← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

قال الترمذي: هو حسن صحيح، [وقد أخرجه مسلم]. والإهاب: اسم للجلد قبل الدباغ. فإن قيل: روى أبو داود بسنده عن عبد الله بن عكيم أن النبي ﷺ كتب إلى جهينة: "إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة، فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب".

стр. 667

وقال الإمام أحمد ﵀: إن إسناده جيد. وفي لفظ آخر: "أتانا كتاب رسول الله ﷺ قبل وفاته بشهر أو بشهرين" وهذا يدل على أن الانتفاع به منسوخ. قيل في جوابه: كل حديث نسب إلى كتاب ولم يذكر حامله فهو مرسل، ولا حجة عندنا في المرسل. وأيضاً: فقد قال علي بن المديني: إن رسول الله ﷺ مات ولعبد الله بن عكيم سنة، وكان يرويه مرة عن مشيخة قومه بأرض جهينة، ولو صح حملناه على الانتفاع [به] قبل الدباغ؛ فإن لفظ "الإهاب" منطبق عليه، [وبعد الدباغ يطلق عليه] أديما، وسختياناً. والدباغ المحصل للطهارة يكون بالشث [والقرظ] معاً والأشياء الحريفة المنشفة للفضلات المعفنة، المانعة من الفساد إذا أصابه الماء والمطيبة لريحه: كقشر الرمان، والعفص، ونحوهما، دون ما لا يفعل فيه ذلك كالتتريب والتشميس والتمليح، نص عليه حيث قال كما حكاه أبو علي في "الإفصاح": "لا يجوز بالتراب والرماد". وقال أبو الطيب: لم أر للشافعي في ذلك نصاً، وينبغي أن نرجع إلى أهل الصنعة، فإن كان للتراب [والرماد مثل] فعل القرظ ونحوه جاز الدباغ بهما.

стр. 668

وفي "الرافعي": أن بعض أصحابنا أطلق القول بالاكتفاء بالإلقاء في الشمس والتراب كما صار إليه أبو حنيفة، وبعضهم قال: [إنه] لا يجوز بما عدا الشث والقرظ؛ لقوله- ﵇: "أليس في الشث والقرظ والماء ما يطهره"؛ ولأن التطهير من ولوغ الكلب يختص على الأظهر بما نص عليه الشرع وهو التراب؛ فكذا هذا، والصحيح الأول. والشب، قال الأزهري: بنقطة من أسفل: [شيء] يشبه الزاج، ومن رواه بالثاء ثالثة الحروف، فقد صحف. والذي صدر به أبو الطيب كلامه- وهو ما نقوله-: أنه بالثاء ثالثة الحروف، وهو شجر مر الطعم. قال في "الإفصاح": إنه شيء يدبغ به. وقال الأزهري: لا أعلم هل يدبغ به أم لا؟ ثم ما ذكرنا جواز الدباغ به هل يشترط أن يكون طاهراً أم لا؟ فيه وجهان: أصحهما في "الرافعي" وغيره: لا، وبه جزم في "التهذيب". ووجهه أنا لو قلنا: إنه لا يطهر بذلك، لزم أن يقال: إذا استعمل فيه دواء طاهراً

стр. 669

أن يحكم بطهارته، ومعلوم أن الثاني لم يؤثر فيه، فكيف يوجب الطهارة؟ والذي صححه في "التتمة" مقابله. والخلاف جارٍ في الدباغ بالرمل، وإن جزم بعضهم بالمنع فيه. ثم إذا قلنا باشتراط لطهارة في الآلة، فهل يشترط معها استعمال الماء؟ فيه وجهان: أحدهما- وهو ما حكاه الإمام عن المحققين: لا. والثاني- وعليه يدل الخبر: نعم. فعلى هذا لو لم يستعمله، فالجلد نجس العين، فإن طلب تحصيل طهارته، استعمله، وهل يشترط أني ضيف إليه شيئاً من آله الدباغ؟ قال الشيخ أبو محمد: نعم. وقال الإمام: لا يبعد عدم اشتراطه، وقد حكاه الرافعي وجهاً. وعلى الوجهين: هل يشترط استعمال الماء بعد الفراغ من الدباغ؟ فيه وجهان: أصحهما في "التهذيب": لا. وأظهرهما- كما قال الرافعي-: نعم، وهو ظاهر المذهب في "التتمة"، والأقيس في "الشامل"، والأصح في "النهاية"، وهو المذكور في "تعليق البندنيجي" عن أبي إسحاق. [فإن قلنا بالأول، حكمنا بطهارة ما انفصل عن الجلد من فضول آلة الدباغ]. وإن قلنا بالثاني، حكمنا بنجاستها، واشترطنا أن يكون الماء طهوراً، بخلاف الماء المستعمل في أثنائه إذا اشترطناه؛ فإنه لا يشترط طهوريته [حتى يجوز] بالمتغير بآلة الدباغ. وإذا قلنا: يجوز الدباغ بالنجس، فالخلاف في استعمال الماء في أثناء الدباغ كما تقدم، ويجب إفاضة الماء الطهور عليه بعد الدباغ بلا خلاف، والله أعلم. الأمر الثاني: أن جلد الكلب والخنزير وفروعهما لا يطهر بالدباغ. ووجهه: أن الطهارة بالدباغ جاءت من جهة أنه يمنع تعرضه للفساد كالحياة،

стр. 670

والحياة لا تفيد طهارة ما ذكرناه؛ فالذكاة أولى. ووجه الأولوية: أن الدباغ يفيد طهارة الجلد فقط والحياة تفيد طهارة جملة الحيوان. وقد ألحق بعض الأصحاب بذلك كما حكاه ابن الصباغ وغيره جلد الآدمي إذا حكمنا بنجاسته، لكن من جهة أن دباغه معصية؛ فإن فيه امتهاناً [له]. وقد قيل: إنه لا يتأتى دبغه، فإن تأتي، فظاهر كلام الشيخ وغيره طهارته بالدباغ؛ فإنه لا امتهان فيه، وإنما الامتهان في استعماله، وهو لا يجوز بحال. قال: ويحل بيعه، أي: ويصح في أحد القولين؛ لأنه جلد طاهر منتفع به؛ فجاز بيعه؛ كجلد المذكى، وهذا هو الجديد. ومقابله محكى عن القديم: أنه لا يجوز؛ لأن النص ورد بالانتفاع فيختص به، ولو صح بيعه لكان الانتفاع بثمنه، لا به، ومثل ذلك أم الولد والعين الموقوفة يجوز الانتفاع بهما، ولا يجوز بيعهما، وهذا ما ذكره العراقيون من التوجيه، وجزموا مع ذلك بطهارة باطن الجلد كظاهره، وقال القفال: لا ينقدح هذ القول إلا أن نقولك يطهر بالدباغ ظاهر الجلد دون باطنه، وهذا قد حكاه القاضي الحسين عن القديم، وفرع عليه- أيضاً- عدم جواز الصلاة فيه والانتفاع به في الأشياء الرطبة. قال الماوردي: وإذا قلنا: لا يجوز بيعه، إذا أتلفه متلف، لا يجب عليه غرمه، حكاه في كتاب السرقة، والصحيح الأول؛ فإنه روي عن ميمونة أنها قالت: "ماتت شاة لنا، فدبغنا جلدها، وكنا ننبذ فيه حتى صار شنّاً" والشن: القربة البالية. وقد قال الإمام عقيب حكاية القول الثاني ونسبته إلى القديم: ومعتقدي: أن الأقوال القديمة ليست من مذهب الشافعي حيث كانت؛ لأنه جزم القول على مخالفتها في الجديد، والمرجوع عنه لا [يكون] مذهباً للراجع. وهذا رأي لبعضهم سبق به كما حكيته في أول باب ما يفسد الصلاة.

стр. 671

ثم محل القول بالصحة إذا لم يكن على الجلد شعر أو كان ولم يدخله في البيع، بل أخرجه. أما إذا كان قد أدخله فيه، فينبني على أن الشعر، هل يطهر بالدباغ تبعاً للجلد على قولنا: إنه نجس، أم لا؟ وفيه قولان: أولهما: رواه الربيع الجيزي واختاره في "المرشد" تبعاً للروياني وأبي إسحاق الإسفراييني. والمشهور عند الجمهور: الثاني، وعليه نص في "الأم"، وهو ما يفهمه كلام الشيخ حيث لم يستثنه. فإن قلنا: إنه طاهر، صح البيع، وإلا بطل في الشعر، وفي الجلد قولاً تفريق الصفقة. ولو أطلق بيع الجلد، ولم يتعرض لذكر الشعر نفياً ولا إثباتاً، فهل يدخل في المبيع؟ وجهان في "الحاوي"، ولا يخفى تفريعهما، والقولان في حل البيع جاريان-كما قال البندنيجي وغيره- في حل الأكل إذا كان الحيوان المدبوغ جلده مما يؤكل، وقد حكاهما الشيخ في باب الأطعمة، ويجريان في إجارته. وطردهما القفال في حل أكله من غير المأكول، وهو بعيد مع الخبر. وفي "تعليق القاضي الحسين": أنا إذا قلنا: لا يجوز بيعه، فلا يحل أكله، وفي إجارته وجهان. وإن قلنا: يحل بيعه تجوز إجارته، وفي حل أكله وجهان. والذي رجحه ابن الصباغ: المنع؛ للخبر. قال: وإذا ولغ الكلب أو الخنزير أو ما تولد منهما أو من أحدهما في إناء- أي: وتنجس بنجاسة ما فيه؛ إذ الولوغ يختص بما إذا كان في الإناء شيء، أما إذا لم يكن فيه

стр. 672

شيء، فيقال: [لحس الإناء، والشرب أعم من الولوغ؛ فإن كل شرب ولوغ، ولا يلزم] العكس- لم يطهر حتى يغسل سبع مرات- أي: الإناء- إحداهن بالتراب. ووجهه في الكلب قوله- ﵇: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب"، وفي رواية: "إحداهن بالتراب"، أخرجه مسلم عن رواية أبي هريرة وقال أبو داود: "السابعة بالتراب". وأما في الخنزير؛ فلأنه أسوأ حالاً منه؛ بدليل ما ذكرناه، وفروعهما في معناهما.

стр. 673

وفي "تعليق أبي الطيب": أن ابن القاص حكى أن الشافعي قال في القديم: يغسل دفعة واحدة، وفارق الكلب؛ لأنه مخالط مألوف لهم؛ فغلظ فيه زجراً [كما غلظ الحد في الخمر زجراً] دون غيره من المحرمات التي لا تؤلف، ولا كذلك الخنزير، ولأن في ولوغ الكلاب الكلب؟ فاعتبر فيه العدد؛ حذاراً منه، ولا كذلك الخنزير. والصحيح الأول، بل قال أبو علي الزجاجي: طلبت ما نسب إلى القديم فلم أجده؛ ولهذا قطع بعضهم بنفي القول القديم. ومنهم من يقول: الذي ذكره في القديم: أنه يغسل، ولم يقل مرة واحدة؛ فنحمله على الغسل سبعاً. فإن قيل: قد روى مسلم عن عبد الله بن مغفل أن النبي ﷺ قال: "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة بالتراب"، وهذا يقتضي أن تكون الغسلات ثمانياً. قلنا: أخبارنا تدل على السبع، ويحمل هذا الخبر على ما إذا غسل السبع بالماء وحده؛ فإنه يجب عليه أن يغسله ثامنة بالتراب. وقال ابن الصباغ: المراد إقامة التراب في واحدة من السبع مقام ثامنة؛ لأنه أحد الطهورين. وهذا أقرب؛ لأن الخصم وهو الإمام أحمد يقول: يغسله سبعاً بالماء، والثامنة يعفره بالتراب وحده. ثم المستحب- كما نص عليه في "حرملة": أن يجعل التراب في الغسلة الأولى؛ للخبر، واعتضاده بالنظافة؛ فإنه إذا جعله فيها، ورد بعدها ما يزيله، بخلاف ما إذا جُعِلَ في الأخيرة. وبعض الأصحاب يقول: يستحب أن يكون في الثانية. وبعضهم يقول: يستحب أن يكون فيما قبل الأخيرة. ولا يكفي وضعه بدون مائع كما أفهمه كلام الشيخ، وما استدللنا به من الخبر، وهو يقتضي- أيضاً- أن يستعمل مع الماء، ولا يضر وضعه على المحل، وصب الماء فوقه، ولا وضعه في الماء وغسل المحل به كما قاله المتولي وغيره.

стр. 674

ولو استعمله مع مائع غير الماء، فوجهان في "التتمة"، أحدهما: لا يجزئ؛ لما ذكرناه. وغيره قال: إن جعل ذلك في ثامنة أجزأه، وإن جعله [في] سابعة، فهو محل الوجهين، وأصحهما: المنع؛ لأجل الخبر. ومقابله موجَّه بأن مقصود هذه الغسلة التراب، وقد وصل إلى المحل. ثم في قدر ما يكفي منه أوجه: أحدها: ما يتكدر به الماء، وهذا ما أبداه الإمام ومن تبعه. والثاني: ما ينطلق عليه الاسم. والثالث: ما يعم محل الولوغ. وحكاها الماوردي. وقد أفهم كلام الشيخ أموراً: أحدها: أنه لا يجب إراقة ما ولغ فيه الكلب وإن تنجس، وإن كان ظاهر الخبر السالف [ونحوه] في الباب يدل عليه، وللأصحاب في ذلك وجهان أُخِذَا من قول الشافعي- ﵁: "وعليه أن يهريقه"، فبعضهم حمله [على] الوجوب؛ لما ذكرناه، وبعضهم حمله على الاستحباب، وهم الجمهور، وقالوا: الأمر به في الخبر لمن أراد التطهير؛ إذ لا يمكن إلا به. الثاني: أن الكلب ونحوه إذا لحس الإناء، كان ما ذكره من الحكم أولى، ووجهه ظاهر. الثالث: أن الكلب ونحوه لو أدخل رأسه الإناء، ولم يعلم: هل ولغ فيه [أم لا]؟ لا يثبت الحكم المذكور، لفقد تحقق الشرط، وهو كذلك بلا خلاف إن خرج فمه جافّاً، وإن خرج رطباً فوجهان في "الحاوي"، أصحهما: أن الحكم كذلك؛ عملاً بالأصل، ورطوبة فمه يجوز أن تكون من لعابه. الرابع: أن ما أصاب الإناء من بدنه غير فمه بإثبات ما ذكره من الحكم أولى؛ لأن فمه أطيب ما فيه، وعرقه ووبره في معناه، وروثه وبوله من طريق الأولى، وهذا هو المذهب، والمذكور في أكثر الكتب. وفي "التتمة" حكاية وجه: أن غير اللعاب كسائر النجاسات، واختصاص ما ذكرناه بمحل النص؛ إذ هو خارج عن القياس.

стр. 675

وفي "تعليق القاضي الحسين": أنه تفريع على القديم. وإذا قلنا بمقابله، فلو كانت العين التي أصابت الإناء لا تزول إلا بثلاث غسلات، قال في "التتمة": فالأولى محسوبة من السبع، وهل تحسب الثانية والثالثة منها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ فيغسل بعد ذلك ستّاً، واحدة منهن بالتراب، لأن غسلات ولوغ الكلب حكمية، والثانية والثالثة إزالة للعين. ولو وقعت قطرة من المائع الذي ولغ الكلب فيه على شيء، وجب غسله سبع مرات إحداهن بالتراب. [الخامس:] أنه لو ولغ الكلب الواحد مراراً في إناء، أو ولغ فيه كلاب: أنه يكفي في ذلك السبع؛ إذ الألف واللام في "الكلب" للجنس لا للعهد، وللأصحاب في ذلك أوجه: أصحها: أن الحكم كذلك، وعليه نص في "الأم" و"حرملة"، ولم يورد في "التتمة" سواه. والثاني: أنه يجب غسله لكل مرة سبعاً إحداهن بالتراب؛ لأن الشافعي قال: إذا بال رجل صُبَّ على بوله ذَنُوبُ ماءٍ، وإذا بال رجلان صُبَّ عليه ذنوبان. قال أبو الطيب: وهذا غير صحيح؛ لأن النجاسة ثّمَّ زادت مساحة محلها ببول الثاني، فزاد صب الماء، ولا كذلك ها هنا. ولأن تلك نجاسة عينية، وهذه نجاسة حكمية. والثالث- حكاه الماوردي-: أن الكلب الواحد وإن تعدد ولوغه لا يجب غير السبع، وإن تعدد الكلاب وجب لكل كلب [غسل] سبع مرات. ولا خلاف في أنه إذا وقعت في الإناء بعد الولوغ نجاسة، كفاه [غسله سبع مرات، بل لو وقعت قبل] غسل السابعة كفته.

стр. 676

قال: فإن غسل بدل التراب بالجص أو الأشنان- أي: وما في معناهما: كالصابون ونحوه- ففيه قولان، أي: منصوصان في "الأم": أصحهما: أنه يطهر؛ لأنه جامد أمر باستعماله في النجاسة، فقام ما هو في معناه في تحصيل المقصود مقامه كما في الاستنجاء. ومقابله: أنه لا يطهر؛ لأنه جامد عين للتطهير؛ فلا يقوم غيره مقامه؛ كما في التيمم. واختلف الأصحاب في محلهما على ثلاثة طرق، حكاها القاضي الحسين: أحدها: أن محلهما إذا لم يقدر على التراب؛ فإن الشافعي- ﵁ حيث [نص] عليهما فرض المسألة إذا كان في بحر، فإن كان يقدر عليه فلا يطهر قولاً واحداً. ومنهم من قال: بل محلهما إذا قدر على التراب، أما إذا لم يقدر عليه، فيجوز قولاً واحداً. ومنهم من قال: القولان في الحالين؛ وهذه الطريقة صححها الروياني، وهي طريقة أبي إسحاق، ولم يحك العراقيون والماوردي معها غير الأولى. ويجيء من مجموع الطرق في المسألة ثلاثة أقوال، ثالثها: يقوم ذلك مقام التراب عند العجز عنه، ولا يقوم مقامه عند القدرة عليه، وبها قال أبو الطيب [بن سلمة]؛ كما حكاه الماوردي، وهي التي حكاها الإمام. وفي "التتمة" و"الوسيط": [أن] من الأصحاب من جوز ذلك في الثوب دون الإناء؛ لأن التراب يفسد الثوب، وقد نسبه الروياني إلى القفال، وهو بعيد. وقد جعل في "الوسيط" مأخذ الخلاف في المسألة: أن التعفير تعبد محض، أو معلل بالاستطهار بغير الماء؛ ليكون فيه مزيد كلفة وتغليظ، أو معلل بالجمع بين نوعي الطهور؟ فعلى الأول: لا يقوم الصابون والأشنان مقامه عند الوجود، وعند العدم وجهان. وعلى الثاني: يجوز في الحالين. وعلى الثالث: لا يجوز في الحالين.

стр. 677

وعلى الخلاف تُخرج فروع أخر: منها: [أن] التراب النجس، هل يقوم مقام الطاهر؟ فعلى الأول والثالث: [لا. وعلى] الثاني: نعم. وعلى الخلاف يخرج ما لو ولغ الكلب في حفرة محتفرة في تراب، هل يجب التعفير؟ إن قلنا: يكفي التراب النجس؛ فلا يجب، وهو الأظهر في الرافعي، وإلا وجب. ومنها: التراب إذا مزج بالخل: فعلى الأول لا يكفي، وعلى الثاني والثالث يكفي. وقد صور ابن الصلاح هذه الصورة بما إذا غسله سبعاً بالماء وحده، ثم أوصل التراب مرة ثامنة إلى المحل بالخل، وإليه يرشد كلام الإمام، [قال]: أما إذا مزج التراب بالخل، ثم استعمل مع الماء، فذاك جائز قطعاً، ولا يتجه فيه خلاف إلا وجه ضعيف في أن ذلك يخرج التراب عن كونه طهوراً، وليس ذلك مراد المصنف؛ فإنه إنما منع منه على وجه التعبد. قال: وإن غسل بالماء وحده، أي: ثمان مرات، فأقام الثامنة مقام التراب، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يطهر؛ لأن الماء آكد من التراب في التطهير، ولأنا قد قررنا: أن التراب أقيم مقام غسلة ثامنة؛ فهي أولى مما أقيم مقامها. والثاني: لا يطهر؛ لأن الشرع ورد بالتراب؛ فلا يقوم الماء مقامه، وإن كان وكد منه وبدلاً عنه؛ كما نقول فيمن وجد ماء يكفيه لوجهه ويديه فقط، وقلنا: لا يجب عليه

стр. 678

استعماله، ويتيمم، فاستعمله في وجهه ويديه بدلاً عن التراب؛ وهذا ما صححه أبو الطيب وغيره، وقال الروياني: إنه ظاهر المذهب، والأوجه الثلاثة في معنى التعفير تنطبق عليه. وكلام الغزالي وابن الصلاح يقتضي أن مأخذ الأول النظر إلى الجمع بين نوعي الطهور. وهذا الخلاف- كما قال الماوردي- مفرع على قولنا: إن الجص والأشنان يقوم مقام التراب، أما إذا قلنا: لا يقوم مقامه، فلا يكفي الماء وجهاً واحداً، وكلام الغزالي ينازع فيه إذا تأملته. وقيل: إن الخلاف مفروض عند عدم التراب، أما مع وجوده فلا يجوز وجهاً واحداً حكاه الروياني والإمام احتمالاً؛ وهذا وجه ثالث حكاه الماوردي عن أبي إسحاق المروزي. والقائلون بإجراء الخلاف مع وجوده يظهر أن يكون هم القائلون بأن مأخذ الخلاف: أنه لو غمس الإناء في ماء كثير هل يكفي عن السبع والتعفير أم لا؟ [و] فيه خلاف سنذكره، فإن قلنا: إنه يكفي، كفت الثامنة، وإلا فلا. وقد أفهم قول الشيخ: أنه لا يكفي في تطهير الإناء جعله في ماء كثير، ولا مكاثرة ما فيه من الماء إذا كان دون القلتين حتى يبلغ قلتين وإن طهر الماء. وقد حكى الإمام وغيره: أنه إذا بلغ الماء قلتين، طهر على المشهور، وفي طهارة الإناء أوجه: أحدها: ما اقتضاه كلام الشيخ [أنه لا] يطهر، وهو ما حكاه الروياني عن ابن الحداد، وظاهر الخبر يعضده. والثاني: أنه يطهر؛ فإن الولوغ لو صادف الماء قلتين فأكثر لم ينجس الإناء، فكذا إذا بلغ قلتين، وجب أن يطهر؛ تبعاً له. والثالث: إن كانت نجاسة الإناء تبعاً لنجاسة الماء؛ بأن كان الولوغ في الماء، ولم يلق شيءٌ منه جرمَ الإناء، طهر تبعاً، وإن لاقى جزءاً منه فلا يطهر. والرابع: إن مكث الماء بعد بلوغه حد الكثرة في الإناء مقدار غسل سبع مرات،

стр. 679

حكم بطهارته، وإلا فلا. قال الإمام: وأصحها الثاني، ويليه الأول، والثالث والرابع ضعيفان جداً. وقد حكى الروياني وجهاً في المسألة: أنه يكفيه التراب بعد ذلك فقط، وصحح ما صححه الإمام. والخلاف يجري- كما قال الإمام- فيما لو وضع الإناء [في ماء] كثير، والذي ذكره العراقيون منه الأول والثاني. وقد قيل: إن الماء لا يطهر- أيضاً- إذا انتهى إلى قلتين؛ بناءً على أن الإناء لا يطهر وأن نجاسته كنجاسة عينية لا حكمية؛ كما هو أحد الوجهين، وأن التباعد من النجاسة العينية مقدار قلتين واجب. والقول بطهارته مفرع على ما عدا ذلك؛ كذا قاله الإمام، واستحسنه، وقال: إنا إذا حكمنا بطهارة الماء دون الإناء وأن نجاسته حكمية، فنقص عن القلتين- لا ينجس، دون ما إذا قلنا: إن نجاسته عينية. قال: ويجزئ في بول الغلام الذي لم يطعم النضج؛ لما روى البخاري ومسلم عن أم قيس بنت محصن: أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ فأجلسه في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فنضحه، ولم يغسله. وفي رواية: فدعا بماء فرشه. وروى الترمذي عن عليّ أن رسول الله ﷺ قال في بول الغلام الرضيع: "ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية".

стр. 680

وقد أبعد بعض الأصحاب، فحكى قولاً: أن الجارية ملحقة بالغلام فيما ذكرناه؛ لقول الشافعي- ﵁: "ولا يتبين لي فرق بين الصبي والصبية". قال القاضي الحسين: وهو أقيس القولين، وكذا القفال كما حكاه الروياني في "التلخيص"، وقال: إنه اختيار جماعة [من أصحابنا]. وقال البندنيجي: إنه ليس بشيء. وقال الإمام: لست أعرف له وجهاً مع مخالفته القياس والخبر. وفي "التتمة": أن من الأصحاب من قال في بول الغلام قولاً: إنه لا يطهر إلا بالغسل كالجارية؛ لأجل ما ذكره الشافعي من عدم الفرق. والمذهب المشهور الأول، ومراد الشافعي: أنه [لا] يتبين لي بينهما فرق من جهة المعنى وإن فرقت السنة بينهما، وكذا حكاه البندنيجي عنه، وبه يظهر لك ضعف ما فرق به الأصحاب بينهما من [أن] بول الصبية ثخين أصفر منتن يلصق بالمحل، وبول الصبي رقيق أبيض لا رائحة له فهو كالماء. ويَطعم بفتح الياء والعين، والمراد: لم يطعم ما يستقل به: كالخبز، ونحوه. وعبارة القاضيين أبي الطيب والحسين، والبندنيجي وابن الصباغ: ما لم يأكل الطعام.

стр. 681

وقيل: ما لم يطعم شيئاً غير اللبن، وهو المذكور في "البحر". وفي "النهاية" ذكر العبارتين، والثانية هي التي ذكرها النووي. قال الإمام: وليس في الحديث تعرض لمطعم الغلام، وإنما فهم الفقهاء ذلك من وجهين. أحدهما: أنه نقل أنه- ﵇ أتى بالحسن ليسميه ويطعمه، وهذا على قرب العهد بالولادة. والثاني: أنا لا نتوهم امتداد هذا الحكم على الدوام ولا نرى منه مردّاً إلا أن يطعم ويحتوي جوفه [على] ما يستحيل، واللبن لا يناط به؛ فإنه لا يستحيل استحالة مكروهة. والنضح: الرش بالماء، والمجزئ منه هنا تعميم مواضع البول رشّاً وإن لم يتردد ولم يقطر؛ هكذا قال الصيدلاني، ولم يورد ابن الصباغ والبندنيجي غيره. وقال الخطابي: النضح هنا: صب الماء من غير رش ولا عصر، ومنه قيل للبعير الذي يستسقي عليه: الناضح؛ لأنه يصب عليه الماء. وعلى هذا ينطبق قول الشيخ أبي محمد إنه لا يكتفي بنضح وأدنى رش، ولكن يجب أن يكاثر بالماء حتى ينتقع، ولكن لا يجب عصر الغسالة؛ وبهذا يقع الفرق بينه وبين سائر النجاسات؛ فإن في العصر فيها خلافاً. وهذا ما حكاه القاضي الحسين، وقال [الإمام]: لست أعده من المذهب؛ فإن هذا ليس رشّاً، بل هو مكاثرة في غمر

стр. 682

وترك عصر، وقد يذكر أن الأصح أن العصر لا يشترط في إزالة جميع النجاسات إذا تحقق زوالها. وعبارة الرافعي: أنه لابد من أن يصيب الماء جميع موضع البول. ثم لإيراده ثلاث درجات: إحداها: النضح المجرد. الثانية: النضح مع المكاثرة والغلبة. الثالثة: أن ينضم إلى ذلك الجريان والسيلان. ولا حاجة في الرش إلى الدرجة الثالثة، وهل يحتاج إلى الثانية؟ فيه وجهان، أظهرهما: نعم. والرش والغسل يفترقان في أمر السيلان والتقاطر. قال: ويجزئ في غسل سائر النجاسات، أي: باقيها غير ما ذكرناه؛ أخذاً من "السؤر" بالهمز وهو البقية لا من "السور" المحيط بالشيء. قال: كالبول والخمر وغيرهما- أي: مما يزول أثره بالغسل- المكاثرة بالماء إلى أن يذهب أثره. ووجهه في البول: ما روى أبو هريرة أن أعرابيّاً دخل المسجد فقال: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فقال رسول الله ﷺ : "لقد تحجرت واسعاً"، فما لبث أن بال بناحية المسجد، فكأنهم عجلوا عليه، فنهاهم النبي ﷺ وأمر بذَنُوب من ماء- أو سَجْل [من ماء]- فأهريق عليه، ثم قال ﵇: "علموا ويسِّروا ولا تعسروا" أخرجه البخاري. والذنوب- بفتح الذال المعجمة-: الدلو إذا كانت ملأى، والسجل: بسين مهملة مفتوحة وجيم ساكنة، وهي الدلو الكبيرة إذا كان فيها ماء. ووجه الدلالة من ذلك: أنه لو لم يكن مطهراً لما أمر به؛ إذ صب الماء تكثير للنجاسة في المسجد.

стр. 683

ووجهه فيما عدا البول القياس عليه. والمراد بذهاب الأثر: أن تصير النجاسة مستهلكة لا يظهر لها لون ولا طعم ولا ريح، فإذا وجد ذلك، حصلت الطهارة مهما كان قدر الماء، ولا يتعين له قذر. وقد حُكِيَ عن الشافعي نصان: أحدهما: أنه يطرح على البول سبعة أضعافه من الماء و [قد] قال باشتراطه بعض الأصحاب كما حكاه الصيدلاني. قال الإمام في باب الصلاة بالنجاسة: وهذا لست أعرف له توقيفاً، ولا له تحقيق من جهة المعنى. وقال ابن الصباغ في الباب: عن أبي إسحاق أنه قال: لم يقل الشافعي ذلك تقديراً، وإنما قاله تجربة؛ فعلم أن البول لا يغمره إلا سبعة أضعافه. والثاني: أن الذنوب متعين؛ لإزالة بول الشخص الواحد، وإن بال اثنان لم يطهر إلا دلوان، وبظاهره أخذ الإصطخري والأنماطي وابن خيران، [وقالوا: يتعين في بول الثلاثة ثلاثة، وهكذا في الزيادة]، قال أبو الطيب وغيره: وهذا غير صحيح؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون البول الكثير واليسير سواء، وهذا لا يجوز، ومراد الشافعي- ﵁: أن بول الاثنين يريد من الماء أكثر مما يريده الواحد. وقد أفهم كلام الشيخ أمرين: أحدهما: أنه لا يشترط العصر فيما يمكن عصره كالثياب ونحوها، ولا ما يقوم مقامه فيما لا يمكن عصره وهو نضوب الماء في الأرض. والعراقيون مطبقون على عدم اشتراط النضوب في طهارة الأرض وفي اشتراط العصر فيما يمكن عصره وجهان: أصحهما عند أبي الطيب وغيره: لا؛ كما لا يشترط نضوب الماء في الأرض، وهو شربها له من غير جفاف؛ قاله في "الصحاح". والثاني: أنه يشترط؛ لأن النجاسة كامنة فيه، وقد صحح هذا [عن] آخرين، والشيخ أبو علي بني الخلاف في العصر على غسالة النجاسة، فقال: إن قلنا: إنها طاهرة، فلا يجب، وإلا وجب.

стр. 684

وكلام العراقيين لا ينافيه، بل يوافقه. ولو لم يتفق العصر، وقد قلنا باشتراطه، فزال الماء بهبوب الرياح ونحوه- ففي الحكم بالطهارة وجهان: أصحهما عند الإمام والعراقيين- كما قال في "الكافي"-[نعم؛ لأن المقصود ذهاب الماء من العين وقد حصل. والثاني: لا، [قال في "الكافي":] وهو الأصح في طريقنا؛] كما لو وقع شيءٌ من الغسالة قبل جفافها على شيء آخر؛ فإنه لا يطهر بالجفاف، ولكن الفرق ظاهر. والمراوزة طردوا الخلاف في اشتراط العصر في نضوب الماء في الأرض وطهارته بجفافه إذا اشترطناه كما ذكرناه، في الثوب. ولا خلاف في أن البلل الباقي بعد العصر والنضوب لا يضر. الأمر الثاني: أن الإجزاء المذكور يحصل إذا ورد الماء على النجاسة، وإن كان دون القلتين، وهو مما لا خلاف [فيه] بين الأصحاب، سواء وجد ذلك عن قصد أو بدون قصد، مثل: أن يصب الماء من غير قصد على ثوب نجس، وكان ينحدر منه، ودفع الماء متوالٍ حتى زالت النجاسة. نعم، لو وردت العين المتنجسة على الماء القليل، فالمشهور نجاسة الماء، وعدم طهارة العين، وهو ما قطع به الصيدلاني؛ لأنه ﵇ فرق بين الوارد والمورود بقوله الذي أخرجه مسلم: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثاً". وقد قيل: إنه يطهر، وهو اختيار ابن سريج، كما لو كان الماء وارداً. وقيل: إنه قال: لو وقع في الإناء بطيران الريح، لم يطهرن بخلاف ما إذا طرحه قصداً، فظن به اشتراط القصد في إزالة النجاسة، وقد صرح [به] عنه القاضي الحسين في باب النية في الوضوء، وقال: إن أبا سهل الصعلوكي قال به أيضاً، وهو في "التتمة" كذلك. والقاضي أبو الطيب حكى هذا الوجه- أيضاً- لكنه لم ينسبه لأحد، ولفظه: إذا

стр. 685

طرح الثوب في الإناء وفيه الماء ففيه وجهان: الصحيح: أنه نجس. والثاني: أنه إن قصد بطرح الثوب فيه غسل النجاسة منه طهر الثوب، كما لو كان الماء وارداً. [قال:] وهذا ليس بشيء؛ لأن غسل الصبي والمجنون والكافر النجاسة جائز وإن لم يصح منهم قصد. فرع: وإذا تنجس الزيت بالنجاسة هل يمكن تطهيره؟ إن كانت النجاسة وَدَك ميتة ونحوه فلا، وإن كانت بولاً ونحوه مما لا دهنية فيه، ففي إمكان تطهيره خلاف: اختار أبو الطيب في باب الأطعمة إمكانه، وهو ما قال البندنيجي: إنه المذهب، [وقال الماوردي: إنه ظاهر المذهب]. وبه قال جمهور أصحابه: عدم إمكانه، وهو الأصح في "تعليق" القاضي الحسين، وقال: إن حكم السمن حكم الزيت، وأبو الطيب والبندنيجي جزماً فيه بعدم إمكان غسله، وألحق القاضي أبو الطيب به الودك. والزئبق متفق على عدم إمكان غسله. قال القاضي الحسين: لأنه لا يتقطع عند ملاقاة الماء على الوجه الذي يتقطع عند [إصابة] النجاسة.

стр. 686

قال: والأفضل أن يغسل ثلاثاً؛ لأن ذلك مستحب عند الشك في النجاسة بقوله ﵇: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ .. " الخبر؛ فذاك مع تحققها أولى، ولا يجب؛ لأنه روى أن ابن عمر قال: كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرات، وغسل النجاسة سبعاً، فلم يزل رسول الله ﷺ يسأل حتى جعلت الصلاة خمساً، والغسل من الجنابة مرة، وغسل النجاسة مرة. قال: وما لا يزول أثره بالغسل- أي: المعتاد- بحيث ينزل الماء بعد الحَتِّ والتحامل صافياً كالدم وغيره إذا غسل وبقي أثره، لم يضره. التمثيل بالدم يقتضي أن مراده بغيره ما هو مثله مما له لون لا يزول أثره بالغسل، فإن الذي يُبْقي الدم من الأثر بعد الغسل المعتاد إنما هو بقايا اللون، وإذا كان كذلك فوجهه في الدم ما روى أبو هريرة أن خولة بنت حكيم أتت النبي ﷺ ، وقالت: يا رسول الله، إني ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه، فكيف أصنع؟ قال: "إِذا طَهُرْتِ فَاغْسِلِيهِ، ثُمَّ صَلِّي فِيهِ"، قالت: فإن لم يخرج الدم؟ قال: "يَكْفِيكِ المَاءُ لاَ يَضُرُّكِ أَثَرُهُ" أخرجه أبو داود، ورواية البخاري ومسلم عن أسماء بنت أبي بكر قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها دم الحيضة، كيف تصنع؟ قال: "تحته، ثُمَّ تَقْرُصهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ تَنْضَحُهُ ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ" وفي رواية: "لِتَقْرصْه، ثُمَّ لتَنضَحْهُ بِمَاءٍ ثُمَّ لتُصَلِّ فِيهِ"، وذلك يدل على المدعي أيضاً؛ إذ لم يفصل بين بقاء لونه بعد ذلك أو لا. [ثم هذه] الرواية وإن دلت ظاهراً على وجوب الحَتِّ وهو الحك بطرف شيء،

стр. 687

وهو بالتاء ثالثة الحروف، والقرص وهو الدلك بأطراف الأصابع- فالأولى تقتضي حمله على الاستحباب؛ للجمع بينهما، وبعض أصحابنا يحملها على أن الماء كان عندهم قليلاً فأمرها بذلك؛ لتخف النجاسة. ثم القول باستحباب الحت والقرص منسوب في "الرافعي" إلى معظم الأصحاب، وقال: إنَّ نقل بعضهم يشعر باشتراطه، وهو ظاهر كلام الغزالي. قلت: وهذا من الرافعي يوهم خلافاً في أنه إذا تأتي [إزالة ذلك] بالحت والقرص، هل يجب أم لا؟ وكلام أبي الطيب وابن الصباغ يوهمه، أيضاً. وكلام الماوردي يفهم أن محل استحبابه إذا كان أثر النجاسة يزول بدونه، فإن داود يقول: إنه لا يجزئ، ويجب الحت والقرص، [ولعل هذا] هو الأصح، وعليه ينطبق كلام المتولي، بل قال: إذا لم يقدر على إزالة رائحة الخمر إلا [بنوع] معالجة، وجب. وأعم منه قول القاضي الحسين في باب ما يفسد الماء: إن النجاسة العينية يجب إزالة عينها، فإن لم يذهب الأثر، فعليه أن يغسله بالأشنان وغيره، ويستقصي فيه، فإن لم يذهب فالظاهر أن يكون معفوّاً عنه؛ لقول عائشة: "كنا نغسل الثياب من دم الحيض، ويبقى فيه بقعة أو بقع، فنمسحها بالحناء، ونصلي فيها". وقد استحب الأصحاب لأجل ذلك لطخ الأثر بالحناء ونحوه. واقتصر بعض الأصحاب على العفو عن أثر الدم، وقال: لون غيره يدل على بقاء عينه؛ فلا يعفى [عنه]. وفي "الجيلي" حكاية قول عن "اللباب": أنه لا يعفى عن اللون مطلقاً، وهو في "الحاوي" و"التتمة" وجه نسبه الإمام إلى صاحب "التلخيص"، والصحيح العفو عن اللون الذي تعسر إزالته مطلقاً.

стр. 688

وقد أفهم كلام الشيخ- كما قررناه- اختصاص العفو بأثر اللون، وسكت عن ذكر المحل الذي يعفى عنه إذا بقي فيه، والمراوزة قالوا: الطعم لا يعفى عنه بلا خلاف؛ لأنه يدل على بقاء العين [قطعاً] ولا يعسر زواله. وصور الرافعي ذلك بما إذا دَمِيَتْ لثته أو تنجس فاه بنجاسة أخرى، فغسله، ودام طعم النجاسة فيه. وأما الرائحة فإن سهل إزالتها فلا يعفى عنها، وإن عسر- كما في بول المُبَرْسَم، والخمر العتيقة- ففي العفو عنها بعد المبالغة قولان: ينظر في أحدهما إلى أن الغالب من الروائح الزوال، والحكم للغالب، وفي الآخر إلى عسر الاستخراج. وهذا ما قال القاضي الحسين: إنه المنصوص، وهو أصح في "النهاية" موجهاً بأن رائحة الخمر الزكية قد تبقى في البيت أياماً بعد نقل ظرفها. واللون إذا سهل إزالته فلا عفو، وإن عسر كلطخات الدمامل فهو عفوٌ. وقال القاضي الحسين: يجب أن يرتب على الرائحة، فإن قلنا: بقاء الريح لا عفو عنه، فعند بقاء اللون أولى. وإن قلنا بالعفو عن الريح، فالعفو عن اللون يحتمل وجهين: أحدهما: أنه كالريح. والثاني: لا يعفي عنه. والفرق: أو اللون أقوى؛ لأنه في الحقيقة جزء لطيف من العين؛ فلا يتصور انفكاك اللون عن العين، والريح قد يُنفك عنها بدليل ما ذكرناه في نقل الخمر. واقتضى كلامهم: أنه لا فرق فيما ذكرناه بين أن يصيب الثوب ويبقى ما ذكرناه فيه، أو يصيب غيره، والقاضي الحسين [صرح] به فيما إذا أصاب الثوب، وقال: إنه لو صبغ الثوب بصبغ نجس، فغسله بالماء وأنعم الغسل، وبقي اللون، قالوا: يحكم بطهارته؛ لأن الماء يقدر على إزالة النجاسة ورفعها، ولا يقدر على قطع الألوان ورفعها من المحالِّ، فإذا أورد الماء عليه، علمنا أن ما [يمر] عليه من النجاسة قد

стр. 689

زالت وإنما بقي [اللون]. قال: ويدل على ذلك: أن الصبغ النجس عند الانفراد إذا غمر بالماء يحكم بطهارته، واللون دائم كما قبل الغسل. وكذا إذا اختضبت المرأة بالحناء النجس، ثم غسلته يحكم بطهارة المحل وإن بقي اللون؛ لما ذكرناه من المعنى. وقد ذكر القاضي هذا مرة أخرى في باب الأطعمة. وقال الإمام هنا فيما إذا صبغ الثوب بصبغ نجس معقود [و] لم ينفصل؛ لانعقاده، وزاد وزن الثوب [به]: الذي يظهر عندي اجتناب مثله، والذي ذكره الأصحاب من العفو عن الأثر أراه إذا لم يقدر له وزن، ويسبق إلى الذهن أنه لون بلا عين وإن كان غير ممكن، ولكن الشرع مبناه على ظواهر الأمور. قلت: وهذا لعله أقرب، وما ذكره القاضي من الاستشهاد على ما ذكره بأن المرأة إذا اختضبت بالحناء النجس ثم غسلته يحكم بطهارته- فقد قال الماوردي في باب الصلاة بالنجاسة: إنه حكى عن الشافعي- ﵁: أنه نص عليه؛ لأن اللون عرض والنجاسة لا تخالط [العرض]، وإنما تخالط العين، فإذا زالت العين التي هي محل النجاسة، زالت النجاسة بزوالها. وقال في باب ما يفسد الماء: إنه لو خضب شعره أو بدنه بخضاب فيه بول أو خمر، ثم غسله، فبقى [لونه] فإن كان الباقي لون النجاسة، فالمحل المخضوب نجس لا يطهر حتى يزول اللون. وإن كان الباقي لون الخضاب فقط، ففي نجاسته وجهان: فإن قلنا بنجاسته، أعاد ما صلاه، وهو عليه بعد زواله. والعراقيون لم أقف في كلامهم على بقاء الأثر فيما عدا الأرض، وأما في الأرض، فقالوا: إن كان الباقي بعد الغسل لون النجاسة لا يعفى عنه بلا خلاف؛ فإن اللون عرض، والعرض لا يقوم بنفسه، فكان بقاؤه دليلاً على بقاء عينه. وإن بقي الريح، ففي العفو عنه وجهان في "تعليق" أبي الطيب وقولان منصوصان في "الحاوي" [وغيره]، وعزاهما ابن الصباغ إلى "الأم":

стр. 690

أحدهما: أنه كاللون. والثاني: [أنه] يطهر؛ لأن الرائحة تتعدى محلها، فعُفِي عنها، كما يعفَى عن تغير الماء بجيفة بقربه، ولا كذلك اللون؛ فإنه لا يتعدى محله؛ فلا يعفى عنه. والماوردي قال في الأرض ما قاله العراقيون، وقال: إنه لا يعفى عن الريح في الثوب قولاً واحداً؛ لأن حكم النجاسة في الأرض أخف؛ لكونها معدناً للنجاسة. وأما في الإناء إذا بقيت فيه الرائحة، ففي العفو طريقان: منهم من قال: هو كالأرض. ومنهم من قال: يطهر قولاً واحداً؛ لأن بقاء الرائحة [فيه]؛ لطول المكث وكثرة المجاورة. فإن قُلْتَ: قد رجع حاصل ما نقلته أنه لا يعفى عن اللون في الأرض والثوب والإناء قولاً واحداً، وفي العفو عن الريح ما سلف، وما ذكره الشيخ من المثال كما قررتموه يقتضي العفو عن اللون مطلقاً، وهو مخالف للمنقول. قُلْتُ: يمكن أن يحمل المنقول على ما إذا بقي لون النجاسة، وهو ظاهر اللفظ، وكلام الشيخ في بقاء أثر اللون لا اللون نفسه؛ فلا منافاة بينهما، والله أعلم. تنبيه: عدول الشيخ عن قوله: إذا غسل وبقي أثره طهر، إلى قوله: "لم يضر"- يفهم أن المحل لا يطهر، وإنما هو معفو عنه، وهو ما أبداه الرافعي احتمالاً [لنفسه]، وشبهه بالأثر بعد الاستنجاء ودم البراغيث، وأيده بأنه ليس في الأخبار تصريح بالطهارة، وإنما تقتضي العفو والمسامحة. وقد تعرض في "التتمة" لمثل هذا في الرائحة، فقال: إن قلنا: لا يطهر، فهو معفو عنه، كدم البراغيث، لكن الذي أطلقه الأكثرون القول بالطهارة. وقال القاضي الحسين: لأنه لو كان نجساً معفوّاً عنه، لكان إذا أصابه بلل تنجس، كمحل الاستنجاء، وها هنا لا يصير نجساً بإصابة البلل؛ لقول عائشة: "فنلطخه بالزعفران ونصلي فيه"، وعلى هذا يكون تقدير كلام الشيخ: لم يضر في منع الحكم

стр. 691

بالطهارة، والله أعلم. قال: وما غسل به النجاسة- أي: وهو قليل وارد عليها كما تقدم- فهو طاهر، أي: سواء طهر المحل أو لم يطهر؛ لعموم قوله ﵇: "خَلَقَ اللهُ المَاءَ طَهُوراً لَا يُنَجِّسُهُ إِلا مَا غَيَّرَ .. " الخبر. ولأنه لا يمكن حفظه من النجاسة؛ فلم ينجس إلا بالتغير، كالماء الكثير. و [لأنه] لا ينجس بملاقاة النجاسة قبل الانفصال وفاقاً؛ فوجب أن يكون بعد الانفصال كذلك؛ إذ ليس له بعد الانفصال حال لم يكن عليها قبل الانفصال؛ وهذا ما حكاه في "المهذب" وجهاً عن أبي العباس، و [عن] أبي إسحاق، وكذا أبو الطيب قبله، والماوردي نسبه إلى الداركي وطائفة، وقال في "الوسيط": إنه القديم، وقال القاضي الحسين: القديم أنه طهور، وعليه جرى الرافعي. وهذا الوجه يعبر عنه بأن حكم الغسالة إذا لم تتغير [كحكمها] قبل الغسل. وقيل: هو نجس- أي: في الحالين- لأنه ماء قليل لاقته نجاسة فنجسته، كما في غير حالة الإزالة، وهذا وجه في "المهذب" منسوب إلى الأنماطي، وفي "الشامل" وغيره نسبته إليه فيما إذا انفصل وقد طهر المحل، وأنه وجهه بأنا حكمنا بانتقال النجاسة إليه قطعاً. والقاضي الحسين قال: إنه نقله قولاً. والإمام قال: إنه خرجه قولاً. أي: في الجديد، كما قال الرافعي. وهذا الوجه يعبر عنه بأن حكم الغسالة حكم المحل قبل غسله بها، كالماء المستعمل في الحدث، ومنه خرج. وقيل: إن انفصل وقد طهر المحل فهو طاهر؛ لأنه- ﵇ أمر بصب ذنوب على بول الأعرابي في المسجد، ولو لم تكن الغسالة طاهرة، لما أمر بذلك؛ لأن فيه تكثيراً للنجاسة في المسجد.

стр. 692

وإن انفصل ولم يطهر المحل فهو نجس؛ لأن المنفصل جزء من المتصل، والمتصل نجس، فكذا المنفصل. وهذا وجه حكاه في "المهذب" عن ابن القاص، والماوردي نسبه إلى أبي إسحاق وجمهور الأصحاب، وصححه في "التتمة". وابن الصباغ والبندنيجي قالا: إنه ظاهر قوله- أي: الشافعي-[في "أحكام القرآن"، ولا جرم قال الإمام: إنه نص عليه، وأبو الطيب: إنه المذهب، والغزالي] والرافعي: إنه الجديد، ويعبر عنه بأن حكم الغسالة حكم المحل بعد الغسل. وأثر الخلاف يظهر فيما لو وقع من غسلة من غسلات الكلب شيءٌ على شيء طاهر، هل يجب غسله أم لا؟ وماذا يغسل؟ فإن قلنا بالأول، فالمشهور: أنه لا يجب غسله؛ لأن غسل الطاهر لا يلزم. وفي "الحاوي" حكاية وجه آخر: أنه يجب؛ لما يعلق عليه من حكم الولوغ المستحق للغسل؛ وعلى هذا في قدر غسله وجهان: أحدهما: مرة. والثاني: بعدد ما بقي، كما سنصفه. وإن قلنا بالثاني، ينظر: فإن كان الواقع من [الغسلة] الأولى غسله سبعاً، إحداهن بالتراب. وإن كان من الثانية، فستّاً. وإن كان من الثالثة، فخمساً، وهكذا. ثم إن كان التعفير وجد فيما قبل الغسلة التي الماءُ الواقع منها، لم يحتج إليه، وإلا فلابد منه. وإن قلنا بالثالث: فإن كان الواقع من الأولى [غسله] ستّاً. [وإن كان من الثانية، فخمساً]. وإن كان من الثالثة، فأربعاً، وهكذا. اللهم إلا أن يكون من السابعة، فإنه لا يوجب الغسل؛ لأن المحل بعده طاهر، كذا

стр. 693

صرح به الإمام وأبو الطيب، وقال: إنه المذهب. وحكم التعفير كما سلف. وقال الماوردي فيما إذا كان من السابعة- والتفريع على ما ذكرناه-: يجب أن يغسل مرة أيضاً، ويكون حكم الولوغ ساقطاً، وحكم النجاسة باقياً. وحكى هو وغيره من أهل الفريقين وجهاً آخر: أنه يجب غسله مرة واحدة من أي غسلة وقع؛ لأن كل غسلة ترفع سُبع النجاسة، فلزم غسل ما أصابته مرة. أما إذا غسلت النجاسة بالماء الكثير، ولم يتغير، فهو طاهر بلا خلاف. وإن كان بماء قليل، وقد وردت النجاسة [عليه]، فحكمه قد سلف. وإن كان الغسل بماء قليل ورد على النجاسة، وانفصل متغيراً فهو نجس بلا خلاف. وفي الحكم بطهارة المحل إذا لم يبق للنجاسة أثر فيه وجهان في "تعليق" القاضي الحسين، وأصحهما في "التتمة": الحكم بالنجاسة، وهو ما اقتضاه كلام ابن الصباغ؛ لأنه شرط في طهارة المحل مع ما ذكرناه انفصال الماء [غير متغير]. وألحق القاضي الحسين والمتولي بهذه الحالة ما إذا انفصل الماء غير متغير، لكن زاد وزنه، فيكون الماء نجساً، وفي طهارة المحل الوجهان، صرح بهما في "التتمة". فروع: إذا حكمنا بطهارة الغسالة لا يجوز استعمالها في إزالة نجاسة أخرى على الجديد، وبه جزم البندنيجي والإمام هنا، وفي جواز استعمالها في رفع الحدث وجهان: أصحهما: لا، وقال البندنيجي: إنه المذهب. وإذا حكمنا بنجاسة الغسالة إذا لم يطهر المحل، فلو لم تحصل الطهارة إلا بمجموع غسلات، فما عدا الأخيرة نجس، ولو خلط الجميع، ولم يبلغ قلتين وهو غير متغير- فوجهان: أحدهما- وهو الأصح في "الشامل"، والمذهب في "تعليق" أبي الطيب،

стр. 694

والمختار في "المرشد": أنه نجس؛ لأنه ماء قليل خالط ماء نجساً. والثاني: أنه طاهر؛ لأن جميع الغسلات في حكم غسلة واحدة؛ إذ بمجموعها طهر المحل. وهكذا الحكم فيما لو جمعت الغسلات من ولوغ الكلب وهي غير متغيرة. ولو بلغ مجموع الغسلات قلتين طهر، سواء كان من غسالة كلب أو غيرها. وفي "الكافي" وجه: أن غسالة الكلب لا تطهر وإذا بلغت حد الكثرة. والأصح الأول. والخلاف المذكور فيما إذا خلط ما حكمناه بطهارته ونجاسته من الغسالة جَارٍ فيما لو كان في الإناء بول أو ماء نجس فغمره بماء طهور حتى زال أثر النجاسة، هل يطهر الإناء وما فيه أو لا؟ قال أبو علي في "الإفصاح": إن الأشبه بمذهب الشافعي الطهارة. وفي "النهاية" نسبة هذا إلى ابن سريج وأن الشيخ أبا علي قال: هذا منه تفريع على أن العصر لا يجب، ولا يشترط غزالة الغسالة، فأما إذا شرطنا ذلك فهو غير ممكن؛ فإن الوارد لا يتميز عن المورود عليه، فالكل نجس. قال الإمام: وهذا عندي- إن صح النقل- من هفوات ابن سريج، ثم قال ابن سريج: ينبغي أن يكون الوارد أكثر من المورود عليه، حتى يحصل الغسل بهذه الجهة، وكلام الأصحاب السالف لا يقتضي ذلك. ***

стр. 695

كتاب الصلاة الصلاة في اللغة: الدعاء، قال الله- تعالى-: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] أي ادع لهم، وقال- ﵇: "إذا دعي أحدكم [إلى] طعام فليجب: فإن كان مفطراً فليطعم، وإن كان صائماً فليصل" أي: فليدع. وفي الشرع: أفعال وأقوال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم بشرائط مخصوصة، سميت بذلك؛ لاشتمالها على الدعاء؛ كما سميت: قرآناً في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]؛ لاشتمالها عليه، هذا هو [المشهور] والصواب الذي قاله الجمهور من أهل اللغة وغيرهم من أهل التحقيق. وقيل: سميت صلاة؛ لما يعود على فاعلها من البركة في دينه ودنياه، والبركة تسمى: صلاة. وقيل: سميت بذلك؛ لأنها تفضي إلى المغفرة التي هي مقصود الصلاة ومقصود الشيء أحق بإطلاق اسمه عليه، والمغفرة والاستغفار تسمى: صلاة، قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٦] يريد بصلوات الله: المغفرة؛ لأنه ذكر بعدها الرحمة، وقال- تعالى-: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٦] يعني: المصلين. وقيل: سميت بذلك؛ لأن المصلي إذا قام بين يدي الله في الصلاة أصابه من خشيته ومراقبته ما يلين ويقيم اعوجاجه؛ مأخوذ من التصلية، يقال: صلَّيت العود، إذا ألنته بالنار فسهل تقويمه من الاعوجاج. قال النواوي: وهذا فيه غباوة [ظاهرة] من قائله؛ لأن لام الكلمة في "الصلاة" واو، وفي "صليت" ياء، فكيف يصح الاشتقاق

стр. 696

مع اختلاف الحروف؟!. وقيل: سميت بذلك؛ لأن المصلي يتبع فعل من تقدهم، فجبريل- ﵇ أول من سبق بفعلها فكان- ﵇ تابعاً له مصليّاً، ثم المسلمون بعده. وقيل: سميت بذلك؛ لأن رأس المأموم عند صَلَوَي إمامه؛ ولهذا كتبت في المصحف بالواو، والصلوان: عظمان عن يمين الذنب ويساره في موضع الردف. وقال النواوي: إنهما عرقان من جانبي الذنب، وعظمان ينحنيان في الركوع والسجود. وقيل: سميت بذلك؛ لأن المصلي يحني فيها ظهره في الركوع والسجود؛ تعظيماً لله- وتواضعاً له؛ ولأن العرب تقول: صلى فلان لفلان؛ إذَا عظمه؛ اشتقاقاً من "الصلا": وهو ظهر الإنسان. والأصل في وجوبها في الجملة- قبل الإجماع- من الكتاب آيات منها قوله- تعالى-: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ٧٦]، وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البينة: ٤]، وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ..﴾ إلى آخرها [التوبة: ٤]، وفي القرآن من ذلك كثير. قال القاضي أبو الطيب: وما ورد من ذلك فهو محمول على الصلاة الشرعية دون اللغوية؛ لأن الشرع طارئ على اللغة وناسخ لها؛ فالحمل على الناسخ المتأخر أولى.

стр. 697

ولأنه- ﵇ مبعوث لبيان الشريعة، لا اللغة؛ إذ هو وغيره فيها سواء. وقال الماوردي: إن أصحابنا- في جملة العلماء- اختلفوا في أن لفظ "الصلاة" في قوله- تعالى-: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [يونس: ٨٦] وغيرها من الآيات من المجمل الذي لا يعقل معناه إلا بالبيان، أو هو ظاهر معقول المعنى قبل ورود البيان؟ على وجهين، وبنوا عليهما أن اسم "الصلاة" هل جاء به الشرع؛ كما جاء ببيان الحكم، أو كان معروفاً عند أهل اللسان والشرع، مختصّاً ببيان الأحكام؟ فمن قال بالأول قال: إن الشرع أحدث الاسم [كالحكم]، ومن قال بالثاني قال: إن الاسم مأخوذ من أهل اللغة واللسان. والذي عليه [جمهور] أهل العلم مذهب ثالث، وهو ما قدمناه. ومن السنة- مع ما سنذكره في الباب والذي يليه- ما روى ابن عمر أنه- ﵇ قال: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان" أخرجه مسلم. قال: يجب فرض الصلاة على كل بالغ عاقل طاهر مسلم، هذا الكلام مسوق لبيان من هو المخاطب بفرض الصلاة، وهكذا فعل في الصيام والزكاة، ولاشك في أن من اتصف بالصفات التي ذكرها مخاطب به، ومن فقد في حقه وصف منها سيأتي الكلام فيه. والفرض في كلام الشيخ بمعنى: المفروضن فقد يظن بعض الطلبة أن الشيخ ساق ما ذكره؛ لتعريف ما يجب من الصلوات، فيقول: كيف يحسن أني قول: "يجب فرض الصلاة" مع أنه لا فرق عندنا بين الواجب والفرض؛ لأنه يصير معنى الكلام: يجب الواجب، وذلك في غاية الركة؟! وليس الأمر إلا كما ذكرناه، ومنه يظهر لك أنه في غاية الفصاحة؛ لأن اختلاف الألفاظ مع اتحاد المعنى من أساليب البلاغة. فإن قلت: يلزم- على هذا- ألا يكون الشيخ قد تصدى للكلام في فرضية

стр. 698

الصلاة، حتى يقام الدليل عليها، وهو خلاف ما جرت عليه الأئمة. قلت: صحيح، لكنْ في كلامه تلويح قائم مقام التصريح، فيحسن إقامة الدليل عليه بما صدرنا به الباب، مع أنه لو لم يكن في كلامه ما يرشد إليه لم يحسن الاعتراض عليه؛ لأن الذي يحتاج إلى التنبيه ما [يمكن] أن يقع الخلاف فيه، وفرض الصلاة معلوم من دين محمد ﷺ بالضرورة، وبمثل هذا قال في كتاب الزكاة: لا تجب إلا على كذا، وفي كتاب الصيام: يجب صوم رمضان على كذا، فساق ذلك؛ لبيان من يخاطب به، ولم يصنع مثل ذلك في كتاب الحج وإن شارك ما نحن فيه فيما ذكرناه؛ لأن العمرة مما وقع الاختلاف فيها، وهي معطوفة عليه، والله تعالى أعلم. قال: فأما الصبي ومن زال عقله بجنون أو مرض- أي: وما في معناه- والحائض والنفساء؛ فلا يجب عليهم. هذا الفصل مسوق لبيان الحكم فيمن احترز عنهم في الفصل قبله، وهو يشتمل على مسائل: الأولى: الصبي لا تجب [الصلاة] عليه؛ لقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل".

стр. 699

....................................................................................................

стр. 700

....................................................................................................

стр. 701

أخرجه أبو دود وابن ماجة، وكذا الترمذي وقال: حديث حسن. وهذا هو المشهور، وعنه احترز الشيخ بقوله: "بالغ". قال البندنيجي قبيل [باب] اختلاف نية الإمام والمأموم: وقد [أفتى الشافعي] في "الأم" في استقبال القبلة: أنه يجب على الصبي فعلها قبل بلوغه، لكنه لا يعاقب على تركها عقوبة مَنْتَرَكَهَا بعد بلوغه. قال: وليس هذا بمذهب؛ لأنه غير بالغ فلا يكلف بالعبادات. المسألة الثانية: من زال عقله بجنون أو مرض لا تجب عليه أيضاً: أما الجنون فللخبر، وأما من زال عقله بمرض: كالمغمى عليه والمبرسم، ونحوهما؛ فلأنه في معناه فألحق به، وقد روى الدارقطني أن عائشة قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الرجل يغمى عليه فيترك الصلاة؟ فقال: "ليس من ذلك قضاء، إلا أن يغمى عليه،

стр. 702

فيفيق في وقتها؛ فيصليها". ومن شرب شراباً لا يرى جنسه مسكراً فكان مسكراً؛ وزال عقله بسببه- يلتحق بما ذكرناه؛ وهذا ما احترز عنه بقوله: "عاقل". واقتصاره على ما ذكر يفهم أن من زال عقله بما سوى ذلك، تجب عليه، وهو يشمل [صورتين]- على رأيه-. إحداهما: من زال عقله بالنوم، ويقوي هذا المفهوم قوله من بعد: "إلا نائم"، ويشهد له قوله- ﵇: "من نسي صلاة، أو نام عنها؛ فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" رواه مسلم. لكن في "الذخائر": أنمن زال عقله بالنوم فطبق [الوقت] فهو غير مخاطب بتلك الصلاة. وصار بعض الفقهاء إلى تكليف النائم في بعض الأحكام. ثم قال: فإن قيل: فلم أوجبتم القضاء عليه؟ [قلنا]: للأمر الجديد، وقال: إن الحكم في الساهي والجاهل؛ كالحكم في النائم. وكلام الشيخ الآتي ينازع فيه. الثانية: من شرب ما جنسه مسكراً فزال عقله بسببه، وإليه أشار في "المهذب"، [وبه] صرح في "التتمة"، ووجهه: أن فعل ذلك معصية، وترك الوجوب [عن المجنون] بمعنى: عدم إيجاب القضاء رخصة، والرخصة لا تنال بالمعاصي. فإن قيل: لو ألقى نفسه من شاهق جبل عمداً؛ فانكسرت رجله؛ فصلى قاعداً- فلا قضاء عليه على [المذهب] وإن كان ما أتى به معصية. قيل: من رمى نفسه من شاهق؛ انتهت معصيته بسقوطه؛ فهو غير عاص في دوام القعود، ولا كذلك من ذكرناه.

стр. 703

قال الإمام في باب صلاة المسافر: وهذا يمكن أن يقال في السكر أيضاً؛ لأن نفس السكر ليس بمعصية، فإنه ليس فعلاً مقدوراً للمكلف، ولكن لما كان مرتباً على الشرب لم يتضمن تخفيفاً في باب العبادات، وهكذا ما نحن فيه. ويمكن أن نفرق بأن السكر محبوب في الجبلات، فلا يمنع أن يلحق بالمعاصي؛ حتى ينزجر الناس عن التسبب إليه، ولولا السكر لما اعتمد الشرب؛ فإن الخمر مرة شنعة. المسألة الثالثة: الحائض والنفساء لا تجب عليهما كما هو مذكور في باب الحيض، وعنهما احترز بقوله: "طاهر". وقد أفهم كلام الشيخ: أنه لا فرق في عدم وجوبها على المجنون والحائض والنفساء، بين أن يكون حصل ذلك من غير تسبب فيه أو بتسبب، ولا خلاف في ذلك إذا حصل من غير تسبب، وأما إذا حصل بتسبب: فقد قال بعض الشارحين فيما إذا حصل الجنون بتسببه: إن الصلاة تجب عليه، بمعنى: وجوب القضاء بعد الإفاقة، وهو المذكور في "التتمة" و"تعليق البندنيجي". وعبارة القاضي الحسين في باب صلاة المسافر: أنه إذا شرب الْبنْجَ وغيره مما يزيل عقله، فعليه قضاء الصلاة والصيام بعد الإفاقة كالسكران؛ لأنه جلب إزالة العقل بنفسه؛ فيؤخذ به. قال: ويمكن أن يفرق بين شرب الخمر والأدوية المزيلة للعقل بأن: الشارب يقصد به الدوام دون الابتداء؛ لأن ابتداءه يكره بالطبع، ودوامه يورث الطرب والنشاط، فاللذة في دوامه دون ابتدائه؛ فلزمه القضاء، بخلاف الأدوية المزيلة للعقل؛ فإن الإنسان لا يقصد بشربها الدوام ولا الابتداء؛ فإنها لا تفضي إلى ما فيه لذة. وهذا ما ادعى الإمام أنه المذهب؛ حيث قال: إذا تسبب الشخص في إزالة عقل نفسه؛ فجن، ثم أفاق- فالمذهب: أنه لا يلزمه قضاء [تلك] الصلوات الفائتة في زمن جنونه؛ لأن الجنون مناف لتبعات التكليف بخلاف السكر. قال: وذهب بعض أصحابنا إلى: أنه مأمور بقضاء الصلوات، قال: وهذه مرتبة على

стр. 704

ما إذا رمى نفسه من شاهق كما قدمناه، وأولى بعدم القضاء؛ لأنه [ثم] لم يخرج عن أهلية التكليف. وقال فيما إذا كانت المرأة حاملاً، فسعت في إسقاط جنينها ونفست: فالوجه: القطع بأن ما يفوتها من الصلوات في زمن النفاس؛ لا يلزمها قضاؤه، وذكر بعض الأصحاب فيه وجهاً بعيداً وهو حري ألا يعد من المذهب. وإذا كان هذا حكم النفساء فالحائض كذلك، وقد جزم ابن الصباغ بعدم القضاء. فرع: إذا ارتد ثم جن ثم أفاق وأسلم، قال الإمام في باب صلاة المسافر: فظاهر النص لزوم قضاء ما فاته في حال جنونه، وهو ما حكاه القاضي الحسين فيه، وهو بخلاف ما لو ارتدت المرأة أو سكرت، [ثم حاضت]، ثم طهرت وأسلمت أو أفاقت- لا يلزمها قضاء ما فات من الصلوات في زمن الحيض. قال الإمام: والفرق أن الحائض مخاطبة بترك الصلاة في زمن حيضها، وهي مؤدية ما أمرت به، والمجنون ليس مخاطباً بترك الصلاة في زمن جنونه حتى يقال: إنه أدى ما أمر به. ولو سكر ثم جن لزمه قضاء ما فاته في أغلب وقت السكر، ولا يلزمه قضاء ما فاته بعد ذلك في أيام الجنون، وإن اتصل بالسكر. وفيه وجه ضعيف: أنه يجب قضاء ذلك أيضاً، حكاه مجلي والمتولي. قال: ويؤمر الصبي بالصلاة لسبع، ويضرب على تركها لعشر؛ لقوله- ﵇: "علموا الصبي الصلاة ابن سبع سنين، واضربوه [عليها] ابن عشر" رواه أبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح.

стр. 705

واختلف الأصحاب في حكمة الضرب في العشر: فقيل: لأجل المخالفة في سن يحتمل [فيه الضرب]، وعلى هذا يظهر أن تكون الصبية كالصبي. وقيل: لأنه سن يحتمل أن يكون قد بلغ فيه وكتمه؛ وعلى هذا فتضرب الصبية لِتِسْعٍ؛ وبه صرح في "الحاوي". والمعنى في الأمر بالصلاة في السن المذكور: أن يبلغ وهو يحسن ذلك. والآمر للصبي بذلك [وليه: وهو] الأب والجد والوصي والحاكم وأمينه؛ كما حكاه البندنيجي وغيره قبيل [باب] اختلاف نية الإمام والمأموم. وهل مخاطبة الولي بأمره الصبي بذلك على وجه الوجوب، أو الاستحباب؟ فيه وجهان: ظاهر النص منهما الأول، وهو الذي حكاه في "الحاوي"، [واختاره في "المرشد". وكما يؤمر الولي بأمره بالصلاة، يؤمر بأمره بحضور المساجد والجماعات؛ كما حكاه القاضي أبو حامد عن الشافعي، ويؤمر بتعليمه الطهارة، وما يجزئه في صلاته من القراءة. والخلاف في أن ذلك واجب على الولي أو مستحب، [جار فيه أيضاً؛] صرح به القاضي الحسين؛ حيث قال: هل يجب على الأب أن يعلم ولده الصغير الفاتحة، أم لا؟ فيه وجهان: ظاهر النص: الوجوب، ووجه المنع: أن القراءة إنما تجب بعد البلوغ. قال: وعلى الأول فالأجرة على الأب، فإن كان معسراً ففي مال الابن. قال: وهل له أن يعلمه ما سوى الفاتحة، ويعطي الأجرة من مال الصبي؟ فيه وجهان. وقال في باب حد الخمر: إن أجرة [تعليم] ما يجب تعليمه من القراءة؛ لأجل الصلاة تجب في مال الصبي، وما زاد على الواجب، وكذا أجرة تعليم صنعة أو أدب، هل يجوز صرفه من مال الابن؟ فيه وجهان. وهكذا حكى ذلك في "الكافي" ها هنا، وقال: إن الابن إذا كان معسراً وجب في مال الأب أجرة تعليم ما يجب من القراءة، فإن لم يكن، وجب ذلك على الأم.
следующие страницы →