Полный текст (9 685 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.
стр. 6756
المذكور منهما في الشامل، والمجموع للمحاملي: الحنث.
فرع: لو حلف: لا يخرج من البلد إلا مع امرأته، فخرج لكنه تقدم [عليها] بخطوات، ففي وجه [لا يحنث؛ للعرف، وفي آخر] يحنث، وإنما يحصل البر بأن يخرجا معاً من غير تقدم؛ حكاه الرافعي في الفروع.
قال: وإن قال [لها]: إن خالفت أمري فأنت طالق، ثم قال لها: لا تخرجي، فخرجت- لم تطلق؛ لأنها لم تخالف أمره، وإنما خالفت نهيه.
قال الغزالي: وفيه نظر.
وإن قال: إن خالفت نهيي، فأنت طالق، ثم قال لها: قومي، فقعدت، قال الإمام: ذهب الفقهاء إلى أن الأمر بالشيء نهي عن أضداد المأمور به، فقد خالفت نهيه إذا قعدت؛ فيقع الطلاق.
وقد أوضحنا في مجموعنا في الأصول أن الأمر لا يكون نهياً، ولا يتضمن نهياً، فلا يقع الطلاق؛ [إذ لو] كنا نعتقد اعتقاد الفقهاء؛ لتوقفنا في وقوع الطلاق، فإن الأيمان لا تحمل على معتقدات الناس في الأصول.
وفي الذخائر: أن من قال بالوقوع في هذه المسألة؛ لما ذكرناه من التعليل ينبغي أن يقول: [إنها] تطلق في المسألة الأولى؛ لأن النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده، وبضده إن لم يكن له سوى ضد واحد، وضد عدم الخروج [الخروج] لا غير؛ فكان نهيه عن الخروج [أمراً] بالسكون، فإذا خرجت؛ فقد خالفت الأمر الذي تضمنه النهي عن الخروج.
فرع: إذا قال [لها]: إن أمرتك بأمر فخالفتيه، فأنت طالق [ثم قال لها: إن لم تصعدي السماء، فأنت طالق]، ففيه وجهان.
стр. 6757
أحدهما: تطلق؛ لأن اللفظ يقتضي أمرها بالصعود.
والثاني: لا تطلق، وهو الصحيح؛ لأنه ليس أمراً محققاً، وإنما هو تعليق الطلاق على عدم الصعود.
نعم: لو قال لها: اصعدي السماء، هل يقع الطلاق؛ لعدمه منها؟
قال مجلي: فيه نظر، يتعلق بأن ما لا يطاق هل يصح تكليفه؟ فإن قلنا: لا يصح، خرجت الصيغة عن أن تكون أمراً، وإن قلنا: يصح، كانت أمراً؛ فتطلق بالمخالفة.
[فرع] آخر: لو قال لها: إن لم تطيعيني، فأنت طالق، فقالت: لا أطيعك؛ ففي وجهٍ: يقع الطلاق بقولها: لا أطيعك.
[والأصح أنه لا يقع؛ حتى يأمرها بشيء، فتمتنع، أو ينهاها عن شيء فتفعله، قاله الرافعي] في آخر كتاب الطلاق.
قال: وإن قال: (إن بدأتك بالكلام، فأنت طالق)، فقالت: وإن بدأت بالكلام، فعبدي حر)، فكلمها، لم تطلق المرأة، ولم يعتق العبد- أي: إذا كلمته أيضاً- لأن الزوج خرج عن [أن يكون] مبتدئاً بقولها: (إن بدأتك)، وهي خرجت عن البداءة بكلامه.
[ولو كانت المسألة بحالها، فكلمته أولاً؛ عتق العبد؛ لأنها مبتدئة كلامه].
ولو قال لواحد: إن بدأتك بالسلام، فعبدي حر)، وقال [له] الآخر مثل ذلك، فسلم كل [واحدٍ] منهما على صاحبه دفعة واحدة؛ لم يحنث، وانحلت اليمين؛ كذا قاله الإمام.
قلت: ويتجه أن يجري فيه ما سبق فيما إذا قال: إن خرجت إلا بإذني، فخرجت بالإذن، ثم خرجت بغير الإذن.
قال: وإن قال لها، وهي في ماء جار: (إن خرجت من هذا الماء، فأنت طالق، وإن أقمت فيه، فأنت طالق)، لم تطلق، خرجت، أو أقامت؛ لأن الإشارة وقعت إلى الماء الذي كانت فيه حال اليمين، وقد مضى بجريانه، فلم تخرج منه، ولم تقم فيه.
стр. 6758
وفي الذخائر: أن بعض أصحابنا قال: يقع الطلاق؛ بناءً على حمل اللفظ على المفهوم منه عرفاً، والمفهوم منه خلاف هذا؛ إذ المقصود منه اللبث في هذا الماء على الجملة، [أو] الخروج منه، دون [أن] يخطر له [آحاد الجريات] ببال.
وفي ابن يونس أن القفَّال قال: يخرج على القولين فيما إذا قال: إن لم تشربي من [ماء] هذا الكوز، فأنت طالق، فانصب ذلك الماء.
قال: وإن قال لها: (إن شئت، فأنت طالق)، فقالت في الحال: (شئت) - طلقت؛ لوجود الصفة، وهذا إذا كانت بالغة عاقلة راضية بالطلاق.
[أما لو كانت صغيرة، فإن كانت غير مميزة، لم يقع الطلاق] بلا خلاف، كما لو كانت مجنونة.
وإن كانت مميزة، ففي وقوع الطلاق وجهان:
أظهرهما عند المتولي، وهو الذي ذكره أبو الفرج السرخسي، وقال ابن الصباغ: إنه اختيار ابن الحداد، وذكر الإمام أن ميل الأكثرين إليه- أنه لا يقع؛ لأنه لا اعتبار بمشيئة الصبي في التصرفات.
والثاني: يقع.
قال في الشامل: وبه قال بعض أصحابنا، كما لو قال: إن قلت: شئت.
ولأن مشيئة الصبي معتبرة في اختيار الأبوين.
ولو شاءت البالغة في حال سكرها، خرج على القولين في أن السكران: كالمجنون أو كالصاحي؟
ولو كانت غير راضية بوقوع الطلاق، طلقت في الظاهر، وفي الوقوع باطنا الوجهان على قول [ابن الصَّباغ.
وفي الرافعي نسبة الأول] إلى أبي يعقوب الأبيوردي، وأن القاضي الحسين مال إليه، وقاسه على ما لو علق الطلاق بحيضها، فقالت: حضت، وهي كاذبة، فإنه لا يقع باطناً، ونسب الثاني إلى القفال، وهو المذهب في التهذيب؛ لأن التعليق في
стр. 6759
الحقيقة بلفظ المشيئة، [لا] بما في الباطن؛ ألا ترى أنه لو علق بمشيئة أجنبي، فقال: شئت، صدق، ولو كان التعليق [بما] في الباطن، لما صدق [عليه]، كما لو علق طلاق ضرتها بحيضها، ويخالف ما إذا علق بحيضها، فقالت: حضت، وهي كاذبة؛ لأن دم الحيض محسوس مشاهد، وإنما اعتبرنا قولها فيه؛ لأنها مؤتمنة، والمشيئة لا تحس؛ فلا تعرف إلَّا من جهتها فكان التعليق بقولها: شئت.
قال الرافعي: ويجري الخلاف فيما لو علق بمشيئة زيد، فقال زيد: شئت، وهو كاره بقلبه.
وفي النهاية [أن] في كلام القاضي ما يدل على أن أبا يعقوب يقول بالوقوع في هذه الصورة، بخلاف المسألة قبلها؛ حيث قال: إن تعليق الطلاق على مشيئتها فيه معنى التمليك، [وهو يعتمد الإرادة، ومحلها القلب، وليس في تعليق الطلاق على مشيئة زيد معنى التمليك]، فهو لفظ مجرد منه ظاهراً وباطناً.
قال الإمام: وأبو يعقوب أفقه من أن يسلم الفرق بين المسألتين، [و] لكن المسألة تدور على نكتة، وهي أن المرأة لو أرادت الطلاق [بقلبها]، ولم تنطق بالمشيئة، فإن كان أبو يعقوب يزعم أن الطلاق يقع باطناً؛ لتحقق إرادة القلب، ولكن لا يقع الحكم به؛ لعدم الإطلاع؛ فيستمر كلامه.
وإن سلم أن الطلاق لا يقع باطناً؛ فيضعف ما ذكره، ويتبين أن يتعلق الطلاق باللفظ المجرد.
والذي يجب القطع به: أنها إذا أرادت بقلبها، ولم تنطق: أن الطلاق لا يقع باطناً ولا ظاهراً، فإن شرط جوابها أن يكون على صفة الأجوبة، والكلام الجاري في النفس لا يكون جواباً.
وأبدى الرافعي في الوقوع تردداً.
فرع: لو كان في المشيئة فقالت: شئت، وكذبها، إن قلنا: إن المعلق عليه اللفظ، فالقول قوله.
стр. 6760
وإن قلنا: ما في النفس، فالقول قولها؛ لأنه لا يعرف إلا من جهتها؛ حكاه في الذخائر.
قال: وإن أخرت- أي: بقدر ما ينقطع به القبول عن الإيجاب- ثم [شاءت]، لم تطلق؛ لأن الخطاب يقتضي جواباً في الحال؛ كما في البيع، وغيره.
ولأنه كالتمليك للمرأة؛ لقوله: اختاري، والتمليك يفتقر إلى القبول في الحال، كما في سائر التمليكات.
وينبني على العلتين فروعٌ تذكر من بعد.
وفي الذخائر حكاية وجهين في أن ذلك تمليك للطلاق، أو تعليق له بصفة، وهي المشيئة، وقرينة التماس الجواب من الزوجة تقتضي أن تكون المشيئة على الفور؛ إذ الجواب لابد أن يكون متصلاً.
قال: وقيل: إذا وجد [القبول] في المجلس، طلقت؛ لأنه حريم العقد؛ فقام مقامه، كما في القبض في الصرف، والسلم.
قال مجلي: وكان ينبغي أن ينبني هذا الحكم على أنه تعليق، أو تمليك؟! فإن جعلناه تمليكاً، اقتضى الفور، والبدار، وهل يتقيد بالمجلس، أو يعتبر عقيب لفظه؟ يحتمل خلافاً، كقوله: ملكتك.
وإن رأيناه تعليقاً، لم يقتض البدار، كتعليقه على دخول الدار، [بل] أي وقت شاءت، طلقت.
قلت: وجواب هذا ما ذكرناه، وهو أنه، وإن كان تعليقاً، لكن قرينة التماس الجواب اقتضت البدار، كما أن قرينة بذل العوض في قوله: إن أعطيتني، اقتضت البدار، مع أنه تعليق.
نعم قد حكينا في الخلع وجهاً: أن الإعطاء لا يتقيد بوقت؛ فيجيء مثله ها هنا، وقد أشار إليه الرافعي، وصرح الإمام بحكايته عن صاحب التقريب، والشيخ أبي علي
стр. 6761
في كتاب التدبير، وقال: إنه غريب [و] منقاس.
فروع:
لو قال لأجنبي: إن شئت فزوجتي [طالق]، إن عللنا اشتراط البدار في مشيئتها بأنه خطاب يستدعي جواباً؛ فكذلك يشترط في مشيئته أيضاً.
وإن عللناه بمعنى التمليك، فلا؛ إذ لا تمليك هنا، وهذا أظهر فيما ذكره جماعة.
ورأى المتولي الوجه الأول أظهر، وهو ما حكاه في الشامل، ووجهاه بأن الخلع مع الأجنبي صحيح؛ كما يصح مع الزوجة، ويكون الجواب ناجزاً؛ فكذلك إذا كان بغير عوض يجري مجرى الزوجة.
ولو قال: "زوجتي طالق إن شاءت"، فإن عللنه بالعلة الأولى، فلا خطاب هنا، ولا يشترط الفورية.
وإن عللناه بمعنى التمليك؛ فتشترط:
فإن كانت حاضرة فينبغي أن تقول في الحال: شئت؛ ليقع الطلاق.
وإن كانت غائبة، فتبادر إليه إذا بلغها الخبر.
وتردد القاضي في البدار في الغيبة والحضور.
وميل الإمام إلى [أن] الفورية لا تشترط في هذه الصورة، كذا حكاه الرافعي.
قال مجلي: وفي هذا الفرع [نظر]؛ فإنه إذا جعل ما صدر منه تمليكاً، كيف يصح مع الغيبة؟ وينبغي أن تتخرج صحته على البيع مع الغيبة بالكتابة.
ولو قال: زوجتي طالق إن شاء زيد، فلا يشترط البدار أصلاً؛ لانتفاء العلتين.
ولو علق طلاقها بمشيئتها، ومشيئة غيرها من قريب أو أجنبي، كما إذا قال: إن شئت، وشاء زيد، فأنت طالق، فإن شاءا على الفور، طلقت.
[وإذا] شاء زيد، وتخلفت مشيئتها عن المجلس، فتطلق.
стр. 6762
وإن شاءت على الفور، وتأخرت مشيئة زيد، ثم شاء، ففي وقوع الطلاق وجهان:
المذكور منهما في الشامل، والمجموع للمحاملي: أنه لا يقع.
وأصحهما في الرافعي: الوقوع؛ كما لو قال: أنت طالق إن شئت، ودخلت الدار؛ فإنه [يوفر] على كل واحد من الموضعين حكمه لو انفرد.
وفي تعليق القاضي الحسين [حكاية الخلاف] فيما إذا قال: إن شئت، وشاء أبوك)، وفيما إذا قال: إن شئت، وشاء زيد: [أن مشيئة زيد] لا تختص بالمجلس، والسكوت عما سواه.
ولو قال لزوجتيه: إن شئتما فأنتما طالقتان، فإن شاءتا على الفور، طلقتا، وإن شاءت إحداهما على الفور، وشاءت الأخرى بعد فوات وقت المشيئة، فلا يقع عليها الطلاق على ظاهر المذهب، وأما التي شاءت على الفور، فهل يقع عليها الطلاق؟ فيه وجهان، ينبنيان على ما لو علق الطلاق بمشيئة أجنبي، هل يختص الجواب بالمجلس؟ هكذا حكاه في "التتمة".
[قال]: ويحتاج مع ذلك إلى البناء على أصل آخر، وهو أنه إذا قرن مشيئتها بمشيئة من لا يعتبر البدار في مشيئته لو انفرد، فهل يعتبر البدار في حقه؟ فيه الخلاف السابق.
إن قلنا: إنه يعتبر؛ فلا تطلق.
وإن قلنا: لا يعتبر؛ فينبني على أن مشيئة الأجنبي إذا علق الطلاق [عليها] مخاطباً له، وهل تقتضي الفورية؟
إن قلنا: نعم فلا تطلق، وإلا طلقت.
ثم قوله في التي شاءت بعد [فوات وقت] المشيئة لا يقع عليها الطلاق على ظاهر المذهب- يشعر [بذكر خلاف]، ويظهر أن يكون إشارة إلى الوجه الذي خرج من الخلع، والله أعلم.
стр. 6763
ولو شاءت كل واحدة منهما طلاق نفسها دون ضرتها، قال البوشنجي: القياس وقوع الطلاق.
وقضية ما حكيناه عن "التمة" خلافه.
قال: فإن قالت: (شئت إن شئت)، لم تطلق-[أي]: وإن شاء الزوج- لأن صفة الوقوع أن تشاء، ولم يوجد ذلك، وإنما وجد منها تعليق للمشيئة، والمشيئة خبر [عما في نفسها من الإرادة، وذلك لا يتعلق بالشرط؛ لأنه خبر] عن ماضٍ، ولأنها أخرت الجواب عن الفور.
وفي الذخائر: أن من أصحابنا من قال: إذا قال الزوج: شئت، طلقت، وحكاه الرافعي عن رواية الحناطي.
فروع:
[أحدها:] لو رجع عما قاله قبل مشيئتها، [لم ينفذ رجوعه؛ لأن المغلب عليه التعليق.
[الفرع الثاني:] لو قال: أنت طالق كيف شئت]، قال أبو زيد والقفال: لا يقع، شاءت أو أبت.
وقال الشيخ أبو علي: لا يقع، حتى توجد مشيئة في المجلس: إما مشيئة أن تطلق أو مشيئة ألا تطلق.
قال صاحب التهذيب: وكذا الحكم لو قال: أنت طالق على أي وجه شئت.
ولو قال: أنت طالق شئت، أو أبيت، طلقت في الحال.
قال: وإن قال: من بشرتني بكذا فهي طالق فأخبرته امرأته بذلك، [وهي] كاذبة- لم تطلق.
البشارة: بكسر الباء وضمها: هي الخبر الذي يغير البشرة سروراً، أو حزناً، لكنها عند الإطلاق للخير، فإن أريد الشر، قيدت؛ قال الله- تعالى- في الأول: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾
стр. 6764
[الزمر: ١٧]، وفي الثاني: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١].
[وإذا] كانت كاذبة فيما أخبرت به، لم يحصل الغرض بخبرها؛ فلم تكن بشارة.
فلو جاءت أخرى، وأخبرته صادقة، طلقت؛ لأن الغرض حصل من خبرها.
ولو كانت الأولى صادقة، وقع عليها الطلاق دون الثانية؛ لأن البشارة بأول خبر، وما بعد ذلك لا يكون بشارة.
وفي الإبانة حكاية وجه آخر: أن البشارة لا تختص بالخبر الأول، وأن الحكم كما سنذكره فيما إذا قال: من أخبرتني.
وعلى المذهب لو بشره أجنبي بما علق عليه الطلاق، ثم بشرته الزوجة، لم يقع عليها الطلاق.
وكذا لو رآه الزوج، ثم بشرته به، لم يقع أيضاً.
ولو بشرته زوجتان فأكثر دفعة واحدة، وقع عليهن الطلاق.
وتحصل البشارة بالكتابة، كما تحصل بالمشافهة.
ولو أرسلت إليه رسولاً بالبشارة، فالمبشِّر [هو] الرسول؛ فلا يقع على المرسلة طلاق، كذا قاله القاضي الحسين، وتابعه البغوي.
قال: وإن قال: من أخبرتني بقدوم زيد، فهي طالق فأخبرته [امرأته بذلك] وهي كاذبة- طلقت؛ لأن الكذب خبر كالصدق.
وفيه وجه آخر: أنه لا يقع الطلاق إذا أخبرته كاذبة، وهو الذي أورده الفوراني.
ووجهه في "التتمة": بأن الباء في اللغة لإلصاق الفعل بالمفعول به، وذلك يقتضي حصول القدوم؛ حتى تخبر به، وصيرورته شرطاً في الإخبار، كما لو قال: من أخبرتني عن كذا بالعربية، تشترط العربية في الخبر.
قال الرافعي: [و] هذا يقتضي أن يكون قوله: من أخبرتني بأن زيداً قدم، كقوله: [بقدوم زيد؛ لوجود حرف الإلصاق.
لكن الفوراني فرَّق بين أن يقول بأن زيداً قدم] فيقع، وبين أن يقول: بقدوم
стр. 6765
زيدٍ؛ فلا يقع.
قال الإمام: والفرق حسن.
[ولو] أخبرته ثانية وثالثة، طلقن، سواء كان [ذلك] دفعة واحدة، أو واحدة بعد واحدة؛ لأن اسم الخبر يتناول ذلك كله.
قال: وإن قال: (إن كلمت فلاناً، فأنت طالق، فكلمته مجنوناً، أو نائماً، لم تطلق؛ لأنه لا يكلم عادة؛ فأشبه الميت.
وكذلك الحكم فيما لو كلمته مغمى عليه.
وفي تعليق القاضي الحسين حكاية وجه: أنها تطلق بكلام المجنون، وهو ما حكاه الغزالي، والفوراني، والمتولي، ومجلي.
ووجه ثالث؛ [أنه] إن كان لا يتكلم معه، لم تطلق، وإن كان مجنوناً يتكلم معه، طلقت؛ حكاه في آخر الفصل، وقال الأصح: أنه [لا] يقع، وهو ما حكاه المحاملي في المجموع.
ولو كلمته صبيّاً، فإن كان مثله لا يكلم: كابن سنة، لم يقع الطلاق.
وإن كان [مثله] يكلم؛ وقع، هكذا حكاه القاضي الحسين.
ولو كلمته سكراناً، وقع.
قال الرافعي: والشرط [على] ما نبه عليه في الشامل أن يكون السكران بحيث يسمع ويكلم، وكذا قال في الإبانة، وأنه إذا كان مختلط العقل، بحيث لا يميز ولا يسمع- لم يقع.
وإيراد صاحب "التتمة" يفهم منه إجراء خلاف في المسألة، وأن [مأخذه: أن الكسران] هل يسلك به مسلك الصاحي أم لا؟ فإنه قال: المذهب: وقوع الطلاق؛ لأن السكران يلحق بالصاحي في الأحكام، وإذا كان كذلك، اتجه أن يجيء فيه التفصيل [المتقدم.
ويظهر لي فيما قاله مناقشة؛ من حيث إنه أشار إلى الخلاف في المسألة] واقتضى كلامه أن يكون مأخذه: أن السكران هل يلحق بالصاحي، أو بالمجنون؟
стр. 6766
ويقتضي هذا الخلاف أن يقع الطلاق عنده قولاً واحداً.
أما إذا قلنا: إنه كالصاحي، فظاهر.
وأما إذا قلنا: إنه كالمجنون؛ فلأنه جزم بوقوع الطلاق عليها بكلامه إذا كان مجنوناً، [فكذلك إذا] قلنا: إنه كالمجنون ينبغي أن يقع.
ولو هذت في نومها أو إغمائها، لم يقع الطلاق، ولو كانت على صيغة تكليمه؛ لأن هذا لا يسمى تكليماً، وإن سمى: كلاماً.
وإن جنت فكلمته، أطلق ابن الصباغ القول بعدم الوقوع.
ونقل الإمام عن القاضي: أنه [فعل]، ثم قال، وهذا يتخرج على أنها لو أُكرهت على التكليم، هل يقع الطلاق؟ فإن قصد المجنون أضعف من قصد المكره.
وقال القاضي في التعليق: إن كانت حالة الحلف مجنونة، كان هذا محض صفة، فتطلق.
وإن كانت عاقلة، ثم جُنَّت، يحتمل وجهين، وذلك قضية ما في "التتمة".
ولو كلمته مكرهة، نقل القاضي الحسين عن نص الشافعي: أنه لا يقع.
وعن الأصحاب حكاية قولين [لو كلمته سكرانة]:
ففي النهاية: [أنه] ينبني على أنها كالمجنونة، أو كالصاحية؟ فإن جعلناها كالصاحية وقع؛ وإلّا فهي كالمجنونة.
وجزم القاضي الحسين بالوقوع، وقال: هذا إذا لم تنته إلى السكر الطافح، فإن انتهت فهذيانها كهذيان النائمة.
قال القاضي: وهكذا نقول في قضاء الصلوات على أصح المذاهب.
قال: وإن كلمته بحيث يسمع، إلّا أنه متشاغل؛ فلم يسمع، طلقت، وكذا لو كان لا يسمع؛ لشغل قلبه؛ لأنه يقال: كلمته فلم يسمع.
ولو خفضت صوتها بحيث لا يسمع- وهو الهمس بالكلام- لم يقع، وإن وقع
стр. 6767
في سمعه شيء [وفاقاً]، وفهم المقصود؛ لأنه لا يقال: [إنها] كلمته.
وكذا الحكم لو كلمته من مسافة بعيدة لا يسمع الصوت منها.
ولو اختطف الريح كلامها، [وحمله]، وأوقعه في السمع، قال الإمام: الظاهر أنه لا يقع.
قال: وإن كلمته أصمَّ؛ فلم يسمع؛ للصم، أي: [بحيث لو لم يكن أصمَّ لسمع]- فقد قيل: تطلق؛ لأنها كلمته بحيث يسمح كلامها، وإنما تعذّر السماع؛ لأمر به؛ [فهو] كما لو تعذّر؛ لشغل قلبه.
وقيل: لا تطلق؛ لأن ما جرى ليس بتكليم؛ للصمم؛ فهو في حقه بمثابة الهمس الذي لا يسمعه السّميع، وهذا هو المذهب في تعليق البندنيجي، والصحيح في الشامل والمهذب في كتاب الأيمان، وبه قال أبو إسحاق.
ولو كلمته كلاماً يسمعه مثله، حكى البندنيجي في كتاب الأيمان، أنه يحنث سمع أو لم يسمع.
ولو كلمته وكان هنا كعارض من لغطٍ؛ فلم يسمع السّميع- لأجله- كلامها، قال القاضي الحسين: قال أصحابنا: طلقت.
وعندي: أنها إنما تطلق إذا كلمته كلاماً مثل ذلك الكلام، يسمع في [مثل] تلك الحالة [مع عارض اللغط].
وكذلك قال في الصمم؛ لأن الإنسان إذا أراد أن يُكلم رجلاً وهناك عارض لغطٍ أو صمم، فإنه يبالغ في الكلام معه أكثر مما يبالغ في الكلام في حالة السلامة، وهذا [ما] حكاه في التهذيب.
وجهاً، وأجراه فيما إذا كان الريح عارضاً أيضاً، وجعله الصحيح.
وقال الإمام: إن كان اللغط بحيث [لو فرض] معه الإصغاء، لأمكن السماع- فيجب القطع بالحنث، وقد ينقدح من هذا نظر في تكليم الأصم إذا كان وجهه إليها،
стр. 6768
وهو يعلم أنها تُكلمه.
والوجه ها هنا: القطع بوقوع الطلاق.
وقطع المحاملي بعدم الوقوع، إذا كان الصمم بحيث يمنع السماع أصلاً.
فروع:
[أحدها:] لو كلمت حائطاً والمحلوف عليه يسمع كلامها، ففي وقوع الطلاق وجهان محكيان في الذخائر.
ووجه الوقوع: أنه المقصود بالكلام.
[الفرع الثاني:] لو قال: لو كلمت نائماً أو غائباً عن البلد، فأنت طالق، هل يقع الطلاق في الحال؟ فيه قولان ينبنيان على الخلاف في التعليق بالمستحيلات.
قال الرافعي: ويحتمل ألا يقع [الطلاق] حتى تخاطبه مخاطبة المتكلمين.
وبنحو منه أجاب القاضي أبو الطيب فيما إذا قال: إن كلمت ميتاً أو حماراً، فأنت طالق.
[الفرع الثالث:] لو كاتبته، [أو راسلته، أو أرسلت إليه]، [ففيه] خلاف يأتي [إن شاء الله تعالى].
[الفرع الرابع]: لو قال: إن كلمتك، فأنت طالق فاعلمي، فالمذهب: أنها تطلق بقوله: فاعلمي.
ومن أصحابنا من قال: إن وصله باليمين لم تطلق؛ لأنه أراد كلاماً غير اليمين، وهذا من [جملة اليمين].
قال: وإن قال: إن كلمت رَجُلاً فأنت طالق، وإن كلمت طويلاً فأنت طالق، [وإن كلمت فقيهاً فأت طالق]، فكلمت رجلاً طويلاً فقيهاً، طلقت ثلاثاً؛
стр. 6769
لوجود الصفات الثلاثة فيه.
فروع:
أحدها: لو قال: إن كلمت رجلاً فأنت طالق، فكلمت زوجها، أو أباها، إن كان قصده مجرد الصفة طلقت؛ لأن الصفة قد حصلت.
وإن كان قصده منعها من مكالمة الرجال، فلا يقع الطلاق؛ لأن الرجل لا يقصد منع امرأته من مكالمته ومكالمة أقاربها، وإنما يمنعها [من] مكالمة الأجانب؛ قاله في "التتمة".
[الفرع الثاني:] لو قال [لها]: أنت طالق إن كلمت فلاناً وفلاناً، [وفلان مع فلان، إياك عني يا هذه، فكلمت فلاناً وفلاناً]- وقع؛ لأن اليمين انعقدت في الأصل على كلامهما، وقوله: وفلان مع فلان، لا يتعلق به حكم؛ لأنه ابتداء كلام.
قال المحاملي: والدليل عليه أن ما أخرجه مخرج الشرط نصبه، والكلام الثاني، حيث كان ابتداء [كلام] أتى به مرفوعاً.
ووجهه ابن الصباغ بأنه ليس بمعطوف على الأولين، ثم قال: وفيه نظر؛ لأن قوله: [و] فلان مع فلان) يقتضي أن يكون كلامها لفلان وفلان في حال كون فلان مع فلان، وهو مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]؛ فكانت هذه الجملة حالاً من الأولة، فكذلك ها هنا.
وحكى في "التتمة" ما قاله ابن الصباغ وجهاً عن الأصحاب. وفي الرافعي أنه الأظهر.
الفرع الثالث: ولو قال: إن كلمت زيداً أو عمراً فأنت طالق، فكلمت أحدهما- طلقت، وارتفعت اليمين؛ حتى لا يقع بكلام الآخر شيء [آخر].
وكذا [لو] قال: إن دخلت الدار أو كلمت زيداً.
стр. 6770
ولو قال: إن دخلت الدار، وإن كلمت زيداً، فقد [كرر حرف] الشرط؛ وذلك يوجب تكرير الجزاء؛ [فيقع الطلاق بأية واحدة من الصفتين وجدت، وإذا وجدتا جميعاً، وقعت] طلقتان.
ومن هذا القبيل، ما إذا قال: إن دخلت هذه الدار وإن دخلت الدار الأخرى- فأنت طالق.
قال ابن الصباغ: معناه: عن دخلت [هذه] الدار فأنت طالق، وإن دخلت الدار الأخرى، وقال: في الجواب عائد في الدخول الثاني، كذا حكاه الرافعي.
الفرع الرابع: لو قال: إن كلمت زيداً وعمراً فأنت طالق، لم [تطلق إلا بكلامهما] جميعاً.
الفرع الخامس: لو قال: أنت طالق إن كلمت زيداً وعمراً وخالداً، لم تطلق إلا بكلام جميعهم.
[ولو قال: أنت طالق إن كلمت زيداً ولا عمراً ولا خالداً، فإن كلمت واحداً منهم، طلقت].
الفرع السادس: لو قال: أنت طالق إن لبست، إن ركبت، لم تطلق إلا باللبس والركوب، لكنه يشترط أن تلبس أولاً، ثم تركب بعده، حتى لو ركبت ثم لبست، لم تطلق.
وكذا لو قال: إذا قمت إذا قعدت، لم تطلق حتى يوجد القعود ثم [القيام؛ قاله] في المهذب.
ولو قال: أنت طالق إن دخلت الدار إن كلمت زيداً، قال: في التهذيب: لم تطلق إلا بوجودهما، ويشترط تقديم الكلام على الدخول، وهو مماثل لما حكيناه عن المهذب، وضابطه: أنه لا يقع الطلاق ما لم تأتِ بالآخر في اللفظ أولاً، وبالأول آخِراً.
وفي النهاية أن الأصحاب قالوا: يشترط ترتيب الكلام على الدخول؛ حتى لو كلمته، ثم دخلت- لم تطلق؛ لأنه في الحقيقة علق وقوع الطلاق عليها، عند الدخول
стр. 6771
بكلام زيد، وهذا كما لو قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت مُدَبَّر، فالتدبير يقف على [دخول الدار]، وليس هذا كما لو قال: [إن كلمت] ودخلت)، يشترط وجود الصفتين لا غير؛ لأن الواو للجمع خصوصاً في المعاملات؛ وهذا يوافق ما حكاه الرافعي عما جمع من فتاوى القفّال: أنه يشترط وجود المذكور أولاً [أو لا]؟ وكذلك نقله القاضي الحسين في التعليق، ثم قال: والعراقيون قالوا [على] عكسه.
وإيراد الغزالي في الوجيز موافق لذلك، وإن كان الرافعي [نسب ذلك] إلى سبق القلم؛ لأن إيراده في "الوسيط" مخالف له ثم، [قال الإمام: و] هذا ما ذكره الأصحاب والقاضي، وعندي في المسألة الأولى نظر؛ فإنه ذكر صفتين من غير عاطف، فالوجه الحكم بتعليق الطلاق بهما، فأما الترتيب، فلا معنى للحكم به، ولا فرق بين أن يقدم ذكر الطلاق أو يؤخره.
وأبدى القاضي في المسألة الثانية احتمالاً في اقتضاء الترتيب؛ على ما حكاه في التعليق.
قال: وإن قال [لها]: أنت طالق أن دخلت الدار بفتح الهمزة وهو يعرف النحو، طلقت [في الحال]؛ لأن [أن] المفتوحة وما بعدها تقدر بالمصدر واللام، وكأنه قال: [أنت طالق] لدخولك الدار؛ فصار تعليلاً.
ولا فرق في وقوع الطلاق بين أن تكون قد دخلت الدار أو لم تدخل.
أما إذا كان لا يعرف النحو، تعلق الطلاق على دخول الدار؛ لأن الجاهل [بذلك] لا يفرق بين المفتوحة والمكسورة؛ وهذا ما قاله الشيخ أبو حامد وأورده الإمام، والغزالي، والبغوي.
وقال القاضي أبو الطيب: يقع الطلاق في الحال، سواء كان عالماً [بالنحو] أو جاهلاً؛ لأن هذا مقتضى اللفظ؛ فلا يعتبر فيه جهل اللافظ، بل تحمل الألفاظ على
стр. 6772
مقتضاها في اللسان، ولا يعتبر من غير قصدٍ، فإن قال: أردت به التعليق، فإن كان يعرف النحو، لم يُقبل، وإن كان جاهلاً باللسان قُبِل؛ إذ لا فرق بينهما عنده.
قال الرافعي: وهذا أظهر، وإلى ترجيحه ذهب ابن الصباغ، وهو الذي صدّر به المتولي كلامه.
قال: الشيخ مجلي: وفي ذلك نظر؛ لأن [أن] المفتوحة مع ما بعدها تقدر بالمصدر واللام؛ على ما ذكرناه، فيصير قوله: لرضا فلان؛ فعلى هذا يُدَيَّن فيه إذا قال: أردت التعليق، [وهل] يقبل في الحكم؟ على الوجهين من غير فرق بين العالم والجاهل.
وفي الشامل: أن أبا العباس بن القاص قال في المفتاح: إذا قال لزوجته: أنت طالق أن شاء الله بفتح الهمزة، وقع في الحال، ولم يذكر في الشامل عنه سواه.
وحكى الرافعي في هذه المسألة ثلاثة أوجه عند الكلام في المشيئة:
أحدها: هذا.
والثاني: عدم الوقوع مطلقاً، وعزاه إلى الحناطي.
والثالث: الفرق بين أن يكون ممن يعرف العربية؛ فتطلق في الحال، أو لا [يعرف]؛ فلا تطلق.
قلت: وقد جرى في مسألة الدخول من هذه [الأوجه]، الأول، والثالث، وأما الثاني، وهو عدم الوقوع مطلقاً فوزانه في مسألتنا: ألا تطلق إلا بدخول الدار من غير فصلٍ بين [العارف بالنحو وغيره]، ولم أره، ويتجه جريانه أيضاً إذ لا يظهر بينهما فرق.
فروع:
أحدها: لو قال: أنت طالق أن طلقتك بفتح الهمزة، يحكم بوقوع طلقتين: واحدة بإقراره، وواحدة بإيقاعه في الحال؛ وذلك لأن المعنى: أنت طالق؛ لأني طلقتك؛ قاله الرافعي.
الفرع الثاني: لو قال: [أنت طالق إذ دخلت الدار]، قال الأصحاب: يقع
стр. 6773
الطلاق لأن إذْ لما مضى من الزمان، وسواءً كانت قد دخلت الدار، أو لم تدخل؛ لأنه أوقع الطلاق، وجعل دخول الدار الماضي عذراً، لا تعليقاً.
قال مجلي: وجعلها الشيخ أبو إسحاق الشيرازي مثل أن بفتح الهمزة على التفصيل المذكور، وهذا أبداه الرافعي احتمالاً من عنده.
الفرع الثالث: لو قال: إن دخلت الدار، أنت طالق فهل تطلق في الحال، أو لا تطلق إلا بدخول الدار؟ فيه وجهان محكيان في الذَّخائر، وهما كالوجهين [المحكيين] اللذين حكيناهما فيما إذا قال: إن شاء الله أنت طالق، والمشهور منهما: عدم الوقوع في الحال.
[الفرع الرابع:] لو قال: أنت طالق طالقاً، قال في "التتمة": حكى القاضي [و] الإمام فيه وجهين:
أحدهما: لا يقع الطلاق أصلاً بهذه الكلمة؛ لأن قوله: طالقاً نصب على الحال؛ فيكون تقديره: أنت طالق حالة ما تكونين طالقاً، والمرأة لا تكون طالقاً، إنما تكون مطلقة، فالصفة لا توجد؛ فلا يقع الطلاق.
والثاني: تقع طلقة، ويكون تقديره: أنت طالق؛ فصِرتِ طالقة بما أوقعت عليك من الطلاق.
وحكى الشيخ أبو عاصم العبادي: أن في الحال لا يقع شيء، ولكن [إذا طلقها] تقع عليها طلقتان، وتكون طالقاً بمعنى: مطلقة، فيصير تقديره: إذا صرت مطلقة فأنت طالق.
ونقل مجلي هذه المسألة عن "الأم"، وأنها تطلق في الحال طلقة. ويسأل عن مراده بقوله: طالقاً، فإن قال: أردت به الحال، طلقت ثانية؛ لأن الحال في معنى الصفة؛ فكأنه قال: أنت طالق بعد تقدم طلقة عليك، وإن قال: أردت [طلقة] ثانية، طلقت ثانية، وإن قال: أردت به التأكيد، قبل منه وحلف، [قال مجلي: وقوله: ["و]
стр. 6774
حلف": يدل على أنه إذا طلق وقع طلقتان]؛ لأنه حلفه على إرادة واحدة، فلولا أن مطلقه يقتضي طلقتين، لم يكن لتحليفه وجه.
قلت: لا دلالة في ذلك؛ لأن التحليف يجوز أن يكون خشية من إرادته طلقة ثانية، أو إرادته الحال؛ لأن مطلقه يقتضي وقوع طلقتين، وهذا كما [جاء في] قوله ﷺ لركانة: حين قال: "إني طلقت زوجتي سهيمة ألبتة، والله ما أردت إلا واحدة"، والله أعلم.
لو قال: أنت طالق مريضةٌ، لم يقع الطلاق إلا إذا مرضت؛ لأن الحال بمنزلة الظرف للفعل؛ فلا يقع قبلها.
ولو قال: مريضة، فإن الطلاق لا يقع أيضاً إلا في حال المرض؛ لأن ذلك لحن لا يغير المعنى.
وذكر البندنيجي في "مذهبه": أنه إن كان من أهل الإعراب وقع الطلاق في الحال؛ لأن قوله: مريضة، صفة لها وليست حالاً، وإن لم يكن من أهل الإعراب لم يقع في الحال، ويعلق على مرضها.
كذا حكاه في "الشامل" ثم قال: وهذا ليس بصحيح؛ لأن "مريضة" نكرة، ولا تكون صفة لمعرفة، وقد عرفها بالإشارة إليها؛ فلا تكون إلا حالاً، وإنما لحن في إعرابها.
قلت: وقد وقفت على هذه المسألة في مذهب البندنيجي، والذي رأيته منقولاً فيه: أنه علق طلاقها بصفة هي المرض، متى مرضت طلقت؛ لأنه إذا نصب كان على الحال، وإن رفع كان معناه: تطلقين وأنت مريضة، وهكذا لو قال: أنت طالق [رجعة، فنصب]، أو: رجعة، فرفع، والله أعلم.
قال: وإن قال: أنت طالق لرضا فلان، طلقت في الحال.
أي: سواء رضي أم سخط؛ لأن اللام فيما لا ينتظر مجيئه وذهابه للتعليل؛
стр. 6775
فكأنه علل وقوع الطلاق برضا فلان، وجعله عذراً له.
وعن ابن خيران- فيما علقه الحناطي-: أنه إنما يقع في الحال إذا نوى التعليل، أما إذا أطلق ولم تكن له نية، فإنما يقع إذا رضي فلان كما في قوله: أنت طالق للسنة، والمنصوص الأول، ونزل ذلك منزلة قول القائل: أنت حر لوجه الله.
قال: وإن قال: أردت: إن رضي فلان، أي: أردت به التعليق، قبل منه أي: في الظاهر والباطن؛ لأن ذلك يحتمل الشرط وإن كان ظاهره العلة؛ ألا ترى أن قوله: أنت طالق للسنة، معناه: إذا [جاء زمان] السنة، فإذا فسره بما يحتمله قبل منه.
و"قيل: لا يقبل"، أي: في الحكم، ولكن يدين؛ لأنه خلاف ظاهر اللفظ؛ فأشبه ما إذا قال: أنت طالق، ثم قال: أردت: إن دخلت الدار. وهذا هو الأصح في الرافعي، والأول أصح عند ابن يونس، وهو الظاهر عند مجلي.
ولو قال: أنت طالق برضا فلان أو بقدومه، فهو تعليق؛ كقوله: إن رضي أو قدم، قاله في "التهذيب"، وألحق بهما في "النهاية" ما إذا قال: لقدوم فلان؛ فإنه يحمل على التأقيت؛ لأنه يبعد التعليل بالقدوم، بخلاف الرضا.
قال: وإن قال: أنت طالق، ثم قال: أردت: إن دخلت الدار- لم يقبل في الحكم؛ لأنه خلاف الظاهر، ويدين فميا بينه وبين الله ؛ لاحتماله.
قال الغزالي: الأقيس: أنه لا يُدَيَّنُ أيضاً، وقد تقدم الكلام على ذلك؛ والفرق بينه وبين قوله: أنت طالق، ثم يقول: أردت: إن شاء الله- في آخر باب عدد الطلاق.
فروع:
لو قال: أنت طالق إن، فمنعه غيره من الكلام؛ بأن وضع يده على فيه، ثم قال: أردت أن أعلق بكذا- صدق بيمينه؛ لدلالة [حرف] الشرط على ما يدعيه، وإنما
стр. 6776
حلفناه؛ لجواز أن يكون قصده التعليق على شيء حاصل. ولو سكت بنفسه، قال في "التتمة": طلقت.
وحكى العبادي في "الزيادات" في هذه الصورة، [و] فيما لو قال: أنت طالق لولا، أو قال: إن، وسكت- خلافاً في وقوع الطلاق.
ولو قال: أنت [طالق] إن أكن، فوضع غيره يده على فمه، فلما أطلق، أتم كلامه، وذكر الشرط- قال العبادي: أفتى فقهاء هراة بوقوع الطلاق، فسئلت فأفتيت ألا يقع [الطلاق]، فطلبت، فوجدت السلف قالوا كما قلت؛ فرجعوا.
قال: وإن قال: أنت طالق إن دخلت الدار، ثم قال: أردت: في الحال، أي: وإنما سبق لساني إلى الشرط- "قبل منه"؛ لأن فيه تغليظاً عليه، فلو قال: أردت شهراً، معناه: إن دخلت الدار إلى شهر.
قال: القاضي الحسين في "التعليق": الصحيح أنه لا يُدَيَّنْ فيما بينه وبين الله- وفيه وجه: أنه يدين.
وإيراد صاحب "الشامل" يعضد هذا الوجه؛ حيث قال قبل كتاب الرجعة: إذا حلف حالف بعد مجلس الحكم، ونوى ما يجوز أن يراد باللفظ في مجاز اللغة، تعلقت اليمين في الباطن، وأما في الظاهر: فإن كان في طلاق، لم يقبل منه، وإن كان [في] اليمين بالله تعالى، أو نذر، فالقول قوله؛ لأن ذلك لا يتعلق به حق يطالب به، فلو قال: والله لا أكلت ولا شربت، وأراد به: في مكة، أو على ظهر الكعبة، اختصت يمينه بذلك، وكذلك لو قال: نسائي طوالق، ونوى به أقاربه دون زوجاته، لم تطلق الزوجات، وكذلك لو قال: جواري أحرار، ونوى به سفنه- لم تعتق إماؤه.
وفرق القاضي الحسين بين قوله: والله لا أكلم فلاناً، ثم قال: نويت شهراً، حيث يقبل منه قوله فيما بينه وبين الله تعالى، كما نص عليه الشافعي- وبين [تقييد] دخول الدار بالنية، إلى شهر على الصحيح عنده؛ لأنه لم يتعلق به حق آدميين، بل
стр. 6777
حق الله تعالى، [حتى لو تعلق به حق الآدميين، لا يقبل قوله فيما بينه وبين الله تعالى، مثل] أن يقول: إن كلمت فلاناً فأنت طالق، ثم قال: نويت شهراً. وما ذكره من الفرق حسن في القبول ظاهراً كما ذكره ابن الصباغ، أما في القبول بطناً فلا.
فرع: لو قال لزوجتيه: إن دخلتما هاتين الدارين فأنتما طالقتان، فدخلت كل واحدة منهما إحدى الدارين، فوجهان:
أحدهما: تطلقان؛ لدخولهما الدارين.
والثاني: لا؛ لأن قضيته دخول كل واحدة منهما الدارين؛ ألا ترى أنه لو قال لواحدة: إن دخلت الدارين، اعتبر أن تدخلهما، فكذلك إذا ضمها إلى غيرها، وهذا هو الصحيح في "المهذب".
ولو قال: إن أكلتما هذين الرغيفين، فأكلت كل واحدة منهما رغيفاً، قالوا: يقع الطلاق؛ لأنه لا مساغ فيه للاحتمال الثاني، وأجرى فيه الشيخ في "المهذب" الوجهين.
قلت: ويتجه أن يكون الخلاف في هذه [المسألة] مبنياً على المسألة الأولى، وعلى مسألة تعليق الطلاق بالمستحيل، وبيانه: أنا إن قلنا في المسألة الأولى بوقوع الطلاق، فكذلك ها هنا؛ لوجود الصفة، وإن قلنا: لا يقع؛ لأن الصفة دخول كل واحدة منهما الدارين، فهنا تكون الصفة أكل كل واحدة الغريفين، وذلك مستحيل، فيتخرج وقوع الطلاق على التعليق بالمستحيل، والله أعلم.
قال: [قال في "الشامل" عند الكلام في السنة والبدعة: إذا قال لها: إذا قدم أبوك فأنت طالق، فقالت له: عجلها لي، فقال: عجلتها لك- نقل المزني في "المنثور" عن الشافعي: أنها لا تعجل].
وإن قال: إذا جاء رأس الشهر، فأنت طالق، ثم قال: عجلت لك ذلك- لم يتعجل. وصورته- على ما حكاه البندنيجي في مذهبه- أن يقول لها: أنت طالق تلك الطلقة الساعة، وقد عجلت إيقاعها عليك الآن، وإنما كان كذلك؛ لتعلقه بالوقت المستقبل، كما لو نذر صوم يوم معين، وكما أن الجعل في الجعالة لم تعلق استحقاقه بالعمل
стр. 6778
لم يتعجل بتعجيل المالك، وكذا حق الفسخ بالعنة لا يتعجل بتعجيل الزوج، وهذا ما حكاه ابن الصباغ والمحاملي والبندنيجي والمتولي.
وحكى القاضي الحسين في "التعليق"- والصيغة هذه- أن الطلاق يقع الآن، وإذا جاء رأس الشهر لم يقع غيره، بخلاف ما إذا قال: إذا دخلت الدار فأنت طالق، ثم قال: عجلت لك ذلك الطلاق الآن- فإنه يقع [الطلاق]، وإذا دخلت الدار وقعت أخرى، ولم يحك في الصورتين غير ذلك.
وحكى الإمام ذلك في الصورة الأخيرة، لكن بصيغة أن الطلاق يقع في الحال، وإذا وجدت الصفة وقعت أخرى على أحد الوجهين، ثم قال: وحاصله: أن المعلق هل يقبل التنجيز أم لا؟
ومأخذ الوجهين عند بعضهم: ما إذا علق الطلاق على صفة، ثم بانت منه بالثلاث، ثم تزوجها بشرطه، [ووجدت الصفة في النكاح الثاني- فهل يقع الطلاق المعلق بالصفة؟ وفيه الخلاف الآتي.
ومنهم من قال: إنها تقع وإن لم نحكم بعود الصفة في الصورة] التي ذكرناها؛ لأن المعلق ما كان مرتبطاً بطلقة معينة، ولا خلاف [في] أنه لو علق طلقة ثم نجز طلقة مطلقة، فالتعليق لا ينحل بقوله: نجز ما علقت، [لأنه] تصرف منه في فك التعليق، وليس ذلك إلى المعلق.
وقد أشار إلى ذلك الإمام عند الكلام في عود الحنث، وذكر الفوراني أن الكلام في هذه المسألة مبني على ما إذا قال: إذا حلفت بطلاقك، فأنت طالق، ثم قال: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق:
قال ابن سريج: لا تطلق؛ لأن هذا ليس بيمين، وإنما هو تأجيل للطلاق.
وقال غيره: تطلق؛ لأنه يمين.
قال: فعلى هذا لو قال: إذا جاء رأس الشهر، فأنت طالق، ثم قال: عجلت تلك
стр. 6779
الطلقة- فعند ابن سريج ينحل التعليق، ويقع ذلك الطلاق الآن، وعند غيره: يقع طلقة في الحال بقوله: عجلت، ثم إذا جاء رأس الشهر تقع أخرى. انتهى.
قلت: وكأن ابن سريج لما [أن] قال: إنه تأجيل للطلاق، ألحقه بإسقاط الديون، ومن هذه المادة يؤخذ الفرق بين ما قاله القاضي الحسين في الصورة الأولى والثانية، من حيث إن مجيء رأس الشهر يقبل التأجيل [به]، بخلاف دخول الدار.
وفرق في "التتمة" بين ما نحن فيه وبين الدين المؤجل، حيث قلنا: بتعجيل إسقاط الأجل على أحد الوجهين- بأن هناك أصل الدين واجب، وإنما تأخرت المطالبة؛ فكان التعجيل موافقاً لمقتضى العقد، وها هنا أصل الطلاق ما ثبت، وإنما ثبت عند الشرط، فهو نظير الجعل في الجعالة؛ لما كان المجعول له لا يملك البذل في الحال، فإذا قال له الجاعل: عجلت لك الجعل المشروط، لم يتعجل استحقاقه.
قال: "وإن قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم بانت منه، ثم تزوجها، ثم دخلت الدار- ففيه ثلاثة أقوال"، أي: مجموعة من القديم والجديد؛ لأن [المنقول في] القديم: أنها إن بانت بما دون الثلاث، عادت الصفة، وفي الجديد قولان. وإن بانت بالثلاث ففي الجديد: لا تعود الصفة، وفي القديم قولان؛ فانتظم منهما الأقوال الثلاثة:
أحدها: تطلق؛ لأن التعليق والصفة وجدا معاً في الملك، وتخلل البينونة لا يؤثر؛ لأنه ليس وقت الإيقاع ولا وقت الوقوع.
والثاني: لا تطلق، وبه قال المزني وأبو إسحاق، واختاره الإمام، والشيخ- ﵁ في كتاب الخلع حيث قال: ففيه قولان، أصحهما: أنه يتخلص من الحنث، وبه أجاب القاضي الروياني، وإيراد ابن الصباغ يقتضي ترجيحه.
ووجهه المزني بأن المراد: إما أن يكون النكاح الأول أو الثاني، ولا يجوز أن يكون الثاني مراداً؛ لأنه يكون تعليق طلاق قبل النكاح؛ فتعين الأول، وقد ارتفع،
стр. 6780
ولأنه لو قال لامرأته: إذا بنت مني ونكحتك، ودخلت الدار، فأنت طالق، أو قال: إذا دخلت [الدار] بعد ما بنت مني ونكحتك، فأنت طالق- فالذي صححه المعتبرون من الأصحاب، منهم القفال: أنه لا يقع الطلاق إذا دخلت الدار بعد البينونة والنكاح، ولا يخرج على القولين، وغلطوا من قال بتخريجه.
ولو كان الطلاق يقع في النكاح الثاني عند الإطلاق، لما امتنع التصريح بما هو مقتضى الإطلاق.
قلت: وقد يمتنع، كما إذا قال الرجل لآخر: بعتك هذا بألف إن شئت، فإن البيع لا يصح على أحد الوجهين، وإن كان عند الإطلاق لا يقبل البيع إلا إذا شاء. وكما إذا قال الشاهد- فيما يعلم أن شهادته فيه بالاستفاضة-: مستند شهادتي الاستفاضة، قبل أن يسأل عن المستند- فإن شهادته لا تسمع على الأصح، كما حكاه ابن أبي الدم في كتابه الملقب بـ "أدب القضاة"؛ فيجوز أن يكون هذا من هذا القبيل.
والجواب عن الأول: أن الذي منع من صحة البيع صورة التعليق، وحقيقته هنا لا تعرف، والله أعلم.
والثالث: إن عادت بعد الثلاث، لم تطلق؛ لأنه استوفى ما علق من الطلاق، وهذه طلقة جديدة، وإن عادت قبلها، طلقت؛ لأن العائد الباقي من [الطلقات؛ فيعود بصفتها]، وكانت معلقة بذلك الفعل المعلق عليه، فيعود لذلك، وجعل في "التهذيب" هذا القول [أصح] المذهب، وكلام الإمام يقتضيه؛ حيث قال: والمصير إلى وقوع الحنث بعد وقوع الثلاث على نهاية البعد، حتى لا يكاد ينتظم فيه تعبير عن توجيه؛ فإن الرجل إذا علق ثلاث طلقات بوجود
стр. 6781
صفة، فإنما علق ما يملك تنجيزه من الطلقات، فإذا نجز ما يملك فقد انحل ملكه المعلق، وكان التنجيز بمثابة الاستيفاء؛ فلا يبقى للتعليق متعلق، ويستحيل بقاء تعليق لا متعلق له.
قال: "والأول أصح"، وكذا قال المحاملي، ووجهه في "المهذب" بما ذكرناه، وقد ظهر لك بما ذكرته أن الأصح خلافه.
تنبيه: البينونة بما دون الثلاث تحصل بالطلاق قبل الدخول وبعده، بعوض أو بغير عوض، مع انقضاء العدة. وألحق الرافعي ها هنا الردة بما ذكرناه، وحكى في آخر كتاب الإيلاء وجهين في أن فرقة الفسخ: هل هي كالفرقة بالطلاق الثلاث أو بما دونها؟
وقيد الخلاف في كتاب الظهار بفرقة انفساخ النكاح بالملك، وحكاه طريقين، وجزم البندنيجي في مذهبه بأنه كالفرقة بما دون [الثلاث]، فتعود الصفة في القديم قولاً واحداً، وفي الجديد على أحد القولين. والله أعلم.
***
стр. 6782
باب الشك في الطلاق، وطلاق المريض
الشك في الاصطلاح هو: التردد بين شيئين على السواء، والمراد به ها هنا: مطلق التردد، سواء أكان على السواء أو أحد الطرفين راجحاً، كما هو المراد فيما إذا شك هل أحدث أم لا؟
قال: إذا شك هل طلق أم لا [لم تطلق].
قال المحاملي في "المجموع": وهو إجماع.
ولأن الأصل عدمه وبقاء النكاح، وهذا كما أنه يستصحب أصل التحريم عند الشك في النكاح، وأصل الطهارة عند الشك في الحدث وعكسه، وهذا أصل ممهد في الشريعة، لا يعدل عنه إلا أن يعارضه أصل آخر [أو ظاهر]- كما تقدم، وسيأتي، إن شاء الله تعالى- وليس ذلك في كل أصل ولا ظاهر.
قال الإمام: وهذا إذا انحسم باب الاجتهاد، وطرأ الشك، فإنه يؤيد أحد الطرفين باليقين السابق، ويستصحب ما كان، فأما إذا أمكن الاجتهاد؛ كمسائل الاختلاف، نحو اختلاف العلماء في بقاء النكاح [وعدمه مثلاً؛ فإنا لا نقول: ترددنا في بقاء النكاح] وعدمه، فنستصحب الأصل الذي كان، بل الطريق فيها الاجتهاد والاعتماد على الدليل.
ثم ليعلم أن الشك تارة يكون في صورة التنجيز [ولا يخفى]، وتارة في صورة التعليق، مثل أن يقول: إن كان هذا الطائر غراباً فأنت طالق، [فطار]، ولم يعلم، وسيأتي الكلام فيه، إن شاء الله تعالى.
قال: "والورع أن يراجعها" أي: [إن كان] الطلاق المشكوك فيه يمكن معه الرجعة، أما إذا لم يمكن، كما إذا كان قبل الدخول مثلاً، فالورع: أن يجدد النكاح إن
стр. 6783
كان له فيه رغبة، وإلا فينجز طلاقها؛ لقوله ﷺ : "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ".
قال: وإن شك هل طلق طلقة أو أكثر، لزمه الأقل؛ لأنه المستيقن، والأصل [فيه] عدم ما زاد عليه.
فإن قيل: التحريم بسبب الطلاق قد تحقق، وقد حصل الشك فيما رفعه من الرجعة، أو إصابة زوج آخر [مع] تجديد النكاح؛ فلا يرتفع التحريم مع الشك فيما يرفعه، كما إذا أصاب الثوب نجاسة ولم يعرف موضعها؛ فإنه يغسل جميعه.
قلنا: لا نسلم تحقق مطلق التحريم، بل التحريم المحقق هو ما يزول بالرجعة؛ فالزيادة عليه غير محققة، بل مشكوك فيها؛ فلم يعترض على القدر المحقق.
وأما القياس على النجاسة، فليس [وزان مسألتنا]؛ لأنه بغسل بعض الثوب لا يرتقع ما تيقنه من النجاسة؛ لأنه ليس لها قدر معلوم، [حتى] يستصحب أصل العدم فيما سواه؛ فوجب استصحابه إلى أن يتيقن الطهارة، وها هنا قدر الطلاق مرة واحدة أو اثنتين معلوم؛ فيستصحب أصل العدم فيما سواه، ووزان النجاسة من مسألتنا: أن يتحققها في طرف من الثوب، ويشك في إصابتها طرفاً آخر، وحينئذ فلا يجب غسل الموضع المشكوك فيه.
فرع: لو قال: أنت طالق طلقة أو طلقتين، طلقت طلقة؛ لأنها محققة، والزائدة مشكوك فيها؛ فلا تقع؛ لأن الأصل عدم وقوعها، قاله في "التتمة".
стр. 6784
قال: والورع إن كانت عادته أن يطلق الثلاث؛ لأنه لو تركها من غير طلاق احتمل ألا يكون قد طلقها [فلا تحل لغيره بيقين، ولو راجعها، احتمل أن يكون قد طلقها ثلاثاً؛ فلا تحل له بيقين]، وقد قال- ﷺ : "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ"، وهذا وإن كان فيه إعادة الضمير على الجملة المذكورة أولاً، والظاهر إعادة الضمير على أقرب مذكور- فالحامل عليه القرينة، وقد جاء في الكتاب العزيز في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ﴾ [البقرة: ٢٤٩]؛ فإن الاستثناء يعود على الشرب للقرينة، وإن كان الاستثناء يعود إلى أقرب مذكور، أو إليهما جميعاً كما ذهب إليه الشافعي في آية القذف.
أما إذا تيقن أنه أوقع الطلاق، وشك هل هو طلقة أو أكثر، وكانت عادته أن يطلق الثلاث- فالورع في حقه أن يبتدئ من الطلاق ما يكمل به الثلاث مع ما تحققه، لا أن يبتدئ [إيقاع] الثلاث؛ لما في ذلك من إيقاع زيادة على العدد الشرعي ظاهراً، وهو ممنوع من ذلك.
ولفظ الشيخ في "المهذب" في هذه الصورة: وإن كان الشك في الثلاث فما دونها طلقها ثلاثاً؛ لتحل لغيره بيقين.
ونوقش في التعليل؛ لأنها حلال للغير [بيقين] على كل تقدير، وأوله بعضهم على إضمار الخطبة، وقال: تقديره: لتحل لغيره [الخطبة بطريق التعريض] بيقين؛ [لأنها قبل أن يكمل إيقاع الثلاث مشكوك في إباحتها.
وقال بعضهم: لفظ الشيخ: لتحل بغيره]- بالباء لا باللام- وهذا فيه نظر؛ لأ، فيه تغيير اللفظ من غير فائدة؛ لأنها تحل لغيره والحالة هذه، وإن لم يطلقها [ثلاثاً بيقين].
стр. 6785
نعم، فيه فائدة، وهي أنها إذا عادت إليه بعد أن طلقها ثلاثاً، ملك عليها الثالث بيقين.
وحمله بعضهم على ما إذا اتفقت رجعة بعد حالة الشك، ثم أراد أن يفعل الورع، فإن الورع في حقه- والحالة هذه- أن يطلقها الثالثة؛ لتحل للغير بيقين؛ لأنه لو تركها، احتمل أن يكون الواقع ما دون الثلاث، فتكون الرجعة صحيحة فلا تحل، واحتمل أن الواقع الثلاث فتحل، فإذا طلقها الثالثة حلت للغير بيقين.
فرع: [لو] شك هل طلق أم لا، ثم راجعها تورعا، ثم طلقها طلقتين- فالورع أن يطلقها ثالثة؛ لما ذكرناه عن التعليل.
قال: وإن طلق إحدى المرأتين بعينها، ثم أشكلت عليه، أي: بأن طلقها في ظلمة، أو: وهي مُوَلِّيَةٌ ظهرها [إليه] أو من وراء حجاب، أو شافهها بالطلاق، أو نواها عند قوله: إحداكما طالق، ثم نسيها- وقف عن وطئها حتى يتذكر، أي: على سبيل الوجوب؛ لأن إحداهما حرمت عليه بالطلاق، والأخرى بعلة الاشتباه، كما لو اشتبهت المحرمة عليه بالرضاع مثلاً بغيرها؛ فإنه يمنع من [نكاحهما جميعاً]، هكذا أشار إليه في "الشامل" وغيره.
ولو فرق بينهما بأن: ثم الأصل التحريم، وقد شككنا في جواز الإقدام؛ فرجعنا إلى الأصل، وها هنا الأصل في كل واحدة منهما الإباحة، وقد شككنافي المحرم، فيستصحب الأصل- لكان له وجه، ولكن هذا المعنى موجود في مسألة الأواني، ومع هذا فلا يجوز الإقدام على واحد منهما من غير اجتهاد على المذهب، مع أن الاختلاط في الأبضاع محال، ولأنه قد يؤدي إلى إباحة وطء كل واحدة منهما مع تحقق تحريم وطء إحداهما.
فإن قيل: قد حكى الشيخ في باب الرضاع: إذا وطئ رجلان امرأة، فأتت بولد يمكن أن يكون من كل واحد منهما، فارتضع طفل بلبنه، ثم مات الولد قبل أن يتبين نسبه من أحدهما، وأراد المرضع أن يتزوج ببنت أحد الرجلين- أنه ليس له ذلك على وجه، وهو وزان ما ذكره هنا، [وعلى وجه: يجوز أن يتزوج بنت أحدهما،
стр. 6786
فإذا تزوجها حرمت عليه بنت الآخر، فهل للأخرى مثل هذا الوجه هنا]، وكأن وطأه لإحداهما يعين الطلاق من الأخرى؟
قلنا: لو قيل به لزم أن يجعل الوطء تعينا للطلاق في الأخرى والنكاح فيها، والوطء لا يكون تعيناً، كما سيأتي بيانه.
فرع: هل يطالب بالبيان، والحالة هذه قبل التذكر؟
ينظر: إن صدقناه في النسيان فلا مطالبة، ولا مدخل للقاضي في ذلك.
وإن كذبناه، وبادرت واحدة وقالت: أنا المطلقة- لم يقنع منه [في] الجواب بأن يقول: نسيت، أو: لا أدري، وكان ما يقوله محتملاً، ولكن يطالب بيمين جازمة على أنه لم يطلقها، وإذا حلف، تعين الطلاق في الأخرى، وإن أقر، تعينت الأخرى للنكاح، قاله البغوي.
وإن نكل، حلفت، وقضي باليمين المردودة، هكذا حكاه الإمام وغيره على ما حكاه الرافعي، وألطق صاحب "التتمة" و"الشامل": أنه يطالب بالبيان، ولم يتعرضا لهذا التفصيل، ولعله محمول عليه.
وحيث قلنا: إنه يحلف يميناً جازمة، فذلك إذا وقع الطلاق على إحداهما بإيقاعه، أما إذا قال: من دخلت الدار منكما فهي طالق، ودخلت إحداهما، وقالت كل واحدة: أنا دخلت- فإن ها هنا يحلف على نفي العلم، ثم لا يكون الحلف بذلك إقراراً للثانية [بالدخول]، بل يحلف للثانية- أيضاً- كذلك، قاله [البغوي و] الفوراني في "الإبانة".
ثم هذا كله إذا كان الطلاق بائناً، فلو كان رجعياً، فهل يلزمه أن يبين؟ وهكذا فيما إذا كان الطلاق مبهماً هل يلزمه أن يعين؟ فيه وجهان. حكاهما الإمام، وأن الأصح منهما: أنه لا يلزمه؛ لأن الرجعية زوجة.
[فرع] آخر: إذا قال: على الطلاق، وله زوجات، ونوى- قال في "الذخائر": يقال له: بين، فإن أراد به واحدة معينة، كان كقوله: زوجتي طالق؛ فإنه يقع على واحدة
стр. 6787
منهن، وعليه البيان، وإن أراد: من جميعهن، طلقت كل واحدة طلقة، كقوله: زوجاتي طوالق، ولابد من النية، حكاه قبل باب الاستثناء.
قال: فإن قال: هذه، لا بل هذه- طلقتا؛ لأن [هذا البيان] بيان إقرار وإخبار عن التي طلقها، فإذا قال ذلك فقد أقر بطلاق الأولى، ثم رجع عنه، وأقر بطلاق الثانية، فقبل ما أقر به ثانياً، ولم يقبل رجوعه عن طلاق الأولى، وألحق القاضي الحسين بهذه الصورة في الحكم والتعليل، ما إذا قال: هذه وهذه، وكذا إذا قال: هذه بعد هذه، وهو المذكور في "التهذيب"، بخلاف ما إذا قال: هذه بعد هذه، [أو: هذه] ثم هذه، أو: هذه فهذه؛ فإن الأولى تطلق دون الثانية، وفرق في "التهذيب" بينهما بأن هذه الحروف للتعقيب؛ فلا تصلح للإيقاع، وحرف الواو للعطف، و [حكم المعطوف] حكم المعطوف عليه، وبل معناه ما ذكرناه.
واعترض الإمام على ذلك، فقال: كيفما قدر موجب الكلام ففي قوله: هذه ثم هذه، اعتراف بالطلق فيهما؛ فليكن الحكم كما في قوله: [أردت] هذه وهذه.
قال الرافعي: والحق الاعتراض.
وحيث حكمنا بالوقوع عليهما، فذاك فيما يتعلق [بحكم الظاهر]، فأما فيما بينه وبين الله- تعالى- فالمطلقة هي التي نواها، وعينها لا غير، وقد أشار إلى ذلك الشيخ في "المهذب" بقوله في الحكم: وصرح به الإمام، ثم قال: حتى لو قال: إحداكما طالق، ونواهما جميعاً، فالوجه عندنا: أنهما لا تطلقان، ولا يجيء فيه التردد المذكور فيما إذا قال: أنت طالق واحدة، ونوى ثلاثاً؛ لأن حمل إحدى المرأتين عليهما جميعاً لا وجه له، وهناك يتطرق إلى الكلام تأويل بيناه.
قلت: وهذا من الإمام بناءً على المذهب الصحيح في أن الإقرار بالطلاق من غير أن يصدر منه في نفس الأمر طلاق، لا يكون إنشاء للطلاق.
стр. 6788
أما إذا قلنا: إنه يكون إنشاء للطلاق، كما قاله الشيخ أبو محمد تخريجاً من أن الإقرار بالرجعة في زمن الرجعة [رجعة]- فتطلق [في] الباطن أيضاً.
فروع:
لو كانت الزوجات ثلاثاً، فقال: هذه بل هذه بل هذه، طلقن؛ لما ذكرناه.
ولو قال: هذه [بل هذه أو هذه]، فقد طلق الأولى، وأبهم الطلاق في الثانية والثالثة؛ فيكلف البيان.
ولو قال: هذه أو هذه، لا بل هذه، فقد طلق الثالثة وأبهم الطلاق في الأولى والثانية؛ فيكلف البيان.
ولو قال: [طلقت] هذه أو هذه وهذه، قال أبو العباس: فقد أبهم الطلاق في الأولى والثانية، وطلق [الثالثة]؛ لأن معنى قوله: وهذه، أي: وطلقت هذه.
قال البندنيجي: قال الشيخ- كأنه يشير إلى الشيخ أبي حامد-: ظاهر الكلام غير ذلك، بل أبهم الطلاق بين الأولى، [والثالثة] والثانية؛ لأن قوله: وهذه، معناه: طلقت هذه أو هاتين، ولو قال: عينت هذه أو هذه وهذه، فجعله من جزأين، جعل الأولى جزءاً والثانية والثالثة جزءاً- قال القاضي الحسين في "التعليق": يقال له: بين، فلو بين الأولى، وقع عليها الطلاق، ولا يقع على الباقيتين، ولو بين واحدة من الجزء الثاني، يقع عليها الطلاق، دون الأولى، وهذا إذا أراد بقوله: وهذه، وصلا بالثالثة، فأما إذا قال: أردت بقولي: أو هذه، وصلا بالأولى، يقع الطلاق على الثالثة، ويقال له: بين إحدى الأوليين، فلو قال: هذه، ووقف ساعة مديدة، ثم قال: وهذه أو هذه- يقع الطلاق على الأولى دون الثانية والثالثة.
قال: "وإن وطئ إحداهما لم يتعين الطلاق في الأخرى"، علل الأصحاب ذلك بأن الطلاق لا يقع بالفعل؛ فكذلك بيانه، ولأنه لو وطئها لم يكن بياناً للطلاق، ولو
стр. 6789
كان بياناً لوقع الطلاق عليها، كما لو قال لكل واحدة [منهما]: هذه المطلقة؛ فإنهما تطلقان.
ووجهه البندنيجي: بأن هذا البيان إخبار عن التي طلقها، والفعل لا يقع بالخبر، وإذا بين الطلاق في الموطوءة، وجب [عليه] المهر؛ لجهلها بأنها المطلقة، وأما الحد: فإن كان عالماً بأنها المطلقة، وكان الطلاق بائناً- وجب، وإلا فلا. وإن بينه في غير الموطوءة، قبل؛ فلو ادعت الموطوءة أنه أرادها حلف، فإن نكل حلفت، وحكم بطلاقها، وعليه المهر، ولا حد للشبهة؛ فإن الطلاق يثبت في الظاهر باليمين، هكذا قاله الرافعي.
قلت: وفي سماع دعواها على الإطلاق نظر، بل كان ينبغي أن يقال: إن علمت بالطلاق، ثم مكنته من الوطء فلا تسمع دعواها، كما إذا زوجت المرأة برضاها أو بدونه من رجل، ثم مكنته من الوطء، وادعت بعد ذلك أن بينها وبينه رضاعاً محرماً- فإنا لا نسمع دعواها على المذهب، إلا أن تبدي عذراً، فتسمع، على احتمال أبداه الغزالي.
وإن لم يعلم بالطلاق، بأن يكون قد نوى المطلقة، ولم يظهر لها بالقرائن أنه نواها، أو عرفت ذلك ولكن وطئت مكرهة- فإنه تسمع دعواها، ولعل الإطلاق محمول على ذلك.
قال: وإذا عين وجبت العدة من حين الطلاق؛ لأنه وقت وقوعه.
هذا هو الظاهر، وخرج فيه قول آخر أنها تعتد من حين التعيين. قال الإمام: وبنى الأصحاب هذين القولين-[الظاهر، والمخرج: أنه تعتد- على القولين] في المستفرشة بالنكاح الفاسد إذا فرقنا بينهما، فالعدة تعتبر من آخر وطأةٍ، أو من وقت التفريق بينهما؟
ووجه الشبه: أن الأمر ملتبس، واختلف القول في تاريخ ابتداء العدة كذلك إذا لم يبين، والأمر ملتبس في ظاهر الأمر مع كل واحدة، فإذا فرض البيان، كان هذا كالتفريق.
стр. 6790
قال الإمام والقاضي: والأصح الفرق بينهما، وذلك أن في تلك المسألة افترشها؛ فالعدة من وقت التفريق، وها هنا لم يفترشها؛ فإنه يمنع عن النساء.
وفي "الذخائر" عن "الحاوي" حكاية وجه آخر: أن الطلاق يقع من حين التبين، ونقل عنه: أنه ليس بشيء، فلأجل ذلك لم يفرع عليه.
فرع: حيث حكمنا بوقوع الطلاق عليهما فيما إذا قال: هذه بل هذه- وما شابه ذلك- قال الجيلي: تكون عدة الأولى من حين الطلاق، والثانية من حين اللفظ؛ لأنه لما أن قال: هذه، أخبر بأنها مطلقة من قبل، ثم لما [أن] قال: بل هذه، أخبر بطلاقها؛ فتطلق من هذا الوقت.
وما قاله لم أره لغيره، وفيه نظر؛ لأنه لما قال: [بل] هذه، أضرب عن [الأولى]، واعترف بأن هذه هي المطلقة باللفظ الأول؛ فينبغي أن تكون عدتها أيضاً من وقت الطلاق؛ لما قلناه.
[قال: "والنفقة عليه إلى أن يعين"؛ لأنهما محبوستان بعقد النكاح، وأبدى القاضي الحسين في "النفقات" احتمالاً آخر فيما إذا عين: أنه لا نفقة عليه].
قال: "وإن طلق إحداهما لا بعينها" أي: مثل أن قال: إحداكما طالق، أو إحدى زوجتي طالق، ولم يَنْوِ بقلبه واحدة منهما، ولا أشار إليها- "لزمه أن يعين" أي: على الفور؛ لرفع حبسه عمن زال ملكه عنها، فلو أَخَّرَ، عَصَى وَعُزِّرَ؛ كما إذا أسلم على أكثر من أربع نسوة وأسلمن [معه].
стр. 6791
والتعيين يحصل بأن يقول: هذه المطلقة، أو: هذه [هي] [التي] تبقى في قيد النكاح، ولو كانت النسوة ثلاثاً، وأشار إلى اثنتين منهن، فقال: من أردته بالطلاق في هاتين- انحصر الاختيار فيهما، وعليه أن يعين واحدة منهما، حكاه الإمام والرافعي في "نكاح المشركات".
قال: فإن قال: هذه، لا بل هذه، طلقت الأولى دون الثانية؛ لأن التعيين ها هنا ليس إخباراً عما سبق؛ وإنما هو إنشاء اختيار، وليس له إلا اختيار واحدة؛ فيلغو اختيار ما بعدها، ولا فرق في ذلك بين أن يوقع الطلاق عند التعيين، أو يسنده إلى وقت إطلاق اللفظ المبهم- على ما سيأتي- لأنا وإن أسندناه، فلا نجعل التعيين إخباراً، وإنما هو إنشاء تتمة اللفظ، ويخالف الحالة الأولى؛ فإنه يخبر هناك عن أمر سابق، ويجوز أن يكون صادقاً في الخبر الأول، وكذلك في الثاني، فإذا اجتمع الإقراران لم يكن بد من الواحدة بهما.
فرع: لو قال: امرأتي طالق، وله امرأتان، وأشار إلى إحداهما، ثم قال: أردت الأخرى- فهل يقبل منه؟ فيه وجهان، حكاهما الرافعي عن أبي العباس الروياني:
أحدهما: يقبل ذلك منه؟
والثاني: تطلقان.
قال: "وإن وطئ إحداهما، تعين الطلاق في الأخرى على ظاهر المذهب"؛ لأن هذا تعيين شهوة واختيار؛ فصح بالوطء، لدلالته على شهوته واختياره، ولأن الظاهر من حال المسلم أنه إنما يطأ من يحل له وطؤها؛ فصار كوطء الجارية المبيعة في زمن الخيار؛ فإنه يكون فسخاً من البائع، أو إجازة من المشتري، كذا قاله الإمام [، وهذا ما اختاره المزني، وصححه الشيخ في "المهذب"، والبغوي]، والقاضي ابن كج، وقال أبو إسحاق- على ما حاكه عنه البندنيجي-: إنه المذهب. وكذلك
стр. 6792
قاله المحاملي في "المجموع"، وأن سائر الأصحاب صاروا إليه.
قال: "وقيل: لا يتعين"، وهذا اختيار أبي علي بن أبي هريرة، وادعى ابن الصباغ والمتولي: أنه ظاهر المذهب كما في المسألة قبلها، ولأن ملك النكاح لا يحصل بالفعل ابتداء؛ فلا يتدراك بالفعل، وكذلك لا تحصل الرجعة [بالوطء]، ويخالف وطء الجارية المبيعة بشرط الخيار؛ فإن ملك اليمين يحصل بالفعل ابتداء؛ فجاز أن يتدارك بالفعل.
وبنى القفال هذا الخلاف على الخلاف في أن الطلاق بعد التعيين متى يقع، على ما سيأتي:
فإن قلنا: إنه يقع عند اللفظ، فالوطء يتعين.
وإن قلنا: [يقع] عند التعيين، فالفعل لا يصلح موقعاً، وعلى ذلك جرى الغزالي وصاحب "التتمة".
وقضيته: أن يكون الراجح: أن الطلاق يقع [عند] اللفظ، وهو ما ذهب إليه الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب، والروياني وآخرون، وعليه يدل كلام الشيخ في المسألة التي تلي هذه [المسألة]، ورجح أبو علي القول الآخر، وقال: إنه ظاهر المذهب.
التفريع:
إن جعلنا الوطء تعييناً، فلا مهر للموطوءة، وإلا فيطالب بالتعيين، فإن عين الطلاق في الموطوءة، وجب المهر، على ما حكاه في "المهذب" و"التهذيب".
وقال الرافعي: هذا إذا قلنا بوقوع الطلاق عند اللفظ، فإن قلنا بالوقوع عند التعيين، فقد حكى الفوراني: أنه لا يجب، وذكر فيه احتمالاً آخر؛ أخذا من
стр. 6793
وجوب المهر على من وطئ الرجعية، قال: وهذا البناء على طريقة القفال يظهر أنه غير منتظم؛ لأنا حيث قلنا: إن الوطء تعيين، فذاك بناءً على أن الطلاق يقع حين اللفظ، وحيث قلنا: إنه لا يكون تعييناً، [فذاك بناءً على أن الطلاق يقع عند التعيين، وإذا كان كذلك، لم يحسن القول بأنا إن قلنا: إنه لا يكون تعييناً]، وعين الطلاق بعد ذلك في الموطوءة؛ فإن وجوب المهر ينبني على أن الطلاق يقع حين اللفظ أو حين التعيين، بل يتجه القطع بأنه لا يجب المهر على القولين جميعاً، كما ذكره القاضي الحسين في "التعليق".
نعم، إن كان الخلاف في أن الوطء هل يكون تعييناً أم لا، غير مبني على ما قاله القفال- استقام هذا الكلام، والله أعلم.
فرعان:
أحدهما: هل يقوم سائر الاستمتاعات مقام الوطء [في التعيين]؟ فيه وجهان؛ بناءً على الخلاف في أن المباشرة فيما دون الفرج هل تحرم الربيبة؟
الثاني: هل يمنع من وطء ابنتها؟
قال: البندنيجي في "مذهبه" وابن الصباغ في "شامله" وغيرهما: إن قلنا: إن الوطء تعيين، لم يمنع، وإلا فيمنع، قال البندنيجي [في "التعليق"]: وهو ظاهر كلام الشافعي. وكذلك حكاه القاضي الحسين في "التعليق).
وفي "الرافعي": أن الأكثرين أطلقوا القول بالمنع منهما جميعاً، وقضية ما ذكرناه من أن المذهب أن يكون تعييناً [أنه لا يمنع].
هذا ما وقفت عليه في كتب أصحابنا، ورأيت في كتاب الوزير ابن [هبيرة- الذي حكى فيه ما أجمع عليه الأئمة الأربعة وما اختلفوا فيه-: أن] ابن أبي هريرة من أصحابنا قال: إذا طلق واحدة من زوجاته لا بعينها أو بعينها، طلاقاً رجعياً، ثم
стр. 6794
نسيها- أنه لا يحال بينه وبين وطئهن، وله أن يطأ أيتهن شاء، وإذا وطئ واحدة، انصرف الطلاق إلى غير الموطوءة، وهذا بخلاف ما حكيته من قبل، والله أعلم.
قال: وإذا عين، أي: إما بالقول، أو بالوطء إن رأيناه، وجبت العدة من حين الطلاق، وقيل: من حين التعيين، والأول أصح. وهذا الخلاف مبني على الخلاف في أن الطلاق متى يقع؟ وفيه قولان على ما حكاه القاضي، ووجهان على ما حكاه الرافعي:
أحدهما: أنه يقع من حين اللفظ؛ لأنه جزم بالطلاق ونجزه؛ فلا يجوز تأخيره، إلا أن محله غير معين، فيؤمر بالتعيين ولأن التعيين يبين التي اختارها للنكاح؛ فيكون اندفاع الأخرى باللفظ السابق؛ كما أن التعيين فيما إذا أسلم على أكثر من أربع نسوة لما تبين به من يختارها للنكاح كان اندفاع [نكاح الأخريات] بالإسلام السابق.
والثاني: من حين التعيين؛ لأنه لو وقع قبل التعيين لوقع لا في محل، والطلاق شيء معين؛ فلا يقع إلا في محل معين، ولكن قول الزوج: إحداكما طالق، جَزْمٌ منه بالإيقاع؛ فاقتضى إيقاع الحيلولة؛ فإن الطلاق وإن لم يتم قد صدر صدوراً لا يرد؛ فلم يستقل ليقع، ولم يعلق لينتظر متعلَّقه؛ فكان مقتضاه إلزام الزوج إتمامه ولو بعد حين، فإذا أتمه إذ ذاك، وقع؛ فكأنه أوجب الطلاق ولم يوقعه، وقد يعبر عن هذا الخلاف بأن إرسال اللفظ المبهم إيقاع طلاق، أو التزام طلاق في الذمة؟ وقد صرح بذلك القاضي في "التعليق".
فإن قلنا: إنه طلاق موقع، فالطلاق يقع من وقت اللفظ، وحكم العدة كذلك.
وإن قلنا بالثاني، فالطلاق يقع من وقت التعيين، وتعتد من ذلك الوقت.
وقال ابن أبي هريرة: الطلاق يقع من حين اللفظ، والعدة من حين التعيين؛ فإن العدة قد تتأخر عن الطلاق، كما لو وطئت بشبهة بعد الطلاق، كذا حكاه البندنيجي عنه، وهو كالوجه المخرج في المسألة الأولى.
стр. 6795
وقال الإمام: هو هو. وحكى عن القاضي الحسين تشبيه الخلاف في وقت وقوع الطلاق، بالخلاف في أن القسمة بيع أو [إفراز حق] وقرره، ثم قال: وقد بالغ القاضي في استنباط ذلك، وأحسن في الإيضاح بأن الدار كانت على الشيوع حسّاً، كما جرى اللفظ على الإبهام فيما نحن فيه، وتمييز الحصة ثم كتعيين المطلقة والزوجة ها هنا، واستناد التبيين ثم أحرى كاستناد وقوع الطلاق ها هنا، والمصير ثم إلى أن القسمة هي المفيدة للتخصيص على الابتداء بمثابة مصيرنا إلى أن التعيين هو الذي يفيد الوقوع متصلاً به غير مستند إلى اللفظ.
قال: "والنفقة عليه إلى أن يعين"، أما إذا قلنا بأن الطلاق يقع من حين التعيين؛ فلبقائهما على الزوجية، وأما إذا قلنا بالقول الآخر؛ فلما قدمناه.
قال: فإن ماتت المرأتان قبل التعيين، أي: وكان الطلاق بائناً، وقف من مال كل واحدة منهما نصيب الزوج، أي إلى أن يعين في هذه المسألة، ويبين في المسألة الأولى؛ لأنه قد ثبت إرثه من إحداهما بيقين.
قال البندنيجي: وهذا يبين فساد قول من ذهب إلى أن الطلاق يقع حين التعيين؛ فإنه لو كان كذلك لما صح التعيين بعد الموت، وفي "الإبانة" حكاية وجه: أنه ليس له التعيين بعد الموت؛ بناءً على أن الطلاق يقع من حين التعيين، ومال إليه [البندنيجي، و] الشيخ أبو محمد، وقال تفريعاً عليه: إنه يرثهما جميعاً. فعلى هذا: لا وقف عند إبهام الطلاق.
ولو ماتت إحداهما ففي "الإبانة": أنه إن عين الطلاق في الحية صح، وإن أراد أن يعين [الميتة] بالطلاق فعلى ما ذكرناه.
وقال الشيخ أبو محمد: يتعين الطلاق في الأخرى.
قال الإمام: وهو لعمري سديد لو صح الأصل، ولكن ما ذكره الشيخ- يعني والده- إظهار مَيْلٍ، وما أجمع عليه الأصحاب أن التعيين لا ينحسم بالموت.
[قلت: وهذا بخلاف ما لو قال: إحداكما طالق غداً، فماتت إحداهما، أو طلقها
следующие страницы →