Полный текст (9 685 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
أخرجه أبو دود وابن ماجة، وكذا الترمذي وقال: حديث حسن. وهذا هو المشهور، وعنه احترز الشيخ بقوله: "بالغ".
قال البندنيجي قبيل [باب] اختلاف نية الإمام والمأموم: وقد [أفتى الشافعي] في "الأم" في استقبال القبلة: أنه يجب على الصبي فعلها قبل بلوغه، لكنه لا يعاقب على تركها عقوبة مَنْتَرَكَهَا بعد بلوغه. قال: وليس هذا بمذهب؛ لأنه غير بالغ فلا يكلف بالعبادات.
المسألة الثانية: من زال عقله بجنون أو مرض لا تجب عليه أيضاً: أما الجنون فللخبر، وأما من زال عقله بمرض: كالمغمى عليه والمبرسم، ونحوهما؛ فلأنه في معناه فألحق به، وقد روى الدارقطني أن عائشة قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الرجل يغمى عليه فيترك الصلاة؟ فقال: "ليس من ذلك قضاء، إلا أن يغمى عليه،
стр. 702
فيفيق في وقتها؛ فيصليها".
ومن شرب شراباً لا يرى جنسه مسكراً فكان مسكراً؛ وزال عقله بسببه- يلتحق بما ذكرناه؛ وهذا ما احترز عنه بقوله: "عاقل". واقتصاره على ما ذكر يفهم أن من زال عقله بما سوى ذلك، تجب عليه، وهو يشمل [صورتين]- على رأيه-.
إحداهما: من زال عقله بالنوم، ويقوي هذا المفهوم قوله من بعد: "إلا نائم"، ويشهد له قوله- ﵇: "من نسي صلاة، أو نام عنها؛ فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" رواه مسلم.
لكن في "الذخائر": أنمن زال عقله بالنوم فطبق [الوقت] فهو غير مخاطب بتلك الصلاة.
وصار بعض الفقهاء إلى تكليف النائم في بعض الأحكام. ثم قال: فإن قيل: فلم أوجبتم القضاء عليه؟ [قلنا]: للأمر الجديد، وقال: إن الحكم في الساهي والجاهل؛ كالحكم في النائم. وكلام الشيخ الآتي ينازع فيه.
الثانية: من شرب ما جنسه مسكراً فزال عقله بسببه، وإليه أشار في "المهذب"، [وبه] صرح في "التتمة"، ووجهه: أن فعل ذلك معصية، وترك الوجوب [عن المجنون] بمعنى: عدم إيجاب القضاء رخصة، والرخصة لا تنال بالمعاصي.
فإن قيل: لو ألقى نفسه من شاهق جبل عمداً؛ فانكسرت رجله؛ فصلى قاعداً- فلا قضاء عليه على [المذهب] وإن كان ما أتى به معصية.
قيل: من رمى نفسه من شاهق؛ انتهت معصيته بسقوطه؛ فهو غير عاص في دوام القعود، ولا كذلك من ذكرناه.
стр. 703
قال الإمام في باب صلاة المسافر: وهذا يمكن أن يقال في السكر أيضاً؛ لأن نفس السكر ليس بمعصية، فإنه ليس فعلاً مقدوراً للمكلف، ولكن لما كان مرتباً على الشرب لم يتضمن تخفيفاً في باب العبادات، وهكذا ما نحن فيه. ويمكن أن نفرق بأن السكر محبوب في الجبلات، فلا يمنع أن يلحق بالمعاصي؛ حتى ينزجر الناس عن التسبب إليه، ولولا السكر لما اعتمد الشرب؛ فإن الخمر مرة شنعة.
المسألة الثالثة: الحائض والنفساء لا تجب عليهما كما هو مذكور في باب الحيض، وعنهما احترز بقوله: "طاهر".
وقد أفهم كلام الشيخ: أنه لا فرق في عدم وجوبها على المجنون والحائض والنفساء، بين أن يكون حصل ذلك من غير تسبب فيه أو بتسبب، ولا خلاف في ذلك إذا حصل من غير تسبب، وأما إذا حصل بتسبب: فقد قال بعض الشارحين فيما إذا حصل الجنون بتسببه: إن الصلاة تجب عليه، بمعنى: وجوب القضاء بعد الإفاقة، وهو المذكور في "التتمة" و"تعليق البندنيجي".
وعبارة القاضي الحسين في باب صلاة المسافر: أنه إذا شرب الْبنْجَ وغيره مما يزيل عقله، فعليه قضاء الصلاة والصيام بعد الإفاقة كالسكران؛ لأنه جلب إزالة العقل بنفسه؛ فيؤخذ به.
قال: ويمكن أن يفرق بين شرب الخمر والأدوية المزيلة للعقل بأن: الشارب يقصد به الدوام دون الابتداء؛ لأن ابتداءه يكره بالطبع، ودوامه يورث الطرب والنشاط، فاللذة في دوامه دون ابتدائه؛ فلزمه القضاء، بخلاف الأدوية المزيلة للعقل؛ فإن الإنسان لا يقصد بشربها الدوام ولا الابتداء؛ فإنها لا تفضي إلى ما فيه لذة. وهذا ما ادعى الإمام أنه المذهب؛ حيث قال: إذا تسبب الشخص في إزالة عقل نفسه؛ فجن، ثم أفاق- فالمذهب: أنه لا يلزمه قضاء [تلك] الصلوات الفائتة في زمن جنونه؛ لأن الجنون مناف لتبعات التكليف بخلاف السكر.
قال: وذهب بعض أصحابنا إلى: أنه مأمور بقضاء الصلوات، قال: وهذه مرتبة على
стр. 704
ما إذا رمى نفسه من شاهق كما قدمناه، وأولى بعدم القضاء؛ لأنه [ثم] لم يخرج عن أهلية التكليف. وقال فيما إذا كانت المرأة حاملاً، فسعت في إسقاط جنينها ونفست: فالوجه: القطع بأن ما يفوتها من الصلوات في زمن النفاس؛ لا يلزمها قضاؤه، وذكر بعض الأصحاب فيه وجهاً بعيداً وهو حري ألا يعد من المذهب.
وإذا كان هذا حكم النفساء فالحائض كذلك، وقد جزم ابن الصباغ بعدم القضاء.
فرع: إذا ارتد ثم جن ثم أفاق وأسلم، قال الإمام في باب صلاة المسافر: فظاهر النص لزوم قضاء ما فاته في حال جنونه، وهو ما حكاه القاضي الحسين فيه، وهو بخلاف ما لو ارتدت المرأة أو سكرت، [ثم حاضت]، ثم طهرت وأسلمت أو أفاقت- لا يلزمها قضاء ما فات من الصلوات في زمن الحيض.
قال الإمام: والفرق أن الحائض مخاطبة بترك الصلاة في زمن حيضها، وهي مؤدية ما أمرت به، والمجنون ليس مخاطباً بترك الصلاة في زمن جنونه حتى يقال: إنه أدى ما أمر به.
ولو سكر ثم جن لزمه قضاء ما فاته في أغلب وقت السكر، ولا يلزمه قضاء ما فاته بعد ذلك في أيام الجنون، وإن اتصل بالسكر.
وفيه وجه ضعيف: أنه يجب قضاء ذلك أيضاً، حكاه مجلي والمتولي.
قال: ويؤمر الصبي بالصلاة لسبع، ويضرب على تركها لعشر؛ لقوله- ﵇: "علموا الصبي الصلاة ابن سبع سنين، واضربوه [عليها] ابن عشر" رواه أبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح.
стр. 705
واختلف الأصحاب في حكمة الضرب في العشر:
فقيل: لأجل المخالفة في سن يحتمل [فيه الضرب]، وعلى هذا يظهر أن تكون الصبية كالصبي.
وقيل: لأنه سن يحتمل أن يكون قد بلغ فيه وكتمه؛ وعلى هذا فتضرب الصبية لِتِسْعٍ؛ وبه صرح في "الحاوي".
والمعنى في الأمر بالصلاة في السن المذكور: أن يبلغ وهو يحسن ذلك. والآمر للصبي بذلك [وليه: وهو] الأب والجد والوصي والحاكم وأمينه؛ كما حكاه البندنيجي وغيره قبيل [باب] اختلاف نية الإمام والمأموم. وهل مخاطبة الولي بأمره الصبي بذلك على وجه الوجوب، أو الاستحباب؟ فيه وجهان: ظاهر النص منهما الأول، وهو الذي حكاه في "الحاوي"، [واختاره في "المرشد".
وكما يؤمر الولي بأمره بالصلاة، يؤمر بأمره بحضور المساجد والجماعات؛ كما حكاه القاضي أبو حامد عن الشافعي، ويؤمر بتعليمه الطهارة، وما يجزئه في صلاته من القراءة. والخلاف في أن ذلك واجب على الولي أو مستحب، [جار فيه أيضاً؛] صرح به القاضي الحسين؛ حيث قال: هل يجب على الأب أن يعلم ولده الصغير الفاتحة، أم لا؟ فيه وجهان: ظاهر النص: الوجوب، ووجه المنع: أن القراءة إنما تجب بعد البلوغ.
قال: وعلى الأول فالأجرة على الأب، فإن كان معسراً ففي مال الابن. قال: وهل له أن يعلمه ما سوى الفاتحة، ويعطي الأجرة من مال الصبي؟ فيه وجهان.
وقال في باب حد الخمر: إن أجرة [تعليم] ما يجب تعليمه من القراءة؛ لأجل الصلاة تجب في مال الصبي، وما زاد على الواجب، وكذا أجرة تعليم صنعة أو أدب، هل يجوز صرفه من مال الابن؟ فيه وجهان.
وهكذا حكى ذلك في "الكافي" ها هنا، وقال: إن الابن إذا كان معسراً وجب في مال الأب أجرة تعليم ما يجب من القراءة، فإن لم يكن، وجب ذلك على الأم.
стр. 706
وسيكون لنا عودة إلى شيء من ذلك في باب السواك.
ثم ما ذكره الشيخ من السن في الحالين هو المشهور، ولم يورد البندنيجي غيره.
وقال القاضي أبو الطيب: إن من أصحابنا من قال: لا يتقدر ذلك بمدة، ومتى حصل تمييز أمرناه بالصلاة، وضربناه على تركها، والنبي ﷺ إنما قدر السبع؛ لأن التمييز في العادة يحصل عندها.
وحكى عن اليحصبي: أنه إذا صار الصبي يَعُدُّ من واحد إلى عشرين، فقد حصل مميزاً، [و] يؤمر بفعل الصلاة، ويضرب على تركها.
وعلى الأول: هل يكون الأمر والضرب في أثناء السنة أو بعد تمامها؟ فيه وجهان حكاهما الجيلي.
فرع: صلاة الصبي الظهر ونحوها، هل هي نفل حتى تجوز قاعداً مع القدرة على القيام [، أو لا تجوز؟] فيه وجهان.
قال: فإن بلغ في أثناء الصلاة- أي: بالسن- وأكمل الصلاة، أو صلى في أول الوقت وبلغ في آخره-[أي: بالسن أو بالاحتلام] ونحوه- أجزأه ذلك عن الفرض.
стр. 707
هذا الفصل ينظم مسألتين الثانية منهما مبنية على الأولى؛ إذ عليها نص الشافعي في "المختصر"، ولفظه: "ولو دخل غلام في صلاة أو صوم يوم لم يكمله حتى استكمل خمس عشرة سنة- أحببت أن يتم ويعيد، ولا يبين لي أن عليه الإعادة" فظاهر هذا النص وجوب إتمام الصلاة والصوم واستحباب الإعادة، سواء كان الوقت ضيقاً أم واسعاً. ولا جرم، قال الماوردي: إنه ظاهر مذهب الشافعي.
و [قال] البندنيجي: إنه المذهب. واختاره أبو إسحاق المروزي وغيره- كما ستعرف- وقال الإمام: إنه الذي قطع به الأصحاب: القفال وأبو الطيب، [و] ادعى أنه لا خلاف في لزوم الإتمام، واستدل له ابن الصباغ بأن الشافعي قال: "ولا يبين لي أن عليه الإعادة"، ولا يجوز ألا تجب الإعادة والإتمام، وإذا كان هذا معنى النص فعليه ينطبق كلام الشيخ.
ووجهه: أنه شرع في وظيفة الوقت بشرائطها فأجزأته، وإن تغير حاله إلى الكمال في أثنائها؛ كالعبد إذا شرع في الظهر يوم الجمعة ثم عتق قبل إتمام الظهر وفوات الجمعة.
فإن قيل: كيف يصح ذلك، وأوله تطوع وآخره واجب؟
قال أبو إسحاق: لا يمتنع ذلك؛ لأنه لو دخل في صوم أو صلاة نافلة، ثم نذر إتمام ذلك ووجد الشرط؛ وجب عليه.
قال القاضي أبو الطيب: وقد اعترض بعض الناس على أبي إسحاق، وقال: ما ذكره من النذر يصح في الصوم دون الصلاة؛ لأن النذر ينعقد بالكلام، والكلام يبطل الصلاة، واختلف الأصحاب في جوابه:
فقال الداركي: النذر في الصلاة لا يبطلها؛ لأنه مناجاة لله، فهو من جنس الدعاء.
وقال غيره: في النذر إيجاب عبادة بشرط، فهو بخطاب الآدميين أشبه؛ فتبطل به الصلاة، ولم يقصد أبو إسحاق جواز النذر في الصلاة، وإنما قصد جوازه في الصوم،
стр. 708
وأطلق ذلك لما جمع بين العبادتين.
قلت: ويجوز أن يبقى كلام أبي إسحاق على إطلاقه، إذا قلنا: إن النذر يصح بالنية وحدها؛ كما سيأتي، ووراء ما ذكره الشيخ وجهان:
أحدهما- حكاه القاضي الحسين وغيره-: أنه يتم صلاته وصيامه على وجه الاستحباب، ويعيد في الوقت وبعده وجوباً، وقد حكاه الماوردي عن ابن سريج، وكذا العراقيون؛ كما قال الإمام.
وقال في "المهذب": إنه حكى عنه، مثل ما حكيناه عن أبي إسحاق، وهو ما حكاه البندنيجي وحكى عنه هذا أيضاً؛ فيجوز أن يكون له في المسألة وجهان.
وعن المتولي أنه قال: هذان الوجهان ينبنيان على: [أن نية الفرضية للظهر]- مثلاً- هل تصح الصلاة من دونها، أم لا؟ وفيه وجهان يأتيان: فعلى الأول: يجزئه ما أتى به عن الفرض، وعلى الثاني لا.
والثاني: إن كان وقت الصلاة واسعاً أعاد الصلاة واجباً، وإن كان فائتاً أعاد الصلاة استحباباً، ولا يعيد الصوم؛ وهذا قول أبي سعيد الإصطخري؛ كما حكاه الماوردي تبعاً لأبي حامد، وأبي علي، وحكاه عن بعض الأصحاب.
وكيف كان، فقد قال الشيخ أبو حامد: إنه لا يُعرف للشافعي، ولو كان على ما ذكره؛ لوجبت الإعادة وإن لم يبق من الوقت ما يفعل فيه الصلاة؛ لأن المعذور عند الشافعي يدرك الصلاة بإدراك الركعة أو التكبيرة-[على قول]- فلا يصح هذا على أصله؛ وهذا حكم المسألة الأولى.
وأما [المسألة] الثانية: فقد قال القاضي الحسين: إنه لا يجب عليه فيها الإعادة قولاً واحداً؛ كما لو صلت الأمة مكشوفة الرأس في أول الوقت، وعتقت في آخره، والماوردي وغيره قالوا: إن الأوجه السالفة جارية يها.
فرع: إذا صلى [الصبي] يوم الجمعة الظهر قبل فوات الجمعة، ثم بلغ قبل
стр. 709
فواتها، فهل تجب عليه؟ فيه كلام ذكرناه في باب الجمعة.
قال: وأما الكافر: فإن كان أصليّاً لم تجب عليه؛ لأنه لا يصح منه فعلها في حال كفره، وإذا أسلم لا يجب عليه قضاؤها؛ فلا يجوز أن يخاطب بها؛ كالحائض، وهذا ظاهر النص؛ فإن الشافعي قال في قسم الصدقات من "المختصر": "فرض الله على أهل دينه المسلمين في أموالهم حقّاً لغيرهم من أهل دينه المسلمين"، وإذا كان هذا نصه في الزكاة [وهي] من فروع الشريعة- فكذا باقيها؛ إذ لا قائل بالفرق، وبظاهر هذا النص أخذ بعض الأصحاب، ويقال: إنه الشيخ أبو حامد، وإنه طرده في جميع فروع الشريعة، وقال في "البحر" ثَمَّ: إنه قول العراقيين. والذي ذهب إليه أكثر الأصحاب؛ كما حكاه القاضي أبو الطيب والماوردي [وغيرهما ثم] وصححوه: أنهم مخاطبون بالفروع بشرط تقدم الإسلام، وهو المتقرر في الأصول بأدلته، وهؤلاء قالوا: مراد الشافعي بقوله: "فرض الله على أهل دينه"، تخصيص المسلمين بذلك؛ لأنهم إذا امتنعوا من العبادات أجبروا عليها وطولبوا بها، بخلاف الكفار؛ وإن كان المسلمون والكفار سواء في توجه الخطاب إليهم.
قلت: وهذا تأويل كلام الشيخ، أيضاً.
قال: وإن كان مرتدّاً؛ وجبت عليه، أي: بمعنى أنه يطالب بقضائها بعد إسلامه؛ لأنه حق لزمه بإقراره لا يسقط بالشبهة؛ فلا يسقط بالردة، والعود إلى الإسلام كالإقرار بالمال.
قال: ولا يعذر أحد من أهل فرض الصلاة في تأخيرها عن الوقت؛ إذ لو عذر؛ لفاتت فائدة التأقيت وقد قال- ﵇: "ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت أخرى، فمن فعل ذلك فليصلها حين
стр. 710
يتنبه لها" متفق عليه.
قال: إلا نائم؛ للخبر، أو ناس؛ لقوله- ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه".
стр. 711
....................................................................................................
стр. 712
....................................................................................................
стр. 713
قال: أو معذور بسفر أو مطر فإنه يؤخرها بنية الجمع؛ لما ستعرفه في بابه، أو من أكره على تأخيرها [للخبر].
فإن قلت: الشيخ جمع فيما استثناه بين ما هو متفق عليه: [وهو ما عدا التأخير بعذر المطر]، وما هو مختلف فيه: وهو التأخير بعذر المطر، وإذا كان الأمر كذلك فقد بقي مما ينبغي أن يستثني- أيضاً- صور:
منها: تأخير المغرب إلى العشاء بمزدلفة بعذر النسك لا السفر؛ فإن فيه خلافاً ستعرفه.
ومنها: المحرم إذا خاف أنه متى صلى فاته الوقوف بعرفة، ولو مشى للوقوف فاتته الصلاة، فإنه يؤخر الصلاة على رأي لم يحك القاضي الحسين في باب الأحداث غيره، قال في "الروضة": وهو الصواب؛ لأنا نجوز تأخير الصلاة لأمور لا تكاد تقارب المشقة فيها هذه المشقة: كالتأخير للجمع.
ومنها: العاري إذا كان بينه وبين قوم من العراة ثوب، وعلم أن الثوب لا ينتهي إليه إلا بعد خروج الوقت، فإنه: هل يؤخرها عن الوقت [أو يصلي فيه] عارياً؟ فيه قولان ستعرفهما في آخر باب ستر العورة، والمنصوص منهما في "الأم": أنه يؤخر. ومثل هذه المسألة ما تقدم في التيمم.
قلت: إنما لم يستثن الشيخ ذلك- والله أعلم- لأن الخلاف في الصورة الأولى مذكور في طريق المراوزة، [وهو حاكٍ] طريق أهل العراق. وكذا الخلاف في الصورة الثانية محكي عن القفال، ولعل العراقيين لا يوافقون عليه، على أنه لو كان في طريقهم لقلنا: ما وقع استثناؤه لم يوجب فيه الشرع التأخير.
ونحن إذا قلنا: إنه يمشي للوقوف ويؤخر الصلاة؛ كان ذلك على وجه الوجوب، وليس من قبيل ما نحن فيه، وبه يقع الجواب عن الصورة الثالثة- أيضاً- وما في معناها؛ كما تقدم في التيمم؛ وبه ينقطع إلحاق مشقة فوات الوقوف بمشقة الجمع؛ كما صار إليه النواوي؛ لأن تلك المشقة لا توجب الجمع.
стр. 714
قال: ومن امتنع من فعلها جاحداً لوجوبها- أي: منكراً لوجوبها- وهو غير معذور؛ بأن كان قد تقدم إسلامه وخالط المسلمين- كفر؛ لقوله ﷺ : "بين العبد و [بين] الكفر ترك الصلاة" رواه مسلم، ولأنه جحد أصلاً مقطوعاً به في الشرع، لا عذر له فيه، فتضمن جحده تكذيب الله ورسوله، ومن كذبهما؛ فقد كفر.
قال الرافعي: وهكذا كل من جحد حكماً مجمعاً عليه [يكفر.
وقال في "الروضة": ليس هذا على إطلاقه، بل هو مختص بمن جحد مجمعاً عليه] فيه نص، وهو من أمور الإسلام الظاهرة، التي يشترك في معرفتها الخواص والعوام: كالصلاة، والزكاة، والحج، وتحريم الخمر، أو الزنى، أو نحو ذلك. ومن جحد مجمعاً عليه لا يعرفه إلا الخواص: كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب، وتحريم نكاح المعتدة، وكما إذا أجمع أهل العصر على حكم حادثة- فليس بكافر للعذر، بل يعرف الصواب ليعتقده، ومن جحد مجمعاً عليه ظاهراً لا نص فيه، ففي الكم بتكفيره خلاف يأتي في باب الردة، وقد أوضح صاحب "التهذيب" القسمين الأولين في خطبة كتابه، والحكم بكفره في مسألة الكتاب مرتب على الجحد لا على الامتناع من الفعل والجحد؛ يدل عليه أن الجحد لو انفرد لاقتضى التكفير.
قال: وقتل بكفره؛ لقوله- ﵇: "من بدل دينه فاقتلوه" أخرجه البخاري. وفي قول الشيخ: "وقتل بكفره" تنبيه على أن كيفية قتله كيفية قتل المرتد؛ كما صرح به غيره، وسيأتي حكمه.
أما من كان حديث عهد بالإسلام، وقد نشأ في بادية بعيدة- فيعرف
стр. 715
أن الصلاة واجبة عليه، فإن أصر على الإنكار كان حكمه حكم من نشأ في الإسلام.
قال: ومن امتنع [من فعلها] غير جاحد حتى خرج الوقت، قتل في ظاهر المذهب؛ لأن المزني قال [وقد] قال الشافعي: يقال لمن ترك الصلاة حتى خرج [الوقت] لا يعملها غيرك، فإن صليت وإلا استتبناك، فإن تبت وإلا قتلناك.
ووجهه: مفهوم قوله- ﵇: "نهيت عن قتل المصلين"، وقوله- ﵇: "من ترك الصلاة فقد برئت منه الذمة"، ولأنها تشتمل على عمل
стр. 716
بالجوارح، ونطق باللسان، واعتقاد بالقلب؛ فشابهت الإيمان؛ ولهذا سماها الله إيماناً
стр. 717
[في قوله]: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، ومن ترك الإيمان بعد تلبُّسِهِ به قتل؛ فكذا شبهه.
فإن قيل: ومن ترك الإيمان فقد كفر؛ فينبغي أن يحكم بكفره.
قلنا: قد قال بن شرذمة من أصحابنا، على ما حكاه الحناطي وصاحب "المهذب" وغيرهما، والقاضي الحسين نسب ذلك في باب قتل المرتد إلى أبي جعفر الترمذي وأبي عبيد بن حربويه من أصحابنا؛ تمسكاً بظاهر قوله- ﵇: "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة"، وقوله- ﵇: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس"
стр. 718
ودمه مستحل وليس بزان ولا قاتل؛ فتعين أن يكون كافراً. لكن الجمهور على: أنه لا يكفر بذلك؛ لقوله- ﵇: "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق- أدخله الله الجنة على ما كان من عمل" متفق عليه، وقوله- ﵇: "خمس صوات افترضهن الله على عباده، من أحسن وضوءهن، وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وخشوعهن- كان له على الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل، فليس له عند الله عهد إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه" أخرجه أبو داود؛ ولأن الكفر بالاعتقاد، واعتقاده صحيح، والخبر الأول الذي استدل به الخصم: نحمله على ما إذا كان جاحداً لوجوبها، أو على أن يعامل معاملة من كفر في القتل؛ كما في قوله- ﵇: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر".
стр. 719
والخبر الثاني مخصوص بالأحاديث المستوجبة للقتل، ولعله كان قبل وجوب القتل بترك الصلاة؛ كما قيل في قوله- تعالى-: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ...﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥].
وقد وافق الشيخ في ادعاء أن قتله بترك صلاة واحدة بظاهر المذهب- القاضي أبو الطيب وغيره، وهو اختيار أبي علي في "الإفصاح"، وظاهر كلامهم: أنه يقتل بعد خروج وقتها الاختياري.
وفي "النهاية": أن الصيدلاني وغيره قالوا: لا يقتل ما لم يخرج وقتها الضروري- أي: إن كان- فلا يقتل بصلاة الظهر، حتى تغرب الشمس، ولا يقتل بصلاة المغرب، حتى يطلع الفجر، ويقتل بصلاة [الصبح] إذا طلعت الشمس.
قلت: وعلى قياسه أنه يقتل بصلاة العصر إذا غربت الشمس، وبصلاة العشاء إذا طلع الفجر.
قال الإمام: وما ذكره الصيدلاني لم أر في الطرق ما يخالفه، وهو حسن، وهذا ما حكاه الروياني في "تلخيصه" عن القفال، وقال: إنه خلاف النص؛ فإنه لم يعتبر فيه خروج وقت العذر والضرورة.
قال: وقيل: يقتل بترك الصلاة الرابعة إلى أن يضيق وقتها؛ لأنه إذا ترك ذلك علم تهاونه، وإذا ترك دونها جاز أن يكون قد تركها؛ لعذر، وتأويلٌ مِنْ تَرْكه- ﵇ الصلوات يوم الخندق.
قال: وقيل يقتل بترك الصلاة الثانية إلى أن يضيق وقتها؛ لأن الصلاة الواحدة يجوز أن يكون قد تركها بشبهة جواز الجمع، وأما تركه- ﵇ الصلوات يوم الخندق؛ فقد عرف من دين محمد- ﵇ أن ذلك كان قبل نزول صلاة الخوف؛ فلم تبق شبهة.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي [أمرين:
أحدهما:] أنه لا فرق في قتله بسبب ترك الصلاة- عند فقد الأعذار السالفة- بين أن يبدي عذراً غيرها من برد أو نجاسة، أو يقول: تركتها كسلاً وتهاوناً، أو لا
стр. 720
يذكر شيئاً من ذلك، وهو ظاهر كلام الأصحاب، لكن في "التتمة": أنه إذا قال: تركتها ناسياً، أو للبرد، أو لعدم الماء، أو لنجاسة كانت عليَّ، ونحو ذلك من الأعذار- صحيحة كانت أو باطلة- يقال له: صل، فإن امتنع لم يقتل على المذهب؛ لأن القتل بسبب تعمد تأخيرها عن الوقت، ولم يتحقق. وفيه وجه: أنه يقتل لعناده. نعم، لو قال: تعمدت تركها ولا أريد أن أصليها، قتل قطعاً، وإن قال: تعمدت تركها بلا عذر، ولم يقل: ولا أصليها- قتل أيضاً على المذهب؛ لتحقق جنايته.
وفيه وجه: أنه لا يقتل ما لم يصرح بالامتناع من القضاء.
الثاني: أنتارك الصلاة، يقتل- على ظاهر المذهب- بالامتناع من قضاء الصلاة الواحدة الفائتة؛ وهو ما قال البندنيجي: إنه ظاهر النص، وعلى الطريقة الثانية: يقتل بالامتناع عن فعل الرابعة عند ضيق وقتها؛ وهو ما حكاه في "المهذب" [عن الإصطخري، وعلى الطريقة الثالثة: يقتل بالامتناع عن فعل الثانية عند ضيق وقتها؛ وهو ما حكاه في "المهذب"] عن أبي إسحاق. والأصحاب مفترقون في المسألة على فرق: فمن قائل: إنا- على ظاهر المذهب- نقتله بالامتناع عن الصلاة الواحدة عند ضيق وقتها، وهو قول أبي علي في "الإفصاح"، وعلى قول الإصطخري وأبي إسحاق: أن لحكم كما سلف؛ وهذه طريقة الروياني في "التلخيص"، وقال: إن ما صار إليه أبو علي هو الصحيح من المذهب؛ لأن الشافعي لم يعتبر التكرار ولا خروج وقت العذر والضرورة، ولا تضييق وقت الثانية.
ومِنْ قائل: إن مذهب الشافعي: أنه إذا ترك صلاة واحدة متعمداً من غير عذر- استوجب القتل إذا امتنع من القضاء، وأن العراقيين حكوا عن أبي سعيد الإصطخري: أنه يستوجب القتل [إذا ترك] أربع صلوات وامتنع عن القضاء، فيقتل بعد الرابعة. وعن أبي إسحاق المروزي: أنه لا يستوجب القتل بترك صلاة واحدة، فإذا ترك الثانية، فقد عاد ملتزم القتل إذا لم يقض؛ وهذه طريقة الإمام، وحكى عن شيخه:
стр. 721
أن مذهب الإصطخري: أنه يستوجب القتل بترك ثلاث صلوات، والامتناع من القضاء بعد الثالثة، وأن في بعض التصانيف نقل مذهب الإصطخري: أنه لا تخصيص للقتل بعدد، ولكن إذا ترك من الصلوات ما انتهى إلى ظهور اعتياده ترك الصلاة قُتِلَ، وإن لم ينته إلى ذلك لم يقتل، وعنه عبر الغزالي بقوله: وقيل: لا يقتل إلا إذا صار الترك عادة له. قال الإمام: وهو غير معتد به.
ومِنْ قائل: إن ظاهر كلام الشافعي: أنه يقتل بترك الفائتة الواحدة، ولا خلاف على المذهب: أنه لا يقتل بالفائتة، ولا بترك صلاة واحدة، ولكن بماذا يقتل؟ فيه وجهان:
أحدهما- قاله الإصطخري-: بما إذا ترك ثلاث صلوات وضاق وقت الرابعة، فلم يعملها- فحينئذ- يجب قتله.
والثاني- قاله أبو إسحاق-: بما إذا ترك واحدة، وضاق وقت الثانية- فحينئذ- يجب قتله.
وهذه طريقة البندنيجي، ويقرب منها إيراد "المهذب"؛ ولأجل ذلك يقال: إن بعض علماء العصر كان يقول: ما يوجد في النسخ من قول الشيخ: "وقيل: يقتل بترك الصلاة الرابعة" بالواو غلط، وإنما هي [بالفاء]، وحينئذ لا يكون الشيخ قد حكى في المسألة إلا وجهين: وجه الإصطخري، ووجه أبي إسحاق، وهما مفرعان على استحقاقه القتل بترك الصلاة، وكما قال: إنه ظاهر المذهب، ويكون احترز بقوله: "في ظاهر المذهب"، عما قاله المزني؛ فإنه ذهب إلى أنه يحبس ويضرب [ولا] يقتل؛ لأن قتله إما أن يكون لأجل ترك الصلاة الحاضرة أو الفائتة: فإن كان للحاضرة، فهي لا تتعين عليه ما لم يضق الوقت؛ فلا يتوجه بسببها قتل. وإن كان بسبب الفائتة، فقد ترتبت في ذمته، وقضاؤها لا يجب على الفور، فكيف يقتل بسببها؟! فامتنع القتل.
قال القاضي أبو الطيب: وما قاله يلزمه مثله في حبسه وضربه، وما أجاب به فهو
стр. 722
جواب لنا، على أنا نقول: إذا ضاق [وقت الصلاة]- بحيث يتحقق فواتها إذا لم [يؤدها- لوجب] عليه القتل في تلك الحال. وهذا جواب من لم ير وجوب القضاء على الفور، عند عدم العذر في الفوات. ومن يقول بوجوبه على الفور وهم المراوزة- كما ستعرفه- يقولون بقتله بالامتناع من القضاء؛ فبطل ما قاله من الحكم بإبطال القسمين.
قال: ويستتاب كما يستتاب المرتد؛ لأنه ليس أسوأ حالاً منه، وفي مدة استتابة المرتد قولان تعرفهما في بابه، قال الإمام: وإجراؤهما هنا أظهر؛ لغموض مأخذ القتل في أصل الباب.
وقال القاضي الحسين: إن المزني اختار للشافعي- ﵁ أنه يقتل في الحال؛ أي: لأن في تركه تفويت صلوات.
ثم إذا ضربنا له مدة فقتله فيها قاتل، قال صاحب "البيان": لم يأثم، ولا ضمان عليه؛ كقاتل المرتد. وهذا إذا قتله من ليس مثله، أما لو قتله مثله، ففيه خلاف مذكور في الجنايات.
قال: ثم يقتل إن لم يتب؛ لتحقق المفسدة الموجبة لقتله، أما إذا تاب فلا يقتل بحال؛ لأنه فائدة الاستتابة، وسكت الشيخ عن ذلك؛ لوضوحه. وتوبته بفعل الصلاة التي قيل: إنه يقتل؛ لأجل الامتناع من فعلها، وظاهر كلام الشيخ: أنه على الطريقة الثانية، التي نسبها في "المهذب" إلى الإصطخري: إذا صلى الرابعة، ولم
стр. 723
يصل ما قبلها لا يقتل؛ وكذا على الطريقة الثالثة المنسوبة إلى أبي إسحاق: إذا صلى الثانية دون الأولى لا يقتل؛ وهو ما أفهمه كلام أبي الطيب عند جواب المزني. وعلى طريقة المراوزة: لا يخفى الحكم.
فرع: لو لم يصل بحضرتنا لكن قال: أنا أصليها في بيتي، أو حيث أوثر- ترك إلى أمانته.
وقتله يكون بضرب عنقه؛ لقوله- ﵇: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة" وهذا نصه في البويطي، واختاره أبو إسحاق وأكثر الأصحاب؛ كما قال ابن الصباغ.
وقيل: إنه يضرب بالخشب إلى أن يصلي أو يموت؛ قاله ابن سريج.
وعن صاحب "التلخيص": أنه ينخس بحديدة، ويقال له: صل، فإن لم يفعل وإلا بالغ في نخسه إلى أن يموت، وهو متروك عليه.
قال: [ويُغسل]، ويصلي عليه، ويدفن في مقابل المسلمين؛ هذا من الشيخ إشارة إلى أنه لا يكفر بذلك؛ كما تقدم تقريره، وإذا لم يكفر؛ عومل بذلك كسائر المسلمين.
وحكى القاضي الحسين وغيره في كتاب الجنائز تفريعاً على هذا- أيضاً- أنه لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يرفع نعشه، ويطمس قبره؛ إهانة [له].
قال القاضي: وهذا لا يصح؛ إذ ليس أسوأ من الكافر، والكافر يكفن ويدفن، ويعرف موضع قبره.
فرع: تارك الصلاة يقتل على الصحيح في "الروضة".
وتارك الجمعة: إذا قال: أصلي الظهر، ولا عذر له، لم يقتل؛ قاله الغزالي في "الفتاوى"؛ لأنه لا يقتل بترك الصوم، فالجمعة ولى؛ لأن لها بدلاً، وتسقط بأعذار كثيرة.
стр. 724
[قال في "الروضة"]: لكن الشاشي جزم في "فتاويه" بأنه يقتل؛ لأنه لا يتصور قضاؤها، وليست الظهر قضاء عنها.
قال: وقد اختار هذا غير الشاشي، واستقصيت الكلام عليه في كتاب الصلاة من شرح "المهذب". والله أعلم.
***
стр. 725
باب مواقيت الصلاة
المواقيت: جمع ميقات؛ كميعاد ومواعيد، وهي في كلامهم للحد؛ قال الله- تعالى-: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٨] أي: حدّاً لآجالهم وعباداتهم، والمراد بها- ها هنا-: بيان أوقات الصلاة، والألف واللام في الصلاة للعهد، وهي [الصلاة المفروضة]؛ إذ مواقيت ما ليس بفرض منها مذكورة في باب صلاة التطوع وما بعده، وقد ذكرنا وقت صلاة الجنازة في بابها.
قال: الصلاة المكتوبة- أي: في اليوم والليلة- خمس.
عدل الشيخ عن قوله: "الصلاة المفروضة" إلى ما ذكر؛ تبركاً بلفظ الكتاب والسنة، قال الله- تعالى-: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء: ١٠٢] أي: واجباً موقوتاً، وروى مسلم عن أبي هريرة- ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يوماً بارزاً للناس فأتاه رجل، فقال: يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله وملاكئته وكتابه ولقائه ورسله، وتؤمن بالبعث الآخر"، قال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: "الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان ... " وساق الخبر.
والدليل على حصرها في خمس: ما روى أنس بن مالك في حديث الإسراء قال: قال النبي ﷺ : " [فرض] الله على أمتي خمسين صلاة؛ فرضيت بذلك، حتى مررت على موسى فقال: ما فرض الله على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة، قال: فارجع إلى ربك؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك، فرجعت فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى،
стр. 726
فقلت: وضع شطرها، فقال: ارجع إلى ربك؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك فراجعته؛ فقال: هي خمس و [هن] خمسون لا يبدل القول لدي، فرجعت إلى موسى فقال: ارجع إلى ربك، فقلت: استحييت من ربي" أخرجه البخاري.
وروى أنس قال: جاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد، أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك .. وساق الحديث إلى أن قال: فزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال: "صدق"، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرنا بهذا؟ قال: "نعم" ... ثم ساق الحديث إلى أن قال: ثم ولى، وقال: والذي بعثك بالحق نبيّاً لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن، فقال النبي ﷺ : "إن صدق ليدخلن الجنة" أخرجه مسلم.
وما تمسك به أبو حنيفة على أن الوتر واجب، [سيأتي] الكلام فيه في باب صلاة التطوع، وقد كان الفرض في ابتداء الإسلام غير الخمس.
قال الشافعي في [باب] استقبال القبلة: "سمعت من أثق بخبره وعلمه يقول: إن الله أنزل فرضاً في الصلاة، ثم نسخه بفرض غيره، ثم نسخ الثاني بالفرض في الصلوات الخمس". وشرح أصحابه ذلك فقالوا: كان الفرض في ابتداء الإسلام قيام نصف الليل، أو أنقص منه، أو زيادة عليه؛ لقوله- تعالى-: ﴿قُمْ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً ...﴾ الآية [المزمل: ٢].
قال أبو الطيب: وهذا الخطاب لرسول الله ﷺ ولسائر الأمة.
وكذا دل عليه قول الإمام أيضاً.
стр. 727
قال البندنيجي: وكان- ﵇ يفعل ذلك وطائفة من الذين معه سنة، ثم تاب الله على عباده، وخفف عنهم، فنسخه بعد السنة إلى اليسير من الليل بقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] فعبر بالقراءة عن الصلاة في آخر السورة، وبالقيام عنها في أول السورة؛ لأنهما ركنان فيها؛ ولذلك سمى الله صلاة الصبح: قرآناً، فقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٧] ثم نسخ ذلك.
قال الشافعي: وبقوله: ﴿وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٨]؛ كذا حكاه البندنيجي.
وكلامه في استقبال القبلة صريح في أن الناسخ له الصلوات الخمس، وقد حكاه البندنيجي قولاً، ولم يسم قائله، ولم يحك القاضي أبو الطيب سواه، وأشار إلى أن الدال على ذلك من الكتاب قوله- تعالى-: ﴿أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٧] أي: زوالها؛ كما قاله ابن عباس وغيره، واختاره الشافعي- ﵁ لخبر ورد فيه: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٧] أي: شدة الظلمة، وذلك يستوعب أربع صلوات: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ثم قال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٧] أي: صلاة الفجر؛ قال الشافعي: سمعت ذلك ممن أثق بعلمه انتهى. وقوله- تعالى-: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧] إلى قوله: ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] يدل عليه أيضاً؛ لأن معناها صلوا لله؛ قال الله- تعالى-: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٢] أي: من المصلين، فسماها تسبيحاً؛ لاشتمالها عليه، فإذا كان كذلك فقوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٦] يريد به المغرب والعشاء، وقوله: ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] يريد به الصبح وقوله: ﴿وَعَشِيّاً﴾ [الروم: ١٨] يعني: صلاة العصر، وقوله: ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الإسراء: ١٨] يعني به: صلاة الظهر.
стр. 728
وفي "تفسير القشيري": أن ابن عباس قال: قوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٦] يريد المغرب، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الإسراء: ١٧] الصبح، ﴿وَعَشِيّاً﴾ [الإسراء: ١٨] يريد: العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الإسراء: ١٨] الظهر، وأما العشاء فدليلها قوله في النور: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٧].
وقد قيل: إن [في] الكتاب آيتين دالتين على ذلك، أيضاً:
إحداهما: قوله- تعالى-: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ [ق: ٣٨] أي: صل صلاة الصبح، ﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٨] أي: العصر والظهر، ﴿وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ [ق: ٣٩] أي: [صل] صلاة المغرب والعشاء ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠] فيه تأويلان:
أحدهما: أنه ركعتان بعد صلاة المغرب؛ وهو قول مجاهد.
والثاني: أنها النوافل في أدبار المكتوبات.
والثانية: قوله- تعالى-: ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] ولاشك في أن الطرف الأول صلاة الصبح، والطرف الثاني: قال مجاهد: هو صلاة الظهر والعصر، والزُّلَف: صلاة المغرب والعشاء. رواه الحسن البصري عنه، ﵇.
ومعنى الزلف من الليل: الساعات التي يقرب بعضها من بعض.
وهذه الآيات- وإن دلت على المدعي من حيث التلويح- فالسنة مفسِّرة لها، ودالة عليه بالتصريح.
ثم ظاهر كلام الأصحاب هنا: أن النسخ شامل للنبي ﷺ ولأمته؛ كما قيل: إن قوله- تعالى-: ﴿قُمْ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] شامل له ولأمته وهو ما حكاه في "البيان" في
стр. 729
كتاب "النكاح" عن النص.
وإن من أصحابنا من قال: إن قيام الليل كان واجباً عليه ﷺ إلى أن مات، وهو في "النهاية"، ولم يورد في "الوسيط" غيره، وقائله يقول: [معنى] قوله: ﴿وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٨]، أي: زيادة لك في درجاتك.
والصحيح الأول، بل كلام الماوردي يدل على أن وجوب قيام الليل إنما كان على النبي ﷺ وحده، وأنه نسخ؛ فإنه قال: أول ما فرض الله على نبيه ﷺ قيام الليل بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] فقام رسول الله ﷺ نحواً من قيام شهر رمضان، وعلم به قوم من المسلمين؛ فقاموا معه حتى انتفخت أقدامهم وشق عليهم، فروت عائشة- ﵂ أنه- ﵇ خرج كالمغضب، وخشي أن يكتب عليهم قيام الليل، فقال: "يأيها الناس، اكلفوا من الأعمال ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل، وخير العمل ما دمتم عليه" ثم نسخ ذلك.
قال البندنيجي: وكان فرض الخمس ليلة المعراج، قبل الهجرة بسنة.
وقال الماوردي: إنه يقيل: إنها فرضت في شوال قبل الهجرة بستة عشر شهراً، وفرض الصوم بعد الهجرة بثلاث سنين، وفرض الحج بعد الهجرة بست سنين، [وقيل: في السنة التاسعة، قاله النووي، وقيل إنه الأشهر]، وقيل غير ذلك؛ كما ستعرفه- وفرضت الزكاة قبل الصوم، وقيل: بعده.
قال: الظهر، أي: صلاة الظهر؛ لما ذكرناه من آي الكتاب، وما يأتي من السنة،
стр. 730
وهو إجماع الأمة.
وبدأ الشيخ، والشافعي- ﵁ في "الجديد" بذكر صلاة الظهر، وإن كان في القديم قد بدأ بصلاة الصبح- كما قاله البندنيجي- لأن جبريل- ﵇ بدأ بها.
قال القاضي الحسين: ولأنها أول صلاة وجبت بعد طلوع الشمس؛ ولذلك سميت الأولى، وفي تسميتها ظهرا تأويلان:
أحدهما: سميت بذلك؛ لأنها أول صلاة ظهرت، حين صلاها جبريل بالنبي ﷺ .
قال الماوردي: وفيها حولت القبلة على الكعبة، وفيه نظر ستعرفه في باب استقبال القبلة.
والثاني: أنها سميت بذلك؛ لأنها تفعل عند قيام الظهيرة.
وقال النواوي: هي مشتقة من "الظهور"؛ لأنها ظاهرة وسط النهار.
وقد سكت الشيخ هنا عن استثناء صلاة الجمعة إذا وجدت شروط وجوبها؛ لوضوح ذلك واكتفاء بما ذكره في بابها، ولأن فيه تعريفك أن الأصل هو الظهر، والجمعة- حيث تصح- بدل عنه.
ولا يقال: إنما سكت عن ذلك؛ لاعتقاده أن الجمعة ظهر مقصور، فهي داخلة في كلامه؛ لأنه خلاف الصحيح، وقوله: "من لزمه الظهر؛ لزمته الجمعة" يأباه.
قال: وأول وقتها إذا زالت الشمس، والأصل في ذلك وغيره من مواقيت [الصلوات] الخمس، صلاة جبريل- ﵇ بالنبي ﷺ وقد ورد من طرق ذكر الفقهاء [منها] طريقاً حسناً، وهو ما روى ابن عباس- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أمني جبريل عند باب البيت مرتين، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وكانت قدر الشراك، وصلى بي العصر حين كان ظله مثله، وصلى بي- يعني: المغرب- حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، فلما كان الغد
стр. 731
صلى بي الظهر حين كان ظله مثله، وصلى بي العصر حين كان ظله مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل، وصلى بي الفجر فأسفر، ثم التفت إليّ، فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك والوقت ما بين هذين" رواه أبو داود، وأخرجه الترمذي، وقال: إنه حسن.
стр. 732
وقال عبد الحق في "الأحكام" أصح شيء في إمامة جبريل بالنبي ﷺ على ما ذكره البخاري كما في "كتاب العلل"- حديث جابر، وهو ما رواه النسائي، عن جابر ابن عبد الله: أن جبريل- ﵇ أتى النبي ﷺ ؛ ليعلمه مواقيت الصلاة، فتقدم جبريل [و] رسول الله ﷺ [خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ ؛ فصلى الظهر حين زالت الشمس، وأتاه حين كان الظل مثل شخصه، فصنع كما صنع: فتقدم جبريل، ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ يعني- فصلى صلاة العصر، ثم أتاه حين وجبت الشمس، فتقدم جبريل، ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ فصلى صلاة [المغرب، ثم أتاه حين غاب الشفق، فتقدم جبريل، ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ فصلى] صلاة العشاء، ثم أتاه حين انشق الفجر، فتقدم جبريل، ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ فصلى الغداة، ثم أتاه اليوم الثاني، حين كان ظل الرجل مثل شخصه، فصنع مثل ما صنع بالأمس: صلى الظهر، ثم أتاه حين كان ظل الرجل مثل شخصيه [فصنع كما صنع بالأمس فصلى العصر،] ثم أتاه حين وجبت الشمس فصنع كما صنع بالأمس: فصلى [المغرب، فنمنا، ثم قمنا، فأتاه، فصنع كما صنع بالأمس: فصلى] العشاء، ثم قال: "ما بين هذين الصلاتين وقت".
وله في طريق أخرى: "ثم جاءه للصبح حين أسفر جدّاً" يعني: في اليوم الثاني.
وفي أخرى: "ثم جاءه للمغرب حين غابت الشمس وقتاً واحداً لم يزل عنه"
стр. 733
يعني: في اليوم الثاني.
قال العلماء: وفي قول جبريل: "الوقت ما بين هذين" إشارة إلى أن ما بين أولاهما وآخر أخراهما وقت؛ فيكون على هذا قد بين الجمع بالقول، وقيل: أبان بصلاته الوقتين، وبقوله: "ما بينهما".
وقد روى مسلم، عن أبي موسى الأشعري، عن رسول الله ﷺ أنه أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة، فلم يرد عليه شيئاً، قال: فأقام بالفجر حين انشق الفجر، والناس لا [يكاد] يعرف بعضهم بعضاً، ثم أمره فأقام [بالظهر] حين زالت الشمس،
стр. 734
والقائل يقول: قد انتصف النهار، وهو كان أعلم منهم، ثم أمره فأقام بالعصر والشمس مرتفعة، ثم أمره فأقام [بالمغرب حين وقعت الشمس، ثم أمره فأقام بالعشاء]، حين غاب الشفق، [ثم أخر] الفجر من الغد، حتى انصرف منها والقائل يقول: قد طلعت الشمس أو كادت، ثم أخر الظهر، حتى كان قريباً من وقت العصر بالأمس، ثم أخر العصر حتى انصرف منها والقائل يقول: قد احمرت الشمس، ثم أخر المغرب عند سقوط الشفق، ثم أخر العشاء، حتى كان ثلث الليل [الأول]، ثم أصبح فدعا السائل، فقال: "الوقت ما بين هذين".
قال القاضي الحسين، وابن عبد البر، وابن المنذر: وقد أجمعت الأمر على أن أول وقت الظهر إذا زالت الشمس، وفيه نظر؛ لأن القاضي أبا الطيب حكى أن بعض الناس قال: أول وقتها إذا كان الفيء قدر الشِّراك بعد الزوال؛ لحديث جبريل.
وحكى الماوردي وغيره عن مالك: أنه لا يجوز فعلها إلا بعد الزوال بقدر الذراع، ولا يصح مع ذلك إجماع، وحجتنا عليهم ما سلف.
والزوال: عبارة عن انحطاط الشمس بعد منتهى ارتفاعها، ويظهر ذلك بحدوث الظل وزيادته في جانب المشرق، بعد تراجعه من جانب المغرب.
وإنما قلنا ذلك؛ لأن [في] بعض البلاد في بعض الأوقات لا يكون للشخص فيء عند الاستواء، والزوال في ذلك الموضع في ذلك الوقت، يظهر بحدوث فيء الشخص وإن قل.
قال الشيخ أبو حامد: وذلك يكون بمكة يوماً واحداً في السنة، وهو أطول يوم فيها.
стр. 735
وقال أبو الطيب- وتبعه مجلي-: إن أبا جعفر الشاشي ذكر في "كتاب الزوال": عند انتهاء طول النهار في الصيف، لا يكون بمكة ظل لشيء من الأشخاص، مائة وعشرين يوماً قبل انتهاء الطول، ومائة وعشرين يوماً بعده.
وقال القاضي الحسين: في "صنعاء اليمن"، في الصيف الصائف في أطول يوم في السنة، إذا استوت الشمس، لا يبقى لشيء ظل البتة؛ ولهذا قال الشافعي- ﵁: ومعرفة زوال الشمس يقرب في البلاد الحارة، ويبعد في البلاد الباردة؛ لأنه في البلاد الحارة يعرف الزوال بنقص ظهور الظل، وفي البلاد الباردة تستوي الشمس ولكل شخص ظل، والزوال يكون بزيادته.
قال أبو الطيب وغيره: وطريق معرفة ذلك في هذه الحالة: أن يقيم شيئاً، ويعلم موضعاً فيه، ثم ينظره بعد ساعة، فإن زاد فيه، فاعلم أن الشمس قد زالت، وإن نقص فيه فاعلم أنها لم تزل بعد.
[واعلم أن] متعلق الوجوب وصحة الصلاة؛ حدوث الظل أو زيادته، وإن [كنا نعلم] قطعاً أن الزوال وجد قبل الظهور بلحظة، فلو صادفت التكبيرة ما قبل ذلك، ثم اتصل على القرب بها ظهور الفيء أو زيادته، لم نحكم بانعقاد الظهر؛ لأن ما قبل ذلك معدود في وقت الاستواء.
وأيضاً فإن المواقيت الشرعية مبناها على ما يدرك بالحواس، وفي مساق حديث جبريل ما يدل عليه.
قال: وآخره إذا صار ظل كل شيء [مثله؛ للخبر.
وحكى الفوراني: أن المزني قال: آخره إذا صار ظل كل شيء مثليه]، والمشهور عنه خلافه؛ كما سنذكره.
ثم المراد بصيرورة ظل الشيء مثله: أن يصير ما يحدث من ظل الشيء بعد
стр. 736
الزوال مثله، فإن كان ظل الشخص وقت الزوال قدر قدم، وطول الشخص أربعة أقدام، فإذا بلغ مجموع [فيء] الشخص خمسة أقدام؛ انتهى وقت الظهر، وعلى هذا المثال.
قال: والعصر؛ لمثل ما قدمناه في الظهر.
قال: وأول وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله، أي: على النعت الذي سلف للخبر.
قال: وزاد أدنى زيادة؛ لأن بها يحصل تحقق صيرورة ظل الشيء مثله؛ كما أن بظهور الفيء أو زيادته بعد الاستواء، يتحقق الزوال وإن كان سابقاً على الظهور.
وما ذكره الشيخ هو ما نقله القاضي أبو الطيب وأكثر العراقيين، وهو ظاهر ما نقله المزني عن الشافعي، حيث قال: فإذا جاوز المثل أدنى زيادة؛ دخل وقت العصر.
وظاهر هذا مع ما تقدم: أن الزيادة فاصلة بين وقت الظهر والعصر، وبه قال بعض الأصحاب؛ كما حكاه مجلي والروياني في "تلخيصه".
وبعضهم قال: إن ظاهر النص أنها من وقت الظهر.
قال مجلي: وعليه كثير من الأصحاب، وبعضهم قال: إن الزيادة من وقت العصر؛ لظاهر الخبر، وإنما اعتبرها الشافعي- ﵁ لأنه قلما يعرف دخول [وقت] العصر إلا بها.
وبقولهم: "قلما يعرف ... " إلى آخره يقع الاحتراز عما سلف في الزوال؛ لأنه لا يعرف وجوده إلا بحدوث الظل أو زيادته؛ فلذلك تعلق به التكليف؛ وهذا ما ادعى الروياني: أنه المنصوص، ولم يحك الإمام وكذا الرافعي سواه، وقال: إنه لا خلاف فيه، وعبارة بعضهم: أن المزني وهم في النقل.
قال بعضهم: ومذهب الشافعي- ﵁ ما نص عليه في "الأم": أنه لا فصل بين وقت الظهر والعصر، فإذا صار ظل كل شيء مثله، فقد خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر، وهو المختار في "المرشد". نعم، لو وقع التكبير قبل الزيادة، ثم اتصل ظهورها بالتكبيرة لم تصح؛ لأنه أوقعها مع التردد في دخول الوقت.
стр. 737
فإن قيل: حديث جبريل يدل على أن وقت الظهر مشترك مع وقت العصر بمقدار أربع ركعات، وبه قال المزني، فلم عدلتم عنه؟
قلنا: الشافعي- ﵁ حمل صلاته العصر في اليوم الأول، على أنه شرع فيها حين صار ظل كل شيء مثله؛ لأنه بيان لأول وقتها، ويشهد له: الإجماع منا ومن الخصم على ذلك في وقت الظهر؛ إذ لو كان المراد: أنه صلى بمعنى: فرغ منها، لكان قد أحرم بها قبل الزوال، وذلك لا يجوز إلا على رأي ابن عباس. وحمل صلاته الظهرَ في اليوم الثاني على الفراغ منها، حين صار ظل كل شيءٌ مثله؛ لأنه بيان لآخر وقتها؛ وبهذا الحمل ينتفي الاشتراك في الوقت المفضي إلى خروج هاتين الصلاتين عن نظائرهما في فصل أواخر الأوقات عن أوائل ما يعاقبها، ويبقى قوله- ﵇: "إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ: أَنْ تُؤَخَّرَ الصَّلَاةُ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى"- على عمومه؛ فإنه لو كان الوقت مشتركاً بينهما، لما سمَّى من أوقع الظهر فيه مفرطاً.
وأيضاً فقد روى مسلم أنه- ﵇ قال: "وقت الظهر ما لم يحضر العصر"، وخبر أبي موسى الأشعري- الذي ذكرناه- يدل على ذلك- أيضاً- وهو متأخر عن بيان جبريل.
قال: وآخره إذا صار ظل كل شيء مثلَيْهِ، أي: على النحو الذي ذكرناه؛ لحديث جبريل.
قال: ثم يذهب وقت الاختيار، ويبقى وقت الجواز إلى الغروب؛ لظاهر قوله- تعالى-: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٨]، وقوله- ﵇: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر" أخرجه مسلم. وخبر أبي موسى يدل عليه أيضاً.
стр. 738
قال الإمام: وقد ذهب الأقلون- أي: من الأصحاب-: إلى أنه يفوت وقتها بصيرورة ظل كل شيء مثليه؛ تمسكاً بحديث جبريل. قال: وهو غير معدود من متن المذهب، وقد عزاه الناقلون إلى الإصطخري، والذي نص عليه الشافعي- ﵁ وتابعه عليه الأئمة: الأول.
وقد أفهم كلام الشيخ أن من صيرورة ظل الشيء مثله إلى أن يصير [ظله مثليه] كله وقت اختيار، [ومنه] يفهم- أيضاً- أن جميع وقت الظهر [وقت] اختيار؛ لأن مستند جعل ما بين صيرورة ظل الشيء مثله إلى أن يبلغ مثليه، بيان جبريل، [وجميع وقت الظهر شمله بيان جبريل]، ولاشك في أن ما اشتمل عليه بيان جبريل في وقت العصر وقت اختيار، لكن منه ما يسمى وقت فضيلة: وهو أول الوقت؛ وعليه يدل قوله من بعد: "والأفضل تقديم الصلاة في أول الوقت" وسنذكره، [وباقيه] إلى آخر بيان جبريل وقت اختيار لا غير؛ ولأجل ذلك قال أبو علي الطبري: للعصر ثلاثة أوقات: وقت فضيلة، ووقت اختيار- وقد بيناهما- ووقت جواز، وهو ما جاوز بيان جبريل إلى غروب الشمس. وبعضهم يقول: للعصر أربعة أوقات: وقت فضيلة، ووقت اختيار- كما ذكرنا- ووقت جواز من غير كراهة- وهو ما جاوز بيان جبريل إلى الاصفرار- ووقت جواز مع الكراهة: وهو وقت الاصفرار للمؤخِّر [من غير] عذر. والمعنيُّ بكون هذا وقت كراهة: أنه يكره تأخير الفعل إليه؛ لأنه روي أنه- ﵇ قال: "تلك صلاة المنافقين: يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً".
وهذا كله بالنسبة [إلى أرباب] الرفاهية الذين لا عذر لهم، ولا ضرورة بهم. أما من له عذر: وهو المسافر والمقيم في موضع يصيبه المطر؛ [فيزداد] في حقه
стр. 739
وقت خامس: وهو وقت جمعهما بالتقديم في وقت الظهر.
ومن به ضرورة: وهو الحائض [تطهر]، والمجنون يفيق، والصبي يحتلم، وقد بقي من الوقت ركعة أو دونها على الخلاف- فليس له في حقه إلا وقت [واحد] وهو ما ذكرناه، ولا كراهة تلحقهم.
قال الأصحاب: والكافر إذا أسلم ملحق بأرباب الضرورات في الحكم؛ من حيث إنه لا يؤاخذ بعد الإسلام. وتقبح تسمية الكفر عذراً أو ضرورة.
وقد جمع بعض الأصحاب بين ما ذكرناه، وعد للعصر ستة أوقات في الجملة. وبعضهم جعل وقت العذر والضرورة قسماً واحداً، وينسب هذا إلى أبي إسحاق.
قال الروياني: وهو أصح، مع أنه لا خلاف في المعنى؛ فعلى هذا تكون الأوقات خمسة، وهي طريقة القاضي الحسين.
وأما وقت الظهر فقد صرح مجلي فيه بما أفهمه كلام الشيخ، وحكى عن القفال: أنه قال: للظهر وقت اختيار: وهو من الزوال إلى [نصف] بيان جبريل، وما بعده إلى [آخر وقته] وقت جواز.
وقال غيره: للظهر ثلاثة أوقات: وقت فضيلة: وهو أول الوقت، وإليه يرشد قول الشيخ: "والأفضل تقديم الصلاة في أول الوقت"، ووقت اختيار: وهو باقي وقته، ووقت جمعه مع العصر في وقت العصر.
والقاضي الحسين قال: إن لها أربعة أوقات: وقت فضيلة: وهو من [أول] الزوال إلى أن يصير ظل [كل] شيء مثل نصف نصفه، ووقت اختيار: وهو ما بعد ذلك إلى أن يصير ظل الشيء مثل نصفه، ووقت جواز: وهو ما جاوز ذلك إلى آخر وقته، ووقت أرباب الأعذار: وهو إذا جمع بينها وبين صلاة العصر في وقت العصر.
ويجيء على طريقة من يقول: إن وقت العذر غير وقت الضرورة- وقت خامس: وهو قدر ركعة أو دونها، أو خمس ركعات من آخر وقت العصر، كما ستعرفه.
стр. 740
قال: والمغرب لمثل ما قدمناه في الظهر، وسميت بذلك؛ لأنها تفعل [عقيب] الغروب.
قال الأصحاب: ويكره أن تسمى: العشاء؛ لما روى البخاري في "صحيحه" أن النبي ﷺ قال: "لا يغلبنكم العرب على اسم صلاتكم إنها المغرب" [والعرب] يسمونها العشاء.
قال: وأول وقتها إذا غابت الشمس؛ لما قدمناه من الأخبار، وعن علي، وابن مسعود: أن المراد بدلوك الشمس في قوله- تعالى-: ﴿أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٧]: غروبها، لأنه قال: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾، وبين الزوال والغسق أوقات تكره فيها الصلاة، وهي من بعد [صلاة] العصر إلى الغروب؛ فلا يجوز استدامة الصلاة من الزوال إلى الغسق، ويصح ذلك في المغرب؛ لأنه تستمر الصلاة من ذلك الوقت إلى آخر وقت العشاء؛ فكان الحمل عليه أولى.
ثم المعتبر في الغروب سقوط كل القرص.
قال بعضهم: وقد شذ بعض الأصحاب فقال: المعتبر سقوط حاجب الشمس وهو الضوء المستعلي عليها كالمتصل بها. وكأنه يشير إلى الماوردي؛ فإنه هكذا قال، ولم يحك سواه، ويشهد له ما رواه أبو داود عن سلمة بن الأكوع قال: "كان النبي ﷺ يصلي المغرب ساعة تغرب الشمس، إذا غاب حاجبها"، وأخرجه البخاري
следующие страницы →