← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.

стр. 6721

ترتبها [على] الشراء. الخامس: لو قال: إن وطئتك وطئاً مباحاً، فأنت طالق قبله، ثم وطئها، لم تطلق قبله. قال الإمام وغيره: [ولا يجيء] في هذه الصورة خلاف؛ لأن موضع الخلاف ما إذا انحسم بتصحيح اليمين الدائرة، باب الطلاق أو غيره من التصرفات الشرعية، ولم يوجد. السادس: إذا قال: إذا طلقتك طلقة أملك فيها الرجعة، فأنت طالق قبلها طلقتين [ثم طلقها وهي مدخول بها، ففيه وجهان: أحدهما: لا يقع للدور. ومنهم من قال: لا دور؛ فيقع الثاني. ولو قال: إذا طلقتك فأنت طالق قبله طلقتين]، ثم قال لها: أنت طالق، فالذي يقتضيه إيراد ابن الصَّباغ-[على ما حكيته] عنه في مسألة الدور عند الكلام في القول الثالث-: أن الطلقة المنجزة تقع، وفي وقوع [الطلقتين الأخيرتين] القولان في قوله: أنت طالق أمس، وعليه من الكلام ما أبداه مجلي. والذي يقتضيه إيراد غيره: أن الطلقتين المعلقتين تقعان من غير خلاف قبل الطلقة المنجزة بطريق التبين، كما إذا قال: إذا قدم زيد، فأنت طالق قبل قدومه بشهر، فقدم بعد شهر. قلت: والذي يظهر لي في المسألة: أنه إذا قيل بوقوع الطلقتين المعلقتين قبل المنجزة بطريق التبين، ينبغي أن ينظر: إن كان بين التعليق، وبين الطلاق المنجز زمان لا يسع العدة، فالحكم كذلك. وإن كان بينهما زمان يسع انقضاء العدة، وقد وجدت فيه صورة الأقراء، أو وضع حمل تنقضي بمثله العدة، أو ثلاثة شهور، والزوجة صغيرة، أو آيسة [وتكون] هذه الصورة من صور الدور أيضاً.

стр. 6722

وبيانه: أن [نوقع المنجزتين] وقوع المعلق عند التعليق، كما إذا قال: إن قدم زيد، فأنت طالق قبل قدومه، فإنا نتبين بقدومه وقوع الطلاق عند اللفظ؛ كما صرح به الرافعي، وهو مستمد مما إذا قال: "أنت طالق قبل موتي"، فإنها تطلق في الحال؛ كما حكاه القاضي الحسين في التعليق، وغيره مع ما في ذلك من بحث، سأذكره إن شاء الله تعالى في الباب. وإذا كان كذلك، فيلزم من وقوع الطلقتين من حين الطلاق ألا تقع الطلقة المنجزة؛ لكونها بعد انقضاء العدة، وإذا لم تقع، لم تقع الطلقتان، وقد دارت المسألة. ومثل هذا البحث يحسن في القول الثالث من مسألة الكتاب على رأي من أوقع طلقتين قبل المنجز، وجعل الاستحالة في إيقاع الثلاث، فألغى ما يحصل به الاستحالة، وهو الطلقة الزائدة، والله أعلم. قال: وإن قال: أي وقت لم أطلقك فيه فأنت طالق، فمضى زمان يمكنه أن يطلق [فيه] فلم يطلق، طلقت؛ لأن ذلك متناول لكل زمان، فإذا لم يطلق في الزمان الأول، فقد وجدت الصفة فرتب عليها الطلاق. وهكذا الحكم في الحروف السبعة التي يتعلق بها الطلاق إلَّا إن، وإذا على ما سيأتي فيما إذا قال: متى، أو متى ما، أو مهما، أو أي زمان، أو أي حين لم أطلقك فيه فأنت طالق، فمضى زمان يمكنه أن يطلق فيه فلم يطلق؛ طلقت. قال في الشامل: بلا خلاف، وتوجيهه ما ذكرناه. وفي الرافعي أن الحناطي أشار إلى طرد الخلاف الآتي في إن وإذا فيها، وفي كلما أيضاً. ولو قال: كلما لم أطلقك، فأنت طالق، فمضى زمان يمكن أن يطلق فيه ثلاث تطليقات- واحدة بعد واحدة- ولم يطلق، وهي مدخول بها، طلقت ثلاثاً: واحدة بعد واحدة. وهكذا الحكم فيما لو قال: كلما سكت عن طلاقك، فأنت طالق؛ لأن "ما" في

стр. 6723

لفظة "كلما" ظرف زمان؛ أجمع على ذلك أهل العربية؛ على ما حكاه الإمام في الفروع آخر الطلاق، فكانت بمنزلة: أي زمان. وإن لم تكن مدخولاً بها، وقعت طلقة. [وإن جدد نكاحها، خرج وقوع الطلاق ثانياً وثالثاً على عود الحنث، وكذا فيما إذا كانت مدخولاً بها] وطلقها عقيب التعليق طلقة بعوض، ثم جدد نكاحها. فرع: لو قال: أيما امرأة لم أحلف بطلاقها فصاحبتها طالق وله امرأتان، وسكت ساعة يمكنه أن يحلف فيها، فلم يحلف. قال صاحب التلخيص: طلقتا. وقال الشيخ أبو علي: القياس عندي: أنه لا يحكم بوقوع الطلاق على واحدة منهما إلى أن يتحقق اليأس عن الحلف؛ لأن الذي يقتضي الفور هو الذي ينطوي على ذكر وقت مع التعليق بالنفي؛ وهذا ليس فيه تعرض لذكر الأوقات أصلاً. قال الإمام في الفروع آخر الطلاق: ولست أدري لما قاله الأول وجهاً. قال: وإن قال: [إن] لم أطلقك فأنت طالق، فالمنصوص [أنها لا تطلق إلا في آخر العمر. وإن قال: إذا لم أطلقك فأنت طالق]: أنه إذا مضى زمان يمكنه أن يطلق فيه، فلم يطلق طلقت. وقيل: فيهما قولان، أي: بالنقل والتخريج. أحدهما: أنهما يقتضيان الفور؛ اعتباراً بما لو استعملها في تعليق الطلاق بذكر المال. والثاني: أنهما على التراخي؛ لأنه [حرف إذا] يستعمل في الشرط. فيقال: إذا رأيت كذا فافعل [كذا]، وإن- أيضاً- كذلك؛ فاستويا، وإن تقتضي التراخي فكذلك إذا، والصحيح تقرير النصين. والفرق: أن حرف إن يدل على مجرد الاشتراط ولا إشعار له بالزمان، وإذا

стр. 6724

ظرف زمان نازل منزلة متى في الدلالة على الأوقات. ألا ترى أن القائل إذا قال: متى ألقاك؟ حسن [منك] أن تقول في الجواب: [إذا شئت]، كما يحسن أن تقول: متى شئت، ولا يحسن أن تقول: إن شئت؟ وإذا كان كذلك، فقوله: إن لم أطلقك معناه: إن فاتني طلاقك، [والفوات لا يتحقق إلا بالموت. وقوله: إذا لم أطلقك، معناه: أي وقت فاتني طلاقك] ومدة ذلك إذا مضى زمان يسع التطليق، ولم يطلق، فإذا مضى زمان هذا حاله، وجب أن يقع طلاقه. والحكم فيما إذا قال: ما لم أطلقك فأنت طالق حكم ما إذا قال: إذا لم أطلقك فأنت طالق، قاله الإمام في فروع الحلف [بالطلاق]. وحكم التعليق بنفي الضرب، والدخول، وسائر الأفعال حكم الطلاق. تنبيه: قول الشيخ: (لا تطلق [إلا] في آخر العمر) يريد به: عمر الزوج أو الزوجة؛ إذ به يتحقق فوات الطلاق، فإن ماتت الزوجة أولاً، حكمنا بوقوع الطلاق قبيل موتها. وإن مات الزوج، أولاً، حكمنا بوقوعه قبل موته. قال الإمام: ولم يصر أحد من الأصحاب إلى استناد الطلاق إلى وقت اللفظ إذا تحقق اليأس، وهو محتمل من جهة أن المذهب الأصح: أن المستطيع للحج إذا لم يحج، وقد تمادت عليه سنون في الاستطاعة، يحكم بأنه يموت عاصياً. ومن الأصحاب من يبسط المعصية على أول وقت الاستطاعة، فليتنبه الناظر لما نُبه له. ولم أذكر هذا ليكون وجهاً؛ فإن الأصحاب مجمعون على أن الطلاق لا يستند إلى وقت اللفظ، والزوج متسلط على الوطء إجماعاً. قلت: ويؤيد ما أبداه الإمام خلاف سيأتي فيما إذا حلف: ليشربن ماء [هذه] الإداوة غداً فمات في يومه، وقلنا بأنه يحنث، هل يحكم بالحنث في آخر الغد، أو بمجيء الغد فمن يقول: إنه يحنث بمجيء الغد، يلزمه أن يقول ها هنا بأنا

стр. 6725

نتبين الحنث من حين اليمين؛ لأن العمر جعل ظرفاً للطلاق كما جعل اليوم ظرفاً للشرب. ومن يقول: إنه لا يحنث إلا بمضي اليوم موافق للمذهب هنا. وقال الغزالي: إنه لم يصر إليه؛ لأن قوله: إن لم أفعل كذا فأنت طالق يحتمل أن يريد به [إيقاع الطلاق في الحال، إن لم يتحقق المعلق في العمر. ويحتمل أن يريد به] عند خلو العمر عنه؛ فأخذنا باليقين. واعلم أن قول الإمام: "ولم أذكر هذا ليكون وجهاً" يعرفك أن اختياره أن الاحتمالات التي يذكرها تكون وجوهاً في المذهب، وإلا [لم يكن] لهذا الكلام معنى؛ وحينئذٍ فينبسط عذر الغزالي في عدة احتمالات الإمام وجوهاً. ثم هذا كله فيما إذا لم يطرأ على الزوج ما يمنع نفوذ طلاقه، فإن طرأ عليه جنون، لم يحكم بوقوع الطلاق عليه في الحال؛ لاحتمال أن يفيق ويطلق، فإن مات قبل [حصول] الإفاقة، تبينا أن اليأس حصل من وقت الجنون، وإن كان المعلق الطلاق، فيحكم بوقوعه قبل الجنون. قال الغزالي في البسيط: وفي الاستناد إلى ما قبل الجنون إشكال، وكان يجوز أن يقال: يقع قبل الموت أيضاً ولا يستند إذا لم [تحصل الإفاقة المتوقعة إلى ما قبل زمان التوقف؛ كما لم يستند إذا لم] يقع التطليق المتوقع إلى أول زمان التوقف. وأبدى الرافعي وجهاً حكاه في كتاب الظهار موافقاً لهذا الاحتمال مأخوذاً من وجه حكاه عن رواية الشيخ أبي علي [فيما إذا] قال: إن لم أتزوج عليك فأنت علي كظهر أمي ثم جُنَّ، واتصل جنونه بالموت، فإنا لا نحكم بصيرورته مظاهراً إلَّا قبيل الموت. وإن كان المعلق نفي الضرب، وسائر الأفعال، فالجنون لا يوجب اليأس وإن اتصل بالموت. قال في "الوسيط": لأن ضرب المجنون في تحقيق الصفة ونفيها كضرب

стр. 6726

العاقل على الصحيح. فروع: لو قال: إذا لم أطلقك اليوم فأنت طالق، فإذا مضى اليوم، ولم يطلق، قال الرافعي: يحكم تفريعاً على الصحيح- بوقوع الطلاق قبيل غروب الشمس؛ لحصول اليأس حينئذ. قلت: وكأنه يشير إلى أنه لما قيد باليوم، صار اليوم كالعمر، فإذا تحقق اليأس من التطليق؛ [تبين وقوع] الطلاق قبيل الغروب؛ كما في الموت. فإن قيل: في مسألة الموت لا يمكن أن يحكم بوقوع الطلاق بعد وجود الشرط، وهو خلو العمر عن التطليق؛ فلأجل ذلك قدرنا الوقوع قبيل الموت، وها هنا يمكن أن يقع الطلاق بعد وجود الشرط، وهو انقضاء اليوم خالياً عن التطليق؛ لبقاء الزوجية؛ فلا ضرورة في الإيقاع قبيل الغروب. فالجواب: أن [الشرط ليس] مضي اليوم وانقضاء العمر، وإنما الشرط عدم التطليق في اليوم والعمر، [فإذا لم يبق في اليوم والعمر ما يسع التطليق، تحقق الشرط؛ فوقع الطلاق في ذلك الزمن الذي مضى من اليوم والعمر]؛ لأن الزمن المخصوص إنما يعتبر في الإنشاءات، أما في الوقوع فلا؛ لأنه حكم شرعي. ويجري مثل هذا [الحكم] فيما إذا قال: إن لم أطلقك اليوم فأنت طالق اليوم على ما حكاه الشيخ أبو حامد، وخالفه فيه ابن سريج، وقال: لا يقع [الطلاق]؛ لأنه لا يتحقق ما جعله شرطاً للطلاق إلا بمضي اليوم، وإذا مضى اليوم لم يبق وقت للوقوع؛ فلا يقع. قال في "الوسيط": وهذا يرد على قوله: إن لم أطلقك فأنت طالق، فإنا نتبين عند موته وقوع الطلاق في آخر العمر، [والعمر] في هذا المعنى كاليوم؛ إذ فيه يتحقق الطلاق والصفة جميعاً؛ فلا فرق بين المسألتين.

стр. 6727

قلت: [ويرجع أصل] مادة الخلاف إلى أن الطلاق إذا علق على فعل شيء في زمن، فهل الشرط في الحنث تحقق اليأس من فعل المحلوف عليه، أو لابد مع ذلك من مضي الزمن الذي قيد الفعل به؟ وهو جارٍ في مسائل: منها: إذا حلف ليشربن ماء هذه الإداوة غداً، فتلف في يومه، فهل يحنث بمجيء الغد، أو لا يحنث حتى يمضي الغد؟ ومنها: ما إذا قال لعبده: إن لم أبعك اليوم فزوجتي طالق، ثم أعتقه، وقع عليها الطلاق، لكن متى يقع؟ فيه وجهان: أحدهما: عقيب الإعتاق. والثاني: [أنها] لا تطلق حتى تغيب الشمس؛ كذا صرح به المتولي، والقاضي الحسين، ولفظه: أنها تطلق على الوجه الثاني بعد مضي المدة. ولو قال: إن تركت طلاقك، فأنت طالق، فإذا مضى زمان يمكنه أن يطلق فيه، فلم يطلق- طلقت، وإن طلقها في الحال، ثم سكت، لا تقع طلقة أخرى. ولو قال: إن سكت عن طلاقك، فأنت طالق، فلم يطلقها في الحال- طلقت، وإن طلقها في الحال، ثم سكت طلقت أخرى بالسكوت، ولا تطلق بعد ذلك؛ لانحلال اليمين. فرع: على قولنا: إنَّ إذا تقتضي الفورية إذا قال: إذا لم أطلقك؛ فأنت طالق، وقال: أردت بذلك: إن فاتني طلاقك، فأنت طالق، فهل يقبل [منه] أم لا؟ ذكر صاحب التقريب فيه وجهين، أصحهما في الرافعي: القبول. قال الإمام: وهذا الذي قاله صاحب التقريب حسن ملتحق بالمذهب. قال: وإن قال: أنت طالق إلى شهر، لم تطلق إلا بعد شهر؛ هذا نصه في البويطي. ووجهه: ما روي عن عبد الله بن عباس أنه قال في الرجل يقول لامرأته: أنت طالق إلى سنة: هي امرأته إلى سنة، ولا مخالف له من الصحابة.

стр. 6728

فإن قيل: الزوج أوقع الطلاق بقوله: أنت طالق، وقوله: إلى سنة تأقيت له، والطلاق لا يتأقت؛ فيبطل التأقيت، ويبقى الإيقاع. قلنا: اللفظ يحتمل ذلك، ويحتمل أن يكون تأقيتاً للإيقاع لا للرفع، ومثله ورد في اللسان في قولهم: فلان خرج إلى شهر، أي: بعد شهر، فلا نوقع الطلاق في الحال بالشك. نعم، لو قال: أردت به التأقيت في الوقوع بالشهر؛ وقع في الحال وبانت. ولو قال: أنت طالق إلى رمضان، أو إلى حين أو دهر أو زمان أو حقب- طلقت عند دخول رمضان بأول جزء منه، وبعد مضي لحظة فيما عداه؛ لأن التسمية صدقت. وفي الرافعي: أن البوشنجي أبدى في المسألة الأولى وجهاً احتمالاً أه يقع في الحال. قال: وإن قال: أنت طالق في شهر رمضان، طلقت في أول جزء منه، وهو عقيب غروب شمس اليوم الأخير من شعبان؛ لأن الشهر اسم يتناول من حين طلوع الهلال وإلى آخر جزء من اليوم الأخير من أيامه، وقد جعله ظرفاً للطلاق [فإذا وجد وقع الطلاق بأول جزء منه، كما لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار]، فدخلت جزءاً منها. وحكى الحناطي قولاً: أنها إنما تطلق في [آخر] الشهر. والمشهور نسبة هذا القول إلى أبي ثور. وهكذا الحكم فيما لو قال: أنت طالق في يوم كذا؛ فإنها تطلق عند طلوع فجر ذلك اليوم على الأصح. وفي "التتمة" ما يدل على أنها تطلق في الحال، إلا أن يقول: أردت به تعليق الطلاق بمجيء ذلك الشهر، كما إذا قال: أنت طالق في الدار، وفي بلد كذا، فإنه يقع الطلاق في الحال، وإذا قال: أردت به حصولها في ذلك الموضع، قبل. قال: وإن قال: أردتُ به الجزء الأخير؛ لم يُقبل في الحكم، وكذا لو قال: في وسط الشهر، أو [في] النهار دون الليل؛ لأنه يؤخر الطلاق عن الوقت الذي يقتضيه.

стр. 6729

نعم: يدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن اللفظ يحتمل ما قاله. وفي كتاب ابن كج وغيره حكاية وجه: أنه يقبل في الحكم. ولو قال: أنت طالق في غرة شهر رمضان، طلقت في أول جزء منه. فلو قال: أردت الثاني، أو الثالث منه، فعلى ما ذكرناه في الشهر؛ لأن اسم الغرة يقع على الثلاثة. أما لو قال: أردت به النصف، لم يدن. فرع: لو قال: أنت طالق في شهر [قبل ما بعده] رمضان، فقد قيل: تطلق في رجب. وقيل: في شعبان، واختاره القاضي. وقيل: في رمضان؛ حكاه في "التتمة". وقيل: في شوال، وهو الأظهر عند ابن الصباغ؛ لأن ما بعد قبل الشهر هو الشهر نفسه، وما قبله رمضان شوال. ولو قال: أنت طالق قبل ما بعده رمضان، ففي فتاوى القاضي: أنه إن أراد الشهر، طلقت في آخر جزء من رجب، وإن أراد اليوم بليلته، ففي آخر [جزء من] اليوم التاسع والعشرين [من شعبان]، وإن أراد [مجرد] اليوم، فقبل الفجر من اليوم الثلاثين من شعبان. قلت: وما قاله من وقوع الطلاق في آخر جزء من رجب، أو من التاسع والعشرين من شعبان، أو قبل الفجر من اليوم الثلاثين من شعبان- فيه نظر؛ لأنا قد حكينا عنه فيما تقدم: أنه إذا قال: أنت طالق قبل موتي: أن الطلاق يقع في الحال، ومقتضاه هنا: أنه يقع عند التلفظ على كل حال، كما إذا قال: قبل موتي، أو يكون ما ذكر، ثمَّ نقل المذهب، وهذا اختيار له. فينبغي أن يجيء مثله- أيضاً- هناك. وأما الفرع الذي قبل هذا، فلا يرد [عليه] ما قلناه؛ لأنه قيد الوقوع في الشهر بقوله: أنت طالق في شهر وهو وزان: قبل قدوم زيد بشهر.

стр. 6730

ولو قال: أنت طالق بعد ما قبله رمضان. قال القاضي: إن أراد الشهود فيقع عند استهلال ذي الحجة، وإن أراد الأيام ففي [اليوم] الثاني من شوال. قال: وإن قال: أنت طالق في أول آخر رمضان، فقد قيل: تطلق في أول [ليلة] السادس عشر [من رمضان]، وهو قول ابن سريج؛ لأن الشهر نصفان: أول، وآخر، [و] هذه أول النصف الأخير. وقيل: في أول اليوم الأخير من الشهر؛ وهو ما ذهب إليه أكثر الأصحاب على ما حكاه ابن الصباغ وغيره؛ لأن آخر الشهر هو اليوم الأخير؛ فوجب أن تطلق في أوله. وحكى ابن كج عن أبي بكر الصيمري [أو غيره]: أنها تطلق في أول اليوم السادس عشر؛ لأنه أول يوم من النصف الأخير. والوجهان الأولان يجريان فيما إذا قال: أنت طالق في آخر الشهر، لكن الثاني منهما منقول عن التهذيب، وإيراده يقتضي ترجيحه، وهو ما جزم به في التهذيب سواء كان الشهر ناقصاً أو تامّاً؛ لأنه متى صدق أن اليوم الأخير آخر الشهر، وقع الطلاق في أول جزء منه؛ لما قررناه في رمضان. وفي المسألة وجه آخر: أنها تطلق مع آخر جزء من الشهر. وعلى هذا القياس لو قال: أنت طالق في آخر طهر، تطلق على الوجه الأول أول النصف الثاني منه. وعلى الوجه الثالث: في آخر جزء منه. ولو قال: أنت طالق [آخر أول] رمضان، حكى الإمام عن العراقيين، [وغيرهم في المسألة] ثلاثة أوجه: أحدها: أنها تطلق مع آخر جزء من [الخامس عشر، وهو ما قاله ابن سريج، على ما صرح به غيره. والثاني: أنه يقع مع آخر جزء من] اليوم الأول.

стр. 6731

قال الرافعي: وهو الذي قال به أكثرهم. والثالث: أنه يقع في آخر جزء من الليلة الأولى [من الشهر]، وهو ما حكاه في "التتمة" بدلاً عن الوجه الثاني. ووجهه الإمام بأن هذا أقرب زمان يضاف إليه الأخير إلى الأول. ولو قال: أنت طالق آخر أول آخر رمضان. قال الرافعي: من جعل آخر الشهر اليوم الأخير قال: يقع الطلاق عند غروب الشمس في اليوم الأخير؛ لأن ذلك اليوم هو آخر الشهر، ووله طلوع الفجر، وآخره غروب الشمس. ومن حمل الأخير على النصف الثاني، فأوله ليلة السادس عشر فيقع الطلاق في آخر جزء من هذه الليلة، وكذا قاله القاضي الحسين في التعليق، ثم قال: وعلى قول الأصحاب، يقع قبيلا لغروب من اليوم السادس عشر. ولو قال: أنت طالق في أول آخر أول رمضان، فقد قيل: تطلق بطلوع فجر اليوم الخامس عشر؛ لأن آخر أوله عند غروب الشمس من اليوم الخامس عشر؛ فكان أوله طلوع فجره، هكذا قاله الشيخ في المهذب، وهذا ظاهر في أن الذي قال به هو الذي قال بأن آخر [اليوم] الأول آخر الخامس عشر. وقال الرافعي، والقاضي الحسين في التعليق: إن جعلنا الأول النصف الأول، فآخره غروب شمس اليوم الخامس عشر، وأول هذا الأخير استهلاله؛ فيقع عند الاستهلال. وهذا يظهر أنه مخالف لما نقلاه فيما إذا قال: أنت طالق [في] آخر أول آخر الشهر، فإنهما ذكرا: أن من حمل الأخير على النصف الثاني فأوله السادس عشر؛ فيقع الطلاق في آخر جزء من ليلته. ومقتضى ما ذكراه ها هنا: أنه لا يقع إلا في آخر جزء من الشهر؛ لأنه آخر النصف الأخير؛ فليتأمل، [والله أعلم].

стр. 6732

وقيل: تطلق بطلوع فجر أول يوم من الشهر. قال ابن يونس: قال بعضهم: هذا غلط، بل ينبغي أن تطلق [بطلوع فجر أول يوم من الشهر] في أول الليلة، التي رُئي فيها الهلال. قلت: والذي يظهر لي: أنه ليس بغلط، بل هو مقتضى التفريع على الوجه الذي ذهب إليه أكثر الأصحاب في أن آخر أول الشهر هو آخر جزء من اليوم الأول؛ فيكون أوله عند طلوع فجره. وأما كونها تطلق في أول ليلة رُئي فيها الهلال، فذلك صحيح إذا قلنا: إن آخر الأول آخر جزء من الليلة الأولى من الشهر، وحينئذٍ يكون مجموع ما قيل في المسألة ثلاثة أوجه. ولو قال: أنت طالق في سلخ رمضان، ففيه أربعة أوجه: أحدها: أنه يقع في آخر جزء من الشهر، وهذا ما أجاب به الشيخ أبو حامد، وهو المذكور في المهذب والشامل. والثاني- وهو المذكور في "التهذيب" و"التتمة"-: أنه يقع في أول اليوم الأخير من الشهر. والثالث- عن رواية صاحب التقريب-: أنه يقع بمضي أول جزء من الشهر، وهو أبعدها. وقال الإمام: اسم السلخ يقع على الثلاثة الأخيرة من الشهر، كما يقع [اسم]

стр. 6733

الغرة على الثلاثة الأول [من الشهر]، فيحتمل أن يقع [في] أول جزء من الأيام الثلاثة؛ وهذا ما ذكره القاضي الحسين في التعليق مصدراً به كلامه، وقال: إنه أصح المذاهب. ولو قال: أنت طالق عند انسلاخ [شهر] رمضان، قال الإمام: لم يتجه إلا القطع بالوقوع، مع آخر جزء من الشهر. ولو قال: (أنت طالق عند انتصاف الشهر، ففي "التتمة": أنه يقع عند غروب الشمس من اليوم الخامس عشر، وإن كان الشهر ناقصاً؛ لأنه المفهوم من إطلاق النصف. قال الرافعي: ولك أن تقول: يحتمل أن يقع في أول اليوم الخامس عشر؛ لأنه يُسمَّى النصف، [والمنتصف]؛ فيتعلق [الإطلاق] بأوله. ويوضحه: أن ليلة [البراءة] تسمى: ليلة النصف من شعبان. ولو قال: أنت طالق نصف النصف الأول من رمضان، وقع الطلاق عند طلوع فجر اليوم الثامن؛ لأن نصف النصف سبع ليالٍ ونصف، وسبعة أيام ونصف، والليل سابق على النهار، فيقابل نصف ليلة بنصف يوم؛ فيجعل ثماني ليال، وسبعة أيام نصفاً، وسبع ليالٍ وثمانية أيام نصفاً. ولو قال: أنت طالق [نصف يوم كذا، طلقت عند الزوال]. فرع: لو قال: أنت طالق بين الليل، والنهار، طلقت بعد الغروب، أو قبل طلوع الفجر، [على ما] حكاه القاضي الحسين في كتاب العدد عند الكلام فيما إذا طلق الرجعية قبل الدخول، وعلله بأن بين الليل، والنهار جزءاً ليس منهما لا من حيث الإشارة، لكن من حيث الحكم. وحكى الرافعي عند الكلام فيما إذا قال: إن ولدت ولداً، فأنت طالق رواية عن الإمام؛ حكاية عن القفال: أن الطلاق يقع لا في جزء من النهار، ولا في جزء من الليل.

стр. 6734

قال الإمام: وهذا القول محال، لكن يقع الطلاق في آخر جزء من النهار. وذكر الشيخ أبو علي: أنها تطلق إذا جاء أول الليل، فتحصّل لنا من مجموع كلامهم ثلاثة مذاهب، والله أعلم. قال: وإن قال: إذا مضت سنة فأنت طالق، اعتبرت سنة بالأهلة، أي: إذا انطبق التعليق على أول جزء من الشهر؛ فيعتبر مضي اثني عشر شهراً بالأهلة؛ لأنها المعهودة في الشرع، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]. قال: فإن كان في أثناء الشهر، اعتبر شهراً بالعدد، أي ثلاثين يوماً وإن كان الشهر الذي علق فيه ناقصاً، ويكمل من الشهر الأخير، وإنما اعتبرنا ذلك؛ للضرورة، ويعتبر الباقي بالأهلة؛ لما سبق. قال في الشامل: ولا فرق بين أن يكون ما مضى من الشهر- يعني: الذي علق فيه الطلاق- قليلاً أو كثيراً، إلَّا أن يكون جزءاً يسيراً لا يمنع من وقوع اسم الشهر عليه؛ فلا يمنع احتسابه شهراً. وقال الإمام: لا يتصور ألا ينكسر الشهر الأول إلّا بأن يعلق الطلاق، مثل أن يقول: إذا مضت سنة من أول رمضان، فأنت طالق؛ فيتأتى [اعتبار الأشهر]. أما إذا أنشأ وقال: إذا مضت سنة، فأنت طالق، فقد تعسر عدم انكسار الشهر الأول، فإن قوله يقع في شهر. وفي المسألة وجه عن بعض أصحابنا: أنه متى انكسر الشهر [الأول]، انكسر ما بعده؛ فتكون الشهور كلها عددية. قال الإمام: وهو مطرد في العدد، والآجال الشرعية، والأيمان. فروع: [أحدها]: لو شك فيما كان قد بقي من شهر التعليق بعدما انقضى أحد عشر

стр. 6735

شهراً؛ لم يقع الطلاق إلا باليقين. وذكر الحناطي وجهين في حل الوطء في حالة التردد. ولو قال: أردت سنة بالعدد، وهي ثلاثمائة وستون يوماً، أو سنة شمسية، وهي ثلاثمائة [وخمسة] وستون يوماً- لم يقبل في الحكم؛ لأنه يدعي ما يتأخر به الطلاق عن الوقت الذي يقتضيه؛ لأن السنة الهلالية ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوماً، وخمس يوم، وسدس يوم. نعم: يدين؛ لأنه يحتمل ما يدعيه. وحكى الحناطي وجهاً: أنه يقبل منه في الظاهر، وهو الذي أورده القاضي ابن كج، والأول هو المذكور في المهذب بتوجيهه. قال مجلي: ولم يتبين لي وجه زيادة الخمس والسدس، ولا رأيته لغيره من الأصحاب، [ولقد] رأيت) في كتاب وقع لي منسوباً إلى الفرعاني نعته بأصول الحركات السماوية تحرير شهور العرب: شهر تام، وشهر ناقص؛ تكون السنة ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوماً، ولكنها تزيد في كل ثلاثين سنة [أحد عشر يوماً، فإذا قسطت هذه الزيادة على السنين- خص كل سنة] خمس وسدس يوم، ثم قال: وهذا من الحساب المصحح باجتماع الشمس والقمر، وأما برؤية الأهلة؛ فإنه يختلف بزيادته ونقصانه، ويمكن أن تتوالى شهور تامة، وشهور ناقصة. قال مجلي، وهذا يناقض ما حكاه في المهذب. وفي الجيلي: أن الصحيح أن السنة الهلالية ثلاثمائة [و] خمسة وخمسون يوماً. ولو قال: إذا مضت السنة فأنت طالق، [طلقت] إذا انقضت بقية سنة التاريخ، وهو انسلاخ ذي الحجة، قَلَّت المدة أو كثرت؛ لأن التعريف بالألف واللام يقتضي ذلك، فلو قال: [أردت] سنة كاملة، لم يقبل في الحكم، ويدين. وحكم الشهر حكم السنة. الفرع الثاني: لو قال: إذا مضي الشهر فأنت طالق، فوجهان: أصحهما: أنه يحمل على [مضي] شهور تلك السنة التي هو فيها؛ لقوله تعالى:

стр. 6736

﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٦]. والثاني: [أنه] إذا مضى ثلاثة أشهر طلقت، [كذا] حكاه القاضي الحسين. وهذا الخلاف يشابه ما حكاه الرافعي في الفروع آخر الطلاق، فيما إذا قال: إن رأيت الدم فأنت طالق، فالظاهر أنه يحمل على دم الحيض. وقيل: يحمل على كل دم. الفرع الثالث: لو قال: إذا مضى يوم فأنت طالق، وكان في الليل، طلقت بغروب شمس اليوم الذي يليه. وإن كان في النهار فحتى يأتي مثل ذلك الوقت [الذي هو فيه] من اليوم الذي يليه. قال: وإن قال: أنت طالق اليوم إذا جاء غد، لم تطلق- أي: لا في اليوم، ولا في الغد- وإليه ذهب ابن سريج، وصاحب التقريب؛ لأنه علق وقوع الطلاق في اليوم [على مجيء] الغد؛ فلا يقع الطلاق قبل مجيء الغد؛ لعدم الشرط، ثم إذا جاء الغد، فقد مضى اليوم، ولا يمكن أن يقع [الطلاق] في الزمان الماضي. قال الإمام: [ولا يبعد أن] يقال: يقع الطلاق إذا جاء الغد، مستنداً إلى اليوم؛ كما لو قال: إذا قدم زيد فأنت طالق قبل قدومه [بيوم]، وفرق المحاملي في المجموع بينهما بأنه لم يجعل قدوم زيد شرطاً في وقوع الطلاق قبله حتى يقع [الطلاق] قبل الشرط، إنما أخبر أنه إذا وجد القدوم طلقت قبل ذلك، فمثاله في مسألتنا أن يقول: أنت طالق اليوم إذا جاء غد، وأنت من أهل الطلاق؛ فلا يخرج ذلك مخرج الشرط، ويطلق اليوم. وقال القاضي الحسين في التعليق: ذكر العراقيون من أصحابنا في هذه المسألة وجهين، وعندي أن الطلاق يقع، ويلغو [قوله: إذا جاء الغد، وكذا إذا قال: أنت

стр. 6737

طالق في هذا اليوم إذا جاء الغد، وإنما قلنا: يقع الطلاق] في اليوم؛ تغليباً للإشارة على العبارة، وهذا كما لو قال لامرأته الحائض: أنت طالق في هذا الوقت للسنة- طلقت في ظاهر المذهب في الحال؛ تغليباً للإشارة. قلت: ويمكن أن تكون مادة هذا مادة وقوع الطلاق المعلق بالمستحيل. فروع: لو قال: أنت طالق اليوم غداً، طلقت في الحال، ولا تطلق في الغد، إلّا أن يقول: أردت طلقة في اليوم، وطلقة في الغد، [فتطلق] كذلك إذا لم تبن بالأولى. وفي الذخائر: أن من [أصحابنا من] قال: تطلق في الغد طلقة أخرى. فلو قال: أردت نصف طلقة اليوم، ونصف طلقة غداً [طلقت طلقتين]. ولو قال: [أردت] نصف طلقة اليوم، والنصف الباقي غداً، ففيه وجهان: أحدهما- ما حكاه في "التتمة"-: أنه لا يقع إلا طلقة واحدة في الحال. والثاني: أنه يقع طلقة أخرى في الثاني. ولو قال: أنت طالق اليوم أو غداً، فوجهان: أصحهما في الرافعي: الوقوع في الغد. ولو قال: أنت طالق غداً اليوم، فوجهان: [أصحهما] عند العبادي، وهو اختيار القاضي أبي حامد: أنه لا يقع في الحال [شيء]، وتقع طلقة في الغد. والثاني: أنه يقع في الحال، وهو المذكور في التهذيب. ولو قال: أنت طالق اليوم، وغداً، وبعد غدٍ، [وقعت طلقة] في الحال، ولا يقع بعدها شيء؛ لأن المطلقة في وقت، مطلقة فيما بعده. ويقرب من هذا [الخلاف] ما حكاه العبادي في الزيادات، وهو [ما] إذا قال: أنت طالق أول النهار وآخره؛ فإنها تطلق [طلقة؛ بخلاف ما لو قال: آخر النهار

стр. 6738

وأوله؛ فإنها تطلق] طلقتين، ووجهه ما قلناه. ولو قال: أنت طالق اليوم [و] في غدٍ، وفيما بعد غدٍ، فيقع عليها في الحال طلقة، وفي الغد طلقة، وفي اليوم الثالث طلقة؛ قاله في "التتمة". قال: وإن قال: أنت طالق قبل موتي، أو قبل قدوم زيد [بشهر]، فمات أو قدم [زيد] بعد شهر- طلقت قبل ذلك بشهر؛ لوجود الصفة، وهذا ما يوجد في أكثر الكتب. ولو مات أو قدم زيد قبل شهر، لم تطلق. وألحق به في الشامل ما إذا قدم بعد شهر ليس إلّا، وكذلك المحاملي في المجموع والبندنيجي في [مذهبه، وصوروا] المسألة الأولى بأن مضى مع الشهر لحظة بقدر زمان الوقوع، وهو المذكور في المهذب في مسألة الموت، و [إن] لم يذكره في مسألة القدوم، ولا فرق بينهما. وفي مسألة القدوم قبل الشهر وجه حكاه في المهذب: أن ذلك بمنزلة قوله: أنت طالق أمس. والصحيح المعروف: أنه لا يقع وجهاً واحداً. والفرق أن القدوم يمكن أن يتأخر عن شهر، ويمكن أن يتقدم، والطلاق في الحقيقة تعلق بزمان [يكون] بينه وبين القدوم شهر، فوجب اعتبار الصفة، وهناك لا تعليق، وإيقاع الطلاق في الزمان الماضي محال؛ فيلغو وحكم التعليق بالضرب والدخول وغيرهما من الأفعال قبل الشهر- حكم التعليق بالقدوم. وإذا وجد الضرب قبل الشهر، وقلنا بالصحيح [فتنحل اليمين] حتى لو ضربها بعد ذلك، وقد مضى شهر فأكثر؛ لا يقع الطلاق. وأبدى الإمام فيه احتمالاً من مسألة [فعل] المحلوف عليه في حال البينونة، كما ذهب إليه الإصطخري [فيها].

стр. 6739

فروع: لو قال: أنت طالق قبل موتي طلقت في الحال؛ لأنه قبل موته، كذا قاله القاضي في التعليق والمتولي، [والقاضي أبو الطيب في آخر تعليق]. وفي الشامل نسبته إلى ابن الحَدّاد، وهذا بخلاف ما لو قال: [قَبِيل] موتي أو قُبَيْل موتي بضم القاف- فإنها لا تطلق إلّا في آخر العمر؛ على ما حكاه الرافعي، [والقاضي أبو الطيب]، ولو قال: بعد قبل موتي، يقع في الحال. قال الرافعي: ويحتمل ألا يقع؛ لأن جميع عمره قبل الموت. ولو قال: أنت طالق قبل أن أضربك، أو: تدخلي الدار، أو ما لا يتحقق وجوده، قال إسماعيل البوشنجي: هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أنه يقع في الحال، كما لو قال: قبل موتي. وأصحهما: أنه لا يقع حتى يوجد ذلك الفعل؛ فحينئذ يقع مستنداً إلى أول اللفظ؛ وهذا لأن قولنا: هذا قبل هذا يستدعي وجودهما، وربما لا يكون لذلك الفعل وجود. ولو قال: أنت طالق قبل أن أطلقك، فعلى وجه يقع الطلاق في الحال، كما لو قال: قبل موتي. وعلى آخر لا يقع؛ لأنه لا حالة بعد هذا الحلف تكون هي قبل الطلاق؛ هكذا حكاه الرافعي في الفروع، وفي الشامل ذكره في مسألة الدور، وقال: إن الكلام فيه كالكلام في مسألة الدور. ومقتضاه مجيء الأوجه الثلاثة، وأنه لا يقع شيء في الحال، وهو مخالف لأحد الوجهين السابقين فيجتمع فيه أربعة أوجه، ويجيء فيه ما أبديناه من التفصيل من قبل. ولو قال: أنت طالق قبل يوم الأضحى، وأراد: الآتي، فلا تطلق حتى ينقضي. وإن أراد الذي مضى، فيقع في الحال. ولو قال: أنت طالق قبل موت فلان، وفلان بشهر، فإن مات أحدهما قبل شهر لم يقع. وإن مات أحدهما بعد مضي شهر فأكثر، فوجهان:

стр. 6740

أحدهما: أنه يقع الطلاق قبل موته بشهر. والثاني: لا يقع أصلاً؛ لأن الصفة لا تتحقق؛ لأنه إذا وقع قبل موت الأول بشهر، يكون قبل موت الآخر بأكثر من شهر، وهذا الثاني خرجه البوشنجي، [والله أعلم]. قال: وإن قال: (أنت طالق أمس) طلقت في الحال؛ لأنه وصف الطلاق بما لا يتصف به، فلغت الصفة، ووقع الطلاق، كما لو قال لمن لا سنة لها، ولا بدعة: أنت طالق للسنة. ولا فرق في وقوع الطلاق في الحال بين أن يقول: أردت إيقاع الطلاق أمس، [وأن حكمه يستمر إلى الآن، أو يقول: أردت إيقاعه الآن، وأن حكمه ينعطف إلى أمس،] أو يقول: لم أرد شيئاً. ولا [فرق] بين أن تكون زوجة له بالأمس، أو لا تكون. وحكي عن رواية الرّبيع قول أن الطلاق لا يقع. واختلف نقل المصنفين في محله: ففي الشامل: أنه فيما إذا قال: أردت إيقاعه بالأمس، أو لم تكن لي نية. وفي الرافعي، والتهذيب أنه فيما إذا أراد إيقاعه بالأمس، ولم يرد إيقاعه في الحال، وهذه صورة مسألة الكتاب. وفي النهاية وتعليق القاضي الحسين و"التتمة": أنه فيما إذا أراد الإيقاع الآن، وانعطاف حكمه إلى أمس، وهو ما دل عليه كلام البندنيجي. أما إذا أراد الإيقاع [بالأمس]، ففي النهاية حكاية وجهين عن رواية شيخه، وادعى اشتهارهما. والأقيس منهما في "الوسيط": أنه لا يقع. وأظهرهما في الرافعي: أنه يقع، وذكر أنه الذي ذكره في التهذيب. وفي ابن يونس أنه يقع في هذه الصورة بلا خلاف. وفي الجيلي: أن الخلاف في أصل المسألة يبنى على أن الطلاق يقع بالقول معه أو

стр. 6741

عقيبه؟ وفيه خلاف بين الأصحاب: فمنهم من قال: يقع معه؛ فعلى هذا يقع الطلاق هنا، ولا تأثير لقوله: أمس. ومنهم من قال: يقع عقيبه؛ لأن تعليق الطلاق [به]، كتعليق الملك بالبيع، فكما يقع الملك عقيب البيع كذلك الطلاق؛ فعلى هذا يكون لقوله: أمس أثر. ويجري مثل هذا الخلاف فيما إذا نوى التعليق متصلاً باللفظ، أو نية [الكناية] متصلة باللفظ، وجميع الأحكام المشابهة لهذه المسألة؛ هذا آخر كلامه. وفي كلام الغزالي في كتاب الظهار عند قوله: أعتق عبدك عني دليل عليه. وحكمه فيما إذا مات، أو جن، أو خرس، ولم تفهم إشارته حكم ما إذا قال: لم أرد شيئاً. وحكى الحناطي وجهاً آخر: أنا لا نحكم بوقوع الطلاق إذا لم نقف على تفسير. ولو قال: لم أرد بهذا الكلام إنشاءاً في الحال، ولا فيما مضى، وإنما أردت أني طلقتها أمس في هذا النكاح، وهي في عدة الرجعية، أو بائن [الآن] فيصدق بيمينه، وإن كذبته حتى تسقط نفقتها إن كان الطلاق بائناً، ويتنصف الصداق إن كان الطلاق قبل الدخول؛ على ما حكاه في "التتمة" من غير تفصيل. وقال القاضي الحسين: إن كان الزوج غائباً عنها، وعن البلد، أو كان مفارقاً لها عن دارها، ولا يدخل عليها- كان القول قوله في إسقاط النفقة مع يمينه؛ لأن الظاهر معه. وإن كان معها في دارها، فالقول قولها؛ لأن الظاهر معها. وهكذا الحكم عنده فيما لو ادعى الزوج أنه طلق امرأته من سنة، وقالت: إنما طلقني اليوم. وفي الإشراف: أنه لا يقبل قوله في إسقاط النفقة، وكذا في إسقاط الشطر؛ إن كان قد دخل بها قبل الإقرار.

стр. 6742

وأما العدة، فتكون من الوقت الذي ذكره إن صدقته، وإن كذبته فالعدة من وقت الإقرار؛ [قاله ابن الصبّاغ والبغوي وغيرهما ها هنا، وأشار إليه المتولي في كتاب الفرائض في طلاق المريض]. وفي البندنيجي وغيره حكاية عن الشافعي في الأم في باب طلاق المريض فيما إذا أقر في المرض: انه طلق في الصحة: أن إقراره يثبت من يوم إيقاع الطلاق، والعدة من يوم إقراره به، ولا ترثه قولاً واحداً؛ لأنه طلاق وقع في حال الصحة. فإن أجري هذا النص على ظاهره، وجب أن تكون العدة في هذه المسألة- أيضاً- من وقت الإقرار. وإن حمل على حالة التكذيب، لم يكن فرق بين الموضعين. وفي النهاية في أصل المسألة عن القاضي الحسين: أنها إن صدقته قبل، ولا يقع سوى طلقة، وإلّا فالقول قولها في إنشاء الطلاق، وحينئذ فيحكم عليه بطلقتين: طلقة بالإقرار، وطلقة بالإنشاء، وهو بعيد. ولو قال: أردت أني طلقتها أمس، وبانت مني، ثم نكحتها أو طلقها غيري ثم نكحتها، فإن صدقته قُبل. وإن أقام على ذلك بينة، وصدقته في إرادته، قبل أيضاً. وإن كذبته، وقالت: لم ترد ذلك، وإنما أردت إنشاء الطلاق الآن، فيحلف [الرجل]، هكذا حكاه في الشامل، ويخالف ما إذا قال: طلقتها في هذا النكاح؛ حيث يصدق، ولا يطالب بالبينة؛ لأنه [ثَمَّ] معترف بطلاق في هذا النكاح، وها هنا يريد صرف الطلاق عن هذا النكاح. فروع: لو قال: أنت طالق الشهر الماضي، أو في الشهر الماضي، فالحكم كما لو قال: أمس.

стр. 6743

ولو قال: للشهر الماضي، ففي المجرّد للقاضي أبي الطيب: أنا نحكم بوقوع الطلاق في الحال قولاً واحداً كما لو قال: [أنت طالق] لرضا فلان). قال الرافعي: لكن الكلام في مثل هذا يستعمل للتأريخ، واللفظ محتمل للمعاني المذكورة فيما إذا قال: في الشهر الماضي. ولو قال: أنت طالق غد أمس، أو أمس غد على الإضافة- طلقت في الحال فإنه غد أمس، [وأمس غد]. ولو قال: غداً أمس، أو أمس غداً لا على الإضافة- طلقت للفجر من الغد، ويلغو ذكر الأمس، هكذا أطلقه في التهذيب. ونقل الإمام مثله فيما لو قال: أنت طالق أمس غداً وأبدى فيه توقفاً؛ لأن قوله: أنت طالق أمس، كقوله: أنت طالق الشهر الماضي، ولو أطلق هذا اللفظ لوقع في الحال، فذكر الغد معه لا يغير هذا المعنى، ولا يقتضي تأخير الطلاق. قال: وإن قال: (إن طرت، أو صعدت السماء فأنت طالق)، لم تطلق؛ وهذا ظاهر ما نقله المزني؛ لأنه لم ينجزه حتى يتنجز، [ولكن علقه] ولم توجد الصفة المعلق عليها، وقد يكون الغرض من التعليق بغير الممكن أن يمتنع وقوع الطلاق؛ حيث لا توجد الصفة، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. وحكم التعليق بالمستحيل عادة: كحمل الجبل العظيم، وما جانسه حكم التعليق بالصعود. قال: وقيل فيه قول آخر: أنها تطلق؛ لأن التعليق إنما يثبت إذا كان المعلق عليه مما يرتقب حصوله، فأما إذا كان غير ممكن- بطل التعليق، وبقي التطليق من غير تعليق، كما لو قال لغير المدخول بها: أنت طالق للسنة، وهذا خرجه ابن خيران في المسألة المذكورة في الكتاب قبل هذه المسألة، وخرج ثَمَّ من هذه- أيضاً- قولاً: أنها لا تطلق، وجعلهما على قولين، والصحيح الأول.

стр. 6744

والفرق: أن الطيران، وصعود السماء لا يستحيل في قدرة الله- تعالى- وقد جعل الله لجعفر بن أبي طالب جناحين يطير بهما، وإيقاع الطلاق في زمان ماضٍ مستحيل. ولأن إيقاع الطلاق في الزمان الماضي يتضمن وقوعه في الحال، وهو غير محال، فأعملناه فيه، والتعليق بالصفة لا يتضمن وقوع الطلاق [قبل الصفة]؛ فافترقا. وحكم المستحيل عقلاً كإحياء الموتى- حكم التعليق بالمستحيل عادة عند الإمام. وفي النهاية حكاية وجه ثالث: [أنه يقع] عند التعليق بإحياء الموتى، ولا يقع عند التعليق بالصعود والطيران. وفي "التتمة": أن التعليق بالمستحيل عقلاً: كالجمع بين السواد والبياض، وإدخال الجمل في سم الخياط يلغى، ويقع الطلاق في الحال على الظاهر من المذهب، وألحق به المستحيل شرعاً، كما لو قال: إن نسخ وجوب الصلوات الخمس، أو صوم [شهر] رمضان فأنت طالق). فرع: رجل له زوجة [حرة] [وأمة، فاستدعى] الأمة فجاءت الحرة [إليه] في ظلمة، أو كان الرجل أعمى، فاعتقد أنها الأمة، فقال لها: إن لم تكوني أحلى من الحرة، فأنت طالق، قال في "التتمة": الحكم في [وقوع الطلاق عليها على] ما ذكرناه. قال: وإن قال: (إن رأيت الهلال فأنت طالق) فرآه غيرها- أي: [وثبت] بقوله دخول الشهر- طلقت؛ لأن رؤية الهلال في عرف الشرع رؤية الناس له؛ قال ﷺ "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، [وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ"]. ويقال: رأينا الهلال [ببلد كذا، ويراد رؤية بعض أهل البلد، وإذا كان كذلك، كانت اليمين منزلة عليه؛ كما لو علق الطلاق على صلاتها؛ فإنها تحمل على الصلاة الشرعية، دون الدعاء.

стр. 6745

ولو لم ير الهلال] لحائل، طلقت باستكمال الشهر الذي حلف فيه ثلاثين يوماً؛ لأنه قد ثبتت الرؤية بالشرع؛ فصار كما لو ثبتت بالشهادة؛ هكذا حكي عن أبي إسحاق، وهو المذكور في المهذب. ولو قال المعلق: أردت بقولي: إن رأيت: المعاينة، قبل قوله في الباطن، وفي الظاهر وجهان: المذكور منهما في المهذب عدم القبول. وأشبههما عند الرافعي: القبول، وهو الأصح في التهذيب، إلا أن تكون عمياء فلا يقبل في الظاهر. قال في "التتمة" وجهاً واحداً. قال الرافعي: وبالقبول أجاب الحناطي. وحكي فيما إذا طلق، ولم يرد شيئاً قولين في أنه هل يقع الطلاق برؤية الغير. ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون التعليق بالعربية أو بالعجمية. وعن القفال أنه إن كان التعليق بالعجمية، فيحمل على المعاينة دون العلم، ويستوي فيه البصير والأعمى؛ لأن العرف المذكور لم يثبت إلا في العربية. ومنع الإمام الفرق. وفي التهذيب حكاية وجه: أنه يحمل في حق الأعمى [على العلم]، وإيراده يقتضي ترجيح قول القفال، وهو ما حكاه في "التتمة" أيضاً. قال: فإن رأته بالنهار- أي: في نهار التاسع [والعشرين من الشهر] الذي حلفت فيه- لم تطلق- أي: [حتى تغرب] الشمس- لأن الهلال لا يسمى: هلالاً إلّا إذا رئي في زمان الليل، هكذا قاله القاضي الحسين في التعليق. وقيل: تطلق؛ حكاه ابن يونس وغيره.

стр. 6746

وفي الذخائر حكاية الخلاف فيما إذا قال: أردت رؤية البصير وجهين: أحدهما: أنها تطلق في الحال. والثاني: لا تطلق. أما إذا حمل على العلم، فلا تطلق في الحال، فإذا جاء الليل طلقت. ثم قال: ويحتمل إجراء الوجهين فيها. وجزم في "التتمة" بعدم الوقوع إذا كان التعليق برؤية البصير، وعلله بما ذكرناه عن القاضي. تنبيه: إطلاق التعليق برؤية [الهلال يحمل على هلال أول شهر تستقبله، حتى إذا لم تره في الشهر الأول، وكان التعليق برؤية] البصير: إما مصرحاً به، أو مراداً بالنية- ترتفع اليمين؛ قاله في التهذيب، و"التتمة". وفي الجيلي: أن مسألة الكتاب كلام الشيخ يقتضي تصويرها فيما إذا قال: إن رأيت هلال شهر كذا؛ إذ لو لم يقل كذلك، لطلقت برؤية الهلال، سواء كان قبل الزوال أو بعده، وإلى ثلاثة أيام؛ فإنه هلال، وعزا الحكم إلى البحر. فرعان: أحدهما: لو قال: إن رأيت الهلال ببصرك فأنت طالق، أو أراد ذلك عند إطلاق لفظ الرؤية، فرأته في الليلة الثانية أو الثالثة- طلقت، ولو رأته في الرابعة، لم تطلق، قاله الرافعي. وفي المهذب: أنها إذا رأته بعد أن صار قمراً، لم تطلق. واختلف الناس فيما يصير به قمراً: [فقال بعضهم: يصير قمراً] إذا استدار. وقال بعضهم: إذا بهر ضوءه. وفي الجيلي حكاية وجهين عن الحاوي فيما إذا رأته في الليلة الرابعة، أو بعد أن

стр. 6747

صار قمراً. الثاني: إذا قال: إن رأيت زيداً، فأنت طالق، فرأته ملفوفاً، لم تطلق على الأصح من المذهب؛ [كما] حكاه القاضي، وغيره جزم به. وإن رأته أو بعضه غير ملفوف؛ طلقت. وفيه وجه: أن المعتبر رؤية الوجه. وقال القاضي الحسين: إن رأت وجهه، طلقت على ظاهر المذهب، وفي "التتمة" أنها إذا رأت رجله أو يده، وقد أخرجها من كوة، لا يقع الطلاق؛ لأن الاسم [لا يطلق عليه]، وإن كان قد حكي أنها إذا رأت بعضه طلقت، ولو رأته في ماءٍ صافٍ، أو من وراء زجاج؛ طلقت على الأصح. و [لا فرق فيما ذكرناه بين أن تراه حيّاً أو ميتاً، أو مجنوناً، أو عاقلاً، وكذا لو رأته، وهي مجنونة طلقت]. ولو كانت عمياء، فقالا: إن رأيت زيداً فأنت طالق، ففي النهاية: أن الطلاق معلق بمستحيل- على المذهب- فلا يقع. وفيه وجه أنه يحمل على حضوره عندها، واجتماعهما في مجلس واحد؛ لأن الأعمى يقول: رأيت فلاناً [الآن، أو] اليوم، ويريد الحضور عنده. قال: وإن كتب الطلاق، ونوى، وكتب: إذا جاءك كتابي، فأنت طالق، فجاءها وقد انمحى موضع الطلاق- أي: بحيث لا يمكن قراءته- وبقى غيره مما يعتذر به عن الطلاق، ومما يوبخها عليه من الأفعال الملجئة إلى الطلاق- لم يقع الطلاق؛ وهذا ما حكاه الشيخ [أبو علي]، وعلله بأن ذلك مقصود الكتاب، فإذا ذهب، لم ينطلق الاسم على الباقي. وعلله غيره بأن الكتاب عبارة عن جميع الأجزاء، ولم يصل جميعه. ووراء ذلك وجهان آخران حكاهما المراوزة: أحدهما: أنه يقع؛ لوجود الصفة؛ إذ الكتاب قد جاء.

стр. 6748

والثاني: إن كان قد كتب: إن أتاك كتابي، وقع، وإن كتب: إن أتاك كتابي هذا، لم يقع، كما سيأتي مثله في المسألة الثانية. [أما] إذا كانت قراءته ممكنة، وقع الطلاق [على المذهب]. ولو انمحى الكتاب بجملته، لم يقع الطلاق على المذهب، كما لو كتبه ثم محاه بنفسه، وعلى هذا تبنى الفروع. وحكى صاحب التقريب وجهاً: أن الطلاق يقع؛ فإن هذا- وإن انمحى- يسمى: كتاباً، واعلم أن اللغة الفصيحة: محا موضع الطلاق. قال الجوهري: يقال: محا لوحه يمحوه محواً، ويمحيه محياً، ومحاه فهو مَمْحُوّ ومَمْحِيٌّ وامَّحى وانمحى لغة فيه ضعيفة. قال: وإن انمحى غير موضع الطلاق- أي: مما ذكرناه- وبقي موضع الطلاق، فقد قيل: يقع؛ لأن المقصود قد أتاها. وقيل: (إن كتب: (إن أتاك كتابي)، [وقع؛ لما سبق. وإن كتب إن أتاك كتابي] هذا- لم تطلق؛ لأن هذا يقتضي جميعه، ولم يأتها. قال ابن الصباغ: ذكر القاضي هذا الوجه، ولم يفصل هذا التفصيل؛ لأنه إذا قال: كتابي أو الكتاب، اقتضى جميعه. وقيل: لا تطلق بحال، وعلته ما ذكرناه عن بعضهم في المسألة الأولى. ولو جاء الكتاب، وقد انمحت البسملة أو الحمدلة ففي الوقوع الأوجه الثلاثة في المسألة قبلها، لكن عند المراوزة، وإطلاق العراقيين يقتضيه أيضاً، حيث لم يفصلوا في المسألة قبلها بين البسملة، وغيرها، وفي هذه المسألة: الوقوع أولى. ولو جاء الكتاب، وقد زال بياضه، وبقيت سطوره، فمن أصحابنا من قال: [هي

стр. 6749

على] الأوجه، ووجهه بأن الحواشي من جملة الكتاب؛ بدليل منع المحدث من مس ذلك من المصحف، فصار كمقاصده. ومنهم من قال: [لا] يقع ها هنا وجهاً واحداً، وهو المذكور في المهذب، والشامل، وتعليق القاضي الحسين. قال في الذخائر: وحكى القاضي وجهاً راجعاً إلى هذه الصورة: أنه إن ذهب أكثر الكتاب لم تطلق، وإن كان الباقي أكثر طلقت، وهذا ما أبداه الإمام احتمالاً. ولا يخفى أن ما ذكرناه مفرع على أن الكتابة يقع بها الطلاق مع النية. فروع: أحدها: لو كتب: إن أتاك طلاقي فأنت طالق، فجاءها موضع الطلاق، وقع الطلاق، وإن لم يأتها وأتاها غيره لم يقع. الفرع الثاني: [و] لو كتب: إن أتاك نصف كتابي، فأنت طالق، فجاءها الكتاب بجملته، ففي وقوع الطلاق وجهان عن صاحب التقريب. قلت: ومن قال بعدم الوقوع يلزمه أن يقول به فيما إذا قال لزوجته: إن أكلت نصف رمانة، فأنت طالق، فأكلت رمانة، فإن المنقول فيها فيما وقفت عليه وقوع الطلاق، حتى [إنهم] عقَّبوا ذلك بأنه لو قال: إن أكلت رمانة فأنت طالق، [وكلما] أكلت نصف رمانة، فأنت طالق، فأكلت رمانة- طلقت ثلاثاً، هكذا حكاه الإمام وابن الصباغ وغيرهما. ووجه الإمام عدم الوقوع في مسألة الكتاب بن النصف في هذا المقام إنما يطلق لغرض التبعيض، فإذا لم يتحقق التبعيض، لم تتحقق الصفة، وهذا لا ينجي من السؤال. [الفرع الثالث:] لو كتب: إن قرأت كتابي، فأنت طالق، فإن كانت تحسن القراءة؛ طلقت بقراءة جملته، فإن قرأت بعضه، قال الرافعي: الحكم فيه كما لو وصل بعض الكتاب.

стр. 6750

ولو قرئ عليها فوجهان: أحدهما: أنه يقع؛ لأن ذلك يراد للإطلاع على مضمون الكتاب دون القراءة، وقد حصل. قال الإمام: ويؤيده أن علماءنا لم يختلفوا في أنها لو طالعت الكتاب، وفهمت ما فيه، ولم تتلفظ بكلمة- أن الطلاق يقع، وإن لم توجد قراءة. والثاني: أن الطلاق لا يقع، وهو ما حكاه القاضي الحسين في التعليق، ثم قال: وهذا بخلاف ما لو قال: إن رأيت الهلال، فأنت طالق، فرآه غيرها؛ لأن الرؤية عبارة عن العلم؛ كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَى إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] يعني: ألم تعلم؟ والقراءة ليست كذلك. وإن كانت لا تحسن القراءة، وقع عليها الطلاق بقراءة الغير، وادعى الإمام أنه الذي قطع به الأصحاب. وفي الذخائر: أن من أصحابنا من قال: لا تطلق؛ لأنه معلق بقراءتها، ولم توجد. قال: والحكم فيه كالحكم [فيما لو] علق الطلاق على صعود السماء، والطيران، وفيه وجهان: أحدهما: أنه يقع؛ فعلى هذا يقع الطلاق ها هنا ببلوغه إليها، وإن لم تره. قلت: وفي هذا نظر؛ لأن التعليم ممكن عادة [فقراءته بعد ذلك ممكنة عادة]، وليس في الصيغة ما يقتضي الفورية. نعم: لو قيد القراءة بحال وصول الكتاب، أمكن أن يخرج [على ما] قاله. وفيه نظر من وجهٍ آخر؛ [حيث] قال: فيقع عند وصول الكتاب إليها، ومقتضى تخريجه على الأصل الذي ذكره: أن يقع الطلاق حال فراغه من كتابة الطلاق إذا وجدت معه النية، كما يقول فيما إذا حلف على الصعود أو الطيران، وقلنا: إنه يحنث؛ فإنه يقع الطلاق في الحال. والكتابة ها هنا مع النية، كالنطق ثم، والله أعلم. [الفرع الرابع:] لو كتب: أنت طالق، ثم استمر وكتب: إذا جاءك كتابي، نظر:

стр. 6751

إن فعل ذلك، لحاجته إلى المداد، لم يقع إلا بوصول الكتاب، وإن فعل ذلك لغير حاجة، وقع في الحال. [الفرع الخامس:] إذا ادعت المرأة أن كتابه وصل إليها بالطلاق، وأنكر الكتابة، فالقول قوله مع يمينه. فإن أحضرت بينة تشهد بأن الكتاب الذي وصل إليها [بالطلاق] خطه- لم تسمع، إلا أن تراه قد كتبه وحفظته إلى وقت الشهادة، فإنه لا يُجوز للشاهد أن يشهد: أن هذا خط فلان إلا أن يراه يكتبه، ولم يغب عنه؛ لأنه قد يزور. قال: وإن قال: إن ضربت فلاناً، فأنت طالق، فضربته وهو ميت؛ لم تطلق؛ لأن القصد بالضرب ما يتألم به المضروب، وهذا ليس كذلك؛ هذا هو الظاهر. قال الرافعي: وأثبت القاضي الروياني: فيه خلافاً. ولو ضربته وهو نائم، أو مغمى عليه، أو مجنون، طلقت؛ قاله القاضي في التعليق. ولو ضربته حيّاً، لكن ضرباً غير مؤلم، لم يقع الطلاق عند معظم الأصحاب. وذهب طوائف من المحققين [إلى] أن الألم ليس بشرط؛ فتطلق. قال ابن الصباغ: وهذا الذي تقتضيه أصولنا؛ لأن اليمين يعتبر [فيها ظاهر اللفظ، ولا يعتبر] فيها المقصود في العادة، كما لو حلف لا يبتاع شيئاً، فوكل في ابتياعه، كذلك أبداه فيما إذا ضربته وهو ميت. [ولو] وضعت عليه حجراً ثقيلاً، فتألم به، فليس بضرب، ولا يحنث، قاله الإمام. وفي الذخائر: [أنه يحنث، وأبدى احتمالاً في أنه لا يحنث؛ لعدم الإثم، وسيأتي الكلام في] بقية الفروع في جامع الأيمان- إن شاء الله تعالى- قال: وإن

стр. 6752

قال: إن قدم [زيد فأنت طالق، فقدم به ميتاً، لم تطلق؛ لأنه ما قدم وإنما قدم به] وإن حمل مكرهاً، لم تطلق قال الإمام بلا خلاف، ووجهه ما ذكرناه. قال الرافعي: ويأتي فيه خلاف؛ لأن صاحب المهذب وغيره نقلوا طريقاً فيما إذا حلف لا يدخل الدار، فحمل بغير إذنه واختياره، وأدخل، أنه على القولين فيما إذا أكره حتى دخل بنفسه، ووجهوه بأنا سوينا في حال الاختيار بين دخوله بنفسه ودخوله محمولاً. وإيراد البندنيجي في مذهبه يشير إليه؛ حيث قال: إن المذهب أن الطلاق لا يقع. قال: وإن أكره حتى قدم [بنفسه]، ففيه قولان: أحدهما: تطلق؛ لأنه قدم بنفسه؛ [فأشبه ما] إذا كان مختاراً. والثاني: لا تطلق؛ لأن بالإكراه زال اختياره، وإذا وجدت الصفة بغير اختياره، كان لوجود الطلاق منه بغير اختياره مكرهاً. قال الإمام: والفرق بينهما [على القول الأول]: أنا نبطل اختيار المكره في التخيير بالإكراه المقترن به؛ وهذا لا يتحقق في الصفة؛ فإن قول القائل: إن دخلت الدار متناول لما ينطلق عليه اسم الدخول، سواء كان على صفة الاختيار، أو صفة الإجبار، [وكأن الحكم بوقوع الطلاق- مأخوذ] من تناول العقد بطريق الإكراه، وعقد اليمين على ما وجد من المكره ممكن؛ فإنه لو قال باختياره: إن دخلت الدار مكرهاً، فأنت طالق، فأجبر على الدخول- وقع وفاقاً. ولا فرق في جريان القولين بين أن يعلم المحلوف على قدومه باليمين، أو لا

стр. 6753

يعلم؛ على الأظهر من الطريقين عند الأصحاب؛ على ما حكاه الإمام، وإطلاق ابن الصباغ يقتضيه مع قرينة التفصيل في القدوم [من غير إكراه] على ما سنذكره. ولا بين أن يكون ممن يمتنع [من القدوم] لأجل اليمين، [أو لا يمتنع، على اختيار الإمام. والرافعي أثبت طريقة القطع بالوقوع، ثم حكى بعد ذلك طريقة القولين. ولو قدم غير مكره، نظر: إن كان عالماً باليمين؛ طلقت. وإن لم يعلم باليمين، أو علم، ونسي، فإن كان المحلوف على قدومه، ممن لا يمتنع لأجل اليمين: كالسلطان، والأجنبي، طلقت؛ لأن ذلك ليس بيمين، وإنما هو تعليق بصفة؛ فأشبه ما لو قال: إن دخل الحمار الدار، فأنت طالق. وإن كان ممن يمتنع من القدوم؛ لأجل اليمين]: كقرابة المرأة، أو قرابته، [أو غلامة]، وبالجملة كل من يسوءه طلاقها- فإن أراد الحالف أن يجعل قدومه صفة دون اليمين، مثل أن يقصد أن يطلقها إذا حصل معها محرم لها، ولا يطلقها دونه- طلقت أيضاً؛ لما [ذكرناه وإن] قصد [أن يمنعه] من القدوم، فهل يقع الطلاق؟ فيه قولان يأتي بيانهما في الأيمان، إن شاء الله تعالى. [وصور] البندنيجي القولين [في "التتمة" وقدم مكرهاً بصورة القولين] في القدوم ناسياً، أو جاهلاً. وقال القفال: لا أثر للنسيان، والجهل [والإكراه] في الحلف بالطلاق، [بل متى] وجدت الصفة المحلوف عليها، ولو في حالة من هذه الأحوال، وقع الطلاق، بخلاف الحلف بالله ؛ لأن التعويل في اليمين على تعظيم اسم

стр. 6754

الله- تعالى- والحنث هتك لحرمته، وهذه الأحوال تمنع حصول الهتك، والتعويل في تعليق الطلاق على حصول الصفة المعلق عليها، وهي حاصلة، وإن فرضت هذه الأحوال. قال الإمام: وهذا مختص بالقفال، والأصحاب على طرد الخلاف في الباب. فرع: إذا علق الطلاق بدخول طفل، أو بهيمة، أو سنور، ووجد الدخول مكرهاً. قال الحناطي: يحتمل أن يحصل الحنث؛ لأنه ليس لهم قصد، ولا اختيار صحيح؛ فلا أثر للإكراه. ويحتمل ألا يحصل. فرع آخر: لو قدم المحلوف على قدومه، وهو مجنون، قال الطبري: إن كان يوم عقد اليمين عاقلاً، ثم جن بعد ذلك، لم يقع الطلاق؛ لأنه لا حكم لفعله، وإن كان في ذلك اليوم مجنوناً وقع؛ لأنه يجري مجرى الصفات. قال: وإن قال: إن خرجت إلا بإذني، فأنت طالق، فأذن لها وهي لا تعلم، فخرجت؛ لم تطلق؛ لأنها لم تخرج بغير إذنه. وحكى الطبري وجهاً: أنها تطلق؛ بناءً على أن الوكيل لا ينعزل قبل بلوغ خبر العزل إليه. ونقله الفوراني قولاً [عن الشافعي. [ولو أذن لها وهي مجنونة أو صغيرة فخرجت بعده فهل يصح هذا الإذن حتى لا يحنث، أو لا يصح؟ فيه وجهان في البحر في آخر كتاب الأيمان، وأصحهما الأول، وعلى مقابله هل ينبني على أن عمد الصبي والمجنون عمد أو لا؟ فإن قلنا: إنه عمد حنث، وإن قلنا: ليس بعمد، خرج على القولين في حنث الناسي، وهكذا الحكم فيما إذا خرجت بغير الإذن. قال:] وإن أذن لها مرة، فخرجت بالإذن، ثم خرجت بغير الإذن، لم تطلق؛ لأن الإذن لا يقتضي التكرار؛ فصار كما لو قال: إن خرجت مرة

стр. 6755

بغير إذني فأنت طالق. ونقل الشيخ أبو محمد قولاً مخرجاً: أنها تطلق. قال الغزالي: وهو حسن إلا أنه غريب، كما لو قال: إن خرجت لابسة ثوب حرير، فأنت طالق، فخرجت من غير حرير، ثم خرجت لابسة [ثوب] حرير؛ فإنه يحنث وفاقاً. قال مجلي: وهذا لا يصح؛ لأن خروجها أولاً، لم تنحل به اليمين؛ لعدم الصفة، فحنث في الثاني؛ بخلاف مسألتنا. ولو أذن لها في الخروج، ثم رجع عنه، فخرجت بعد المنع، لم يحنث؛ لحصول الإذن. قال الشيخ أبو نصر: وفيه نظر؛ لأن رجوعه عن الإذن يبطله؛ فتكون خارجة بغير إذنه؛ ولهذا تأثم، ومجرد الإذن لا يحل اليمين؛ لأن المحلوف عليه الخروج دون الإذن. فرع: لو أخرجها هو هل يكون [الإخراج] إذناً؟ فيه وجهان، قاله الرافعي في وقوع الطلاق، والقياس المنع. قال: وإن قال: كلما خرجت إلا بإذني، فأنت طالق، فأي مرة خرجت بغير الإذن طلقت؛ لأن "كلما" تقتضي التكرار، فإذا أراد الخلاص من اليمين، فليقل لها: أذنت لك أن تخرجي متى شئت. وإن قال: إن خرجت إلى غير الحمام فأنت طالق، فخرجت إلى الحمام، ثم عدلت إلى غير الحمام، لم تطلق، ولو كان بالعكس طلقت. وإن [قصد بهما الخروج]، فوجهان:

стр. 6756

المذكور منهما في الشامل، والمجموع للمحاملي: الحنث. فرع: لو حلف: لا يخرج من البلد إلا مع امرأته، فخرج لكنه تقدم [عليها] بخطوات، ففي وجه [لا يحنث؛ للعرف، وفي آخر] يحنث، وإنما يحصل البر بأن يخرجا معاً من غير تقدم؛ حكاه الرافعي في الفروع. قال: وإن قال [لها]: إن خالفت أمري فأنت طالق، ثم قال لها: لا تخرجي، فخرجت- لم تطلق؛ لأنها لم تخالف أمره، وإنما خالفت نهيه. قال الغزالي: وفيه نظر. وإن قال: إن خالفت نهيي، فأنت طالق، ثم قال لها: قومي، فقعدت، قال الإمام: ذهب الفقهاء إلى أن الأمر بالشيء نهي عن أضداد المأمور به، فقد خالفت نهيه إذا قعدت؛ فيقع الطلاق. وقد أوضحنا في مجموعنا في الأصول أن الأمر لا يكون نهياً، ولا يتضمن نهياً، فلا يقع الطلاق؛ [إذ لو] كنا نعتقد اعتقاد الفقهاء؛ لتوقفنا في وقوع الطلاق، فإن الأيمان لا تحمل على معتقدات الناس في الأصول. وفي الذخائر: أن من قال بالوقوع في هذه المسألة؛ لما ذكرناه من التعليل ينبغي أن يقول: [إنها] تطلق في المسألة الأولى؛ لأن النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده، وبضده إن لم يكن له سوى ضد واحد، وضد عدم الخروج [الخروج] لا غير؛ فكان نهيه عن الخروج [أمراً] بالسكون، فإذا خرجت؛ فقد خالفت الأمر الذي تضمنه النهي عن الخروج. فرع: إذا قال [لها]: إن أمرتك بأمر فخالفتيه، فأنت طالق [ثم قال لها: إن لم تصعدي السماء، فأنت طالق]، ففيه وجهان.

стр. 6757

أحدهما: تطلق؛ لأن اللفظ يقتضي أمرها بالصعود. والثاني: لا تطلق، وهو الصحيح؛ لأنه ليس أمراً محققاً، وإنما هو تعليق الطلاق على عدم الصعود. نعم: لو قال لها: اصعدي السماء، هل يقع الطلاق؛ لعدمه منها؟ قال مجلي: فيه نظر، يتعلق بأن ما لا يطاق هل يصح تكليفه؟ فإن قلنا: لا يصح، خرجت الصيغة عن أن تكون أمراً، وإن قلنا: يصح، كانت أمراً؛ فتطلق بالمخالفة. [فرع] آخر: لو قال لها: إن لم تطيعيني، فأنت طالق، فقالت: لا أطيعك؛ ففي وجهٍ: يقع الطلاق بقولها: لا أطيعك. [والأصح أنه لا يقع؛ حتى يأمرها بشيء، فتمتنع، أو ينهاها عن شيء فتفعله، قاله الرافعي] في آخر كتاب الطلاق. قال: وإن قال: (إن بدأتك بالكلام، فأنت طالق)، فقالت: وإن بدأت بالكلام، فعبدي حر)، فكلمها، لم تطلق المرأة، ولم يعتق العبد- أي: إذا كلمته أيضاً- لأن الزوج خرج عن [أن يكون] مبتدئاً بقولها: (إن بدأتك)، وهي خرجت عن البداءة بكلامه. [ولو كانت المسألة بحالها، فكلمته أولاً؛ عتق العبد؛ لأنها مبتدئة كلامه]. ولو قال لواحد: إن بدأتك بالسلام، فعبدي حر)، وقال [له] الآخر مثل ذلك، فسلم كل [واحدٍ] منهما على صاحبه دفعة واحدة؛ لم يحنث، وانحلت اليمين؛ كذا قاله الإمام. قلت: ويتجه أن يجري فيه ما سبق فيما إذا قال: إن خرجت إلا بإذني، فخرجت بالإذن، ثم خرجت بغير الإذن. قال: وإن قال لها، وهي في ماء جار: (إن خرجت من هذا الماء، فأنت طالق، وإن أقمت فيه، فأنت طالق)، لم تطلق، خرجت، أو أقامت؛ لأن الإشارة وقعت إلى الماء الذي كانت فيه حال اليمين، وقد مضى بجريانه، فلم تخرج منه، ولم تقم فيه.

стр. 6758

وفي الذخائر: أن بعض أصحابنا قال: يقع الطلاق؛ بناءً على حمل اللفظ على المفهوم منه عرفاً، والمفهوم منه خلاف هذا؛ إذ المقصود منه اللبث في هذا الماء على الجملة، [أو] الخروج منه، دون [أن] يخطر له [آحاد الجريات] ببال. وفي ابن يونس أن القفَّال قال: يخرج على القولين فيما إذا قال: إن لم تشربي من [ماء] هذا الكوز، فأنت طالق، فانصب ذلك الماء. قال: وإن قال لها: (إن شئت، فأنت طالق)، فقالت في الحال: (شئت) - طلقت؛ لوجود الصفة، وهذا إذا كانت بالغة عاقلة راضية بالطلاق. [أما لو كانت صغيرة، فإن كانت غير مميزة، لم يقع الطلاق] بلا خلاف، كما لو كانت مجنونة. وإن كانت مميزة، ففي وقوع الطلاق وجهان: أظهرهما عند المتولي، وهو الذي ذكره أبو الفرج السرخسي، وقال ابن الصباغ: إنه اختيار ابن الحداد، وذكر الإمام أن ميل الأكثرين إليه- أنه لا يقع؛ لأنه لا اعتبار بمشيئة الصبي في التصرفات. والثاني: يقع. قال في الشامل: وبه قال بعض أصحابنا، كما لو قال: إن قلت: شئت. ولأن مشيئة الصبي معتبرة في اختيار الأبوين. ولو شاءت البالغة في حال سكرها، خرج على القولين في أن السكران: كالمجنون أو كالصاحي؟ ولو كانت غير راضية بوقوع الطلاق، طلقت في الظاهر، وفي الوقوع باطنا الوجهان على قول [ابن الصَّباغ. وفي الرافعي نسبة الأول] إلى أبي يعقوب الأبيوردي، وأن القاضي الحسين مال إليه، وقاسه على ما لو علق الطلاق بحيضها، فقالت: حضت، وهي كاذبة، فإنه لا يقع باطناً، ونسب الثاني إلى القفال، وهو المذهب في التهذيب؛ لأن التعليق في

стр. 6759

الحقيقة بلفظ المشيئة، [لا] بما في الباطن؛ ألا ترى أنه لو علق بمشيئة أجنبي، فقال: شئت، صدق، ولو كان التعليق [بما] في الباطن، لما صدق [عليه]، كما لو علق طلاق ضرتها بحيضها، ويخالف ما إذا علق بحيضها، فقالت: حضت، وهي كاذبة؛ لأن دم الحيض محسوس مشاهد، وإنما اعتبرنا قولها فيه؛ لأنها مؤتمنة، والمشيئة لا تحس؛ فلا تعرف إلَّا من جهتها فكان التعليق بقولها: شئت. قال الرافعي: ويجري الخلاف فيما لو علق بمشيئة زيد، فقال زيد: شئت، وهو كاره بقلبه. وفي النهاية [أن] في كلام القاضي ما يدل على أن أبا يعقوب يقول بالوقوع في هذه الصورة، بخلاف المسألة قبلها؛ حيث قال: إن تعليق الطلاق على مشيئتها فيه معنى التمليك، [وهو يعتمد الإرادة، ومحلها القلب، وليس في تعليق الطلاق على مشيئة زيد معنى التمليك]، فهو لفظ مجرد منه ظاهراً وباطناً. قال الإمام: وأبو يعقوب أفقه من أن يسلم الفرق بين المسألتين، [و] لكن المسألة تدور على نكتة، وهي أن المرأة لو أرادت الطلاق [بقلبها]، ولم تنطق بالمشيئة، فإن كان أبو يعقوب يزعم أن الطلاق يقع باطناً؛ لتحقق إرادة القلب، ولكن لا يقع الحكم به؛ لعدم الإطلاع؛ فيستمر كلامه. وإن سلم أن الطلاق لا يقع باطناً؛ فيضعف ما ذكره، ويتبين أن يتعلق الطلاق باللفظ المجرد. والذي يجب القطع به: أنها إذا أرادت بقلبها، ولم تنطق: أن الطلاق لا يقع باطناً ولا ظاهراً، فإن شرط جوابها أن يكون على صفة الأجوبة، والكلام الجاري في النفس لا يكون جواباً. وأبدى الرافعي في الوقوع تردداً. فرع: لو كان في المشيئة فقالت: شئت، وكذبها، إن قلنا: إن المعلق عليه اللفظ، فالقول قوله.

стр. 6760

وإن قلنا: ما في النفس، فالقول قولها؛ لأنه لا يعرف إلا من جهتها؛ حكاه في الذخائر. قال: وإن أخرت- أي: بقدر ما ينقطع به القبول عن الإيجاب- ثم [شاءت]، لم تطلق؛ لأن الخطاب يقتضي جواباً في الحال؛ كما في البيع، وغيره. ولأنه كالتمليك للمرأة؛ لقوله: اختاري، والتمليك يفتقر إلى القبول في الحال، كما في سائر التمليكات. وينبني على العلتين فروعٌ تذكر من بعد. وفي الذخائر حكاية وجهين في أن ذلك تمليك للطلاق، أو تعليق له بصفة، وهي المشيئة، وقرينة التماس الجواب من الزوجة تقتضي أن تكون المشيئة على الفور؛ إذ الجواب لابد أن يكون متصلاً. قال: وقيل: إذا وجد [القبول] في المجلس، طلقت؛ لأنه حريم العقد؛ فقام مقامه، كما في القبض في الصرف، والسلم. قال مجلي: وكان ينبغي أن ينبني هذا الحكم على أنه تعليق، أو تمليك؟! فإن جعلناه تمليكاً، اقتضى الفور، والبدار، وهل يتقيد بالمجلس، أو يعتبر عقيب لفظه؟ يحتمل خلافاً، كقوله: ملكتك. وإن رأيناه تعليقاً، لم يقتض البدار، كتعليقه على دخول الدار، [بل] أي وقت شاءت، طلقت. قلت: وجواب هذا ما ذكرناه، وهو أنه، وإن كان تعليقاً، لكن قرينة التماس الجواب اقتضت البدار، كما أن قرينة بذل العوض في قوله: إن أعطيتني، اقتضت البدار، مع أنه تعليق. نعم قد حكينا في الخلع وجهاً: أن الإعطاء لا يتقيد بوقت؛ فيجيء مثله ها هنا، وقد أشار إليه الرافعي، وصرح الإمام بحكايته عن صاحب التقريب، والشيخ أبي علي
следующие страницы →