← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 6826–6865 · переход к 6831.

стр. 6826

الأصح في المجموع" للمحاملي، "وقيل: لا يصح"، لأن "الإمساك" معناه: الاستدامة، والاستصحاب، وقد ورد بذلك الكتاب العزيز في قوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، والرجعة ابتداء استحلال؛ فلا تحصل بما ليس فيه معنى الابتداء. وحكى القاضي أبو الطيب والشيخ أبو حامد وغيرهما: الخلاف في أن ذلك صريح أم لا؟ لكن القاضي حكاه قولين، والشيخ حكاه وجهين، و [الراجح منه] عندهما وعند القاضي الروياني وغيرهم: أنه ليس بصريح، وعند القاضي أبي الطيب ابن سلمة والإصطخري وابن القاص: أنه صريح، وهو الأصح في "التهذيب"، وعليه ينبني الخلاف في المسألة. فإن قلنا: إنه صريح، صحت المراجعة، وإلا فلا تصح وإن نوى؛ لما ذكرناه، وقد صرح بذلك الإمام حكاية عن العراقيين. وفي "تعليق" البندنيجي و"المجموع" للمحاملي: أن القائل بعدم الصحة لا يصحح الرجعة إلا بالكلمتين، ويوجهه بأنه استباحة بُضْع مقصود في عينه؛ فوجب أن يقف على كلمتين كالنكاح. قال البندنيجي: وليس بشيء. والمراد بالكلمتين: كلمة "الرجعة" وما اشتق منها، وكلمة "الرد". وفي "الرافعي": أنا إذا قلنا: إنه صريح، فيشبه أن يجيء في اشتراط الإضافة الخلاف المذكور في الرد، والذي أورده في "التهذيب": أنه يستحب أن يقول: أمستك على زوجيَّتي مع حكايته الخلاف في الاشتراط هناك. وإن قلنا: إنه ليس بصريح، فهل هو كناية؟ فيه وجهان: أظهرهما: نعم، وبه قال الشيخ أبو علي والقاضي الحسين. والثاني: المنع. وإن قلنا: بالثاني لم يصح وإن نوى، وإن قلنا بالأول ففي الصحة عند وجود النية عند المراوزة وجهان مبنيان على اشتراط الإشهاد، وفيه قولان: أصحهما: أنه لا يشترط، بل هو مستحب، وهو الجديد على ما حكاه الإمام وغيره. ومقابله هو القديم، والذي ذكره العراقيون. قال الرافعي- وهو الأثبت-: إن قوله

стр. 6827

في القديم و"الأم": عدم الاشتراط، ونسبوا قول الاشتراط إلى "الإملاء". [فإن قلنا: لا يشترط، صحت الرجعة بالكناية مع النية، وكذلك بالكناية مع البينة، وإن قلنا: يشترط، فلا]. قال الإمام؛ لأنه لا مطلع للشهود على النيات، وقد يقال: يشهد الشاهد على اللفظ، ويبقى التنازع في النية، وهذا بمثابة قولنا: المقصود من الشهود إثبات النكاح، [وإثبات النكاح] عند فرض الجحود، ثم لا يشترط الشهادة على رضا المرأة، وهو عماد النكاح؛ فإنها إذا جحدت الرضا فالشهادة على عقد النكاح لا تغني شيئاً. والوجه هو الأول؛ فانتظم من مجموع ما ذكرناه في المسألة ثلاثة أوجه. ثالثها: إن نوى صحت، وإلا فلا. قال: وإن قال: تزوجتها، أو: نكحتها- فقد قيل: لا يصح؛ لأن لفظ "العقد" يقتضي عوضاً؛ فلا ينعقد به ما لا يقتضي عوضاً كالهبة بلفظ النكاح، والهبة بلفظ البيع. ووجهه ابن الصباغ: بأن النكاح كناية في "الرجعة"، والرجعة لا تصح بالكناية [كالنكاح]، وهذا هو الأصح في "التهذيب"، و"المذهب" عند البندنيجي. قال: "وقيل: يصح"؛ لأنهما صالحان لابتداء العقد على الأجنبية، فلأن يصلحا للتدارك وتقويم المزلزل أولى. وفي طريقة المراوزة حكاية وجه: أنه إن نوى [مع] ذلك الرجعة صحت، وإلا فلا. ومثل هذا الخلاف جار فيما إذا جرى العقد على صورة الإيجاب والقبول. قال الروياني في التجربة: والأظهر الصحة؛ لأن العقد آكد في الإباحة. فائدتان: إحداهما: صرائح الرجعة هل تنحصر؟ قال العراقيون: هي محصورة في "الرجعة"، و"الارتجاع"، و"المراجعة"، وفي "الرد" و"الإمساك" و"النكاح" الخلاف المتقدم. وقال الشيخ أبو علي: لا تنحصر، بل كل لفظ ينبئ عن المقصود كقوله: "رفعت ما

стр. 6828

بيننا من الحرمة"، أو ما [شابهه مما] يجري مجراه مما يفيد الغرض- يكون صريحاً في الرجعة. وسبب الاختلاف في الإمساك تردد المفسرين في قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] وسبب الاختلاف في النكاح: إقامة الأقوى مقام الأدنى. الثانية: هل تصح الرجعة بغير العربية من اللغات؟ قال الرافعي: الصحيح الصحة. وفيه طريقان آخران: أحدهما: إن كان يحسن العربية لا تصح، وإن لم يحسنها فوجهان. [والثاني: إن كان لا يحسنها صح بلا خلاف، وإن كان يحسنها فوجهان]. والأخرس تصح رجعته بإشارته المفهمة؛ كما يصح نكاحه. قال: ولا يصح تعليق الرجعة على شرط، ولا تصح في حال الردة كالنكاح. وقال المزني: إذا راجع في حال الردة تكون الرجعية موقوفة، فإن اجتمعا على الإسلام في العدة تبينا صحتها، وإلا فلا [؛ كما في طلاقه. قال الإمام: وهذا له وجه، ولكن لم أر أحداً من الأصحاب] يجعله قولاً مخرجاً. والفرق بينها وبين الطلاق: أن المقصود من الرجعة الاستباحة، وهي لا تحصل في حال الردة، والمقصود من الطلاق التحريم، والردة محرمة؛ فتناسب وليست الردة كالحيض والنفاس والإحرام، إذا لم يجعل الإحرام مانعاً من الرجعة؛ لأن هذه الأسباب عارضة، ولا أثر لها في زوال النكاح. فروع: أحدها: إذا وطئت الرجعية بشبهة، فهل تصح رجعتها؟ إن كانت في عدة الزوج صحت على المذهب، وإن كانت في عدة الوطء وعلقت منه، وبقيت عدة الزوج متأخرة- فهل تصح؟ على وجهين، وادعى في "التتمة": أن ظاهر المذهب الصحة، وذلك مفرع على جواز الرجعة [في عدتها]، وسنذكر طرفاً من ذلك في باب العدد.

стр. 6829

الثاني: تعليق الطلاق على الرجعة صحيح، كما إذا قال: مهما راجعتك فأنت طالق، فإذا وجدت الصفة طلقت. وعن رواية القاضي الحسين: أن هذا التعليق لاغٍ؛ لأن مقصود الرجعة الحل، ولا يجوز تعليق نقيضه به. وفي "التتمة" وجه: أن الرجعة لا تصح؛ لأن مقتضى الرجعة أن يعود إلى صلب النكاح، وهذه الرجعة قد قارنها ما يمنع مقتضاها. الثالث: هل تصح الرجعة على الإبهام؟ فيه وجهان محكيان في "الرافعي" ها هنا، وفي "الوسيط" في القسم الرابع من كتاب الإيلاء في الحلف بالطلاق، وصورتها: ما إذا طلق إحدى امرأتيه على الإبهام، ثم قال: راجعت المطلقة منهما، والأصح: أنها إذا لم تقبل التعليق لا تقبل الإبهام وإطلاق ابن الصباغ في هذا الموضع يقتضي الجواز من غير خلاف. وقد نجز الكلام فيما تحصل به الرجعة، وبقي الكلام في المرتجع، ولم يتعرض له الشيخ، وجعله غيره ركناً في الرجعة، وقال: هو كل زوج مكلف يصح نكاحه قد وجد منه طلاق رجعي كما بيناه، سواء كان حرّاً أو عبداً، مسلماً أو كافراً. فلا يصح رجعة المجنون؛ إذ لا حكم لقوله، وهل تصح من وليه؟ قال الرافعي: ينبغي أن يجوز له ذلك حيث يجوز له ابتداء النكاح، لكن إذا جوّزنا التوكيل بالرجعة- وهو الأظهر- فإنما نفرض ذلك إذا طلق زوجته في حال إفاقته، ثم جن. [قال:] ولا يتصور في حق الصبي. قلت: بل يتصور على رأي، لكنه مبني على قواعد مختلف فيها؛ فلذلك لم نذكره، وهو ما إذا زوجه الولي وهو موسر، ثم أعسر بالنفقة؛ حيث قلنا بوجوبها عليه، وجوزنا الفسخ بمثل ذلك، ففسخ الحاكم النكاح، وقلنا: إن ذلك فرقة طلاق، ثم أيسر الصبي بعد ذلك في زمن العدة فإنه يتجه في هذه الصورة أن يجوز للولي الرجعة؛ حيث يجوز له أن يقبل النكاح وهذا لم أره لأحد، ولكني خرجته على [ما ذكروه] من الأصول، فلم أجدها تأباه. وأما السفيه فحيث يصح نكاحه تصح رجعته، وحيث لا فلا. صرح بذلك مجلي.

стр. 6830

وأما العبد فقد تقدم الكلام فيه في أول الباب. قال: وإن قال: راجعتك قبل انقضاء العدة، وقالت: بل انقضت عدتي، [ثم راجعتني]-: فإن كانت المرأة سبقت بدعوى انقضاء العدة، [ثم قال الرجل: كنت راجعتك]. فالقول قولها، [وإن سبق الرجل بدعوى الرجعة، ثم ادعت هي انقضاء العدة- فالقول قوله]. اعلم أن صورة المسألة- على ما حكاه الرافعي والمتولي وغيرهما-: أن يتفقا على مضي ثلاثة أقراء- مثلاً- وجريان صورة الرجعة، وإخبارها [بأن عدتها قد انقضت]، من غير أن يتفقا على وقت الرجعة، وعلى وقت انقضاء العدة إن لم تجر رجعة؛ فإن الشافعي- ﵁ نص في "الأم" في هذه المسألة على أن القول قول المرأة من غير تفصيل، ونقله المزني وكذلك قال في المرتد: إذا عاد إلى الإسلام واختلف هو والزوجة، فقالت: انقضت عدتي قبل أن تعود إلى الإسلام، [وقال: بل عدت إلى الإسلام قبل أن تنقضي-: إن القول قول المرأة]، وقال في "نكاح المشركات": إذا أسلمت الزوجة، وتخلف في الشرك، ثم أسلم، فقالت: أسلمت بعد انقضاء عدتي، وقال: بل قبل انقضائها- إن القول قول الزوج. وإن الأصحاب اختلفوا في ذلك على ثلاث طرق: إحداها: أن في ذلك قولين بالنقل والتخريج. أحدهما: أن القول [قوله؛ استبقاءً للنكاح، كما جعل القول قوله في دعوى الوطء في الإيلاء والعنة لهذا ولأن الأصل بقاء الرجعة. والثاني: أن القول] قولها؛ لأنها تخبر عما لا مطلع عليه إلا من جهتها، ولابد من ائتمانها وتصديقها فيه، والزوج يخبر عن الرجعة، ولا ضرورة في تصديقه؛ لتمكنه من الإشهاد عليها، وهذه الطريقة اختارها القاضيان أبو حامد والطبري، ولم يحكها الشيخ أبو حامد.

стр. 6831

والطريقة الثانية: أن النصين يتنزلان على حالين، وأن الاعتبار بمن سبقت دعواه منهما: فإن كانت المرأة سبقت بدعوى انقضاء العدة، ثم قال الرجل: كنت راجعتك- فالقول قولها؛ لأن الأصل حصول البينونة وعدم الرجعة، وإن كان الرجل قد سبق بدعوى الرجعة، ثم ادعت هي انقضاء العدة- فالقول قوله؛ لأنه يملك الرجعة، وقد صحت في الظاهر؛ فلا يقبل قولها في إبطالها، وهذه الطريقة هي المذكورة في الكتاب، وهي محكية عن أبي العباس وأبي إسحاق، وصححها الرافعي، وقال الشيخ أبو حامد: لا يجيء على المذهب سواها. وفصل القفال فيما إذا سبق الرجل بدعوى الرجعة، فقال: إن كان قول المرأة: قد انقضت عدتي، متراخياً عن قوله، فالحكم كما تقدم، وإن كان متصلاً به، فهي المصدقة بيمينها؛ لأنا نجعل إقراره بالمراجعة في زمان العدة كإنشاء الرجعة في الحال، فقولها عقيبه: انقضت عدتي، إخبار عن أمر كان من قبل؛ فكأن قوله: راجعتك صادف انقضاء العدة؛ فلا يصح. وعلى ذلك جرى صاحب "التهذيب" و"التتمة". قلت: وما قاله القفال من أن الإقرار بالرجعة في زمان العدة يجعل كإنشاء الرجعة في الحال، قد يمنع منه كما سيأتي، بل يمكن أن يكون لما قاله مأخذ غير ذلك، وهو أن من القواعد المؤسسة في المذهب: أن [من] قدر على الإنشاء قدر على الإقرار، ومن لا فلا، ولا يخرج عن هذه القاعدة إلا ما نبهت عليه في كتاب النكاح. وإذا كان كذلك، [فالزوج لو أراد إنشاء الرجعة في الوقت الذي أقر فيه بالرجعة لم يقدر على ذلك؛ لمصادفته انقضاء العدة، وإذا كان كذلك] لم نحكم بصحة إقراره؛ عملاً بالقاعدة المذكورة، والله أعلم.

стр. 6832

وفي "النهاية": أن معظم الأصحاب حملوا النص على ما حكيناه عن القفال وغيره- فيما إذا كان [قولها] متصلاً بقوله، لكنه صوَّر ذلك بما إذا قال الزوج: أردت إنشاء الرجعة، وقال فيما إذا قال: أردت الإخبار عن رجعة سابقة-: إن ذلك يخرج على الصور [السابقة] التي تقدمت في كتابه، وسنذكرها إن شاء الله تعالى. والطريقة الثالثة: أن قول كل واحد منهما مقبول فيما يخبر به، فيقال للزوج: أي زمان راجعتها فيه؟ فإذا قال: في يوم كذا، فإن صدقته المرأة ثبت، وإن كذبته كان القول قوله مع يمينه، ويقال لها: أي وقت انقضت عدتك؟ فإذا عينت وقتاً: فإن صدقها [ثبت ذلك]، وإن كذبها فالقول قولها مع يمينها، وإذا ثبت الوقتان نظرنا أيهما أسبق حكمنا به وهذه الطريقة اختيار أبي على الطبري في "الإفصاح". قال: "وإن ادَّعيا معاً" أي: بأن قال: قد ارتجعتك، وقالت في زمان هذا القول [منه]: قد انقضت عدتي [فالمذهب أن القول قول المرأة]، أي: مع يمينها. قال البندنيجي حكاية عن ابن سريج: لأن قولها إخبار عن انقضاء عدتها؛ فيكون إخبارها بعد انقضاء المدة، فيصادف قوله: راجعتك، بعد [انقضاء] العدة؛ فلا يكون رجعة. قال: و"قيل: يقرع بينهما"؛ لاستوائهما في الدعوى، فعلى هذا من خرجت له القرعة قدم، لكن هل يحلف معها؟ فيه وجهان محكيان في الجيلي. وقيل: القول قوله. ثم لتعلم أن هذه المسألة مفرعة على القول بتقديم السابق؛ فإن ظاهر ما حكاه البندنيجي من التعليل يقتضي أن يكون المراد بدعوى الزوج الرجعة [إنشاء المراجعة]، لا الإخبار عنها، لكني رأيت في "المجموع" للمحاملي تصدير المسألة بما إذا أقر الزوج بالرجعة، وأقرت المرأة بانقضاء عدتها في وقت واحد،

стр. 6833

وعليه يدل ما حكيته من قبل عن القفال، وهو الذي يظهر أن يكون مراد الشيخ؛ إذ لو كان المراد به إنشاء الرجعة لم يكن للقرعة وجه أصلاً؛ لعدم التساوي نعم، له اتجاه ما إذا كان الصادر عن الزوج إخبار عن الرجعة؛ ليقابل إخبارها بإخباره؛ فتجيء القرعة لعدم المرجح. وفي "النهاية" وغيرها حكاية صور أخر في تصوير المسألة الأولى، فلنذكرها، فإذا اتفقا على وقت انقضاء العدة، وقال الزوج: راجعتك قبله، وقالت: بل بعده، أو اتفقا على وقت الرجعة، وقالت: [كانت عدتي قد انقضت قبله، وقال الزوج: بل بعده- فالقول] قول من ادعى المتفق على وقته على الظاهر، وبه أجاب المراوزة أصحاب القفال وغيرهم، وعليه جرى صاحب "التهذيب" و"التتمة". ووراء الظاهر وجهان آخران حكاهما الإمام وغيره: أحدهما: أن القول قول الآخر، وعزاه إلى رواية صاحب "التقريب" والعراقيين. والثاني: أن النظر إلى السابق في الدعوى كما ذكرناه من قبل، وقال: هذا الوجه ارتضاه صاحب "التقريب"، واختاره العراقيون. ثم قال بعده في الصفحة حكاية عن العراقيين: إن من ابتدر منهما فالحكم لقوله بلا خلاف، وإن أنشآ قوليهما معاً، فحينئذ وجهان: أحدهما: أن القول قول المرأة. والثاني: أن القول قول الزوج، وهذا قد يظهر أنه يحتاج إلى تأمل. ولو اتفقا على وقت انقضاء العدة، وادعى الزوج الرجعة قبله، وأنكرت المرأة أصل الرجعة- قال صاحب "التقريب": القول قول المرأة بلا خلاف. قال الإمام: وهذا عندي خطأ صريح؛ فإنها إذا اعترفت بالرجعة بعد العدة، فذاك الاعتراف لا حكم له؛ فإنها ما أقرت برجعة، وإنما أقرت بالتلفظ بصفة الرجعة لا بحقيقتها؛ فلا فرق وإذا قال الزوجان: نعلم حصول الأمرين: الرجعة، وانقضاء

стр. 6834

العدة على الترتيب، ولا ندري أيهما السابق- فالأصل بقاء العدة وولاية الرجعة. ولو اختلفا في حصول الرجعة والعدة باقية، فالقول قول الزوج. وعن صاحب "التقريب" رواية وجه: أن القول قولها، [فإن أراد الرجعة] فعليه إنشاؤها وإذا قبلنا قوله، فقد أطلق جماعة منهم صاحب "التهذيب" والمحاملي، عند الكلام فيما إذا ادعيا معاً- أن إقراره ودعواه يجعل إنشاء للرجعة، وقد حكي ذلك عن القفال أيضاً. وذكر الشيخ أبو محمد أن من قال به يجعل الإقرار بالطلاق إنشاء أيضاً. قال الإمام: وهذا لا وجه له، وتابعه الغزالي، فقال: والصحيح أن إخباره لا يجعل إنشاء. وهذا كله إذا لم تكن المرأة قد نكحت، أما إذا كانت قد نكحت بعد انقضاء العدة، ثم ادعى الزوج الأول أنه راجعها قبل انقضاء العدة- فإن أقام على ذلك بينة سلمت إليه، وإن لم تكن له بينة وصدقاه سلمت إليه، وإن كذباه فالقول قولهما، ولابد من يمين الزوج، وهل يفتقر إلى يمين الزوجة والحالة هذه؟ فيه قولان حكاهما البندنيجي، ووجه عدم الافتقار: أنه لا فائدة في يمينها؛ فإنها لو أقرت لم تسلم إليه؛ لإنكار الزوج الثاني. وإن صدقته، وكذبه الزوج الثاني- فالقول قوله مع يمينه، وهذا بخلاف ما إذا ادعى على امرأة في [حبال] رجل أنها زوجته، فقالت: كنت زوجة لك وطلقتني؛ حيث يكون [ذلك] إقراراً له، وتجعل زوجة له، والقول قوله في أنه لم يطلقها، وقد صرح بذلك القاضي الحسين في "التعليق". قال الرافعي: لأن هناك لم يحصل الاتفاق على الطلاق، وها هنا حصل، والأصل عدم الرجعة، ويلزمها في مسألتنا للزوج الأول مهر مثلها؛ لأنها فوتت البضع عليه بالنكاح الثاني. وقال أبو إسحاق: لا غرم عليها؛ كما لو قتلت نفسها أو ارتدت. وإن نكل لزوج الثاني حيث توجهت عليه اليمين، وحلف الأول- حكم بارتفاع

стр. 6835

نكاح الثاني. ثم إن قلنا: إن اليمين المردودة كالبينة، فكأنه لم يكن بينها وبين الثاني نكاح، ولا شيء لها على الثاني إلا إذا كان قد دخل بها؛ فيجب لها مهر المثل. وإن قلنا: إنها كالإقرار، فإقراره عليها غير مقبول، فلها كمال المسمى إن كان بعد الدخول، ونصفه إن كان قبله. قال في "المهذب" وعلى القولين جميعاً لا تسلم إلى الزوج. وفي "الشامل": أنها تسلم إليه؛ كما لو أقام البينة. وقال في "التهذيب": الصحيح عندي [أنها] وإن جعلت كالبينة، فلا تؤثر في سقوط حقها [من المسمى]، بل يختص أثر اليمين المردودة بالمتداعيين. وإذا انقضت الخصومة بينهما: إما بالحلف كما ذكرناه، أو بتصديق الزوج الثاني- فالدعوى على الزوجة: فإن كذبته فالقول قولها، مع يمينها: أنها لا تعلم أنه راجعها، كذا قال في "الشامل"، وهو موافق لما حكاه الإمام عن صاحب "التقريب" فيما إذا أنكرت الزوجة أصل الرجعة؛ إذ زوجية الثاني قد زالت بتصديقه للأول. وهذا كله فيما إذا ادعى على الزوج الثاني، وسمعنا الدعوى عليه، كما ذهب إليه المحاملي وغيره من العراقيين، أما إذا قلنا: الدعوى عليه غير مسموعة، وهو المذهب في "النهاية"- فيتعين- للمرأة الدعوى عليها، وفي سماعها- أيضاً- خلاف ينبني على أنها إذا أقرت، وأنكر الزوج الثاني: هل تغرم [للزوج الأول]؟ وفيه الخلاف السابق. فإن قلنا: إنها لا تغرم، لم تحلف. وإن قلنا: إنها تغرم، حلفت، فلو نكلت حلف الزوج وغرمها المهر. وإذا زال النكاح الثاني عنها وجب عليها تسليم نفسها إلى الأول، وفيه وجه: أنها تسلم إليه الآن؛ بناءً على أن يمين المدعي [مع نكول المدعى] عليه كالبينة،

стр. 6836

وعليه ينبني- أيضاً- سماع الدعوى إذا قلنا: إنها لا تغرم. فروع: لو كانت الرجعية أمة، فكل موضع قلنا فيه: القول قول الزوج إذا كانت حرة، فكذلك في الأمة، وكل موضع قلنا فيه: القول قول الحرة، ففي الأمة: القول قول السيد، قاله في "التتمة". وقال ابن الصباغ: إنه الذي يجيء على المذهب. إذا ادعت الزوجة أن الرجعة وقعت بعد انقضاء العدة، وجعلنا القو قولها، وحلفت، ثم رجعت وادعت أنها كانت في العدة- قبل ذلك منها، وسلمت على الزوج هذا هو المشهور، [و] في الإشراف: أن قولها على قولين، وهذا بخلاف ما إذا زوجت المرأة في صورة تفتقر صحة النكاح إلى إذنها، فأنكرت الإذن، وحلفت، ثم عادت واعترفت به- فإنه لا يقبل ذلك منها، نص عليه الشافعي في "الإملاء"- على ما حكاه البندنيجي؛ لأن رجوعها عما حلفت عليه في مسألة الرجعة معتضد بأن الأصل بقاء العدة، وفي مسألة الإذن: الأصل عدم الإذن فعضد قولها الأول. [وفي الإشراف: أن القاضي أبا سعيد الإصطخري استبعد النص في مسألة الإذن]. وحكى الغزالي في "الوجيز" أن الأظهر قبول الرجوع. قال: وإذا طلق الحر امرأته دون الثلاث، أو العبد امرأته طلقة، ثم رجعت إليه برجعة أي: في العدة بشرطها كما تقدم، "أو بنكاح" أي: ولو بعد زوج آخر قد دخل بها- عادت بما بقى من عدد الطلاق، خلافاً لأبي حنيفة فيما إذا عادت إليه بعد دخول الزوج الثاني بها؛ فإنها تعود إليه عنده بثلاث طلقات حيث يكون الزوج يملك ثلاث طلقات، وبطلقتين حيث يكون الزوج يملك طلقتين. واستدل أصحابنا بما روي أن عمر- ﵁ سئل عن رجل طلق امرأته [تطليقة أو تطليقتين]، ثم انقضت عدتها، وتزوجت غيره، ثم طلقها، ثم

стр. 6837

تزوجها زوجها- فقال: هي عنده على ما بقي وروي هذا القول عن أبي بن كعب، وعمران بن الحصين، وعلي، وأبي هريرة، ولم يظهر له مخالف من الصحابة. وبأنها إصابة ليست بشرط في الإباحة؛ فلم تؤثر في الطلاق كإصابة السيد وهذا إذا لم يتغير حاله، أما إذا تغير فسنذكره. فرعان: أحدهما: إذا طلق الحر الذمي زوجته طلقة، ثم جرى منه ما يوجب نقض العهد، فاسترق، ثم نكحها بإذن سيده- لم يملك عليها إلا طلقة. ولو كان قد طلق طلقتين- والصورة هذه- ملك عليها- أيضاً- الطلقة الثالثة على الصحيح. والثاني: إذا طلق العبد امرأته طلقة، [ثم عتق]، ملك عليها طلقتين، ولو كان قد طلق طلقتين، ثم عتق، فالذي ذكره الأصحاب بأجمعهم: أنه لا ينكحها حتى تنكح زوجاً غيره. وفي "الوسيط" قبل الكلام في طلاق المريض حكاية وجه غريب: أن له أن ينكحها. قال: وإن طلق الحر امرأته ثلاثاً، أو طلق العبد امرأته طلقتين- حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره، ويطأها في الفرج، أي: سواء كان الطلاق قبل الدخول أو بعده، في نكاح واحد أو أكثر، دفعة واحدة أو أكثر: أما في الحر؛ فلقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] والمراد بالطلاق: الطلقة الثالثة وبالنكاح الوطء؛ لأنه قد ورد في الكتاب العزيز بمعنى "العقد" في قوله: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ﴾، وبمعنى الوطء في قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣] وإذا احتمل الأمرين ترجح ما ذكرناه؛ لورود السنة به، قالت عائشة- ﵂: "جاءت امرأة رفاعة بن رافع القرظي إلى

стр. 6838

رسول الله ﷺ فقالت: إني كنت عند رفاعة، فطلقني فَبَتَّ طلاقي، فتزوجت بعده بعبد الرحمن بن الزبير وإن [ما] معه مثل هدبة الثوب، فقال عبد الرحمن: كذبت يا رسول الله، و [والله] إني لأعركها عرك الأديم العكاظي؛ فتبسم رسول الله ﷺ وقال: تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟! لا: حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك"، وأراد بذلك [الوطء] وسماه عسيلة؛ تشبيهاً بالعسل. ورفاعة: بكسر الراء. وابن الزبير: بفتح الزاي وكسر الباء المعجمة بواحدة. وهدبة الثوب- بضم الهاء-: حرفه. وبما ذكرناه عن أبي علي الفارسي في أول كتاب النكاح. قال المحاملي: ولأنا لو لم نجعل الإصابة شرطاً لكان التزويج يكون لأجل الإحلال، لا لأصل الاستمتاع، والنكاح إنما يراد للاستمتاع لا للإحلال، وأما في العبد؛ فلأنه قد استوفى ما يملكه من الطلاق؛ فلم تحل له إلا بما ذكرناه كالحرة. تنبيه: إنما عني الشيخ- ﵀ تحريمها عليه بالنكاح والوطء فيه، ولم يذكر طلاق الزوج إياها، وانقضاء عدتها منه؛ لكون ذلك معلوماً مما تقدم، أو لما قاله المحاملي في "المجموع": إن ذلك إنما يراد للتمكين من التزويج بها، وطلاق [الثاني] يراد لزوال الزوجية، وانقضاء العدة يراد حتى لا تكون في عدة من غيره، وكأن المقصود من هذا أنها إذا وطئها الزوج صارت كسائر النساء المزوجات في حقه وحق غيره، وارتفع التحريم الخاص بالمطلق. واعلم أنه لا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون الزوج حرّاً أو عبداً، مسلماً أو كافراً، إذا كانت الزوجة كافرة، وكان وطؤه في وقت لو ترافعا إلينا لأقررناهما على النكاح، ولا بين أن يكون عاقلاً أو مجنوناً، بالغاً أو مراهقاً. قال الشيخ مجلي: وقد حكى الشيخ أبو محمد قولاً غريباً: أن الصبي وإن قارب الحلم، وحصل منه الانتشار، لا يحصل به الإحلال.

стр. 6839

قال الإمام: ولم أره لغيره. وفي "التتمة": أن أبا حامد المرْوَرُّوذِي حكى أن الشافعي- ﵁ قال في كتاب "الإملاء": إن وطء الصبي الذي يجامع مثله كوطء الكبير، إلا في مسألتين: لا يحلها لزوجها، ولا يحصنها. [وكذلك حكاه ابن الصباغ في باب حد الزنى عن نصه في كتاب نكاح "الإملاء"]؛ فلعله أخذه من هذا الإطلاق. وأما غير المراهق إن لم يتأت منه الجماع، كابن أيام معدودة- فالذي حكاه الإمام ها هنا: أن الذي أطلقه الأصحاب أن التحليل لا يحصل به، وهو ما جزم به القاضي الحسين، والبندنيجي في "تعليقه"، والمحاملي في "مجموعه"، وقال الرافعي: إنه الأصح. ووجهه مجلي بأنه لا يلتذ بذلك. وأيضاً: فإن اشتراط الزوج كان لأجل الزجر عن إيقاع الطلاق الثلاث؛ فإنه لابد أن يعقبه ندم- في غالب الحال- ويطلب الرجعة، فشرط فيه إصابة زوج؛ ليكون آكد في الزجر؛ لما فيه من الغيرة التي تلحق مثله، ولا تحصل مثل تلك الغيرة من وطء الصبي؛ فلم يلتحق بما ذكرناه. واختيار القفال: أنه يحلل، وهو ما دل عليه كلام الإمام في باب الشغار، والتحليل؛ حيث حكى اتفاق الطرق على الاكتفاء من غير تفصيل، وعليه يدل كلام الغزالي في مسألة الحيلة للفرار من الغيظ. وكذا لا فرق بين أن تكون الزوجة عاقلة أو مجنونة، حرة أو أمة، كبيرة أو صغيرة، إذا كانت ممن يوطأ مثلها، وإن كانت ممن لا يوطأ مثلها لم يحصل، قاله في "الذخائر"، وفي "الرافعي" حكاية خلاف فيها عن الشيخ أبي الفرج. قال: "وأدناه: أن تغيب الحشفة في الفرج" أي: [من غير حائل] إذا كانت ثيباً؛ إذ به تتعلق أحكام الوطء. أما إذا كانت بكراً فأدناه: أن يفتضها بآلته، قاله في "التهذيب" [وحكاه [الإمام عن

стр. 6840

المحاملي] ووجهه بأن التقاء الختانين لا يحصل إلا بعد الافتضاض]. [ولو كان ذلك مع حائل من ثوب ففيه خلاف حكاه الرافعي في "أدب القضاء" له، ومحل استقصائه كتاب الطهارة]. فإن قيل: لم علق الشرع حكم الحل بتغييب الحشفة؟ قال الإمام في أجل العنين: انقدح فيه- بعد الإتباع- أنها الآلة الحساسة، وبها الالتذاذ؛ ولهذا سماها رسول الله ﷺ العسيلة في الحديث، وظني أني قدمت هذا الجواب من قبل. ولا فرق في ذلك بين أن يكونا مختونين أو غير مختونين، ولا بين أن يكون ذلك مع قوة انتشار الزوج أو ضعفه، وكان يستعين بإصبعه أو بإصبعها. أما إذا لم يكن له انتشار أصلاً، فإطلاق الشيخ في "المهذب" يقتضي أنها لا تحل باستدخاله. وفي "النهاية" قبل باب نكاح المحرم: أن العراقيين قالوا: إن كان الانتشار ممكناً في العضو، ولكن لم يكن منتشراً في ذلك الوقت الذي حصل فيه الاستدخال- فيثبت حكم الوطء وإن كان العضو بحيث لا يتوقع انتشاره فلا يحصل المقصود [باستدخاله]. وكان شيخي يقطع بحصول الوطء بالاستدخال كيف فرض الأمر، وعلى ذلك جرى الرافعي؛ حيث قال: المشهور في كتب الأصحاب: المنع. لكنه ذكر الصورة بأن يكون العجز لـ "عنة" أو "شلل"، ومنقول الغزالي في "الوجيز" حصول التحليل به. وكذا لا فرق في حصول التحليل [بما] ذكرناه بين أن يكون في حالة يحل له وطؤها أو لا يكون كإحرام أحدهما أو حيضها، أو في نهار رمضان، أو على ظن أنه يطأ أجنبية، أو بعد أن ظاهر منها وعاد. ولو وطئها، وهي في عدة وطء شبهة بعد نكاحه إياها- حلت على الأصح من الوجهين ولو وطئها بعد ارتداد أحدهما في العدة، أو في عدة طلقة رجعية- لم تحل، سواء عاد إلى الإسلام وراجع أو لم يكن ذلك، إلا إذا قلنا: إن وطء الشبهة يحلل؛ فإن

стр. 6841

ذلك لا يتقاعد عنه، قاله القاضي الحسين وغيره. وصور الأصحاب ذلك بصور، منها: أن نقول بالقول القديم: إن الخلوة توجب العدة لو استدخلت ماءه أو وطئها فيما دون الفرج، فوصل ماؤه إلى فرجها. قال: "فإن كان مجبوباً، و [قد] بقي من الذكر قدر الحشفة، أي: حشفة ذلك الذكر "أحلها [له] "؛ لحصول الوطء به. وحكى الإمام في أجل العنين [عن العراقيين] وجهاً: أن الحشفة إذا قطعت لا تتعلق الأحكام إلا بإيعاب الباقي، وأن القاضي قال: إنه ظاهر النص ثم قال: والمذهب خلافه. أما إذا لم يبق قدر الحشفة، فلا يحل، والخصي لا يمنع من حصول التحليل؛ كما لا يمنع عدم الإنزال. قال: و"إن وطئها رجل بشبهة، أو كانت أمة، فوطئها المولى- لم تحل؛ لأن الله- تعالى- علق الحل على وطء زوج [غيره] وليس ذلك بوطء زوج. ولا فرق في وطء الشبهة بين أن يظن الواطئ [أنها زوجته أو أمته، وفي طريق المراوزة: أنا إذا قلنا: إن الوطء في النكاح الفاسد يحلل، فهل يكون الوطء] على ظن أنها زوجته محلِّلاً؟ فيه وجهان. وسوى القاضي الحسين في "التعليق" بين أن يكون الوطء بالشبهة والنكاح الفاسد، ولم يرتب. قال: وإن وطئها زوج في نكاح فاسد ففيه قولان: أصحهما: أنها لا تحل؛ كما لا يحصل به التحصين، ولأن إطلاق اسم النكاح ينصرف إلى الصحيح؛ بدليل أنه لو حلف: لا يتزوج، فتزوج نكاحاً فاسداً-[فإنه] لا يحنث. والثاني: أنها تحل، ويحكى عن القديم؛ لأن التحليل حكم من أحكام الوطء، فتعلق بالوطء في النكاح الفاسد كالمهر والعدة والنسب، ولأن إصابة الذمي يحصل

стр. 6842

بها التحليل وأنكحتهم فاسدة، في قول. وقرب بعضهم هذا الخلاف من الخلاف في أن السيد إذا أذن لعبده في النكاح، فنكح نكاحاً فاسداً ووطئ فيه- في متعلق المهر. قال القاضي الحسين: والفرق بينه وبين التحصين: أن التحصين من صفات الكمال والخصال الحميدة؛ فاستدعى وطئاً كاملاً على حكم فراش كامل، وأما التحليل فالإصابة شرعت فيه؛ عقوبة للزوج، وإرغاماً له على صنعه المكروه، وهذا المعنى يحصل في الفاسد حصوله في الصحيح؛ فتعلق به التحليل. فرع: إذا نكح امرأة نكاحاً فاسداً، وطلقها ثلاثاً- قال في "التتمة": المذهب: أنه لا يقع، ويباح له تجديد النكاح عليها. قال: وقد حكينا طريقة أن الطلاق يقع، فعلى هذا: لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره. قال: وإن كانت أمة، فملكها الزوج قبل أن تنكح زوجاً غيره- لم يحل له وطؤها بملك اليمين؛ لظاهر الآية، وهذا هو المذهب. وقيل: يحل؛ لأن الطلقات الثلاث لا تمنع الملك فلا تمنع الوطء بالملك، بخلاف النكاح، والأول أصح؛ لما ذكرناه، ولأن كل امرأة حرم عليه نكاحها لم يجز له وطؤها بملك اليمين كالملاعنة، ويفارق النكاح الملك؛ لأن ملك أخته من الرضاع والنسب والملاعنة يصح، ولا يجوز وطؤها. فإن قيل: أي فرق بين هذه المسألة وبين مسألة الملاعنة؛ حيث ذكرتم ها هنا خلافاً في حل الوطء بملك اليمين، ولم تجوزوه في الملاعنة؟! قلنا: قد حكى القاضي الحسين في كتاب الظهار الخلاف فيها- أيضاً- وعلى تقدير [تسليم] ما ذكرتموه، وهو الموجود في طريقة العراق، فالفرق- كما حكاه ابن الصباغ في كتاب اللعان- من وجهين: أحدهما: أن تحريم المطلقة ليس بمتأبد لأنه يزول بالزوج والإصابة، وتحريم الملاعنة متأبد. الثاني: أن تحريم الطلاق يختص بالنكاح؛ فلهذا حلت بملك اليمين، وتحريم

стр. 6843

اللعان لا يختص به؛ لأنه يصح في النكاح الفاسد. فرع: إذا قلنا بحل الوطء، فهل يجب الاستبراء إذا كان الشراء قبل انقضاء العدة؟ قال الجيلي: فيه وجهان، أصحهما: أنه لا يجب. وفي "النهاية" في هذا الباب: أن الأصحاب قالوا: إذا طلق الزوج زوجته الأمة طلاقاً رجعيّاً، ثم اشتراها في العدة- لا يحل له نكاحها حتى تنقضي بقية العدة بعد الشراء أو ينقضي الاستبراء، على ما سنوضح بقية كلامه في الاستبراء، إن شاء الله تعالى. ووجهه بأنه نقلها من حرمة إلى حرمة، بخلاف ما إذا اشترى زوجته؛ فإنه نقلها من حل إلى حل، وهذا الحكم في مسألتنا من طريق الأولى؛ لشمول العلة، وعدم إمكان إعادة الحل الأول، والخلاف الذي ذكره الجيلي مذكور فيما إذا اشترى زوجته. قال: وإن طلقها ثلاثاً، وغاب عنها، فادعت أنها تزوجت بزوج أحلها [له]، أي: وكان قد مضى زمان يمكن صدقها فيه، ولم يقع في قلبه صدقها- كره له أن يتزوجها؛ أخذاً بالاحتياط، ولا يحرم؛ لأن صدقها محتمل، وتتعذر إقامة البينة على الوطء وانقضاء العدة، وهما من جملة شروطه، وهي مؤتمنة على ذلك، ولأن الوطء يكتم حلاله كما يكتم حرامه، والحيض لا يعرف إلا من جهتها؛ فكان القول قولها. قال الإمام: كيف لا، والأجنبية تنكح، والتعويل على قولها في أنها خلية عن الموانع، وهي في مقام بائع لحم يجوز أن يكون [مذكى و] ميتة، نعم، هل يجب عليه البحث عن الحال؟ قاله أبو إسحاق: إنه يستحب حكاه عنه [ابن الصباغ] وقال القاضي الروياني: أنا أقول: إنه يجب في هذا الزمان، وقد رأيت امرأة ادعت [ذلك] لترجع إلى الأول، وكان الزوج الثاني يحلف بالأيمان المغلظة على أنه ما أصابها، وتبين كذبها، وصدقه. كذا حكاه الرافعي عنه في هذا الباب، وفيما قاله من الاستشهاد نظر؛ فإنه لا يلزم من كذب امرأة واحدة خرم هذه القاعدة. فإن قيل: إذا ادعى المودع تلف الوديعة بسبب ظاهر، كلف إقامة البينة على

стр. 6844

[السبب دون التلف]؛ لأن إقامة البينة عليه ممكنة، بخلاف التلف؛ فإن إقامة البينة عليه متعذرة، فهلا قلتم ها هنا كذلك؟ قلنا: قد أبدى هذا مجلي احتمالاً فيما إذا أمكن إقامة البينة على النكاح بأن تدعي التزوج في البلد دون ما إذا لم يمكن إقامة البينة بأن تكون غريبة أو عُدِمَ شهود العقد، ونحو ذلك، وهو ما حكاه الزبيلي في "أدب القضاء" فيما إذا حضرت امرأة، وادعت أن زوجها طلقها، أو مات عنها، وطلبت من الحاكم التزويج؛ حيث قال: إن كانت غريبة والزوج غائب، فالقول قولها بلا بينة ولا يمين، وإن كان الزوج في البلد، وليست غريبة فلا يعقد الحاكم عليها ما لم تثبت [ما ادعته]، ويمكن أن يفرق بينهما على المذهب المشهور- من أنها لا تكلف [إقامة البينة]، وإن أمكنها ذلك، كما حكاه مجلي عن بعض الأصحاب- بأن إثبات النكاح من غير حجة وخصومة تقام متعذر، والخصومة في الوديعة، قائمة؛ فأمكن معها إقامة البينة، والله أعلم. ثم إذا قبلنا قولها فهو بغير يمين، قاله مجلي، ووجهه الإمام بأن الحلف لا يثبت يقيناً، وقد أوضحنا أن النكاح ينعقد مع الريب. ووجهه مجلي: بأنها لا تدعى حقّاً، ولا يُدَّعَى عليها حق، وإنما هي مثبتة، والعاقد يُقْبَل قوله في انتفاء الموانع. فإن قيل: [قد] ذكرتم عن نص الشافعي فيما إذا كان الولي غائباً، فطلبت من الحاكم أن يزوجها-: "فإنه لا يزوجها ما لم يشهد عدلان بأنه ليس لها ولي حاضر، وأنها ليست في زوجيَّة ولا عدة"، وأن الأصحاب اختلفوا في أن ذلك إيجاب أو استحباب، ووجه الوجوب: الاحتياطُ للأبضاع. وذكرتم أن للقاضي أن يحلِّفها بأن وليها لم يزوجها في الغيبة إن رأى ذلك، وأن مثل هذه اليمين التي لا تتعلق

стр. 6845

بدعوى إيجابٌ أو استحباب؟ فيه خلاف، فهلَّا جرى مثل ذلك ها هنا؛ لما فيه من الاحتياط في البُضْع؟ قلنا: قد حكى الإمام في فصل غيبة الولي أن للزوج أن يعوِّل على قولها، وأنه لم يصر أحد من أصحابنا إلى إيجاب الاحتياط، وإنما ذلك التردد في [] يتعلق بالولي؛ فإن عماد أمره النظر. قال: ويمكن أن يفرق بينهما بوجه آخر، وهو: أن ثَمَّ الحق في التزويج للولي، وهو يدعي غيبته؛ لينوب الحاكم عنه فيه كما في وفاء الدين، وكُلِّفَتْ إقامة البينة على ذلك اليمين لأجل الغيبة، ولا كذلك ها هنا، لكن هذا لا يدفع الخلاف العام في اليمين. واعلم أن الصحاب ذكروا للمسألة ثلاث صور: إحداها: أن يقع في قلبه صدقها؛ فإن له التعويل على قولها من غير كراهة، ونقل مجلي أن من أصحابنا من قال: الورع ألا يتزوجها إلا عن ثَبَتٍ. الثانية: أن يقع في قلبه كذبها؛ فله أن ينكحها لكن مع كراهة، وهو ما قطع به العراقيون وصاحب "التقريب" وغيرهما، وقال الفوراني: ليس له نكاحها. قال الإمام: وهو غلط. الثالثة: أن يشك في صدقها ولم يترجح عنده ظنٌّ؛ فالورع: الاجتناب أيضاً، وكلام الشيخ على هذه الصورة أقرب؛ لأنه لا يلزم من عدم وقوع الصدق في القلب وقوعُ الكذب. والمنقول فيما وقفت عليه من كتب العراقيين: الصورة الأولى والثانية. فروع: لو قال الزوج: أنا أعلم أن الزوج الثاني لم يدخل بها، ثم قال بعد ذلك: علمت أنه أصابها- قال الشافعي- ﵁ قُبل ذلك منه، وكان له أن يتزوجها. ولو قال الزوج الثاني: لم أدخل بها، وادعت الزوجة الدخول- حَلَّ للأول نكاحها. وكذلك لو جاء الولي والشهود الذين ادعت انعقاد النكاح بحضورهم، وأنكروا ذلك- لم يقبل منهم.

стр. 6846

وقد أشار البغوي إلى شيء من ذلك، وهو مستمدٌّ من إقرار المرأة بالنكاح؛ فإن المذهب أنه يعمل به مع تكذيب الولي والشهود. ولو قال الزوج الثاني: لم أطلق، فالقول قوله. ولو ادعت الزوجة الدخول، ثم ادعت عدمه فيه: فإن كان قبل أن يعقد عليها الأول لم يجز له العقد عليها، وإن كان بعد ما عقد عليها لم يقبل قولها. والله أعلم بالصواب. ***

стр. 6847

باب الإيلاء الإيلاء- بالمد في اللغة- مصدر قولهم: آلَى، يُولِي، إيلاء؛ فهو مُولٍ: إذا حلف. والأَلِيَّةُ: بالتشديد، والجمع: أَلايَا؛ كعَطِيَّةٍ وعطايا، ومنه قول الشاعر: قليلُ الألايا حافظٌ ليمينه وإن صَدَرَتْ منه الأَلِيَّةُ بَرَّتِ وفي الشرع: الحلف على الامتناع من وطء الزوجة مطلقاً؛ أو مدة تزيد على أربعة أشهر. وكان طلاقاً في الجاهلية، فغيَّر الشرع حكمه. والأصل فيه من الكتاب قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٦]. ومن السنة: ما روي عن عائشة- ﵂ أنها قالت: "آلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ وَحَرَّمَ، فَجَعَلَ الْحَرَامَ حِلّاً، وَجَعَلَ فِي الْيَمِينِ كَفَّارَةً" أخرجه الترمذي. قال: كل زوج صح طلاقه، أي: حرٌّ أو عبد، مسلم أو ذمي، وهو قادر على الوطء: صح إيلاؤه؛ للآية. واحترز الشيخ- ﵁ بذكر الزوج عما لو حلف: لا يطأ فلانة، وهي أجنبية؛ فإنه لا يكون مُولِياً، وإن كانت يمينه موجبة للكفارة؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، فقيّد بالزوجية، وليست هذه الصورة في معنى المنصوص عليها؛ لأنه لا يتحقق قصد الإيذاء والإضرار وهي أجنبيّة. وفيه وجه حكاه المتولي، وهو مروي عن حكاية صاحب "التقريب": أنه إن تزوجها وقد أطلق اليمين، أو بقي من المدة التي حلف على ترك الوطء فيها أكثر من أربعة أشهر إن كان قد قيَّد بمدة- أنه يكون مُولِياً. ونقل القاضي أبو الطيب الخلاف في المسألة قولين كالقولين فيما لو آلى من

стр. 6848

زوجته، ثم أبانها، ثم تزوجها. والذي عليه أكثر الأصحاب هو الأول. ولو قال لها: إن تزوجتك فوالله لا أطؤك، لم يكن مولياً عند تزويجها على الصحيح من المذهب. وبقوله: "صح طلاقه" عمن لا يصح طلاقه: كالصبي، والمجنون، والمكره، والسكران، إن قلنا بعدم وقوع طلاقه؛ لما ذكرناه ثمَّ. وبقوله: هو قادر على الوطء عمن لا يقدر عليه، كما سيأتي. تنبيه: لو اقتصر الشيخ على قوله: "من صح ... " إلى آخره، وترك لفظ "الزوج"- كما فعل في باب الظهار- لكان أولى؛ لأنه يدخل الرجعيَّة، ولفظ "الزوج" يخرجها إذا قلنا: إن الطلاق الرجعي يقطع الزوجيَّة. قال: وإن كان غير قادر بمرض صح إيلاؤه؛ لأن الوطء في حقه غير مأيوس منه، وكان الضرار حاصلاً به. وحكم العِنِّين في صحة الإيلاء حكم من عجز عن الوطء لمرض، قاله في "التتمة". قال: وإن كان لشَلَلٍ أوْ جَب ففيه قولان. الشلل: فساد العضو، وشلل الذكر هنا: سقوط قُوَّته. قال: أحدهما: يصح إيلاؤه. وهو نصه في "الأم"؛ لعموم الآية، وأن عماد الإيلاء: الإيذاء باللسان، وقد تحقق ذلك منه. والثاني: لا يصح. وهو نصه في "الإملاء"، واختاره المزني؛ لأنه يمين على ترك ما لا يقدر عليه بحال؛ فلم يصح كما لو حلف ألا تصعد السماء، ولأنه لا يتحقق منه قصد الإيذاء والإضرار؛ لامتناع الأمر في نفسه. وهذا هو الأصح على ما اختاره

стр. 6849

القاضيان أبو الطيب والروياني، والأول هو الأصح في "الجيلي"، ووراء ذلك طريقان آخران: أحدهما: القطع بالمنع كما نص عليه في "الإملاء"، قال القاضي الحسين: وهو الأصح. وحمل ما في "الأم" على أنه أراد ما إذا آلى ثم جبَّ ذكره؛ فإنه لا ينقطع الإيلاء على الأظهر من القولين، وهو الذي أجاب به في "التهذيب"، وإن كان الرافعي قد أجرى الطرق فيها- أيضاً- لكن الأظهر منها. والثاني: حكاه أبو الفرج السرخسي، وهو القطع بالصحة، وحمل ما في "الإملاء" على أنه لا يطالب بالوقاع؛ لعجزه، بخلاف إيلاء القادر. ولو كان العجز عن الوطء بسببٍ فيها من: رَتَقٍ أو قَرَنٍ، خرج إيلاؤها على القولين في إيلاء المجبوب. قال ابن الصباغ: لكن إذا صححنا لا تُضرب مدة الإيلاء؛ لأن الامتناع بسبب من جهتها كما إذا آلى عن الصغيرة؛ فإنه لا تضرب المدة حتى تبلغ، وقضية ما ذكره الغزالي في الباب الثاني: أنها تضرب عقيب اليمين؛ فإنه قال: ولا يملك المطالبة إلا إذا فرَّعنا على قول بعيد في صحة الإيلاء عن الرَّتْقاء؛ فإن لها المطالبة بالعُنَّة باللسان. ثم ما ذكره ابن الصباغ من الاستشهاد بالصغيرة مفرَّعٌ على القول بصحة الإيلاء منها، وهو الجديد. وفي القديم حكاية قول: أنه لا يصح الإيلاء عنها، وهو جارٍ في المريضة المُضْنَاة؛ لامتناع الجماع كما في الرتقاء، وعلى هذا لا يحسن القياس. قال: والإيلاء- أي: المتفق عليه-: أن يحلف الرجل بالله- أي: أو بصفة من صفاته، يميناً تمنع الجماع في الفرج أكثر من أربعة أشهر. ولأيِّ معنىً جُعِلَ مُولِياً في اليمين بالله تعالى؟ قيل: لأنه حلف على منع نفسه من وطئها مدة تتضرَّر بها بشيء يلزمه. وقيل: لأنه حلف على معهود الجاهلية في الإيلاء بأعظم ما يُحْلَفُ به. وعليهما ينبني ما إذا حلف بغيره، وسنذكره.

стр. 6850

واحترز الشيخ بالقيود المذكورة عما سيذكره من بعد. ثم المراد بالأكثر ها هنا: زمانٌ ما وإن قَلَّ؛ فلا يعتبر إمكان المطالبة؛ فإن المدة إنما تعتمد زمان الضِّرار، والمرأة تصبر عن زوجها أربعة أشهر فحسب، وإن كان الجِبِلَّات تختلف، وفائدة ذلك: الإثم؛ لأن اليمين تنحل بمضيِّ تلك المدة التي لا يُتصوَّر في مثلها المطالبة؛ لأمر آخر، كذا قاله الإمام. قال: فإن حلف بغير الله- تعالى- بأن قال: إن وطئتك فأنت طالق ثلاثاً، أو: إن وطئتك، فعليَّ صوم أو صلاة أو عَتَاقٌ، أي: وما في معنى ذلك كالحج والصدقة- ففيه قولان: أصحهما: أنه مُولٍ؛ لأن ذلك يسمى يميناً؛ لقوله ﷺ : عَلَيْكُمْ؛ لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ"، وقوله ﷺ : "مَنْ كَانَ حَالِفاً، فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَسْكُتْ"، فنهى عن الحلف بغير الله؛ فدل على أنه يكون حالفاً، وقد قال الشاعر: وأكذبُ ما يكون أبو المثنى إذا آلى يميناً بالطلاقِ ولأنه لا يقدر على الوطء إلا بالتزام ما يمنعه عن ذلك، وذلك بقطع رجائها من الوطء؛ فيحصل لها به الضرر؛ فكان كاليمين بالله، . قال: والثاني: أنه ليس بمُولٍ"، وهو القديم؛ لأن المعهود في الجاهلية الحلف بالإله، والشرع إنما غَيَّر حكمه لا صورته، ولأن الإيلاء المطلق إنما هو بالله- يدل عليه أنه تعالى قال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، والعفو إنما يدخل في اليمين بالله- تعالى- والحنث منها.

стр. 6851

والخلاف في المسألة عند بعضهم ينبني على الخلاف فيما إذا حلف بالله ثم وطئ: هل يلزمه كفارة أم لا، على ما سيأتي؟ فإن قلنا: نعم، انعقد الإيلاء بهذه الالتزامات؛ لتعلق محذور بالوطء. وإن قلنا: لا، لم نحمك بانعقاد الإيلاء بها؛ إذ ليس مأخذ الحكم بالصحة على هذا القول لزوم شيء بالوطء، وإنما هو الحلف بأعظم ما يحلف به، ولم يوجد. وأجري مثل هذا الخلاف فيما إذا ظاهر من زوجته خمسة أشهر، وقلنا بصحته مؤقتاً، وأن العود فيه يكون بالوطء؛ فإنه يصير مولياً مع كونه مظاهراً- على المذهب- وعند الشيخ أبي محمد: لا يكون مولياً. فإن قيل: إذا لم توجبوا الكفارة بالوطء بعد الحلف بالله- تعالى- لم يطرأ ما يمتنع الزوج بسببه عن الوطء، وكان ينبغي ألا ينعقد الإيلاء بالله تعالى- أيضاً- لأن رجاءها باقٍ بحاله كما قبل الحلف. قلنا: الآية دلت على انعقاد الإيلاء، وذلك يقتضي العدم، ولا سبيل إليه؛ فهو دليل على فساد هذا القول. فروع: لو قال: إن وطئتك فعبدي هذا حر عن ظهاري-: فإن كان قد تظاهر صار مولياً، ثم إذا وطئ عَتَقَ العبد عند الظهار في أصح الوجهين، وإن لم يكن قد ظاهر فلا إيلاء ولا ظهار في الباطن، ولكنه مقر على نفسه بالظهار، مؤاخذ به في الظاهر، ويكون الحكم كما تقدم. الثاني: لو قال: إن وطئتك فعبدي حر عن ظهاري إن تظاهرت، فلا يصير مولياً في الحال، وإذا تظاهر صار مولياً، ومن الأصحاب من جعل كونه مولياً في الحال على قولين؛ لأنه يقرب من الحنث، كما إذا قال لأربع نسوة: والله لا أجامعكن. وعلى القول بأنه لا يكون مولياً في الحال: لو وطئ ثم ظاهر عَتَقَ العبد؛ كما لو ظاهر أولاً ثم وطئ؛ لاجتماع الصفتين. وهذا إذا كانت الصفة كما ذكرنا ولم تزد شيئاً، فلو قال: إن وطئتك إن ظاهرت منك فعبدي حر، قال الرافعي: لك أن تقول: يشترط أن يتقدم الظهار على الوطء، ولو تقدم الوطء على الظهار لا يعتق العبد- كما ذكرنا في الطلاق- وحيث حكمنا

стр. 6852

بالعتق فلا يعتق عن الظهار ها هنا باتفاق الأصحاب. وعلله أبو إسحاق بأن تعليق العتق سبق الظهار، ولا يقع عن الظهار إلا بلفظ يوجد بعده. وعلله ابن أبي هريرة بأنه لا يقع خالصاً عن الظهار لتَأَدِّي حق الحنث؛ فأشبه ما إذا اشترى قريبه، ونوى أن يكون عتقه عن الكفارة، والأول أصح. وفي "الوسيط" إبداء احتمال في أن العبد لا يعتق إذا وطئ بعد الظهار؛ لأنه لا يمكن وقوع العتق عن الظهار، وهو إنما أعتق عن الظهار. قلت: وهو مستمد مما إذا قال: أنت طالق أمس، وأراد انعطاف الطلاق إلى أمس؛ فإنه لا يقع على قولٍ تقدمت حكايته. ولو قال: إن وطئتك فلله علي أن أعتق هذا العبد عن ظهاري- وكان قد ظاهر وعاد- فهل يكون مولياً؟ ينبني على أنه إذا كان في ذمته إعتاق رقبة، فقال: لله علي أن أعتق هذا العبد عما هو علي، فهل يتعين ذلك العبد أم لا؟ النص وقول عامة الأصحاب: أنه يتعين. واختار المزني: أنه لا يتعين، وخرَّجه على أصل الشافعي، واستشهد عليه بأنه: لو كان عليه صوم يوم، فقال: لله علي أن أصوم يوم الخميس عن الصوم الذي في ذمتي، لا يتعين ذلك اليوم. وعدّ الإمام ما ذكره قولاً في المذهب. فإن قلنا: إن العبد المعين لا يتعين بالنذر، فلا يكون مولياً في مسألتنا، وإن قلنا: إنه يتعين، فهو كما لو قال: إن وطئتك فلله علي صوم أو صلاة. ولو قال: إن وطئتك فعبدي حر قبل وطئك بشهر، فلا تضرب مدة الإيلاء في الحال إلى أن يمضي شهر؛ لأنه قبل الشهر غير متصف بأن يلزمه أمر بالوطء؛ فإنه لو وطئ لم يحصل العتق؛ إذ لو حصل لتقدم على اللفظ. قال الرافعي: وقد ذكرنا فيما إذا قال لزوجته: إن قدم فلان فأنت طالق قبله بشهر، وقد قبل مضي شهر- ما يخرج منه وجه: أنه يقع الطلاق في الحال؛ فعلى ذلك الوجه: لو وطئها قبل مضي شهر يعتق العبد، ويصير مولياً في الحال، ولا حاجة إلى مضي شهر. قلت: وقد حكاه في "الإبانة"، وحكى في مسألة الطلاق: أنه لابد بعد مضي الشهر من مضي زمان يقع فيه الطلاق؛ فليكن الحكم كذلك إذا فرعنا على المذهب، وعليه

стр. 6853

ينبني: ما إذا باع العبد في الشهر الخامس من وقت اليمين؛ فإن الطَّلِبَة تتوجه عليه من أول الشهر السادس إلى مثل ذلك الوقت الذي باع فيه العبد من الشهر الخامس، فإذا جاوز ذلك من الشهر السادس سقطت الطلبة عنه؛ إذ لو وطئ لما وقع العتق؛ لزوال الملك قبله. قال: وإن حلف على ترك الجماع في الدبر أو فيما دون الفرج، لم يكن مولياً؛ لأن الإيلاء هو اليمين التي يمنع نفسه بها عن الوطء الذي ترجوه الزوجة وتتضرر بتركه، ولم يوجد ذلك، ويلتحق بذلك ما إذا حلف على ترك الجماع في الحيض أو النفاس. نعم، لو حلف ألا يجامع إلا في الدبر كان مولياً، ولو قال: إلا في الحيض أو النفاس، لم يكن مولياً، قاله السرخسي. وفي "فتاوى" صاحب "التهذيب": أنه يكون مولياً، وهو المذكور في "الذخائر"، وكذا لو قال: إلا في نهار رمضان، أو: إلا في المسجد، لكنه إذا ما [قال:] في الحيض أو ما في معناه سقطت المطالبة في الحال، وتضرب له المدة ثانياً؛ إذ اليمين لم ترتفع. قلت: وما قاله السرخسي في النفاس يبعد كل البعد إذا لم تكن ذات حمل. قال: والله لا أنيكك، أو: لا أغيب ذكري في فرجك، أو لا أفْتَضُّك- وهي بكر- فهو مُولٍ، أي في الظاهر والباطن؛ لأن هذه الألفاظ لا تحتمل غير الجماع. وفي "المهذب" تقييد "النَّيْك" بالفرج، وحكاية وجهين في مسألة الافتضاض من غير أن يقول: بذكري: أحدهما: ما ذكرناه. والثاني- وهو الأصح في "الشامل"، والأظهر في "الرافعي"، واختاره

стр. 6854

القاضيان أبو حامد والطبري-: أنه كالقِسْم الذي يذكره من بعدُ، حتى إذا نوى به الافتضاض بغير الذكر قُبِلَ. قال الإمام والغزالي: ولو نوى به الضم والاعتناق لم يُدَيَّنْ على الأصح، والأول هو المنقول عن الشيخ أبي حامد. قال مجلي: ورأيت الشافعي نص عليه في "الأم". وفي "الجيلي": أن الصواب في مسألة تغييب الذكر أن يقول: لا أغيب حشفتي في فرجك؛ لأنه إن أراد تغييب جميع الذكر لم يكن مولياً؛ لما سيأتي في قوله: لا أستوفي الإيلاج، وإن أراد: لا أغيب شيئاً من ذكري، يقبل مه. لكن لا يكون صريحاً فيما يتعلق بصحة الإيلاء؛ لأن الذكر عند الإطلاق يحمل على جميعه، وأنه يمكن أن يقال: إنه أراد ألا يغيب شيئاً من المسمى؛ بدليل ما يذكره عقيبه وهو قوله: لا أستوفي الإيلاج، ولأن الذكر يطلق على البعض وعلى الكل؛ بدليل قوله ﷺ : "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّا"، وإذا كان كذلك فيحمل ما ذكره على الصحيح، وما قاله من الاستدراك

стр. 6855

حسن، وإن كان لفظ الأئمة في كتبهم كما ذكره الشيخ، ﵃. قال: وإن قال: والله، لا جامعتك، أوْ: لا وطئتك- فهو مُولٍ في الحكم، أي: وفي الباطن- أيضاً- إن لم ينو شيئاً؛ لأن هذا اللفظ أغلب استعماله في إدخال الذكر في الفرج حتى لا يفهم منه عند الإطلاق غيره، وكان كلفظ الطلاق في بابه. قال: فإن نوى غيره دُيِّنَ، أي: بأن قال: أردت بقولي: لا أجامعك، الاجتماع في المكان، وبقولي: لا وطئتك، الوطء بالقدم- دُيِّنَ؛ لأن ذلك يحتمل. نعم، لا يقبل منه في الظاهر؛ كما إذا ادعى أنه أراد بالطلاق الطلاق من الوَثَاق. وفي "التهذيب" حكاية طريقة بإجراء خلاف في أن لفظ الوطء هل هو صرحي أم لا؟ ولم يَحْكِ القاضي الحسين غيرها. وفي كتاب ابن كج: أن ابن سريج طرد الخلاف في الجماع- أيضاً- ومقتضى ذلك: أن يقبل قوله في الظاهر- أيضاً- إذا ادعى أنه لم ينو شيئاً، فضلاً عن أن يدعي أنه نوى ما يقتضي عدم الوقوع. ثم هذا كله فيما إذا اقتصر على ما ذكره الشيخ، أما إذا أضاف إلى ذلك ذكر الذَّكَر فإنه يكون من القِسْم الأول. واعلم أنه يلتحق بهذا القسم قوله: لا أصبتك، حتى يكون صريحاً على المذهب الظاهر، وهو المحكي عن الشيخ أبي حامد وأكثر العراقيين، صرح به المحاملي في "مجموعه"، والبندنيجي في "تعليقه"، ووافقهم على ذلك الشيخ أبو علي، وهو الذي يقتضي إيراد صاحب "التهذيب" ترجيحه، وألحقه القاضي أبو الطيب بالقسم الذي يذكر من بعد، فحكى فيه القولين، قال ابن الصباغ: وذلك أولى، وهو الذي يقتضيه إيراد الغزالي في "الوجيز" حيث قال: والإصابة قريبة من المباشرة. وفي "المهذب" حكاية طريقة بدلاً عن الأولى: أنه يكون كقوله: لا اجتمع رأسي ورأسك. قال: وإن قال: والله، لا باضعتك، أو: لا باشرتك، أو: لا لمستك، أو: لا قربتك- ففيه قولان:

стр. 6856

أحدهما: أنه مولٍ في الحكم، وهذا هو القديم، واختيار المزني؛ لأن ظاهر هذا اللفظ يقتضي الوطء في الفرج؛ فكان كلفظ الجماع، وقد ورد في القرآن بعضها لإرادة الوطء؛ قال الله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، والباقي في معنى المذكور؛ فكان حكمه كحكمه. قال: والثاني: أنه ليس بمُولٍ إلا أن ينوي الوطء، وهو الأصح؛ لأن لهذه الألفاظ خصائص غير الوطء، ولم تشتهر فيه اشتهارَ الوطء؛ فكانت كناية فيه. ويجري القولان فيما لو قال: لا مسستك، أو: لا أمسُّك، ولا أفضي إليك، ولا أباعلك، ولا أدخل بك، ولا أفترشك، ولا أغشاك، ولا آتيك. وقيلك إن لفظ "المباضعة" و"القُرْبان" و"الغِشْيان" و"الإِتْيان" كناية قولاً واحداً، وفي "التهذيب" حكاية هذه الطريقة في "القربان" و"الإتيان"، وأن في لفظ "الغشيان" القولين، قال الرافعي: ولا يتضح بينهما فرق. قال: وإن قال: والله لا اجتمع رأسي ورأسك، أي: على وسادة، أو: تحت سقف، أو: لتطولَنَّ غيبتي عنك، وما أشبه ذلك كقوله: لا دخلت عليك، ولا دخلتِ عليّ، ولأُغْضِبَنَّكِ، ولأسُوءنَّكِ، ولأبعدنَّ عنك-: فإن نوى الوطء فهو مُولٍ؛ لاحتماله، وإن لم ينو فليس بمُولٍ: أما في قوله: لا اجتمع رأسي ورأسك؛ فلأن ذلك ليس من لوازم الوطء. وأما فيما عداه؛ فلأنه وإن أريد به الوطء فليس صريحاً في مدة الإيلاء؛ لصحة إطلاقه على ما دونه. ثم اعلم أنه يشترط مع نية الوطء في قوله: لتطولن غيبتي عنك، أو: لأبعدن عنك، وما شابهه- أن ينوي المدة أيضاً، ولا يشترط ذلك في قوله: لا اجتمع رأسي ورأسك، ولا في قوله: لا دخلت عليك ولا دخلت عليّ. وكذا في القِسْم قبله إذا قلنا: إنه كناية؛ لأن إطلاق هذا يقتضي التأبيد، بخلاف الأول؛ فإنه يقتضي مدة، وسيأتي أنه إذا قال: لا وطئتك مدة، أنه لا يكون مولياً حتى ينوي أكثر من أربعة أشهر.

стр. 6857

قال: وإن حلف: لا يستوفي الإيلاج، فليس بمُولٍ؛ إذ لا ضرر عليها في ذلك؛ لأنه يمكن أن يجامعها ويحصل مقصودها من غير استيفاء إيلاج؛ بأن يغيب الحشفة. نعم، إن نوى ألا يغيب الحشفة كان مولياً؛ لأن ما دون الحشفة لا يتعلق به حكم من أحكام الوطء. ولو قال: لا أجامعك إلا جماع سوء؛ فإن أراد به الجماع في الدبر أو فيما دون الفرج كان مولياً، وإن أرد به ضعف الجماع لم يكن مولياً. ولو قال: لا أغتسل عنك، فإن قال: أردت به الجماع، فهو مُولٍ، وإن قال: أردت الامتناع من الغسل، أو قال: أردت أني لا أمكث إلى أن أنزل، وعندي: أن الجماع من غير إنزال لا يوجب، أو: أني أقدم على وطئها بعد وطء غيرها؛ فيكون الغسل عن الأولى لحصول الجنابة بوطئها- قُبِلَ، ولم يكن مولياً، وكذا لو قال: لم أُرِدْ شيئاً؛ لتردد اللفظ. قال: وإن حلف على ترك الجماع أربعة أشهر لم يكن مولياً؛ لأن المطالبة بالفيئة أو الطلاق تكون بعد أربعة أشهر للآية، فإذا آلى أربعة أشهر لم يبق بعدها يمين، ولا مطالبة بعد انحلال اليمين كما إذا امتنع من غير يمين، وأيضاً: فإن المرأة تصبر عن زوجها مثل هذه المدة، روي أن عمر- ﵁ كان يطوف ليلة في المدينة، فسمع امرأة تقول: ألا طال هذا الليل وازورَّ جانبُهْ ... وليس إلى جنبي خليل ألاعبهْ فوالله لولا اللهُ لا رب غيره ... لزعزع من هذا السرير جوانبه مخافة ربي والحياء يكفني ... وأكرم بعلي أن تنال مراكبه فبحث عمر- ﵁ عن حالها، فأُخْبِرَ أن زوجها غاب في غزوٍ، فسأل عمر- ﵁ من النساء: كم تصبر المرأة عن زوجها؟ فقيل: شهرين، وفي الثالث يقل الصبر، وفي الرابع ينفد الصبر؛ فكتب إلى أمراء الأجناد: أن لا تحبسوا رجلاً عن امرأته أكثر من أربعة أشهر، ويروى أنه سأل عن ذلك ميمونة، فأجابته بنحو

стр. 6858

من ذلك. والازورار: التحول، والتزعزع: التحول. قال: وإن قال: والله لا وطئتك مدة، لم يكن مولياً حتى ينوي أكثر من أربعة أشهر؛ لتردد اللفظ بين القليل والكثير، وكذا لو قال: ليطولن تركي لجماعك، أو: لأسوءنَّك من الجماع- كان صريحاً في الجماع، كناية في المدة. وهذا بخلاف ما لو قال: لا وطئتك؛ لأن إطلاقه يفهم منه التأبيد. قال: وإن قال: والله لا وطئتك أربعة أشهر، فإذا مضت فوالله لا وطئتك أربعة أشهر- فقد قيل: هو مُولٍ؛ لتضررها بمنع نفسه ثمانية أشهر كضررها عند الجمع بيمين واحدة، ولأنه لا يمكنه أن يطأ بعد الأربعة أشهر إلا بضرر يلحقه، وذلك يمنعه من الوطء، ويوجب قطع الطمع وحصول الضرر. وقيل: ليس بمُولٍ، وهو الأصح، ولم يحك القاضي الحسين سواه؛ لأن بعد الأربعة الأشهر لا يمكن المطالبة بموجب اليمين الأولى؛ لانحلالها، ولا بموجب اليمين الثانية؛ لأن مدة المُهْلة لم تمض، وذلك يمنع المطالبة أن لو كانت المدة مدة الإيلاء، فضلاً عن ألا تكون، وبعد مضي الثمانية أشهر انحلت اليمين، وأيضاً: فإن كل يمين قد انفردت؛ فوجب أن يعطي حكمها، وشبّه ذلك بما لو اشترى أوسُقاً كثيرة في

стр. 6859

صَفَقَات متعددة على صورة العَرَايا؛ فإنه يجوز، وإن كان لا يجوز شراؤها في صفة واحدة. فائدة: هل يأثم الحالف والحالة هذه؟ قال الإمام: يحتمل أن يأثم إثم الإيذاء والإضرار، لا إثم مُولٍ. فروع: لو قال: والله، لا وطئتك خمسة أشهر، فإذا مضت فوالله لا وطئتك سنة- فهما يمينان، ويثبت لكل واحدة منهما حكمها لو انفردت. ولو قال: والله لا وطئتك خمسة أشهر، وتالله لا وطئتك سنة- فالمذهب: أن المدة الأولى تدخل في الثانية، وتضرب له مدة واحدة، فإن وطئ فقد أوفاها حقها: إن كان الوطء بعد مضي خمسة أشهر لزمته كفارة واحدة إن رأينا إيجاب الكفارة، وإن كان قبلها فكفارتان على القول الصحيح من المذهب على ما حكاه الإمام ومجلي. ومحلُّ هذا الخلاف جارٍ في كل فعل حلف عليه يمينين، كما إذا حلف: لا يأكل الخبز، وحلف: لا يأكل لزيد شيئاً، فأكل خبزة. وإن طلق فحكمه حكم من آلى من زوجته سنة، وسيأتي إن شاء الله تعالى. ومن أصحابنا من قال: الحكم في هذه المسألة كالمسألة قبلها. ولو قال: والله لا وطئتك سنة، والله لا وطئتك- وكرر ذلك مراراً-: فإن زعم أنه أراد التأكيد فهو مصدق بيمينه، وإن قال: أردت تعداد اليمين، قُبل من غير يمين، وفائدة التعداد: أنه إذا وطئ انحلت الأيمان بجملتها، وفي تعدُّد الكفارة الخلاف المتقدم، وسيأتي نظيره فيما إذا كرر لفظ الظهار وأراد الاستئناف. ولو قال: لم أرد شيئاً، فقولان كما في الطلاق. ولا فرق فيما ذكرناه عند المحققين- على ما حكاه الإمام- بين أن تكون الكلمات متواصلة أو متفاصلة. وهكذا الحكم في تعليق الطلاق على دخول الدار ونحوه، وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم. بخلاف تكرار لفظ إنشاء الطلاق؛

стр. 6860

فإنه يعتبر فيه التواصل. ومن أصحابنا من اعتبره- أيضاً- في الإيلاء وتعليق الطلاق، ومنهم من اعتبره في تعليق الطلاق دون اليمين بالله تعالى، قال الإمام: وهذا لا بأس به. قال: وإن قال: والله لا وطئتك حتى ينزل عيسى بن مريم، أو: يخرج الدجال، أو: حتى أموت أو تموتي- كان مُولياً. "عيسى"﵇: اسم عبراني سرياني، جمعه: عِيسَوْن- بفتح السين- واختار الكوفيون ضم السين قبل الواو، والنسبة إليه: عِيسَوِيّ. والدجال- بفتح الدال-: هو عدو الله المسيح الدجال الكذاب، سمي دجالاً. والدجل: التمويه والتغطية. يقال: دجَّل فلان، إذا مَوَّه، ودجل الحق بباطله. وحكي عن ثعلب: أن الدجال: الكذاب، وجمعه: دجالون. وسمي: المسيح، بفتح الميم وتخفيف السين على المشهور. وقيل: بكسر الميم مع تخفيف السين وتشديدها. وقيل: كذلك، لكن بالخاء المعجمة وتشديد السين. وسمي بذلك؛ لأنه ممسوح العين، وقيل: لأنه أعور، والأعور مسيح. وقيل: لمسحه الأرض حين خروجه. ويقال لعيسى- ﵇: المسيح- بفتح الميم وتخفيف السين- بلا خلاف. وسمي بذلك؛ لأنه لم يمسح ذا عاهة إلا بَرَأَ، قاله ابن عباس. وقيل: هو الصِّدِّيق. وقيل: لأنه ممسوح أسفل القدمين لا أخمص له. وقيل: لمسح زكريا إياه. وقيل: لمسحه الأرض في السياحة. وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن. وقيل: لأنه مسح بالبركة حين ولد.

стр. 6861

وقيل: لأن الله مسحه، أي: خلقه خلقاً حسناً. وإنما قلنا: إنه يكون مولياً في المثالين الأوَّلَيْن؛ لأن الغالب على الظن عدم حصول ذلك في أربعة أشهر؛ فالضرار حاصل بسبب قطع الرجاء في الظاهر. وألحق بهما الشيخ في "المهذب" والمحاملي في "المجموع" وغيرهما ما إذا قال: حتى يقدم زيد من خراسان، وكان من عادته: أنه لا يجيء إلا مع الحاج، وقد بقي من ذلك أكثر من أربعة أشهر. والضابط الذي ذكره الرافعي لهذا القسم: هو أن يقيد الامتناع عن الوطء بأمر مستبعد في الاعتقادات حصوله في أربعة أشهر، وإن كان محتملاً، وأما في المثالين الأخيرين؛ فلحصول الإياس مدة العمر، وهو كما لو قال: لا وطئتك أبداً؛ فإنَّ أَبَدَ كُلِّ إنسان عمره، هذا هو المشهور. وفي "شرح مختصر الجويني" للموفق بن طاهر: أن في التعليق بنزول عيسى- ﵇ وما في معناه لا يُقطع بكونه مولياً في الحال، ولكن يرتقب، فإذا مضى أربعة أشهر ولم يوجد المعلق به تبيَّنا أنه كان مولياً، ومكنا الزوجة من المطالبة. واعلم أن الشيخ- ﵁ استغنى بما ذكره عن ذكر قسم آخر ذكره الأصحاب، وهو ما إذا قيد الامتناع عن الوطء بأمر يتحقق عدم وقوعه: إما مطلقاً كالمستحيلات العادية من صعود السماء ونحوه، والعقلية كالجمع بين الضدين وما في معناه، وإما في مدة أربعة أشهر ما إذا قال: حتى تقوم القيامة، أو: حتى يقدم زيدٌ، أو آتي مكة- والمسافة بعيدة لا تقطع في أربعة أشهر- فإنه يكون مولياً؛ لأنه إذا ثبت هذا الحكم عند التقييد بما يمكن وجوده، لكن مع بُعدٍ- فثبُوته عند تحقق العدم بطريق الأَوْلى. نعم، لو قال في مسألة القدوم: ظننت أن زيداً على مسافة قريبة، فهل يصدق؟ أبدى الإمام فيه احتمالين، قال الرافعي: والأقرب: القبول. قال: وإن قال: والله لا وطئتك حتى أمرض، أو يموت فلان- لم يكن مولياً؛ لأن ذلك يحتمل أن يوجد بعدها، والاحتمالان على السواء، ولم يتحقق منه قصد الضِّرار؛ فلا يجعل مولياً بالشك، وهذه طريقة الشيخ أبي حامد. وحكى الخراسانيون قولاً على ما حكاه الإمام، ووجهاً على ما حكاه في

стр. 6862

"الوسيط": أنه لا يكون مولياً في الحال، لكنه إذا مضت أربعة اشهر ولم يوجد المعلق به نحكم بأنه كان مولياً، ويثبت لها المطالبة. وذهب بعض أصحابنا إلى أنه يكون مولياً فيما إذا عنى الوطء بالموت كما إذا عناه بموت نفسه، وهو الذي ذهب إليه أصحاب القفال والأكثرون، وصححه في "المهذب"، ووجّهه بأن الظاهر بقاؤه، وبأنه لو قال: إن وطئتك فعبدي حر، كان مولياً على قوله الجديد، وإن احتمل أن يموت العبد قبل أربعة أشهر. واختيار المزني: أن التعليق بموته كالتعليق بقدومه، وادعى الإمام أن العراقيين لم يعرفوا غيره. وفي "الجيلي" حكاية وجه: أنه إن كان في مرض مخوف لا يكون مولياً، وإلا فيكون مولياً. والمنتصر لطريقة الشيخ أبي حامد فرَّق بينه وبين ما إذا عناه بموت نفسه: بأن الإنسان يستبعد موت نفسه؛ ولهذا يطول أمله، بخلاف موت غيره. ويجري الخلاف الذي ذكرناه في التقييد بالمرض، فيما إذا قيد بدخول زيد الدار، أو بخروجه من البلد، أو بقدوم زيد- وهو على مسافة قريبة- والصحيح: أنه لا يكون مولياً، لما ذكرناه. فروع: لو مات زيد قبل القدوم حكمنا بكونه مولياً، لكن إن قلنا فيما إذا قدم بعد أربعة أشهر: إنه يتبين أنه كان مولياً من وقت اليمين، فها هنا كذلك، وإن قلنا: إنه لا يكون مولياً ثَمَّ، فها هنا يكون مولياً من وقت الموت. لو قال: والله لا وطئتك حتى تفطمي ولدك، أجرى بعض الأصحاب في كونه مولياً في الحال قولين؛ لما رواه المزني من اختلاف نص الشافعي فيه، والجمهور قالوا: لا خلاف في المسألة، ولكن ننظر: إن أراد وقت الفطام- وقد بقي إلى تمام الحولين أكثر من أربعة أشهر- فهو مُولٍ؛ لأن الحولين وقتُ الفطام عندنا، وإلا فليس بمول.

стр. 6863

وإن أراد فعل الفطام: فإن كان الصبي لا يحتمله إلا بعد أربعة أشهر؛ لصغر، أو ضعف بِنْية- فهو مولٍ، وإن كان يحتمله لأربعة أشهر فما دونها، فهو كالتعليق بدخول الدار. وحملوا النصين على ذلك. لو قال: والله لا وطئتك حتى تحبلي، فإن كانت آيسة، أو صغيرة لم تبلغ سن الحَبَل، أو كانت بنت تسع سنين- فهو مول، وإن كانت من ذوات الأقراء فهو كالتعليق بدخول الدار؛ فيخرج على الوجهين. قال مجلي: وحكى الشاشي في المسالة وجهين مطلقين: أحدهما: أنه يكون مولياً، وهو قول الشيخ أبي حامد الإسفراييني. الثاني: أنه لا يكون مولياً، وهو قول القاضي أبي الحسن الماوردي. لو قال: والله لا وطئتك حتى أبيع عبدي، صار مولياً في الحال على أحد الوجهين، وفي الوجه الثاني لا يكون مولياً حتى تمضي أربعة أشهر ولا يبيَعُه، قال مجلي: والصحيح: أنه كتعليق الإيلاء على قدوم زيد. لو قال في أول الصيف: والله لا أطؤك حتى يجيء المطر، صار مولياً على أحد الوجهين؛ كما لو قال: حتى يجيء الثلج، وفي "الذخائر": أن الشاشي أجرى الوجهين من غير تقييد بأن يكون القول في أول الصيف. قال: وإن قال: والله لا وطئتك في السنة إلا مرة [واحدة]، لم يكن مولياً في الحال، وهذا هو الجديد، وأحد قولي القديم؛ لأنه لا يلزمه بالوطء في الحال شيء؛ لاستثنائه الوطء مرة. فإن وطئها- وقد بقي من السنة أكثر من أربعة أشهر- فهو مول، أي: من يومئذ؛ لحصول الحنث ولزوم الكفارة لو وطئ. وإن بقي أربعة أشهر فما دونها فليس بمول، وهو حالف. قال: وهكذا إن قال: إن أصبتك فوالله لا أصبتك، لم يكن مولياً في الحال؛ فإذا أصابها صار مولياً؛ لما قلناه. قال: وفيه قول آخر: يكون مولياً في الحال، أي: في هذه المسألة، وفي المسألة

стр. 6864

الأولى إن كان قد بقي من السنة التي حلف عليها مدة الإيلاء؛ إذ "السنة"- بالألف واللام- تنصرف إلى السنة الهلالية التي هو فيها، كما تقدم في كتاب الطلاق، أو كانت الصيغة: لا وطئتك سنة، ووجهه: أما في المسألة الأولى؛ فلأن الوطأة الأولى وإن لم يتعلق بها الحنث فهي مقرِّبة منه، وذلك ضرر، والمولي هو الذي يمنع نفسه من الوطء خوف ضرر يلحقه. وأما في المسألة الثانية؛ فلأنه التزم بالوطء الحلفَ بالله- سبحانه- على الامتناع من الوطء، وكان الوطء مقرِّباً من الحنث أيضاً، وعلى هذا: فيطالب بعد مضي مدة الإيلاء بالفيئة أو الطلاق، فإن وطئ فلا شيء عليه، وتضرب له مدة ثانية في المسألة الثانية، وفي المسألة الأولى إن بقي من السنة مدة الإيلاء، ولا يخفى مما سيأتي الحكم فيما إذا طلق. ثم هذا الخلاف يجري فيما لو استثنى وَطَآت كثيرة؛ لحصول التقريب بكل وطأة منها. قال: والأول أصح؛ لما ذكرناه، وفي "الرافعي" وغيره حكاية طريقة قاطعة بالمنع في الصورة الثانية، وقال: إنها أصح. وفرَّق بينها وبين الأولى: بأن في الصورة المتقدمة عقد اليمين على السنة، واستثنى ما أراد، وها هنا علق ابتداء عقد اليمين بالوطء الأول؛ فلا يمين قبل الوطأة الأولى، ويستحيل أن يحكم بكونه مولياً في وقت لا يكون فيه حالفاً، وادعى القاضي الحسين أن الطريق الأول أصح. ويجري هذا الخلاف فيما لو قال: إن أصبتك فأنت طالق إن دخلت الدار، أو: فعبدي حر بعد سنة. والذي اختاره الإمام، وحكاه عن شيخه منه، وهو الأظهر في "الرافعي" و"التهذيب": أنه يكون مولياً في الحال، وحكى الإمام عن القاضي الحسين القطع به. ولو قال: لا أجامعك في السنة إلا يوماً، فهو كما لو قال: إلا مرة. فرعان: أحدهما: إذا مضت السنة من غير وطء، والصورة كما ذكرنا أولاً: فهل تجب عليه كفارة يمين؟ فيه وجهان حكاهما الرافعي ها هنا عن ابن كج:

стр. 6865

أحدهما: نعم؛ لأن اللفظ يقتضي أن يفعل مرة واحدة. والثاني: لا؛ لأن المقصود باليمين ألا تزيد على واحدة. وهما كالوجهين اللذين حكاهما من قبل في كتاب الطلاق فيما إذا قال: إن كنت أملك إلا مائة فأنت طالق، وكان يملك أقل من مائة، لكنه حكى فيها طريقة أخرى قاطعة بأنه يحنث، وهي ما صدَّر بها ابن الصباغ كلامه عند الكلام في الفروع المذكورة في آخر كتاب الطلاق، ثم قال بعد حكاية الوجهين: والأول: أصح؛ لأنه مستثنىً من نفيٍ؛ فوجب أن يكون إثباتاً. قلت: ومقتضى ما ذكره من التعليل أن تجيء هذه الطريقة في هذه المسألة- أيضاً- وأنه يحنث قولاً واحداً. ثم هذا كله عند الإطلاق، أما إذا نوى فالحكم بما نواه. الثاني: لو وطئ، ثم نزع، ثم أولج ثانياً- لزمته الكفارة بالإيلاج الثاني، وسيأتي وجه فميا إذا علق الطلاق بالوطء، فوطئ، ثم نزع، ثم أولج: أنه لا يجب الحد، ويجعل الإيلاج ثانياً كالاستدامة، وذلك الوجه جارٍ ها هنا، قال الإمام: وهذا أقرب فيما نحن فيه؛ لأن الأيمان يرجع فيها إلى العرف، والإيلاجات المتتابعة في العرف تعدُّ وطأةً واحدة. قال: وإن قال: والله لا أصبتك في هذا البيت، لم يكن مولياً؛ لأن بقاءها في البيت إلى أن تنقضي مدة الإيلاء محتمل كاحتمال الخروج منه؛ فصار كما لو قال: لا وطئتك حتى أمرض، ولأنه يمكنه وطؤها من غير ضرر يلحقه بأن يخرجها منه، ثم يَطَأَها، وكل من لا يلزمه ضرر بالوطء لا يكون مولياً. ويفارق هذا ما إذا قال: إن وطئتك فعبدي حر؛ حيث جعلناه مولياً في الجديد، وإن كان يمكنه بيعُ العبد ووَطؤها؛ لأن في نفس البيع ضرراً يلحقه؛ لأنه ربما لا يشتري بثمن مثله ويحتاج [أن] يشتريه بأكثر من ذلك، وقد لا يبيعه المشتري؛ فيلحقه بذلك الضرر. هذا هو المشهور، وكان يتجه أن يجيء فيه الوجه المذكور فيما إذا قال: لا وطئتك حتى أمرض. وقد حكاه في "التتمة" فيما إذا قال: لا وطئتك حتى أخرجك من البلد.
следующие страницы →