضية هذا الإطلاق ترجيح عدم الانفساخ، [وبه قال أبو سعد الهروي، ومنهم من رجح الانفساخ] هنا، وهو الأشبه؛ لأن المال الذي في يد المكاتب إما ملك للسيد- كما سنذكره عن بعضهم في كتاب الأيمان- أو مملوك للمكاتب، وتعلقه به فوق تعلق الأب بمال الابن.
قال: وإن تزوجت الحرة بعبد، ثم اشترته- انفسخ النكاح؛ [لما تقدم].
وذكر الشراء في هذه [المسائل جرى] على الأعم الغالب، وإن كان حصول الملك في المنكوحة بأي سبب كان، كالشراء في انفساخ النكاح.
قال: وتحرم الملاعنة على من لاعنها، أي: سواء كانت صادقة أو كاذبة في الظاهر والباطن؛ لما روى [عن] ابن عباس- ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الْمُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَداً"، وحكى أبو الفرج: أن الفرقة لا
стр. 6290
تحصل باطناً إذا كانت هي صادقة.
قال: والمطلقة ثلاثاً على من طلقها، أي: قبل أن تنكح زوجاً غيره سواء كان الطلاق في نكاح واحد أو أكثر، بلفظ واحد أو أكثر، قبل الدخول أو بعده؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، والمراد: الطلقة الثالثة، على ما سنذكره من بعد إن شاء الله تعالى.
والعبد إذا طلق زوجته طلقتين، كالحر إذا طلق ثلاثاً؛ لأنه استوفى ما ملكه من الطلاق، فلو عرضت الحرية بعد ذلك لم تؤثر على الأصح، وفي "الوسيط" وغيره حكاية وجه: أن له أن ينكحها.
قال: ويحرم على الرجل نكاح المُحْرِمة، أي: وإن كان هو والمزوِّج حلالَيْن؛ لقوله- ﷺ : "الْمُحْرِمُ لَا يَنْكِحُ وَلَا يُنْكِحُ"، وكل من الزوجين يسمى ناكحاً.
قال في الذخائر: فإن قيل: فهلا جوزتموه كتزويج الحائض؛ لأن أكثر ما فيه أنه ممنوع من وطئها، وذلك لا يمنع صحة العقد.
قلنا: لم نمنعه في حق المحرمة لكونها ممنوعة الوطء بل للإحرام، [والإحرام] اقتضى المنع من الوطء؛ لكونه مفسداً له، والنكاح لمّا كان سبباً [إليه] منع منه؛ [إذ لا يتم] الوطء المفسد إلا به، بخلاف الحائض؛ فإن وطْأَها غيرُ مفسد للحيض، وإنما مُنِعَ للأذى؛ فلم ينتصب مانعاً من سبب الوطء.
قال: والمعتدة من غيره؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، ولأن العدة وجبت لحفظ النسب؛ فلو جوزنا فيها النكاح لأعقبه حِلُّ الوطء؛ إذ لا يتأخر عنه؛ فيؤدي إلى اختلاط النسب، ويبطل المقصود، ثمّ إذا كان نكاح من هي في عدة الغير حراماً، فنكاح من هي زوجة الغير أولى، ولم يذكر الشيخ ذلك؛ لاستغنائه بمسألة العدة.
[فرع: حكاه الإمام في كتاب الإقرار: إذا ادعت المرأة أنها زوجة فلان، فقال
стр. 6291
الزوج: ما نكحتك قط، ففي حرمة النكاح لها وجهان، حتى يجوز لها- في وجه- أن تنكح].
قال: ويكره له نكاح المرتابة بالحمل، أي: التي اعتدت بالأقراء أو الأشهر، ثم رأت أماراتِ الحمل، مثل: ارتفاع البطن، أو حركته مع وجود الدم، وشككنا هل هو حمل أم لا؟ وكانت الريبة حاصلة بعد الحكم بانقضاء العدة ظاهراً؛ لأنه لا يؤمن أن يكون حملاً؛ فيكون النكاح باطلاً.
قال: فإن نكحها فقد قيل: يصح، وهو قول الإصطخري وأبي إسحاق، والصحيح في "المهذب"؛ لأنا حكمنا بانقضاء العدة فلا ننقضه بالشك؛ كما لو حصلت الريبة بعد النكاح، فعلى هذا: لو أتت بولد لدون ستة أشهر من حين العقد، تبين بطلان النكاح، وقيل: لا يصح وهو قول ابن سريج؛ لأنها لا تدري أَعِدَّتُها بالأقراء أو الأشهر، وقد حلت بمضيِّهما، أو بوضع الحمل ولم تحل بعد؛ فلا تنكح إلا بيقين، كما لو كان ذلك في أثناء العدة.
ومن الأصحاب من نقل في المسألة قولين، فاختلف الصائرون إلى ذلك:
فمنهم من قال: هما مبنيان على القولين في وقف العقود، فإن قلنا: لا توقف، فالنكاح باطل، وإلا [كان] العقد موقوفاً. قال الشيخ أبو علي: وهذا فاسد؛ لأن العقود لا توقف على الجديد، والقول بالوقف هنا منقول عن الجديد.
ومنهم من بناهما على الخلاف فيما إذا باع مال أبيه على ظن حياته، فبان موته، أو على القولين فيمن شك في عدد الركعات بعد الفراغ من الصلاة: هل يؤمر بالتدارك؟ ويحكي هذا عن القفال.
قال الفوراني: فعلى هذا: لا فرق بين أن يرتاب بعد الأقراء أو في خلالها.
فيحصل في المسألة ثلاثة طرق: القطع بالجواز، القطع بالمنع، طرد قولين.
قال: ويحرم على الحر أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة؛ لما روى عبد الله بن عمر- ﵄ أن غيلانَ أسلم على عشر نسوة، فقال له
стр. 6292
النبي- ﷺ : "أَمْسِكْ أَرْبَعاً، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ"، وروى أن نوفل بن معاوية أسلم وتحته خمس نسوة، فقال له النبي- ﷺ : " أَمْسِكْ أَرْبَعاً، وَفَارِقِ الْأُخْرَى". ويجوز أن يجمع بين امرأتين أو ثلاث أو أربع من الحرائر؛ لقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، ولم يُرِدِ الجمع، بل التخيير؛ ألا ترى قوله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١]؟! فلو جمع بين خمس فصاعداً نظر:
فإن جمع بينهن في عقد واحد بطل الكل، وقال في "الذخائر": بطل نكاح الخامسة، وفي نكاح الأربع قولان؛ بناءً على القولين في تفريق الصفقة، فإن قلنا بالصحة فإن الخامسة لا تتعين؛ فيكون له أن يعين الفسخ في واحدة منهن، فإذا عين في واحدة بقي من سواها على الزوجية؛ كما لو طلق إحدى نسائه، والحكم قبل التعيين على ما يذكر في المطلقة المبهمة.
وهذا الذي ذكره في غاية الضعف؛ فإن الشهادة في النكاح شرط، ومع الإبهام لا تُتصور، ولأن الرجعة أسهل من ابتداء النكاح، وهي لا تقبل الإبهام على الأصح؛ فالنكاح أولى، والخلاف الذي في تفريق الصفقة مفروض فيما إذا تميز ما يجوز العقد عليه من غيره، وهنا بخلافه.
وإن نكحهن على الترتيب بطل نكاح الزائدات على الأربع الأوليات. ولو نكح واحدة في عقد، واثنتين في عقد، وثلاثاً في عقد- قال ابن الحداد: يصح نكاح الواحدة، ويبطل [نكاح] الباقيات. وقال الشيخ أبو علي [في "الشرح"]: ما ذكره ابن الحداد غلط عند عامة الأصحاب؛ بل يصح مع نكاح الواحدة نكاح الاثنتين أو الثلاث، لكن لا يعرف الصحيح [منهما]؛ فيوقف الأمر ويسأل
стр. 6293
الزوج: فإن ادعى سبق الاثنتين وصدَّقَتاه، ثبت نكاحهما مع الواحدة، وإن ادعى سبق الثلاث وصدقْنَهُ، فكذلك، ولو قال الزوج: لا أدري- ولم يبين- فلهن طلب الفسخ، وإن رضين بالصبر لم ينفسخ، وعلى الزوج نفقة جميعهن في مدة التوقف.
وقال مجلي: هذه المسألة تنبني على المسألة قبلها:
فإن قلنا في المسألة الأولى: يبطل نكاح الخامسة دون الأربع، فلا نستيقن في هذه الصورة أيضاً نكاح الواحدة؛ لاحتمال سبق نكاح الخمس قبلها؛ فيبطل في واحدة منهن، ويصح نكاح الأربع.
وإن قلنا: لا يصح في الخمس، فقد تحقق صحة نكاح المفردة.
ولو نكح خمساً في عقد، وفيهن أختان بطل نكاحهما، وفي [نكاح] الثلاث قولاً تفريقِ الصفقة. وإذا أبان الأربع جاز له أن ينكح بدلهن إن كن في العدة، وكذلك الواحدة، أما إذا كان [الطلاق] رجعيّاً لم يَجزْ حتى تنقضي عدة الرجعية، فلو ادعى انقضاء عدتها، وأنكرت [هي] فعلى ما تقدم في نكاح الأخت على الأخت.
قال: وله أن يطأ بملك اليمين ما شاء؛ لأن الله تعالى أطلق فقال: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] ولم يحصره في عدد، ويفارق الزوجات؛ لأن مقصود النكاح الاستمتاع والألفة والمؤانسة، بدليل أنها لو وجدته مجبوباً أو مجنوناً ثبت لها الخيار. وإذا بات عند واحدة من الزوجات ليلة وجب قضاؤها للبواقي، والزيادة على أربع زوجات تفوِّت الألفة والمؤانسة المقصودة؛ فلذلك منع منها، وجوز له الشرع [نكاح] الأربع؛ لأنه إذا بات عند واحدة ليلة غاب عنها ثلاث ليالٍ، والثلاث مدة قريبة.
قال: ويحرم على العبد أن يجمع بين أكثر من امرأتين؛ لما روى أنه- ﷺ -
стр. 6294
قال: "لَا يَتَزَوَّجِ الْعَبْدُ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ"، رواه عبد الحق، ولما روى الحكم بن عتيبة قال: أجمع أصحاب رسول الله- ﷺ [على] ألا ينكح العبد أكثر من امرأتين.
وأما الآية [فإنها] تدل على إرادة الأحرار، وأيد ذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ [النساء: ٤] وكل ذلك يليق بالأحرار.
فإن قيل: [هذا طريقه] الشهوة واللذة؛ فيجب أن يستوي فيه الحر والعبد كالمأكول.
قيل: المأكول لم يبن على التفضيل؛ فاستوى فيه الحر والعبد، والنكاح مبني على التفضيل؛ ولهذا فارق النبي ﷺ أُمَّتَه؛ فأشبه الطلاق.
فرع: هل [يجوز] له أن يطأ بملك اليمين إذا ملَّكه السيد جارية، وقلنا: إنه يملكها؟ الذي حكاه ابن الصباغ في كتاب البيع: أنه يجوز، وحكى [في كتاب النكاح: جوازه بإذن السيد؛ لأنه وإن كان العبد قد ملكها، فقد تعلق بها حق السيد، ولأن له أن ينتزعها من يده لا بفسخ عقد، وحكى] الإمام ثَمَّ: أنه إن أذن له السيد في التسرِّي [فالذي ذهب إليه الجمهور أنه يجوز، وذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى أنه لا يتسرى]، أما إذا لم يأذن له في التسري فلا يتسري، وفيه وجه [ضعيف]: أنه يجوز.
стр. 6295
ثم إذا وطئها فأتت بولد، فالولد ملك له، ولا يعتق عليه؛ لضعف ملكه، فإن عتق عتق الولد.
وهذا في الرقيق كله، أما من بعضه حر وبعضه رقيق إذا اشترى بما يملكه ببعضه الحر جاريةً، فهل له أن يطأها؟
[قال في "التتمة": ظاهر المذهب- كما نص عليه- أنه لا يجوز؛ فإنه قال: ولا يشتري العبد، ولا من لم تكمل فيه الحرية.
وفيه قول آخر: أنه يباح له أن يطأ؛ وذلك مبني على أصلٍ، وهو أنه إذا مات: هل يورث عنه ما ملكه أم لا؟
إن قلنا: لا ينصرف إلى سيده، أو بعضه لسيده وبعضه لورثته- فقد علقنا حقَّ السيد بماله، وذلك علامة نقصان ملكه؛ فلا يباح له الوطء.
وإن قلنا: يصرف ماله إلى ورثته أو إلى بيت المال- فلا نجعل للسيد في ماله حقّاً، فيباح له الوطء.
إلا أن من أصحابنا من قال: لابد من إذن السيد.
قلت: وكذلك قال غيره]: [إنه ينظر: فإن] لم يأذن له مالك بعضِهِ الرقيقِ- لم يجز؛ لأن الوطء يقع بجميع بدنه، ولا يختص ببعض الحر، وقال ابن الصباغ: إلا أنه لا حاجة إلى إذن السيد، كما أنه يأكل كسبه ويتصرف فيه، فإن أذن السيد وفرعنا على أنه لابد من إذنه: فعلى القديم يجوز، وعلى الجديد لا يجوز؛ لأن ما فيه من الملك يمنع [من] التسري، والمكاتب لا يتسري بغير إذن السيد، وبإذنه قولان؛ بناءً على الخلاف في تبرعاته، حكاه الرافعي في آخر الفصل الخامس من الفصول بعد النكاح.
قال: ولا يصح نكاح الشغار، وهو أن يزوج الرجل وليته من رجل على أن يزوجه ذلك وليته، ويكون بضع كل واحدة منهما صداقاً للأخرى، أي: وقَبِلَ الآخر، أو قال مثله.
الشِّغار- بكسر الشين- مأخوذ من قولهم: شَغَرَ البلدُ عن السلطان؛ إذا خلا؛
стр. 6296
فسمى هذا النكاح به؛ لخلوه عن المهر؛ أو لخلوه عن بعض الشرائط.
وقيل: من قولهم: شغر الكلب برِجْله، إذا رفعها ليبول، وسمي هذا النكاح به؛ لأنه رفع عن المهر، أو لأن كل واحد منهما رفع رجله للآخر عما أراد.
وفي بعض الشروح: أن الكلب إذا كان يبول حيث يصلُ من غير مبالاة، قيل: شغر الكلب برجله؛ فسمى هذا شغاراً؛ لعدم المبالاة فيه بالمهر، وقيل: سمي شغاراً لقبحه؛ تشبيهاً له برفع الكلب رجله.
والأصل فيه ما روى عن ابن عمر- ﵄ أن النبي- ﷺ نهى عن الشغار، وفسره بأن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، وليس بينهما صداق.
ويروي: "وَبُضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَدَاقُ الْأُخْرَى"، ويروى عن [ابن] أبي هريرة مثل الأول، وأنه ذكر التفصيل موصولاً بالحديث.
قال الأئمة: وهذا التفسير يجوز أن يكون مرفوعاً، ويجوز أن يكون من تفسير الراوي، وهو أعلم بتفسير الخبر من غيره.
وذكر في [طريق] المعنى أن قوله: زوجتك ابنتي، يقتضي تمليك الزوج بُضعها، فإذا قال: وبضع كل واحدة [منهما] صداق الأخرى، تضمن تمليك المرأة بضعها، وليس يملك تمليكها إلا بعد الاسترجاع من الأول؛ فكأنه رجع عما أوجب قبل القبول، وهو يملك ذلك؛ فبطل العقد، ولأن فيه تشريكاً في البضع، لأن كل واحد منهما جعل بضع مُوَلِّيَتَهُ مَوْرِداً للنكاح، وصداقاً للأخرى؛ فأشبه ما لو زوج امرأة من رجلين.
стр. 6297
وربما شبه ذلك بما إذا نكحت الحرة عبداً؛ على أن تكون رقبته صداقها؛ فإنه لا يصح النكاح، وكما لا يجوز أن يكون الرجل ناكحاً وصداقاً، لا يجوز أن تكون المرأة منكوحة وصداقاً.
وقد يعترض على ذلك، فيقال: المفسد هو التشريك من جهة واحدة، إذا زوجها من رجلين، وهذا التشريك بجهتين مختلفتين؛ فيشبه أن يلتحق بما إذا زوج أمته ثم باعها، أو أصدقها امرأة. وأما المسألة الأخرى، فسبب البطلان فيها: ملكُ الزوجةِ الزوجَ، وهذا المعنى لو عَرَضَ رُفع النكاح؛ فإذا قارن ابتداءه منع الانعقاد.
وقال القفال: إن سبب البطلان التعليق والتوقيف؛ فلا يبطل ما لم يضم إليه: ومهما انعقد نكاح [ابنتي، فقد انعقد لي نكاح] ابنتك؛ إذ هو المراد من الشغار، مأخوذ من قولهم: شغر الكلب رجله، أي: لا ترفع رجل ابنتي حتى أرفع رجل ابنتك، وكان ذلك [من] عادة العرب؛ لأَنَفَتها من التزويج.
هكذا حكاه ابن يونس عنه، وفي كلام الغزالي في "الوسيط" [ما يدل] عليه، ثم قال: لو اقتصر على شرط التزويج في العقد وعلى إصداق البضع صح العقد؛ لأن عقد النكاح لا يفسد بالشرائط الفاسدة، وما ذكره القفال أقيس، وما ذكره الجمهور إلى الخبر أقرب، وظاهر كلام الرافعي أن القفال استنبط ذلك من قوله: على أن تزوجني ابنتك؛ إذ من عادة العرب ذلك؛ لأجل أنفتها، وإلا فتفسير الشغار في الخبر ليس فيه تعليق.
وقال في "التتمة": إِنْ قَصَدَ بذلك تعليق الانعقاد بالانعقاد، ووجد ما يدل صريحاً أو كناية- فالعقد باطل، وإن قصد به المواصلة، أو قصد [به] إخلاء النكاح من الصداق؛ حتى لا يُلْزَم بَذْلَ مَالٍ- فالنكاح صحيح، ولكل واحدة مهر المثل، فلو قال: زوجتك ابنتي على أن تزوجني [ابنتك]، وقَبِلَ الآخر، ولم يجعل البضع صداقاً- فأصح الوجهين: الصحة؛ إذ لم يوجد تفسير الشغار في
стр. 6298
الخبر، ولم يتحقق التشريك؛ فعلى هذا: لكل واحدة مهر المثل.
قال في "التتمة": وقال القفال: إن قصد تعليق العقد بالعقد لا يصح، وإن لم يقصد ذلك صح.
وخصص الإمام الوجهين الأولين بما إذا كانت الصيغة هذه، ولم يذكر مهراً. وقطع بالصحة فيما إذا قال: زوجتك ابنتي بألف على أن تزوجني ابنتك، وقال: ليس الفرق لذكر المهر، لكنه جاء في بعض الروايات أنه- ﵇ نهى عن نكاح الشغار، وهو أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه صاحبه ابنته؛ ففسر بهذا القدر من غير مزيد.
قال الرافعي: ولك أن تقول: هذا التفسير حاصل، سواء ذكر المهر أو لم يذكره؛ إذ ليس فيه تعرض [لترك المهر، كما ليس فيه تعرض] لذكره، فلا يصلح مستنَداً للفرق.
ولو قال: زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك، وبضعُ ابنتك صداقُ ابنتي، فَقَبِلَ- صح الأول، وبطل الثاني. ولو قال: وبضع ابنتي صداق ابنتك، صح الثاني، وبطل الأول؛ نظراً لمعنى التشريك. ولو قال: زوجتك ابنتي بألف على أن تزوجني ابنتك بألف، وبضع كل واحدة منهما صداق للأخرى وألف درهم- فوجهان:
[أحدهما]- وهو ظاهر [لفظ] "المختصر"-: أنه صحيح؛ لأنه ليس على تفسير لفظ "الشغار".
وأصحهما: البطلان؛ لقيام معنى التشريك والتوقيف، ويحكى هذا عن نصه في "الإملاء".
ولو قال: زوجتك جاريتي على أن تزوجني ابنتك، وتكون رقبة جاريتي صداقاً لابنتك- قال في "الشامل": صح النكاحان؛ لأنه لا تشريك فيما يَرِدُ عليه عقد النكاح، ويفسد الصداق، ولكل واحدة مهر مثلها.
стр. 6299
وقال في "التتمة": تملك البنت رقبة الجارية عن صداقها، ويجب على الأب مهر الجارية لسيد الجارية؛ لأنه هو العاقد عليها في حال قيام الملك في الرقبة. وفرّع [على] ذلك فقال: لو قال: تزوجت ابنتك على رقبة جاريتي، وزوَّجتك جاريتي، فقال في الجواب: زوجتك بنتي وتزوجت جاريتك- فنكاح الجارية لا يصح؛ لأن الملك في الجارية بالتزويج انتقل إلى البنت؛ فلا يجوز أن يقبل نكاح الجارية؛ لأن الإيجاب بطل فيها بنقل الملك، قال الرافعي: ويجيء على معنى التعليق والتوقيف أن يحكم ببطلان النكاحين.
ولو طلق امرأته على أن يزوجه صاحبه ابنته، ويكون بضع امرأته صداقاً لها، وزوجه صاحبه على ذلك- حكى ابن كج فيه وجهين:
أحدهما: يفسد النكاح؛ لخلوه عن الصداق.
والثاني: أنه يقتصر الفساد على الصداق.
ولو قال: زوجتك ابنتي على أن [يكون] بضعك صداقها- يعني: بضع الزوج- قال [في "التتمة"]: من أصحابنا من قال: يصح النكاح؛ لأنه ليس فيه تشريك ولا رجوع عما أوجب للزوج قبل قبوله، ومنهم من قال: العقد باطل؛ لأنه يتضمن حجراً عليه في الاستمتاع لو ملكته؛ إذ لا يجوز الانتفاع بملك الغير إلا بإذنه.
قال: ولا يصح نكاح العبد- أي: لحرة- على أن تكون رقبته صداقاً للمرأة؛ لأنه لا طريق لإبطال التسمية وحدها؛ لأن السيد من أهل التمليك، والرقبة قابلة لنقل الملك، وهي من أهل التمليك، وسبب التمليك قد صح؛ فلا وجه لبطلان الملك، ولو صححنا التسمية لصارت مالكة لزوجها، وملك رقبة الزوج في الدوام يقطع النكاح؛ فملك الابتداء أولى.
وقال في "النهاية" في فصل الضيافة في ضمن فرع: وكنت أود لو ذهب ذاهب
стр. 6300
إلى صحة النكاح وفساد الصداق، ثم إن كان فالرجوع إلى مهر المثل أو إلى القيمة، [ولكن] لم يَصِرْ إلى هذا صائر، والتعويل في المذهب على النقل.
وقال في "التتمة]: وعن بعض أصحابنا بالعراق- وهو ما ذكره ابن الصباغ بدليل الشغار-: أنه يصح النكاح، ويفسد الصداق، ويجب مهر المثل كما لو أصدقها خمراً، أما إذا كانت الزوجة امة فالنكاح والصداق صحيحان؛ إذ لا تضادَّ.
[وقول] الشيخ: "للمرأة"، يخرج ذلك؛ إذ الصداق في هذه الصورة للسيد.
قال: ولا نكاح المتعة، وهو أن يتزوجها إلى مدة، أي: سواء كانت المدة معلومة بأن ينكحها إلى شهر، أو مجهولة بأن ينكحها إلى قدوم زيد، وإذا انقضت المدة بانت منه، وسمي بذلك؛ لانتفاعها بما يعطيها وانتفاعه بها بقضاء شهوته [دون قصد التوالد وسائر أغراض النكاح]، وكل ما انتفع به فهو متاع ومتعة.
وقد كان هذا العقد جائزاً في ابتداء [الإسلام] ثم نسخ، وروى عن ابن عباس جوازه، وتابعه السبعةُ وابن جريج، وقيل: إن ابن عباس رجع عنه، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]، وهذه خارجة عن القسمين؛ فوجب حفظ الفرج [عنها]، وما روى الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه أنه- ﵇ قام بين الركن والباب في حجة الوداع، فقال في كلام: "كُنْتُ [قَدْ] أَذِنْتُ [لَكُمْ] فِي الاسْتِمْتَاعِ مِنْ هَذِهِ النِّسْوةِ، أَلَا وَإِنَّ اللهَ [قَدْ] حَرَّمَ ذَلِكّ إِلَى يَوْم الْقِيَامَةِ؛ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهَا، وَلَا تَاخُذُوا مِمَّا آتيْتُمُوهُنَّ
стр. 6301
شَيْئاً" رواه البخاري ومسلم، قاله في "التتمة". وقد روي عن علي- كرم الله وجهه- أن النبي- ﷺ : "نَهَى عَامَ خَيْبَرَ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ".
وإذا وطئ في نكاح المتعة جاهلاً بفساده فلا حد، وإن كان عالماً انبنى على أنه لو اختلف أهل عصر في مسألة، ثم اتفق من بعدهم على أحد القولين فيها- هل يصير ذلك مجمعاً عليه؟ وفيه خلاف في الأصول: إن قلنا: نعم، وجب، وإلا فلا يجب على الأصح، كما في سائر الأنكحة المختلَفِ فيها، وحيث لا يجب الحد يجب المهر والعدة، ويثبت النسب.
فرع: لو قال: نكحتها متعة، ولم يزد على هذا- حكى الحناطي [في صحته] وجهين.
قال: ولا نكاح المحلِّل، وهو أن ينكحها ليُحِلَّها للزوج الأول، أي: مع شرط ذلك في العقد، وكذا لو شرط أنه إذا وطئها فلا نكاح بينهما؛ لقوله- ﷺ : "لَعَنَ اللهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ"، وروي أنه قال: "هُوَ التَّيْسُ الْمُسْتَعَارُ"، ولا يقول هذا لمن
стр. 6302
صح نكاحه، ولأنه نكاحٌ شُرِطَ قَطْعُهُ دون غايته، فبطل كنكاح المتعة.
وإن وجد الشرط قبل العقد، فالأصح الصحة.
ومأخذ الخلاف في مهر السر والعلانية، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
فإن عقد لذلك، ولم يشترط في العقد، ولا قبله- كره ولم يفسد العقد.
فائدة: تشبيه المحلل بالتيس المستعار دون غيره من الحيوانات؛ لأن التيس فيه منفعة سوى منفعة الإنزاء، بخلاف غيره.
قال: وإن تزوجها على أنه إذا حللها طلقها، ففيه قولان:
أحدهما: أنه يبطل؛ لأنه شَرْطٌ يمنع صحة دوام النكاح؛ فأشبه التأقيت، وهذا
стр. 6303
هو الأصح في "الرافعي"، وظاهرُ المذهب في "النهاية"، والجديد في "التهذيب"، وقال في "التتمة" و"الشامل" و"الذخائر": إنه القديم، ومقابله هو المنصوص عليه في عامة كتبه.
قال: والثاني: لا يبطل؛ لأنه شرط فاسد قارن العقد؛ فلا يبطل به، كما لو نكحها بشرط ألا يتزوج عليها أو لا يسافر بها، وعلى الأول [هل] يحصل به التحليل؟ فيه قولان، وموضع استقصاء ذلك باب الرجعة.
قال: وإن تزوج بشرط الخيار، أي: في النكاح- فالعقد باطل؛ لأنه عقد معاوضة لا يثبت فيه خيار الشرط فيفسد بشرطه كالصرف، وإنما قلنا: إنه لا يثبت فيه الخيار؛ لأن الأصل في عقود المعاملات اللزوم، وإنما جوز في البيع؛ رخصة للحديث المشهور؛ لأنه يقع في الغالب بغتةً؛ فاحتيج فيه لإثبات الخيار حتى ينظر هل يصلح له أم لا؟ فيدفع عن نفسه الغَبِينة، والغالب في الأنكحة أنها تقع بعد تَرَوٍّ وتأمل؛ فاستغنى عن اشتراط الخيار فيها، وقد صرح الإمام بهذه العلة قبل باب: الأمة تعتق بورقتين.
أما إذا شرط الخيار في الصداق دون النكاح فهل يصحان ويثبت في الصداقِ الخيارُ، أو لا يصحان، أو يصح النكاح دون الصداق؟ فيه خلاف، والأصح الأخير، ووجهه: أن الصداق لا يتمحض عوضاً، بل فيه معنى النِّحْلة؛ فلا يليق به الخيار، والمرأة لم تَرْضَ بالمسمى إلا بشرط الخيار؛ فبطل الصداق، والنكاح لا يفسد بعدم الصداق؛ فبشرطٍ فاسد [فيه] أولى، وإذا قلنا بثبوت الخيار فهل يثبت فيه خيار المجلس؟ فيه وجهان نقلهما الشيخ أبو الفرج.
قال: وإن تزوج وشرط عليه ألا يطأها، بطل العقد، هذا نصه، وكذلك لو شرط ألا يطأها في السنة إلا مرة، أو على ألا يطأها بالنهار؛ لأنه شرط يخل بمقصود العقد؛ فأبطله؛ كما لو باع بشرط ألا يسلم المبيع.
وفيه قول آخر منصوص عليه: أنه لا يبطل، ويلغو الشرط؛ لقوله- ﷺ :
стр. 6304
"الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطاً أَحَلَّ حَرَاماً، أَوْ حَرَّمَ حَلَالاً"، وكما إذا شرط ألا يتزوج عليها، [أو لا] يسافر بها.
وقال الربيع: إن النصين محمولان على حالين: فحيث قال: يبطل، أراد: ما إذا شرطت الزوجة ألا يطأها، وحيث قال: يصح، أراد: ما إذا شرط الزوج ألا يطأها، والفرق: أن الوطء حق له فله تركه، والتمكين حق عليها فليس لها تركه، وصار هذا كما لو كان على فقير دَيْنٌ، فقال الفقير لرب المال: ادفع لي من الزكاة ديناراً لأؤدي دينك منه، فدفع إليه- أجزأه عن الزكاة، والفقير مخير في الأداء منه ومن غيره، ولو قال رب الدين: خذ هذا الدينار من الزكاة؛ بشرط أن ترد على من دَيْني- لا يجزئ عن الزكاة، وهو ما جزم به في "الشامل" و"المهذب"، وصححه الرافعي، وهو معنى قول الشيخ من بعدُ: "وقيل: إن شرط ترك الوطء أهلُ الزوجة بطل العقد"، وعدول الشيخ عن "الزوجة" إلى "أهل الزوجة"- ومراده: الولي- لأن الشرط إنما يؤثِّر في حالة العقد من العاقد كما تقدم، والعاقد هو الولي.
قال الرافعي: ولك أن تقول: إذا شرط أحد المتعاقدين شرطاً، فإن لم يساعده صاحبه لم يتم العقد، وإن ساعده فالزوج بالمساعدة تارك لحقه، فهلا كانت مساعدته كاشتراطه؟! وهي بالمساعدة مانعة حقه، فهلا كانت مساعدتها كاشتراطها؟!
ولو تزوج امرأة على ألا تحل له، ففي "النهاية": أنه يجب أن يلتحق ذلك بالخلاف في شرط الامتناع عن الوطء. وقال في "الوسيط": ينبغي أن يفسد؛ لما فيه من التناقض.
قال: وإن تزوج على ألا ينفق عليها، أو: لا يبيت عندها، أو: لا يقسم لها، أو: لا يتسَّرى عليها [أو: لا يسافر بها، وكذا لو شرط: ألا يتزوج عليها، أو: لا يطلقها، أو: تخرج متى شاءت]، أو: يطلق ضرائرها- بطل الشرط؛ لقوله- ﷺ : "كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ"، وللحديث السابق.
стр. 6305
قال: والمسمى؛ لبطلان ما شرطه مما يقتضي زيادة في المهر، أو ما شرط لها مما يقتضي تنقيصاً في المهر، وبطلان ذلك يقتضي سقوط ما يقابله، وهو مجهول، والمجهول إذا سقط من المعلوم صَيَّر الباقي مجهولاً، وفيه وجه: أن الشرط لا يؤثر فيه كما لا يؤثر في النكاح.
قال: وصح العقد؛ لأنه لا يمنع مقصود النكاح وهو الوطء، والنكاح لا يفسد بفساد العوض؛ فأولى ألا يفسد بفساد الشرط.
وحكى الجيلي قولاً أو وجهاً: أنه يبطل.
قال: ووجب مهر المثل؛ لفساد الصداق، ولا فرق بين أن يزيد على ما شرط في العقد أو ينقص، أو لا يزيد ولا ينقص.
وعن ابن خيران: أنه إن زاد والشرط لها فالواجب المسمى، وكذا إن نقص والشرط عليها، ومنهم من جعل ذلك قولاً مخرجاً.
وقيل: الواجب أقل الأمرين من مهر المثل أو المسمى.
واعلم أن حكم المهر في صورة شرط ترك الوطء والطلاق بعد التحليل، حكم ما ذكرناه.
قال: وقيل: إن شرط ترك الوطء أهلُ الزوجة بطل العقد، [وقد] مضى تقريره.
قال ابن يونس: وذِكْر هذا القول هنا سهو من الناسخ.
ولو نكحها على ألا [يرث منها، أو: على ألا] يتوارثا، أو: على [أن]
следующие страницы →