← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.

стр. 6791

والتعيين يحصل بأن يقول: هذه المطلقة، أو: هذه [هي] [التي] تبقى في قيد النكاح، ولو كانت النسوة ثلاثاً، وأشار إلى اثنتين منهن، فقال: من أردته بالطلاق في هاتين- انحصر الاختيار فيهما، وعليه أن يعين واحدة منهما، حكاه الإمام والرافعي في "نكاح المشركات". قال: فإن قال: هذه، لا بل هذه، طلقت الأولى دون الثانية؛ لأن التعيين ها هنا ليس إخباراً عما سبق؛ وإنما هو إنشاء اختيار، وليس له إلا اختيار واحدة؛ فيلغو اختيار ما بعدها، ولا فرق في ذلك بين أن يوقع الطلاق عند التعيين، أو يسنده إلى وقت إطلاق اللفظ المبهم- على ما سيأتي- لأنا وإن أسندناه، فلا نجعل التعيين إخباراً، وإنما هو إنشاء تتمة اللفظ، ويخالف الحالة الأولى؛ فإنه يخبر هناك عن أمر سابق، ويجوز أن يكون صادقاً في الخبر الأول، وكذلك في الثاني، فإذا اجتمع الإقراران لم يكن بد من الواحدة بهما. فرع: لو قال: امرأتي طالق، وله امرأتان، وأشار إلى إحداهما، ثم قال: أردت الأخرى- فهل يقبل منه؟ فيه وجهان، حكاهما الرافعي عن أبي العباس الروياني: أحدهما: يقبل ذلك منه؟ والثاني: تطلقان. قال: "وإن وطئ إحداهما، تعين الطلاق في الأخرى على ظاهر المذهب"؛ لأن هذا تعيين شهوة واختيار؛ فصح بالوطء، لدلالته على شهوته واختياره، ولأن الظاهر من حال المسلم أنه إنما يطأ من يحل له وطؤها؛ فصار كوطء الجارية المبيعة في زمن الخيار؛ فإنه يكون فسخاً من البائع، أو إجازة من المشتري، كذا قاله الإمام [، وهذا ما اختاره المزني، وصححه الشيخ في "المهذب"، والبغوي]، والقاضي ابن كج، وقال أبو إسحاق- على ما حاكه عنه البندنيجي-: إنه المذهب. وكذلك

стр. 6792

قاله المحاملي في "المجموع"، وأن سائر الأصحاب صاروا إليه. قال: "وقيل: لا يتعين"، وهذا اختيار أبي علي بن أبي هريرة، وادعى ابن الصباغ والمتولي: أنه ظاهر المذهب كما في المسألة قبلها، ولأن ملك النكاح لا يحصل بالفعل ابتداء؛ فلا يتدراك بالفعل، وكذلك لا تحصل الرجعة [بالوطء]، ويخالف وطء الجارية المبيعة بشرط الخيار؛ فإن ملك اليمين يحصل بالفعل ابتداء؛ فجاز أن يتدارك بالفعل. وبنى القفال هذا الخلاف على الخلاف في أن الطلاق بعد التعيين متى يقع، على ما سيأتي: فإن قلنا: إنه يقع عند اللفظ، فالوطء يتعين. وإن قلنا: [يقع] عند التعيين، فالفعل لا يصلح موقعاً، وعلى ذلك جرى الغزالي وصاحب "التتمة". وقضيته: أن يكون الراجح: أن الطلاق يقع [عند] اللفظ، وهو ما ذهب إليه الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب، والروياني وآخرون، وعليه يدل كلام الشيخ في المسألة التي تلي هذه [المسألة]، ورجح أبو علي القول الآخر، وقال: إنه ظاهر المذهب. التفريع: إن جعلنا الوطء تعييناً، فلا مهر للموطوءة، وإلا فيطالب بالتعيين، فإن عين الطلاق في الموطوءة، وجب المهر، على ما حكاه في "المهذب" و"التهذيب". وقال الرافعي: هذا إذا قلنا بوقوع الطلاق عند اللفظ، فإن قلنا بالوقوع عند التعيين، فقد حكى الفوراني: أنه لا يجب، وذكر فيه احتمالاً آخر؛ أخذا من

стр. 6793

وجوب المهر على من وطئ الرجعية، قال: وهذا البناء على طريقة القفال يظهر أنه غير منتظم؛ لأنا حيث قلنا: إن الوطء تعيين، فذاك بناءً على أن الطلاق يقع حين اللفظ، وحيث قلنا: إنه لا يكون تعييناً، [فذاك بناءً على أن الطلاق يقع عند التعيين، وإذا كان كذلك، لم يحسن القول بأنا إن قلنا: إنه لا يكون تعييناً]، وعين الطلاق بعد ذلك في الموطوءة؛ فإن وجوب المهر ينبني على أن الطلاق يقع حين اللفظ أو حين التعيين، بل يتجه القطع بأنه لا يجب المهر على القولين جميعاً، كما ذكره القاضي الحسين في "التعليق". نعم، إن كان الخلاف في أن الوطء هل يكون تعييناً أم لا، غير مبني على ما قاله القفال- استقام هذا الكلام، والله أعلم. فرعان: أحدهما: هل يقوم سائر الاستمتاعات مقام الوطء [في التعيين]؟ فيه وجهان؛ بناءً على الخلاف في أن المباشرة فيما دون الفرج هل تحرم الربيبة؟ الثاني: هل يمنع من وطء ابنتها؟ قال: البندنيجي في "مذهبه" وابن الصباغ في "شامله" وغيرهما: إن قلنا: إن الوطء تعيين، لم يمنع، وإلا فيمنع، قال البندنيجي [في "التعليق"]: وهو ظاهر كلام الشافعي. وكذلك حكاه القاضي الحسين في "التعليق). وفي "الرافعي": أن الأكثرين أطلقوا القول بالمنع منهما جميعاً، وقضية ما ذكرناه من أن المذهب أن يكون تعييناً [أنه لا يمنع]. هذا ما وقفت عليه في كتب أصحابنا، ورأيت في كتاب الوزير ابن [هبيرة- الذي حكى فيه ما أجمع عليه الأئمة الأربعة وما اختلفوا فيه-: أن] ابن أبي هريرة من أصحابنا قال: إذا طلق واحدة من زوجاته لا بعينها أو بعينها، طلاقاً رجعياً، ثم

стр. 6794

نسيها- أنه لا يحال بينه وبين وطئهن، وله أن يطأ أيتهن شاء، وإذا وطئ واحدة، انصرف الطلاق إلى غير الموطوءة، وهذا بخلاف ما حكيته من قبل، والله أعلم. قال: وإذا عين، أي: إما بالقول، أو بالوطء إن رأيناه، وجبت العدة من حين الطلاق، وقيل: من حين التعيين، والأول أصح. وهذا الخلاف مبني على الخلاف في أن الطلاق متى يقع؟ وفيه قولان على ما حكاه القاضي، ووجهان على ما حكاه الرافعي: أحدهما: أنه يقع من حين اللفظ؛ لأنه جزم بالطلاق ونجزه؛ فلا يجوز تأخيره، إلا أن محله غير معين، فيؤمر بالتعيين ولأن التعيين يبين التي اختارها للنكاح؛ فيكون اندفاع الأخرى باللفظ السابق؛ كما أن التعيين فيما إذا أسلم على أكثر من أربع نسوة لما تبين به من يختارها للنكاح كان اندفاع [نكاح الأخريات] بالإسلام السابق. والثاني: من حين التعيين؛ لأنه لو وقع قبل التعيين لوقع لا في محل، والطلاق شيء معين؛ فلا يقع إلا في محل معين، ولكن قول الزوج: إحداكما طالق، جَزْمٌ منه بالإيقاع؛ فاقتضى إيقاع الحيلولة؛ فإن الطلاق وإن لم يتم قد صدر صدوراً لا يرد؛ فلم يستقل ليقع، ولم يعلق لينتظر متعلَّقه؛ فكان مقتضاه إلزام الزوج إتمامه ولو بعد حين، فإذا أتمه إذ ذاك، وقع؛ فكأنه أوجب الطلاق ولم يوقعه، وقد يعبر عن هذا الخلاف بأن إرسال اللفظ المبهم إيقاع طلاق، أو التزام طلاق في الذمة؟ وقد صرح بذلك القاضي في "التعليق". فإن قلنا: إنه طلاق موقع، فالطلاق يقع من وقت اللفظ، وحكم العدة كذلك. وإن قلنا بالثاني، فالطلاق يقع من وقت التعيين، وتعتد من ذلك الوقت. وقال ابن أبي هريرة: الطلاق يقع من حين اللفظ، والعدة من حين التعيين؛ فإن العدة قد تتأخر عن الطلاق، كما لو وطئت بشبهة بعد الطلاق، كذا حكاه البندنيجي عنه، وهو كالوجه المخرج في المسألة الأولى.

стр. 6795

وقال الإمام: هو هو. وحكى عن القاضي الحسين تشبيه الخلاف في وقت وقوع الطلاق، بالخلاف في أن القسمة بيع أو [إفراز حق] وقرره، ثم قال: وقد بالغ القاضي في استنباط ذلك، وأحسن في الإيضاح بأن الدار كانت على الشيوع حسّاً، كما جرى اللفظ على الإبهام فيما نحن فيه، وتمييز الحصة ثم كتعيين المطلقة والزوجة ها هنا، واستناد التبيين ثم أحرى كاستناد وقوع الطلاق ها هنا، والمصير ثم إلى أن القسمة هي المفيدة للتخصيص على الابتداء بمثابة مصيرنا إلى أن التعيين هو الذي يفيد الوقوع متصلاً به غير مستند إلى اللفظ. قال: "والنفقة عليه إلى أن يعين"، أما إذا قلنا بأن الطلاق يقع من حين التعيين؛ فلبقائهما على الزوجية، وأما إذا قلنا بالقول الآخر؛ فلما قدمناه. قال: فإن ماتت المرأتان قبل التعيين، أي: وكان الطلاق بائناً، وقف من مال كل واحدة منهما نصيب الزوج، أي إلى أن يعين في هذه المسألة، ويبين في المسألة الأولى؛ لأنه قد ثبت إرثه من إحداهما بيقين. قال البندنيجي: وهذا يبين فساد قول من ذهب إلى أن الطلاق يقع حين التعيين؛ فإنه لو كان كذلك لما صح التعيين بعد الموت، وفي "الإبانة" حكاية وجه: أنه ليس له التعيين بعد الموت؛ بناءً على أن الطلاق يقع من حين التعيين، ومال إليه [البندنيجي، و] الشيخ أبو محمد، وقال تفريعاً عليه: إنه يرثهما جميعاً. فعلى هذا: لا وقف عند إبهام الطلاق. ولو ماتت إحداهما ففي "الإبانة": أنه إن عين الطلاق في الحية صح، وإن أراد أن يعين [الميتة] بالطلاق فعلى ما ذكرناه. وقال الشيخ أبو محمد: يتعين الطلاق في الأخرى. قال الإمام: وهو لعمري سديد لو صح الأصل، ولكن ما ذكره الشيخ- يعني والده- إظهار مَيْلٍ، وما أجمع عليه الأصحاب أن التعيين لا ينحسم بالموت. [قلت: وهذا بخلاف ما لو قال: إحداكما طالق غداً، فماتت إحداهما، أو طلقها

стр. 6796

قبل الغد، فإن الأخرى لا تطلق، ولا يطالب بالتعيين؛ لأنه أوقع طلاقاً، وهو مخير فيه، وقد بطل فيه التخيير بموت إحداهما وطلاقها؛ فلم يصح، كذا قال القاضي أبو الطيب في كتاب "الأيمان"]. نعم، [في مسألتنا] إذا قلنا: إن الطلاق يقع عند التعيين فمتى [يقع] ها هنا؟ المذهب الأصح: أنه يستند إلى وقت اللفظ- أيضاً-[فارتفع الخلاف]. ومن أصحابنا من قال: يستند إلى ما قبل الموت؛ كحكمنا فيما إذا تلف المبيع قبل القبض. وهذا أرجح عند الغزالي. وإذا [عين أو بين] لم يرث من المطلقة شيئاً، سواء قلنا بوقوع الطلاق عند اللفظ أو [عند التعيين]، قال صاحب "التتمة" [وغيره]: لأن الإيقاع سابق وإن كان الوقوع حينئذ، وأما الأخرى [فيرث منها. ثم إن كان قد نوى معينة وبين، فقال ورثة الأخرى]: هي التي أردتها بالطلاق فلا إرث لك- فلهم تحليفه [كما كان لمورثهم تحليفه،] فإذا حلف فذاك، وإن نكل حلفوا، وحرم ميراثها أيضاً. وإن لم ينو معينة وعين، فلا يتوجه عليه لورثة الأخرى [دعوى]؛ كما لا يتوجه لمورثهم. فرع: قال القاضي ابن كج: إذا حلفه ورثة التي عينها للنكاح، أخذوا جميع المهر إن كان بعد الدخول، فإن كان قبله أخذوا نصفه، وفي النصف الثاني وجهان: أحدهما: يأخذونه- أيضاً- إمضاء للحكم على موجب تصديقه. والثاني: المنع؛ لأنها مطلقة قبل الدخول بقولهم. قال: وإن مات الزوج، وقف [لهما] من ماله نصيب زوجة، أي: إلى أن يبين الوارث إن رأينا ذلك، أو يصطلحا إن لم نره- على ما سيأتي- لأنه قد ثبت إرث إحداهما بيقين، وهذا إذا كانت كل واحدة من الزوجتين بصفة

стр. 6797

الوارثة منه، أما إذا كانت إحداهما كتابية، والأخرى والزوج مسلمان: فهل يوقف نصيب زوجة أم لا؟ فيه وجهان، تقدم نظيرهما في "نكاح المشركات"، ومختار صاحب "الشامل": الوقف، وبه جزم جوابه في كتاب "الاستبراء". قال: فإن قال الوارث: أنا أعرف الزوجة، فهل يرجع إليه؟ فيه قولان: أحدهما: نعم؛ كما يخلفه في سائر الحقوق من الرد بالعيب وحق الشفعة وغيرهما، ويقوم مقامه في استحقاق النسب. والثاني: [لا]؛ لأن حقوق النكاح لا تورث، ولأنه إسقاط وارث؛ فلا يمكن الوارث منه لنفي النسب باللعان. قال: "وقيل: يرجع إليه في الطلاق المعين"؛ لأن البيان فيه إخبار، وقد يعرف إرادة المورث، ويطلع عليها بخبر أو قرينة. "ولا يرجع [إليه] في الطلاق المبهم"؛ لأنه اختيار يصدر عن شهوة؛ فلا يخلفه الوارث فيه؛ كما لو أسلم [الكافر] على أكثر من أربع نسوة، ومات قبل الاختيار. وهذا القول أخذ من اختلاف الطرق [في محل القولين المتقدم ذكرهما]؛ [إلا أن] من أصحابنا من قال: محلهما الطلاق المعين، أما الطلاق المبهم فلا يقوم الوارث فيه مقام المورث، قولاً واحداً، وهذا أصح عند البندنيجي. ومنهم من قال: محلهما على الإطلاق، سواء كان الطلاق في معينة أو مبهماً، وإلى ذلك ذهب أبو إسحاق، وفي طريقة المراوزة: أن من أصحابنا من قال: محلهما إذا كان الطلاق مبهماً، أما إذا كان في معينة فله التعيين قولاً واحداً. فانتظم من مجموع ذلك الخلاف المذكور، وفي "الجيلي": أن من فصل لم يثبت للشافعي في المسألة [الأولى] قولين، بل جعل جوابه المختلف منزلاً على حالين: فحيث قال: يرجع إليه، أراد: ما إذا كان الطلاق في معينة، وحيث قال: لا يرجع إليه، أراد: ما إذا كان الطلاق مبهماً. وحكى القفال في أصل المسألة طريقة قاطعة- والصورة هذه-: أنه لا يرجع إلى تعيين الوارث قولاً واحداً، سواء كان الطلاق في معينة أو مبهماً؛ لأنه لا غرض له في

стр. 6798

ذلك؛ فإن الحال لا يختلف بين أن يخلف زوجة أو أكثر، واستحسنها الإمام، ولم يحك في "الإبانة" غيرها. وحكم موت الزوج بعد موتها حكم موته قبلها، إلا على طريقة القفال؛ فإن الإمام حكى عنه ما يخالفه؛ لأنه قال: قد يظهر غرض الوارث في التعيين أن يكون ميراثه من أحدهما أكثر، وقد يكون له غرض في عين من أعيان التركتين، واستبعده الإمام وَضَعَّفَهُ. وقال: لا ينبغي أن يكون إلى إقرار الوارث التفات أصلاً. قال: وإن ماتت إحداهما، ثم مات الزوج، ثم ماتت الأخرى- رجع إلى وارث الزوج، فإن قال: الأولى مطلقة والثانية زوجة، قبل منه، أي: وإن كذب، من غير يمين؛ [إذ لا تهمة]؛ لأنه أقر بما يضره من وجهين: أحدهما: حرمان الزوج من ميراث الأولى. والثاني: شركة الأخرى في إرثه. قال: وإن قال: الأولى زوجة، والثانية مطلقة: فهل يقبل؟ فيه قولان، أي: الذي سبق ذكرهما، هذه طريقة الشيخ أبي حامد، وقال: إنه إنما يوجد القولان منصوصين في هذه الصورة، ومنهما أخذ الخلاف في سائر الصور. قال الرافعي: وكذلك عبر معبرون عن [هذا] الخلاف بالوجهين. قلت: وإذا كان كذلك ظهر أن الخلاف المذكور أولاً في محل القولين جار ها هنا، بل هو مستنبط من هاهنا، وقد صرح الفوراني بجريانه. وقال القاضي أبو الطيب في هذه المسألة: إنا إن قلنا: لا يقبل بيان الوارث، وقف ميراثه من الأولى، وميراثه الثانية منه حتى يصطلح الورثة جميعهم، وإن قلنا: يقبل، فإن قال: إن الثانية الزوجة، قبل بلا يمين، وإن قال: إن الثانية المطلقة، فالقول قوله مع يمينه. وهذه الطريقة هي المنقولة في "الإبانة". قال الشيخ أبو نصر: والأولى أولى. قال الرافعي: والأظهر حيث اتفقت الطريقان على إثبات الخلاف في قيام الوارث

стр. 6799

مقام الموروث، وحيث اختلفت- المنع. واعلم أن التصوير بموت الأخرى بعد موت الزوج لا يظهر له فائدة فيما نحن فيه؛ فإن هذا الحكم ثابت وإن لم تَمُتْ. نعم، يظهر أثره في العدة؛ فإنها إذا كانت حية وجب عليها أن تعتد بأقصى الأجلين: من أربعة أشهر وعشر، ومن ثلاثة أقراء، على ما سنذكره في موضعه، إن شاء الله تعالى. قال: فإن قلنا: لا يرجع [إليه]، وقف الميراث حتى يصطلحا عليه؛ لتعذر البيان. وهكذا الحكم فيما لو قال الوارث: لا أعلم، وقلنا: يرجع إليه، والمراد بالميراث الموقوف ها هنا: نصيب [الزوج أو الزوجة خاصة، ففي المسألة الأولى، يوقف قدر نصيب] زوجة من ميراث الزوج إلى أن يصطلح عليه الزوجان أو ورثتهما، أو إحدى الزوجتين وورثة الأخرى إن كانت قد ماتت، ويوقف في المسألة الثانية قدر نصيب الزوج من تركة الميتة أولاً حتى يصطلح عليه ورثتها وورثة الزوج، ويوقف قدر نصيب زوجة من تركة الزوج حتى يصطلح عليه ورثة الزوج وورثة الزوجة الثانية. وإن قلنا: يرجع إلى الوارث، فإن صدقوه فلا كلام، وإن كذبوه، قال ابن يونس: إن كان في صورة البيان، حلف لورثة الأولى: إنه لا يعلم أنه طلقها، وأخذ ميراث الزوج، وحلف لورثة الثانية: إنه طلقها، وسقط ميراثها من الزوج، وإن كان في صورة الإبهام لم يحلف كالزوج. وهذا آخر كلامه، ولم يتعرض لحكم اليمين في المسألة الأولى، والذي يقتضيه الفقه: أنه لا يحلف وجهاً [واحداً]، سواء كان في صورة البيان أو [في] صورة الإبهام: أما في صورة الإبهام فظاهر، وأما في صورة البيان؛ فلأنه لا يثبت لنفسه بيمينه حقّاً، ولا يدفع عنها ضرراً، فلو حلف لكانت فائدة يمينه راجعة إلى الزوجة الأخرى، وذلك خلاف قاعدة الأيمان. فرع: لو شهد عدلان من الورثة بأنه طلق فلانة، وكانتا حيتين تقبل شهادتهما، فأما إذا ماتت إحداهما: فإن شهدا أنه طلق الميتة قبلت شهادتهما، وإن شهدا أنه طلق

стр. 6800

الحية لم تقبل؛ لأنهما متهمان. قال: وإن قال لزوجته وأجنبية: إحداكما طالق، رجع إليه، فإن قال: أردت الأجنبية، قبل منه، أي: مع اليمين. وهذا نصه في "الإملاء" و"الأم" جميعاً، على ما حكاه البندنيجي؛ لأن الكلمة مترددة بينهما محتملة هذه وهذه، فإذا قال: عينتها، صار كما لو قال لأجنبية: أنت طالق. وقيل: لا يقبل منه، وتطلق زوجته؛ لأنه أرسل الطلاق بين محله وغير محله، فينصرف إلى محله؛ لقوته وسرعة نفوذه، وصار كما لو أوصى بطبل من طبوله، وله طبل حرب وطبل لهو، تنزل الوصية على طبل الحرب؛ تصحيحاً لها، والطلاق أقوى وأولى بالنفوذ من الوصية، والأول هو الصحيح، والذي أورده أكثر الأصحاب، ووجهه ما ذكرناه. وأما القياس على الوصية فغير صحيح؛ لأن الكلام في الوصية عند الإطلاق، ونحن نقول بأنه عند الإطلاق يقع الطلاق هنا- أيضاً- على الزوجة، وقد صرح بذلك الفراء في "فتاويه" أيضاً. فرع: لو كانت زوجته مع أمته، فالحكم كما لو كانت زوجته مع أجنبية، ولو كان معها رجل أو دابة، فقال: عنيت الرجل أو الدابة، لم يقبل؛ لأنه ليس لهما محلية الطلاق. قال: وإن كانت له زوجة اسمها زينب، فقال: زينب طالق، [ثم قال]: أردت أجنبية اسمها زينب- لم يقبل في الحكم، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى. هذا هو المشهور، وفرق الأصحاب بين هذه الصورة والصورة السابقة: بأن قوله: [زينب طالق، صريح في أنه ما طلق إلا واحدة، والمرأة الأخرى التي تسمى] زينب ما شاركتها في هذا الاسم لفظاً، وإنما شاركتها من حيث إن الاسم يصلح لها، والظاهر أن المراد الزوجة في العادة؛ فلا يقبل منه غير ذلك، وليس كذلك إذا قال: إحداكما طالق؛ لأن كل واحدة منهما شاركت [الأخرى] لفظاً؛ فلهذا قبل

стр. 6801

قوله [فيما نواه]. وبأن قوله: إحداكما، يتناولهما تناولاً واحداً، ولم يوجد منه تصريح باسم زوجته ولا وصف ولا إشارة بالطلاق إليها، وها هنا صرح باسم زوجته، والظاهر أنه يطلق من الزينبات زوجته لا غير؛ فإن قوله: زينب طالق، ليس بصريح في واحدة منهما، وإنما يتناولهما من جهة الدليل، وهو الاشتراك في الاسم، ثم يقابل هذا الدليل دليل آخر، وهو أنه لا تطلق غير زوجته؛ فصار اللفظ في زوجته أظهر، فلم يقبل خلافه. وقوله: إحداكما، صرحي فيهما، وإنما يصرف إلى زوجته بقرينة الزوجية، فإذا صرف هذا إلى الأجنبية فقد صرفه إلى ما يقتضي تصريحه، فقبل منه. وعن حكاية الشيخ أبي عاصم العبادي واختيار القاضي أبي الطيب وغيرهما: أنه يصدق بيمينه، كما في الصورة السابقة؛ لأن التسمية تحتمله، والأصل بقاء النكاح. وفي "فتاوى" القفال: أن زوجته لو قالت له: طلقني، واسمها فاطمة، [فقال: طالق فاطمة] ثم قال: أردت: فاطمة أخرى- لم يقبل، ويقع الطلاق عليها، بخلاف ما إذا قال ابتداء: طلقت فاطمة، ثم قال: أردت امرأة أخرى. وقال إسماعيل البوشنجي: إن قال: زينب طالق، وقال: أردت الأجنبية- يقبل، وإن قال: طلقت زينب، وقال: أردت الأجنبية- لا يقبل؛ لأن هذا إنشاء للطلاق، والإنسان إنما يطلق امرأة نفسه دون الأجنبية، وقوله: أنت طالق، إخبار محتمل. قال الرافعي: ولا قوة لهذا الفرق. فرعان: لو قال لأم زوجته: ابنتك طالق، ثم قال: أردت: البنت ليست لي بزوجة، صدق، قاله الرافعي في الفروع آخر الطلاق. لو قال: نساء المسلمين طوالق، لم تطلق زوجته، على ما حكي عن القفال، وعن غيره: أنها تطلق، وقد بني على أن: المخاطب هل يدخل تحت الخطاب، حكاه الرافعي عند الكلام في النية في "الكتابة"، وحكى فيه- أيضاً- عن القفال: أنه لو

стр. 6802

كانت امرأته في نسوة، فقال: [طلقت هؤلاء] إلا هذه- يشير إلى زوجته- لم تطلق. قال: وإن قال: يا زينب، فأجابته عمرة، فقال: أنت طالق، وقال: ظننتها زينب، أي: وقصدت بالطلاق التي أجابتني- طلقت عمرة؛ لأنه خاطبها بالطلاق وهي زوجته، ولا تطلق زينب؛ لأنه ناداها ولم يخاطبها بالطلاق، وإنما ظن أنه يخاطبها بالطلاق، وظن الخطاب لا يوجب وقوع [الطلاق]؛ ألا ترى أنه لو قال لأجنبية أنت طالق، وهو يظن أنها زوجته- لا يقع الطلاق على زوجته؟! وهكذا الحكم فيما لو قال: حسبت أن المجيبة زينب، وعندي أنها التي أجبتها بالطلاق- فإن زينب لا تطلق وتطلق عمرة، وفيه وجه آخر: أن عمرة لا تطلق أيضاً. ولو اقتصر على قوله: ظننتها زينب، قال ابن يونس: فعند ابن الحداد: لا تطلق زينب، وهل تطلق عمرة؟ فيه وجهان. وفي "النهاية" و"الرافعي": أن كلام ابن الحداد في المسألة قبل هذه، والأظهر من الوجهين عند الإمام: أنها تطلق، ثم قال: ولو قيل: تطلق المخاطبة بالطلاق ظاهراً وهل تطلق التي ناداها؟ فيه وجهان؛ لأنها المقصودة بالطلاق- لكان محتملاً. وهذا ما أورده الغزالي. ولو قال: علمت أن التي أجابتني عمرة، ولكني لم أرد طلاقها، وإنما أردت طلاق زينب- طلقت زينب ظاهراً وباطناً؛ لإقراره، ويكون تقديره: يا زينب أنت طالق، وطلقت عمرة في الظاهر؛ لأنه خاطبها بالطلاق، والظاهر أنه أراده، ويُدَيَّن في الباطن؛ لأن ما قاله محتمل. قال مجلّي: وفي طلاق المنادى بها نظر؛ لأن اللفظ تضمن طلاق واحدة، فإن كان منصرفاً إلى المخاطبة بقي مجرد النية في الأخرى فكيف تطلق؟! وإن انصرف اللفظ بالمقصد إلى المنادى بها فينبغي ألا تطلق المخاطبة، واللفظ متحد لا يصلح لتناولهما. وفي "الشامل": أن الشيخ أبا حامد ذكر أن الطلاق يقع على زينب خاصة، وهكذا

стр. 6803

ذكره القاضي في "شرح الفروع"، وقال في "الشرح" أيضاً-: إذا قال: واجهت المجيبة بالخطاب وأردت بالطلاق التي ناديتها، وقع [الطلاق] عليها. قال ابن الصباغ: وهذا كلام متناقض. ورأى الإمام في هذه الحالة تفصيلاً فقال: إن جرى الزوج في كلامه، فبان بالأداء أو الإيراد أنه مسترسل في الكلام غير منتظر جواباً، ثم قال: أردت زينب- فلا تطلق [إلا زينب]، وإن بان بالأداء انتظاره الجواب، فاتصل جواب عمرة، وربط به قوله: أنت طالق- فتطلق عمرة-[ولا يظهر] طلاق زينب والحالة هذه، لكن إذا قال: أردتها، [نؤاخذه بقوله. ولو] كان النداء والجواب كما سبق، وقال بعد جواب عمرة: حفصة طالق- لامرأة له ثالثة- طلقت حفصة [لا محالة]، ولم تطلق عمرة ولا زينب ولو قال: أنت وحفصة طالقتان، فتطلق حفصة لا محالة، ثم يراجع: فإن قال: ظننت أن المجيبة زينب، لم تطلق [زينب]، وتطلق عمرة في أصح الوجهين [وإن قال: علمت أن المجيبة عمرة، وقصدت طلاقها- طلقت هي، ولم تطلق زينب] ولو قال: قصدت زينب، طلقت زينب ظاهراً وباطناً، وعمرة ظاهراً على الجواب الأظهر. قال: وإن قال: إن كان هذا الطائر غراباً فأنت طالق، فطار ولم يعرف- لم تطلق؛ لجواز أن يكون غير غراب، والأصل بقاء النكاح- وهكذا لو قال: إن كان غراباً فأنت طالق، وإن كان حماماً فعبدي حر- لم تطلق، ولم يَعْتِق العبد؛ لاحتمال أن يكون نوعاً آخر. قال: وإن قال: إن كان غراباً فأنت طالق، وإن لم يكن غراباً فعبدي حر، وطار ولم يعرف- وقف عن التصرف فيهما حتى يعلم؛ لأنه علم زوال ملكه عن أحدهما؛ فأشبه ما إذا طلق إحدى زوجتيه. وفيه وجه: أنه يقرع بين العبد والزوجة، كما سنذكره فيما إذا مات الحالف. فعلى هذا: لو أقرعنا، فخرجت القرعة على العبد، ثم قال: تبينت أن الحنث

стр. 6804

كان في الطلاق- لم ينقض حكم القرعة، وحكمنا بوقوع الطلاق، والصحيح: أنه لا قرعة ما دام الحالف حيّاً؛ لأن البيان متوقع منه، وقد يطلعه الفحص على كيفية الحال بعد الشك والتردد نعم، عليه نفقتهما إلى البيان. وفي "الرافعي" حكاية وجه: أن العبد يؤجره الحاكم وينفق عليه من أجرته، فإن فضل شيء حفظه إلى أن يتبين الحال. وفي "الذخائر" حكاية الخلاف فيما إذا أراد السيد أن ينفق عليهن، وأراد الإماء أن يكتسبن وينفقن على أنفسهن من كسبهن. فأحد الوجهين: يغلب قول السيد. والثاني: يغلب قول الإماء. وذكرنا الإماء؛ لأنه صور المسألة فيهن. ويجب على الحالف البيان إذا علم، ويطالب به بعد التوقف؛ لأنه يحتمل أن يكون عنده علم من ذلك: فإن بين الحنث في أحدهما، وصدقه الآخر فذاك، [ولا يطالب بيمين] على الأصح، وقيل: يحلف؛ لما في ذلك من حق الله تعالى، وإن كذبه صدق [في حق] الحالف مع اليمين، وسقطت [دعوى المكذب]، إلا أن تكون له بينة.

стр. 6805

قال المحاملي في "المجموع": وللعبد أن يقيم البينة أنه لم يكن غراباً. قلت: وفي هذا نظر؛ لأن هذه شهادة على النفي؛ [لكنه نفي] يمكن حصره، وفي سماع البينة بمثل ذلك خلاف، والصحيح المذكور في كتاب الدعاوى والبينات: عدم السماع، وفي "الرافعي" في آخر كتاب الطلاق في ضمن الفروع المذكورة ثم: أنه لو أشار إلى ذهب، وحلف بالطلاق: إنه الذي أخذه من فلان، وشهد شاهدان أنه ليس ذلك الذهب- فظاهر المذهب: وقوع الطلاق، وإن كانت هذه شهادة على النفي؛ [لأنه نفي] يحيط به العلم، وهذا يوافق ما حكاه المحاملي، وإن نكل حلف الآخر، وحكم بالطلاق أو العتق. وقوله: لم أحنث في يمين العبد، في جواب دعواه، [أو] من غير دعوى- كقوله: حنثت في يمين المرأة. وكذا قوله: لم أحنث في يمين المرأة. ولو قال: لم أعلم في أيهما حنثت، ففي "التتمة" حكاية عن القفال: أنه يقال له: قولك: لا أعلم، إنكار منك؛ فتطالب بالبيان ثانياً: فإن بينت، وإلا جعلناك ناكلاً، ويحلف من يدعي الحنث في اليمين المتعلقة، ويحكم بما يدعيه، وفي "الشامل" وغيره: أنهما إن صدقاه بقي الأمر موقوفاً كما سبق، وإن كذباه حلف على نفي العلم: فإن حلف فالأمر موقوف، وإن نكل حلف المدعي منهما، وقضي بما يدعيه. قال الرافعي: واعلم أن ما سبق ذكره من الأمر بالبيان أو التعيين، [والحبس] والتعزير عند الامتناع- أي [في بيان المطلقة- قد أشاروا إلى مثله ها هنا، لكن إذا قلنا: إنه إذا] قال: لا أدري، يقر عليه، ويقنع منه بذلك- فيكون التضييق إلى أن يبين أو يقول: لا أدري، ويحلف عليه، وكذا ينبغي أن يكون الحال في استبهام الطلاق بين الزوجين. قال: فإن لم يعلم حتى مات، فقد قيل: يقوم الوارث مقامه، أي: إذا قلنا: إنه يقوم

стр. 6806

مقامه عند إبهام الطلاق؛ لما قلناه ثَمَّ؛ فعلى هذا: إن عين الحنث في يمين العبد عتق، وورثت المرأة، وإن عكس للمرأة تحليفه، ويكون حلفه على البَتِّ، وللعبد أن يدعي العتق ويحلفه، ويكون حلفه على أنه لا يعلم أن مورثه حنث في يمينه. قال: وقيل: لا يقوم، وهو الأصح، أي: وإن قلنا بأنه يقوم ثَمَّ، ووجهه الرافعي وغيره بظهور تهمة الوارث بأن يزعم الحنث في الطلاق؛ فتسقط جهة المرأة في التركة، ويستبقي الملك في العبد- وبأن للقرعة مدخلاً في العتق؛ فكان تحليفهما أولى من الرجوع إلى الوارث؛ ولهذا لو وقع الإبهام في محض الرقاب تعينت القرعة وفي التوجيه الأول نظر؛ من حيث إن ما ذكرها هنا من ظهور التهمة موجود فيما إذا مات الزوج بعد موت إحدى المرأتين اللتين أبهم الطلاق بينهما؛ فإنه قد يخبر بأن الأولى زوجة والثانية مطلقة، ومع هذا جرى فيهما القولان كما قال الشيخ أبو حامد: إن الشافعي، إنما نص على القولين فيهما كما ذكرناه، ووجهه المحاملي وغيره بأن الوارث فرع الموروث ومنه يتبين الحال، فإذا لم يوجد من الموروث بيان فكيف يقوم الوارث مقامه. [وفي "أمالي"] أبي الفرج تخصيص الخلاف بما إذا عين الوارث الحنث في جانب المرأة- أما إذا عكس فيقع الجواب على موجب قوله؛ لأنه مقر على نفسه بما يضر بها، وهذه [الطريقة تشابه] طريقة الشيخ أبي حامد التي حكيت فيما إذا مات الزوج بعد موت إحدى المرأتين اللتين أبهم الطلاق بينهما، وكذلك ما حكاه الشيخ، واستحسنها الرافعي، ونسبها ابن يونس إلى بعض المتأخرين، والكلام الأول أميل إلى طريقة الشيخ القاضي أبي الطيب. قال: ويقرع بين العبد والزوجة؛ رجاء أن تخرج القرعة على العبد؛ فإنها مؤثرة في العتق، وإن لم تؤثر في الطلاق؛ كما يصغى إلى شهادة رجل وامرأتين في السرقة؛

стр. 6807

لتأثيرها في الضمان وإن [لم] تؤثر في القطع هكذا حكاه الرافعي وغيره، وفيه نظر؛ من حيث إنا في مسألة الشهادة على نفسه من حصول [المقصود الذي لأجله اقتضيا، وهو ثبوت الضمان، ولسنا على نفسه ها هنا من خروج] القرعة على العبد الذي سيقت القرعة لأجل عتقه، خصوصاً إذا قلنا: إن القرعة إذا خرجت على الزوجة لا يحكم برق العبد نعم، يندفع هذا إذا قلنا برق العبد عند خروج القرعة على الزوجة؛ لأن القرعة قد أثرت حكماً في الجملة، والله أعلم. [هكذا الحكم بالقرعة إذا قلنا: إنه يرجع إلى الوارث، فقال: لا أعلم]، ونقل وجه عن ابن سريج: أنه إذا لم يبين الوارث توقف إلى أن يموتوا ويخلفهم آخرون، وهكذا إلى أن يحصل البيان، والظاهر الأول. ثم كيفية القرعة: أن يكتب رقعة عتاق ورقعة طلاق، ويخرج إحداهما، أو يجعل المرأة جزءاً والعبد جزءاً، ويضرب سهم رءوسهم؛ حيث قال: فإن خرج السهم- أي: سهم العتق- على العبد، عتق، أي: إذا كان التعليق في الصحة أو في المرض، وخرج من الثلث؛ إذ هو فائدة القرعة، وإن خرج على المرأة لم تطلق، خلافاً لأبي ثور؛ لأن القرعة لا مدخل لها في الطلاق؛ بدليل ما لو طلق إحدى نسائه لم تطلق واحدة منهن بالقرعة، بخلاف العتق؛ فإن النص ورد به؛ ولأن للقرعة مدخلاً في أصل ما وقع فيه العتق وهو الملك. ولا يمكن قياس الطلاق عليه؛ لأن الطلاق حَلُّ النكاح، ولا مدخل للقرعة في النكاح بالإجماع. قال: [ولكن] ويملك التصرف في العبد؛ لأن القرعة تعمل في العتق والرق، فكما يعتق إذا خرجت القرعة عليه يرق إذا خرجت القرعة على عديله، وعلى هذا يزول الإشكال. قال: وقيل: لا يملك، وهو الأصح في "الرافعي"؛ لأن القرعة لم تؤثر فيما خرجت عليه؛ فيبعد تأثيرها في غيره؛ فعلى هذا: فوجهان: أحدهما: أن القرعة تعاد إلى أن تخرج عليه.

стр. 6808

قال الإمام: وعندي يجب أن يخرج القائل به عن أحزاب الفقهاء، ومن قال به فليقطع بعتق العبد، وليترك تضييع الزمان في إخراج القرعة. قال الرافعي: وهذا قويم، لكن الحناطي حكى [هذا] الوجه عن ابن أبي هريرة وهو زعيم عظيم الفقهاء؛ فلا يتأتى إخراجه عن أحزابهم. وأصحهما: أن الإشكال يبقى بحاله ويوقف عنهما جميعاً كما في الابتداء، وادعى الإمام أنه المذهب المثبوت، وجزم في "الشامل" بجواز التصرف إذا خرجت القرعة على الزوجة، وذكر أن الخلاف في أن الشك هل يزول، أم لا حتى يندب الوارث إلى عتقه؛ بناءً على أنا هل نحكم برقه أم لا؟ وفي كتاب البندنيجي ومجموع المحاملي و"تعليق" القاضي الحسين: حكاية الخلاف في أن هذه القرعة هل يزول بها الشك أم لا؟ وادعى البندنيجي أن زوال الشك هو ظاهر المذهب، ومقابله ليس بشيء، وقال القاضي: الأصح أن يزول الشك، ولم يتعرضوا لجواز التصرف. وإيراد صاحب "التتمة" موافق لما قاله ابن الصباغ في أن الخلاف في زوال الشك، وأما التصرف فيجوز، ثم قال: ويخالف [حكم الوارث] حكم الموروث؛ حيث منعناه من الاستمتاع بالمرأة والتصرف في العبد؛ لأن في حق الموروث تحققنا الحنث وزوال أحد ملكيه؛ فأوقفنا عنه الملكين جميعاً. وأما الورثة إنما يثبت حقهم في العبد دون المرأة؛ فلم يتحقق الحنث في حقهم، فكان نظير المسألة أن لو قال المالك: إن كان الطائر غراباً فعبدي حر، ولم يعلم- لا نمنعه من التصرف فيه. فرع: إذا خرج السهم على العبد، وحكمنا بعتقه- فإن كان قد سبق منها دعوى الحنث في يمين الطلاق، وكان الطلاق بائناً- فلا ميراث [لها]، وإن لم يكن قد سبق [منها] دعوى الحنث بالطلاق نورثها، والورع: ألا ترث؛ لاحتمال أن تكون مطلقة. وهكذا الحكم فيما إذا خرجت القرعة عليها؛ لأن القرعة لو خرجت على العبد

стр. 6809

أوجبت حكماً، فإذا خرجت عليها، إن لم توجب حكماً فلا أقل من أن تورث شبهة. وهذا في [باقي] التركة غير العبد، أما العبد إذا قلنا بجواز التصرف فيه؛ فينبغي ألا يرث منه شيئاً البتة؛ لأن الأمر دائر بين أن يكون حرّاً؛ فلا يرث منه شيئاً، أو تكون مطلقة؛ فلا منه ولا من غيره. قال: وإن طلق امرأته ثلاثاً في المرض- أي: المخوف- ومات- أي: منه؛ لم ترثه في أصح القولين، وهو الجديد، واختاره المزني؛ لأن الإرث للزوجية، وقد انقطعت الزوجية بالإجماع، ولأنه لا يرث منها لو ماتت قبله بالاتفاق؛ فكذلك لا ترث هي منه [شيئاً]. قال: وترث في الآخر، وهو القديم؛ لما روى أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته تماضر بنت أصبغ [الكلبية] في مرض موته، ومات وهي في العدة؛ فورثها عثمان- ﵁ ولأن قصده الفرار من الميراث ظاهر في هذا الطلاق؛ فيحسن أن يعاقب بنقيض قصده؛ كما لو قتل مورِّثه استعجالاً للإرث؛ يحرم من الميراث. أما إذا برأ منه، ثم مات في مرض آخر- فلا ترثه، قولاً واحداً. ولو قتل في المرض الذي أوقع فيه الطلاق ورثته على أحد الوجهين. وحكم المطلقة بما دون الثلاث قبل الدخول أو بعده بعوض من أجنبي، حكم المطلقة ثلاثاً فيما ذكرناه، وأما المطلقة طلاقاً رجعيّاً: فإن مات وهي في العدة ورثته كما يرثها إذا ماتت، وإن مات بعد انقضاء العدة لم ترثه، وقال القاضي الحسين في "التعليق": ذلك ينبني على أن الاعتبار بحالة وجود الصفة أو بحالة التعليق. فإن قلنا: الاعتبار بحالة التعليق، لم ترث، وإن قلنا: الاعتبار بحالة وجود الصفة، فإن قلنا: المبتوتة [لا ترث؛ فلم ترث هي- أيضاً- وإن قلنا: ترث، كان حكمها حكم المبتوتة] إذا مات الزوج بعد انقضاء عدتها وحكم الطلاق في كل حالة يعتبر فيها خروج التبرعات من الثلث، كحكمه في حال المرض، كذا صرح به الفوراني في الإبانة.

стр. 6810

قال: وإلى متى ترث؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ترث [في] أي وقت مات؛ لأن توريثها للفرار وهو محقق أبداً. والثاني: إن مات قبل أن تنقضي العدة ورثته؛ لبقاء بعض [أحكام النكاح، وإن مات بعده لم ترثه؛ إذ لم يبق حكم من أحكام النكاح] وهذا هو المنقول في "الأم" فعلى هذا: إن كان الطلاق قبل الدخول لا ترث؛ إذ لا عدة. والثالث: إن مات قبل أن تتزوج ورثته، وإن تزوجت لم ترثه، وهذا هو المذكور في "الإملاء"؛ لأنه يؤدي إلى أن ترث من زوجين أو أزواج وهو ممتنع. فرع: لو أبان في مرضه أربعاً، ونكح أربعاً، [ثم مات]- فالميراث للمطلقات على وجه، وللزوجات على وجه- وللصنفين على وجه، وهو الأظهر في "الرافعي"، وفي الإبانة: أن الصحيح الثاني. قال: الإمام: وهذه الأوجه إنما تثبت بزيادة العدد على منع الحصر، فلو طلق امرأة ونكح أخرى فلا وجه إلا الاشتراك. ولو [أبان الأربع، وتزوج] واحدة، فعلى الوجه الأول: تحرم الجديدة، وعلى [الوجه] الثاني: يصرف الميراث إلى الجديدة، وعلى الوجه الثالث: يكون الحكم كذلك. قال: وإن سألته الطلاق الثلاث، أي: وطلقها عقيب سؤالها فقد قيل: لا ترث؛ لأنه ليس متهماً في طلاقها فلم ترثه؟ كما لو كان في حال الصحة، وقيل: على قولين، وهو اختيار ابن أبي هريرة، وتمسك فيه بأن ميراث المبتوتة إنما ثبت بقصة عبد الرحمن؛ وقد كانت امرأته سألته الطلاق. وأجاب عن ذلك الشيخ أبو حامد في "التعليق"- على ما حكاه مجلي- بأن طلاق عبد الرحمن لم يكن عقيب سؤالها حتى يكون جوباً لها؛ بل لما [أن]

стр. 6811

سألته الطلاق قال [لها]: إذا حضت فأعلميني، فلما حاضت أعلمته، فقال: إذا طهرت أعلميني، فلما طهرت أعلمته، فطلقها بعد ذلك فانقطع الطلاق عن السؤال، وصار مبتدئاً؛ فلحقته التهمة. ولو سألته أن يطلقها طلاقاً رجعيّاً، فطلقها ثلاثاً- فهو كما لو لم تسأل وحكم اختلاعها حكم سؤالها، على ما حكاه الرافعي، وكذا إذا علق طلاقها على مشيئتها، فقالت: شئت، أو جعل أمرها [بيدها]، فطلقت [نفسها] على ما حكاه في "الشامل"، وفي "النهاية": أنا قد ذكرنا في الطلاق [بالسؤال خلافاً، ومن أجرى القولين في الطلاق] بالسؤال لست أدري هل يجريهما في الاختلاع؟ وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه لا خلاف أنها لا ترثه. قال: وإن علق طلاقها على صفة تفوت بالموت؛ بأن قال: إن لم أتزوج عليك فأنت طالق ثلاثاً- فهل ترثه؟ على قولين؛ لتحقق الصفة ولا فرق في ذلك بين أن يكون التعليق في حال الصحة أو في المرض، وكذا لو علق الطلاق على فعل نفسه، وفعله في المرض على الأصح، وفيه وجه [محكي] عن الشيخ أبي محمد أنه لا يكون فارّاً. وحكم التعليق بفعل الأجنبي حكم التعليق بفعله، إذا كان التعليق [في المرض]، كذا حكاه الرافعي، وفي "التعليق" للقاضي الحسين: أنه إن كان لابد للأجنبي منه فهو على القولين، وإن كان له منه بد فهو كما لو قال لها في حال الصحة: إذا قدم فلان فأنت طالق ثلاثاً، فقدم [في المرض وفيه طريقان: منهم من قال: فيه قولان؛ كما لو طلقها في مرض موته]. ومنهم من قال: لا ترثه قولاً واحداً. وهكذا نقول في العتق: إذا قال لعبد: متى قدم فلان، فأنت حر، وكان صحيحاً، ثم قدم فلان في مرض موته- فهل يحسب ذلك من الثلث [أم] لا؟

стр. 6812

ولو علق الطلاق على مرض موتها أو على ترديد الزوج في شراء شقة أو قبيل موته- فهذا تصريح بالفرار، ويكون كمن أوقعه في المرض. وقال الفوراني: إن قلنا: الاعتبار بحال التعليق، فلا ترث قولاً واحداً، وإن قلنا: بحال الوقوع، فعلى القولين، [هكذا حكاه مجلي عنه، ولم أره في الإبانة؛ بل الذي رأيته فيها المنقول أولاً، وقد حكي عن الشيخ أبي محمد أن فيه خلافاً، والله أعلم]. قال: وإن علق طلاقها على صفة لابد لها منها كالصوم والصلاة؛ أي: المفروضين- فهي على قولين، أي: إذا كان التعليق في المرض؛ لتحقق التهمة، وفي معنى ذلك ما إذا علق الطلاق على كلام أحد أبويها، على ما حكاه في "الشامل"؛ لأن ترك كلامهما حرام، وكذا إذا كان المعلق عليه الطلاق مما لابد لها منه طبعاً كالنوم واليقظة، والقيام والقعود، والأكل والشرب هكذا أطلقه أكثرهم، وفي "تعليق" القاضي الحسين تقييد الأكل بأكل الخبز. وفي "الذخائر": أنها إن أكلت مما تحتاج إليه ويضرها عدمه، لم تكن مختارة، ويعد فارّاً به؛ فيخرج على القولين، ولا يشترك في حقها الانتهاء إلى حال الضرورة؛ بل تعتبر الحاجة بحيث لو تركته أضر بها، وأما إن أكلت تلذذاً، فقد تردد الأصحاب فيه، ووجه التردد: النظر إلى الجنس أو إلى حال الفعل، والمرجع في [لحوق] الضرر بترك الطعام إليها، ولا يعتبر فيه قول أهل الطب. أما إذا علقه على صفة لها منها بد كصوم التطوع، وصلاة التطوع، ودخول الدار، ونحو ذلك، فإن لم تعلم بالتعليق خرج على القولين، وإن علمت خرج على الطريقين في إيقاع الطلاق بسؤالها، والأصح منهما أنها لا ترث على ما حكاه ابن يونس، والمذكور في "الشامل" ها هنا: عدم الإرث، ولو علمت ثم نسيت ففيه احتمالان للإمام، قال: والأشبه أنه فارٌّ؛ فيخرج على القولين. قال: "وإن لاعنها في القذف لم ترث"، أي: سواء كان القذف في الصحة أو

стр. 6813

المرض، على ما صرح به البندنيجي وغيره؛ لأن به [حاجة إليه لدرء] الحد [عنه] فتنتفي التهمة، وهكذا الحكم فيما لو فسخ النكاح بعيبها. وفي الملاعنة وجه محكي في طريقة الخراسانيين: أنها ترث إذا كان القذف في المرض، واختاره القاضي ابن كج. قال: وإن قال: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق، ثم وجدت الصفة وهو مريض- لم ترث؛ لأنه غير متهم؛ لاحتمال وجود الصفة في الصحة، وهذا ما حكاه في "الشامل"، وقيل بطرد القولين؛ نظراً إلى حال وجود الصفة. واعلم أن الشيخ قد أبهم حكاية القولين في هذه المسائل، ولم يعرفها بالألف واللام، وذلك منه إشارة إلى أن هذا الخلاف جار وإن قلنا: إن المطلقة في المرض ترث؛ إذ لو كان هذا الخلاف هو الخلاف في أصل المسألة لقال: فعلى القولين، وقد صرح بذلك الجيلي، والله أعلم. فروع: لو طلق زوجته التي لا ترثه، ثم زال المانع من الإرث في العدة، ثم مات الزوج- فلا إرث؛ لأنها لم تكن وارثة يوم الطلاق؛ فلا تهمة ولو أبان المسلمة، فارتدت، ثم عادت إلى الإسلام في العدة- قال الرافعي: ورثت؛ لأنها بصفة الوارثين يوم الطلاق ويوم الموت. وفي "الشامل" حكاية عن النص: أنها لا ترث. وحكى القاضي الحسين في "التعليق" القولين. ولو ارتد الزوج قبل الدخول أو بعده، و [أصر على ذلك] إلى انقضاء العدة، ثم عاد إلى الإسلام، ومات- لم يكن فارّاً على الأصح؛ إذ لا يقصد من تبديل الدِّين حرمان الزوجة عن الميراث، وفيه وجه ضعيف، وقيل بطرده فيما إذا ارتدت المرأة حتى تجعل فارة، ويرثها الزوج.

стр. 6814

ولو أرضعت زوجها الصغير في مرض موتها، فقد قيل: تجعل فارة عن الميراث؛ فيرثها الزوج على القول القديم. وظاهر المذهب خلافه. ولو طلق إحدى زوجتيه على الإبهام، ثم عين في المرض- فهل يكون فارّاً؟ فيه وجهان ينبنيان على أن الطلاق يقع حين التعيين أو حين اللفظ؟ كذا حكاه مجلي عن "الحلية"، وأبدى الرافعي ذلك احتمالاً للبوشنجي. ولو وكل وكيلاً في الطلاق في الصحة، فطلقها الوكيل في مرض الزوج- ففيه وجهان محكيان في "الذخائر" عن "الحلية" أيضاً. ولو أقر في المرض أنه كان في الصحة أبانها، ذكر الشيخ أبو حامد: أنها [لا] ترثه قولاً واحداً، وحكى القاضي أبو الطيب عن الماسرجسي عن بعض أصحابنا أنه قال: في ذلك قولان؛ كما لو طلق في حال المرض والأظهر الأول، قال القاضي أبو الطيب: لأن المريض إذا أقر في [مرض موته] أنه وهب في الصحة وأقبض أن كان من رأس المال وفي "الوسيط": أن القاضي قال: لا يبعد أن يجعل فارّاً؛ لأنه محجور عن إنشاء القطع. قلت: وهذا يخالف ما ذهب إليه القاضي فيما إذا أقر في مرضه بأنه وهب من وارثه عيناً وسلم قبل المرض؛ فإنه رأى أنه يقبل، على ما حكاه في "الوسيط" أيضاً

стр. 6815

في كتاب "الإقرار"، وإن كان محجوراً عليه في حق الوارث وإذا قلنا: لا يرث، فلو أوصى لها بمال، حكى القفال عن أبي حنيفة: أنها تعطى أقل الأمرين من الوصية والإرث، ثم قال: وهذا يقارب مذهبنا. قال مجلي: وخالفه الأصحاب وقالوا: لها الوصية زادت أو نقصت، ما لم تجاوز الثلث، والله أعلم. ***

стр. 6816

باب الرجعة الرَّجعة- بفتح الراء وكسرها-: المرة من الرجوع والرجع. يقال: فلان يقول بالرجعة، أي: بالرجوع إلى الدنيا. والفتح فيها أفصح عند الجمهور، والكسر عند الأزهري. وهي في الشرع: عبارة عن الرد إلى النكاح بعد الطلاق الذي ليس ببائن، على وجه مخصوص. والأصل فيها- بعد الإجماع- من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً﴾ [البقرة: ٢٢٨] قال الإمام: والرد: الرجعة بإجماع المفسرين، والمراد بالإصلاح: إصلاح ما تشعث من النكاح بالرجعة، قاله المحاملي عن الشافعي. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]، والمراد ببلوغ الأجل في هذه الآية: مقاربة انقضاء العدة؛ على وِزان قول القائل: بلغت البلد، إذا قاربها ودنا منها؛ لأن العدة إذا انقضت لم يكن للزوج سبيل إلى الإمساك، على ما سيتضح؛ فلا ينتظم التخيير بينه وبين المفارقة. وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] انقضاء العدة؛ [فإن النهي عن العضل [لا يتحقق إلا] عند انقضاء العدة]. ومن السنة قوله- ﷺ في قصة ابن عمر: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا". قال:- إذا طلق الحر امرأته طلقة أو طلقتين، أو طلق العبد امرأته طلقة بعد الدخول بغير عوض- فله أن يراجعها قبل أن تنقضي العدة؛ لما تقدم. نعم هل يفتقر

стр. 6817

العبد في المراجعة إلى إذن السيد؟ فيه خلاف مبني على أن الطلاق [الرجعي] يزيل الملك عن الزوجة أم لا؟ وفيه كلام سنذكره، فإن قلنا: [إنه] يزيل الملك، فلابد من إذن السيد، وإلا فلا. وينبني على هذه القاعدة- أيضاً-: أن الحر إذا كان تحته حرة وامة، فطلق الأمة طلاقاً رجعيّاً، ثم أراد أن يراجعها- فإن قلنا: [إنه] يزيل الملك، لم يملك مراجعتها. قال القاضي: وينبغي أن يضاف إليه: إلا بشرط جواز نكاح الأمة. وإن قلنا: [إنه] لا يزيل الملك، فله ذلك. ولو فقد قيد من القيود المذكورة في الكتاب لم يملك الرجعة: أما إذا كان قد استوفى عد الطلاق؛ فلأنها لا تحل له إلا [من] بعد زوج [آخر] لما سنذكره. وأما إذا كان قبل الدخول؛ فلأن الله- تعالى- حيث أثبت الرجعة أثبتها في العدة، ولا عدة قبل الدخول. نعم، قد حكي عن القديم: أن الخلوة تقرر المهر، وهل توجب العدة. فيه وجهان، فإن أوجبت العدة، أثبتت الرجعة، وحكى الشيخ أبو علي وجهاً: أنها لا تثبت. قال الإمام: وهذا لا اتجاه له في القياس. وكذا أجرى الخلاف فيما إذا أوجبنا العدة على الموطوءة في الدبر في ثبوت الرجعة وهو جار- أيضاً- في استدخال الماء كما مر ذكره. فإن قلنا: إن الرجعة تثبت في هذه الصور، وإن لم يجر دخول، فالعبارة الشاملة [أن نقول]: كل من طلق زوجته طلاقاً مستعقباً للعدة، ولم يكن بعوض، ولم يستوف عدد الطلاق- فإنه يثبت [له] الرجعة، ويندرج تحت ذلك ما لو قال لغير المدخول بها: إن وطئتك فأنت طالق؛ فإن الأصحاب قالوا: إذا وجد الوطء، كان الطلاق رجعيّاً.

стр. 6818

ووجهوه: بأن من الأصحاب من يرى [أن] الطلاق المعلق بالصفة يقع [مرتباً عليها متأخراً عنها، وإذا كان كذلك [فالطلاق واجب بعد دخول] العدة؛ ومنهم من يرى أنه يقع مقارناً لها، وهو ما اختاره الإمام. وقال الرافعي في كتاب الطلاق: إنه المنسوب إلى المحققين، وإذا كان كذلك فالوطء الجاري يقتضي العدة؛ فيكون الطلاق [مع العدة، وذلك يقتضي ثبوت الرجعة. قال الرافعي: وربما قيل: الطلاق] والوطء تقارناً، لكن الطلاق مبين، والوطء مقرر، فإذا اجتمعا يغلب جانب تقرير النكاح، و [هذه] المسألة شبيهة بما إذا قال العبد لزوجته: إذا مات سيدي فأنت طالق طلقتين، وقال السيد: إذا مت فأنت حر- فإنه لا يحتاج [في] نكاحها إلى محلل على الأصح، وقد ذكرنا وجهاً آخر أنه يحتاج، ولا يبعد [مجيء مثله ها هنا. انتهى]. وهذه الصورة تندرج في كلام الشيخ إن قلنا: إن الطلاق يقع بعد الصفة، أما إذا قلنا: إنه يقع مقارناً لها، فكلامه ها هنا مفهومه يقتضي أنه لا يكون رجعيّاً، وقوله من بعد: فإن [كان] الطلاق قبل الدخول أو بعده بعوض فلا رجعة له مفهومه يقتضي أن الرجعة تثبت فيما إذا كان الطلاق مع الدخول، وصورة ذلك ما ذكرناه، والله أعلم. وأما إذا كان [الطلاق] بعوض فلما تقدم في الخلع، وأما إذا كان بعد انقضاء العدة، فلآية العضل؛ لأنه لو ملك رجعتها لما نُهي الأولياء عن العضل؛ لعدم إباحة النكاح لهن. قال: "وله أن يطلقها، ويظاهر منها، ويولي منها قبل أن يراجعها؛ لأن الزوجية باقية. وفي "الجيلي" حكاية وجه: أنه لا يلحقها الطلقة الثانية، وعزاه إلى "البسيط".

стр. 6819

ووجه آخر: أنه لا يصح الظهار والإيلاء، وبناه على عدم وقوع الطلقة الثانية والثالثة، وعزاه إلى تعليق [أسعد] وإن في "البسيط" إشارة إليه، وقد تتبعت مظانه [فيه] فلم أجده ولا الأول، والله أعلم. نعم، لا يثبت حكم الظهار، وضرب المدة في الإيلاء إلا بعد الرجعة، وهل يقع عليها الطلاق المرسل كما إذا قال: زوجاتي طوالق؟ فيه خلاف، منهم من حكاه وجهين، ومنهم من حكاه قولين- منصوصاً، ومخرجاً- والأصح وقوعه، وبه قطع الشيخ أبو محمد.

стр. 6820

قال: "وهل له أن يخالعها؟ فيه قولان، أصحهما: أن له ذلك"؛ لبقاء أحكام الزوجية، وهذا نصه في الأم. والثاني: ليس له، وهو نصه في "الإملاء". قال القاضي الحسين في "التعليق": وهو الأصح؛ لأن الخلع للتحريم، وهي محرمة [عليه]، فعلى هذا ينفذ الطلاق إذا قبلت رجعتها كما في السفيهة، وعن رواية الشيخ أبي علي: أنه يصح مخالعتها بالثالثة دون الثانية؛ لأن الثالثة تفيد الحرمة الكبرى، والثانية لا تزيد شيئاً. قال: "ولو مات أحدهما ورثة الآخر"؛ لبقاء الزوجية إلى الموت. قال: ولا يحل له وطؤها، ولا الاستمتاع بها- أي: ولو باللمس أو النظر "قبل أن يراجعها-. أما الوطء؛ فلأن العدة قد وجبت عليها، وهي مشروعة لبراءة الرحم؛ فلو أبحنا له الوطء، للزمها تمكينه عند الطلب، والوطء سبب لشغل الرحم؛ فتصير في الحالة الواحدة مأمورة بما يوجب براءة رحمها وبما هو [سبب لشغله] وذلك متناقض. ولأنها جارية إلى البينونة بعد اضطراب العقد؛ فتحرم على الزوج، كما إذا أسلم أحد الزوجين الوثنيين بعد الدخول؛ فإنه لا يحل للزوج وطؤها في مدة العدة. وأما الاستمتاع؛ فلأنه طلاق حرم الوطء فحرم مقدماته؛ كالبائن. ثم لتعلم أن تحريم الوطء مفرع على أن الوطء لا يحصل به الرجعة أما إذا قلنا: إنه رجعة- على ما حكاه مجلي [وجهاً]- فيتجه أنه لا يحرم، كما قلنا فيما إذا طلق إحدى زوجتيه على الإبهام، وقلنا: إن الوطء يكون تعييناً؛ فإنه لا يحرم. قال: فإن وطئها قبل أن يراجعها، أي: ولم يراجعها حتى بانت "فعليه المهر" [أي: مهر المثل]؛ لأنها في تحريم الوطء كالبائن؛ فكذلك في المهر.

стр. 6821

ووجهه الشيخ أبو حامد بأنه إذا لم يراجعها حتى انقضت العدة بان أنها بانت بالطلاق، وهذا موافق للطريقة الثالثة التي سنذكرها في أن الطلاق الرجعي هل يزيل الملك أم لا؟ واعترض ابن الصباغ على ذلك بأنه لو طلق الرجعية وقع، ولو بان بانقضاء العدة من غير رجعة بينونتها من وقت الطلاق، لبان عدم وقوع الطلاق؛ كما لو أسلم أحد الزوجين بعد الدخول وطلقها في مدة العدة، ومضت، ولم يسلم المتخلف [منهما]؛ فإنه يتبين أن الطلاق لم يقع. قال: "وإن وطئها ثم راجعها لزمه المهر على ظاهر النص، وقيل: فيه قول مخرج: أنه لا يلزمه"، وقد بينا ذلك في نكاح المشركات فليطلب منه. وأورد صاحب "الشامل" هنا أسئلة فقال: فإن قيل: إيجاب المهر يؤدي إلى أنه يجب مهران في عقد واحد؟ قلنا: هذا المهر وجب بوطء شبهة دون عقد كما يجب إذا وطئها بعد البينونة. فإن قيل: الرجعة زوجة؛ ولهذا لا يفتقر إلى رضاها، ويصح معها الظهار وغيره كما ذكرنا؟ فالجواب: أن ملكه زال عن الوطء، وصارت محرمة عليه تحريم المبتوتة، وإنما العقد لم يزل حكمه، وهذه الأحكام متعلقة بالعقد. فإن قيل: لو زال ملكه عن الوطء زال العقد؛ لأن العقد لا يصح على من لا يملك وطأها؟ قيل: إنما يعتبر هذا في الابتداء دون الاستدامة، ولا يمنع ذلك كما لا يزول العقد بالردة والعدة. فإن قيل: الطلقة أفادت التحريم، والتحريم لا يزيل الملك عن الوطء كالمحرمة والمعتدة؟ قيل: الطلاق وضع لإزالة الملك، فإذا تعلق التحريم به كان ذلك كزوال المطلقة دون الإحرام والاعتداد.

стр. 6822

تنبيه: قد ظهر لك بما ذكره الشيخ من وجوب المهر، من غير تفصيل بين أن تكون الموطوءة عالمة بالتحريم أو غير عالمة أن الحد لا يجب بهذا الوطء؛ إذ لو وجب لما وجب معه المهر على الإطلاق، ووجهه: اختلاف العلماء في حل هذا الوطء. وحكى الرافعي وجهاً: أنه يجب، وضعفه. وأما التعزير فلا يجب على من اعتقد الحل أو جهل الحل أو جهل التحريم، ويجب على من سواه. فائدة: لما نظر الأصحاب إلى الأحكام المتعلقة بالرجعية وجدوا لها دلالات متعارضة؛ فأنشئوا منها ثلاث طرق في أن الطلاق الرجعي هل يقطع النكاح ويزيل الملك، أم لا؟ إحداها: نعم، ويدل عليه تحريم الوطء، ونصه على وجوب المهر وإن راجع، وأنه لا يصح مخالعتها على قول. [والثانية: أنه لا يزيل الملك، ويدل عليه أنه لا يجب عليه الحد بوطئها، وأنه تصح المخالعة على قول]، وأنه يقع الطلاق، [ويصح] الإيلاء واللعان والظهار، ويثبت الميراث، وأنه لا يجب الإشهاد على قول. واشتهر عن لفظ الشافعي- ﵁: أن الرجعية زوجة في خمس، أي: من كتاب الله- تعالى- وأراد: الآيات المشتملة على هذه الأحكام. والثالثة: أنه موقوف، فإن راجعها تبين أن الملك لم يزل، وإلا تبين زواله بالطلاق وأخذ ذلك من قول الأصحاب: إن المهر موقوف: إن راجعها لم يجب، وإلا [وجب]. واختار الإمام الطريق الثاني، واختار الغزالي في "البسيط" الطريق الأول. قال الرافعي: وأنت إذا نظرت في المسائل، وفيما هو الأظهر في الصور المختلف فيها- لم تطلق القول بترجيح زوال الملك ولا ببقائه.

стр. 6823

قال: "وإن كان [الطلاق] قبل الدخول أو بعد الدخول بعوض، فلا رجعة له"؛ لما ذكرناه. قال: وإن اختلفا، فقال: قد أصبتك فلي الرجعة، وأنكرت المرأة- فالقول قولها"، أي: مع يمينها؛ لأن الأصل عدم الوطء، ويخالف ما لو ادعى المولي والعنين الوطء [وأنكرت المرأة]؛ فإن القول قوله؛ لأن المرأة تدعي ما يثبت لها حق الفسخ، والأصل صحة النكاح وسلامته، وها هنا الطلاق قد وقع، والزوج يدعي ما يثبت له به الرجعة، والأصل عدمه، وإذا حلفت فلا عدة عليها ولا [رجعة له، ويحرم عليه أن ينكح أختها أو أربعاً سواها إلى أن تنقضي العدة زمان إمكان انقضاء العدة، ولا] يجب لها نفقة ولا كسوة ولا سكنى. وأما المهر: فإن كانت قد قبضته لم يرجع عليها بشيء منه، وإن لم تكن قد قبضته فلا ترجع عليه إلا بنصفه؛ لأنها لا تدعي [عليه] إلا ذلك هكذا أطلقوه، وهو ظاهر فيما إذا قلنا: إن الشطر يعود إليها بالطلاق، أما إذا قلنا: لا يعود إلا باختيار الزوج تملكه، أو بحكم الحاكم- فإن لها التصرف فيه قبل ذلك. وفيه نظر؛ من حيث إن الزوج لم يملكه بعد، وهو باق على ملكها؛ فيتجه أن تملك المطالبة به، ولا يملك الزوج أن يتملكه بعد ذلك؛ لاعترافه باستقرار الملك لها. وجوابه: أن [اتفاق] الأصحاب على عدم ذلك يعرفك ضعف هذين الوجهين. وفي "الرافعي": أنها إذا أخذت النصف، ثم عادت واعترفت بالدخول- فهل لها أخذ النصف الثاني أم لابد من إقرار مستأنف من جهة الزوج؟ نقل إبراهيم المروروذي فيه وجهين. قلت: وهما الوجهان المحكيان في كل من أقر بحق لإنسان، فكذبه، ثم عاد وادعى ذلك- فهل يسلم إليك على ما سيأتي ذلك في موضعه، إن شاء الله- تعالى-. [وهذا إذا لم يراجعها بعد اعترافها بالدخول، أما إذا راجعها ثم وطئها فقد يظن أن

стр. 6824

المهر يجب بجملته قولاً واحداً، والذي يظهر: أن الحكم لا يختلف؛ لأنا إذا أخذناها بمقتضى إقرارها السابق بالنسبة إلى عدم الاستحقاق للشطر، فمقتضى الإقرار- أيضاً-: أن هذا الوطء زنى؛ فلا يثبت شيئاً، والله أعلم]. ونقل- أيضاً- أن في "شرح المفتاح": أن الزوجة إذا كانت قبضت المهر، وهو عين، وامتنع الزوج من قبول النصف، أو كانت العين المصدقة في يده، وامتنعت من أخذ الكل- فيأخذها الحاكم، وإن كان ديناً في ذمته، فيقول لها: إما أن تقبليه أو تبرئي عنه. فرع: لو كان الزوج قد آلى منها، أو ادعت عُنَّته، فادعى أنه وطئها، وكذبته، ثم طلقها وهي مصرة على التكذيب- فهل له أن يراجعها؟ المذهب: لا، وحكى الشيخ أبو علي وجهاً: أنه يمكن من الرجعة، ويصدق في الإصابة للرجعة، كما صُدِّق في الإصابة لدفع التفريع، حكاه الرافعي وغيره في أواخر كتاب الإيلاء. ولا فرق فيما ذكرناه- على الجديد- بين أن يكون ثَمَّ خلوة أو لا. وعلى القديم: إن جعلنا الخلوة مرجحة لجانب من ادعى الدخول كان القول قول الزوج مع يمينه، وثبتت الرجعة، وإن جعلناها مقررة فقد تقدم الكلام فيها في صدر الباب. قال: "ولا تصح الرجعة إلا بالقول"، أي: الصريح القادر عليه؛ لأنه استباحة بُضْع مقصود؛ فلم يصح بغير القول مع القدرة عليه؛ كالنكاح. وفي "الذخائر": أن الشاشي حكى عن أبي العباس من أصحابنا وجهاً: أن الرجعة تحصل بالوطء والمباشرة بشهوة والقبلة، سواء نوى بذلك الرجعة أو لم ينو؛ كمذهب أبي حنيفة وأحمد؛ بالقياس على وطء البائع الجارية المبيعة في زمن الخيار؛ فإنه يكون فسخاً مقيداً للملك الأول.

стр. 6825

وفرق القاضي الحسين بينهما بأن الوطء يوجب [العدة؛ فاستحال أن يكون قاطعاً لها؛ لأن القطع ضد الوجوب، والشيء الواحد لا يوجب] ضدين، وليس كذلك الوطء في ملك اليمين؛ لأنه لا يثبت الخيار بحال، فجاز أن يكون قاطعاً للخيار. وفرق غيره بما ذكرناه من قبل، وهو أن ملك اليمين يحصل بالفعل على الجملة بطريق الاحتطاب [والاحتشاش] والغنيمة والسبي، ولا كذلك النكاح؛ فإنه لا يحصل بالفعل بحال. قال: "وهو أن يقول: راجعتها، أو: ارتجعتها، أو: رددتها". أما لفظ "الرجعة"، فلقوله- ﵊ في قصة ابن عمر: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا"، ولاشتهاره في الاستعمال. وأما لفظ "الرد"؛ فلقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ولقوله- ﵊ لركانة: "ارْدُدْهَا"، وفيه وجه: أنه ليس بصريح؛ لأنه لم يشتهر، ولم يتكرر، بخلاف لفظ الرجعة. وإذا جعلناه صريحاً فهل يشترط أن يقول: رددتها إلى، أو: إلى النكاح، أو يستحب؟ فيه وجهان: أشهرهما: الثاني، كما في لفظ الرجعة. وأظهرهما في "الرافعي" و"الوسيط": الأول، والفرق: أن "الرجعة" مشهورة في معناها، والرد المطلق بالمعنى المقابل للقبول [أشد إشعاراً]، وقد يفهم منه الرد إلى الأبوين بسبب الفراق. وعكس القفال الترتيب في "شرح التلخيص"، وجعل قوله: "رددتها إلى النكاح" صريحاً بلا خلاف، وكذلك أورد الإمام في قوله: "رددتها إلي"، وخصص الخلاف بما إذا اقتصر على قوله: "رددتها"، لكن المنقول في كتاب ابن كج: أن القاضي أبا حامد نقل في كتابه قولاً عن الرَّبيع: أن قوله: "رددتها [إليّ]، ليس بصريح. قال: فإن قال: أمسكتها، فقد قيل: يصح؛ لورود القرآن به غير مرة، وهذا هو

стр. 6826

الأصح في المجموع" للمحاملي، "وقيل: لا يصح"، لأن "الإمساك" معناه: الاستدامة، والاستصحاب، وقد ورد بذلك الكتاب العزيز في قوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، والرجعة ابتداء استحلال؛ فلا تحصل بما ليس فيه معنى الابتداء. وحكى القاضي أبو الطيب والشيخ أبو حامد وغيرهما: الخلاف في أن ذلك صريح أم لا؟ لكن القاضي حكاه قولين، والشيخ حكاه وجهين، و [الراجح منه] عندهما وعند القاضي الروياني وغيرهم: أنه ليس بصريح، وعند القاضي أبي الطيب ابن سلمة والإصطخري وابن القاص: أنه صريح، وهو الأصح في "التهذيب"، وعليه ينبني الخلاف في المسألة. فإن قلنا: إنه صريح، صحت المراجعة، وإلا فلا تصح وإن نوى؛ لما ذكرناه، وقد صرح بذلك الإمام حكاية عن العراقيين. وفي "تعليق" البندنيجي و"المجموع" للمحاملي: أن القائل بعدم الصحة لا يصحح الرجعة إلا بالكلمتين، ويوجهه بأنه استباحة بُضْع مقصود في عينه؛ فوجب أن يقف على كلمتين كالنكاح. قال البندنيجي: وليس بشيء. والمراد بالكلمتين: كلمة "الرجعة" وما اشتق منها، وكلمة "الرد". وفي "الرافعي": أنا إذا قلنا: إنه صريح، فيشبه أن يجيء في اشتراط الإضافة الخلاف المذكور في الرد، والذي أورده في "التهذيب": أنه يستحب أن يقول: أمستك على زوجيَّتي مع حكايته الخلاف في الاشتراط هناك. وإن قلنا: إنه ليس بصريح، فهل هو كناية؟ فيه وجهان: أظهرهما: نعم، وبه قال الشيخ أبو علي والقاضي الحسين. والثاني: المنع. وإن قلنا: بالثاني لم يصح وإن نوى، وإن قلنا بالأول ففي الصحة عند وجود النية عند المراوزة وجهان مبنيان على اشتراط الإشهاد، وفيه قولان: أصحهما: أنه لا يشترط، بل هو مستحب، وهو الجديد على ما حكاه الإمام وغيره. ومقابله هو القديم، والذي ذكره العراقيون. قال الرافعي- وهو الأثبت-: إن قوله

стр. 6827

في القديم و"الأم": عدم الاشتراط، ونسبوا قول الاشتراط إلى "الإملاء". [فإن قلنا: لا يشترط، صحت الرجعة بالكناية مع النية، وكذلك بالكناية مع البينة، وإن قلنا: يشترط، فلا]. قال الإمام؛ لأنه لا مطلع للشهود على النيات، وقد يقال: يشهد الشاهد على اللفظ، ويبقى التنازع في النية، وهذا بمثابة قولنا: المقصود من الشهود إثبات النكاح، [وإثبات النكاح] عند فرض الجحود، ثم لا يشترط الشهادة على رضا المرأة، وهو عماد النكاح؛ فإنها إذا جحدت الرضا فالشهادة على عقد النكاح لا تغني شيئاً. والوجه هو الأول؛ فانتظم من مجموع ما ذكرناه في المسألة ثلاثة أوجه. ثالثها: إن نوى صحت، وإلا فلا. قال: وإن قال: تزوجتها، أو: نكحتها- فقد قيل: لا يصح؛ لأن لفظ "العقد" يقتضي عوضاً؛ فلا ينعقد به ما لا يقتضي عوضاً كالهبة بلفظ النكاح، والهبة بلفظ البيع. ووجهه ابن الصباغ: بأن النكاح كناية في "الرجعة"، والرجعة لا تصح بالكناية [كالنكاح]، وهذا هو الأصح في "التهذيب"، و"المذهب" عند البندنيجي. قال: "وقيل: يصح"؛ لأنهما صالحان لابتداء العقد على الأجنبية، فلأن يصلحا للتدارك وتقويم المزلزل أولى. وفي طريقة المراوزة حكاية وجه: أنه إن نوى [مع] ذلك الرجعة صحت، وإلا فلا. ومثل هذا الخلاف جار فيما إذا جرى العقد على صورة الإيجاب والقبول. قال الروياني في التجربة: والأظهر الصحة؛ لأن العقد آكد في الإباحة. فائدتان: إحداهما: صرائح الرجعة هل تنحصر؟ قال العراقيون: هي محصورة في "الرجعة"، و"الارتجاع"، و"المراجعة"، وفي "الرد" و"الإمساك" و"النكاح" الخلاف المتقدم. وقال الشيخ أبو علي: لا تنحصر، بل كل لفظ ينبئ عن المقصود كقوله: "رفعت ما

стр. 6828

بيننا من الحرمة"، أو ما [شابهه مما] يجري مجراه مما يفيد الغرض- يكون صريحاً في الرجعة. وسبب الاختلاف في الإمساك تردد المفسرين في قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] وسبب الاختلاف في النكاح: إقامة الأقوى مقام الأدنى. الثانية: هل تصح الرجعة بغير العربية من اللغات؟ قال الرافعي: الصحيح الصحة. وفيه طريقان آخران: أحدهما: إن كان يحسن العربية لا تصح، وإن لم يحسنها فوجهان. [والثاني: إن كان لا يحسنها صح بلا خلاف، وإن كان يحسنها فوجهان]. والأخرس تصح رجعته بإشارته المفهمة؛ كما يصح نكاحه. قال: ولا يصح تعليق الرجعة على شرط، ولا تصح في حال الردة كالنكاح. وقال المزني: إذا راجع في حال الردة تكون الرجعية موقوفة، فإن اجتمعا على الإسلام في العدة تبينا صحتها، وإلا فلا [؛ كما في طلاقه. قال الإمام: وهذا له وجه، ولكن لم أر أحداً من الأصحاب] يجعله قولاً مخرجاً. والفرق بينها وبين الطلاق: أن المقصود من الرجعة الاستباحة، وهي لا تحصل في حال الردة، والمقصود من الطلاق التحريم، والردة محرمة؛ فتناسب وليست الردة كالحيض والنفاس والإحرام، إذا لم يجعل الإحرام مانعاً من الرجعة؛ لأن هذه الأسباب عارضة، ولا أثر لها في زوال النكاح. فروع: أحدها: إذا وطئت الرجعية بشبهة، فهل تصح رجعتها؟ إن كانت في عدة الزوج صحت على المذهب، وإن كانت في عدة الوطء وعلقت منه، وبقيت عدة الزوج متأخرة- فهل تصح؟ على وجهين، وادعى في "التتمة": أن ظاهر المذهب الصحة، وذلك مفرع على جواز الرجعة [في عدتها]، وسنذكر طرفاً من ذلك في باب العدد.

стр. 6829

الثاني: تعليق الطلاق على الرجعة صحيح، كما إذا قال: مهما راجعتك فأنت طالق، فإذا وجدت الصفة طلقت. وعن رواية القاضي الحسين: أن هذا التعليق لاغٍ؛ لأن مقصود الرجعة الحل، ولا يجوز تعليق نقيضه به. وفي "التتمة" وجه: أن الرجعة لا تصح؛ لأن مقتضى الرجعة أن يعود إلى صلب النكاح، وهذه الرجعة قد قارنها ما يمنع مقتضاها. الثالث: هل تصح الرجعة على الإبهام؟ فيه وجهان محكيان في "الرافعي" ها هنا، وفي "الوسيط" في القسم الرابع من كتاب الإيلاء في الحلف بالطلاق، وصورتها: ما إذا طلق إحدى امرأتيه على الإبهام، ثم قال: راجعت المطلقة منهما، والأصح: أنها إذا لم تقبل التعليق لا تقبل الإبهام وإطلاق ابن الصباغ في هذا الموضع يقتضي الجواز من غير خلاف. وقد نجز الكلام فيما تحصل به الرجعة، وبقي الكلام في المرتجع، ولم يتعرض له الشيخ، وجعله غيره ركناً في الرجعة، وقال: هو كل زوج مكلف يصح نكاحه قد وجد منه طلاق رجعي كما بيناه، سواء كان حرّاً أو عبداً، مسلماً أو كافراً. فلا يصح رجعة المجنون؛ إذ لا حكم لقوله، وهل تصح من وليه؟ قال الرافعي: ينبغي أن يجوز له ذلك حيث يجوز له ابتداء النكاح، لكن إذا جوّزنا التوكيل بالرجعة- وهو الأظهر- فإنما نفرض ذلك إذا طلق زوجته في حال إفاقته، ثم جن. [قال:] ولا يتصور في حق الصبي. قلت: بل يتصور على رأي، لكنه مبني على قواعد مختلف فيها؛ فلذلك لم نذكره، وهو ما إذا زوجه الولي وهو موسر، ثم أعسر بالنفقة؛ حيث قلنا بوجوبها عليه، وجوزنا الفسخ بمثل ذلك، ففسخ الحاكم النكاح، وقلنا: إن ذلك فرقة طلاق، ثم أيسر الصبي بعد ذلك في زمن العدة فإنه يتجه في هذه الصورة أن يجوز للولي الرجعة؛ حيث يجوز له أن يقبل النكاح وهذا لم أره لأحد، ولكني خرجته على [ما ذكروه] من الأصول، فلم أجدها تأباه. وأما السفيه فحيث يصح نكاحه تصح رجعته، وحيث لا فلا. صرح بذلك مجلي.

стр. 6830

وأما العبد فقد تقدم الكلام فيه في أول الباب. قال: وإن قال: راجعتك قبل انقضاء العدة، وقالت: بل انقضت عدتي، [ثم راجعتني]-: فإن كانت المرأة سبقت بدعوى انقضاء العدة، [ثم قال الرجل: كنت راجعتك]. فالقول قولها، [وإن سبق الرجل بدعوى الرجعة، ثم ادعت هي انقضاء العدة- فالقول قوله]. اعلم أن صورة المسألة- على ما حكاه الرافعي والمتولي وغيرهما-: أن يتفقا على مضي ثلاثة أقراء- مثلاً- وجريان صورة الرجعة، وإخبارها [بأن عدتها قد انقضت]، من غير أن يتفقا على وقت الرجعة، وعلى وقت انقضاء العدة إن لم تجر رجعة؛ فإن الشافعي- ﵁ نص في "الأم" في هذه المسألة على أن القول قول المرأة من غير تفصيل، ونقله المزني وكذلك قال في المرتد: إذا عاد إلى الإسلام واختلف هو والزوجة، فقالت: انقضت عدتي قبل أن تعود إلى الإسلام، [وقال: بل عدت إلى الإسلام قبل أن تنقضي-: إن القول قول المرأة]، وقال في "نكاح المشركات": إذا أسلمت الزوجة، وتخلف في الشرك، ثم أسلم، فقالت: أسلمت بعد انقضاء عدتي، وقال: بل قبل انقضائها- إن القول قول الزوج. وإن الأصحاب اختلفوا في ذلك على ثلاث طرق: إحداها: أن في ذلك قولين بالنقل والتخريج. أحدهما: أن القول [قوله؛ استبقاءً للنكاح، كما جعل القول قوله في دعوى الوطء في الإيلاء والعنة لهذا ولأن الأصل بقاء الرجعة. والثاني: أن القول] قولها؛ لأنها تخبر عما لا مطلع عليه إلا من جهتها، ولابد من ائتمانها وتصديقها فيه، والزوج يخبر عن الرجعة، ولا ضرورة في تصديقه؛ لتمكنه من الإشهاد عليها، وهذه الطريقة اختارها القاضيان أبو حامد والطبري، ولم يحكها الشيخ أبو حامد.
следующие страницы →